Полный текст (918 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
غربة الإسلام بين الأمم
أيها المسلمون: أمة الإسلام تعيش غربة حقيقية بين الأمم وتنبع غربتها في تميزها وتمنعها عن السير في ركاب الظلم والاستسلام، وقد جر عليها هذا ضغوطا ًكبيرة، وأحمالاً ثقالاً، مادية وأدبية، لا تكاد تدركها، مستها فيها البأساء والضراء وزلزلت.
أيها المسلمون: طغيان القوة وغرورها يجعل صاحبه لا يبالي بمواقف الآخرين، ولا بحقوقهم، بل إنه ليستهين بالأعراف وقواعد التعامل، ويستكثر على غيره أن ينظر في مصالحه، أو يتمسك بحقوقه، أو يعتز بهويته وقيمه.
فالضعفاء في ميزان الظلم لا حق لهم إلا الخضوع والاستسلام، وحين تضعف الأمم يتفجر الحقد المكبوت، ويظهر الخصوم يناوشون من مكان بعيد.
إن الإنسانية كلها مدعوة إلى التأمل في الأخطار الرهيبة، التي تنتظرها إذا تجاهلت النذر المتصاعدة من الصدور الحاقدة التي تبث نيران العداوات والصراعات المدمرة، وازدراء الأمم في معتقدها وفكرها وديانتها.
الظلم هو وقود الصراعات، والعنف لا يولد إلا العنف، وعقلاء البشر وقراء التاريخ يدركون أن قوة الظلم ما هي إلا كضوء شهاب، سرعان ما ينطفئ.
إن الأمة الحية، ولو كانت مستضعفة، فإنها لن تقبل الظلم، بل قد تكون هذه الضغوط والمتغيرات سبباً من أسباب يقظتها، وحيويتها، فلا تهون عليها عزتها وكرامتها.
الأمة الكريمة الضعيفة، وإن كانت لا تقوى على المواجهة في مرحلة من المراحل، لكنها لا ترضى بالدنية في عزتها ومبادئها، ولن ترضى أن تنظر للآخرين باستجداءٍِ أو استخذاء.
стр. 562
ضرورة العمل على إحياء الأمة
أيها المسلمون: إن من دلائل الرشد والفقه استيعاب الأزمة وتوظيف دروسها لإحياء الأمة، وبنائها بنفسية عزيزة وثابة من غير ضعف أو خور.
إن من الحق والحكمة الاعتراف بأن الهزائم قد تكون لازماً من لوازم بناء الأمم، من أجل القضاء على سور الاسترخاء، ومظاهر الترف والفسق، ومن أجل الدربة على تحمل الظروف القاسية، وزوال الطبقات الهشة، من أجل الوصول إلى القواعد الصلبة.
وقد تكون الهزائم أكثر ملازمة عندما تسود في الأمة الأمراض الاجتماعية، ويحكمها الظلم، وتشتد المظالم، وتهمل الحقوق، ويفسق المترفون، ويكثر الخبث، فتكون الهزيمة عقوبة.
وتسلط الأعداء بلاء لتستيقظ الأمة وتتوجه نحو العلاج فيكون التمحيص، وتكون التنشئة على الفكر والمسيرة مبصرة، وحينئذٍ يستقيم المسار بإذن الله.
أيها المسلمون: الأمة لا شك بحاجة إلى إعادة ترتيب أمورها، ودراسة أوضاعها بعمق، دراسةً تتفهم المتغيرات، وإنها لمتغيرات كبيرة، طغت على ساحاتها السياسية والاقتصادية والفكرية وغيرها، مدركةً إمكاناتها، مكتشفةً مكامن قوتها وتأثيرها.
стр. 563
الطريق لتصحيح أوضاع الأمة
ومن أجل تلمس طريق المعالجة -معاشر المسلمين- لا بد من التأكيد على أن أولى الأوليات أن تعلم الأمة علم اليقين أنها لن ترتفع لها راية، أو يعلو لها شأن إلا بصدق الإيمان، ونقاء التوحيد، وصفاء الإخلاص، إيمانٌ يستنير به القلب، وتستقيم به الجوارح، وهذا لا يكون إلا بتربية جادة، وإنك لتحزن حينما لا ترى إلا آثار تربية هشة، وأن طاقات الأمة تستنزف في أمور تذهب بحلاوة الإيمان، وتضعف جذوته، وكيف يتصور التطلع إلى النصر بنفوسٍ لم تذق حلاوة الإيمان: ﴿ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله رباً وبمحمدٍ ﷺ رسولاً، وبالإسلام ديناً﴾.
كما يجب التأكيد: أن الطريق الصحيح ومنهج التصحيح، في مواجهة ضغوط الخارج وتحدياته، ليس بالاشتغال بالرد عليها؛ مما قد يجر أو جر إلى معارك خاسرة، ولكن الإصلاح الحقيقي، والتصحيح الجاد، يتمثل في التوجه نحو الداخل وتصفيته وتنقيته: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠].
ولا ريب أن التصحيح من الداخل شاقٌ على النفس، وثقيلٌ في الممارسة؛ لأن الإنسان في هذه الحالة سوف ينقد نفسه، وسوف يصلحها، أي أنه: يجعل من نفسه الحجر والنحات في آنٍ واحد.
وإن أصحاب الطريق المسدود والمتأزمين، هم الذين يسلطون سياط نقدهم دائماً نحو الخارج.
﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠] آية كريمة، ومعلمٌ بارز، وراية مرفوعة، في رسم الطريق لهذا الإصلاح الداخلي، ويقترن بهذه الآية آية أخرى توجه إلى مواجهة الخارج بالنقد الداخلي والإصلاح والتحسين، واقرءوا في خبر غزوة أحد: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥].
إنه ليس من الحكمة تضخيم شأن العدو إلى الحد الذي يجعل تصور هزيمته شيئاً بعيداً، فالعدو بشر له حساباته، وله موازناته، وله مشكلاته وإمكاناته: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤].
إن النصر العام لا بد أن يسبقه نصر خاص.
إن الأمة المنتصرة على أعدائها؛ هي أمة قد حققت قبل ذلك نصراً داخليا.
ومما يجب التأكيد عليه أخيراً: سلاح الصبر، والمراد بالصبر هنا: احتمال المشاق والديمومة في تأدية التكاليف مهما كانت قسوة الظروف.
إن الصبر لا يعني الاستسلام للأحوال السيئة والظروف القاسية، ولكنه يعني عدم اللجوء إلى الحلول السريعة.
إن الجري وراء الحلول السريعة لمشكلات مستعصية مآله الإحباط واليأس، أو الاندفاع والتهور، مما يزيد المشكلات تعقيداً ويجعل الحل الحقيقي بعيد المنال.
إن الصبر توظيفٌ صحيح للوقت والزمن؛ لحل أوضاعٍ لا يُستطاع حلها في الوقت القريب.
وبعد أيها المسلمون: ﴿فإن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا﴾ وإن في رحم كل ضائقة أجنة انفراجها، ومفتاح حلها، وطريق ذلك -بإذن الله- دينٌ صحيح، وعقلٌ مستنير، ومبضع جراح، وحرقة والدة، وعلى الله قصد السبيل، وهو الغالب على أمره: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران:١٨٦].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ ﷺ ، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 564
أهمية المراجعة والاعتراف بالأخطاء
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، أحمده سبحانه وأشكره، ليس لفضله منتهى، ولا لإحسانه حد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إرغاماً لمن كفر به وجحد، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، بالفضائل تشرف، وبالكمالات انفرد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، كانوا للدين أعظم مستند، والتابعين ومن تبعهم بإحسان.
أما بعد:
فإن من صعاب الأمور قيادة الأمم أعقاب الهزائم، وإحياء الأمل بعد الانكسارات، ولكن الرجال يستسهلون الصعب، ويصابرون الأيام حتى يجتازوا الأزمات.
نعم.
إن الأمة الحية اليقظة لا تكف عن مراجعة أمرها، وقياس أدائها في أصولها وأساليبها، كما لا تمل البحث عن المعوقات والحلول.
إن الأمة بحاجة إلى امتلاك الشجاعة الكافية للاعتراف بالأخطاء، والتقصير في مسيرتها، وهي بحاجة إلى التفريق الدقيق بين الأعراض والأمراض، حتى لا تعالج المظاهر والأعراف، وتهمل الحقائق والأدوار.
لقد كشفت الأحداث المتوالية على الأمة اضطراباً في الفهم، واهتزازاً في قراءات الأحداث، واستسلام كثير للتضليل الإعلامي الذي يدير آلته العدو، مما أثار اللبس، وأشاع الشبهات، فأنتج -مع الأسف- استسلاماً في بعض المواطن لأهواء الأقوياء، ولضغوطٍ إعلامية على صوتها.
أيها المسلمون: الإصلاح يبدأ بالنفس، وليس بضجيج الإعلام، ولا هتاف الجماهير، ولا اندفاع الجمهور: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
إن الإصلاح يكمن في صلاح القلوب، وارتباطها بعلام الغيوب.
خضوعٌ تامٌ لله الواحد القهار، عبادةً وتذللاً، وانقياداً وتسليماً.
إن أهل الإسلام -وهم يعيشون أيام هذا الشهر المبارك- أولى ما يكونون في التوجه نحو الإصلاح، وأولى الأولويات البدء بإصلاح النفس، فلتكن -يا عباد الله- هذه الأيام المباركة مواقف صدق، ولا سيما هذه العشر الأخيرة، إنها من أرجى الأوقات، وأحرى ما يؤمل المسلم من خيرٍ وفضلٍ وصلاحٍ وإصلاح، وإن لكم في نبيكم محمد ﷺ لأسوة حسنة؛ فقد كان يخلط العشرين بصلاة وصوم، فإذا كان العشر شمر وشد المئزر، وحسبها فضلاً ما يرجى فيها من ليلة القدر: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٢ - ٣] ﴿من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه﴾ حديثٌ مخرج في الصحيحين.
أيها المسلمون: إن شهركم قرب رحيله، وأزف تحويله، وقوضت خيامه، فبادروا بالتوجه، واجتهدوا في حسن الختام، ودعوا شهركم بالتوبة إلى الله، والإنابة إليه: ﴿وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون﴾ ومن خير أعمالكم: إخراج زكاة الفطر: فهي طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل صلاة العيد فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات، فأخرجوها رحمكم الله طيبة بها أنفسكم.
عباد الله: هذا شهركم قد أذن بالرحيل، وفي بقيته للعابدين الجادين مستمتع، فهل من قلبٍ يخشع، وعينٍ تدمع، وعملٍ صالح يرفع؟
ويا ويح قلوبٍ خراب بلقع، تراكمت عليها الذنوب فهي لا تبصر ولا تسمع!!
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، وسارعوا إلى مغفرة من ربكم، ثم صلوا وسلموا على نبيكم محمدٍ رسول الله فقد أمركم بذلك ربكم فقال في محكم تنزيله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة أعداء الملة والدين، وانصر اللهم عبادك المؤمنين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، ووفق إمامنا وولي أمرنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، وارزقه البطانة الصالحة، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وبسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمة لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة، ويهدى فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى عن المنكر، إنك على كل شيءٍ قدير.
اللهم اجعلنا ممن صام هذا الشهر وقامه إيماناً واحتسابا، اللهم تقبل صيامنا وقيامنا، اللهم وفقنا لقيام ليلة القدر، واكتب لنا فيها عظيم الثواب، وجزيل الأجر يا رب العالمين.
اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك، وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في كل مكان، يا رب العالمين! اللهم انصرهم في فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين، اللهم سدد سهامهم، وآراءهم، واجمع كلمتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم.
اللهم عليك باليهود الغاصبين المحتلين فإنهم لا يعجزونك، اللهم وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم إن بالبلاد والعباد من البلاء واللأواء ما لا يكشفه إلا أنت، اللهم إنا خلقٌ من خلقك فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 565
حديث في التربية
إن الرجال تُصنع صنعاً، ولكن صناعتهم أشق من صنع الآلات وأخطر، وبحسن صناعتهم تنال الريادة في الأرض، والقيادة في الأمم، والصدارة في الشعوب، ولكي يكون هذا الصنع وهذه التربية ناجحة فلابد من معرفة أسس هذه التربية والصناعة ومعالمها.
стр. 566
مفهوم التربية
الحمد لله المنعم على خلقه، المتكفل لكل حي برزقه، أحمده سبحانه وأشكره على إنعامه الجزيل، وأستغفره وأستهديه وهو حسبنا ونعم الوكيل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من وحد ربه، وملأ باليقين والإخلاص قلبه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، المبعوث بالهدى، والمنقذ بإذن ربه من الردى، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار من المهاجرين والأنصار، ما تعاقب الليل والنهار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: -
فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله رحمكم الله، حيثما كنتم، واحذروا سخطه وغضبه، فهو سبحانه يعلم ما أخفيتم وما أعلنتم، وشؤم الذنوب عظيم، وعقبى المعاصي وخيم، فاتقوا الله ربكم واحذروها، وزكوا أنفسكم بالتوبة وطهروها.
أيها المسلمون: خص الله بني آدم بالخلافة في أرضه، لما خصهم به من الإدراك والمعرفة، وعلّم آدم الأسماء كلها، كما خصهم سبحانه بأدواتها ووسائلها من السمع والبصر والفؤاد: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨].
فالسمع وسيلة لمعرفة ما اكتسبه الآخرون، والبصر وسيلة للإضافة والتنمية والتطوير، أما الفؤاد فأداة التنقية من الأدران، والتخليص من الشوائب، واستخلاص العبر والنتائج، وهذه القوى الثلاث إذا ما تضافرت أنتجت بإذن الله المعارف الحقة، والعلوم النافعة: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الاسراء:٣٦] ومن أجل هذه فإن الريادة في الأرض، والقيادة في الأمم، والصدارة في الشعوب، فازت بها فئات من الرجال، وطبقات من الناس استطاعت التفوق على غيرها، وإحراز قصب السبق في ميادين العلم والمعرفة، والأخلاق والآداب، والرجال في هذا الباب تصنع صنعاً، في صناعة أشق من صنع الآلآت وأخطر.
وإن في قول الحق في شأن نبيه وكليمه موسى ﵇: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] إشارة بديعة إلى ما تحتاجه تلك الصناعة من لطف إلهي، وعناية ربانية.
إن الرجال يصنعون صناعة أي صناعة! إن لكل أمة محترمة، ولكل شعب متحضر مبادئ وأعرافاً، وأحكاماً ونظماً ترتب علاقاته بين أفراده، وعلاقاته مع الآخرين، كل أمة محترمة تضع الخطط والمناهج لإيجاد مناخ سليم لإعداد الأجيال الناشئة، لتلقي تلك المبادئ والنظم، والإيمان بها، والغيرة عليها، والدفاع عنها.
أيها الإخوة: إن ذلك كله لا يكون إلا بالتربية، إن التربية -أيها الإخوة- هي التكامل، وهي التطور، وهي الاستمرار، وهي التغير.
التربية بإذن الله تحدد طريق السعادة كما تحدد طريق الشقاء، إنها صورة مجتمع في قيمه وأعرافه، ومثله وأخلاقه.
التربية هي الإعداد للحياة، وصقل العقول، وتهذيب السلوك، وتنمية الذوق الرفيع، والتدرج في مراقي الكمال الإنساني، إنها غرس ودرس، وغاية ورعاية، وعطاء ونماء، تربية دقيقة جادة تقوم على بناء المجتمع، وتصحيح الخاطئ من مفاهيمه، وإقامة المعوج في سلوكه.
تربية تجمع بين سلامة المعتقد وتأديب النفس وتهذيب العقل وبناء الجسم.
التربية هي التي تعمل على تماسك البناء الاجتماعي، وتحقق أمن الفرد، وتشبع حاجاته.
التربية وسيلة توحيد الأمة، وربط أفرادها بغايات عليا، ومصير مشترك، تحفظ الماضي المجيد، وترسم المستقبل المأمول، إنها العقيدة والنظام، والقيم التي تميز الأمة وتأكد استقلالها، بل هي سبيل تميزها وتفوقها.
إنها عملية تبدأ من قبل الولادة لتنشئ جيلاً هم محاضن التربية، وهم عناصر الثبات والتغير في الأمة، إيجاباً كان ذلك أو سلباً: ﴿ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه﴾ ومهمة التغير والثبات التي تراد للأجيال ليس لها أداة إلا التربية، بكل معانيها ووسائلها، وميادينها وساحاتها، في البيت وفي السوق، في المدرسة وفي المسجد، في المكتب والمتجر، في الكتاب والمذياع، في المقروء والمسموع والمشاهد.
ومقوماتها وأسسها منهج في الدين والعقيدة، وقدوة حسنة في الوالدين والأقربين والأصدقاء والمعلمين، علوم ومعارف متجددة تتوافق مع الطبيعة وتتماشى مع الحاجة.
стр. 567
من أسس التربية
стр. 568
الثبات في المبادئ والبعد عن التناقض
أيها الآباء! أيها الأمهات! أيها المربون! أيها المربيات! إن أول أسس التربية الثبات في المبادئ والبعد عن التناقض بين الأقوال والأفعال، السلوك الحسن هو حسن في كل وقت، والسلوك السيئ هو سيئ في كل وقت.
إن وضوح الحق والثبات عليه، وملازمته، يُكَوّن في المتربي نفساً مستقرة غير مضطربة، فيعرف الخطأ من الصواب، ويميز بين الحق والباطل، تأملوا هذا التوجيه النبوي الكريم، يقول ﵊: ﴿مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع﴾.
توجيه للأب في أمر ابنه بالصلاة منذ السابعة، سن التميز والإدراك، وهو توجيه في المداومة والمتابعة، فمن الخطأ البين أن يأمر ابنه بالصلاة أحياناً، ويترك المتابعة أحياناً أخرى، ومن الخطأ كذلك أن يراه لا يصلي ثم يتهاون في ذلك أو يتغاضى.
стр. 569
التفريق بين خطأ الإهمال وخطأ الاجتهاد
أيها المربون: يحسن التفريق بين الخطأ الناتج عن الإهمال والتقصير، والخطأ الناتج عن الاجتهاد والمحاولة، فالخطأ الناتج عن الإهمال والتقصير يستحق المحاسبة والعتاب.
أما الخطأ الناتج عن الاجتهاد والمحاولة فحقه التشجيع، ينبغي أن يتربى الطفل على أن خطأه بعد المحاولة والاجتهاد ليس مما يعاب، ينبغي أن يُعوَّد على الشجاعة والإقدام، والاعتراف بالخطأ، والسعي في تصحيحه، إذا رأيت كبيراً راشداً يرى أن في الاعتراف بالخطأ غضاضة وعيباً فاعلم أنه قد نشأ على أسلوب في التربية خاطئ ومضطرب.
إن الطفل وهو يعيش التجارب والمحاولات ويمر بالظروف والمتغيرات، ينبغي أن يحاط بالأمان والثقة، ويمنح فرص الاختيار وتنمية الإحساس بالمسئولية، وتحمل نتائج الأعمال، إنه يتلذذ بالإنتاج والنجاح، وكذلك بالإنجاز، ويتوقف ويتألم عند الفشل والإخفاق، لا ينبغي أن نقطع عنه ذلك وأن نحيطه بجو من الحساب والعتاب بل ينبغي أن يحاط بجو من الثقة والشفقة، والتقدير والاعتبار.
إن المربي الذي يسلك أسلوب القسوة والتملك والصرامة المفرطة، لا تراه إلا شديد المطالبة بحقه، يفرض الطاعة فرضاً، ليس له هم إلا تنفيذ أوامره وحفظ حق نفسه واحترام سلطته، يقابل ذلك مربٍ مهمل متساهل ميال إلى سرعة الاستجابة لمطالب الطفل، لا يكترث بحقوق نفسه، غير قادر على ضبط مسالك طفله ولا يعتني بقضايا أبنائه.
أيها الإخوة: إن كلا المسلكين لا ينتج إلا ضعيف الشخصية، المنطوي على نفسه، المعتمد على غيره، بل قد يكون عدواني النزعة، إنها تربية على المكر والاحتيال والكذب وعدم الصراحة، كما تورث الذلة والهوان، والجبن والخور.
أيها المربي الفاضل: إن المسلك الرشيد وسط بين هذا وذاك، إن الأب المربي، الحافظ لحقه، المدرك لمسئوليته، المتوازن في مطالبه يعرف للطفولة طبائعها ومطالبها، لا يتبرم من كثرة أسئلتها، ولا يضيق بآرائها، حريص على تنمية مدارك الطفل العقلية والنفسية، يعيش الأطفال في هذه الأجواء في ضبط حازم ملتزمين بالآداب والنظام، يقبلون التوجيه، شخصيتهم الفردية محترمة، فرص الابتكار لهم متاحة، وممارسة المهارات متوفرة، أسلوب يوازن بين الانضباط والاستقلال، تتحمل فيه الناشئة مسئوليتها الفردية والجماعية.
стр. 570
أهم ثمرات التربية التزام الصدق وتجنب الكذب
أيها المعلمون: إن العلوم والمعارف، والمواد العلمية والتعليمية عناصر أساسية في التربية، ولكن النجاح والمقياس ليس بكثرتها وسردها بل في مدى ما انطبع في النفوس من العقائد الصحيحة وما استقام من الأعمال الصالحة، وما طاب من السلوك المهذب، والعلوم والمعارف تفقد قيمتها إذا لم تتجسد قناعات في القلوب، وممارسات في السلوك، يتجلى فيها يقظة الضمير وسمو الوجدان، والاستمساك بالفضائل والنهوض بالمسئوليات.
وأظهر المظاهر وأول الدلائل على النجاح وأهم ثمرات التربية ولب لبابها: التزام الصدق وتجنب الكذب، في الأقوال والأفعال، ألم يقل ﵊: ﴿عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر﴾؟
والبر: هو الكلمة الجامعة لكل خير من الأقوال والأفعال والاعتقادات، والكذب يهدي إلى الفجور، والفجور: كلمة تجمع أنواع الشرور.
إن أول ما يتفتق عنه وعي الطفل في نشأته ومداركه من خلق والديه ومن حوله مسألة الصدق والكذب، فكم رأيتم من الآباء والأمهات يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون خلاف ما يقولون، يأمرون بالبر وينسون أنفسهم.
стр. 571
شذرات تربوية
أيها الإخوة: واسمعوا إلى هذه الشذرات التربوية، يقول عمر بن عتبة لمؤدب ولده: ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك، فإن عيونهم معقودة بك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت، علّمهم كتاب الله، ولا تملهم فيتركوه، ولا تتركهم منه فيهجروه، وارو لهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفه، ولا تنقلهم من علم حتى يحكموه، فإن ازدحام الكلام مشغلة للأفهام، وعلمهم سنن الحكماء، وجنبهم محادثة السفهاء.
وفي وصية أخرى، يقول فيها هارون الرشيد لمؤدب ولده: لا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيدها إياه من غير أن تحزنه فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه، وقومه ما استطعت بالقرب والرفق والملاينة، فإن أباها فعليك بشيء من الشدة والغلظة.
وعبد الله بن مسعود ﵁ يقول: حدث الناس ما حدجوك بأبصارهم، -أي: حددوا النظر إليك- وآذنوا إليك بأسماعهم، -أي: أصغوا وأنصتوا- فإذا رأيت منهم فترة -أي: مللاً- فأمسك، وقليل نافع خير من كثير ضائع.
أيها الإخوة: إن التربية حينما تعطى حقها، فإنها بإذن الله تبني شخصية متزنة، مرتبطة بربها، محبة لنبيها ﷺ ، عاملة بدينها، ذات طموحات عليا ومثل أعلى، تجعل من الأمة في أفرادها قوة متماسكة لا تعصف بها المحن، ولا تنال منها الخطوب، ولا تصيب منها الكوارث والشدائد؛ لأنها قوة بإذن الله تكونت من لبنات قوية متماسكة.
يقول لقمان ناصحاً ابنه: ﴿ِوَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٧ - ١٩].
نفعني الله وإياكم بالقرآن والسنة وألهمنا العلم والحكمة، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 572
معالم في التربية
الحمد لله عم بحكمته الوجود، وشملت رحمته كل موجود، أحمده سبحانه وأشكره، وهو بكل لسان محمود، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الإله الفرد الصمد المعبود، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، صاحب المقام المحمود والحوض المورود، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه الحنفاء الأطهار الركع السجود، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى اليوم الموعود، والموقف المشهود.
أما بعد: -
فاتقوا الله عباد الله! فإن تقواه أقوم وأقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر:٧].
أيها الآباء: أيها المعلمون! أيها المربون! يُربى أبناؤنا على القدوة الحسنة، ونشدان الكمال، وعلى إحقاق الحق، وحب العدل، يجب البعد عن التناقض بين المبادئ الأصيلة الصحيحة من الإيمان والخير والطهر وبين مبادئ الكفر والظلم والقسوة والانحطاط الخلقي.
أيها المربون: ينبغي أن يعلم أن التقليد فطرة مغروسة في سلوك الطفل، فهو يقلد ما يراه، إن حسناً فحسن، وإن سيئاً فسيء، ومن ثم فلا ينبغي أن تقع عين الطفل إلا على كل مظهر حسن، وعلى ألا تتلقى أذناه إلا كل لفظ مهذب، ولا ينمو رصيده من المشاهدات والمدركات والمعارف إلا على كل تصرف رشيد وكل عمل مفيد.
والنفوس مجبولة على حب التملك والتفوق والثناء، فلا ينبغي أن يغفل الأب والمربي عن الحوافز المادية، والمشجعات الأدبية، فتتنوع الحوافز والجوائز فيُمنح مالاً، ويُهدى كتاباً، ويُشجع بالألفاظ المسموعة والمكتوبة، ناهيك بالحافز الأخروي، وربط الناشئة بما عند الله، فما عند الله خير وأبقى من عظيم الأجر وجزيل الثواب، وهذا يتناسب مع كبار الناشئة قبل صغارها.
يجب مع ذلك -على الكبار- العناية بالألفاظ، وأسلوب الخطاب، وترك الفظاظة والغلظة، مع مراعاة حسن الهيئة من الملامح المبتسمة، والقسمات المبتهجة، في أريحية وطلاقة وجه، فيكسب القلوب، ويملك المشاعر، ولا يسع الناس إلا طلاقة الوجه وبسط المحيا، وتبسمك في وجه أخيك صدقة.
ينبغي أن يسود في التربية احترام الكبير، ورحمة الصغير، وحفظ الحقوق، واحترام الممتلكات العامة والخاصة، والعطف على المحتاج، ورعاية المريض والعاجز، والرفق بالحيوان، والتنظف والتجمل، والشجاعة في القول، والرأي والعمل، و ﴿المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير﴾.
أيها الإخوة: إنها التربية المتكاملة المتوازنة، تعصم بإذن الله من النزوات النفسية، وتحمي من سلطان الميول الجامحة، والأهواء المؤذية، وتنير للناشئة طريق الهدى والصلاح، فتقوم الحياة والعلاقات على الحب والطاعة والتعاون والمناصحة، وتنطبع النفوس على جميل الخصال وتدفع بالسلوك إلى أنبل الفعال، سدد الله الخطا وبارك في الجهود وأصلح الأنفس والنيات والذريات، إنه سميع مجيب الدعوات.
هذا وصلوا وسلموا على الرحمة المهداة والنعمة المسداة، نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم جل في علاه، فقال عز من قائل عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واخذل الطغاة والملاحدة وجميع أعداء الدين، وانصر عبادك المؤمنين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ وعبادك الصالحين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا لتوفيقك، وأيده بتأييدك، وأعلِ به كلمتك، وانصر به دينك، ووفقه لما تحبه وترضاه، وأصلح له بطانته، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك، لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في فلسطين، وفي كوسوفا، وفي كشمير، وفي كل مكان يا رب العالمين.
اللهم سددهم وأيدهم، اللهم أنزل سخطك ومقتك على اليهود الغاصبين، والصرب الظالمين، اللهم شتت شملهم، وفرق جمعهم، واجعل كيدهم في نحورهم، واجعل اللهم الدائرة عليهم يا قوي يا عزيز! ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 573
مراتع الظلم ونموذج كوسوفا
الوقت له دوره الفعال في بناء الحضارات، وقد جاءت الآيات والأحاديث مبينة أهمية الوقت.
وأدق أنواع المحاسبة الزمانية الوقوف عند ظلم النفس والوقوف عند الظلم والتظالم.
وللظلم عاقبة وخيمة.
ودفعاً للشر الذي يترتب على الظلم يجب نصر المظلوم.
وهناك نموذج صارخ للظلم وهو ما يحصل لأهل كوسوفا على أيدي الصرب الظلمة، مما يوجب نصرتهم وإنقاذهم.
стр. 574
الوقت وأهميته
الحمد لله واهب النعم، ومؤتي الحكم، جعل في كر الأيام معتبراً، وفي تقلب الزمان مزدجراً.
أحمده سبحانه وأشكره، يقلب الليل والنهار، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله بالضياء، وقدمه في الاصطفاء، وجعله قدوة الحنفاء، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آل بيته وأهل صحبته وأنصار دعوته، ما رقت القلوب، وراقبت ربها علام الغيوب، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
أما بعد:-
فأوصيكم -أيها المسلمون- بتقوى الله ، فاتقوا الله رحمكم الله، وأقلوا الركون إلى الدنيا، فإن ما أمامكم عقبة كئود، ومنازل مخوفة لا بد من ورودها والوقوف عندها.
فالمنية دانية، وأظفارها ناشبة، واحذروا التسويف وطول الأمل: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧].
أيها الإخوة المسلمون: للزمن -بإذن الله- دوره في الفعل الحضاري، والإسلام قد أمر بالتفكر والتدبر والاعتبار والتفكر، والنظر في المآلات وتقدير العواقب، من خلال رؤية واسعة تستصحب الزمن بأبعاده كلها، الماضي منه والحاضر والمستقبل، عرف المسلم قيمة الزمن، بعد أن كان قبل الإسلام متخاذلاً سلبياً، كما جاء في الآية الكريمة: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية:٢٤] فجاء نبي الإسلام محمد ﷺ ، داعياً ومبلغاً ومحذراً: ﴿اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك﴾.
وقائلاً: ﴿لا تزول قدما عبدٍ حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين أكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه﴾.
لقد أدخل الإسلام الزمن في حساب المسلم ومسئوليته، من خلال ربط الأحكام بتعاقب الليل والنهار، وحركة الشمس والقمر، فالصلاة كتاب موقوت، والزكاة في الحول ويوم الحصاد.
وللصوم هلاله ورؤيته، وللحج مواقيته وأهلته، فأي تساهل أو تفريط في هذه المواقيت يُفوَّت الثواب، ويعرض للعقاب، ناهيك بالأزمنة الخاصة الفاضلة في ثوابها وبركاتها، ومزيد العمل الصالح فيها، كيوم الجمعة، ويوم عرفة، وعشر ذي الحجة، والإثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، وأيام البيض.
بل لقد صحح الإسلام النظر إلى الكواكب في مساراتها، والأفلاك في جريانها؛ فطهر العقول من لوثات الخرافات، والتعلق بالبروج والأنواء تطيراً وتشاؤماً.
فالشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، والنجوم والكواكب زينة للسماء، ورجوم للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، و ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٥].
стр. 575
خطورة إضاعة الوقت
أيها الإخوة المسلمون: كم سيكون الواقع مريراً والأمر خطيراً إذا فرط العبد في وقته، وذهل عن هذه الحكم الباهرة، ذهل عن مسئوليته وإضاعة أوقاته.
إن كثيراً من مواقع الفشل، ومواطن الخلل عند المسلمين المعاصرين، تظهر وتتجلى في حساب إنتاجهم وإضاعتهم لأوقاتهم.
إن إنتاج بعضهم في عملهم اليومي لا يجاوز حصيلة نصف ساعة، إن الحال مخيف حينما تكون المحاسبة جادة، كيف يستثمر المسلم طاقاته وقدراته، وبماذا يصرف أوقاته وساعاته.
إنها صورة فاضحة من حالة الوهن الحضاري، حين يسيطر الكسل، ويدب الضعف، ويقتل الوقت، وتفشو الاتكالية، فتنتهي الأمة إلى مرحلة القصعة التي تتخاذل حتى تتكالب عليها الأمم؛ لأكل خيراتها وتعطيل طاقاتها.
أيها المسلمون: إن حل هذه المسألة: هو إعادة النظر في تصويب معادلة الزمن، ليصحح مساره، وتسقط الأمة وأفرادها في محاسبة للنفس جادة، ولأمر ما قال نبينا محمد ﷺ في حجة الوداع وفي وصية من آخر وصاياه: ﴿إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، ثم قرأ ﵊: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦]﴾.
стр. 576
الظلم وخطره
أيها المسلمون: إن أدق أنواع المحاسبة الزمانية: الوقوف عند ظلم النفس، حين قال الله : ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦] الوقوف عند الظلم والتظالم، عند ظلم النفس وعند ظلم الغير، ومن ظلم غيره فقد ظلم نفسه لا محالة.
عباد الله: الظلم واسع المعنى، يتناول وضع الأشياء في غير مواضعها، وانتقاص الناس في حقوقها، والتفريط في الواجبات، واقتحام المنهيات، يقول الإمام ابن الجوزي ﵀: والظلم مبارزة الرب بالعصيان، وهو لا ينشأ إلا عن ظلمة القلب، والعبد إذا اكتنفته ظلمات ظلم لم يغنه بعد ذلك شيء.
وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: كل ما نهى الله عنه راجع إلى الظلم، وكل ما أمر الله به راجع إلى العدل.
ومن أجل هذا؛ كان أكبر أنواع الظلم، وأعظمها وأعلاها: الظلم الذي لا يغفره الله ما لم يتب منه صاحبه، ذلكم هو الإشراك بالله، عياذاً بالله! وفي التنزيل: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤].
ومن أعظم أنواع الظلم: تظالم العباد فيما بينهم، وفي الحديث القدسي: ﴿يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا﴾ فأكل مال اليتيم، والتفريط في الوصايا، وعقوق الوالدين والأرحام، والمماطلة في المعاملات، والغصب والسرقة، والاختلاس، وأكل الربا، وتطفيف المكيال والميزان، والعسف والتغرير بالعميل، وخيانة الودائع والأجير والوكيل والكفيل والشريك، والحكم والولايات العامة والخاصة، والقضاء، كل ذلك وأمثاله من المعاملات والتعاملات والعلاقات؛ التفريط فيها والخيانة لها والغش فيها ظلم مقت الله أهله، وأحاطت بالديار عواقبه، و ﴿بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود:٤٤].
стр. 577
ثمرات الظلم وعاقبته
أيها المسلمون: في أجواء الظلم توضع الأمور في غير مواضعها، وتقع الأشياء في غير مواقعها، فيعظم الحقير، ويمجد الوضيع، ويوسد الأمر إلى غير أهله، وحينئذ تعاني الأمم الأمرّين من أحكام الجاهلية ومسالكها، وما استساغ أحد الظلم إلا لظلمة في قلبه، ودخل في طويته، وخلل في نفسه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠].
الظالم يمتطي سفينة الغفلة، فيرد موارد الهلاك، يتجرأ على حقوق الآخرين ليقضي مآربه، دعته قوته وجاهه وماله ونفوذه ليتجاوز الحدود، ويعتدي على الحقوق، غفل عن الوقوف بين يدي جبار السماوات والأرض: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان:٢٧] ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمْ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢].
مشاعر مجرمة، وشعور آثم: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ [طه:١١١] ظالم أثيم، لا يبالي بدين ولا قرابة، ولا يعبأ بمسئولية ولا رقابة: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:١٦٥].
الظلم وخيم المرتع، سيئ العاقبة، هو منبع الرذائل، ومصدر الشرور، إذا فشا في أمة أهلكها، وإذا حل بقوم فرقهم، به تخرب الديار، وتزول القرى والأمصار، وتنتشر الفوضى ويعم الهرج.
وما تزول الدول ولا يضطرب الحال إلا بسب الظلم والتعسف والجور: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾ [الكهف:٥٩] ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ﴾ [هود:١٠٢ - ١٠٣].
وجزاء الظلم سريع النزول معد للعقوبة، يقول بعض السلف: أعجل الأمور عقوبة وأسرعها إلى صاحبها ظلم من لا ناصر له، ومجاورة النعم بالتقصير، واستطالة الغني على الفقير.
وفي الحديث الصحيح: ﴿من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة، فقال رجل: يا رسول الله وإن كان يسيراً؟ قال: وإن كان قضيباً من أراك﴾ رواه مسلم.
وبعض الناس قد يتوهم أن حكم الحاكم له بحق أخيه يبيحه له ويعفيه من مسئوليته، وهذا غلط فاحش، وفهم خاطئ، وغفلة مهلكة، وقلة فقه في الدين، فإن الحاكم بشر يخطئ ويصيب، وقد قال ﵊: ﴿إنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم فلعل أحدكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق؛ فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار فليحملها أو يذرها﴾.
وفي الحديث الآخر: ﴿من خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى يرجع﴾ رواه أبو داود، ويل لهؤلاء الظلمة من ثِقل الأوزار، وويل لهم وقد امتلأت بمظالمهم الديار، وأين المفر من ديان يوم الدين؟ يوم تنشق سماء عن سماء، ويأتي الرب لفصل القضاء، وتجتمع عند الله الخصوم: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨] ﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:١٥١].
﴿المفلس: من يأتي يوم القيامة وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار﴾ بهذا صح الخبر عن نبيكم محمد ﷺ .
стр. 578
وجوب نصرة المظلوم
أيها الإخوة المسلمون: والمظلوم له حق النصرة، فالظالم لا يرتدع ولا ينقمع إلا إذا أدرك أن جانب من يريد ظلامته محمي عزيز المنال.
ففي دين الإسلام لا يجوز خذلان المسلم، فكيف إذا كان مظلوماً: ﴿فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه﴾ وعند البخاري ﵀ من حديث البراء بن عازب ﵁، قال: ﴿أمرنا رسول الله ﷺ أن ننصر المظلوم﴾ وفي الحديث الآخر: ﴿إذا رأيتم أمتي لا يقولون للظالم أنت ظالم، فقد تودع منهم﴾ إسناده حسن من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
ويقول علي ﵁: [[إنما أهلك من كان قبلكم أنهم منعوا الحق حتى اشتري، وبسطوا الجور حتى افتدي]].
أيها الأحبة في الله: ولقد أعطي المظلوم حق الجهر بالسوء من القول انتصاراً لنفسه وإثباتاً لحقه، وتثبيتاً لعزته، فالظالم لا حرمة له: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨] وتأملوا رحمكم الله هذه الآيات من سورة الشورى، وما أعده الله من خير عظيم دائم لمن تحلوا بهذه الصفات التي اشتملت عليها هذه الآيات، يقول الله : ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى:٣٦] إلى أن قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى:٣٩ - ٤١].
ولعلك تجد رحمك الله أن العفو والصفح ممدوح، ولكن ذلك بعد ثبوت الحق لصاحبه، فيجب أن يعرف المعتدي جريرته، ويعترف الظالم بظلامته؛ فيكون المظلوم قد نزل عن حقه بعد القدرة على أخذه، فهو قد تنازل في سماحة مذكورة وسبق بالفضل.
وفي نصرة المظلوم حتى يأخذ حقه، والأخذ على يد الظالم حتى يكف عن تعديه حفظ نظام المجتمع، وحماية الضعفاء من تسلط الأقوياء، والإنسان إذا أمن العقوبة مال إلى الشر وتجاسر على الظلم.
أما الذين يشهدون المعركة بين القوي والضعيف، ثم يدعونها تنتهي حسب قوانين الغاب وشرائع الذئاب من غير معونة ولا نكير؛ فهؤلاء شركاء في الظلم أعواناً للظلمة، يقول ميمون بن مهران: الظالم والمعين على الظلم والمحب له سواء.
وفي الحديث: ﴿ما من مسلم يخذل امرأً مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه عرضه، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئٍ ينصر مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه، وتنتهك فيه حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته﴾.
ألا فاتقوا الله رحمكم الله: ﴿فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده﴾.
ورحم الله امرأً أنصف من نفسه فأدى ما عليه واقتصر على حقه وأراح القضاء وما أزعج السلطات، وأهل العدل إذا استرحموا رحموا وإذا حكموا عدلوا وإذا قسموا أقسطوا، والمظلوم دعوته مستجابة، وإن كان فاجراً فجوره على نفسه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ * وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ * وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمْ الأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٤٦].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ﷺ ، وأقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 579
كوسوفا نموذج صارخ للظلم
стр. 580
كوسوفا والاضطهاد الظالم
ساءت الأحوال في كثير من المواطن، في فلسطين وكشمير وأجزاء من لبنان، وهاهي كوسوفا نموذج صارخ، تسمع عواء الذئاب، وترى السباع وهي تنهش من لحوم الضحايا، ولا تكاد تسمع إلا أنيناً خائفاً خافتاً للمظلوم والمستضعفين، حالات من الفتن والمظالم يقوم بها الصرب الظالمون.
حالات من الفتن والمظالم، إبعاد وطرد، وتصفية عرقية، وعصبية حمراء، وعنصرية سوداء، وحرب إبادة شعواء، أراقوا الدماء، وتحكموا في الرقاب؛ فأساءوا وظلموا واستخفوا بالحرم، إزهاق أرواح، وهتك أعراض، وتمثيل وإذلال، وتهجير وإحراق في كل واد.
أهل كوسوفا في كل واد يهيمون، فراشهم التراب، وغطاؤهم الغمام.
قوافل هائمة من الشيوخ والعجائز والأطفال، لقد صرح الصرب في إعلامهم وأحاديثهم وفي مقابلاتهم؛ بأن الهدف هو القضاء على المسلمين هناك، فالمسلمون في أوروبا يجب أن ينتهوا، لقد صرحوا وتنادوا: إن على أهل كوسوفا ومن حول كوسوفا أن يختاروا أحد أمرين: إما أن يتحولوا عن دينهم، وإما الموت ولا خيار غير ذلك، بل لقد قال بعضهم: إن بيننا وبين المسلمين ثأراً، وسوف نقوم بطردهم، ومن يريد البقاء فسوف نقتله، لا نريد مسلمين بيننا.
وهذا شيء من الواقع.
أيها المسلمون: إن تدخل القوى الكبرى في محاولة لحل مشكلة كوسوفا، ورفع المظلمة عن أهلها، شيء يدعو إلى الارتياح، وهو محل ترحيب، ولكن هذه الآلة الحربية الجبارة، ألا تستطيع منع التصفية العرقية الفاضحة؟ ألا تستطيع منع التهجير الجماعي الفادح ضد مسلمي كوسوفا؟ ألا تستطيع منع اغتصاب المسلمات؟ إنه أبشع مشهد تختزنه الذاكرة الإنسانية في التاريخ المعاصر.
هل المقصود هو حماية الطريق لقوافل النازحين بدلاً من التوجه الجاد والسريع نحو منع الطرد والإبعاد وإيقاف النزوح، ومن ثمَّ إعادة الجميع إلى ديارهم ومنحهم حقوقهم؟
المحميون في كوسوفا أرضهم محروقة، ونساؤهم مفجوعة، يلوذون بالغابات كالطرائد المذعورة، ويا لحقوق الإنسان!
стр. 581
النصر لأهل كوسوفا
أما المسلمون فيجب عليهم أن يبادروا في عون إخوانهم، وإسعافهم وتقديم ما يستطيعون من عون مادي ومعنوي؛ فأهل كوسوفا يعيشون محنتين: محنة التصفية الجسدية والطرد من الوطن، ومحنة التغريب والإخراج من الدين، مما يتطلب المبادرة السريعة المكثفة من الحكومات الإسلامية وشعوبها في نصرة إخوانهم في الدين، وإرسال مواد الإغاثة العاجلة، طعاماً وكساء ودواء، كما يجب التحرك على جميع الأصعدة، سياسياً وإعلامياً لحماية هؤلاء العزل، ونصرة قضيتهم وحفظ دينهم.
إنهم أمانة في أعناق المسلمين جميعاً، وهم مسئولون عنهم يوم القيامة، وإن الأمل بعد الله لمعقود على الحكومات الإسلامية، وأغنياء الأمة والقادرين منها ومنظمات الإغاثة الإسلامية، ورابطة العالم الإسلامي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي؛ لتقوم بواجبها.
فهذا بلاء عظيم، وامتحان كبير، والمسلمون تتكافأ دماؤهم، وبهذا تحفظ أمة الإسلام كرامتها وعزتها، وتشعر بكيانها وتحترم قضاياها، ولا يسكت على الهوان غيور، ولن تنكسف شمس كوسوفا بإذن الله ولله الأمر من بعد ومن قبل.
اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اللهم اهزم الصرب المجرمين الظالمين المعتدين، اللهم اهزمهم وزلزلهم، اللهم خالف بين قلوبهم، وشتت شملهم، وفرق جمعهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
سبحانك ربنا! عز جاهك، وجلّ ثناؤك، وتقدست أسماؤك، يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام!
اللهم واجعل على هؤلاء الصرب رجزك وغضبك، وعذابك ومقتك، يا إله الحق! اللهم وانصر إخواننا المسلمين في كوسوفا، اللهم كن لهم وأيدهم، وارحم ضعفهم، واجبر كسرهم، وردهم إلى ديارهم أعزة منتصرين.
اللهم إنهم حفاة فاحملهم، وعراة فاكسهم، وجياع فأطعمهم، ومستضعفون فانصرهم.
اللهم نجهم من شر الصرب ومن شايعهم، وغدرهم وخبثهم وكيدهم، اللهم واجعل الصرب بأسهم بينهم شديداً، ولا تجعل لكافر على مسلم سبيلاً برحمتك يا أرحم الراحمين.
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، وتداركوا أنفسكم، وأسعفوا إخوانكم، واحذروا المظالم، وليتحلل كل واحد مما ابتلي به من مظالم، ما دام في دار الإمكان قبل ألا يكون دينار ولا درهم، بذلك أرشد نبيكم محمد ﷺ .
ثم اعلموا رحمكم الله أنكم في مقتبل هذا العام الجديد، فاستقبلوه بالأعمال الصالحة، والتشمير عن ساق الجد، وإحسان العمل والوعد الجميل، وإن خير ما تبادرون به صيام يوم عاشوراء، فقد كان نبينا محمد ﷺ يحرص على ذلك حتى قال ابن عباس ﵄: ﴿ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم؛ يوم عاشوراء﴾ متفق عليه.
ومن أراد صيام هذا اليوم، فليصم يوماً قبله أو يوماً بعده، ففي الحديث عنه ﷺ ، قال: ﴿صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، صوموا يوماً قبله ويوماً بعده﴾ وفي رواية: ﴿أو يوماً بعده﴾.
فبادروا رحمكم الله بصالح الأعمال، قبل أن تتخطفكم الأجيال، ثم صلوا وسلموا على المبعوث رحمة للعالمين، فقد جاء في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
اللهم ارض عن الخلفاء الأربعة الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك، يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وارزقه البطانة الصالحة، وانصر به دينك وأعلِ به كلمتك، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين.
اللهم وفق ولاة المسلمين للعمل بكتابك، وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمع كلمتهم على الحق، يا رب العالمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً، واجعل ما أنزلت قوة لنا على طاعتك، وبلاغاً إلى حين.
اللهم إنَّا خلق من خلقك، فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك، على الله توكلنا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣].
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 582
أمة القرآن
إن كل ما يحتاجه المسلمون من صلاح وإصلاح، وحسن معاش ومعاد محصور في هدي القرآن، وهدي من كان خلقه القرآن، وهو نبينا محمد ﵊.
والأمة الإسلامية في هذا العصر في أكثر مواقعها وأحوالها تحتاج أن تراجع نفسها في موقفها من قرآن ربها.
стр. 583
منزلة القرآن الكريم
الحمد لله ذي الطول والمن والإحسان، أكمل لنا ديننا، وفضله على سائر الأديان، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله أنزل عليه القرآن معجزةً محفوظةً، وحجةً باقيةً على تعاقب الأزمان، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله، فاتقوه واعملوا وأخلصوا، وجدوا واجتهدوا، واعلموا أنكم ملاقوه، وتوبوا إلى الله ربكم، وأنيبوا إليه واستغفروه.
أيها المسلمون: لئن كان من المناسب أن يتحدث المتحدث عن الصيام في هذه الأيام، فإن قرين الصيام هو القرآن، في شهر الصيام تنزل القرآن، والقرآن لم يسم شهراً بعينه، سوى شهر رمضان: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان:٣] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١].
ولئن تحدث المتحدثون عن غزوة بدر الكبرى في أحداثها وعبرها، فإنهم إنما يتحدثون عما أنزل الله على عبده يوم الفرقان: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال:٤١] والقرآن كله فرقان: ﴿هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥].
أيها الإخوة: تجتمع هذه المناسبات والملائمات وتتعاضد، ولكن القرآن العظيم قبل ذلك وبعده حديث كل مناسبة.
стр. 584
صلاح الأمة باتباع القرآن
أمة القرآن: إن كل ما يحتاجه المسلمون من صلاح وإصلاح، وحسن معاش ومعاد محصور في هدي القرآن، وهدي من كان خلقه القرآن، نبينا محمد ﵊، ولكن أمة الإسلام في كثير من مواقعها وأحوالها تحتاج إلى أن تراجع نفسها في موقفها من قرآن ربها.
إن الكثير منهم يجهلون، أو يغفلون أن للقرآن العظيم تأثيراً حقيقياً في حياتهم المعاشية والمدنية، وإن كثيراً منهم وكثيراً يتشككون أو يترددون في أثره في تحقيق السعادة المنشودة في الدين والدنيا معاً، ولكن أهل العلم والإيمان يقولون في رسوخ وشموخ: ليس في قارات الدنيا الخمس ولا الست وحيٌ من عند الله حقٌ إلا هذا القرآن العظيم، ولن يُعرف الله معرفة صحيحة، ولن يصح إيمان عبد إلا عن طريق هذا القرآن.
كتابٌ استوعب هدي موسى وعيسى والنبيين من قبلهما، عليهم جميعاً وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
اجتمع في هذا القرآن ما تفرق في الرسالات قبله، فحفظ حقائق النبوات الأولى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٨ - ١٩] فحفظها جميعاً، وهيمن عليها ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨].
стр. 585
حفظ الله لكتابه
إن وثائق النقل لتتضافر، وإن براهين الإثبات لتتواتر على أن هذا الكتاب عزيز: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] كتاب محفوظ، لم ترق إليه شبهة، ولم يختلط به كلام بشر، ما شانه نقص، ولا شابته زيادة، كتاب خاص لمحمد، ولأتباع محمد ﷺ ، لم يقع لصاحب رسالة قبله، أن أقام بكتابه دولةً سارت في حياته مسيرتها نحو المشارق والمغارب، وبلغت من بعده دعوتها ما بلغ الليل والنهار: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص:٤٩].
كتاب كريم، أودع الله قوته في ذاته، حاول الأعداء قديماً وحديثاً، عربٌ جاهليون، وغربٌ مستشرقون، وزنادقةٌ حاقدون، حاولوا جميعاً العبث به، والتشويش في صدقه، فأجلبوا وتنادوا: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦].
شككوا في تنزله، وطعنوا في جمعه وتدوينه، ونالوا من قراءاته وحروفه، ولكنها محاولات هزيلة، رجعوا على أعقابهم خاسئين، استمعوا إلى القرآن، وهو يسجل هذه الدعاوى المخزية في أسلافهم وأخلافهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان:٤ - ٥].
وقالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل:١٠٣] وقالوا: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر:٢] وقالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [القصص:٣٦] ولما عجزوا واندحروا، رضوا لأنفسهم بالدنية والنقيصة، فقالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة:٨٨] ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت:٥].
стр. 586
حاجة الأمة إلى مراجعة موقفها من القرآن
أيها الإخوة: الأمة تحتاج إلى أن تراجع مواقفها من قرآنها، القرآن حقٌ من عند الله، من بين دفتيه انطلقت خير أمة أخرجت للناس: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم:١].
أمة خيرةٌ تربت على مائدة القرآن، أخذت كتاب ربها بقوة، وسارت على نهجه بعزم، خضعت لتعاليمه بإيمان، فهداها للتي هي أقوم، لقد كان هذا القرآن خيراً عاماً تآخت عليه شعوب الإسلام، ونشأت به مدنية كانت زينة الأرض وضياءها، ورحمتها وعدلها، هؤلاء الأسلاف -من الرواد- قرءوا القرآن، فأحيوا به ليلهم رهباناً، وعمروا به نهارهم فرساناً، تفيض أعينهم من الدمع مما عرفوا من الحق، يغشاهم الخشوع، ويكسوهم الوقار، كان القرآن ربيع قلوبهم، ونور صدورهم، وجلاء أحزانهم، تأدبت به أخلاقهم، وعمرت به مسالكهم، قوةً في الحق، وورعاً في المطاعم والمشارب، وبصراً بأهل الزمان: ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] لهم في قرآنهم ما يحث عزائمهم إذا كلت، ويحفز هممهم إذا ضعفت: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣].
يا أهل القرآن: الأمة تحتاج إلى أن تراجع مواقفها من كتاب ربها، فالقرآن عمدة الملة، وكلية الشريعة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، لا طريق إلى الله سواه، ولا سبيل إلى النجاة بغيره.
هل يُدعى إلى الله بغير كتاب الله؟ وهل يُرجى فلاح عباد الله بغير كتاب الله؟
هو التبيان والفرقان، والروح والذكر، هدىً للمتقين، ورحمة للمؤمنين: ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] وذكرى لمن كان له قلب، أحسن الحديث، وأصدق الكلام، وشفاء لما في الصدور، هو نعمة الله السابغة، وحجته الدامغة، نور الأبصار والبصائر، أنزله ربنا وشرفه، وعداً ووعيداً، وأمراً وزجراً، وحكماً وعلماً، ورحمةً وعدلاً.
كتاب لا تفنى عجائبه، وبحر لا يُدرك غوره، وكنز لا تنفد درره، وغيث لا تقلع عن المدرار سحائبه، أنزله ربنا لنقرأه تدبراً، ونتأمله تبصراً، ونسعد به تذكراً، ونلتزم بأوامره طمعاً، ونجتنب نواهيه خوفاً.
تحيا القلوب بمواعظه، وتطمئن النفوس بترتيله، وتقوم الحياة بأحكامه، وتعم السعادة بآدابه، أسلوبه رفيع، ونظمه بديع، لفظه معجز، ونظمه باهر: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١].
لم يشب بيانه غموض، ولم يعب لفظه ضعف، ولم يدخل معانيه القصور: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢].
الأمة تحتاج إلى أن تراجع نفسها ومواقفها من قرآنها، أصدق ما تثبت به عقائد الإيمان، وأوضح دليل إلى المعارف والعلوم، وأقرب سبيل إلى برد الطمأنينة في القلوب، وأفضل حديث تناجي به مولاك في الأسحار.
ولكن أيها الإخوة: حين عز هذا المنهج، وطال الأمد، واشتغلت الأمة بغيره أو تشاغلت، دب في جسمها دبيب الضعف، وهجرت فئام منها القرآن هجراً غير جميل؛ هجروا براهين القرآن في العقائد والإيمان، وسلكوا طرائق محدثة، واصطلاحات مبتدعة، زاعمين أن أدلة القرآن لا تفيد القطع واليقين؛ فحادوا عن الطريق وتاهوا.
أما في ألوان العبادات والتعبدات: فركن فئام منهم إلى أحزاب مصنوعة، وأوراد متكلفة، وتعاويذ منحرفة، ورقىً غير مشروعة، وأخذوا بأنساك الأعجام من غير أهل الإسلام، وثمة أقوام حظهم في القرآن القراءة في المقابر، وفتح الأيدي والأفواه للاستجداء والمسألة.
أين مكان القرآن في الحكم؟! وأين موقعه من مناهج التربية ومقررات الدراسة؟! هل ضاق كتاب الله وعلوم القرآن عن أن يعطي حكماً في نازلة؟! أو أن يرسم منهجاً في تربية؟! وهل لا تنبت المناهج، ولا تصح الدساتير إلا في غير ديار المسلمين؟!
стр. 587
أهمية تدبر القرآن الكريم
نعم.
أيها الإخوة: لقد أحسنت الأمة إذ حفظت قرآنها حروفاً ومخارجَ، ومدداً وغنناً، وأداءً وتغنياً، ولكن يجب أن ينضم إلى حسن التلاوة وإجادة القرآن وظيفة التدبر: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] لقد وصف الله عز شأنه أمماً سابقةً بأنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني، إنهم أميون أمية عقل وفهم، وأمية تدبر وعمل، يرددون كتابهم تلاوةً من غير فقه ولا عمل، وأمية العقل والفكر؛ عنوان حالات الضعف والتبعية، ولقد أوضح ذلك رسول الله ﷺ ، حين حدث أصحابه يوماً، فذكر لهم أشياء قال فيها: ﴿وذاك عند ذهاب العلم، فقام زياد بن لبيد الأنصاري ﵁ وأرضاه، فقال: يا رسول الله! كيف يذهب العلم، ونحن قرأنا القرآن، ونقرئه أبناءنا، وأبناؤنا يقرئونه أبناءهم؟ فقال ﵊: ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأراك من أفقه رجل في المدينة، أو ليس هذه اليهود والنصارى بأيديهم التوراة والإنجيل، ولا ينتفعون مما فيهما بشيء﴾ أخرجه الإمام أحمد في مسنده والترمذي في سننه، وقال: حديث حسن غريب.
ومصداق ذلك في كتاب الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد:١٦].
يقول ابن كثير ﵀: هؤلاء أهل الكتاب أقبلوا على الآراء المختلفة، والأقوال المؤتفكة، وقلدوا الرجال في دين الله، فعند ذلك قست قلوبهم، لا يقبلون موعظة، ولا يخشون وعيداً، ولا يرجون لله وقاراً.
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، واعلموا أن ميدان القرآن معهد ومسجد، وبيت ومدرسة، وسوق ومعركة، وروح وعقل، يتلى من المصاحف والصدور، في المساجد والمنازل، في الصلوات والخلوات على ألسنة المتعبدين والمتعلمين، تلهج به الجيوش في زحفها، وتقطع به الجنوب المتجافية ليلها في محاربها، جعلته دستورها كما جعلته ذكرها.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] * ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] * ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً﴾ [طه: ١٢٥] * ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٦].
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه محمد ﷺ ، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 588
ضرورة الاعتناء بكتاب الله
الحمد لله الكريم الجواد، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، مَنْ تمسك بكتابه، عز وساد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، هدى إلى سبيل الرشاد صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم المعاد.
أما بعد:
أيها المسلمون: كتاب الله هو الحياة والروح، والغذاء والشفاء، وهو العصمة والنجاة، قفوا عند حلاله وحرامه، اجعلوا لبيوتكم وخلواتكم حظاً من قراءته، فالذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب، والذي يقرأ القرآن، وهو ماهرٌ به مع السفرة الكرام البررة، ومن قرأه وهو عليه شاق، فله أجران.
قوموا بحق النصح لكتاب الله، تفكروا في عجائبه، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، انشروا علومه، وادعوا إلى سبيله، ومن أحب أن يعلم حاله، ويختبر عمله، فليعرض نفسه على كتاب الله.
يقول الحسن البصري ﵀: رحم الله امرءاً عرض نفسه وعمله على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله، حمد الله وسأله المزيد، وإن خالف أعتب نفسه وحاسبها، ورجع إلى ربه من قريب.
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، فخير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، ثم صلوا وسلموا على نبيكم محمد ﷺ ، فقد أمركم بذلكم ربكم في محكم التنزيل، فقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، صاحب الوجه الأنور، والخلق الأكمل، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحم حوزة الدين، واخذل الطغاة والكفرة والملحدين، وانصر اللهم عبادك المؤمنين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وارزقه البطانة الصالحة، وأعنه على أمور دينه ودنياه، وأيده بالحق، وأيد الحق به، وأعزه بطاعتك، وأعز به دينك، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين.
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمةً لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير.
اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك؛ لإعزاز دينك وإعلاء كلمتك، اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير، وفي البوسنة، والشيشان، وفي كل مكان، اللهم أيدهم بتأييدك وانصرهم بنصرك، وسدد رميهم وآراءهم، واجعل الدائرة على أعدائهم، يا قوي يا عزيز.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 589
فضل يوم الجمعة
لقد اصطفى الله هذه الأمة من بين الأمم، واصطفى رسولها محمداً ﷺ ، واصطفى لها يوم الجمعة، فيوم الجمعة له فضل عظيم ومكانة رفيعة في الإسلام، وقد تحدث الشيخ في هذه الخطبة عن فضله، وعن الآداب والأحكام التي يتميز بها يوم الجمعة عن غيره من الأيام، وتعرض الشيخ أيضاً لبعض مظاهر الغفلة عن صلاة الجمعة.
стр. 590
اختصاص الأمة بيوم الجمعة
الحمد لله المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، من هداه فهو السعيد، ومن أضله فهو الطريد البعيد، أحمده سبحانه وأشكره، والشكر من أسباب المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العرش المجيد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أشرف من أضلت السماء، وأكرم من أقلت البيد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، أهل التوفيق والتسديد، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الوعيد.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الإخوة ونفسي بتقوى الله فاتقوه رحمكم الله، فتقواه أقوم وأقوى، وأعدوا واستعدوا فالأوقات تمضي، والأعمار تنقضي، ومن خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة.
وجنة ربي لا تنال بالتمني، ولا بشرف النسب، كما لا تنال بعمل الآباء ولا الأجداد، ولا بكثرة الأموال ولا الأولاد: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ:٣٧].
أيها المسلمون: أمة الإسلام! أمة المصطفى! اصطفاها ربها واصطفى لها، واختارها واختار لها: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج:٧٨] اصطفى لها الدين، واصطفى لها محمداً ﷺ ، خياراً من خيارٍ من خيار، أكمل لها الدين، وأتم عليها النعمة، ورضي لها الإسلام دينا: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج:٧٨]
امتن الله عليها بخصائص، وخصها بفضائل لم تكن للأمم قبلها ببركة هذا النبي الكريم: ﴿أعطيت خمساً لم يعطها أحدٌ من الأنبياء قبلي﴾ اختار من البقاع مكة، ومن الشهور رمضان، ومن الليالي ليلة القدر، وخص عشر ذي الحجة بمزيدٍ من الفضل، وليوم عرفة من الشرف مالا يخفى، ويوم النحر يوم الحج الأكبر.
هناك مواسم للاجتهاد في الطاعات، ومناسبات للإقبال على العبادات، تتكرر وتدور، لتبدد الفتور، وتجدد النشاط، وتوقظ الغافلين، يقبل المقبلون فيها على ربهم، فيزدادون حباً وقرباً، مواسم تتجدد لينفك العبد من الانهماك في أشغاله، ويتحلل فيها من قيود مهنته وأعماله.
أيها الإخوة: وإن من هذه الأيام ومن مواسم النفحات يوماً جل بين الأيام قدره، وعلا في الإسلام ذكره، إنه عنوان الملة، وعيد أهل الإسلام، هدى الله له أمة الإسلام، وأضل عنه الأمم الأخرى، فحقٌ على الأمة أن تعرف قدره، وتحفظ منزلته، إنه يوم بدء الخليقة، ويوم منتهى الدنيا، إنه يوم الجمعة، عيد الإسلام، يشرق على المسلمين ليؤلف بينهم بالمودة، ويربطهم برباط الجماعة، ويظهر فيهم الوحدة والعزة.
ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: ﴿نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، والناس لنا فيه تبع، اليهود غداً، والنصارى بعد غد﴾ وفي لفظ مسلم: ﴿أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا؛ فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة﴾ وفي المسند والسنن من حديث أوس بن أوس ﵁ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: ﴿من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق الله آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم تبلغني﴾ وعند مسلم: ﴿خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة﴾ فهو أعظم مجامع المسلمين بعد يوم عرفة.
стр. 591
آداب يوم الجمعة
ولقد كان من هدي رسول الله ﷺ تعظيم هذا اليوم، وتشريفه، وتخصيصه بعباداتٍ يختص بها عن غيره، فله في الدين أحكامٌ مقررة، وآدابٌ محفوظة مرعية.
стр. 592
قراءة سورة الكهف
ففي يوم الجمعة: يشرع قراءة سورة الكهف، كما أخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما بسندٍ صحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة سطع له نورٌ من تحت قدمه إلى عنان السماء يستضيء به يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين﴾.
стр. 593
كثرة الصلاة على رسول الله ﷺ
كما تستحب في هذا اليوم وليلته كثرة الصلاة على نبينا محمد ﷺ ، كما في الحديث الصحيح: ﴿فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي﴾ وفي حديثٍ آخر: ﴿أكثروا من الصلاة عليَّ يوم الجمعة وليلة الجمعة﴾ اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
يقول الحافظ ابن القيم ﵀: رسول الله ﷺ سيد الأنام، والجمعة سيد الأيام، فبالصلاة عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيرة، وكل خيرٍ نالته أمته في الدنيا والآخرة فإنها نالته على يده، فجمع الله لأمته به من خيري الدنيا والآخرة، فأعظم كرامة تحصل له إنما تحصل يوم الجمعة، إذ فيه بعثهم إلى قصورهم ومنازلهم في الجنة، ويوم الجمعة هو يوم المزيد إذا دخلوا الجنة، وهو عيدٌ لهم في الدنيا، قال ﵀: وهذا كله إنما عرفوه وحصلوه بسببه وعلى يده ﵊، فمن شكره وأداء القليل في حقه أن يكثروا من الصلاة عليه في هذا اليوم والليلة.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيد.
ومن خصائص يوم الجمعة -أيها المسلمون- هذا المشهد العظيم، وهذا التجمع الكبير في صلاة الجمعة، إنها صلاة أسبوعية جامعة يجتمع فيها المسلمون في مساجدهم الكبار ليشهدوا الخير والذكر، صلاة يسعى فيها المسلمون إلى ذكر الله، ويذرون البيع واللهو والتجارة، يتحللون من شئون المعاش، ويوثقون صلتهم بربهم، صفة خاصة، وهيئة خاصة، لخطبتيها وركعتيها من أعظم مجامع المسلمين.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : ﴿الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفراتٌ لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر﴾ رواه مسلم وغيره.
стр. 594
التطيب والاغتسال
ومن توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بين الجمعتين وزيادة ثلاثة أيام.
اجتماعٌ إسلامي مهيب يزدان بالكمال والبهاء، وشذا المسك والعنبر، مما يشرح الصدور، ويسر القلوب، ويؤنس الإخوان، ويرضي الرب ﵎، اجتماعٌ شرعت له آداب، وتقررت له مهذبات من الاغتسال والتطيب، واتخاذ الزينة، والعناية بالبدن، وتطهير النفس، وإعزاز الدين.
في الخبر عنه ﷺ أنه قال: ﴿من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيبه إن كان له، ولبس أحسن ثيابه ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد ثم يركع ما بدا له، ولم يؤذِ أحداً، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة لما بينهما﴾.
وخطب النبي ﷺ يوم الجمعة، فرأى عليهم ثياب النمار، فقال: ﴿ما على أحدكم وجد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته﴾ والماشي إلى الجمعة له في كل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها، كما في خبر: ﴿من غسل واغتسل وبكر وابتكر ودنا من الإمام فأنصت كان له بكل خطوة يخطوها صيام سنة وقيامها﴾ وذلك على الله يسير.
رواه الإمام أحمد في مسنده بسندٍ صحيح.
стр. 595
التبكير إلى صلاة الجمعة
كما يتأكد التبكير إليها تبكيرٌ في هدوءٍ وسكينة، من أجل استجماع الذكر، وتدبر القرآن، والتهيؤ لسماع الوعظ، وقبول النصح، لعل الله أن يغفر الذنوب، ويعظم الأجر، من هذا الذي لا تطيب نفسه بالتقدم والبكور والمسارعة للاستكثار من الأجور؟!
ولقد قال بعض أهل العلم: كانت الطرقات على عهد السلف عامرة وقت السحر وبعد الفجر بالمبكرين إلى الجمعة الذين يمشون بالسرج، ويقال إن أول بدعة أخرجت في الإسلام ترك البكور إلى الجمعة، وإن البكور إليها لدليل شدة العناية بها، وقرب أهل الجنة يوم القيامة وسبقهم إلى الزيارة يوم المزيد بحسب قربهم من الإمام وتبكيرهم إلى الصلاة.
ومن لطائف الأسرار في هذا المقام ما نبه إليه بعض أهل العلم حيث قال: لما كان يوم جمعة في أسبوع كالعيد في العام، وكان العيد مشتملاً على صلاة وقربان، وكان يوم الجمعة يوم صلاة، جعل الله سبحانه التبكير فيه إلى المسجد والمسارعة بدلاً من القربان، كما في الخبر الصحيح: ﴿من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر﴾.
عباد الله: من أحب الخير لنفسه فليتقرب إلى الله وليبادر وليجتنب التشاغل بالشواغل، من قال لصاحبه: أنصت فقد لغا، ومن مس الحصى فقد لغا، وليمتنع عن إيذاء المصلين والتشويش عليهم بتخطي رقابهم، أو إيذائهم بالروائح الكريهة في بدنه وملبسه ومأكله ومشربه.
جاء رجلٌ يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ قائمٌ يخطب فقال له: ﴿اجلس فقد آذيت وآنيت﴾ أي: آذيت بالتخطي، وآنيت: تأخرت عن المبادرة والتبكير.
стр. 596
حسن الاستماع إلى الخطبة
أما خطبة الجمعة -أيها الإخوة في الله- فناهيك بها فهي عظة الواعظ، وتطهير للنفوس، وترقيقٌ للقلوب، وشفاء للصدور، وتذكيرٌ بالله، وترغيبٌ في ثوابه، وترهيبٌ من عقابه، إيقاظٌ للقلوب، وما أنفع الكلم الطيب حين تحيا به القلوب!
خطبٌ ومواعظ، فيها الثناء على الله، وتمجيده والشهادة له بالوحدانية، ولنبيه بالرسالة والبلاغ، وتذكيرٌ للعباد في أيام الله، ووصيتهم بتقوى الله سبحانه، وما يقربهم إليه وإلى جناته، ويباعدهم عن سخطه ونيرانه.
خطبٌ مشتملة على أصول الإسلام، وقواعد الديانة، وما تقتضيه الأحوال، وحثٌ على الفضائل، واجتناب الرذائل، مما يصلح الفرد والمجتمع في العاجل والآجل.
إنها تجديدٌ للعزائم، وتواصٍ بالمكارم، دعوات حق، وكلمات صدق، أمرٌ بمعروف، ونهيٌ عن منكر.
الله أكبر! حين تخرج هذه المواعظ من قلوبٍ صادقة لتصب في آذان صاغية، وأفئدة منشرحة تحب الناصحين، وتستجيب للواعظين، تسمع حين تسمع بقلوبٍ واجفة، وأجسادٍ خائفة، تتلقى أوامر ربها بعزمٍ شديد، وحزمٍ جليد، تطهر القلوب، وتمحو الذنوب، تيقظ القلوب الغافلة، وتنشط الهمم الوانية، ويراجع المرء نفسه لينظر ما قدمت يداه.
هذه هي خطب الجمعة، في مضامينها وعظاتها، وهذا هو المصلي الناصح لنفسه، منصتٌ لخطبة إمامه، مصغٍ لوعظ خطيبه، قد نفعه ربه بالإرشاد والعظات، وتوجيهات الدين والدنيا.
стр. 597
مظاهر الغفلة عن صلاة الجمعة
стр. 598
ترك صلاة الجمعة
يقابل ذلك -أيها الإخوة- قومٌ غافلون، متهاونون، كأنه لم يطرق آذانهم الوعيد الشديد، فلم يعرفوا لهذا اليوم حقه، ولم يكترثوا بفضله: ﴿من ترك ثلاث جمعٍ تهاوناً، طبع الله على قلبه﴾ بهذا صح الخبر عن نبيكم محمدٍ ﷺ ، ويقول ﵊ وهو قائمٌ على أعواد منبره: ﴿لينتهين أقوامٌ عن ودعهم الجمع والجماعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين﴾.
стр. 599
اللهو وإتيان المعاصي والموبقات
قومٌ ساهون لا يقيمون لهذا اليوم وزناً، ولا يحسبون له حساباً، لا يعرفون إلا أنه يوم فراغ ونزهة ولهو، بل إن بعضهم ليجترئ على الله فيه، ويأتي من المعاصي والموبقات، ويطلق لنفسه عنان الشهوات مالا يفعله في غيره، نعوذ بالله من الخذلان.
أهل لهوٍ وغفلة يعبون من اللهو عباً، ويشربون من الأهواء بأوفى المكاييل، لا يتحرزون من حرام، ولا يتباعدون عن مواطنه، ملئوا الأسواق، وأكلوا الأرزاق، وانتشروا في المتنزهات، لا يعرفون بيوت الله، ولا يشرف أحدهم في إقامة شعائر الدين، منهم من بجوار المساجد بيوتهم ولكنهم أبعد الناس عنها بقلوبهم.
стр. 600
التكاسل حتى تقام الصلاة
وهناك فئة كسالى، يأتون إلى المساجد في فتورٍ وملل، ينتظر الواحد منهم إقامة الصلاة؛ ليأتي مسرعاً ثائر النَفْسِ والنَفَس، يدخل إلى الصلاة مشوش الفكر، لم يراعِ أدب الإسلام في دخول بيوت الله، ولم يعمل بسنة رسول الله ﷺ في التزام السكينة والوقار، فاته أجر التبكير إلى الصلاة، أما علم هذا الكسول أن منتظر الصلاة كالمرابط في سبيل الله، والملائكة تستغفر له ما دام في مصلاه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه؟
الله أكبر! ﴿لا يزال قومٌ يتأخرون حتى يؤخرهم الله﴾ دخلوا في سراديب الغفلة، وقست قلوبهم، أما يخشون أن يختم الله على قلوبهم، ويطمس أبصارهم، وينزع حلاوة الإيمان في قلوبهم؟
следующие страницы →