← Джавами‘

Джавами‘ · id 7735

دروس للشيخ صالح بن حميد

صالح بن حميد

Полный текст (918 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

حسن الاستماع إلى الخطبة أما خطبة الجمعة -أيها الإخوة في الله- فناهيك بها فهي عظة الواعظ، وتطهير للنفوس، وترقيقٌ للقلوب، وشفاء للصدور، وتذكيرٌ بالله، وترغيبٌ في ثوابه، وترهيبٌ من عقابه، إيقاظٌ للقلوب، وما أنفع الكلم الطيب حين تحيا به القلوب! خطبٌ ومواعظ، فيها الثناء على الله، وتمجيده والشهادة له بالوحدانية، ولنبيه بالرسالة والبلاغ، وتذكيرٌ للعباد في أيام الله، ووصيتهم بتقوى الله سبحانه، وما يقربهم إليه وإلى جناته، ويباعدهم عن سخطه ونيرانه. خطبٌ مشتملة على أصول الإسلام، وقواعد الديانة، وما تقتضيه الأحوال، وحثٌ على الفضائل، واجتناب الرذائل، مما يصلح الفرد والمجتمع في العاجل والآجل. إنها تجديدٌ للعزائم، وتواصٍ بالمكارم، دعوات حق، وكلمات صدق، أمرٌ بمعروف، ونهيٌ عن منكر. الله أكبر! حين تخرج هذه المواعظ من قلوبٍ صادقة لتصب في آذان صاغية، وأفئدة منشرحة تحب الناصحين، وتستجيب للواعظين، تسمع حين تسمع بقلوبٍ واجفة، وأجسادٍ خائفة، تتلقى أوامر ربها بعزمٍ شديد، وحزمٍ جليد، تطهر القلوب، وتمحو الذنوب، تيقظ القلوب الغافلة، وتنشط الهمم الوانية، ويراجع المرء نفسه لينظر ما قدمت يداه. هذه هي خطب الجمعة، في مضامينها وعظاتها، وهذا هو المصلي الناصح لنفسه، منصتٌ لخطبة إمامه، مصغٍ لوعظ خطيبه، قد نفعه ربه بالإرشاد والعظات، وتوجيهات الدين والدنيا.

стр. 597

مظاهر الغفلة عن صلاة الجمعة

стр. 598

ترك صلاة الجمعة يقابل ذلك -أيها الإخوة- قومٌ غافلون، متهاونون، كأنه لم يطرق آذانهم الوعيد الشديد، فلم يعرفوا لهذا اليوم حقه، ولم يكترثوا بفضله: ﴿من ترك ثلاث جمعٍ تهاوناً، طبع الله على قلبه﴾ بهذا صح الخبر عن نبيكم محمدٍ ﷺ ، ويقول ﵊ وهو قائمٌ على أعواد منبره: ﴿لينتهين أقوامٌ عن ودعهم الجمع والجماعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين﴾.

стр. 599

اللهو وإتيان المعاصي والموبقات قومٌ ساهون لا يقيمون لهذا اليوم وزناً، ولا يحسبون له حساباً، لا يعرفون إلا أنه يوم فراغ ونزهة ولهو، بل إن بعضهم ليجترئ على الله فيه، ويأتي من المعاصي والموبقات، ويطلق لنفسه عنان الشهوات مالا يفعله في غيره، نعوذ بالله من الخذلان. أهل لهوٍ وغفلة يعبون من اللهو عباً، ويشربون من الأهواء بأوفى المكاييل، لا يتحرزون من حرام، ولا يتباعدون عن مواطنه، ملئوا الأسواق، وأكلوا الأرزاق، وانتشروا في المتنزهات، لا يعرفون بيوت الله، ولا يشرف أحدهم في إقامة شعائر الدين، منهم من بجوار المساجد بيوتهم ولكنهم أبعد الناس عنها بقلوبهم.

стр. 600

التكاسل حتى تقام الصلاة وهناك فئة كسالى، يأتون إلى المساجد في فتورٍ وملل، ينتظر الواحد منهم إقامة الصلاة؛ ليأتي مسرعاً ثائر النَفْسِ والنَفَس، يدخل إلى الصلاة مشوش الفكر، لم يراعِ أدب الإسلام في دخول بيوت الله، ولم يعمل بسنة رسول الله ﷺ في التزام السكينة والوقار، فاته أجر التبكير إلى الصلاة، أما علم هذا الكسول أن منتظر الصلاة كالمرابط في سبيل الله، والملائكة تستغفر له ما دام في مصلاه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه؟ الله أكبر! ﴿لا يزال قومٌ يتأخرون حتى يؤخرهم الله﴾ دخلوا في سراديب الغفلة، وقست قلوبهم، أما يخشون أن يختم الله على قلوبهم، ويطمس أبصارهم، وينزع حلاوة الإيمان في قلوبهم؟

стр. 601

تتبع زلات الخطيب ومن أصناف الغافلين أيها الإخوة: من لا يدعوه إلى الإنصات وحسن الاستماع إلا حب التطلع والاستطلاع، ليقارن بين هذا وذاك، ولعله مبتلى بتتبع الزلات، وعد الهفوات، مما ليس من مسالك صالح المؤمنين.

стр. 602

إعلاء شأن أعياد الكفار ومن مظاهر الغفلة والذل والانهزام عند بعض المسلمين: إعلاؤهم لشأن أعياد الكفار وأيامهم، حتى تضاءلت منزلة يوم الجمعة عندهم، فلا يقيمون لها وزناً، ولا يرفعون لها شأناً، وكأنها ذيلٌ في آخر الأسبوع، ليس لها عندهم من الرعاية الشرعية ولا الرسمية كما يعتنون بأعياد الأمم الأخرى الأسبوعية وأيامها، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! إن حقاً على من أحب الخير لنفسه أن يعرف لهذا اليوم فضله، ويعطيه حقه، ويتقرب إلى الله بما يستطيع من العبادات المشروعة، ويؤدي الواجب، رغبة في الخير، وتلمساً للفضل، مقبلاً على مواطن الطاعات، بالعزائم النشطة، والنفس المتفتحة، والآمال الواسعة، بفضل الله وبرحمته يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة:٩ - ١١]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ ﷺ ، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 603

ساعة الاستجابة في يوم الجمعة الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، لا فوز إلا في طاعته، ولا عز إلا في التذلل لعظمته، ولا غناء إلا في الافتقار إلى رحمته. أحمده سبحانه وأشكره، إذا أطيع شكر، وإذا عصي تاب وغفر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، وحجته على الخلائق أجمعين، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الإخوة: هذا هو يوم الجمعة بفضله ومنزلته، وذكره وخصائصه، وذلكم هو الدين بحكمه وحكمته، فليس الدين بصومعة منعزلة، ولا الدنيا بسوقٍ منفصلة، لكن المسجد منارة السوق، والسوق عمارة المسجد. المسلمون إذا فرغوا من صلاتهم لم ينقطعوا عن الصلة بربهم، ولم يغفلوا عن ذكره: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠] عملٌ وكد، ونشاطٌ وكسب، وذكرٌ وشكر، لا انفصام بين ذلك ولا افتصال. كان عراق بن مالك ﵁ إذا صلى الجمعة انصرف فوقف بباب المسجد ثم قال: اللهم إني أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك فأنت خير الرازقين. اهتمامٌ وعناية حتى لا يكون الدين رسوماً جامدة، ولا حركات جافة، المستمسكون بالدين، قومٌ صالحون يقبلون على مواطن العظة، ومجالس الذكر بأفئدة واعية، وجلودٍ مقشعرة، يجدون راحتهم ولذتهم وسعادتهم في إطالة اللحظات في التلاوة والمناجاة. فلماذا -يا عبد الله- لا تتحلى بحلل الصالحين، وتتزيا بزي المتقين، وتكثر من ذكر الله وتلاوة كتابه، وتكثر أيضاً من الصلاة والسلام على حبيبه وخليله محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتحرص على حفظ إخوانك، فلا تفرق بين اثنين، وتصالح من خاصمت، وتتقي الله عسى أن تربح وتفلح؟ فكمل نفسك بالمحامد وارعها في دواوين المتقين. واعلم -وفقك الله- أن أهل العلم ﵏ قد نصوا على أنه لا يجوز السفر يوم الجمعة لمن تلزمه صلاة الجمعة بعد دخول وقتها إلا إذا كان سيؤديها في مسجدٍ في طريقه. ولا تنسى -وفقني الله وإياك- أن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبدٌ يسأل الله فيها شيئاً إلا أعطاه، فقد قال النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿إن في الجمعة ساعةً لا يوافقها عبدٌ مسلم وهو قائمٌ يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه﴾ وأرجى أوقاتها ساعتكم هذه، وما بين العصر إلى غروب الشمس. ألا فاتقوا الله -رحمكم الله- واجتهدوا في الخير تصيبوه بإذن الله، وتحروا الفضل تبلغوه إن شاء الله، ثم صلوا وسلموا على عبد الله ورسوله محمد نبيكم فقد أمركم ربكم فقال قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

стр. 604

لا لمؤتمر السكان والتنمية إن سر تكريم الإنسان هو العقل والإرادة وقبول التشريع، ولذلك الذي يسير على غير هدى الله ولا يوافق الشرع الحنيف يتعرض للعيشة الضنك والضلال والشقاء. وإن المؤتمر الذي عقد باسم مؤتمر السكان والتنمية لينضح بالكفر ويطفح بالإلحاد، ولأصحابه نظرة معكوسة في فهم الواقع، وهو في حقيقته مؤامرة صهيونية علمانية إلحادية دولية، والحقيقة التي يخفونها أن تكاثر الدول الضعيفة -وبخاصة دول الإسلام- يخيفهم ويفزعهم.

стр. 605

سر تكريم الإنسان الحمد لله خلق الخلائق وقدر أقواتها، وقدم أرزاقها، وحدد آجالها، فلن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، أبان الطريق، وأوضح السبيل، فاستبانت نفوس الحق، وأجابت دعوة ربها، وضلت أخرى فآثرت هواها على هداها، فاستسلمت لشهواتها. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة الحق واليقين، إيماناً بحقيقتها وعملاً بمقتضاها، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، المبعوث بالهدى ودين الحق، باتباعه تبلغ النفوس مناها في آخرتها ودنياها، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، خير الأمة وأزكاها وأبرها وأتقاها، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الناس: اتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من دينكم بالعروة الوثقى. أيها المسلمون: كرم الله بني آدم، وحملهم في البر والبحر والجو، ورزقهم من الطيبات وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلاً، بشر مُكَرَّم، جعله الله محلاً لهدايته، وأهلاً لتكاليفه، هو الوحيد من بين المخلوقات، عاقل ذو إرادة، متحكم في رغباته، قادر على كبح جماح شهواته. نعم. إن سر التكريم وجوهر الإنسانية: العقل والإرادة وقبول التشريع. فبغير السير على هدى الله، وبغير كبح جماح النفس، والتقدير الصحيح للمضار والمنافع؛ يكون الإنسان وحشاً كاسراً في غابة مخيفة، كم من أمة ابتعدت عن نور الله، واستسلمت لنزواتها، وانطلقت لاهثة وراء مشتهياتها، فزلَّت بها القدم، ثم زالت إلى العدم، زلَّت ثم زالت ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤]. وحضارة اليوم بِمَلاحِدَتها ومادِّيِّيْها، على هذا الطريق المنحرف تنجرف، كفار بالله، وكفار بالغيب، لا يرجون لله وقاراً. استسلموا لعقولهم، واستعبدتهم آلاتُهم وحاسباتُهم، يخططون للدنيا، ويدبرون في الكون، بعيداً عن الله وذكره وشكره، لسان حالهم ومقالهم يقول: ربنا لقد أخطأتَ التقدير، وأسأتَ التدبير، فالأقوات غير كافية، والموارد عندنا متناقصة، والأرض لنا غير متسعة! تعالى الله عما يقول الظالمون الكافرون الجاحدون علواً كبيراً: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧] ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر:٢١] ويدُ ربنا ملأى لا تعيضها نفقة، سَحَّاء الليل والنهار، سَوق الرزق بإذن الله، وتوزيعه بحكمة الله، خلق الأرض: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت:١٠] ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:١٧].

стр. 606

حقيقة مؤتمر السكان والتنمية أيها الإخوة: في الأيام القريبة سوف يُعقد مؤتمر يتظاهر أصحابه بالحب للبشرية، والخوف عليهم، وهو ينضح بالكفر، ويطفح بالإلحاد، ويناوئ الله في حِكَمِه وأحكامه: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١] و ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [النساء:٨٩]. مؤتمر يهدد -فيما يزعمون- بالانفجار السكاني، ويخوف بنقص خزائن الله. مؤتمر يزعم أن الحل لمشكلات البشر بنشر الإباحية المطلقة، وإقرار اللواط، وزواج الشواذ، وفوضى الجنس بين المراهقين والأحداث والمتزوجين والعزاب، وشرعية الإنجاب من غير زواج، وتمرد الأبناء على ولاية الآباء، والتنفير من الزواج المبكر، وإباحة الإجهاض! وهذا تمردٌ على كل الشرائع السماوية، والقوانين الشريفة، والأخلاق السامية، والفِطَر السليمة، وإلحادٌ صارخ، وكفر بواح. لقد أجلبوا بخيلهم ورَجِلِهم وعُدَّتهم وعتادهم، وكتبوا واستكتبوا وتنادَوا من كل جانب. لقد زعموا أن قلة السكان تؤدي إلى زيادة التنمية، وهذا ميزان معكوس، ومعالجة سَلْبية. إن الموارد لا تزيد -بإذن الله- إلا إذا زاد عدد البشر، فالإنسان هو الوحيد من بين المخلوقات على هذه الأرض الذي يتعامل مع هذه الموارد -بإذن الله وهدايته- بالتنمية والزيادة، والمزج والخلط، والتركيب والتوليد، والجمع والتفريق. الصين أكثر الدول سكاناً، وهي أرفعها في التنمية معدلاً، هذا هو الحديث إليهم بمقاييسهم. وأما أهل الإسلام، وأهل الإيمان، فينظرون إلى القضية بمقياس أكبر وأدق. إن استدرار الأرزاق، واستجلاب الخيرات، ورفع معدلات التنمية، لا يكون ولن يكون إلا بالإيمان بالله رباً مدبِّراً خالقاً حكيماً، عليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير.

стр. 607

من مقتضيات الإيمان بالله ومن مقتضيات هذا الإيمان: اتباع الأوامر، واجتناب النواهي، نؤكد الميثاق مع ربنا ولا ننقضه، ومن ثَمَّ: يكون الخضوع لله، وتحكيم شرعه، والبعد عن الظلم والتظالم، وأكل الربا، وأكل أموال الناس بالباطل، ومنع الزكاة وحقوق المال، وتقطيع الأرحام، وبخس الناس أشياءهم، وتضييع الموارد والثروات، وتبديدها فيما لا يرضي الله، والحذر من ارتكاب الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، والإثم والبغي بغير الحق، والشرك بالله، والقول على الله بغير علم. هذه هي مقتضيات الإيمان. ويقترن بذلك: الأخذ بسنن الله في العلم والعمل، وحسن الاستثمار، ومراجعة السياسات الاقتصادية، والخطط التنموية، وبرامج التعليم والإعلام، والاستفادة الكاملة من الفرد والجماعة على نور من الله وهدي الإسلام. إن البلاء في سياساتهم وليس في أُناسِيِّهِم. خزائن الله لا تنفد، وإنما شحت أنظمتهم الجائرة، وخابت وحاقت بهم خططهم الماكرة. ليس الحل بمعاقبة الإنسان، وإهلاك الشعوب، والتعامل مع البشر كما يُتَعامل مع النفايات، ليُلْقَى الفائض في الزبالات، ألا ساء ما يحكمون. أيها المسلمون: أيها العقلاء! إن الأعداد البشرية، وزيادتها، ونقصها، وتوازنها، كل ذلك خاضع لسنة الله وحكمته وقدره وعلمه: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ [الرعد:٨] ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر:١١]. وخضوعاً لهذه السنن الإلهية، والحكم الربانية، جعل نبيُّنا محمدٌ ﷺ من أعظم الذنوب وأكبرها: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك؛ لأن حق الحياة محفوظ لكل نَسَمَة. ولَمَّا أذن النبيُّ ﷺ بالعزل لمن سأله، قال ﵊: ﴿ما من نَسَمَة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة﴾ وفي رواية أخرى: ﴿اعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قُدِّر لها﴾ هذه هي العقيدة وهذا هو الواقع.

стр. 608

ظلم الدول الكبرى أيها الإخوة: هذا جانب من القضية، وثَمَّة جانب آخر: إنه حكم الظالم على المظلوم، والقوي على الضعيف: فلقد صبوا جام غضبهم على الدول الضعيفة والفقيرة، استبدو بالثروات، واحتكروا الصادرات، واتهموا الدول الفقيرة بأن فقرها وعَوَزَها بكثرة سكانها، أليسوا هم الذين يتلفون فائض الإنتاج حتى لا تنخفض الأسعار؟! أليست أسعار ما يَرِدُ منهم في تزايد، وأسعار ما يصْدُرُ إليهم في تناقص؟! اتفاقيات ومعاهدات جائرة، يبرمونها مع هؤلاء الضعاف الفقراء، منحازةٌ مع دول الشمال، وما يَرِد من الشمال، وما ينتجه الشمال، مساعداتهم التي يمنُّون بها لا تصل إلا مخنوقة بالديون، ومثقلة بفوائد الربا، ومكبلة بالشروط، ومحدودية الصرف بما لا يرفع رأساً أو يورث تنمية. أما الستار الحديدي الغليظ، فمضروب على التقنيات، ووسائل تحسين الإنتاج، وتطوير الاستثمار، ناهيك بسياساتهم المسعورة في التسلح، وإنفاق البلايين وبلايين البلايين في إنتاج السلاح وترويجه، وافتعال الحروب ونشرها، وزعزعة الاستقرار السياسي، والمذابح الجماعية، والفتن الطائفية: (لقد ربينا أبناءنا صغاراً، فقتلتموهم كباراً) قتلتموهم حسياً، وقتلتموهم معنوياً. إن عندهم من مخزون السلاح ما يكفي لتدمير الأرض، وإهلاك الحرث والنسل عشرات المرات، ولو أنهم اكتفوا بمخزون يكفي لتدمير العالم مرة واحدة لفاض في ميزانياتهم ما يغطي مشروعات الإنتاج والخدمات في العالم أجمع! لكنه الإجرام الغليظ، والأنانية المستحكمة، والجور في التوزيع، والاستئثار المقيت بما يملكون من صادر، وما يقْدِرُون عليه من وارد! ومع ذلك يتبجحون ويأتمرون ويوصون ويقررون، ثم ينْحُون باللائمة في المشكلة الإنمائية والسكانية على هذه الدول الضعيفة، ولكنه (الثور يُضْرَب لَمَّا عافت البقر). وإن أردتم شيئاً من الحقيقة -أيها الإخوة- فلتعلموا أن تكاثر الدول الضعيفة والفقيرة -وبخاصة دول الإسلام- يخيفهم ويفزعهم، طفحت بذلك وثائقهم وملفاتهم، لقد قررت تلك الوثائق والملفات أن تزايد السكان يهدد مصالحهم ويزعزع أمنهم، ولقد قالوا فيما قالوا: إن أقطارهم أصبحت تذوب كالجليد تحت الشمس أمام تزايد الشعوب الأخرى، ولقد كان بعضهم أكثر صراحة حين قال: إنهم يواجهون في المستقبل خطر الأَسْلَمة. يعني: دخولَهم في الإسلام. لقد تعالت نداءات كُتَّابهم ومنَظِّرِيهم في التحذير من اختلال ميزان القوى بين الشرق والغرب، حتى صرحوا بأن لدى مناطق المسلمين خصوبة، تفوق ما لديهم بأضعاف، مما سوف ينقل السلطة والقوة في مدة لا تتجاوز بضعة عقود، هذا ما حصلت به حساباتهم ونسبهم المئوية. نعم أيها الإخوة. لقد تناقصت أعدادهم، وقلت نسب المواليد فيهم؛ فأصبحوا يدفعون الإعانات للأسر؛ لزيادة الإنجاب، ولم تزدد أعدادهم، وقد استباحوا ما حرم الله على ألسنة رسله، وتنزلت به كتبه، فأحلوا السفاح، واكتفى الرجال منهم بالرجال، والنساء بالنساء؛ فصار حالهم متردداً بين شذوذ وسحاق.

стр. 609

السعادة في الدين الإسلامي ألا فاشكروا الله أيها المسلمون، اشكروه إذ كثَّركم: ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف:٨٦]. ثُمَّ فليخسأ الماديون: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦]. وليُدْحَر الملاحدة: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت:٦٠]. وليَنْدَحِر الكافرون بالغيظ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٣١]. والصَّغار والذلة للإباحيين، فلقد بايع المؤمنات رسول الله ﷺ ألا يزنين، ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن. ولنهنأ بديننا، ولنتمسك بالحق من عند ربنا: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون:٧١]. ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْأِنْفَاقِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ قَتُوراً﴾ [الإسراء:١٠٠]. ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور:٣٧]. كلا. خابوا -وعزتك يا ربنا- وخسروا. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واخذل الكفرة والملاحدة وكل من خذل الدين. اللهم وأصلح أحوال المسلمين، وبارك لهم في أرزاقهم وذرياتهم، واجعلهم شاكرين لنعمك قابلين وأتمها عليهم برحمتك يا أرحم الراحمين. استجب اللهم يا رب العالمين. وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 610

خطورة مؤتمر السكان والتنمية الحمد لله القاهر فوق عباده عزاً وسلطاناً، تعالى مجده، وتعاظم ملكه، قسَّم الخلق بعدله ورحمته، فمنتحل كفراً، ومنتحل إيماناً. أحمده سبحانه وأشكره، وأسأله المزيد من فضله وكرمه، والإعانة على ذكره وشكره، وحسن عبادته، فطوبى لمن ذُكِّر بآيات ربه فزادته إيماناً، وويل لمن ذُكِّر بها فخر عليها صُماً وعمياناً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، دعا إلى الحق سراً وإعلاناً، فأشاد بالتوحيد منائر، وكسر للشرك أصناماً، وهدم أوثاناً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، كانوا للدين دعاة وعلى الحق أعواناً، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة: إن هذا المؤتمر مؤامرة صهيونية علمانية إلحادية دولية، يُمارَس من خلالها إرهاب حضاري على الأخلاق والأسرة، وحملة شرسة على ما بقي لأهل الإسلام من تفوق في سلاحهم البشري وحصنهم الأخلاقي، إرهاب حضاري، وتعسف دولي، حينما تحتمي التوصيات والمقررات بمظلة الأمم المتحدة؛ لتمارَس من خلالها الضغوط السياسية، والمحاصرات الاقتصادية، وتربَط بها المساعدات الدولية، وتعلو من خلالها صيحات التشريع الإعلامية. إنهم وبكل صفاقة سوف يصفون المخالفين والممتنعين بالتحجر الفكري، والرجعية الدينية، والخروج على الإجماع الدولي، والتمرد على العالَم المتحضر. إرهاب دولي حين تفرض الدول الكبرى بمنظِّريها الملاحدة رأيها، وتُملي أفكارها، وتفرض رؤيتها الخاصة على أمم الدنيا كلها في ديكتاتورية ضيقة. لماذا يتخذون من أفكارهم الإلحادية المادية المنحرفة المصادمة لتعاليم الديانة الصحيحة، المناقضة للإيمان بالله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره؛ لماذا يتخذون منها ويجعلونها مسلَّمات متحضرة يجب أن يلتزم بها جميع دول العالم؟! هذا هو حالهم، وحال الناس معهم: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]. ألا فاتقوا الله رحمكم الله، واعتصموا بكتاب ربكم، واعملوا لدنياكم وآخرتكم. ثم صلوا وسلموا على المبعوث رحمة للعالمين أجمعين، نبيكم محمد الأمين، فقد أمركم بذلك ربكم فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين. وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك، يا أكرم الأكرمين.

стр. 611

لعلكم تتقون القبول عند الله معلق بالتقوى، وأهل التقوى هم الأعلون في الدنيا والآخرة. والصيام غايته التقوى، حيث يدع الصائم الأكل والشرب والشهوات طاعة لله، فعلى المسلم أن يغتنم هذه الأيام الفاضلة والليالي العظيمة بالتقرب إلى الله بقيام الليل وقراءة القرآن والذكر والصدقة وفعل الخير.

стр. 612

التقوى والمتقون الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لأنفسكم، العز والشرف في التقوى، والسعادة والعلى عند أهل التقوى. التقوى -أيها المسلمون- كنز عظيم، وجوهر عزيز، إن خيري الدنيا والآخرة مجموع فيها: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧] والقبول عند الله معلق بها: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧] والغفران والثواب موعود عليها: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ [الطلاق:٥] أهلها هم الأعلون في الآخرة والأولى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣] غير أن أزمنتنا المتأخرة، وعصورنا المادية، كست قلوب أصحاب كثير من أهلها طبقات من الغفلة، وغشت على أبصارها سحباً من الصدود كثيفة؛ فعموا عن الطريق، وحسن ظنهم بالترقي في جاه الدنيا وسلطانها، فالشقي في ميزانهم من قلت مادته وقدر عليه رزقه، وهذا لعمر الحق غفلة شنيعة، وجهل في المقاييس عريضة: ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١] ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢]. نعم. أيها الإخوة! المتقون تقر أعينهم بالطاعات في الدنيا، وبعالي الدرجات من الجنة في الأخرى، يقال ذلك أيها المسلمون وقد أظلكم هذا الشهر الكريم المبارك، شهر فرض الله عليكم صيامه لعلكم تتقون.

стр. 613

غاية الصيام أيها الإخوة! غاية الصيام: تقوى الله تقوى يتمثل فيها الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل. تقوى صادقة دقيقة يترك فيه الصائم ما يهوى حذراً مما يخشى، ولئن كانت فرائض الإسلام وأحكامه وأوامره ونواهيه كلها سبيل التقوى، فإن خصوصية الارتباط بين الصيام والتقوى شيء عجيب!

стр. 614

صوم القلب والجوارح أيها الإخوة! جوارح الإنسان عين وأذن، ويد ولسان، وبطن وفرج، والقلب من ورائها أصلها وحاكمها، صام القلب واتقى إذا جرد العبودية لله وحده، وخضع لجلاله، وسعى لقربه، وأنس بمناجاته، وخلص من الشرك، وسلم من البدع، وتطهر من المعاصي. قلب تقي يرى الهوى والشهوة، والظن والبغي، والعداوة والبغضاء، والغل والحسد، والمراء والجدل، يرى كل ذلك أمراضاً قلبية فتاكة، تقتل الأفراد وتهلك الأمم. القلب التقي يرفضها ويأباها ويتقيها ويتقيؤها، وصيامه ينفيها ويجفوها، قلب صائم متدين لله بالطاعة، مستسلم له بالخضوع والاستجابة، منقاد لتنفيذ الشرع في الأمر والنهي، عبودية لله خالصة، لا يصرفه عنها شهوة ولا شبهة، ولا يشوش عليه فيها أمانٍ ولا مطامع، قلب قوي تقي، لله صلاته وصيامه، ونسكه ومحياه ومماته، ﴿من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه﴾ وإذا صلح القلب صلحت الجوارح؛ فقامت بحق الطاعة، وكفت عن الآثام، فالبطن محفوظ وما حوى، ترك الطعام والشراب والشهوة من أجل الله، تقى عال يقي النفس جماح غرائزها، وإرادة مستعلية تأخذ أمر ربها بقوة، وتزدجر عن النواهي باستسلام، لقد كان على الهدى وائتمر بالتقوى، من منع جسده تخمة الغذاء؛ ليمنع جوارحه السوء والأذى. قلة الشبع تكبح الجماح، وتبعد نزغات الشياطين: ﴿والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم﴾ قلة الشبع تجعل الجوارح أقرب لفعل القربات يرق القلب، ويغزر الدمع، ويخذل الشيطان. وانظر -حفظ الله دينك وزاد في تقاك- في ضعاف المهازيل، ممن جاع نهاره، وملأ في الليل بطنه، فهو صريع لذة عارمة، وعبد لشهوة جامحة، هل حقق معنى التقوى حين تفنن بأطايب الطعام وألوان الموائد؟ بينما قليل منه قد يشبع جياعاً، ويسعد أسراً، قليل منه قد يكفكف دموعاً، ويوقف عبرات، هل أعطى واتقى أم كيف أعطى، وماذا اتقى من جعل رمضانه تبذيراً وفطره تخمة؟! مسكين بائس لا يرى في الصوم إلا جوعاً لا تتحمله معدته، وعطشاً لا تقوى عليه عروقه، أي تقوى وأي مقاومة عند أمثال هؤلاء المهازيل؟! أولئك أقوام انهزمت عزائمهم أمام جوع بطونهم، لقد أورثهم الشبع قسوة فجعلهم نئومين، وأقعدهم كسالى، ألا فاقعدوا فأنتم الطاعمون الكاسون. من أعلن استسلامه في معركة لقيمات، لا تدوم سوى سويعات، فليس جديراً أن يعيش عزة المتقين، وعلياء الشهداء المجاهدين. الله أكبر! لقد فرض الصيام لتمحيص التقوى، وليصبح المسلم صائماً تقياً في مطعمه ومشربه، قصده رضا محبوبه ﴿الصوم لي وأنا أجزي به﴾. هذا حال البطن وما حوى، فيا ترى ما بال الرأس وما وعى؟ من لم يدع قول الزور والعمل به كيف صام؟ وماذا اتقى؟ حظه من صيامه الجوع والعطش، ونصيبه من قيامه السهر والنصب، أين التقوى في أسماعهم وأبصارهم؟ لغو ولهو، وقيل وقال، وأصوات معازف، وصور ماجنة، وقصص خالعة، في النهار نوم في تقصير، وفي الليل سهر في غير طاعة، متبرمون في أعمالهم، سيئون في معاملاتهم، متثاقلون في أداء مسئولياتهم، نشاط في اللهو والسمر، وكسل في الجد والعبادة.

стр. 615

الطاعة في رمضان أيها الأحبة: شهركم شهر التقوى، شهركم موسم عظيم للمحاسبة، وميدان فسيح للمنافسة، تصفو فيه نفوس من داخلها، وتقترب فيه قلوب من خالفها، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتصفد فيه الشياطين، وتكثر دواعي الخير وأسباب المثوبة، رحمة ومغفرة، وعتق من النار. فأقبلوا على الطاعة، وتزودوا من التقى، واستروحوا روائح الجنة، وتعرضوا للنفحات. الصائمون المتقون: لا يزالون في صلاة وصيام وتلاوة وذكر وصلة وإحسان وجد وعمل، فاطلبوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات ربكم؛ فخيركم من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله. أيها المتقون الصائمون: فتشوا عن المحتاجين من أقربائكم، والمساكين من جيرانكم، والغرباء من إخوانكم، لا تنسوا برهم وإسعادهم، أشركوهم معكم في رزق ربكم، اذكروا جوع الجائعين، ولوعة الملتاعين، وعبرات البائسين، وغربة المشردين، ووحشة المهاجرين. اسألوا في شهر التقوى والمحاسبة: هل قام بحق التقوى من بات شبعان وحوله جائع يستطيع إشباعه فلم يفعل؟ اسألوا: هل قام بحق الشهر من رأى نفساً مؤمنة بائسة يستطيع إسعادها فلم يفعل؟ أيها المسلمون! صوموا حق الصيام لعلكم تتقون، ومن يتق الله يكن الله معه، ومن كان الله معه فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل، وإذا كان الله معك -يا عبد الله- فمن تخاف؟ وإذا كان عليك فمن ترجو، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٣ - ١٨٥]. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه محمد ﷺ . وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 616

ضرورة اغتنام الأوقات في رمضان الحمد لله جعل الصيام جنة، وسبباً موصلاً إلى الجنة، أحمده سبحانه وأشكره، هدى إلى خير طريق وأقوم سنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بعثه إلينا فضلاً منه ومنة، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله أيها الناس! فالشهور والأعوام والليالي والأيام مواقيت الأعمال ومقادير الآجال، تمر سريعاً وتنقضي جميعاً، إنها أيام الله خلقها وأوجدها، وخص بعضها بمزيد من الفضل، ما من يوم إلا ولله فيه على عباده وظيفة من وظائف طاعاته، ولطيفة من لطائف نفحاته، يصيب بفضله رحمته من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم. وإن بين أيديكم شهراً عظيماً، وأياماً فاضلة، وليالي شريفة؛ فأحسنوا فيها الوفادة، وجدوا فيها بالعمل، وأروا الله من أنفسكم خيراً، فلم يكن سلفكم يستعدون لها بمزيد من الأكل والشرب، ولكن بالطاعة والعبادة والجود والسخاء، فهم مع ربهم عباد طائعون، ومع إخوانهم بررة محسنون، والأسوة في ذلك والإمام نبينا محمد ﵊، فهو أجود ما يكون في رمضان، ويجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره، يحيي ليله ويوقظ أهله ويشد المئزر، ذلكم هو مسلك التقوى، وهذه هي مراسم الاستقبال فاعملوا وأحسنوا وأبشروا. ثم صلوا وسلموا على سيد رسله، وخاتم أنبيائه، والشافع المشفع عند الله يوم لقائه، نبيكم محمد بن عبد الله ﷺ .

стр. 617

يا شباب الإسلام إن العناية بالنشء مسلك الأخيار وطريق الأبرار، ولا تفسد الأمة إلا حين تفسد أجيالها، ولا يستقيم طريقها إلا حين يصلح شبابها وناشئتها. وإن أول لبنة في بناء الشباب هي لبنة العقيدة ورسوخ الإيمان، يتبع ذلك لبنة العزيمة الصارمة والهمة العالية واقتران العمل بالعلم، ومراعاة الميول والرغبات للاستفادة من الطاقات المتاحة، فكل ميسر لما خلق له.

стр. 618

أهمية صلاح النشء من أجل بناء الأمة الحمد لله، أعاد وأبدى، وأجزل علينا النعم وأسدى، لا هادي لمن أضل ولا مضل لمن هدى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أكْرِم به نبياً! وأنْعِم به عبداً! صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، كانوا أمثل طريقة وأقوم وأهدى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان. أما بعد: أيها المسلمون: زينة الحياة الدنيا وعُدة الزمان بعد الله؛ شباب الإسلام الناشئون في طاعة ربهم، لا تكاد تُعْرَف لهم نزوة، أو يعهد عليهم صبوة، يستبقون في ميادين الصالحات، أولئك لهم الحياة الطيبة في الدنيا، ولهم الظل الظليل يوم القيامة، يوم لا ظل إلا ظل المولى. ولئن تطلعت الأمة لإصلاح ناشئتها، ورغبت في أن تقر عينها بصلاحهم، فعليها أن تهتم بتربيتهم وتسليحهم بسلاح الإيمان، وتحصينهم بدروع التقوى، وأخذهم بجد وقوة إلى العلم النافع والعمل الصالح. إن العناية بالنشء مسلك الأخيار وطريق الأبرار، ولا تفْسُد الأمة وتهلك مع الهالكين إلا حين تفسُد أجيالها، ولا ينال الأعداء من أمة إلا إذا نالوا من شبابها وصغارها.

стр. 619

الأنبياء والاهتمام بصلاح الذرية وفي كتاب الله إخبار عن أنبياء الله حين توجهوا إلى ربهم بصلاح ذرياتهم من قبل وجودهم ومن بعد مجيئهم. فمن دعاء زكريا ﵇: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٨] ولا خير في ذرية إن لم تكن طيبة. ويقول إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥]. وفي دعاء له آخر: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم:٤٠]. وكل صالح من عباد الله يبتهل إلى ربه: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف:١٥]. من الشباب ينشأ العلماء العاملون، والجنود المجاهدون، وفيهم الصناع والمحترفون، إذا صلحوا سعدت بهم أمتهم، وقرت بهم أعين آبائهم وأمهاتهم، وامتد نفعهم وحسنت عاقبتهم، ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [الرعد:٢٣].

стр. 620

لبنات في بناء الشباب ولقد رسم النبي ﷺ فيما رسم منهجاً واضحاً في وصايا وجهها لشباب الأمة المحمدية ممثلة في ابن عمه الغلام عبد الله بن عباس ﵄، حيث قال له: ﴿يا غلام! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك﴾.

стр. 621

العقيدة وأهميتها في صياغة الشباب إن أول لبنة في بناء الشباب لبنة العقيدة، ورسوخ الإيمان، وصدق التعلق بالله وحده، والاعتماد عليه. إن أولها: حفظ الله بحفظ حقوقه وحدوده، ومن ثم الاستعانة به وحده في الأمور كلها، والتوكل عليه، واليقين الجازم بأن بيده سبحانه الضر والنفع. يأتي كل ذلك -أيها الإخوة- ليكون دافعاً للشباب، وهو في ثورته وطموحه وتكامل قوته؛ ليكون قوي العزيمة عالي الهمة.

стр. 622

قوة العزيمة وعلو الهمة وأثرها في حياة الشباب وإن شباب الإسلام اليوم بحاجة إلى المعرفة التامة بالعزائم من الأمور، والعالي من الهمم. إن قوي العزيمة في الشباب -أيها الشباب- من تكون إرادته تحت سلطان دينه وعقله، ليس عبداً لشهواته، ﴿فتَعِس عبد الدينار وعبد الدرهم﴾. من صرامة العزيمة وعلو الهمة أن يفرغ الفؤاد عن الشهوات القريبة والعواطف السريعة. اسمعوا إلى صقر قريش عبد الرحمن الداخل في قصة حفظها لنا التاريخ، يقول التاريخ: حينما عبر هذا الصقر البحر أول قدومه على الأندلس أهديت له جارية فارعة الجمال، فنظر إليها وقال: إن هذه من القلب والعين بمكان، وإن أنا شُغِلْتُ عنها بما أَهُمُّ به ظلمتها، وإن أنا اشتغلت بها عمَّا أَهُمُّ به ظلمتُ هِمَّتِي، ألا فلا حاجة لي بها، ثم ردها إلى صاحبها. أيها الشباب: إن الشهوات والعواطف وحب الراحة وإيثار اللذات هو الذي يُسْقِط الهمم، ويفتِّر العزائم، فكم من فتيان يتساوون في نباهة الذهن، وذكاء العقل، وقوة البصيرة؟! ولكن قوي الإرادة منهم وعالي الهمة فيهم، ونفَّاذ العزيمة بينهم هو الكاسب المتفوق، يجد ما لا يجدون، ويبلغ من المحامد والمراتب ما لا يبلغون، بل إن بعض الشباب قد يكون أقل إمكانيات وأضعف وسائل؛ ولكنه يفوق غيره بقوة الإرادة وعلو الهمة والإصرار على الإقدام. وإنه لحقيق بالرجال القوامين على التربية أن يعطوا هذا الدرس مكانه من التوجيه من أجل بناء صروح من العز شامخة، إن لم يكن ذلك فقد ظلمت الأمة نفسها، وخسرت أجيالها، وهضمت حق دينها، وأضاعت رسالتها، ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾ [مريم:١٢]. وما اقترن العزم الصحيح بالتوكل الوثيق على مَن بيده ملكوت كل شيء إلا كانت العاقبة فوزاً ونجاحاً، ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. وإن من مظاهر ضعف الهمم في التعليم والتوجيه، ومن بخس حق العلم والمعرفة: أن يطلب الفتى العلمَ لينال به رزقاً، أو ينافس به زميلاً، حتى إذا أدرك الوظيفة، أو فاز على الزميل، أخلد إلى الراحة، ونسي العلم، وأضاع المعرفة، وتنحَّى عن الطلب، وإنما يرتفع رأسُ الأمة ويظهر عزها بهمم أولئك الذين يُقبلون على العلم بجد وصبر وثبات، ولا ينقطعون عن التحصيل والاستزادة إلا حين ينقطعون عن الحياة.

стр. 623

أهمية اقتران العلم بالعمل في صياغة الشباب والعلوم -أيها الإخوة- ما وضعت إلا لتهدي إلى العمل النافع، فلا شرف لها في نفسها، وإنما شرفها بما يترتب عليها من عمل صالح وأثر حسن، فالفقيه من يجد في علمه ما يعرف به أحكام الوقائع والنوازل، وكيف تكون المفاخرة بفتيان درسوا من العلوم التجريبية ما درسوا، ثم لم ينفعوا بلادهم في معامل ولا مصانع تكون بها أمتهم رائدة إلى الصلاح، وقائدة إلى مناهج الحق والصواب في كل ميدان وفي كل مجال؟! ومن هنا كان لزاماً -أيها المسلمون- اقتران العلم بالعمل، فمَن عَلِم خيراً فليبادر إلى فعله، ومن عَلِمَ شراً فليحذر الاقتراب منه، وما يحيي القلوب بالمعرفة اليقظة والعلم النافع إلا المبادرة إلى العمل، فبه تستنير القلوب، ويصح المسير في دروب الحياة. يقول بعض السلف: [[كنا نستعين على حفظ أحاديث رسول الله ﷺ بالعمل بها]]. ويقول بعض الحكماء: إذا أردت الاستفادة من النصائح المكتوبة والمسموعة فجربها واعمل بها، فإنك إن لم تفعل كان نصيبك نسيانها. إن المعلومات النظرية التي لم ينقلها العمل من دائرة الذهن والأفكار المجردة إلى واقع الحياة لا فائدة فيها، فالجندي لا تنفعه معلوماته إذا لم يمارسها في الميدان، وماذا ينفع الطبيب علمه وكراريسه وآلاته إذا لم يمارسها طباً وعلاجاً؟!

стр. 624

ضرورة مراعاة الاستعدادات والرغبات والمواهب عند صياغة الشباب يُضَمُّ إلى ذلك -يا شباب الإسلام- العلم بما اقتضته سنة الله وحكمته، من اختلاف النفوس في استعداداتها ورغباتها ومواهبها من أجل أن ينتظم الشأن في هذه الحياة، فلربما نشأ وليدان في مهد واحد فتختلف ميولهما واختصاصاتهما في العلوم والمطالب، وإن لكم في أصحاب رسول الله ﷺ لَخَيْرَ أسوة، وفي توجيه النبي ﷺ لَهُمْ حسب طبائعهم وقدراتهم لأَوْضَحَ قدوة، فقد اختلفوا في طبائعهم ومهماتهم وأعمالهم ومعارفهم؛ فـ بلال غير أبي بكر، وخالد غير أبي ذر، وابن عباس غير ابن عمر، ومصعب غير ابن عوف؛ كانوا مهاجرين وأنصاراًَ، وكان فيهم أصحاب بيعة الرضوان، وفيهم الولاة والحكام، وفيهم العسكريون والقادة، وفيهم أوعية العلم والفقه، وكلهم أبلى في الإسلام بلاءً حسناً، وكلهم كان على ثغر من ثغور الإسلام فحفظه وصانه. من أجل هذا -أيها الإخوة- فلا فرق بين عمل وعمل، فالأعمال المباحة على كثرتها واختلافها مطلوبة متأكِّدة حسب حاجة الأمة إليها، وبناء حياتها وقوَّتها عليها، ﴿ألا فاعملوا فكل ميسر لما خلق له﴾. أمةُ الإسلام مطالبةٌ بالدعوة إلى الله، مطالبة بإعداد القوة لإرهاب أعداء الله، بحاجة إلى التكامل والتكافل. إن على كل شاب أن يعلم من العلم ما يقوده إلى حسن العمل، فيتخذ موقعه المناسب حسب قدرته وموهبته وحاجة الأمة إليه، والعلم بشئون الدنيا وأمورها مطلوب إذا كان طريقاً لعز أمة الإسلام وقوَّتها، حيث الابتكار والاختراع والتفوق، فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين. واحذروا الوقوف عند حدود الأماني، والاقتصار على الكلام والمقترحات المجردة، فذلك يفتح أبواباً مَخُوفَة من الجدل الطويل، والثرثرة القاتلة للوقت والجهد والمواهب، وما الأماني إلا رءوس أموال المفاليس. فاتقوا الله جميعاً أيها المؤمنون، و ﴿اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]. ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي سيد المرسلين، وهدانا صراطه المستقيم، وجنَّبنا طريق أصحاب الجحيم. وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 625

شغل وقت الشباب بالطاعات أمان من ضياعهم في متاهة الأهواء الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث بالرحمة والهدى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن بنهجهم اهتدى. أما بعد: فاتقوا الله أيها المؤمنون، اتقوا الله أيها الناشئة، واعلموا أن للعمر أجلاً، والآمال عريضة بحر لا ساحل له، فسارعوا إلى العمل الصالح، واحفظوا لحظات العمر، واشغلوا الوقت بما ينفع في العاجل والآجل. إن الشاب إن لم ينشغل في مشروعات الخير والجهاد والمجاهدة والإنتاج المثمر نهبته الأفكار الطائشة، وعاش في دوامة من النزاهات والمهازل. إن شغل الأوقات وشحنها بالأعمال والواجبات والانتقال من عمل إلى عمل، ومن مهمة إلى مهمة -ولو كانت خفيفة يسيرة- يحمي المرء من علل البطالة ولوثات الفراغ. والنفس -كما قال الإمام الشافعي ﵀ إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. وإن الأمة تتخلص من مفاسد كثيرة وشرور عريضة لو أنها تحكمت في أوقات الفراغ لأبنائها، وليس بالإفادة منها بعد أن توجد، ولكن أيضاً بإيجاد ترتيب لا يكون معه فراغ قاتل. إن مشاعر الخوف والقلق والحقد والغيرة والحسد لا تندفع إلى النفس الإنسانية إلا حينما تكون فارغة غير مشغولة، وإن توزيع التكاليف الشرعية في الإسلام منظور فيه إلى هذه الحقيقة. إن شرائعه تدور على الجهاد والمجاهدة؛ مجاهدة النفس، ومجاهدة الناس، فالصلوات الخمس في ترتيبها وتوزيعها، والعبادات الأخرى في واجباتها ونوافلها بدنية ومالية، والأذكار بكرة وعشياًَ، قياماً وقعوداً وعلى المضاجع، والحرف والمهن، والقيام بالحقوق للقريب والبعيد، كل ذلك جهادات ومجاهدات تستغرق العمر كله لحظة لحظة، لا تبقي فرصة للغفلات والذهولات. فاتقوا الله عباد الله، واعملوا صالحاً، وسيروا على النهج، وأصلحوا النشء. ثم صلوا وسلموا على المبعوث بالحق رحمة للعالمين، نبيكم محمد بن عبد الله، فقد أمركم بذلك ربكم، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأزواجه وذريته. وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين، وعن سائر الصحابة أجمعين والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

стр. 626

أمراض القلوب في هذه الخطبة يتحدث الشيخ عن مرض خطير من أمراض القلوب ألا وهو قبول أكل الحرام. وقد حذر فيها من أكل الحرام، وبين أضراره وبعض صوره في زماننا هذا. وأوصى الأمة بتقوى الله في المأكل والمشرب والملبس، كما تعرض لبعض صفات القلب السليم، وذكر بعض ثمرات أكل الحلال.

стр. 627

صفات القلب السليم وفضل أكل الحلال الحمد لله رب العالمين؛ ربانا وربى جميع الخلائق بنعمه، لا إله غيره، ولا معبود بحقٍ سواه، أحمده سبحانه وأشكره، وأسأله المزيد من فضله وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أسبغ علينا نعمه، وأغنانا برحمته من واسع فضله، أحل لنا الطيبات، وحرم علينا الخبائث، وهو طيبٌ لا يقبل إلا طيبا. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، فبشر وأنذر وبلغ البلاغ المبين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون! اتقوا الله ربكم، وأخلصوا دينكم لله، واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، ادعوه مخلصين له الدين، فبالدين الخالص، والعمل الصالح؛ تصلح الحياة وتزكو النفوس، ويستقيم أمر الدنيا والآخرة. الدين الخالص والعمل الصالح يثمر سلامة القلب، وإذا سلم القلب استقامت الجوارح، وصلح الجسد كله. القلب السليم مملوءٌ بمحبة الله ومحبة رسوله ﷺ ، والرغبة في الطاعة، والنفور من المعصية. صاحب القلب السليم يسير على نورٍ من الله مجتنبٌ للمحرمات، متوقٍ للشبهات، يترك ما لا بأس به حذراً مما به بأس، وبالمقابل فبمرض القلوب وفسادها؛ يغلب الهوى، وتنبعث النفوس إلى المعاصي وتغرق بالشهوات، وتضل بالشبهات، فيحل الضعف، وينتشر الفساد، ويعم التحلل والانحلال، وإن مما يتميز به مرضها وسلامتها واعوجاج الجوارح واستقامتها مسائل الحلال والحرام، أكلاً وشرباً، ولبساً وتعاملاً. ولقد أخبر المصطفى ﷺ بقوله: ﴿إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام﴾ وماذا بعد ذاك أيها المسلمون؟ يقول المصطفى ﷺ : ﴿ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب﴾ رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث النعمان بن بشير ﵁. أيها المؤمنون: الحلال بَيِّن، وطلب العيش مشروع، وأبواب الحلال واسعة، ونعم الله متكاثرة، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وكرهت أن يطلع عليه الناس. ولكن قوماً يأبون إلا عبادة الدرهم والدينار، يستمرئون أكل أموال الناس بالباطل، من غير ورعٍ ولا حياء، ولا مروءة ولا كرامة، فويلٌ لهم مما يكسبون، الرزق مكتوب، والأجل محتوم، ومصير هذه الدنيا إلى الزوال، والمآل إلى الحساب، إذا استغنى العبد بالحلال عن الحرام، فالله يكلؤه برعايته، ويحفظه بعنايته، يحفظه في نفسه، ويحفظه في عقبه وذريته، ويحفظه في ماله، ويبارك له في سعيه، يقول ابن المنكدر: [[إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده والدويرات التي حوله، فما يزالون في حفظٍ من الله وستر]]. جاء عن بعض السلف: خمس خصال بها تمام العمل: "الإيمان بالله، ومعرفة الحق، وإخلاص العمل، والعمل على السنة، وأكل الحلال، فإن فقدت واحدة؛ لم يرتفع العمل". ومن تعفف عن الحرام والمشتبه؛ أمده الله بتوفيق من عنده، وجعل غناه في قلبه، وأصلح له شأنه، أما من ركبه الشيطان وساقه الهوى، وقادته النفس الأمارة بالسوء، فاقترف المحرمات، وخاض في الشبهات، ودخل مواطن الريب؛ فقد فتح على نفسه أبواب الشر والهلكة، ولا يلومنَّ من أساء الظن به، ومن وقع في الشبهات؛ وقع في الحرام، ومن تهاون بالمحقرات؛ اجترأ على الكبائر. عباد الله: إن من ضيع أمر الله؛ ضاع بين خلقه، بل يدخل عليه الضرر والأذى ممن يرجون نفعه وفضله، يتسلط عليه أقرب قريب من أهله وعشيرته.

стр. 628

أكل الحرام خطره وأضراره وبعض موارده أيها المسلمون: أكل الحرام وشربه ولبسه والتغذي به موجبٌ لسخط الله في الدنيا والآخرة، تمحق به البركات، وتخرب به عامر الديار، وتتفرق بسببه البيوتات، ورد عنه ﷺ من حديث ابن عباس ﵄: ﴿إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل الله منه عملاً أربعين يوماً، وأيما عبدٍ نبت لحمه من سحت فالنار أولى به﴾ فالله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦]. ولقد ذكر النبي ﷺ : ﴿الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟!﴾ خرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁. وأخرج الطبراني من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ بسندٍ رجاله رجال الصحيح سوى رجلين لكنهما وثقا، عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿يؤتى يوم القيامة بأناسٍ معهم الحسنات كأمثال جبال تهامة، حتى إذا جيء بهم جعلها الله هباءً منثوراً، ثم يقذف بهم في النار، فقيل: يا رسول الله! كيف ذلك؟ قال: كانوا يصلون ويصومون، ويزكون ويحجون، غير أنهم إذا عرض لهم شيء من الحرام أخذوه، فأحبط الله أعمالهم﴾ وفي صحيح البخاري ﵀، من حديث خولة الأنصارية ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة﴾. أمة الإسلام: متى يرجى العز ومتى يؤمل النصر وكثيرٌ من الناس قد بارزوا الله بالمعاصي في أموالهم وطرق اكتسابهم؟ إن العبد مسئول عن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وإن وجوه التعامل بالحرام كثيرة، والطرق المؤدية إليه واسعة، ومدخل الشيطان وجنوده فيها عريق، وكلها أكلٌ لأموال الناس بالباطل، التعامل بالربا من آكله وموكله، وكاتبه وشاهديه الارتشاء من الراشي والمرتشي والرائش الخيانات والسرقات القمار والميسر شهادة الزور الأيمان الكاذبة في الأموال أكل أموال اليتامى كتمان العيوب في البضائع السحر والكهانة والشعوذة والتنجيم التصوير المحرم وأدوات اللهو المحرمة، وما يُدفع في الزنا والنياحة، والكذب في الأسعار، والغش في المقاولات والتجارات، واحتكار الأقوات، كل هذه أنواع من الكسوب المحرمة، كلها موارد من موارد الحرام. أيها الإخوة في الله: أيها التجار! كيف يستجاب الدعاء؟ ولماذا تنزع البركات؟ ومتى يهدأ اضطراب الأحوال في أمة الإسلام؟ يقول وهر بن الورد: لو قمت في العبادة مقام هذه السارية لن ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل في بطنك: حلالٌ هو أم حرام". وقيل لـ سفيان ﵀: لو دعوت الله؟ فقال: إن ترك الذنوب هو الدعاء. ويقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: [[بالورع عما حرم الله يقبل الدعاء والتسبيح]]. وقد استبعد نبيكم ﷺ إجابة دعاء ذلك الرجل المسكين المسافر الأشعث الأغبر وهو يمد يديه، ويلح في الدعاء: يا رب يا رب، لكن مطعمه حرام، وملبسه حرام، وغذاؤه حرام، فأنى يستجاب لذلك! فاتقوا الله أيها المؤمنون في أنفسكم، واتقوا الله في أهليكم، أصلحوا فساد القلوب بالكف عن الحرام وطلب الحلال، والعمل الصالح، فأي لحمٍ نبت من سحت فالنار أولى به. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦] نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه محمد ﷺ ، ورزقنا الاستقامة على هديه، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 629

حث على تقوى الله في المأكل والمشرب الحمد لله؛ يغفر الذنوب، ويستر العيوب، ويجزي الشاكرين، أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي الأمي، أحل لنا الطيبات، وحرم علينا الخبائث، ووضع الإصر والأغلال عنا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله ربكم وأطيعوه، وعظموا أمره ولا تعصوه، ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، واعلموا أن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب. فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والمال الحرام لا بركة في إنفاقه، ولا قبول في الصدقة منه، وإذا تركه خلف ظهره كان زاده إلى النار، ولتعلموا أن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، فاجتهدوا رحمني الله وإياكم في المطعم الحلال، والملبس الحلال، والمعاملة الحلال، يقول بعض السلف: "إن الرجل إذا تعبد، قال الشيطان لأعوانه: انظروا من أين مطعمه، فإن كان مطعم سوء، قال: دعوه يتعب فقد كفاكم نفسه". فالاجتهاد مع أكل الحرام لا ينفع، فاتقوا الله في أنفسكم وما وليتم. ثم صلوا وسلموا على الهادي البشير، والسراج المنير، فقد أمركم بذلك اللطيف الخبير، فقال سبحانه قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] ويقول ﷺ : ﴿من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً﴾. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد نبي الرحمة والهدى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بفضلك وإحسانك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واخذل اليهود والنصارى ومن شايعهم وسائر الكفرة والملحدين برحمتك يا أرحم الراحمين. الله آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيدهم بالحق، وأيد الحق بهم، وارزقهم البطانة الصالحة، واجمع بهم كلمة المسلمين يا أكرم الأكرمين! اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم وأبرم لهذه الأمة أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير. اللهم انصر دينك وكتابك، وسنة نبيك محمد ﷺ يا أرحم الراحمين. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في كل مكان، اللهم أيدهم بتأييدك، وانصرهم بنصرك، اللهم قوِّ عزائمهم، وسدد سهامهم وآراءهم، واجعل اللهم الدائرة على أعدائهم يا قوي يا عزيز. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 630

الطلاق وآثاره في أحضان الأسرة المتماسكة الملتزمة بأحكام الله تنمو الخلال الطيبة، وتنشأ الخصال الكريمة، والمودة والرحمة هي قوام الأسرة، وخير المؤمنين خيرهم لنسائهم، وتخلخل الأسرة ليس فساداً للأسرة فحسب؛ بل هو فساد للمجتمع بأسره، ولأجل ذلك يحرص الشيطان على التفريق بين الزوجين أشد مما يحرص على أي شيء آخر، وقد اعتبر الإسلام الطلاق آخر العلاج؛ حين تتعذر العشرة وتفشل جميع الطرق التي وضعها لحل المشكلة وحسم النزاع. ثم إذا أراد الزوج بعد ذلك أن يطلق فعليه الالتزام بالطلاق السني وأن يجتنب الطلاق البدعي، وأن يحسن إلى مطلقته ويمتعها، وألا يفشي أسرارها. كما يجب عليها ألا تخرج من بيتها أثناء عدتها ولا يخرجها.

стр. 631

أهمية الأسرة في بناء المجتمع الحمد لله، أمر ووصى، وشرع فأحكم، وهو العليم الخبير، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا معقب لحكمه وإليه المصير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أنار السبيل، وأوضح الطريق، وهدى إلى النهج القويم، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون: في أحضان الأسرة المتماسكة الملتزمة بأحكام الله تنمو الخلال الطيبة، وتنشأ الخصال الكريمة، ويعيش الصبية الصالحون حيث تفشو المودة، وتنتشر الرحمة في جنبات هذا البيت الكريم، متمثلاً فيه قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١]. إن المودة والألفة هي قوام الأسرة، وإن أجلى مظاهرها وأوضح أسبابها حسن العشرة، ولزوم الطاعة، والتواصي بين الزوجين بالخير، وجميل الخلق، فأكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخير المؤمنين خيرهم لنسائهم، والمرأة إذا صلت خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبوابها شئت.

стр. 632

خطورة الطلاق وانفراط عقد الأسرة وفي المقابل -أيها المسلمون- فإن تخلخل الأسرة وضعف تماسكها، ليس فساداً للأسرة وحدها، أو شقاءً لأفرادها فقط، ولكنه فسادٌ للأمة كلها، ودمارٌ للبشرية جميعها، بل كم من حضارةٍ هوت لانهيار كيان الأسرة فيها، واختلاط الحلال والحرام في نظامها، وانتشار الفساد في أخلاقها، ومن هنا فإن الشيطان لا يحرص على شيء حرصه على تفريق الأسرة، والدخول بين الرجل وأهله ليفتت لبنة المجتمع، ويمزق أصول الأمة، جاء في صحيح مسلم عن جابر ﵁ عن النبي ﵌ قال: ﴿إن الشيطان يبعث سراياه، فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا فيقول: ما صنعت شيئاً، ثم يجيء أحدهم، فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته؛ فيدنيه منه، ويقول: نعم أنت، فيلتزمه﴾ أي: يضمه إليه ابتهاجاً بما صنع.

стр. 633

الطلاق في غير محله تعد لحدود الله وإن من أعظم أسباب الفتن وتفكك الأسر وتشتت الأهل: التعجل في أمر الطلاق والتطليق. إن كثيراً من المسلمين يظلمون أهلهم وأهليهم لجهلهم بأحكام دينهم وحكم تشريعه، الطلاق في غير محله تعدٍ لحدود الله وتجاوز لسننه، ونفور عن مواطن الألفة والمودة والرحمة، وبعدٌ عن مسالك الصلاح والإصلاح: ﴿أبغض الحلال إلى الله الطلاق﴾ كما جاء في الحديث، وفي حديثٍ آخر عند الدارقطني: ﴿ما خلق الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق﴾ وفي مسند الديلمي عن علي ﵁ مرفوعاً: ﴿تزوجوا ولا تطلقوا، فإن الطلاق يهتز له العرش﴾ استشهد به القرطبي، وفي لفظ آخر: ﴿تزوجوا ولا تطلقوا، فإن الله لا يحب الذواقين والذواقات﴾. وأخرج الخمسة إلا النسائي وحسنه الترمذي من حديث ثوبان ﵁: ﴿أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة﴾. إن الطلاق على هذه الشاكلة -أيها المسلمون- عبثٌ وحمق، وفصلٌ لعرى الزوجية التي تمت بكلمة الله، وقامت على أمانة الله، يقول ﵊ وقد أخبر عن رجلٍ تجاوز الحد في الطلاق: ﴿ما بال أحدكم يلعب بحدود الله، يقول: قد طلقت قد راجعت؟! أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! حتى قام رجلٌ من القوم فقال: يا رسول الله! ألا أقتله؟﴾ أخرجه النسائي.

стр. 634

معالجة الإسلام لمشكلة الطلاق أيها المؤمنون! أيها الأزواج! لقد جاء الإسلام بمناهج وطرقٍ للحفاظ على الترابط، وعلى ضبط النفس، لو فقهها الناس وساروا عليها وألزموا بها أنفسهم، لقلت المشكلات الأسرية، ولضاقت مسالك الطلاق والشقاق، واستقرت الحياة الزوجية، وتماسكت أركان البيوتات. أيها الإخوة: إن الإسلام يضيق مسالك الطلاق، والطلاق في الإسلام علاجٌ ودواء، والدواء لا يؤدي غرضه إلا إذا استعمل بطريقٍ صحيح، وكما ينصح الخبير كماً وكيفاً، فمن خالف فلا يلومنَّ إلا نفسه، وإن مما يُؤسف له كل الأسف أن تلحظ كثيراً من الجهلة والحمقى ينظرون إلى الطلاق وكأنه عقوبة أو كأنه سيفٌ مصلت يهدد به هذا الأحمق زوجته وأم أولاده وربة بيته، يهدد بالطلاق، أو يتلفظ به في أمور صغيرة وأشياء حقيرة، إما لأنها لم تنجز طعاماً، وإما لأنها لم تهيئ لباساً، أو تراه يدخل الطلاق في منازعاته وخصوماته مع الناس، طلاقاً ثلاثاً أو عشراً، أو مائة أو ألفاً، فيجتمع عليه شقاء الدنيا، وإثم الآخرة، اتخذ آيات الله هزواً، ولم يجعل للصلح ولا للرجعة موضعاً، أغضب ربه، وظلم نفسه، وخسر أهله، وفرق شمله، وشمت به الحاسدون.

стр. 635

ضوابط وآداب لإيقاع الطلاق عباد الله: إذا كره الرجل من زوجته أمراً أو خلقا، وتعذر عليه إصلاحه ومعالجته، واشتد بينهم الشقاق والنزاع، وخشي كل واحد منهما أن يظلم صاحبه، أو يقصر في حقوقه إذا حصل ما يشوش البال، أو يكدر الحال، فحينئذ يكون النظر في جدوى الطلاق. إن على الزوج الذي بيده العصمة -وهو الحليم الحكيم العاقل- ألا يقدم على هذا الأمر الخطير الذي يعلم أنه يترتب عليه مصيره في نفسه، ومصير أهله، ومصير أولاده إن كان بينهما أولاد. عليه بالتروي والصبر ومشاورة الناصحين الأخيار من أهل الدين والعقل والصلاح حتى لا يتفرق الشمل، ولا يتشتت الأهل، ولا يضطرب حال الأولاد، ثم بعد هذا التفكير الطويل والاستشارات الحصيفة؛ إذا تحتم الطلاق سبيلاً لحل المشكلة، فلا بد من مراعاة الآداب الشرعية والأحكام الإسلامية. إن المباح في ذلك -أيها الإخوة- أن يطلق طلقة واحدة في طهرٍ لم يحصل فيه وطء، هذا هو طلاق السنة، فلا يطلق ثلاثاً، ولا يطلق حائضاً، ولا يطلق في طهر حصل فيه وطء إلا أن يتبين حمل، وإذا حصل الطلاق على هذه الصفة، فإن المرأة تبقى في بيت الزوجية ولا تخرج منه، فهو لا زال بيتها، ولا يجوز للرجل أن يخرجها. إن الجهال من الأزواج والزوجات حالما تصدر كلمة الطلاق، تفارق المرأة البيت، ولو لم تخرج، لأخرجها هذا الأحمق الغاضب، أين هذا من قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق:١]؟! إنها تبقى في بيتها، فالمسألة معالجة ومداواة، وليست عقوبة ولا انتقاماً ولا تشفياً: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق:١].
следующие страницы →