← Джавами‘

Джавами‘ · id 7735

دروس للشيخ صالح بن حميد

صالح بن حميد

Полный текст (918 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

أهمية الأسرة في بناء المجتمع الحمد لله، أمر ووصى، وشرع فأحكم، وهو العليم الخبير، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا معقب لحكمه وإليه المصير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أنار السبيل، وأوضح الطريق، وهدى إلى النهج القويم، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون: في أحضان الأسرة المتماسكة الملتزمة بأحكام الله تنمو الخلال الطيبة، وتنشأ الخصال الكريمة، ويعيش الصبية الصالحون حيث تفشو المودة، وتنتشر الرحمة في جنبات هذا البيت الكريم، متمثلاً فيه قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١]. إن المودة والألفة هي قوام الأسرة، وإن أجلى مظاهرها وأوضح أسبابها حسن العشرة، ولزوم الطاعة، والتواصي بين الزوجين بالخير، وجميل الخلق، فأكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخير المؤمنين خيرهم لنسائهم، والمرأة إذا صلت خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبوابها شئت.

стр. 632

خطورة الطلاق وانفراط عقد الأسرة وفي المقابل -أيها المسلمون- فإن تخلخل الأسرة وضعف تماسكها، ليس فساداً للأسرة وحدها، أو شقاءً لأفرادها فقط، ولكنه فسادٌ للأمة كلها، ودمارٌ للبشرية جميعها، بل كم من حضارةٍ هوت لانهيار كيان الأسرة فيها، واختلاط الحلال والحرام في نظامها، وانتشار الفساد في أخلاقها، ومن هنا فإن الشيطان لا يحرص على شيء حرصه على تفريق الأسرة، والدخول بين الرجل وأهله ليفتت لبنة المجتمع، ويمزق أصول الأمة، جاء في صحيح مسلم عن جابر ﵁ عن النبي ﵌ قال: ﴿إن الشيطان يبعث سراياه، فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا فيقول: ما صنعت شيئاً، ثم يجيء أحدهم، فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته؛ فيدنيه منه، ويقول: نعم أنت، فيلتزمه﴾ أي: يضمه إليه ابتهاجاً بما صنع.

стр. 633

الطلاق في غير محله تعد لحدود الله وإن من أعظم أسباب الفتن وتفكك الأسر وتشتت الأهل: التعجل في أمر الطلاق والتطليق. إن كثيراً من المسلمين يظلمون أهلهم وأهليهم لجهلهم بأحكام دينهم وحكم تشريعه، الطلاق في غير محله تعدٍ لحدود الله وتجاوز لسننه، ونفور عن مواطن الألفة والمودة والرحمة، وبعدٌ عن مسالك الصلاح والإصلاح: ﴿أبغض الحلال إلى الله الطلاق﴾ كما جاء في الحديث، وفي حديثٍ آخر عند الدارقطني: ﴿ما خلق الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق﴾ وفي مسند الديلمي عن علي ﵁ مرفوعاً: ﴿تزوجوا ولا تطلقوا، فإن الطلاق يهتز له العرش﴾ استشهد به القرطبي، وفي لفظ آخر: ﴿تزوجوا ولا تطلقوا، فإن الله لا يحب الذواقين والذواقات﴾. وأخرج الخمسة إلا النسائي وحسنه الترمذي من حديث ثوبان ﵁: ﴿أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة﴾. إن الطلاق على هذه الشاكلة -أيها المسلمون- عبثٌ وحمق، وفصلٌ لعرى الزوجية التي تمت بكلمة الله، وقامت على أمانة الله، يقول ﵊ وقد أخبر عن رجلٍ تجاوز الحد في الطلاق: ﴿ما بال أحدكم يلعب بحدود الله، يقول: قد طلقت قد راجعت؟! أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! حتى قام رجلٌ من القوم فقال: يا رسول الله! ألا أقتله؟﴾ أخرجه النسائي.

стр. 634

معالجة الإسلام لمشكلة الطلاق أيها المؤمنون! أيها الأزواج! لقد جاء الإسلام بمناهج وطرقٍ للحفاظ على الترابط، وعلى ضبط النفس، لو فقهها الناس وساروا عليها وألزموا بها أنفسهم، لقلت المشكلات الأسرية، ولضاقت مسالك الطلاق والشقاق، واستقرت الحياة الزوجية، وتماسكت أركان البيوتات. أيها الإخوة: إن الإسلام يضيق مسالك الطلاق، والطلاق في الإسلام علاجٌ ودواء، والدواء لا يؤدي غرضه إلا إذا استعمل بطريقٍ صحيح، وكما ينصح الخبير كماً وكيفاً، فمن خالف فلا يلومنَّ إلا نفسه، وإن مما يُؤسف له كل الأسف أن تلحظ كثيراً من الجهلة والحمقى ينظرون إلى الطلاق وكأنه عقوبة أو كأنه سيفٌ مصلت يهدد به هذا الأحمق زوجته وأم أولاده وربة بيته، يهدد بالطلاق، أو يتلفظ به في أمور صغيرة وأشياء حقيرة، إما لأنها لم تنجز طعاماً، وإما لأنها لم تهيئ لباساً، أو تراه يدخل الطلاق في منازعاته وخصوماته مع الناس، طلاقاً ثلاثاً أو عشراً، أو مائة أو ألفاً، فيجتمع عليه شقاء الدنيا، وإثم الآخرة، اتخذ آيات الله هزواً، ولم يجعل للصلح ولا للرجعة موضعاً، أغضب ربه، وظلم نفسه، وخسر أهله، وفرق شمله، وشمت به الحاسدون.

стр. 635

ضوابط وآداب لإيقاع الطلاق عباد الله: إذا كره الرجل من زوجته أمراً أو خلقا، وتعذر عليه إصلاحه ومعالجته، واشتد بينهم الشقاق والنزاع، وخشي كل واحد منهما أن يظلم صاحبه، أو يقصر في حقوقه إذا حصل ما يشوش البال، أو يكدر الحال، فحينئذ يكون النظر في جدوى الطلاق. إن على الزوج الذي بيده العصمة -وهو الحليم الحكيم العاقل- ألا يقدم على هذا الأمر الخطير الذي يعلم أنه يترتب عليه مصيره في نفسه، ومصير أهله، ومصير أولاده إن كان بينهما أولاد. عليه بالتروي والصبر ومشاورة الناصحين الأخيار من أهل الدين والعقل والصلاح حتى لا يتفرق الشمل، ولا يتشتت الأهل، ولا يضطرب حال الأولاد، ثم بعد هذا التفكير الطويل والاستشارات الحصيفة؛ إذا تحتم الطلاق سبيلاً لحل المشكلة، فلا بد من مراعاة الآداب الشرعية والأحكام الإسلامية. إن المباح في ذلك -أيها الإخوة- أن يطلق طلقة واحدة في طهرٍ لم يحصل فيه وطء، هذا هو طلاق السنة، فلا يطلق ثلاثاً، ولا يطلق حائضاً، ولا يطلق في طهر حصل فيه وطء إلا أن يتبين حمل، وإذا حصل الطلاق على هذه الصفة، فإن المرأة تبقى في بيت الزوجية ولا تخرج منه، فهو لا زال بيتها، ولا يجوز للرجل أن يخرجها. إن الجهال من الأزواج والزوجات حالما تصدر كلمة الطلاق، تفارق المرأة البيت، ولو لم تخرج، لأخرجها هذا الأحمق الغاضب، أين هذا من قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق:١]؟! إنها تبقى في بيتها، فالمسألة معالجة ومداواة، وليست عقوبة ولا انتقاماً ولا تشفياً: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [الطلاق:١].

стр. 636

حكم الطلاق أثناء الحيض وحكم الطلاق ثلاثاً أما الطلاق في الحيض فمعصية لله ولرسوله، وهو طلاقٌ بدعيٌّ محرم، يراجع فيه الزوج إن لم يكن الطلاق ثلاثاً، فتبقى بعد الرجعة حتى تطهر، ثم يطلقها إن شاء، والأولى أن يبقيها حتى تحيض المرة الثانية، فإن شاء أمسكها وإن شاء طلقها. والطلاق الثلاث طلاقٌ بدعيٌّ محرم لا يجوز تعاطيه، وهو تلاعبٌ بكتاب الله، واتخاذ لآيات الله هزوا، كما لا يحل إيقاع الطلاق في طهرٍ حصل فيه وطء ما لم يتبين حمل. ولكن الطلاق في كل هذا يقع على الصحيح من أقوال أهل العلم مع الإثم والحرمة. فاتقوا الله أيها المسلمون، وتفقهوا في دينكم، واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، واحذروا الظلم وتعدي حدود الله: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٢٩]. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٣١]. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه محمد ﷺ . أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 637

من الآداب أن يمتع الرجل زوجته إذا طلقها متاعاً حسناً الحمد لله نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، أحمده سبحانه وأشكره، وأسأله التوفيق والهداية، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرشد الأمة بقوله: ﴿خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي﴾ صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله أيها المؤمنين، وقوموا بحقوق الله عليكم في أنفسكم وأهليكم، ولا تنسوا الفضل بينكم، واعلموا أن من آداب الطلاق بعد وقوعه أن يتلطف المطلق في الأمر؛ فيعطي المرأة ما تتمتع به من أنواع المال، لتحصل المواساة، وينجبر الفاجع. روي عن الحسن بن علي ﵄ أنه طلق امرأة فبعث إليها بعشرة آلاف درهم، فقالت: متاع قليل من حبيب مفارق.

стр. 638

من آداب الطلاق ألا يفشي أحد الزوجين سر صاحبه ومن الآداب كذلك ألا يفشي أحدهما سر الآخر، كما في الحديث الصحيح عند مسلم ﵀ وغيره: ﴿إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه، ثم ينشر سرها﴾. ونقل عن بعض الصالحين أنه أراد تطليق امرأته، فقيل له: ما يريبك منها؟ فقال: العاقل لا يهتك سراً. فلما طلقها، قيل له: لم طلقتها؟ فقال: ما لي ولامرأة غيري؟! فاتقوا الله أيها المسلمون، والتزموا بآداب دينكم وحافظوا على بيوتاتكم، فإما إمساكٌ بمعروف وإما تسريحٌ بإحسان. ثم صلوا وسلموا على المصطفى المختار محمد بن عبد الله سيد الأبرار؛ فقد أمركم بذلك ربكم فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد نبي الرحمة والهدى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الرحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، وانصر عبادك المؤمنين، وأيد بالحق إمام المسلمين، وارزقه البطانة الصالحة، ووفقه لما تحب وترضى يا رب العالمين. اللهم اخذل اليهود والنصارى ومن شايعهم وسائر الكفرة والملحدين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وأبرم لهذه الأمة أمر رشدٍ، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير. اللهم انصر إخواننا المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك، اللهم أيدهم بتأييدك، وانصرهم بنصرك، واجعل الدائرة على أعدائهم يا قوي يا عزيز. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 639

الزموا سفينة النجاة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو العلامة الفارقة لهذه الأمة وعنوان خيريتها، وهو وظيفة الدولة المسلمة، كما أن أول المسئولين عنه هم علماء الأمة الذين ينبغي أن يكونوا هم المُثُل العليا للخير والاستقامة، وعليهم أن يتحلوا بالصبر ويتحملوا الأذى في سبيل الله حتى تقوم هذه الفريضة، ومما ينبغي تنبيه الأمة إليه أن دعوى الحرية الشخصية دعوى عريضة يتوصل بها المجرمون إلى المعاصي والسيئات، ويسقطون بها المسئولية الجماعية؛ وبذلك يجردون الأمة من أقوى أسلحتها ومن عنوان خيريتها، وتزداد المنكرات وتنتشر، وينتفش الباطل، ويتلاشى الحق، ويحيق بالناس أمر الله.

стр. 640

فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحمد لله المتفرد بالملكوت والقدرة، المتعالي في سلطانه ومجده، لا يقدر أحد من خلقه قَدْرَه، أحمده سبحانه وأشكره، كم أسبغ من نعمة! وكم أقال من عثرة! وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تنفع قائلها يوم الحسرة، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، الفوز والعز لمن أطاعه، والذلة والصغار لمن عصاه وخالف أمره، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، استجابوا لربهم، وأطاعوا نبيهم في المنشط والمكره، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً كثيراً. أما بعد: فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله ربكم وأنيبوا إليه، واستغفروه من جميع الذنوب وتوبوا إليه، تحببوا إليه بطاعته والثناء عليه، سبحانه! ملأت عظمته قلوب أوليائه، وتعلقت بمحبته أفئدة أصفيائه، مَن توكل عليه كفاه، ومَن سأله أفاض عليه من عطاياه. أيها المسلمون: الإنسان مدني بطبعه، لا تستقيم حياة البشر، ولا يهنأ عيشهم إلا مع بني جنسهم، قد جعل الله بعضَهم لبعض سُخرياً، لا يستقل أحدٌ بحاجته دون الآخر. ومن مظاهر المدنية الإنسانية وخصائص الطبيعة البشرية: المناصحات والمشاورات، والإرشادات والتوجيهات، والأوامر والنواهي، فهذه كلها من لوازم الوجود البشري والحياة المدنية. فالبشر لا بد لهم من أمر ونهي، ودعوة وإرشاد، ومناصحة وتوجيه، فمَن لم يأمر بالخير والحق أو يُؤمر به أَمَر بالشر والباطل وانجرَّ إليه، ولو أراد الإنسان ألا يأمر ولا ينهى؛ لا بخير ولا بشر، ما أمكنه ذلك؛ لأن هذا من مقتضيات الفطرة الإنسانية ومتطلبات الحياة الاجتماعية. ونفوس البشر كلها: إما لوَّامة، وإما مطمئنة، وإما أمارة بالسوء. وجميع هذه النفوس إن لم تُشغل بالحق والخير شُغلت بالسوء والباطل، ومن لم يزحف بمبادئه زُحِف عليه، ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١].

стр. 641

جماع دين الإسلام في الأمر والنهي وأمة الإسلام هي الأمة الجامعة لأصول الديانات بدينها، والوارثة لجميع الكتب بكتابها، والمهيمنة على جميع الشرائع بشريعتها، والخاتمة للرسالات برسالتها. وجماع دين الإسلام أمر ونهي؛ فالأمر الذي بعث الله به نبيه محمداً ﷺ هو الأمر بالمعروف، والنهي الذي جاء به هو النهي عن المنكر. وجميع الولايات والمسئوليات في الإسلام إنما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمجتمع المسلم يعرف المعروف ويقره ويرضاه، ويحبه ويلتزمه ويأمر به، وينكر المنكر ويأباه، ويجتنبه وينهى عنه.

стр. 642

علاقة خيرية الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إخوة الإسلام: ومن أجل هذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو العلامة الفارقة لهذه الأمة، وتاج عزها، وعنوان خيريتها، يقول الله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]. فهو ثمرة الرسالة وخلافة النبوة وأثر الدعوة، ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧]. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل من أصول الإسلام، وركن من أركان الملة، وأساس من أسس الشريعة، ومظهر من مظاهر حضارة أهل القرآن، به قِوام الأمر ومِلاكه، لا يرتفع منار الشريعة بدونه، ولا اعتصام بحبل الله إلا على هداه، هو الجهاد الدائم والفريضة المحكمة، وهو الباب الحافظ للشريعة بإذن الله من هجوم البدع، وتراهات الانحراف، ورياح الفسوق، وتيارات المعاصي، به بإذن الله حماية العقيدة، وصيانة الفضيلة، وحراسة الحرمات. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صورة من صور التكافل والتضامن وتحقيق الموالاة بين أهل الإيمان، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٧١]. من أخص خصائص أهل الإيمان الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم: أنهم آمرون بالمعروف، ناهون عن المنكر، حافظون لحدود الله. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب من أعظم أسباب النصر والتمكين، ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤٠ - ٤١].

стр. 643

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثره على البيئة الإسلامية هذه الشعيرة ضمانة للبيئة الإسلامية من التلوث الفكري والانحلال الأخلاقي، فإذا كانت الأمم تهتم بصحة البيئة وسلامة الأبدان ونظافة المطاعم والمشارب ونقاء الماء والهواء، فإن صفاء الفكر واستقامة الخلق أكبر وأعظم، والتلوث فيهما أشد وأنكى، وأي باب أوسع في هذا التلوث من نشر اللوثات الفكرية التي تشكك في الدين، وتهز الثوابت، وتفسد الأخلاق، وتنشر الرذيلة، في كتاب، أو قصة، أو قصيدة، أو رواية، أو مسلسل، أو شريط، أو مجلة، أو صحيفة؟!

стр. 644

من يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أيها الإخوة في الله: والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة الدولة الإسلامية بأجهزتها وولاياتها ودواوينها ووزاراتها، وهو وظيفة الدعاة والموجهين والمربين وأجهزة الإعلام والتعليم، كل حسب قدرته وحسب صلاحيته، ﴿من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان﴾ وفي رواية: ﴿وليس وراء ذلك مثقال حبة من خردل من إيمان﴾.

стр. 645

دور أهل العلم في القيام بهذه الفريضة ويأتي أهل العلم والصلاح في مقدمة المسئولين عن هذا الركن العظيم، اقرءوا إن شئتم: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْأِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:٦٣]. يقول ابن جرير ﵀: ما في القرآن آية أشد توبيخاً للعلماء من هذه الآية، ولا أخوف عليهم منها.

стр. 646

أهمية وجود القدوة الصالحة لإصلاح المجتمع أيها المسلمون: وعلى الرغم من وضوح ما تقدم، فإن كل مجتمع مهما بلغ من الفضل والاستقامة لا بد له من طائفة تتمثل فيها المُثُل العليا، تحفظ للمجتمع وجوده المعنوي المتمثل في صلاح عقيدته وحسن أخلاقه وأدب تعامله، على حد قول الله : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]. إنهم طائفة تمثل الخيرية في المجتمع، وتحافظ عليها وتحميها. إن في أرواحها من التوهج، وفي نفوسها من الحيوية ما يجعل هم مجتمعها هو همها الأكبر، فيسعد بها المجتمع، إذ تحفظ عليه توازنه واستقامته، وعناصر استمراره وبقائه. إنهم فئة من المجتمع مسموعة الصوت، واضحة التأثير، تملأ الفراغ، وتملك من التأثير ما يجعل جادة الحق واضحة، وطريق الصواب بارزة، ومسالك الخير بينة، فتستمر سُنَّة المدافعة بين الحق والباطل. إنهم ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود:١١٦] مشاعل وسرج يصلحون ما أفسد الناس، بدين الله قائمون، وعلى الحق حراس، يدعون من ضل إلى الهدى، ويبصرون من العمى، ويصبرون على الأذى، همهم -أثابهم الله وأعظم أجورهم- إقامة دين الله، وإعلاء كلمته، وإعزاز أوليائه. إنهم صمام الأمان بإذن الله، وسبب نجاة الأمة من الهلاك.

стр. 647

ضرورة تحلي الدعاة إلى الله بالصبر عباد الله: وإن من المعلوم البين أن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكليف ليس بالهين، ووظيفة ليست باليسيرة، فهو يصطدم بشهوات الناس ورغباتهم، ويقطع بعض أهوائهم وملاذهم، ويكبت غرور بعض المتكبرين، ويحد من تسلط بعض المتسلطين، ففي الناس الجبار الغاشم، وفيهم الظالم المتجاوز، والمنحرف الذي يكره الاستقامة، وفيهم أشباه البهائم عبيد الشهوات، بل فيهم من يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف. ومن ثم تأتي هذه الفئة الطيبة المباركة -وكل من يقوم بمثل ما تقوم به- فتقوم بمحاربة الانحراف والمدافعة من أجل فُشُوِّ المعروف، فتتلقى الأذى والعنت والتطاول والاتهامات؛ لأنها تسير في مضادة أهل الشهوات والأهواء الذين لا يهتمون إلا بإشباع رغباتهم، ولا يتجاوز ضررهم مواقع أقدامهم. إن هذه الطائفة تلقى ما تلقى لأنها تسير في ركاب الأنبياء وفي دروب المرسلين، تقوِّم المعوج، وتنصر المظلوم، وتحارب الأهواء، وكتاب الله قرن محاربة هذه الفئة بالكفر بآيات الله وبتكذيب المرسلين، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران:٢١]. ومن أجل هذا فقد جعل هؤلاء الأخيار من الصبر حصناً حصيناً، ومن الاحتمال والتحمل خلاً أميناً، يوطنون أنفسهم على تجرع كئوس المرارة، وتجنب خلائق المداهنات، وتحمل أذى الخلق في جنب الله، معتمدين على مولاهم، لا يحزنون على من خذلهم، ولا يأسفون على من قلاهم، قد قطعوا أطماعهم من الخلق، ووثقوا بكفالة الإله الحق، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣]. يتحرون الإخلاص والبعد عن الهوى أو قصد التشكي أو الانتصار للنفس، في نزاهة نفسية وصفاء قلبي، بعيداً عن الضغائن والأحقاد، بأسلوب الأدب والمحبة والشفقة، يخاطبون العقل، والغيرة الدينية، والحمية، والشهامة، متسلحين بسلاح العلم، والحكمة، والعدل، والإنصاف، والرفق، والحلم، والصبر، يعلمون أن للنفوس إقبالاً وإدباراً، فيتعاهدونها حين إقبالها وانبساطها بالكلمات الطيبات، والمُهاداة والملاطفات، حتى تصل إلى القلوب بإذن الله، متمثلين قول رسول الله ﷺ : ﴿فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾.

стр. 648

الفهم الخاطئ لمفهوم الحرية وآثار ذلك أيها الإخوة المسلمون: هؤلاء هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، وهذا هو دورهم وفضلهم، وذلك هو مسلكهم وسبيلهم. غير أن من أعظم مآسي هذا العصر ومن طَوامِّه: هذا الغلو المقيت والمبالغة الخاطئة في مفهوم الحرية الشخصية والخصوصية الفردية في مقابل حق الجماعة ودور المجتمع؛ فباسم الحرية الشخصية وباسم خصوصية الأفراد هَشُّوا للمنكرات وارتضوها، وتشربوها وارتضعوها، وعشقوها وغرقوا فيها، ارتضوا الكفر والإلحاد، وعاشوا في الفسوق والضلال، وحاربوا الفضيلة، ونشروا الرذيلة، كل ذلك باسم الحرية الفردية والحقوق الشخصية؛ حرية في العري والعهر والزنا واللواط، وحرية في الكفر والإلحاد والردة، حتى جعلوا ذلك في مناهج الدراسة وبرامج السياحة ووسائل الترفيه، وكانت النتيجة التي انتهت إليها غالبيتهم -ولا زالوا فيها ينحدرون- أن تفككت المجتمعات على نحو مخيف، وذابت الأسر بشكل مروِّع، وذهب رونق الحياة ونضارتها، وسوف يعصف ذلك بكل الجهود الكبيرة التي تُبنى بها الحضارات، ويقوم عليها بناء الأمم. ومع الأسف فإن الغلو في هذه النظرة الفردية انتقل إلى كثير من أبناء المسلمين، فترى هذا المبتلى لا يقبل النصيحة، ولا يحب الناصحين، بحجة أن هذا تدخل في الخصوصيات، يحاجون على الحرية الشخصية، بل إنه ليزعم -وهو مخذول- أن هذا تحجر وانغلاق ورجعية وتزمت، ويعلم الله والمؤمنون أن الإسلام قد قام على خلاف ذلك، فلقد وازن بين حق الفرد وحق الجماعة، والمسئولية -والله- مشتركة ﴿فكلكم راعٍِ، وكلكم مسئول عن رعيته﴾ ﴿ الجواب =٦٠٠١٣٠٥>> وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١].

стр. 649

مثال يوضح المسئولية الجماعية على الأمة يجسد ذلك ويوضحه هذا المثال العظيم الدقيق الذي ضربه نبينا محمد ﷺ حين قال: ﴿مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة، فصار بعضهم في أسفلها، وبعضهم في أعلاها، فكان الذين في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها، فتأذوا بهم، فأخذ أحدهم فأساً فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه، فقالوا: ما لك؟ قال: تأذيتم بي، ولا بد لي من ماء، فإن أخذوا على يديه أنجوه وأنجوا أنفسهم، وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم﴾ أخرجه البخاري في صحيحه.

стр. 650

من آثار سوء فهم الحرية أيها الإخوة في الله: ويوم يزيف الناس هذا الحق ويدرسونه بالباطل بدعوى التقدم والحرية والخصوصية يكونون بذلك قد جردوا هذه الأمة من أقوى أسلحة دعوتها ودعامتها وتضامنها وضمانة الخيرية فيها، وأبعدوها عن أقوى خصوصية بقائها واستمرارها، وبتركه وإهماله تسقط الأمة من ميزان التقييم والتفضيل حتى تصير إلى حضيض الانهيار الاجتماعي، مستوجبة اللعن والطرد كما لُعن الذين من قبلها، ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة:٧٨] * ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩]. وبعد أيها الإخوة المسلمون: فبإقامة هذه الشعيرة يقوم الدين وتُحفظ الملة، وتعز الأمة، وتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، وبذلك تستقيم الموازين، وتتضح المفاهيم، فيتبين للناس المنكر من المعروف، والحق من الباطل، والمشروع من الممنوع، والمباح من المحرم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٦ - ١١٧]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ﷺ . وأقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 651

آثار ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحمد لله، أحكم الأشياء وأبدعها صنعاً؛ له الملك كله، وبيده التدبير كله، إعطاءً ومنعاً، وخفضاً ورفعاً؛ أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، ما أرسل رياحاً، وما أزجى سحاباً، وما أنبت زرعاً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قدر الأقدار ضراً ونفعاً؛ وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، فكان رحمة للعالمين، وهدى للبشرية جمعاء؛ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، استجابوا وانقادوا فكانوا أسمع وأوعى؛ والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها المسلمون: إن ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأمة وانحساره أمر خطير ونذر شر مستطير. بضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تزداد المنكرات وتقوى، وتنتشر في الناس وتطغى، وحال الناس لا يقف عند حد، فإما أن يهيمن الخير والمعروف، ويرتدع المنكر ويستتر، وإما أن ينتفش الباطل ويستعلي المنكر. والمجتمع الصالح هو الذي يسوده البر، ويكون فيه أهل الاستقامة والصلاح ظاهرين، والبلاء كل البلاء أن يعلن أصحاب المنكرات منكراتهم، ويتظاهر أهل الشر بشرهم. والأمة التي تظهر فيها المنكرات وتفشو وتُعلن تتعرض لهزات عظيمة لا يعلم مداها إلا الله، والمعصية إذا خفيت لا تضر إلا صاحبها، أما إذا أُعلن بها فإنها تضر العامة، وكل الأمة معافى إلا المجاهرين، ولقد سألت أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂ رسول الله ﷺ فقالت: ﴿يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: نعم، إذا كثر الخبث﴾ فإذا تهاون الناس مع أهل المعاصي والمنكرات الفكرية والأخلاقية، وفشا أمرها، فلا يزال الخبث ينتشر وتألفه النفوس، وتتربى عليه الأجيال، وحينئذ يحيق بالقوم أمر الله، صالحهم وطالحهم. فإذا ما غلت الأسعار، فإنها لا تقتصر على الفاسقين، وإذا ما اضطرب الأمن فإنه لا يخص الطالحين، وإذا استباح العدو الحِمَى فإنه لا يستثني أحداً. وإذا ما استمر أصحاب الأهواء والشهوات في غيهم، فعلى المجتمع أن يتحمل المسئولية تجاه حاضره ومستقبله ودنياه وآخرته، ﴿لتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطراًَ، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم يلعنكم كما لعنهم﴾. وفي الحديث الآخر: ﴿ما من رجل يقوم في قوم، يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون على أن يغيِّروا عليه فلا يغيِّروا إلا أصابهم الله بعذاب قبل أن يموتوا﴾. ويقول ابن العربي: والسكوت عن المنكر تتعجل عقوبته في الدنيا بنقص الأموال والأنفس والثمرات وركوب الذل من الظَّلَمَة على الخلق. أيُّ خير يرتجى مِمَّن يرى مَحارم الله تنتهك، وحدوده تضيَّع، وهو بارد القلب، أخرس اللسان؟! وهل الخوف والْهَلكة إلا من مثل هذا؟! ونعوذ بالله من موت القلوب، والقلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى، وانتصاره لدين الله أكمل وأتم. قيل لـ ابن مسعود ﵁: [[مَن ميت الأحياء؟ قال: الذي لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً]].

стр. 652

هيئة الحسبة في بلاد الحرمين أيها الإخوة في الله: ومن أراد نجاة نفسه وفوزها وسعادتها في الدنيا والآخرة، فليلزم سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإن مَن تأمل في عالم اليوم وقلب نظره في أرجاء العالم الإسلامي، أدرك ما عليه هذه البلاد المباركة، بلاد الحرمين الشريفين، التي جعلت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جهة مسئولة وجهازاً خاصاً وهيئة تتولى القيام به وترعاه وتباشره وفق أنظمة شرعية على نهج الكتاب والسنة، مع مراعاةٍ لمتغيرات العصر ومتطلبات الأحوال والناس، وهذا من توفيق الله وفضله لهذه البلاد وأهلها وقادتها، بل هو من أخص خصائصها في رفعها لواء الحكم بما أنزل الله، كتاباً وسنة ودستوراً ومنهج حياة، ورعايتها للحرمين الشريفين مأوى أفئدة المسلمين، وهي كلمة حق تقال وأعمال تُذكر وتُشكر مع ما يُرجى ويؤمَّل من مزيد الدعم والتأييد، فالتيارات كثيرة والمتغيرات متسارعة، والمغرضون كثير، والمتربصون أكثر، ورافعو ألوية الفساد لا يألون جهداً في غرق السفينة، وسنن الله لا تحابي أحداً، فإِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ، وليس لفرد ولا لمجتمعٍ حصانة ذاتية، ومن يضمن السلامة حين يتعرض لتيارات الفتن وموجات التحلل عياذاً بالله واعتصاماًً به؟! فنسأل الله العلي القدير أن يسبغ على هذه البلاد نعمة الأمن والأمان، وأن يحفظ عليها رخاءها، وأن يثبتها على دينه، وأن يزيدها استقامة على شرعه. كما نسأله سبحانه أن يعم بالخير والتوفيق والصلاح جميع بلاد المسلمين، إنه خير مسئول وأكرم مأمول. ألا فاتقوا الله رحمكم الله، ثم صلوا وسلموا على نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم، فقال عز من قائل عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين. وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الدين. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين. اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح واحفظ أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق والتوفيق والتأييد والتسديد إمامنا وولي أمرنا. اللهم أعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم على الحق يا رب العالمين. اللهم وفق ولاة أمور المسلمين بالعمل بكتابك، وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين. اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد، يُعَزُّ فيه أهل طاعتك، ويُذَلُّ فيه أهل معصيتك، ويُؤْمَر فيه بالمعروف، ويُنْهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير. اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. اللهم إنا نستغفرك، إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً. اللهم إنا نستغفرك، إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً. اللهم واجعل ما أنزلته قوة لنا على طاعتك، وبلاغاً إلى حين. اللهم إنا خلق من خلقك، فلا تمنعنا بذنوبنا فضلك، اللهم إنا خلق من خلقك، فلا تمنعنا بذنوبنا فضلك، اللهم إنا خلق من خلقك، فلا تمنعنا بذنوبنا فضلك. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك، وإعزاز دينك. اللهم انصرهم في فلسطين، وكشمير، وفي الشيشان، وفي كل مكان يا رب العالمين. اللهم وانصر إخواننا في الشيشان، اللهم وانصر إخواننا في الشيشان. اللهم سدد سهامهم وآراءهم. اللهم كن لهم ولا تكن عليهم. اللهم إنهم ضعاف فاحملهم، وعراة فاكسُهم، وجياع فأطعمهم. اللهم واجعل الدائرة على أعدائهم، وأنزل عليهم بأسك ورجزك إله الحق. اللهم فرق جمعهم، وشتت شملهم، واجعلهم غنيمة للمسلمين، وعبرة للمعتبرين، برحمتك يا أرحم الراحمين. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 653

السبيل إلى الحج المبرور الحج كم اعتز به من ذليل لاذ بجناب الله، وبورك فيه منكسر انطرح بين يدي مولاه، تآلفت فيه قلوب، وفرجت كروب، وحطت فيه أوزار وغفرت ذنوب، امتزجت فيه دموع المذنبين، وتعانقت أصوات المستغفرين، وتوحدت رغبات الراغبين، وهو إخلاص يحفظ العبد به عقيدته من الزيغ والابتداع، ومنه تعود النفوس أقوى إيماناً، وأخلص عقيدة، وأنقى سريرة، وأزكى نفساً، وأكرم خلقاً، وهو مظهر لوحدة الأمة واجتماع كلمتها.

стр. 654

مكانة البيت العتيق الحمد لله؛ بَوَّأ لخليله إبراهيم ﵇ مكان البيت العتيق، وجمع لمن قصده خالصاً مخلصاً أسباب التوفيق، أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، يسر السبيل لبيته المحرم؛ فجاءوا حُجاجاً وعُماراً من كل فجٍ عميقٍ. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً بها المخرج من كل ضيق، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، ذو المجد المؤثَّل والنسب العريق، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه, والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً كثيراً. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فتقوى الله سبيل النجاة، وطريق الفلاح، فاتقوه رحمكم الله لعلكم تفلحون. أيها المسلمون: ها هم حجاج بيت الله الحرام تتوافد أفواجهم إلى هذه الأرض الطيبة المباركة في خطاً وئيدة متهيبة. أيها الحاج الكريم! إن فيضاً دفاقاً من المشاعر والأحاسيس يملك عليك روحك وقلبك، وأنت تقلب بصرك الثاقب وبصيرتك الواعية، فإذا أنت تعيش خُطا محمد ﷺ ، وصحبِ محمد ﷺ ورضي عنهم وأرضاهم في صورةٍ حيةٍ نابضة، ومشاعر لله عابدة، وأشواق حارة في الإقبال على هذا البيت ورب هذا البيت. أرضٌ مباركة ضمَّت أروع حوادث التاريخ، وأعظم ملاحم الإنسانية، أرض تروي أوديتها وجبالها ووهادها ورمالها تاريخاً عبقاً، طويلاً عريضاً، زاخراً بالبطولات، وألوان الجهاد والانتصارات، ومصارع الشهداء في سبيل الله، وإعلاء كلمة الحق. أرضٌ تغيرت بسيرتها ومسيرتها معالم التاريخ، وقفزت بالإنسانية إلى أبعد الآفاق في المعالي والحياة الكريمة. تَقْدُم -أيها الحاج- إلى هذه البلاد الطيبة الطاهرة، وهي تمد يديها إليك مرحبة، يتشرف أهلها بقدومك، ويتقربون إلى الله بخدمتك، ولاة الأمر فيها صادقون جادون في كل ما ييسر الحج، ويعين على أداء النسك. حفظك الله! كم وقف بساحاتها من الجموع؟! وكم سالت على ثراها من الدموع؟! وكم ذابت في عرصاتها فوارق الأجناس واللغات؟! كم اعتز بها من ذليل لاذ بجناب الله! وبورك فيها من منكسر انطرح بين يدي مولاه؟! كم تآلفت فوقها قلوب! وفُرِّجت على ثراها كروب! وحُطت فيها من أوزار وغُفرت ذنوب؟! كم امتزجت فيها دموع المذنبين! وتعانقت أصوات المستغفرين! وتوحدت رغبات الراغبين؟! كم تجردت فيها النيات! وسالت على جنباتها العبرات؟! هذه هي الأرض الطيبة المباركة التي تَقْدُم إليها، فماذا أعددت؟! وكيف تهيأت؟! أيها الحاج: دمت في رعاية الله وكنفه. إن الحج عبادة عظيمة تتداخل فيها أنواع من العبادات لا يتيسر تداخلها في غيره: عبادة في المال، وعبادة في البدن، أعمال بالقلوب والألسنة والجوارح، جَمَعت أنواعاً من التعبد عملاً وقولاً ونيةً.

стр. 655

آداب وتوجيهات أثناء الحج وهذه طائفة من الآداب والتوجيهات بَسَط أهل العلم ﵏ القول فيها، وحثوا مريد الحج على مراعاتها، والحفاظ عليها؛ تَلَمُّساً للحج المبرور والعمل المقبول:

стр. 656

إخلاص النية لله جل وعلا أول ذلك وأولاه: إخلاص الدين لله :- فالله لا يقبل من الأعمال إلا خالصها، فهو سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك. فالعبادة محض حق الله وحده، لا شريك له، منه الخير، وبيده الخير ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود:١٢٣] لا يكشف الكرب إلا الله، ولا يفرج الْهَمَّ إلا الله، ولا يسوق الْمَدد ولا يغيث المستغيث إلا هو سبحانه وبحمده. إخلاصٌ يحفظ به العبد عقيدته من الزيغ والابتداع، ويكف به جوارحه عن المعاصي والآثام. إخلاصٌ يبتعد به عن الرياء والسمعة. إخلاصٌ يقود إلى التوبة، توبةٍ صادقةٍ نصوح، يصحبها الإقلاع عن الذنب، والندم على اقترافه والتحسر على التفريط فيما سلف، توبة يتجدد فيها العزم في هذه البقاع الطاهرة على ألا يعود إلى معصية أو ذنب، متباعداً عن رفاق السوء وبواعث المنكر. ومن علائم التوبة وصدق التوجه: تحري النفقة والكسب الحلال: ﴿فإن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً﴾ وكيف يرجو القبول مَن يمشي بالحرام، ويغتذي بالحرام، ويكتسي بالحرام؟! كيف يرفع يديه إلى مولاه ليقول: لبيك وسعديك، وهو لم يتزود إلا بالحرام، ولم يركب إلا من الحرام؟! كيف يمد يديه: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟! وإن من الخوف والورع -أيها الحاج الكريم- أن تحاسب نفسك، فتجتنب الإسراف في التنعم والترفه والتكلف في كماليات المعاش والمراكب، ألم تتجرد من لباس أهل الدنيا؟! ألم تقتصر على إزار ورداء؟! ألا تتجرد من أعباء الدنيا وأثقالها؛ لتقف موقف صدق في محاسبة جادة، فتكبح جماح الشهوات، وتوثق اللجام من الإغراق في المشتهيات. إن الحرص على الاستكثار من وسائل الترف يصرف عن آداب الحج وأسراره، وما يستحب من إظهار المسكنة والحاجة والتضرع إلى ربك وانكسارك بين يديه. ومما يعينك -وفقك الله، إن كنت ممن وسع الله عليه وبسط له في رزقه- أن تتفقد من حولك من رفقتك، ولتؤثِر المحتاجين والغرباء، ولتطعم البائس الفقير، وتكون طيب النفس فيما تنفق، فأهل النفاق وقليلو الإخلاص هم الذين ينفقون وهم كارهون. ابذل حفظك الله، وإذا وسع الله عليكم فوسعوا، ولَتُسْأَلُنَّ عن النعيم، ولقد سئل نبيكم محمد ﷺ : ﴿ما بر الحج؟ قال: إطعام الطعام، ولين الكلام﴾.

стр. 657

اختيار الرفقة الصالحة ولتعلم -وفقك الله- أن مما يرجى معه بر الحج تخيُّر الرفقة الطيبة، ذات الصلاح والاستقامة والطاعة والتقى، ممن يرغِّب في الخير، ويعين على الطاعة، ويستمسك بالشرع وآدابه وأهدابه، رفيق صدق، يهدي عند الضلالة، ويذكر في النسيان، ويعين عند العجز، إن جبنت شجعك، وإن ضاق صدرك صبَّرك وباسطك، ناهيك إذا كان من أهل العلم والفقه في الدين، فاستمسك بغرزه، وخذ بركابه، فذلك مما يعين على مبار الحج ومكارم الأخلاق، رفيق العلم والصلاح يمنع من سوء ما يطرأ في السفر من مساوئ الأخلاق والتساهل في أمور الدين، وربما جعله الله سبباً في الصلاح في الحال والمآل. ثم لتعلم أنك واجدٌ من صاحبك في بعض الأحيان جفاء ومغاضبة، فاصبر وتحمل وتجمل وباعد عن الخصام الدائم، والعبوس المستمر، فذلك مما تتكدر به الحياة، وتتنكد معه المعيشة، وتسوء به الرفقة، وتتعسر معه الأمور، والأولى لك أن تجد في مكارم أخلاقك ما يديم لك الصحبة، وتسلم لك به حجته، وحينئذٍِ يذهب عنك سوء الظن والحقد والمشاحنة ونقائص الأقوال والأفعال، وترعى لصاحبك حقه وحرمته، فاحفظ نفسك من مصاحبة الجهال والسفهاء والكذابين والمنافقين والعصاة المجاهرين، فإن مخالطة هؤلاء مجلبة للمأثم، وقائدة إلى السوء.

стр. 658

الاجتهاد في تطبيق مناسك الحج حسب سنة رسول الله توجه إلى عبادة ربك على علم وبصيرة، وتعلم من أحكام الحج ما تصح به مناسكك، واسأل أهل العلم فيما أشكل عليك، اشتغل بما يقربك من ربك ومولاك، مدركاً عظم الفريضة التي أنت فيها، والعبادات التي أنت مقبلٌ عليها، والبقاع الشريفة التي تتعبد الله فيها، قَوِّ الصلة بربك في سفرك وإقامتك، وحِلِّك وترحالك، مستعيناً بالله، متوكلاً عليه، أحسن الظن بربك، فهو سبحانه أكرم من أن يخيِّب سعي القاصد لكرمه، أو يحرم مِن رحمته الواسعة مَن لاذ بحرمه، ربك كريم جواد، إن سألته أعطاك، وإن دعوته أجابك: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] أكثر لله خضوعك وانكسارك، وداوم على التكبير والتهليل والدعاء والتضرع بحضور قلب وإخلاص سر. هل تأملت كلمات التلبية التي يضج به الحجيج، وترتج لها جنبات المشاعر؟! إنها كلمات موجزات تتضمن معاني ساميات، وأهدافاً عاليات: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك). ففي التلبية من كليات العقيدة ما يشير إلى الحكمة من اختيارها شعاراً وذكراً في هذا الموسم العظيم لهذا الجمع العظيم. التلبية إجابة دعوة الله لخلقه حين دعاهم إلى بيته، فالملبي مستسلم منقاد، مستجيب مقيم على الطاعة. في التلبية توحيد الله سبحانه، وإفراده بالعبادة، ونفي الشريك عنه، فيها من حمد الله والاعتراف بنعمه ما يورث طمأنينةً في النفس، ويفيض بالأمن والأمل والرضا والتفاؤل. في التلبية الإقرار بالملك لله وحده، فهو سبحانه الملك المتصرف، فمَن هو هذا الضال الذي ينسب التصرف لأحد غير الله في السماوات ولا في الأرض؟! إن التلبية نداءٌ للملأ الأعلى ليتجرد الحجيج كلهم من المادية وطغيانها، ويعلنوا المساواة التامة والأخوة الكاملة، لا فرق بين حدودها وألوانها وأجناسها ولغاتها أمام خالقها الواحد الأحد، فكلهم لآدم وآدم من تراب، وأكرمهم عند الله أتقاهم. هذه بعض تأملات في ألفاظ التلبية، كيف لو تفتحت الأبصار والبصائر في النظر في حكم المناسك وأسرار العبادات، فلسوف تعود هذه النفوس المتأملة أقوى إيماناً، وأحسن إسلاماً، وأخلص عقيدةً، وأنقى سريرةً، وأعف جارحةً، وأطهر معاملةً، وأزكى نفساً، وأكرم خلقاً.

стр. 659

الاستكثار من الأعمال الصالحة في الحرمين أيها الحاج الكريم: رعاك الله وأعانك، اغتنم شرف الزمان وشرف المكان، فاستكثر من الأعمال الصالحة؛ من الصلاة، والصدقة، والإحسان، والبذل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة حسب الطاقة، وما كان الحج مبروراً إلا لاشتماله على البر الجامع لكل خير، إحساناً مع الله، وإحساناً مع عباد الله، فالحج المبرور يملأ القلوب ألطافاً ويطليها محبةً وانعطافاً. واعلم أن من علامة إعراض الله عن العبد أن يشغله فيما لا يعنيه. فإياك والخوض فيما لا يعنيك، واجتنب الفسوق، والجدال، والسخرية، والمراء، واحفظ لسانك من الغيبة والنميمة، والوقوع في أعراض الناس: علمائهم، عامتهم، وجهائهم، قادتهم، فذلك خسران مبين، اجتنب المخاصمة، والمشاحنة، ومزاحمة الناس في الطرقات، وأماكن العبادة. وفقك الله وأعانك على أداء نسكك، وجعل حجك مبروراً، وسعيك مشكوراً، وذنبك مغفوراً. وتقبل الله منا ومنك صالح الأعمال إنه سميع مجيب. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ * ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٠ - ٣٢]. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه محمد ﷺ . وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 660

الحج صورة مصغرة لوحدة المسلمين الحمد لله الذي هدانا إلى خير منهاج، وجعلنا على طريق مستقيم ليس فيه التباس ولا اعوجاج، أحمده سبحانه وأشكره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، الرحمة المهداة، والسراج الوهاج، صلى الله وسلم وبارك عليه عدد ما تعبد متعبد وكلما أمَّ البيت حاج، وعلى آله وأصحابه والأزواج، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون: إن الحج -بلا مراء- مجسد للوحدة بين المسلمين، إن كل شعائره ومشاعره تدعو إلى الوحدة والتوحيد تلبيةً، ولباساً، وتنقلاً جماعياً بين المشاعر في مناسك موحدة، وحدة تتخطى حدود البيئة والجنس واللغة، إنه توكيد للوحدة الجامعة لكل من ينتسب لهذه الأمة المسلمة. في الحج تحقيق منافع كبرى يشهدها المسلمون في مناسكهم، ويذكرون اسم الله عليها، منافع عظمى لا تقع تحت حصر، وتتجدد في كل عصر. إن أمة الإسلام وهي تكتوي بلهيب الصراعات والنزاعات بحاجة إلى فقه الحج، والدخول في حرم الله وحرماته؛ لتتخلص نفوس أبنائها من الأنانية، والبغضاء، والكراهية، والشحناء. أُخُوَّةُ الدين ورابطةُ الحرم تفرض التناصر بين المسلمين، لا تناصر عصبيات عمياء، ولكن تناصر المؤمنين الصالحين المصلحين بإحقاق الحق وإبطال الباطل ورد عدوان المعتدين. وإن مِن منغصات هذا العصر وبذور الشقاق فيه بين المسلمين مصطلح (السياسة والأنشطة السياسية)، هذا المصطلح العابث الغامض المتلون. وبادئ ذي بدء: فإن من المرفوض التفريق بين الدين والسياسة، فالسياسة الصالحة من الدين، والدين يحتضن السياسة ويُصْلِحها؛ ولكن السياسة في مصطلحها المعاصر المائع غير المنضبط -والمتبصر يدرك ذلك- تأخذ ألواناً من المفاهيم في عبث وتلوُّن وتقلب لا يقره فقه صحيح، ولا يقبله كريمٌ متزن. لقد جعل بعض الناس من مفهوم السياسة العابث ووسواسها سبيلاً للمجاهرة بمهاترات كلامية، وهتافات بشعارات فئوية، وإحياء لنعرات جاهلية، بل إن فيها دعايات مبطَّنة لأشخاص واتجاهات، بل رفع صور لرؤساء وزعامات. إن رجل العلم والفقه يخشى أن يشبه هذا أعمال الجاهلية الأولى الذين جعلوا من حجهم مواسم للمفاخرة وتعداد الأمجاد والغارات والثارات. ومع الأسف! فإن هذا من وساوس هذه السياسات المتلونة، وأوهام تلك الدعوات المتقلبة. بل إن منها سياسات ظالمة جائرة، تَحمل صاحبها على اقتراف المظالِم، والجرأة على الإلحاد في الحرم، وانتهاك حرمة المقدسات. إن هذا شيء يجب أن يترفع عنه أهل الإسلام، وينبغي أن يُفَرَّق بين هذا وبين التوجه الصحيح في إفادة هذه الجموع الهائلة والحشود المتكاثرة، واستغلال المناسبة الاستغلال الصحيح لإيصال النافع لهذه الأمة وهذه الجموع، وتأكيد عقيدة التوحيد، ورباط الوحدة، والتذكير بفرائض الإسلام وحرمات المسلمين في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وحفظ حقوقهم والدفاع عن قضاياهم. ألا فاتقوا الله رحمكم الله، واستمسكوا بدينكم، واعتصموا بعروته الوثقى وحبله المتين، وافقهوا الأحكام، واعملوا بالسنن. ثم صلوا وسلموا على نبيكم نبي الرحمة والملحمة، فقد أمركم بذلك ربكم، فقال عزَّ قائلاً عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين. وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، واخذل الطغاة والملاحدة وكل مَن خذل الدين. اللهم وَلِّ علينا خيارنا، واكفِنا شر أشرارنا، اللهم واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، ووفِّقه لما تحب وترضى، اللهم أيده بتأييدك، وأعزه بطاعتك، وأعلِ به كلمتك، وارزقه البطانة الصالحة، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين! اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمةً لرعاياهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين! اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رُشد يُعَزُّ فيه أهل طاعتك ويُذَلُّ فيه أهل معصيتك، ويُؤْمَر فيه بالمعروف، ويُنْهَى فيه عن المنكر إنك على كل شيء قدير. اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك. اللهم انصرهم في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين والشيشان، وفي كشمير والفلبين، وفي كل مكان. اللهم كن لهم مؤيداً ونصيراً ومعيناً وظهيراً، اللهم سدد سهامهم وآراءهم واجعل الدائرة على أعدائهم. اللهم واجمع كلمة إخواننا في أفغانستان والصومال، وأرِهم الحق حقاً، وأصلح ذات بينهم، وأرِهم الباطل باطلاً وارزقهم اجتنابه إنك سميع الدعاء. ربنا ظلنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسة وقنا عذاب النار. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 661

توحيد الله أولاً التوحيد أساس الدين، وحصنه الحصين، إليه دعا الأنبياء، وبه نادى الكتاب والسنة، وحاجة البشر إليه عظيمة، ومن أجل ذلك لزم الحديث عنه وبيان قوادحه ونواقضه، وفي هذه الخطبة بيان لأهمية التوحيد، وتحذير من الإخلال به، وبيان لمبررات الخوف من هذا الإخلال. وفي ختام الخطبة توضيح لواقع الناس مع قوادح التوحيد من حيث العلم النظري والواقع العملي.

стр. 662

أهمية التوحيد الحمد لله الذي خلقنا لعبادته وتوحيده، ومنَّ علينا وتفضل بتسبيحه وتمجيده وتحميده، أحمده سبحانه وأشكره، وعد الشاكرين بمزيده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أفضل رسله وأكرم عبيده، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله ربكم الذي خلقكم، واستعينوا على طاعته بما رزقكم، فربكم جلت حكمته لم يخلقكم هملاً، ولم يترك أمركم في هذه الحياة مهملاً، بل خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً.

стр. 663

حاجة البشر إلى دين الله أيها المسلمون: إن بني الإنسان حين يضلون عن سبيل الله يتخبطون في فوضى التديُّن، ويغرقون في ألوان الشرك، وأوحال الجاهلية: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣١ - ٣٢]. ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:١١٦]. البشر عقولهم قاصرة عن أن تدرك طريق الصلاح بمفردها، أو تستبين سبيل الرشاد بذاتها، إنها لا تستطيع أن تجلب لنفسها نفعاً أو تدفع ضراً. لا يرتفع عن النفوس الشقاء، ولا يزول عن العقول الاضطراب، ولا ينزاح عن الصدور القلق والحرج إلا حين توقن البصائر، وتسلِّم العقول بأنه سبحانه هو الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الجبار المتكبر، له الملك كله، وبيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:١١٢]. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ [النساء:١٢٥]. أيها الإخوة: إن إسلام الوجه لله وإفراده بالعبادة يرتقي بالمؤمن في خُلُقه وتفكيره، وينقذه من زيغ القلوب وانحراف الأهواء وظلمات الجهل وأوهام الخرافة، ينقذه من المحتالين والدجالين وأحبار السوء ورهبانه، ممن يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، التوحيد الخالص المخلص يحفظ الإنسان من الانفلات بلا قيد أو ضابط.

стр. 664

مكانة التوحيد في الدين الإسلامي أيها الإخوة: توحيد الله هو العبودية التامة له سبحانه، تحقيقاً لكلمة الحق (لا إله إلا الله، محمدٌ رسول الله) ﵌، تحقيقاً لها في لفظها ومعناها، والعمل بمقتضاها، يقيم المسلم عليها حياته كلها، صلاته ونسكه، ومحياه ومماته، توحيدٌ في الاعتقاد، وتوحيدٌ في العبادة، وتوحيدٌ في التشريع، توحيدٌ تُنَقَّى به القلوب والضمائر من الاعتقاد في الألوهية لأحد غير الله، وتُنَقَّى به الجوارح والشعائر من أن تُصرف لأحد غير الله، وتُنَقَّى به الأحكام والشرائع من أن تتلقاه من أحد دون الله . التوحيد هو أول الدين وآخره، وظاهره وباطنه، وقطب رحاه، وذروة سنامه، قامت عليه الأدلة، ونادت عليه الشواهد، وأوضحته الآيات، وأثبتته البراهين، نصبت عليه القبلة، وأسست عليه الملة، ووجبت به الذمة، وعُصِمت به الأنفس، وانفصلت به دار الكفر عن دار الإسلام، وانقسم به الناس إلى سعيد وشقي، ومهتدٍ وغوي.

стр. 665

التوحيد في القرآن والسنة أيها الإخوة: لقد كانت عناية القرآن بتوحيد الله عظيمة، فهو القضية الكبرى، وهو مهمة رسل الله الأولى، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]. ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥].

стр. 666

ذكر التوحيد في القرآن الكريم فالقرآن كله حديث عن التوحيد، وبيان حقيقته والدعوة إليه وتعليق النجاة والسعادة في الدارين عليه، حديث عن جزاء أهله وكرامتهم على ربهم، كما أنه حديث عن ضده من الشرك بالله وبيان حاله وأهله وسوء منقلبهم في الدنيا وعذاب الهُون في الأخرى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]. ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]. والأوامر والنواهي ولزوم الطاعات وترك المحرمات هي حقوق التوحيد ومكملاته، القرآن العظيم يخاطب الكفار بالتوحيد ليعرفوه ويؤمنوا به ويعتنقوه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]. ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ * وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠ - ٥١] وكل نبي يقول لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه ُ) [الأعراف:٥٩] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. والتوحيد يخاطَب به المؤمنون ليزدادوا إيماناً، وليطمئنوا إلى تحقيق توحيدهم، وليحذروا النقص فيه أو الخلل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:١٣٦]. ومن صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨]. ومن نعوت أهل الإيمان الموعودين بالتمكين في الأرض: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥]. بل لقد خاطب الله أنبياءه ورسله بنبذ الشرك، والبراءة من أهله، والإعراض عنه وعنهم، فقال عز وتبارك: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ [الحج:٢٦]. وقال : ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢ - ١٣٣]. وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦]. ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ [الرعد:٣٦]. ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص:٨٧]. ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:١٠٦]. قال أهل العلم ﵏ تعليقاً على هذه الآيات وأمثالها: فإذا كان يُنْهَى عن الشرك مَن لا يمكن أن يباشره، فكيف بمن عداه؟! ولقد قال إمام الحنفاء إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٥ - ٣٦]. قال إبراهيم التيمي: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟! هذا بعض خبر القرآن.

стр. 667

التوحيد في حياة الرسول ﷺ أما السنة: فإن بِعثةَ رسول الله ﵌ ورسالتَه وسيرتَه مِن أولِها إلى آخرِها، مكيها ومدنيها، حضرِها وسفرِها، سِلمِها وحربِها، كلُّها في التوحيد، منذ أن أُمِرَ بالإنذار المطلق في سورة المدثر: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٥] إلى الأمر بإنذار العشيرة الأقربين: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٣] ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] إلى الأمر بالصدع بالدعوة: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤]. ثم من بعده الأمر بالهجرة: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] والإذن بالقتال والجهاد: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:٤٠] إلى فتح مكة حين كسر رسول الله ﵌ الأصنام بيديه، وتلا: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١] إلى الإعلام بدنو الحِمام: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:٣]. لم تخلُ فترة من هذه الفترات البتة من إعلان التوحيد وشواهده، ومحاربة الشرك وظواهره، ويكاد ينحصر عرض البعثة كلها في ذلك، فما ترك ﵊ تقرير التوحيد وهو وحيد، ولا ذهل عنه وهو محصور في الشعب، ولا انصرف عنه وهو في مسالك الهجرة والعدو مشتد في طلبه، ولا قطع الحديث عنه وأمرُه ظاهر في المدينة بين أنصاره وأعوانه، ولا أغلق باب الخوض فيه بعد فتح مكة الفتح المبين، ولا اكتفى بطلب البيعة على القتال عن تكرار عرض البيعة على التوحيد ونبذ الشرك، فهذه سيرته المدونة وأحاديثه الصحيحة، والقرآن من وراء ذلك كله. من أجل هذا كان التوحيد أولاً، ولا بد أن يكون أولاً في كل عصر وفي كل مصر.

стр. 668

علاقة التوحيد بأركان الإسلام أما أركان الإسلام الخمسة الكبرى ومعالمه العظمى، فشُرِعت لتعلن التوحيد وتجسده وتقرره وتؤكده، تذكيراً وتطبيقاً، وإقراراً وعملاً. فالشهادتان: إثبات للوحدانية، ونفي للتعدد، وحصر للتشريع والمتابعة في شخص المرسَل المبلِّغ محمد ﵌. والصلاة مفتتحة بالتكبير المنبئ عن طرح كل مَن سوى الله عز شأنه، واستصغار كل من دون الله ، ناهيك بقرآن الصلاة وأذكارها في منازل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. أما الزكاة فهي قرينة الصلاة في التعبد والاعتراف للرب بجليل النعم، وإخراجها خالصة لله طيبة بها النفس براءة من عبادة الدرهم والدينار، ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت:٦ - ٧]. أما الصيام الحق فهو الذي يدع الصائم فيه طعامه وشرابه وشهوته من أجل ربه ومولاه. أما الحج فشعار الأمة كلها في هذه البطاح والبقاع، فهو التلبية بالتوحيد ونفي الشرك. يقول أبو إسحاق الشاطبي ﵀ في ذلك كله: نحن نعلم أن النطق بالشهادتين والصلاة وغيرهما من العبادات إنما شرعت للتقرب إلى الله، والرجوع إليه، وإفراده بالتعظيم والإجلال، ومطابقة القلب للجوارح من الطاعة والانقياد. وفي مأثور نبينا محمد ﵌ في الورد اليومي الذي يجعله المسلم في حزبه: ﴿أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد ﷺ ، وملة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين﴾ وفي الدعاء النبوي: ﴿اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم﴾.

стр. 669

أسباب الاهتمام بالتوحيد عباد الله: ما كانت هذه الأدلة المتكاثرة، والحجج المتظاهرة، والبراهين المتواترة، إلا لعظم الأمر، وخطر شأن القضية، وشدة شأن الخوف على الناس من الانحراف والقلوب من الزيغ. ولماذا لا يُخاف عليهم والشياطين ما فتئت تترصد لبني آدم تجتالهم وتغويهم؟ وفي الحديث القدسي: ﴿خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنَزِّل به سلطاناً﴾ رواه مسلم وأحمد من حديث عياض بن حمار المجاشعي. كيف لا يكون خوفٌ والرسول ﷺ خاطب أصحابه الصفوة المختارة من الأمة: ﴿أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر﴾؟! ويزداد الخوف حين يتأمل متأمل قوله ﵌: ﴿الشرك أخفى في الأمة من دبيب النمل﴾ بل لقد أخبر ﵊ أن فئاماً من الأمة تعبد الأوثان، وقبائل تلحق بالمشركين. والحافظ ابن كثير ﵀ يعلق على قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨] قال ﵀: فيه تشديد لأمر الشرك، وتغليظ لشأنه، وتعظيم لملابسته. لماذا يا عباد الله لا يُخاف الخللُ في التوحيد والنقصُ في صدق التعبد والتعلق؟! لماذا لا يُحذر من الشرك وأنواعه وأسبابه، والله يقول في محكم تنزيله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]؟! قال بعض أهل العلم: في هذه الآية دلالة على ما يتخلل بعض الأفئدة، وتنغمس فيه بعض النفوس من الشرك الخفي الذي لا يشعر به صاحبه غالباً، فمثل هذا وإن اعتقد وحدانية الله، لكنه لا يخلص له في عبوديته، فيتعلق بغير ربه، ويعمل لحظ نفسه، وطلب دنياه، أو ابتغاء رفعة أو منزلة، أو قصد إلى جاه عند الخلق، فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخَلْق نصيب، والله أغنى الشركاء عن الشرك.

стр. 670

صور من الإخلال بالتوحيد أيها الإخوة في الله:! الأمر خطير ودقيق، شرك خفي في المحبة والتألُّه والخضوع والتذلل، مَن أعطى حبه وذُلَّه وخضوعه وتسليمه وانقياده وطاعته لغير الله، فكيف يكون محققاً للتوحيد؟! ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١]. ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١]. هذا مشرك في الخوف والرجاء، وآخر في الجهاد والتضحية، وذاك مشرك في باب الأسباب، وآخر في باب النفع والضر، وانظروا في السحر والشعوذة، والتطير والتشاؤم، والرقى والتمائم، والحلف بغير الله، في صور لا تكاد تحصر، ناهيك بدعاء غير الله، والغوث من المقبورين، والغلو في الصالحين، والطواف حول الأضرحة، يدعون عندها ثم يدعونها، ويعلقون عليها القناديل والسرج والستور، ويذبحون عندها ولها، ويتمسحون بها، ويتطور الحال حتى يتخذوها أعياداً ومنسكاً، فلا حول ولا قوة إلا بالله. أيها الإخوة! وصورة جديدة من صور الخلل في التوحيد، باءت بها فئات من المنتسبين إلى الإسلام، تزعم الثقافة والاستنارة، لا ترضى بحكم الله ولا تسلم له، بل إن في قلوبها لحرجاً، وفي صدورها لغيظاً وضيقاً، إذا أقيم حدٌ من حدود الله ارتعدت فرائصهم، واشمأزت قلوبهم، قاموا وقعدوا، وأرغوا وأزبدوا، ولهم إخوان يمدونهم في الغي، يزعمون الحفاظ على حقوق الإنسان، وما ضاعت حقوق الإنسان وحقوق الأمم إلا بهم وبأمثالهم، الإسلام عندهم ظَلَم المرأة وهَضَم حقوقها، والحدود قسوة وبشاعة وتخلف، وحكم الردة تهديد لحرية الإبداع والفكر، وأحكام الشرع كلها عودة إلى عصور الظلام والتعصب والانغلاق، بل لقد أدخلوها في نفق الإرهاب المقيت ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥]. الله أكبر! التوحيد صعب على الأذلاء، ومن سيم الخسف والذل والتبعية ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] صعب على من استمرءوا الفساد، وولغوا في الأوحال ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥] إنهم لا يعرفون التوحيد، ولا يعرفون صفاء الدين، مستعبَدون في فكرهم، مشركون في تفكيرهم، وكأنهم قالوا للذين كفروا وكرهوا ما نزل الله: سنطيعكم في بعض الأمر، بل لعلهم قالوا: سنطيعكم في كل الأمر. إنهم حين لم يعرفوا التوحيد ولم يحققوه، أصبحوا وكأنهم فئة منفصلة عن الأمة، فئة منفصلة عن أمة الإسلام بفكرها وسمتها ورؤيتها وغايتها، مشدودة من خارجها من الشرق والغرب في السياسة والاقتصاد والاجتماع والأدب، وقد تجلى ذلك في تجاهلهم بل تمردهم على تاريخ الأمة وأصالتها وتراثها. وبعد أيها الإخوة: فإن نعمة التوحيد يخرج بها قلب العبد من ظلمات الشرك وجهالاته إلى نور الإيمان بالله وتوحيده، يخرج من التيه والحيرة والضلال والشرود إلى المعرفة واليقين والطمأنينة والرضا والهداية، يخرج من الدينونة المذلة لأرباب متفرقين إلى الدينونة الموحِّدة لرب الأرباب: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧ - ٦١]. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه محمد ﷺ . وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
следующие страницы →