Полный текст (918 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
ذكر التوحيد في القرآن الكريم
فالقرآن كله حديث عن التوحيد، وبيان حقيقته والدعوة إليه وتعليق النجاة والسعادة في الدارين عليه، حديث عن جزاء أهله وكرامتهم على ربهم، كما أنه حديث عن ضده من الشرك بالله وبيان حاله وأهله وسوء منقلبهم في الدنيا وعذاب الهُون في الأخرى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١].
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨].
والأوامر والنواهي ولزوم الطاعات وترك المحرمات هي حقوق التوحيد ومكملاته، القرآن العظيم يخاطب الكفار بالتوحيد ليعرفوه ويؤمنوا به ويعتنقوه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١].
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ * وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠ - ٥١]
وكل نبي يقول لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه ُ) [الأعراف:٥٩] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].
والتوحيد يخاطَب به المؤمنون ليزدادوا إيماناً، وليطمئنوا إلى تحقيق توحيدهم، وليحذروا النقص فيه أو الخلل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:١٣٦].
ومن صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨].
ومن نعوت أهل الإيمان الموعودين بالتمكين في الأرض: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥].
بل لقد خاطب الله أنبياءه ورسله بنبذ الشرك، والبراءة من أهله، والإعراض عنه وعنهم، فقال عز وتبارك: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ [الحج:٢٦].
وقال : ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢ - ١٣٣].
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦].
﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ [الرعد:٣٦].
﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص:٨٧].
﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:١٠٦].
قال أهل العلم ﵏ تعليقاً على هذه الآيات وأمثالها: فإذا كان يُنْهَى عن الشرك مَن لا يمكن أن يباشره، فكيف بمن عداه؟!
ولقد قال إمام الحنفاء إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٥ - ٣٦].
قال إبراهيم التيمي: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟!
هذا بعض خبر القرآن.
стр. 667
التوحيد في حياة الرسول ﷺ
أما السنة: فإن بِعثةَ رسول الله ﵌ ورسالتَه وسيرتَه مِن أولِها إلى آخرِها، مكيها ومدنيها، حضرِها وسفرِها، سِلمِها وحربِها، كلُّها في التوحيد، منذ أن أُمِرَ بالإنذار المطلق في سورة المدثر: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٥] إلى الأمر بإنذار العشيرة الأقربين: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٣] ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] إلى الأمر بالصدع بالدعوة: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤].
ثم من بعده الأمر بالهجرة: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] والإذن بالقتال والجهاد: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:٤٠] إلى فتح مكة حين كسر رسول الله ﵌ الأصنام بيديه، وتلا: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١] إلى الإعلام بدنو الحِمام: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:٣].
لم تخلُ فترة من هذه الفترات البتة من إعلان التوحيد وشواهده، ومحاربة الشرك وظواهره، ويكاد ينحصر عرض البعثة كلها في ذلك، فما ترك ﵊ تقرير التوحيد وهو وحيد، ولا ذهل عنه وهو محصور في الشعب، ولا انصرف عنه وهو في مسالك الهجرة والعدو مشتد في طلبه، ولا قطع الحديث عنه وأمرُه ظاهر في المدينة بين أنصاره وأعوانه، ولا أغلق باب الخوض فيه بعد فتح مكة الفتح المبين، ولا اكتفى بطلب البيعة على القتال عن تكرار عرض البيعة على التوحيد ونبذ الشرك، فهذه سيرته المدونة وأحاديثه الصحيحة، والقرآن من وراء ذلك كله.
من أجل هذا كان التوحيد أولاً، ولا بد أن يكون أولاً في كل عصر وفي كل مصر.
стр. 668
علاقة التوحيد بأركان الإسلام
أما أركان الإسلام الخمسة الكبرى ومعالمه العظمى، فشُرِعت لتعلن التوحيد وتجسده وتقرره وتؤكده، تذكيراً وتطبيقاً، وإقراراً وعملاً.
فالشهادتان: إثبات للوحدانية، ونفي للتعدد، وحصر للتشريع والمتابعة في شخص المرسَل المبلِّغ محمد ﵌.
والصلاة مفتتحة بالتكبير المنبئ عن طرح كل مَن سوى الله عز شأنه، واستصغار كل من دون الله ، ناهيك بقرآن الصلاة وأذكارها في منازل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
أما الزكاة فهي قرينة الصلاة في التعبد والاعتراف للرب بجليل النعم، وإخراجها خالصة لله طيبة بها النفس براءة من عبادة الدرهم والدينار، ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت:٦ - ٧].
أما الصيام الحق فهو الذي يدع الصائم فيه طعامه وشرابه وشهوته من أجل ربه ومولاه.
أما الحج فشعار الأمة كلها في هذه البطاح والبقاع، فهو التلبية بالتوحيد ونفي الشرك.
يقول أبو إسحاق الشاطبي ﵀ في ذلك كله: نحن نعلم أن النطق بالشهادتين والصلاة وغيرهما من العبادات إنما شرعت للتقرب إلى الله، والرجوع إليه، وإفراده بالتعظيم والإجلال، ومطابقة القلب للجوارح من الطاعة والانقياد.
وفي مأثور نبينا محمد ﵌ في الورد اليومي الذي يجعله المسلم في حزبه: ﴿أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد ﷺ ، وملة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين﴾ وفي الدعاء النبوي: ﴿اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم﴾.
стр. 669
أسباب الاهتمام بالتوحيد
عباد الله: ما كانت هذه الأدلة المتكاثرة، والحجج المتظاهرة، والبراهين المتواترة، إلا لعظم الأمر، وخطر شأن القضية، وشدة شأن الخوف على الناس من الانحراف والقلوب من الزيغ.
ولماذا لا يُخاف عليهم والشياطين ما فتئت تترصد لبني آدم تجتالهم وتغويهم؟ وفي الحديث القدسي: ﴿خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنَزِّل به سلطاناً﴾ رواه مسلم وأحمد من حديث عياض بن حمار المجاشعي.
كيف لا يكون خوفٌ والرسول ﷺ خاطب أصحابه الصفوة المختارة من الأمة: ﴿أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر﴾؟!
ويزداد الخوف حين يتأمل متأمل قوله ﵌: ﴿الشرك أخفى في الأمة من دبيب النمل﴾ بل لقد أخبر ﵊ أن فئاماً من الأمة تعبد الأوثان، وقبائل تلحق بالمشركين.
والحافظ ابن كثير ﵀ يعلق على قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨] قال ﵀: فيه تشديد لأمر الشرك، وتغليظ لشأنه، وتعظيم لملابسته.
لماذا يا عباد الله لا يُخاف الخللُ في التوحيد والنقصُ في صدق التعبد والتعلق؟! لماذا لا يُحذر من الشرك وأنواعه وأسبابه، والله يقول في محكم تنزيله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]؟!
قال بعض أهل العلم: في هذه الآية دلالة على ما يتخلل بعض الأفئدة، وتنغمس فيه بعض النفوس من الشرك الخفي الذي لا يشعر به صاحبه غالباً، فمثل هذا وإن اعتقد وحدانية الله، لكنه لا يخلص له في عبوديته، فيتعلق بغير ربه، ويعمل لحظ نفسه، وطلب دنياه، أو ابتغاء رفعة أو منزلة، أو قصد إلى جاه عند الخلق، فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخَلْق نصيب، والله أغنى الشركاء عن الشرك.
стр. 670
صور من الإخلال بالتوحيد
أيها الإخوة في الله:! الأمر خطير ودقيق، شرك خفي في المحبة والتألُّه والخضوع والتذلل، مَن أعطى حبه وذُلَّه وخضوعه وتسليمه وانقياده وطاعته لغير الله، فكيف يكون محققاً للتوحيد؟! ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١].
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١].
هذا مشرك في الخوف والرجاء، وآخر في الجهاد والتضحية، وذاك مشرك في باب الأسباب، وآخر في باب النفع والضر، وانظروا في السحر والشعوذة، والتطير والتشاؤم، والرقى والتمائم، والحلف بغير الله، في صور لا تكاد تحصر، ناهيك بدعاء غير الله، والغوث من المقبورين، والغلو في الصالحين، والطواف حول الأضرحة، يدعون عندها ثم يدعونها، ويعلقون عليها القناديل والسرج والستور، ويذبحون عندها ولها، ويتمسحون بها، ويتطور الحال حتى يتخذوها أعياداً ومنسكاً، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
أيها الإخوة! وصورة جديدة من صور الخلل في التوحيد، باءت بها فئات من المنتسبين إلى الإسلام، تزعم الثقافة والاستنارة، لا ترضى بحكم الله ولا تسلم له، بل إن في قلوبها لحرجاً، وفي صدورها لغيظاً وضيقاً، إذا أقيم حدٌ من حدود الله ارتعدت فرائصهم، واشمأزت قلوبهم، قاموا وقعدوا، وأرغوا وأزبدوا، ولهم إخوان يمدونهم في الغي، يزعمون الحفاظ على حقوق الإنسان، وما ضاعت حقوق الإنسان وحقوق الأمم إلا بهم وبأمثالهم، الإسلام عندهم ظَلَم المرأة وهَضَم حقوقها، والحدود قسوة وبشاعة وتخلف، وحكم الردة تهديد لحرية الإبداع والفكر، وأحكام الشرع كلها عودة إلى عصور الظلام والتعصب والانغلاق، بل لقد أدخلوها في نفق الإرهاب المقيت ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].
الله أكبر! التوحيد صعب على الأذلاء، ومن سيم الخسف والذل والتبعية ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] صعب على من استمرءوا الفساد، وولغوا في الأوحال ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥] إنهم لا يعرفون التوحيد، ولا يعرفون صفاء الدين، مستعبَدون في فكرهم، مشركون في تفكيرهم، وكأنهم قالوا للذين كفروا وكرهوا ما نزل الله: سنطيعكم في بعض الأمر، بل لعلهم قالوا: سنطيعكم في كل الأمر.
إنهم حين لم يعرفوا التوحيد ولم يحققوه، أصبحوا وكأنهم فئة منفصلة عن الأمة، فئة منفصلة عن أمة الإسلام بفكرها وسمتها ورؤيتها وغايتها، مشدودة من خارجها من الشرق والغرب في السياسة والاقتصاد والاجتماع والأدب، وقد تجلى ذلك في تجاهلهم بل تمردهم على تاريخ الأمة وأصالتها وتراثها.
وبعد أيها الإخوة: فإن نعمة التوحيد يخرج بها قلب العبد من ظلمات الشرك وجهالاته إلى نور الإيمان بالله وتوحيده، يخرج من التيه والحيرة والضلال والشرود إلى المعرفة واليقين والطمأنينة والرضا والهداية، يخرج من الدينونة المذلة لأرباب متفرقين إلى الدينونة الموحِّدة لرب الأرباب: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨].
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٧ - ٦١].
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه محمد ﷺ .
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 671
وقوع الناس في قوادح التوحيد
الحمد لله، ولا نعبد إلا إياه، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، حمى حِمى التوحيد، وسد كل طريق يوصل إلى الشرك، فأظهر الله به دينه على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها المسلمون: تحقيق التوحيد يحتاج إلى يقظة قلبية دائبة دائمة، تنفي عن النفس كل خاطرة تقدح في عبودية العبد لربه، وتدفع كل خالية شيطانية في كل حركة أو تصَرُّفٍ ليكون ذلك كله خالصاً لله وحده دون مَن سواه.
ومع شديد الأسف -أيها الإخوة- فإن قوادح التوحيد ونواقضه صارت عند كثير من الناس من أخفى المعاصي معنىً، وإن كانت من أجلاها حكماً، فلظهور حكمها ترى المسلمين عامتهم يتبرءون منها، ويغضبون كل الغضب إذا نُسبوا إليها، وهم في هذا الغضب محقون، ولكن لخفاء معناها وقع فيها من وقع وهم لا يشعرون.
ولقد قرر أهل العلم أن الخوض في قوادح التوحيد والحديث عن مظاهر الشرك هي طريقة القرآن، وذلك من أجل تحذير المسلمين وليس الحكم عليهم به، فـ أهل السنة والجماعة لا يُكَفِّرون أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا زال أهل العلم يتكلمون عن أحكام الردة وأسبابها، وطرق الزيغ والضلال، ومسالك الابتداع، والتحذير منها، فمن علِم العقائد الصحيحة وعلَّمها ودل عليها، ونبه إلى طرق الزيغ والكفر والبدع؛ فقد سلك مسلك حق، ونهج منهج نصح.
وإن مما ينبغي التنبيه إليه أن من الخطأ في المنهج، وعدم التوازن في العرض وطرق التعليم أن ترى كثيراً من الكتب والمؤلفات تفصِّل في الفروع وأحكام المسائل حتى النادر منها وبعيد الوقوع، وهذا شيء في بابه حسن، ولكنهم لا يَعْنَون بالأصول مما يحتاجه الناس والناشئة، فلا يفصِّلون في التوحيد وأنواعه وحقوقه، ولا يبينون ضده من الشرك وأنواعه ومظاهره وأسبابه.
وثمة خطأ منهجي آخر، وهو أن المتقدمين ﵏ سلكوا في باب العقائد مسالك كلامية، ومصطلحات منطقية، فخفي على الناس كثير من مهمات العقائد وأصول الدين، ولو سلكوا مسلك القرآن في البيان، لكان المتعلمون والناس أحرى بهداية الله وفضله في هذا الباب.
يقول ابن حجر الهيتمي ﵀: ينبغي منع من يُشْهِر علم الكلام بين العامة لقصور أفهامهم، ولأنه لا يؤمَن عليهم من الزيغ والضلال، ولا بد من أخذ الناس بفهم الأدلة على ما نطق به القرآن ونبه عليه؛ إذ هو بيِّنٌ واضح يُدْرَك ببداهة العقل.
ألا فاتقوا الله -رحمكم الله- وأخلصوا دينكم لله، وحققوا توحيدكم، وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
ثم صلوا وسلموا على نبيكم محمد رسول الله، حامي جناب التوحيد، فقد أمركم بذلك ربكم، فقال عز قائلاً عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين.
وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك المؤمنين.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ وعبادك المؤمنين.
اللهم آمِنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وارزقه البطانة الصالحة، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين!
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واهدهم لتحكيم شرعك، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين!
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين!
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، برحمتك يا أرحم الراحمين!
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 672
جريمة الزنا
ضبط السلوك وقوة الإرادة يرتقيان بالمرء في سلم الشرف والمجد، وينبئان عن روح إنسانية شريفة، ومع ذلك فقد ينحرف البشر عن جادة الصواب، ويقعون في مستنقعات الجريمة والفاحشة، وهذا حديث عن واحدة من تلك الجرائم، وهي جريمة الزنا، يتضمن النظرة الإسلامية إلى هذه الجريمة من خلال القرآن والسنة، ثم من خلال واقع المجتمع الإسلامي.
وتحوي هذه المادة كذلك تشريعات الإسلام التي تحد من انتشار هذه الجريمة، وتنقي المجتمع -في حالة تطبيقها- من تلك الحثالة من البشر، الذين يخالفون الفطرة، ويرفضون العفة والطهارة.
стр. 673
عزة الإنسان وكرامته لا تقبل الفاحشة
الحمد لله حمداً يليق بجلاله، والشكر له على جزيل إنعامه وجميل إفضاله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في أسمائه وصفاته وأفعاله، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله الصادق في مقاله؛ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى أصحابه وآله والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوه رحمكم الله، اتقوه تقوى مَن أناب إليه، واحذروه حذر من يؤمن بيوم العرض عليه، واعبدوه مخلصين له الدين، وراقبوه مراقبة أهل اليقين، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
أيها المسلمون: لا يتفاضل الناس في مراقي الشرف والمجد، إلا بمقدار ما تتمتع به النفوس من ضبط السلوك وقوة الإرادات، فالرجل ذو العزيمة يتجلى فيه مظهر الكرامة الإنسانية مطبوعاً على أجمل صورة من الكمال والنبل، وبسبب ضعفها وهوانها ينزل المرء من سماء الإنسانية العالي ليكون أشبه بالحيوان ساقطاً مهملاً، قيمة المرء إباؤه وعزيمته، وميزانه نزاهته وسمعته، وشرفه في طهارة عرضه، وبياض صفحته، ونقاء ذيله.
لقد كان الشرفاء الأحرار في كل الأمم حتى في عصور الجاهلية المظلمة يعتزون بشرف سمعتهم، وصيانة أعراضهم، ويقفون دونها أسوداً كاسرة ونموراً مفترسة، يغسلون إهانة أعراضهم بأسنة رماحهم وحد سيوفهم، لا ينامون على إهانة، ولا يصبرون على عار، ولا يقبلون ذلة، ولقد قالت هند بنت عتبة وهي تبايع رسول الله ﷺ : ﴿أَوَ تزني الحرة يا رسول الله؟!﴾.
أيها الإخوة: يثار هذا الموضوع وتقلب صفحاته وأهل هذا الزمان في كثير من الأقطار يعيشون في عصر يوشك أن تسود فيه الإباحية ليجعلوا من ارتكاب الفواحش والموبقات حاجات بدنية لا يعاقب عليها القانون، ما دامت محفوفة بالتراضي.
ومما يكشف ذوبان الهمة وموت الإنسانية حين يشاهَد رجلٌ ينقاد للبهيمية، فيأتي الفاحشة ويعانق الرذيلة، ويشتد الخزي ويعظُم الشنار، حين لا يكون مستوراً عن الشاهدين والمشاهدين.
إنها حضارة البهائم في تلك الديار في حدائقها ومتنزهاتها وشواطئها وأفلامها وقنواتها.
من أجل هذا -أيها الإخوة- فهذا حديث عن جريمة من أبشع الجرائم، وفاحشة من أكبر الفواحش، وموبقة من أكبر الموبقات، تتجلى فيها هذه البهيمية المغرقة، جريمة تفقد الشهامة، وتذهب بالمروءة، يحل مكان العفاف فيها الفجور، وتقوم فيها الخلاعة مقام الحشمة، وتطرد فيها الوقاحة جمال الحياء.
إنها جريمة الزنا، كم جرَّعت من غُصة! وكم أزالت من نعمة! وكم جلبت من نقمة! وكم خبأت لأهلها من آلام منتظَرة وهموم متوقَّعة وهموم مستقبَلة!
العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذنان تزنيان وزناهما السماع، والفم يزني وزناه الكلام والقُبَل، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى؛ والفرْج يصدِّق ذلك أو يكذِّبه.
стр. 674
موقف الإسلام من جريمة الزنا
أيها الإخوة: الإسلام يقف من هذه الجريمة موقف حزم وحسم وصراحة وصرامة، إنه يمتدح الشهم الكريم الذي يغار على نفسه، ويغار على حرماته، ويندد بالديوث الذي يقر الخبث في أهله، لتبقى الأعراض مصونة، والشرف موفوراً عزيزاً، لقد اقترن حال الزاني بحال المشرك في كتاب الله ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٣].
الزنا محرم بقواطع الأدلة من محكم القرآن وصحيح السنة وإجماع أهل الملة، بل إجماع أهل الملل، إنه قرين لأعظم موبقتين: الشرك بالله، وقتل النفس: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠].
يقول الإمام أحمد: لا أعلم من القتل ذنباً أعظم من الزنا، والله في محكم تنزيله نهى عن قربه والدنو منه مما يعني البعد عن بواعثه ومقدماته ودواعيه ومثيراته، فقال سبحانه: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢].
قال أهل العلم: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢]: هذا قبح شرعي.
﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء:٣٢]: وهذا قبح عقلي.
﴿وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢]: وهذا قبح عادي.
قالوا: وما جمع ذنب هذه الوجوه من القبح إلا وقد بلغ الغاية فيها.
أيها الإخوة: ﴿لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن﴾ بهذا صح الخبر عن نبيكم محمد ﷺ ، زاد النسائي في رواية: ﴿فإذا فعل ذلك خلع رِبْقَة الإسلام من عنقه، فإن تاب تاب الله عليه﴾ وفي رواية البزار: ﴿والإيمان أكرم على الله من ذلك﴾.
وفي خبر عند أبي داود والترمذي والبيهقي: ﴿إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان كالظُلَّة على رأسه، ثم إذا أقلع رجع إليه الإيمان﴾.
وفي صحيح البخاري في حديث المنام الطويل، وفيه: ﴿أنه ﵊ جاءه جبريل وميكائيل ﵉، قال: فانطلقنا فأتينا على مثل التنور، أعلاه ضيق وأسفله واسع، فيه لغط وأصوات، قال: فاطلعنا فيه فإذا فيه رجالٌ ونساءٌ عراة، فإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك ضوضوا -أي: صاحوا من شدة الحر- فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الزناة والزواني، فهذا عذابهم إلى يوم القيامة﴾.
وأخرج الإمام أحمد في كتاب الزهد عن عيسى ﵇: [[لا يكون البطالون حكماء، ولا يرد الزناة ملكوت السماء، وفي جهنم نهر يقال له: نهر الغوطة، يجري من فروج المومسات، يؤذي أهل النار ريح فروجهن]].
وأخرج الخرائطي وغيره مرفوعاً: ﴿المقيم على الزنا كعابد وثن﴾ قال أهل العلم: ويؤيده ما صح من أن مدمن الخمر إذا مات لقي الله كعابد وثن، قالوا: ولا شك أن الزنا أشد وأعظم عند الله من شرب الخمر.
стр. 675
أضرار الزنا ومخاطره
الزنا يجمع خلال الشر كلها، قلة دين، وذهاب ورع، وفساد مروءة، الغدر والكذب شعاره، وقلة الحياء والخيانة دثاره، وعدم المراقبة مسلكه، وضعف الأنفة ديدنه، وذهاب الغيرة من القلب بليته، ناهيك بغضب الرب وفساد الحُرَم والعيال، فضائح زنا، وقبائح خنا، تذهب اللذات وتبقى الحسرات، ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:٢٤].
الزنا انتكاسة حيوانية وارتكاسة بهيمية، تذهب بمعاني الأسرة ومشاعر الإنسانية الراقية، وتطيح بكل أهداف السمو الأُسَري وعلاقات الرحم وأواصر القربى، ترد ابن آدم المكرم إلى مسخ حيواني سافل، كل همه إرواء جوعة اللحم والدم في لحظة عابرة وشهوة عارمة ونزوة حيوانية بحتة.
جريمة الزنا في المجتمعات الطاهرة تتعدى في سوئها وسوءتها إلى الأسرتين، وتجلب مآسيَ للفئتين.
الزنا نذير رعب وفزع في فشو الأمراض، ونزع البركات، ورد الدعاء.
الزهري والسيلان من أمراضه، والهربز والإيدز من أوبئته، في أمراض يرسلها الله لم تكن في الأسلاف مما يعلمون ومما لا يعلمون.
نعم أيها الإخوة: انظروا في أحوال المأفونين من أهل هذه الحضارة والمغرورين بها، لقد أطلقوا لشهواتهم العنان، استباحوا كل ممنوع، ونبشوا كل مدفون، وكشفوا كل مستور، تنصلوا من مسئوليات العائلة، وجروا خلف كل متهتكة وفاجرة، هل أدى بهم ذلك إلى تهذيب الدوافع كما يقولون؟! وهل أنقذهم من الكبت كما يزعمون؟! لقد انتهى بهم إلى سعار مجنون، لا يهدأ ولا يرتوي، لقد قل نسلهم، وتوقف نموهم مما ينذر بفنائهم.
لقد قل نسلهم لأنهم قضوا شهواتهم بغير الطريق المشروع، وتهربوا من المسئولية، وتبرءوا من سياج الأسرة، الحلال عندهم لا يفترق عن الحرام، لا يغارون على محارم، ولا يشمئزون من فواحش، العلاقات عندهم معزولة عن الخُلُق والروح والدين والعبادة.
لقد كان عادياً عندهم استقبال الآلاف المؤلفة من اللقطاء وأولاد التبني، لا يسألون: من أين جاءوا، ولا يكترثون بالآثار الاجتماعية التي يخلفها مَن لا آباء لهم ولا أمهات، وهم يزعمون أنهم أرباب العلوم والمعارف.
بلى إنهم عبيد لفنون الإثارات والتهتك التي يروجها الإباحيون البهيميون، يدفعون إليها الذكور والإناث دفعاً خبيثاً، في اختلاط مهلك، وإعلام فاضح في رواياته ومسلسلاته، مما ينضح فحشاً وخلاعةً وتهتكاً، ليس وراءه إلا لقاء البهائم.
стр. 676
نبذ الزنا في المجتمعات الإسلامية
إن أهل الإسلام يرفضون بحسم وحزم كل هذه المظاهر والنتائج، فالزنا فاحشة موبقة، وكبيرة من كبائر الذنوب توصَد كل الأبواب المفضية إليها، ويعاقَب على وقوعها بالجلد والتغريب للبكر، والقتل للثيب بالرجم، الأسرة وحدها هي الملتقى المشروع لأشراف الناس وكرام بني آدم.
المجتمع المسلم الطاهر يمقت الزنا، ويمقت مقدماته، وينكر بواعثه ودواعيه، وليس فيه إلا علاقات طاهرة، على أساس من أحكام الشرع والمشاعر الإنسانية الراقية، يلتقي عليها قلبان وروحان وإنسانان، وليس متعتين مجردتين وجسدين متباعدين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج:٢٩ - ٣٠].
لقد قطعت شريعتنا دابر هذه الجريمة، ووضعت لها جزاءً حاسماً في صرامة جادة، وحذرت من الرأفة بالفاعلين، وزجرت عن تعطيل الحد أو الترفق في إقامته، بل أمرت بإقامته في محضر مشهود في طائفة من المؤمنين ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢].
ولقد علم الله والمؤمنون أن الدماء لا تحفظ، والأموال لا تصان، والأعراض لا تحترم، والبلاد لا تصلح، والعباد لا تستقيم، والأمن لا يسود إلا بإقامة الحدود وقطع الأكف الآثمة وسد الأفواه الأفاكة.
حدود الله شرعت لتحفظ النفوس من التعديات الآثمة والنزوات الطائشة.
الزاني المحصن إذا ثبت زناه استُبِيح دمه، فكان قريناً لتارك دينه وقاتل نفسه: ﴿لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة﴾.
الله أكبر أيها المسلمون! وهل رأيتم أكبر من هذه الجرائم الثلاث؟! أليس من السر الذي يلفت نظر العقلاء أن دين الإسلام -وهو دين الرحمة والرأفة حتى مع الحيوان- وقف هذا الموقف الشديد مع هؤلاء الزناة والزواني؟! أليس هذا الدين الذي يحب الستر ويدعو إليه يقيم هذا الحد على مشهد من المؤمنين؟!
لماذا كل هذا أيها الإخوة؟!
إن الرأفة بالزناة ممن ثبت زناهم، وتحققت جنايتهم، إنما هي قسوة على المجتمع، وقسوة على الآداب الإنسانية، وقسوة على الضمير البشري، بل قسوة على حقوق الإنسان.
إن القسوة في الحد أرأف ثم أرأف بالمجتمع مما ينتظره من شيوع الفواحش، لتفسد الفطرة، وترتكس في حمأة الرذيلة، وتعيش في بيئة الأدواء والأمراض.
نعم! إن الحد جلد وقتل وقطع، فلتشمئز نفوس الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولتغتظ صدور الذين لا يرضون بحكم الله.
تباً لهم! لقد قالوا: إن إقامة الحدود غلظة وقسوة ووحشية، لا تليق بحضارات اليوم.
ويحهم! ماذا فعلوا بالأبرياء؟! وما هو مصير الضعفاء؟! ألم ينسفوا بمخترعاتهم الجهنمية مدناً آمنة؟! ألم يدكوا عواصم عامرة تعج بالألوف والملايين، لا ذنب لهم ولا خطيئة سوى الظلم والهمجية؟! فيا لوحشة هذا المتحضِّر! ويا لخراب هذا المتنوِّر، هل علومهم ومعارفهم أتت بكل هذه البلايا؟!
وبعد أيها الإخوة: فلو حفظت شريعة الله في كل بلاد المسلمين، ولو أقيمت حدود الله، وحيل بين الذين يتعدونها، لما رأيت في كثير من البلاد مظاهر السقوط في الحضيض، ولما تغير عليهم ما تغير ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
ألم يعلموا أن حفظ الفروج سبيل للفرج في الدنيا والتوفيق في المسيرة؟! واذكروا إن شئتم قصة صاحب الغار حين فرج الله عليه بعفته عن الحرام.
ألم يعلموا أن حفظ الشهوات سبيل للاستظلال بظل الرحمن يوم لا ظل إلا ظله، واذكروا ذلك العفيف الذي دعته ذات الحسن والجمال فاعتصم بخوفه من الله.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور:٢٦].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي محمد ﷺ .
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 677
مشروعية النكاح وحرمة السفاح
الحمد لله، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؛ أحمده سبحانه وأشكره وهو الحليم الشكور؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، الشافع المشفع يوم النشور؛ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الظلام والنور.
أما بعد:
أيها المسلمون: الإسلام لا يحارب دوافع الفطرة، ولا يلغي الوظائف التي ركبها الله في الإنسان، ولا يكبت الغرائز، ولا يستقذرها، ولكنه يهذبها وينظمها، ويسيِّرها في مسالك الطهر، ويرفعها من مستوى الحيوانية المحضة لتصبح محوراً تدور عليه الآداب النفسية والاجتماعية.
إنه يحارب الحياة البهيمية الساقطة التي لا تقيم بيتاً، ولا تبني أسرةً، ولا تنشئ حياةً كريمةً ومجتمعاً طاهراً.
إن الإسلام يقصد إلى حياة أسرية كريمة محترمة، تشترك فيها الآمال والآلام، ويؤخذ فيها حساب الحاضر والمستقبل، مَحْضِنٌ لذرية صالحة، ومنشأٌ لجيل طاهر، فيه الأبَوان حارسان أمينان لا يفترقان.
هذا المجتمع الكريم النابت في تعاليم الإسلام يتميز بآدابه، ويلتزم بأحكامه.
هذا المجتمع يجعل جريمة الزنا قصية في ركن لا يطالها إلا فئات شاذة لا يؤبَه بها.
стр. 678
الوسائل الوقائية من جريمة الزنا
إن الذي يفضح هذه الجريمة ويضيِّق دائرتها هو الإسلام بأحكامه وآدابه وعقائده، بَدْءاً من الإيمان بالله وخشيته وتقواه وحسن مراقبته ، ثم تنقية المجتمع من بواعث الفتن ومواطن الرِّيَب:
- التزامٌ بالملابس السابغة المحتشمة التي تُكْرِم ابن آدم وتحميه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب:٥٩].
أدبُ غضِّ البصر وكفِّ العيون الخائنة من البحث عن العورات: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور:٣٠ - ٣١].
- تحريمُ الخلوة بين الرجل والمرأة غير ذات المحرم طهارة لقلوبهم وقلوبهن ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] ﴿ما خلا رجلٌ بامرأة إلا وكان ثالثهما الشيطان﴾ ﴿لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم﴾.
- المباعدةُ بين مجالس الرجال ومجالس النساء حتى في المساجد دور العبادة، للرجال صفوفهم وللنساء صفوفهن.
- منعُ الاختلاط المحرم في التعليم والعمل، وكل مجال يقود إلى الفتنة.
- تيسيرُ سبل الزواج.
- التزامُ آداب الاستئذان والاستئناس، حتى لا تقع العيون على عورات أو تلتقي بمفاتن.
ومن أعظم الآداب في هذا الباب: الكفُّ عن إشاعة الفاحشة في المؤمنين ومحبة ذلك والرغبة فيه عياذاً بالله: إذا انتشر بين الأمة الحديث عن الفواحش ووقوعها فإن الخواطر تتذكرها، ويخف على السمع وقعها، ومن ثم يدب إلى النفوس التهاون بوقوعها، ولا تلبث النفوس الضعيفة الخبيثة أن تُقْدِم على اقترافها، ولا تزال تتكرر حتى تصير متداوَلَة، وانظروا ما تفعله كثير من وسائل الإعلام في الناس وفي النفوس.
ألا فاتقوا الله رحمكم الله، واستمسكوا بدينكم، والزموا آدابه وحدوده، عبوديةً لله خالصة، وسلوكاً لمسالك الطهر والعفة، يصلح الفرد كما يصلح المجتمع، فتسعدوا في الدنيا وتسلَموا، وتفوزوا في الآخرة وتفلحوا.
ثم صلوا وسلموا على نبيكم نبي الرحمة والهدى، فقد أمركم بذلك ربكم فقال عز قائلاً عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأزواجه وذريته.
وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين والأئمة المهديين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، وانصر عبادك المؤمنين، واخذل الطغاة وكل من خذل الدين.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وارزقه البطانة الصالحة، وأعزه بطاعتك، وأعز به دينك، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين!
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمد ﷺ واجعلهم رحمة لرعاياهم.
اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد يُعَزُّ فيه أهل طاعتك، ويُذَلُّ فيه أهل معصيتك، ويُؤْمَر فيه بالمعروف، ويُنْهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين!
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع مجيب الدعوات.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ؛ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعونه.
стр. 679
أخلاقيات الحوار
لاشك أن الحوار وسيلة من وسائل نقل الأفكار، والحاجة إلى إتقانه أكثر إلحاحاً في عصرنا الراهن.
والحوار الناجح تعاون بين المتحاورين من أجل معرفة الحقيقة والتوصل إليها.
وينبغي لنجاح الحوار البدء بمواطن الاتفاق، وسلوك الطرق العلمية، والسلامة من التناقض، وقصد الحق والبعد عن التعصب، والالتزام بالقول الحسن، وتجنب منهج التحدي والإفحام، وحسن الاستماع والإنصات.
стр. 680
أهمية الحوار في عصرنا الراهن
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله.
أشكره ولا أكفره، وأسأله المزيد من فضله وكرمه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة الحق واليقين، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، بعثه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، جعلنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فبتحية الإسلام أحييكم، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
سعادة مدير التعليم بمنطقة الرياض، سعادة مدير ثانوية السفارات الأستاذ/ عبد العزيز الثنيان، الإخوة أعضاء هيئة التدريس في المدرسة، أيها الإخوة الحضور، رغبت إدارة المدرسة مشكورةً في أن أشارك في أنشطتها المتميزة حسب ما رأيت وما اطلعت، سواء في المجلة الدورية التي يصدرونها، أو معرض الكتاب الذي يقرب للمنتسب لهذه المدرسة المعرفة والثقافة، ثم ما أتحفوني به لأقوم بهذا الجزء من النشاط، وهو هذا اللقاء الطيب المبارك الذي يجمعني بكم، كما أنهم في دعوتهم مشكورين خيروني أن أختار أحد موضوعين فاخترت أحدهما وكان بعنوان" أخلاقيات الحوار"
وكما تفضل فضيلة الشيخ/ أحمد آل الشيخ في تقديمه حين ذكر أهمية الحوار، فقال: إنه مهمٌ أولاً من حيث أن ديننا جاء به، وأسلوب الدعوة قائم على الحكمة والموعظة الحسنة، كما يقول الله آمراً نبيه محمداً ﷺ : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥].
ولا شك أن الحوار مطلوبٌ في كل زمان وفي كل مكان، ولكنه يبدو في وقتنا الحاضر أن الحاجة إليه أكثر إلحاحاً.
أولاً: لما أبرزه فضيلة الشيخ المقدم الشيخ/ أحمد، وهي نقاط جوهرية وأساسية جداً في إبراز أهمية الموضوع.
وثانياً: ما يتميز به هذا العصر من ميزات: ومنها اتصال العالم بعضه ببعض، حتى أصبح كبلدة واحدة؛ لا يكاد يقع شيء في الشرق؛ إلا وتسمعه بأسرع من الصدى في الغرب، وكذلك ما حصل في الغرب تراه في الشرق، ثم تلاقح المعارف والثقافات ووسائل الإعلام التي غزت لا أقول كل قطر، ولا كل بيت بل -ولا أبالغ إذا قلت- كل ركن من أركان البيت! ويرى فيها من يرى، ويسمع فيها من يسمع ألواناً وأشكالاً من الطروحات، وأنواع الغزو، وقنوات الثقافة والتأثير، مما يستدعي مراجعة، وأقولها بكل قوة: لابد أن نراجع أوضاعنا ومثقفينا وأحوالنا، وبخاصة أننا في هذا الصرح العلمي المتميز من بلادنا بمبناه ومعناه إن شاء الله، وهو مدرسة ثانوية، والثانوية كما تعلمون تحوي الطلاب في مقتبل الحياة وبدء النضوج الحقيقي.
وهذه الفترة كما يقول المربون وكما يقول علماء النفس: هي من أحرج المراحل، ولا أكون مبالغاً إذا قلت: إن من أولى ما ينبغي أن يهتم به في هذه المرحلة قضية الحوار، وإن لم يكن حواراً فكرياً على المستوى العالي، لكنه الحوار بين الأستاذ وبين الطالب في هذه المرحلة، وبين الطالب وبين أبيه في هذا السن، القضية دقيقة جداً، وتحتاج فعلاً إلى نوع من النظر الدقيق، وإلى نوع من التفكير في هذا الباب، هذا جانب.
والجانب الآخر -كما أسلفت قبل قليل-: الطرح الذي يطرح، فمع الأسف أن كثيراً من أسباب الإعلام ووسائله هي بأيدي غيرنا، يطرحونها ولا نكاد نرى شيئاً متميزاً، من هنا يجب أن نكون جادين وصادقين إذا كنا نريد أن نبني أنفسنا حتى نكون أصحاب مبادرات، وأصحاب طروحات، وأصحاب استقلال في فكرنا، وفي كل ما نطرح.
من أهم ما يجب أن ننظر فيه في قضية الحوار ما يلي:
كيف نتحاور؟
ما هي أسباب الحوار؟
ما هي وسائله؟
ما هي أصوله؟
ما هي أخلاقياته؟
الكلام في هذا كثير وطويل، ولا تكفيه المحاضرة ولا المحاضر، وإنما ينبغي أن نهيئ أولادنا وأنفسنا في تقبل الرأي الآخر بكل قوة، ولا يعني تقبله أن نستسلم له، إنما كيف نسمع، وكيف نستمع، وسوف نرى إن شاء الله على حسب ما يسمح به الوقت أشياء من هذا، وسوف تكون عناصر هذا اللقاء كالتالي:
تعريف الحوار.
غايته.
التمهيد في وقوع الخلاف، وهذا غالباً سأتجاوزه، لأن الوقت لا يسمح.
بيان لمجمل أصول الحوار.
أخلاقيات الحوار وآدابه.
طبعاً لا بد أن أذكر التعريف، وهو لا يخرج عما أشار إليه الأستاذ/ أحمد في الغاية من الحوار؛ لأن التعريف لا بد أن يشمل الغاية، ثم أشير إشارة سريعة إلى أصول الحوار، ثم نبسط الكلام حسب ما يسمح الوقت حول ما يتعلق بأخلاقيات الحوار.
стр. 681
تعريف الحوار
الحوار والجدال بمعنى واحد، والله يقول في كتابه: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١] فالآية جمعت اللفظين، والحوار: (تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) (وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) فالحوار والجدال يدل أحدهما على الآخر.
والحوار في اللغة هو: مجرد مراجعة الكلام، فيقول: تحاور الرجلان، أو تحاور المتحدثان بمعنى: كل واحد تبادل الحديث، فمراجعة بعضنا لبعض في الكلام يسمى حواراً، وأحياناً قد تكون لفظة الجدال بمعنى الخصام، فهي أحياناً تعني الوصول إلى الحق، وأحياناً لا، والمجادل هو مجرد المخاصم، ولكن ليس هذا هو مقصودنا هنا، أما تعريف الحوار فهو: مناقشة بين طرفين، أو أطراف يقصد بها إما تصحيح، أو إظهار حجة، أو إثبات حق، أو دفع شبهة، أو رد باطل، هذا هو مقصود الحوار، وهذا هو غايته، فهو يراد به: إما أن نصحح خطأً، وإما أن نظهر حجةً، وإما أن نثبت حقاً؛ لأنه ليس بالضرورة في الحوار أن يكون غايته في الحق دائماً، وسوف نرى كيف أن الحوار قد يكون مجرد ممهد، وليس بالضرورة في كل لقاء أن نصل إلى الحق فيه، فإن من مقاصد الحوار التهيئة والتمهيد والتوطئة، وقد يكون تصحيحاً أو إظهار حجة أو دفع شبهة أو رد باطل من القول أو من الرأي.
فمن هنا نعرف غاية الحوار، فغايته إقامة الحجة، أو دفع الشبهة، أو هذا مجمل غايته في الحقيقة، لكنه في واقعه تصحيح.
فالحوار الناجح الصحيح تعاونٌ بين المتحاورين من أجل معرفة الحقيقة والتوصل إليها، هذه هي الغاية الأصلية؛ لكن هناك غايات تمهيدية منها مثلاً: إيجاد حل وسط يرضي الأطراف.
أنتم تلاحظون الخلافات بين الناس -حتى بين الزوجين- أحياناً قد ترى من المصلحة أنك لا تحسم القضية، لكنك تزيل بعض ما في الصدور فقط، حتى تجمع بين المختلفين على الأقل ليخف شيء من الشحناء.
فقد تكون غاية الحوار ليست بالضرورة أن تصل إلى ما تريد في هذه المرحلة، إنما تكون الغاية إيجاد حل وسط يرضي الأطراف.
وأحياناً يكون مقصود المحاور التعرف على وجهات نظر الأطراف الأخرى، وهذا هدفٌ تمهيدي قد يكون إحدى غايات الحوار، كذلك قد يكون من غايات الحوار -وهي ليس الغاية القصوى- البحث والتنقيب من أجل الاستقصاء والاستقراء في تنويع الرؤى والتصورات المتاحة، وذلك من أجل الوصول إلى نتائج أفضل وأمكن، ولو في حوارات تالية، وهذا مهمٌ جداً فالغايات التمهيدية مهم أن نفقهها، وبخاصة ونحن في صرح تربوي، ونعاني حقيقة في بعض الأحيان من مشكلات تربوية يعرفها المربون؛ كالمرشد الطلابي، والموجه، ومدير المدرسة، أحياناً قد تكون المشكلات مع الطلاب لم تصل بالضرورة إلى الغاية القصوى، أحياناً قد تكون تمهيدية، فكيف تعالج القضية التي وقع فيها؟
والحوار من أمثل الطرق التي تؤدي إلى حل لهذه المشاكل.
أما وقوع الخلاف بين الناس فلا أريد أن أتحدث عنه، وذلك لأن الله أشار إلى أن الخلاف موجود، كما أن الله جعل الناس مختلفين في صورهم ومختلفين في أشكالهم؛ قال : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم:٢٢].
هذا الاختلاف الخلقي جزماً يترتب عليه اختلاف في الرؤى، واختلاف في التصورات، ولهذا قال الله في مقام آخر: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩] فالخلاف موجود، ولا يمكن أن تنفك الدنيا عن الخلاف، وعندي فيه كلام طويل، لكن أرجئ الكلام فيه إلى مناسبة أخرى، أو إن بقي عندنا وقت، أو أن يكون ثمة أسئلة مثارة؛ لأن الوقت يعاجلنا.
стр. 682
البدء بمواطن الاتفاق
أهم شيء قبل أن يبدأ الحوار أن ينظر المتحاوران في مواطن الاتفاق.
ما معنى ذلك؟
أي: ينبغي حينما تتحاور مع أحد أن تبدأ بمواطن الاتفاق؛ لأن مواطن الاتفاق تطمئن النفس وتريحها، حينما تحس أنت وجليسك، الذي تريد أن تتناظر معه أنكما متفقان، عندها يطمئن هو ويرتاح؛ حينما تأتي له بالمسلمات والأشياء المتفقة بينكما، ترتاح النفس.
احرص قدر ما تستطيع ألا تقول: لا؛ لأن (لا) تنفر، وسوف نبسط هذا.
فمن الحكمة أن الإنسان يبدأ بمواطن الاتفاق، ولهذا نقول: إن بدء الحديث والحوار بمواطن الاتفاق طريقٌ إلى كسب الثقة وفشو روح التفاهم، ويصير به الحوار هادئاً وهادفاً.
فالحديث عن نقاط الاتفاق وتقريرها يفتح آفاقاً من التلاقي والقبول والإقبال مما يقلل الجفوة، ويردم الهوة، ويجعل فرص الفوز والنجاح أفضل وأقرب، كما يجعل احتمالات التنازع أقل وأبعد.
ولهذا بعض المتمرسين يقول: دع صاحبك المناظر لك يوافق ويجيب بـ (نعم) وحُلْ ما استطعت بينه وبين (لا)؛ قدر ما تستطيع حاول أن تأتي بأشياء يقول فيها: نعم، لماذا؟
قال: لأن كلمة (لا) عقبة كئود يصعب اقتحامها وتجاوزها، فمتى قال صاحبك: لا، أوجبت عليه كبرياؤه أن يظل مناصراً لنفسه، لماذا؟
قال: لأن التلفظ بـ (لا) ليس تفوهاً مجرداً بهذين الحرفين، الواقع أن الذي يقول: لا، قد تحفز كيانه، وانتفخت أعصابه وأوداجه وعضلاته وغدده، عندما يقول الإنسان: لا، يكون عنده شيء من الانفعال الداخلي كل واحد منا يحس به، فهو اندفاع بقوة نحو الرفض، أما إذا استطعت بخطواتك المرتبة أن تجر صاحبك إلى أن يقول: نعم، نعم، فإنها -أي: نعم- هادئة وسهلة ورقيقة ورفيقة، لا تكلف أي نشاط جسماني وأي إفرازات.
فالحرص على مواطن الاتفاق وإظهارها وإبرازها يجعل النفوس تتقبل الحق، فالحوار له فنه، ونحتاج أن نتمرس فيه كثيراً جداً، ومع الأسف لو تقرءون النقاش الذي يأتي في الصحف، أو الردود فسترون أن كثيراً منها متشنج، وترى فيها بعض العبارات وإن غلفت متشنجاً جداً، ولو كانت من مثقفين، ولو كانت ممن يحملون مؤهلات عالية، لا يكاد يكتب أحدهم مقالة أو مقالتين إلا وخرج إلى تجريح الشخص.
فنحن لم نوطن أنفسنا، ولم نعلم أجيالنا وناشئتنا كيف تتقبل الرأي الآخر، وقبولها لا يعني أن تسلم به، إنما قبوله كيف تسمع، فنحن نناقش في أطروحاتنا في وسائل الإعلام -في الصحافة، في التلفزيون، في الراديو- بعيدين عن الأصول، نطرح طروحات متشنجة أو مثاليات غير معقولة، إذا كنت وحدك خلف الشاشة ما عندك أحد فإنك تطرح مثاليات، فليس الحوار أن أطرح ما عندي بقوة، وأنت مستعد أن تسمع بروح هادئة وأعصاب هادئة، فالقضية دقيقة، والقضية تحتاج إلى تربية قبل أن نسمع مجرد كلمات.
ولهذا أحياناً حينما يدور نقاش في التلفزيون أو في الراديو، وأنت تسمع تجد نفسك تتنرفز ولو كنت هناك لأمسكت بتلابيب هذا المتحدث، هذا يدل على أنك ليس عندك قاعدة في الحوار، ولا عندك استعداد أن تسمع، فالقضية دقيقة يا إخواني، فمن هنا احرص على ألا يقول صاحبك: لا.
стр. 683
أصول الحوار
стр. 684
سلوك الطرق العلمية
لو افترضنا أن أمامنا متحاورين، فما هي الخطوات التي ينبغي أن يلتزما بها في سبيل أن يتوصلا إلى الحقيقة؟
أولاً: أن تُسلك المسالك العلمية، أي: أن المتحاورين يلتزمان الطرق العلمية.
ما هي الطرق العلمية؟
ليست خطابة، وليست كلمات متشنجة، وليست مجردة دغدغة عواطف، فدغدغة العواطف هذه تنفع للجماهير، ولكن في حوار بيني وبينه، وأحس أنه ندٌ لي وأنا ندٌ له ينبغي أن نلتزم قواعد:
القاعدة الأولى: أن تكون طرق الحوار علمية، ما معنى ذلك؟
فإذا كانت القضية دعوى، فلا بد أن آتي بأدلة، إما أدلة عقلية، أو أدلة نصوص إذا كانت شرعية، فإذا كانت عقلية، تكون مسلمات عقلية ومنطقاً عقلياً معروفاً، وإذا كانت أخباراً فلا بد أن أنقل خبراً صحيحاً، لا أبني حواري على أن أقول: قالوا وقلنا، لا أدخل إلا وأنا متأكد من أدواتي، فأولاً لا بد أن نقدم أدلة صحيحة مثبتة ترجح حقيقتي.
والأمر الثاني: صحة النقل فيما أدعيه، ولهذا علماؤنا -علماء الحديث وغيرهم- يقولون: إن كنت ناقلاً فالصحة، وإن كنت مدعياً فالدليل، فهذا ضروري عندما أدخل في الحوار، فأنا لا أدخل إلا ومعي أدواتي، لا يكفي أن أقول: قالت الصحيفة الفلانية، أو سمعت فلاناً يقول.
ولهذا أكثر أخطائنا تكون من مقالات سمعناها من غير أن نتبين صحتها.
وأحياناً قد تكون المقولات صحيحة، لكن مراد صاحبها مختلف، أو أنها نقلت إلينا جزئية، أو نقلت مبتورة.
مهمٌ جداً أن نسلك المسالك العلمية في طرح الحوارات، فإذا كانت دعوى، فلا بد من أدلة، وإذا كانت نقلاً، فلا بد من التثبت في الصحة، والله قد قال للمخالفين: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١] في أكثر من آية، فقال: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:٩٣] وقال: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ [الأنبياء:٢٤].
وقد يكون استيعاب أصول الحوار يحتاج إلى وقت وأنا سوف أذكر أصلين على سبيل العجل؛ لأن استيعابها قد يحتاج إلى وقفات دقيقة، أو علمية بحتة، لكن أشير إليهما على كل حال.
стр. 685
السلامة من التناقض
الأصل الثاني: سلامة كلام المناظر ودليله من التناقض، فالمتناقض ساقطٌ بداهةً.
بمعنى أنت إذا تكلمت، يجب أن تحرص أن يكون كلامك صحيحاً غير متناقض.
فمثلاً حينما قالت الأقوام المكذبون لرسلهم: سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ.
وفرعون وصف موسى بأنه ساحرٌ أو مجنون، وكذلك أيضاً قوم محمد ﷺ الكفار قالوا له: ساحر أو مجنون، فهذا وصف متناقض غير مقبول، لماذا؟
لأن السحر والجنون لا يجتمعان، لا يمكن أن يكون الشخص ساحراً ومجنوناً، غالباً السحر يحتاج إلى ذكاء وفهم، لكن الجنون خلل عقل، فكيف تصف هذا بأنه ساحر، أو مجنون، إذاً قضية متناقضة حقيقة، فلما لم يكن عندهم حجة، أتوا بأي أوصاف، وكذلك أيضاً حينما قالت قريش للنبي ﷺ فيما أتى به القرآن: إنه سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، والسحر لا يكون مستمراً، قال تعالى عنهم: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر:٢] فهو تناقض، فالسحر لا يكون مستمراً، والمستمر لا يكون سحراً.
стр. 686
ألا يكون الدليل هو عين الدعوى
الأصل الثالث: ألا يكون الدليل هو عين الدعوى، وهذه قضية منطقية أصولية قد لا نقف عندها كثيراً، بمعنى أنك إذا طرحت شيئاً، أو تريد أن تأتي بشيء، فلا تأت بعين الدعوى تجعلها دليلاً؛ لأن بعض الناس أحياناً قد يكون عنده من البهرج، وعنده من قوة العبارة يريد كما يقولون: يلفك، فيأتي بعين الدعوى مغلفة، بينما هو الحق أن يأتي بدليل، لا أن يأتي بالدعوى ويجعلها دليلاً؛ لأن هذا غير مقبول.
стр. 687
الاتفاق على منطلقات ثابتة وقضايا مسلمة
الأصل الرابع: (وهذا مهم جداً، وسوف نقف عنده بعض الوقفة) الاتفاق على منطلقات ثابتة وقضايا مسلمة، أي: حينما يتحاور المتحاوران، فلا بد أن يكون هناك مسلمات فهي لا تدخل في النقاش، أو تكون هناك أمور غير مسلمة فلا يجوز أن تدخل في المسلمات، فإذا كنت مثلاً تتحاور مع نصراني، النصراني لا يسلم بالقرآن، ولا يسلم بنبوة محمد ﷺ فلا تجعل القرآن من المسلمات في الحوار معه، وإذا كنت تتحاور مع مسلم في قضايا شرعية، أو قضايا أثيرت، فلا يمكن أن تكون المسلمات محل نقاش، لماذا؟
لأننا إذا دخلنا إلى المسلمات، خرجنا إلى شيء آخر، وسوف يتشعب النقاش.
مثلاً: في الإسلام مسلمات، منها ربوبية الله ، واستحقاقه للعبادة ، وكماله في أسمائه وصفاته، وتنزيهه سبحانه وتعالى عما لا يليق به، وكذلك ما يتعلق بنبوة محمد ﷺ ، وما يتعلق بالقرآن.
وكذلك قضية الحجاب، حجاب المرأة المسلمة فهو مسلم، ولا يجوز أن يكون محل خلاف، وتعدد الزوجات ليس فيه خلاف، والربا ليس فيه خلاف.
الحجاب قضية مسلمة، لأن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ دلت على الحجاب، وهناك قضايا داخل الحجاب قد تكون محل خلاف، ويمكن أن تكون محل حوار، مثل كشف الوجه، لا شك أن العلماء مختلفون فيها، وإن كنا نرى وجوب تغطية الوجه، لكن هذه القضية مما تقبل الحوار، لكن أصل الحجاب لا يقبل الحوار.
وكثير من الصحافات العربية وبعض الناس الذين هم قليلو الدين، وبعض التوجهات التي قد تكون علمانية تطرح قضية الحجاب وكأنها قضية مختلف فيها.
وقضية الحجاب محسومة في الإسلام، وليست محل نظر، ولا يجوز أن تكون محل نظر بين المسلمين، أما حينما نناقش نصرانياً، أو وثنياً، فيمكن أن نناقشه؛ لأنه غير مسلم بها، لكن بين المسلمين الحجاب مسلَّم به.
وكذلك تعدد الزوجات، فهي قضية مسلم بها، ليست محل نقاش البتة؛ لأن كتاب الله حسمها: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء:٣] على معنى أن مشروعية التعدد ليست محل جدال، ولهذا من الخطأ مناقشتها، وأنا أعتبره خطأً لعدم الفهم، لا أتهم من يفعلونه اتهاماً سيئاً، إنما أظنه جهلاً، يأتي الإنسان يطرح في الجريدة أو في الصحيفة أو في التلفزيون أو في وسيلة إعلام، ويقول: ما رأيك في تعدد الزوجات؟ فهذا لا يجوز، وليس محل حوار أبداً البتة؛ لأن التحدث فيه محسوم.
قد نتحاور في مسألة ما هي وسائل العدل بين الزوجات؟ أما هل التعدد جائز أو غير جائز، فلا يجوز أن يكون محل نقاش.
الحكم بما أنزل الله لا نحاور فيه هل التشريع الإسلامي صالح للتطبيق أو غير صالح؟ أو الحدود هل هي صالحة للتطبيق في زماننا أو غير صالحة؟ فهذا ليس محل نقاش، ولا يجوز البتة أبداً، بل يكفر الذي يقول ذلك، لكننا نحسن الظن ببعض قليلي العلم الديني حينما يطرحون هذه القضايا، لأنه مجرد سبق صحفي أو منشور صحفي يريد أن يثير ويروج للصحيفة التي يعمل فيها؛ لأن هذه مسلمات.
مقصودي: أن هناك مسلمات قد تكون عقلية، وهناك مسلمات دينية، فالمسلمات الدينية تكون بين أصحاب الدين، والمسلمات العقلية أيضاً مسلمة بين الناس كلهم؛ مثلاً: حسن الصدق، وكون الصدق حسناً، هذا مسلَّم، لا يوجد أحد يقول: إن الصدق سيئ، وكون الكذب قبيحاً، وشكر المحسن أيضاً؛ فهذه مسلمات ليست محل جدل، وكذلك معاقبة المسيء أيضاً، فهي ليست محل جدل، فهذه من المسلمات المتفق عليها، فمقصودي: أن من أصول الحوار أن تنطلق من مسلمات ثابتة، فلا تجعل المسلمات محل نقاش إلا إذا كانت عندك غير مسلَّمة.
стр. 688
التجرد وقصد الحق والبعد عن التعصب
الأصل الخامس: التجرد وقصد الحق والبعد عن التعصب، وهذا الأصل له جانبان: جانب: كونه أصلاً، وجانب كونه خلقاً من أخلاقيات الحوار، فهو باعتبار أصل من الأصول، وباعتبار آخر هو جانب من جوانب أخلاقيات الحوار، فكونه أصلاً يعني: أنه يجب، لماذا قلنا: أخلاقي؟
لأنه قلبي، والشيء القلبي غالباً يرجع إلى وازع الضمير كما يقال، لكنه أصل بمعنى أنه لا يمكن إذا كنت جاداً وصادقاً في أن تصل إلى الحق، لا يمكن إلا أن تطبق هذا الأصل، وهو التجرد وقصد الحق والبعد عن التعصب والالتزام بآداب الحوار، وإذا لم تكن مستقراً، وجاداً وصادقاً، فإنه لا يمكن أبداً أن تصل، وأكثر ما يفشل الحوارات هذا حتى المفاوضات على مستوى الدول، فإن لم يكن هناك صدق وجدية؛ فلا يصلون، ولهذا تطول وتطول إلى ما لا نهاية؛ لأن هناك أهدافاً غير منظورة، ولعل كل طرف يعرف ما عند الآخر.
ولهذا يقول الغزالي أبو حامد: التعاون على طلب الحق من الدين، ولكن له شروط وعلامات، منها: أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد معاونه، ويرى رفيقه معيناً لا خصماً، ويشكره إذا عرفه الخطأ وأظهره له.
ولهذا يقول الشافعي ﵀: ما كلمت أحداً قط إلا أحببت أن يوفق، أو يسدد، أو يعان، وتكون عليه رعاية الله وحفظه، وما ناظرني أحد فباليت أظهرت الحجة على لساني أو لسانه.
والمقصود هو: أن يكون الحوار بريئاً من التعصب خالصاً لطلب الحق خالياً من العنف والانفعال، بعيداً عن المشاحنات الأنانية والمغالطات البيانية مما يفسد القلوب ويهيج النفوس.
стр. 689
أهلية المحاور
الأصل السادس: أهلية المحاور، وهذه قضية مهمة جداً؛ بمعنى أن يكون المحاور مؤهلاً، لا جاهلاً ولا غير متخصص، كما أنك ينبغي أن تكون مستعداً.
ومع الأسف، فإن ما يحصل في بعض الحوارات أن يكون المناظر عن الجانب الإسلامي غير مؤهل، وقد يكون مستشرقاً كافراً أو مسلماً غير مؤهل، فلا بد في الأصول أن تأتي بإنسان مؤهل.
ولقد ندمت وأسفت أني لم أحضر الندوة التي أقيمت من جملة النشاط الثقافي، وكنت عليها حريصاً، لكن بلغني أنه وقعت أشياء جميلة جداً وحوارات، وبخاصة طروحات من بعض الذين نحبهم كانت على مستوى يثلج الصدر.
فالمهم فعلاً أهلية المحاور، فمن الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من هو على الباطل، ومع الأسف، أحياناً في الغرب يقيمون ندوات، ويأتون بمستشرقين يدافعون عنا، ويخرجون بنتائج وتوصيات ومقررات، فمن الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من كان على الباطل، ومن الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من لا يعرف الحق، ومن الخطأ أن يتصدى للدفاع عن الحق من لا يجيد الدفاع، قد يكون هو على حق وعلى معرفة به؛ لكن لا يجيد الدفاع عنه، ومن الخطأ كذلك أن يتصدى للدفاع عن الحق من لا يدرك مسالك الباطل، وليس كل واحدٍ مؤهلاً للدخول في حوار صحي يجني ثماراً يانعةً ونتائج طيبة، حتى آتي إلى الأخلاقيات.
стр. 690
قطعية النتائج ونسبيتها
الأصل السابع: قطعية النتائج ونسبيتها، وهذه قضية دقيقة ومهمة، وخاصةً فيما ذكرنا قبل قليل من أنه قد يكون مقصودك من الحوار ليس الوصول في الوقت الحاضر، إنما تذكر أشياء تمهيدية، فمن المهم جداً، حتى من ناحية نفسية ليصل الحوار إلى مبتغاه ألا يكون هناك تشنج؛ وغالباً الذي يفشل هو المتشنج، وغالباً الذي يفشل هو الذي يرفع صوته، وغالباً الذي يفشل هو الذين ينفعل، بقدر ما تكون مستمسكاً بهدوئك مهما سمعت يكون نجاحك، ولهذا أحياناً قد تسمع أشياء عجيبة، وأشياء تكاد تكون أوضح من الشمس في خطئها، ومع هذا عليك أن تكون هادئاً جداً، لكن ليس هذا هو المقصود، المقصود أن توطن نفسك، أنك قد تكون أنت المخطئ، بمعنى أنك على حق تحتمل الخطأ، وغيرك يحتمل الصواب.
ولهذا نقول: من المهم في هذا إدراك أن الرأي الفكري نسبي الدلالة على الصواب أو الخطأ، والذي لا يجوز عليهم الخطأ هم الأنبياء ﵈، بمعنى حينما يأتي محاورك بأشياء ويطرح طروحات، فلا تتشنج؛ فربما تكون أنت المخطئ، وهذه قضية مهمة، بل أحياناً روح التسليم تجعل صاحبك يسلم أيضاً، أما التشنج فيفشل الحوار، فإذا اعتقدت أنك قد تخطئ، وأنك غير معصوم، وأن ما أتى به صاحبك من وثائق ينبغي أن تسلم، وأن تكون عندك -كما يقال- روح رياضية في هذا الموضوع.
فإن الذين لا يجوز عليهم الخطأ هم الأنبياء ﵈ فيما يبلغونه عن ربهم ، وما عدا ذلك، فيندرج تحت المقولة المشهورة: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي الآخر خطأ يحتمل الصواب.
وبناءً عليه، فليس من شرط الحوار الناجح أن ينتهي إلى قول واحد، فإن تحقق هذا واتفق المتحاوران على رأي واحد، فنعم ذلك ونعم المقصود، وهو منتهى الغاية، وإذا لم يكن، فالحوار ناجحٌ إذا توصل المتحاوران بقناعة إلى قبول كل من منهجيهما، يسوغ لكل واحد منهما التمسك به.
طبعاً ليس الكلام في القضايا الدينية، ولنفترض أننا نتناقش في منهج تربوي، نتناقش في صلاحية هذا الكتاب من عدمه، فلا نريد في نهاية حوارنا أن نقول: أنت التزم به في كذا، وأنا ألتزم به في كذا، وانتهت القضية، أحياناً فعلاً قد لا تحسم القضية، وينبغي أن تعرف ذلك أن القضية قد لا تحسم في بعض الأحيان.
فيكون الحوار ناجحاً إذا توصل المتحاوران بقناعة إلى قبول كل من منهجيهما، ويسوغ لكل واحد منها التمسك به ما دام في دائرة الخلاف السائغ، وما تقدم من حديث عن غايات الحوار يزيد هذا الأصل إيضاحاً كما أسلفت
ولهذا ابن قدامة ﵀ يقول: وكان بعضهم يعذر كل من خالفه في المسائل الاجتهادية، ولا يكلفه أن يوافقه فهمه.
ولكن الحوار يكون فاشلاً إذا انتهى إلى نزاع وقطيعة وتدابر ومكايدة وتجهيل وتخطية.
стр. 691
الرضا والقبول بالنتائج
الأصل الثامن والأخير في الأصول: الرضا والقبول بالنتائج، ومع الأسف أنه فيما قرأتم وقرأنا وما يطرح في كثير من وسائل الإعلام لا نكاد نرى أحداً سلم للآخر، أو رضي بالنتائج أبداً، ولا شك أن هذا يدل على سوء في التربية في هذا الباب، وكان ينبغي أن نوطن أنفسنا أن نقبل الحق من أي إنسان جاء، وأقبل لنفسي أني قد أكون على خطأ، لكننا مع الأسف نتكلم من ناحية نظرية، أما في الواقع فإلى الآن لم نصل إلى مرحلة أن نربي أنفسنا وأولادنا وأجيالنا على أن تتقبل بالتسليم بالخطأ، مع الأسف أننا لم نصل إلى هذا.
فإذاً من الأصول الرضا والقبول بالنتائج التي يتوصل إليها المتحاوران، والالتزام الجاد بها وما يترتب عليها، وإذا لم يتحقق هذا الأصل، كانت المناظرة ضرباً من العبث الذي يتنزه عنه العقلاء.
ولهذا يقول ابن عقيل: وليقبل كل واحد منهما من صاحبه الحجة، فإنه أنبل لقدره، وأعون على إدراك الحق، وسلوك سبيل الصدق، والشافعي ﵁ وأرضاه يقول: ما ناظرت أحداً فقبل مني حجة إلا عظم في عيني، ولا ردها إلا سقط من عيني.
هذه إشارات إلى أصول الحوار، طبعاً قد تجدون في بعض المراجع أصولاً غير ما ذكرت لكم، لكن يدخل بعضها في بعض غالباً، وبعضها قد يحتاج إلى مزيد من البسط، وبعضها مضغوط في بعض، فهذا إيجاز لأصول الحوار.
стр. 692
أخلاقيات الحوار وآدابه
نأتي إلى أخلاقيات الحوار وآدابه:
стр. 693
التزام القول الحسن وتجنب منهج التحدي والإفحام
من أخلاقيات الحوار: التزام القول الحسن، وتجنب منهج التحدي والإفحام: أي: حاول وأنت تتحدث أن تختار ألفاظك، وألا تدخل مدخل المفحم، كمن يريد أن يحشر خصمه في زاوية؛ لأن هذا غالباً لا يؤدي إلى حل، إنما يؤدي إلى تشنج وتنتهي القضية، لكن كما قلنا: تحاول أن يقول: نعم، نعم، نعم، فذلك خيرٌ من أن تحشره وتريد أن تظهر عليه، تأكد يا أخي وإن لم تتحدث، أن الحضور يعرفون، الحضور تفهم، وإن لم يقولوا شيئاً، فلابد من التزام القول الحسن، وتجنب منهج التحدي والإفحام، فمن المهم باسم المتحاورين التزام الحسنى في القول، والله يقول: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء:٥٣] وقال: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] فهذا هو الأصل، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣] ويلحق بهذا الأصل -كما قلت- تجنب أسلوب التحدي والتعسف في الحديث، وتعمد إيقاع الخصم في الإحراج، ولو كانت الحجة بينة والدليل دامغاً، فإن كسب القلوب مقدم على كسب المواقف -وهذه قاعدة مهمة فالزموها- كسب القلوب مقدم على كسب المواقف مهما كان، لأنك إذا كسبت الموقف وخسرت الناس، فماذا فعلت؟
أنت مقصودك أن تكسب الناس، فقد تكسب الموقف، لكنك لا تكسب الناس، وإذا كسبت الناس، كسبت الموقف، أما إذا كسبت الموقف وخسرت الناس، فقد ذهب كل عملك هباءً، وبخاصة إذا كنت من الناس الذين يدعون إلى الله، وتريد الحق فعلاً، إذا كنت تريد الحق وبسط الحق، فاكسب الناس، ولا تكسب المواقف، فكسب القلوب مقدم على كسب المواقف، وقد تفحم الخصم، لكنك لا تقنعه، وقد تسكته، لكنك لا تكسب تسليمه وإذعانه، وأسلوب التحدي يمنع التسليم، ولو وجدت القناعة العقلية، وهذه طبيعة البشر، ولهذا الأنبياء أتوا بالحجج، ومع هذا فالطغاة رفضوا الإيمان لا لعدم قناعتهم ولكن لاستكبارهم، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل:١٤] فليس الذي يمنع خصمك أنك لست على الحق، ينبغي أن تعرف هذا، ومادمت واثقاً من نفسك، فتأكد أن الذي يمنعه ليس أنك على الحق، إنما هو شيء في نفسه، في داخله، فما دام أنه شيء داخلي، وأنك لست مسئولاً، فلماذا التشنج؟ ولماذا الإفحام والإقحام؟
فإذا كنت اتبعت الأصول السابقة من العلم، وأصول العلم، وإقامة الحجة، وإثبات صحة الخبر إلى آخر ما سبق، فالقضية منتهية، فهذا الذي نقول، وإنك لتعلم أن إغلاظ القول ورفع الصوت وانتفاخ الأوداج لا يولد إلا غيظاً وحقداً وحنقاً.
ومن أجل هذا، فليحرص المحاور ألا يرفع صوته أكثر من الحاجة، فهذا رعونة، وإيذاء للنفس وللغير، ورفع الصوت لا يقوي حجة، ولا يجلب دليلاً، ولا يقيم برهاناً، بل إن الصوت العالي لم يعل في الغالب إلا لضعف حجته وقلة بضاعته، فيستر عورته بالصراخ، ويواري ضعفه بالعويل، وهدوء الصوت عنوان العقل والاتزان والفكر المنظم والنقد الموضوعي والثقة الواثقة.
على أن الإنسان قد يحتاج إلى رفع الصوت قليلاً في بعض الأحيان، أو يغير الإنسان نبرات صوته إذا كانت الصيغة استفهامية، أو تقريرية، أو إنكارية، أو تعجبية، هذه أشياء معروفة في أصول الحوار، لكنها لا تعني السفه على صاحبك، أو أنك تريد أن تسكته برفع صوتك، لكن إذا كان المقصود تغيير لهجة الصوت، لأن المقام يستدعي أن يكون الأسلوب إنكارياً، أو تعجبياً أو استفهامياً أو تقريريا، ً أو غير ذلك من أساليب البلاغة مما يدفع الملل والسآمة، فمعلوم أنه مطلوب.
على أن هناك أحياناً بعض الحالات التي يسمح فيها ويسوغ فيها اللجوء إلى الإفحام، وإسكات الطرف الآخر، لكن هذا ليس الأصل، هذا قد يحتاج إليه، لكنه خلاف الأصل، فإذا استطال مثلاً صاحبك وتجاوز الحد وطغى وظلم وكذب، وأتى بأشياء مكشوفة، وعادى الحق وكابره مكابرةً بينة، فلمثل هذا جاءت الآية الكريمة: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦] فحينئذٍ قد تتجاوز الحسنى، لأن الناس تحب أن ترى الحق عالياً، وتحب أن ترى الباطل مقموعاً، وقال : ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨] ففي حالة الظلم والبغي والتجاوز قد يسمح بالهجوم الحاد المركز على الخصم وإحراجه وتسفيه رأيه؛ لأنه يمثل باطلاً، وحسنٌ أن يرى الناس الباطل مهزوماً مدحوراً.
وهناك كلمة لطيفة جميلة على الهامش، وهي أنه لا ينبغي للإنسان أن يستعمل الضمير (أنا) في الحديث، ذكر ذلك كثير من المتأدبين، وقال: لا ينبغي للإنسان أن يقول أنا ونحن إذا استطاع، إنما يستعمل ضمير الغيبة، فهو أحسن، فلا يقول: في رأيي، أو في درسنا، أو في تجربتنا، أو في رأينا، أو على حسب علمنا، يحسن أن يقول: يبدو للدارس، تدل التجارب، الذي يبدو للباحث، ونحو ذلك، فهي ألطف؛ حتى لا يحس السامع بأن ثمة أسلوب تعالٍ على المتحدثين، أو بين المتحاورين.
أخيراً من غاية الأدب واللباقة وإدارة الحوار ألا يفترض في صاحبه الذكاء المفرط، فيكلمه بعبارات مختزلة، ولا يفترض فيه الغباء المفرط، فيأتي بأشياء من المسلمات بحيث يمل منها المتحاوران، أو يمل السامعون، والناس في ذلك درجات في عقولهم وفهمهم.
стр. 694
الالتزام بوقت محدد
القضية الثانية في آداب وأخلاقيات الحوار: الالتزام بوقت محدد في الكلام، وهذه أيضاً مهمة وجميلة، ومع الأسف أنه لا يكاد يُلتزم بها، وبخاصة في الندوات، إذا أقمنا ندوات، فلا يكاد أحد يلتزم، فإذا أتى الإنسان بأوراقه أوجب على نفسه أن يقرأها كلها، كان ينبغي قبل الدخول أن يكون المتحاورون والمنتدون ومدير الندوة متفقين على أن يأتي الواحد بكلمات تغطي الجزء، لكن مع الأسف إذا كانت شهوة الكلام هي المطلوبة، فهذا مشكلة، ومع الأسف ما تعودنا على ذلك عملياً؛ رئيس الندوة يقول: يا إخواني بقيت دقيقتان، ومع هذا لا أحد يستجيب، وإن كان رئيس الندوة أحياناً يستخدم سلطته، ويوقف الكلام، لكن لا ينبغي هذا، فهو يؤثر على مجريات الأمور والهدوء والانسجام الموجود في القاعة وينبغي أن نكون جادين في الالتزام بالوقت في الكلام، فينبغي أن يستقر في ذهن المحاضر ألا يستأثر بالكلام، ويستطيل في الحديث ويسترسل بما يخرج به عن حدود اللباقة والأدب والذوق الرفيع.
فـ ابن عقيل الحنبلي يقول في كتابه فن الجدل: وليتناوبا الكلام مناوبةً لا مناهبةً؛ بحيث ينصت المعترض للمستدل حتى يفرغ من تقريره للدليل، ثم المستدل للمعترض حتى يقرر اعتراضه، ولا يقطع أحدٌ منهما على الآخر كلامه، وإن فهما مقصوده من بعضه.
حتى إن فهمت فاسكت حتى ينتهي، لا تقل له: كفى فقد فهمت، ولهذا قال ابن عقيل: وبعض الناس يفعل هذا - أي: يقاطع- تنبيهاً للحاضرين على فطنته وذكائه، وليس في ذلك فضيلة إذ المعاني بعضها مرتبطٌ ببعض، وبعضها دليل على بعض، وليس ذلك علم غيب، أو زجراً صادقاً، أو استخراج ضمير حتى يفتخر به، وبخاصة إذا افترضنا أن المتحاورين على مستوى من العلم، ومستوى من العقل، ومستوى من الفهم.
وغالباً المستمعون كذلك على مستوى من الفهم، فليس ذكاءً أنك تفهم من منتصف الطريق، فإذا فهمت فاسكت.
قال ابن عقيل: ومن المفيد أن نعلم أن أغلب أسباب الإطالة في الكلام ومقاطعة حديث الرجال يرجع إلى ما يلي:
أولاً: إعجاب المرء بنفسه.
ثانياً: حب الشهرة والثناء.
ثالثاً: ظن المتحدث أن ما يأتي به جديدٌ على الناس، وهذه مشكلة فلا ينبغي أن تفترض أن الناس كلهم جهال.
رابعاً: قلة المبالاة بالناس في علمهم ووقتهم وظرفهم، لو كنت تحترم الناس ما حاولت أن تستطيل في شيء ليس لك فيه حق.
قال: والذي يبدو أن واحداً من هذه الأسباب إذا استقرت في نفوس السامعين كافٍ في صرفهم وصدهم ومللهم واستثقالهم لمحدثيهم.
وأرجو ألا أكون منهم!
стр. 695
حسن الاستماع والإنصات
الثالث من الآداب: حسن الاستماع، وأدب الإنصات، وتجنب المقاطعة، وهذه قضية مكملة لما سبق، ينبغي للمتحاور -الطرف الثاني أو كل واحد بالنسبة لصاحبه- ينبغي له أن يحسن الاستماع وأدب الإنصات وأدب المقاطعة، وهذا والله نحتاجه كثيراً في مدارسنا، وبخاصة بين الأستاذ وتلميذه، يعني: لو أن أساتذتنا اجتهدوا في أن يعلموا تلاميذهم أدب الحديث بمعنى أن يكونوا هم القدوة، فالمشكلة أن الأستاذ يريد الكلام، وهو الذي يُسمع فقط، لا يكاد يحسن أن يعطي طالبه فرصة الحوار، ولو فرصة الحديث، فهذا نوع من التعالي مع الأسف، ويجب أن نكون صادقين في نقد أنفسنا، وبخاصة في مثل هذه المدرسة الثانوية -كما قلنا-: الثانوية طلابها في مستوى المراهقة، والمراهق -كما يقول علماء النفس- يريد أن يثبت ذاته، وينبغي أن يعطيه المدرس فرصة في أن يثبت ذاته بحيث يتحدث ويتكلم ويعطيه فرصة، ولا يستهزئ به، ولا يجعل زملاءه يسخرون منه، فحسن الاستماع وأدب الإنصات وتجنب المقاطعة من أخلاقيات الحوار.
فكما قلنا في آداب الحوار: الالتزام بوقتٍ محددٍ، وتجنب الإطالة، كذلك نطلب حسن الاستماع، واللباقة في الإصغاء، وعدم قطع حديث المحاور، وإن من الخطأ -وهذه قضية يا إخواني مهمة جداً- أن تحصر همك في التفكير فيما ستقوله، وألا تلقي بالاً لمحدثك ومحاورك، وهذا كثير؛ زميلك يتحدث وأنت مشغول بالرد، لا يا أخي اسمع ما يقول، يمكن أن يقول حقاً، هذه قضايا دقيقة، وهي ترجع إلى الضمير يا إخواني، إن أغلب أخلاقيات الحوار ضميرية؛ أنت بنفسك أبصر، ليست أشياء تقاس بالترمومتر، لو كانت تقاس، لم تكن هناك مشكلة، بل كلنا سنكون منضبطين، فحينما يتحدث صاحبك، ينبغي أن تكون مستمعاً جيداً، لا أن تكون مشتغلاً بالرد، ومن الخطأ أن تشغل همك في التفكير فيما ستقوله، وألا تلقي بالاً لمحدثك ومحاورك، وقد قال الحسن بن علي ﵄ لابنه ﵃ أجمعين: [[يا بني إذا جالست العلماء، فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام، ولا تقطع على أحدٍ حديثاً، وإن طال حتى يمسك]] ويقول ابن المقفع: تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام، ومن حسن الاستماع إمهال المتكلم حتى ينقضي حديثه، وقلة التلفت إلى الجوار، والإقبال بالوجه، والنظر إلى المتكلم، والوعي بما يقول.
إذاً: لا بد في الحوار الجيد من سماع جيد، والحوار بلا حسن استماع -كما تقول العامة- حوار طرشان -جمع أطرش- فكل من طرفيه منعزلٌ عن الآخر، فالسماع الجيد يتيح القاعدة الأساسية لالتقاء الآراء وتحديد نقاط الخلاف وأسبابه.
حسن الاستماع يقود إلى فتح القلوب واحترام الرجال وراحة النفوس، تسلم فيه الأعصاب من التوتر والتشنج، كما يُشْعِر بجدية المحاور وتقدير المخالف وأهمية الحوار، ومن ثم يتوجه الجميع إلى تحصيل الفائدة والوصول إلى نتيجة.
стр. 696
تقدير الخصم واحترامه
الرابع من الآداب والأخلاقيات: تقدير الخصم واحترامه، وهذه مهمة جداً أن تقدره، وقد نكون أشرنا إليه في بعض الطروحات التي تطرح في وسائل الإعلام في الردود، لا يكاد يكون فيها تقدير إلا في الحلقة الأولى، أو الثانية بعد ثلاث أو أربع حلقات تجد الدنيا انفتحت على التجريح الشخصي وإلى الكلام في الشهادات، وإلى الكلام في السيرة الذاتية، وإلى الكلام في تاريخه العلمي أين ذهب؟ وأين أتى؟
ما كان ينبغي هذا أبداً، والتقدير أيضاً قلبي، وبقدر ما تكون صادقاً في التقدير يظهر هذا على سلوكك وأسلوبك وكلامك وحديثك وكتابك، فينبغي في مجلس الحوار التأكيد على الاحترام المتبادل من الأطراف، وإعطاء كل ذي حق حقه، والاعتراف بمنزلته ومقامه، فيخاطب بالعبارات اللائقة وبالألقاب المستحقة والأساليب المهذبة، فتبادل الاحترام يقود إلى قبول الحق، والبعد عن الهوى، والانتصار للنفس.
أما انتقاص الرجال، وتجهيلها، فأمر معيبٌ محرمٌ، وما قيل من ضرورة التقدير والاحترام لا ينافي النصح وتصحيح الأخطاء بأساليبه الرفيعة، وطرقه الوقورة، فالتقدير والاحترام غير الرخيص، والنفاق المرذول، والمدح الكاذب، والإطراء على الباطل، وهذا يقودنا إلى قضية أخرى تنبع من التقدير، وهي أنك تتوجه بالحوار إلى القضية المطروحة، ويصرف الفكر إلى المسألة المبحوثة ليتم تناولها بالبحث والتحليل والإثبات والنقد بعيداً عن صاحبها أو قائلها، كل ذلك حتى لا يتحول الحوار إلى مبارزة كلامية، طابعها الطعن والتجريح والعدول عن مناقشة القضايا والأفكار إلى مناقشة التصرفات والأشخاص والشهادات والمؤهلات والسيرة الذاتية.
стр. 697
حصر المناظرات في مكان محدود
ومن الآداب: حصر المناظرات في مكان محدود، هذه قضية دقيقة، وأظن أن أكثر من نبه إليها علماؤنا المتقدمون، وهي قضية دقيقة، وأظنها تحتاج إلى نظرة، وقد تكون مستغربة، وهي حصر المناظرات في مكان محدود، ما معنى ذلك؟
أهل العلم يقولون: إن المحاورات والجدل ينبغي أن يكون في خلوات محدودة الحضور، قالوا: وذلك أجمع للفكر والفهم، وأقرب لصفاء الذهن، وأسلم لحسن القصد، وإن في حضور الجمع الغفير ما يحرك دواعي الرياء والحرص على الغلبة بالحق والباطل، مع الأسف في الوقت الحاضر الآن أصبحت محاورات تلفزيونية خاصة في الخارج بين رؤساء الأحزاب، وبين المرشحين للانتخابات، غالباً هذه المحاورات لا تؤدي إلى حق، إنما استعراض عضلات، وتقديم طروحات كاذبة، وكما يقال: كل واحد يطرح مشروعه الانتخابي، وكل مشروع كذاب، لماذا؟
لأنهم أمام الجمهور، ويريدون مجرد المفاخرة، والرياء والأطروحات الكاذبة، ولو انفردوا بأنفسهم وصدقوا، لكانت مصلحة الوطن أجدى وأولى وأوصل للحق؛ لكن القضية من أجل الفوز في الانتخابات واستمالة الجمهور، وهم كذابون، ولهذا أكثر الطروحات الانتخابية كاذبة وأفاكة، ولا يصلون إلى شيء، بل حتى على مستوى الانتخابات الأمريكية وغيرها يطرحون أشياء، وتجد الرئيس حينما يذكر، يشتغل في قضايا السياسة الخارجية، ويذهب عن كثير من القضايا التي وضعها في سياسات اقتصادية، أو سياسات اجتماعية، أو أشياء غيرها، لأن القضية جماهيرية، ولا يكادون يلتزمون بأدبيات الحوار؛ لأنه لا يريد أن ينهزم أمام الجمهور، أو أمام جمهوره الذين يرغبون ترشيحه، ولهذا يذكر أهل العلم عن المحاورات أنها ينبغي أن تكون في خلوات، واستدل أهل العلم بآية لطيفة من كتاب الله ، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ:٤٦] فالله أمر نبيه محمداً ﷺ أن يقول لقومه: ما جئت به، فكروا به منفردين؛ لأنكم إذا فكرتم متداخلين، كل واحد يتعصب، ولهذا في قصة طويلة حقيقة ذكرها المؤرخون أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس كانوا يستمعون إلى النبي ﷺ كل واحد منفرد، فإذا خرجوا تقابلوا في الطريق، ثم تعاهدوا على عدم السماع، فكان كل واحد منهم يسمع النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن معجباً به، لكن إذا اجتمعوا كل واحد كذب على الآخر، حتى قال بعضهم: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود، لكن في النهاية قال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياءً أعرفها، وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياءً ما عرفت معناها، قال الأخنس: وأنا، إلى أن قال: خرج الأخنس من عندي حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟
فقال أبو جهل: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاشينا على الركب -أي: تساوينا- وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه وحي من السماء، فمتى ندرك هذا؟ ما معنا إلا أن نكذب فقط، والله لا نؤمن به، ولا نصدقه، قال: فقام من عنده الأخنس وتركه.
فلذلك قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ [سبأ:٤٦] فالإنسان إذا انفرد يكون أقرب إلى قبول الحق، أما أمام الناس، فذلك يؤدي كثيراً إلى حجب الحق والوصول إلى الحقيقة.
стр. 698
من آداب المحاورات الإخلاص
الأدب الأخير وهو المهم، وهو الأول والأخير: الإخلاص.
هذه الخصلة من الأدب متممة لما ذكر، من أصل التجرد الذي قلناه قبل قليل في طلب الحق إلى آخره، ومن أجلى المظاهر في ذلك أن يدافع المحاور عن نفسه حب الظهور، والتميز على الأقران، وإظهار البراعة وعمق الثقافة والتعالي عن النظراء والأنداد.
إن قصد انتزاع الإعجاب والثناء واستجلاب المديح مفسد للأمر صارف عن الغاية، وسوف يكون فحص النفس ناجحاً ودقيقاً لو أن المحاور توجه إلى نفسه بهذه الأسئلة، هذا من الأسئلة التي يوجهها الإنسان إلى نفسه، ليختبر إخلاصه، هل ثمة مصلحة ظاهرةٌ ترجى من هذا النقاش وهذه المشاركة؟
هل يقصد تحقيق الشهرة أو إشباع الشهوة في الحديث؟
هل يتوخى أن يتمخض هذا الحوار عن نزاع وفتنة وفتح أبواب من هذه الأبواب التي من حقها أن تسد؟
من التحسس الدقيق ومن تصادق النفس أن يحذر بعض التلبيسات النفسية والشيطانية، فقد تتوهم بعض النفوس أنها تقصد إحقاق الحق، وواقع دخيلتها أنها تقف مواقف انتصار ذات هوى، ويدخل في باب الإخلاص والتجرد توطين النفس على الرضا والارتياح من ظهور الحق كما سبق.
كل المبادئ السابقة الذي يبلورها واقعاً ملموساً ومجسداً هو أن يكون لدى الإنسان الإخلاص الصادق لله : بأن يقصد إعلاء الحق والدين، ونفع الناس، وأن يقصد ظهور الحق، ولو على غير يديه، وعلى لسان غيره.
ومما يعينك على الإخلاص أن تعلم أن الآراء والأفكار ومسالك الحق ليست ملكاً لواحدٍ، أو طائفة، والصواب ليس حكراً على واحدٍ بعينه، فَهَمُّ المخلص ومهمته أن ينتشر الحق في كل مكان، ومن أي مكان، ومن أي وعاء، وعلى أي وسيلة.
وإن من الخطأ -وافهموا هذه يا إخواني- إن من الخطأ البين في هذا الباب أن تظن أن الحق لا يغار عليه إلا أنت، ولا يحبه إلا أنت، ولا يدافع عنه إلا أنت، وليس له مخلص إلا أنت، ولا يتبناه إلا أنت، ولا تحرسه إلا أنت، فإن من الجميل وغاية النبل والصدق إحسان الظن بالناس.
ومن الصدق مع النفس وقوة الإرادة أن توقف الحوار إذا وجدت نفسك قد تغير مسارها، ودخلت في مسالك اللجج والخصام ومدخولات النوايا، وأكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 699
الأسئلة
стр. 700
ماذا يفعل من له أب يتبنى الأفكار العلمانية ؟
السؤال
فضيلة الشيخ: بماذا توجهون شاباً ملتزماً قد ابتلي بأبٍ تقلب في التبني الجزئي والتأثر بعدة اتجاهات واعتقادات كان أولها الشيوعية، ثم الاشتراكية، ثم القومية، وكان ناصرياً، وفي نهاية المطاف بعثياً، هذا بالإضافة إلى انغماسه في النظر الحرام، وسب المسلمين أعني العلماء والدعاة، والجماعات الإسلامية في كل مكان، واتهام نياتهم، والفرح بذبحهم من قبل العلمانيين، ورفض قتل -أحد الناس ذكر اسمه- وهو صاحب لجج وقوة لسان، وهو ممن ينهى بناته عن الالتزام بالدين، وعن المحافظة على الحجاب، وكثيراً ما يقع له مع ابنه نقاش، فيتطور إلى إنكار الأحكام الشرعية، وتأويل النصوص، ثم الطعن في الصحابة، ثم إنكار السنة وثبوتها، ويحصل أن ينطق أحياناً بالكفر الصريح مثل: إنكار ثبوت السنة، فهل أولى لابنه الصبر عليه مع النصح والدعوة، أم يجب عليه رفع أمره للمحكمة الشرعية، وذلك لأنه على هذا المنهج منذ أربعين عاماً؟
الجواب
عليه أن يناصح وأن يستمر معه الحوار، وأن يستمر في الاجتهاد في الدعاء له، ولا شك أن هذا كلام خطير، نسأل الله السلامة، ونسأل الله له الهداية حقيقة، وعليك أن تستمر في مناصحته والجدال معه ما دام أن هناك فرصة للحوار، ونحو ذلك، فأنا أرى أن يستمر معه الحوار؛ لأن القضية -هي كما تعلم- مهمة الدعاة وهي ميراث النبوة، والنبي ﷺ مهمته البلاغ، وكلف بالبلاغ ﵊: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٧٢] فيجتهد، ولا ييئس أبداً، ولهذا إبراهيم ﵇ دعا لأبيه، في الحياة وبعد الممات، في الحياة، قال: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ [مريم:٤٧] وكان يدعوه كثيراً، وفي منهج إبراهيم ما يرشد السائل، فهو كان رقيقاً، وقال له: يا أبت، ويا أبت، ويا أبت بمنتهى الرقة: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم:٤٣ - ٤٥] إلى آخره، ثم قال: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ [مريم:٤٧] فالاجتهاد في الدعاء له، لعل الله أن يختم له بخير، هذا هو الذي أراه.
стр. 701
كيفية محاورة كبار السن
السؤال
فضيلة الشيخ: ما الطريقة المثلى عند محاورة كبار السن، وبخاصةٍ حين يحاجك أحدٌ بقوله: ولو؟
الجواب
كلمة (لو) هي (لا) معقوفة، نحن كنا نحرص ألا تدعه يقول: لا.
لكن أتى بها معقوفة، فلا شك أن المحاورة لا تنتهي، لكن على الإنسان أن يتخير الأجواء؛ لأن كثرة النقاش والجدال مملة، وإذا كان الإنسان كلما جلس أثار نقاشاً، فلا شك أن هذا يجعل الأمر مملولاً، بل يجعل الإنسان مكروهاً، إنما الحوارات تتخير أوقاتها وظروفها ومناسباتها، حتى لا تخرج عن حدود الأدب وحدود المبتغى من قصد الحق والتقريب إليه -كما قلنا- الحوار ليس بالضرورة أن يكون في جلسة واحدة تستكمل فيها القضايا، فربما كان بعضها ممهدات، وبعضها تكون موضحات، وبضعها قد تكون أموراً تقبل النظر والخلاف حيث يكون الأمر فيها سهلاً وواسعاً، وليست كل مسألة لا بد أن نصل فيها إلى رأي موحد؛ كما قال الأخ ناصر: إنه لا بد أن نصل إلى رأي موحد وحاسم، فهذا في بعضها، وبعضها يقبل التنوع واختلاف وجهات النظر.
стр. 702
واجبنا تجاه من ينادي باستخراج البطاقة الشخصية للمرأة
السؤال
فضيلة الشيخ: ظهرت في الفترة الماضية في بعض الصحف المحلية -وبالتحديد في جريدة الجزيرة - ظهرت دعوات مشبوهة تدعو إلى استخراج بطاقة شخصية للمرأة السعودية، وبصفتكم أحد أعضاء مجلس الشورى، وكذلك أحد العلماء الأفاضل، ما هو موقفكم في ذلك، والله يرعاكم؟
الجواب
إن هذه القضية فيما يبدو لي تحتاج إلى نظر وقد تعرض على هيئة كبار العلماء، أيضاً القضية يحسم فيها من هذا الباب، حيث أن فيها رأياً، لأن الصورة بذاتها-كما تعلمون- في مجالات أذن فيها، كما في الجواز وفي غيره، والقضية ليست كبيرة من حيث ما يتوصل إليه، لكن يبدو لي أن خروجها من جهة علمية معتمدة لها صفة الرسمية والشرعية هو أولى في قطع النزاع؛ لأنها هي التي تنظر المصلحة والمصالح، أما أن تخاض على مثل ما ذكر الأخ، وتصل إلى حالٍ فيه نوع من التشنج بين الأطراف، ونوع من التدخلات في النيات وفي المقاصد من جميع الأطراف، وكان ينبغي في هذه الأمور- لأنها قضية فعلاً تحتمل النظر، وتحتمل الطرح من حيث المفاسد الشرعية والمصالح الشرعية- أن تنظر فيها جهات شرعية، وتقرر ما تراه في هذا.
стр. 703
الحوار في الثوابت الشرعية
السؤال
إذا بادرني شخصٌ ما في الحديث والحوار في قضيةٍ مسلمٍ بها، بم أرد عليه وأجاوبه في مثل هذه الأمور؟
الجواب
حينما نقول مسلمة، نعني أنها مسلمة بين المتحاورين، وقد مثلت بالحجاب، لأنه إذا كان مسلماً، فلن ينازع، ولا يجوز له أن ينازع، ولا يجوز أن يكون الحجاب محل نزاع إلا إذا كان غير مسلم، فذلك شيء آخر، فتحتاج عندها أن تخرج من هذه القضية إلى أن تثبت له أن الإسلام حق، وأن الرسول حق، وأن القرآن حق، وهذه قضية خطيرة، أما إذا سلم بأن الإسلام حق، وأن القرآن حق، فعندها تكون القضية ليست محل جدل إلا في الأشياء الفرعية -كما قلنا لكم- فبعض القضايا في تفريعاتها قد تكون صورة من صور الربا محل نزاع، هل هي ربا أو لا؟ هذا شيء آخر، ومثل كشف الوجه، فلا شك أن ذلك محل خلاف، فهذه تقبل النقاش، وتقبل الطرح.
стр. 704
الحوار مع أهل البدع
السؤال
ذكر عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة أنهم إذا تناقشوا مع أهل البدع كانوا يردون عليهم بشدة وعبارات قوية، فما رأيك في ذلك من حيث كون الحوار يتطلب الانفعال؟ كذلك ذكر عن بعض الأئمة أنهم يرفضون الحوار مع بعض أهل البدع، بل يأمرون بعدم الرد عليهم مطلقاً.
الجواب
هذا يختلف، ذكرنا أنه في بعض الأحيان قد تحتاج إلى نوع من الشدة، إذا كان عند المحاور عناد، لكن هذه استثنائية، فما نقل عنهم هو من هذا الباب، وكذلك أيضاً عندما ينقل عدم الحوار، لأن ذلك قد يكون فيه إظهار البدعة، ولهذا الإمام أحمد يقول: لا نرد عليهم، لأن في الرد إظهاراً، وإذا كان كذلك، فلا نقبل حوارات في أشياء والناس عنها في غفلة، فإن ذلك يؤدي إلى البلبلة، إنما نحاور في الأشياء التي يفيد فيها الحوار، هذا الذي يحمل عليه ما نقل عن السلف ﵏، وقد نقل عنهم أنهم ناقشوا وجادلوا وألفوا في الردود كما تعلم، وفي بعض الأحيان سكتوا، فيحمل ما روي عنهم على هذا كما هو واضح.
стр. 705
الجدل المذموم
السؤال
ذكر طوائف من السلف ذم نوعٍ من الجدل والكلام، أرجو من فضيلتكم بيان هذا النوع، وهل من هذا الجدل الخوض في بعض القضايا الأدبية مما لا ثمرة له عقلية، أو شرعية، أو عملية؟
الجواب
لا، الجدل الذي ذموه الجدل المنطقي الذي لا يؤدي إلى الحق، وإنما ينتج عنه بلبلة، وسفسطة، فإن نصوص الكتاب واضحة في الحوار الذي يقصد به الوصول إلى الحق، والمنطق نفسه تكلموا في حله أو حرمته، أما ذات النقاش والحوار، فهذا ليس محل خلاف.
الحوار إذا كان بين متخصصين، مثل: متحاورين يتحاورون في قضية جغرافية فليس هناك إشكال، أو بين متخصصين في اللغة العربية يتحاورون في اللغة العربية، لا يهمنا، فكل حوار في تخصصاتهم فيه فائدة، لكن لن تكون ثمرته كثمرة قضية الحلال أو الحرام، أو قضية للناس كلهم فيها تأثيم، وفيها وزر، فإذا كانت قضايا فكرية تتعلق بتخصصاتهم، فمن المعلوم أنه لا حجر فيها، إنما لا ينبغي أن تطرح على الناس بحيث تؤدي إلى بلبلة، أو تؤدي إلى الدخول في قضايا تمس معتقدات الناس.
من النكت التي تقال: أن شيخاً كان يدرس النحو في المسجد، طبعاً يسأل بعض الطلاب، فقال لبعض الطلاب: أعرب، فأعرب، فكانت الجملة فيها الباء حرف الجر، فقال: مثلاً بمحمدٍ، الباء حرف جر، فالذي بجانبه سمع، فذهب إلى عمه فقال: إن الشيخ يقول: إن البحر انفجر، فأحياناً تطرح أشياء للعامة لا تفهمها، فينبغي أن تحدد أطر الحوار وحدود الندوات وغير ذلك.
следующие страницы →