← Джавами‘

Джавами‘ · id 7735

دروس للشيخ صالح بن حميد

صالح بن حميد

Полный текст (918 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

كيفية محاورة كبار السن السؤال فضيلة الشيخ: ما الطريقة المثلى عند محاورة كبار السن، وبخاصةٍ حين يحاجك أحدٌ بقوله: ولو؟ الجواب كلمة (لو) هي (لا) معقوفة، نحن كنا نحرص ألا تدعه يقول: لا. لكن أتى بها معقوفة، فلا شك أن المحاورة لا تنتهي، لكن على الإنسان أن يتخير الأجواء؛ لأن كثرة النقاش والجدال مملة، وإذا كان الإنسان كلما جلس أثار نقاشاً، فلا شك أن هذا يجعل الأمر مملولاً، بل يجعل الإنسان مكروهاً، إنما الحوارات تتخير أوقاتها وظروفها ومناسباتها، حتى لا تخرج عن حدود الأدب وحدود المبتغى من قصد الحق والتقريب إليه -كما قلنا- الحوار ليس بالضرورة أن يكون في جلسة واحدة تستكمل فيها القضايا، فربما كان بعضها ممهدات، وبعضها تكون موضحات، وبضعها قد تكون أموراً تقبل النظر والخلاف حيث يكون الأمر فيها سهلاً وواسعاً، وليست كل مسألة لا بد أن نصل فيها إلى رأي موحد؛ كما قال الأخ ناصر: إنه لا بد أن نصل إلى رأي موحد وحاسم، فهذا في بعضها، وبعضها يقبل التنوع واختلاف وجهات النظر.

стр. 702

واجبنا تجاه من ينادي باستخراج البطاقة الشخصية للمرأة السؤال فضيلة الشيخ: ظهرت في الفترة الماضية في بعض الصحف المحلية -وبالتحديد في جريدة الجزيرة - ظهرت دعوات مشبوهة تدعو إلى استخراج بطاقة شخصية للمرأة السعودية، وبصفتكم أحد أعضاء مجلس الشورى، وكذلك أحد العلماء الأفاضل، ما هو موقفكم في ذلك، والله يرعاكم؟ الجواب إن هذه القضية فيما يبدو لي تحتاج إلى نظر وقد تعرض على هيئة كبار العلماء، أيضاً القضية يحسم فيها من هذا الباب، حيث أن فيها رأياً، لأن الصورة بذاتها-كما تعلمون- في مجالات أذن فيها، كما في الجواز وفي غيره، والقضية ليست كبيرة من حيث ما يتوصل إليه، لكن يبدو لي أن خروجها من جهة علمية معتمدة لها صفة الرسمية والشرعية هو أولى في قطع النزاع؛ لأنها هي التي تنظر المصلحة والمصالح، أما أن تخاض على مثل ما ذكر الأخ، وتصل إلى حالٍ فيه نوع من التشنج بين الأطراف، ونوع من التدخلات في النيات وفي المقاصد من جميع الأطراف، وكان ينبغي في هذه الأمور- لأنها قضية فعلاً تحتمل النظر، وتحتمل الطرح من حيث المفاسد الشرعية والمصالح الشرعية- أن تنظر فيها جهات شرعية، وتقرر ما تراه في هذا.

стр. 703

الحوار في الثوابت الشرعية السؤال إذا بادرني شخصٌ ما في الحديث والحوار في قضيةٍ مسلمٍ بها، بم أرد عليه وأجاوبه في مثل هذه الأمور؟ الجواب حينما نقول مسلمة، نعني أنها مسلمة بين المتحاورين، وقد مثلت بالحجاب، لأنه إذا كان مسلماً، فلن ينازع، ولا يجوز له أن ينازع، ولا يجوز أن يكون الحجاب محل نزاع إلا إذا كان غير مسلم، فذلك شيء آخر، فتحتاج عندها أن تخرج من هذه القضية إلى أن تثبت له أن الإسلام حق، وأن الرسول حق، وأن القرآن حق، وهذه قضية خطيرة، أما إذا سلم بأن الإسلام حق، وأن القرآن حق، فعندها تكون القضية ليست محل جدل إلا في الأشياء الفرعية -كما قلنا لكم- فبعض القضايا في تفريعاتها قد تكون صورة من صور الربا محل نزاع، هل هي ربا أو لا؟ هذا شيء آخر، ومثل كشف الوجه، فلا شك أن ذلك محل خلاف، فهذه تقبل النقاش، وتقبل الطرح.

стр. 704

الحوار مع أهل البدع السؤال ذكر عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة أنهم إذا تناقشوا مع أهل البدع كانوا يردون عليهم بشدة وعبارات قوية، فما رأيك في ذلك من حيث كون الحوار يتطلب الانفعال؟ كذلك ذكر عن بعض الأئمة أنهم يرفضون الحوار مع بعض أهل البدع، بل يأمرون بعدم الرد عليهم مطلقاً. الجواب هذا يختلف، ذكرنا أنه في بعض الأحيان قد تحتاج إلى نوع من الشدة، إذا كان عند المحاور عناد، لكن هذه استثنائية، فما نقل عنهم هو من هذا الباب، وكذلك أيضاً عندما ينقل عدم الحوار، لأن ذلك قد يكون فيه إظهار البدعة، ولهذا الإمام أحمد يقول: لا نرد عليهم، لأن في الرد إظهاراً، وإذا كان كذلك، فلا نقبل حوارات في أشياء والناس عنها في غفلة، فإن ذلك يؤدي إلى البلبلة، إنما نحاور في الأشياء التي يفيد فيها الحوار، هذا الذي يحمل عليه ما نقل عن السلف ﵏، وقد نقل عنهم أنهم ناقشوا وجادلوا وألفوا في الردود كما تعلم، وفي بعض الأحيان سكتوا، فيحمل ما روي عنهم على هذا كما هو واضح.

стр. 705

الجدل المذموم السؤال ذكر طوائف من السلف ذم نوعٍ من الجدل والكلام، أرجو من فضيلتكم بيان هذا النوع، وهل من هذا الجدل الخوض في بعض القضايا الأدبية مما لا ثمرة له عقلية، أو شرعية، أو عملية؟ الجواب لا، الجدل الذي ذموه الجدل المنطقي الذي لا يؤدي إلى الحق، وإنما ينتج عنه بلبلة، وسفسطة، فإن نصوص الكتاب واضحة في الحوار الذي يقصد به الوصول إلى الحق، والمنطق نفسه تكلموا في حله أو حرمته، أما ذات النقاش والحوار، فهذا ليس محل خلاف. الحوار إذا كان بين متخصصين، مثل: متحاورين يتحاورون في قضية جغرافية فليس هناك إشكال، أو بين متخصصين في اللغة العربية يتحاورون في اللغة العربية، لا يهمنا، فكل حوار في تخصصاتهم فيه فائدة، لكن لن تكون ثمرته كثمرة قضية الحلال أو الحرام، أو قضية للناس كلهم فيها تأثيم، وفيها وزر، فإذا كانت قضايا فكرية تتعلق بتخصصاتهم، فمن المعلوم أنه لا حجر فيها، إنما لا ينبغي أن تطرح على الناس بحيث تؤدي إلى بلبلة، أو تؤدي إلى الدخول في قضايا تمس معتقدات الناس. من النكت التي تقال: أن شيخاً كان يدرس النحو في المسجد، طبعاً يسأل بعض الطلاب، فقال لبعض الطلاب: أعرب، فأعرب، فكانت الجملة فيها الباء حرف الجر، فقال: مثلاً بمحمدٍ، الباء حرف جر، فالذي بجانبه سمع، فذهب إلى عمه فقال: إن الشيخ يقول: إن البحر انفجر، فأحياناً تطرح أشياء للعامة لا تفهمها، فينبغي أن تحدد أطر الحوار وحدود الندوات وغير ذلك.

стр. 706

استقيموا ولا تطغوا الاستقامة كلمة جامعة لشرائع الدين من قيام بين يدي الله والصدق معه والوفاء بعهده، والاستقامة أمرها عظيم، وقد أمر بها الأنبياء والرسل، وهي شاقة على النفس، فتحتاج إلى المراقبة والملاحظة والتسديد والمقاربة، ومدار تحقيق الاستقامة على حفظ القلب واللسان، فمن صلح قلبه صلح حاله، وهي أعلى مقامات الدين، وأحق من يحفظ حق الاستقامة ولاة أمور المسلمين؛ لأن المسئولية المنوطة بهم كبرى والأمانة عظمى، والواجب على الرعية حفظ حقوق ولاة الأمر والسعي في الطاعة والصلاح.

стр. 707

معنى الاستقامة الحمد لله سلك بأهل الاستقامة سبيل السلامة، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، بوأ المتقين في دار المقامة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أدخرها ليوم القيامة، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، فاز من جعله إمامه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أهل الفضل والكرامة، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الناس: أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله رحمكم الله. يقول الله في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف:١٣ - ١٤]. أيها المسلمون: الاستقامة كلمة جامعة تأخذ بمجامع الدين، الاستقامة قيام بين يدي الله بما أمر الله، والتزام بالصدق مع الله، ووفاء بالعهد مع الله، فالاستقامة: لله وبالله وعلى أمر الله ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [الأحقاف:١٣] فكما استقاموا إقراراً استقاموا إسراراً، وكما استقاموا قولاً استقاموا عملاً، لقد جمعوا بين أصلي الكمال في الإسلام: الإيمان والاستقامة. فالإيمان بالله: كمال في القلب بمعرفة الحق، والسير عليه معرفة بمقام الربوبية والألوهية، معرفة بالله رباً حكيماً إلهاً مدبراً معظماً في أمره ونهيه، قد عمر القلب بخوفه ومراقبته، وامتلأ منه خشية وإجلالاً، ومهابةً ومحبة، وتوكلاً ورجاءً، وإنابة ودعاء، أخلص له في القصد والإرادة، ونبذ الشرك كله وتبرأ من التعلق بغير ربه، والاستقامة اعتدال في داخل النفس من غير عوجٍ يمنة أو يسرة، وانتهاج للتقوى والعمل الصالح، والتزامٌ بالتواضع من الرأي والعلم والعمل، وقيام بأداء الفرائض واجتناب النواهي، وقول بالحق وحكم به، وبعد عن مواضع الشبه وموارد الفتن. ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [الأحقاف:١٣] إذا تمكن ذلك في العبد وتحقق، ظهر ذلك طمأنينة في النفس، ورقة في القلب وقرباً من الرب، إيمان واستقامة ينجلي بها الليل البهيم لذي البصر السقيم، وينسكب على القلوب الظامئة فترتوي، ويغشى النفوس العاصية فتستكين، ويهيمن على القلوب الشاردة فترجع وتئوب.

стр. 708

بيان أهمية الاستقامة وعظم شأنها بالاستقامة أُمر نبينا محمد ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود:١١٢] ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [الشورى:١٥] وبالاستقامة أُمر النبيان الكريمان، موسى وهارون ﵉: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٨٩]. أيها المسلمون: استقيموا كما أمرتم ولا تطغوا، استقيموا ولا تتبعوا الهوى، استقيموا ولا تتبعوا سبيل الذين لا يعلمون. أيها المسلمون: الاستقامة شاقة؛ فالنفس معها تحتاج إلى المراقبة والملاحظة، استقامة لا تتأثر بالأهواء، استقامة تحقق العدل والتوحيد، استقامة بعيدة عن المجاوزة والطغيان، يقول عمر ﵁: [[الاستقامة: أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعلب]]. وأوضح من ذلك وأبلغ إرشاد النبي ﵌ عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ إذ قال له: ﴿يا عبد الله بن عمرو! إن لكل عالم شِرة، ولكل شِرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي أفلح، ومن كانت فترته إلى بدعة خاب وخسر﴾. ويقول بعض السلف: ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان، إما إلى تفريط وإما إلى مجاوزة، ولا يبالي بأيهما ظفر، زيادة أو نقصاناً.

стр. 709

سددوا وقاربوا أيها الإخوة: الأمر خطير فبعض الناس قد لا يفوته علم أو عبادة، ولكن يفوته التوفيق والصواب، استقامة في اقتصاد، وعمل بعد علم، وإخلاص في القلب، ومتابعة للسنة، اقتصاد يعصم عن بدعة التفريط والإضاعة، ويحفظ من حد الغلو والإسراف والمجاوزة، ونظراً لعظم الأمر ودقته فقد وجهكم نبيكم محمد ﷺ بقوله: ﴿استقيموا ولن تحصوا﴾ وبقوله: ﴿سددوا وقاربوا﴾ وقبل ذلك: أمركم ربكم بقوله: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت:٦]. فالمطلوب الاستقامة وهي السداد والإصابة، فإن لم يقدر فليجتهد في المقاربة وليستغفر الله، فإن نزل عن ذلك فالخوف عليه من التفريط والإضاعة، استغفار مقارن لمسيرة الاستقامة وجبر للنقص البشري، وتسديد للقصور الإنساني، استغفار وتوبة تعيدان إلى جادة الاستقامة، وتردان إلى مسلك الحق والعدل: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود:١١٤ - ١١٥]. ﴿وأتبع السيئة الحسنة تمحها﴾ استقامة مقرونة باستغفار، مما يعني يقظةً دائمة، ومحاسبة صادقة، وضبطاً للانفعالات البشرية.

стр. 710

حفظ القلب واللسان مدار تحقيق الاستقامة إذا كان الأمر كذلك -أيها الإخوة المسلمون- فإن مدار تحقيق الاستقامة على وجهها يكون بحفظ القلب واللسان، فقد جاء عند أحمد من حديث أنس ﵁: عن النبي ﵌ أنه قال: ﴿لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه﴾. ولقد كان من دعاء نبيكم محمد ﷺ : ﴿أسألك قلباً سليماً، ولساناً صادقاً﴾ فمن صلح قلبه استقام حاله فلم ينظر ببصره إلى محرم، ولم ينطق لسانه بمأثم، ولم تبطش يده في مظلمة، ولم ينهض بقدمه إلى معصية، والأعضاء كلها تكفر اللسان، وتقول له في مطلع كل صباح: ﴿اتق الله فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا﴾ بهذا جاء الخبر عن رسول الله ﷺ مرفوعاً وموقوفاً.

стр. 711

ولاة أمور المسلمين أحق من يحفظ حق الاستقامة إذا كان الأمر كذلك فأحق من يحفظ حق الاستقامة: ولاة أمور المسلمين ورعاياهم: أما ولاة أمور المسلمين: ففرض عليهم الاستقامة على أمر الله، وتقوى الله فيما استرعاهم ربهم من مسئوليات، فمسئوليتهم عظمى، وأمانتهم كبرى، يجب عليهم أن يقيموا دين الله ويحكموا بما أنزل الله، ويطبقوا في الناس شرع الله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة:٧١] يقيمون العدل في الأمة ويرعون المصالح ويتفقدون الأحوال، ويرفقون بالرعية ويأمنون السبل، ويفكون المظالم، ويحفظون الدين، وينفذون الأحكام، ويقيمون الحدود، ويولون الأكفاء: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١].

стр. 712

حقوق ولاة الأمر على الرعية أما الرعية: ففرض عليهم حفظ حقوق ولاة أمور المسلمين، والتعاون معهم في أداء المسئوليات، وحمل الأمانات، وتكثير الخير وسبله، وتقليل الشر وموارده، حق لولاة الأمور السمع والطاعة، والدعاء بالتوفيق والتسديد، وبذل النصح والصدق فيه بالحكمة والرفق، والكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، مع حفظ حقهم في الإجلال والهيبة، والتعظيم والتوقير، والحذر من الوقيعة في أعراضهم، والجرأة عليهم بتنقصهم أو الدعاء عليهم فهذا من أسباب تولد الضغائن والأحقاد وفشو التنازع، والطاعة لازمة على المرء فيما أحب وكره، في اليسر والعسر، والمنشط والمكره، إلا أن يأمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة: ﴿إنما الطاعة في المعروف﴾. يقول عبادة بن الصامت ﵁: ﴿بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى ألا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم﴾ متفق عليه. ومن رأى من أميره شيئاً يكرهه من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية ولا ينزع يداً من طاعة، فإن من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية، والعاصي لا يكفر بالمعصية إن لم يستحلها، وليس من سبيل الاستقامة أن يحمل الحماس بعض الناس على الوقوع في مخالفات الشرع. فاتق الله يا عبد الله ولا تقل بلسانك إلا معروفاً، ولا تبسط يدك إلا إلى خير، كف عما لا يعنيك، ودع فضول الكلام والنظر، اجعل مراقبتك لمن لا تغيب عن نظره، واجعل شكرك لمن لا ترتفع عنك نعمته، واجعل طاعتك لمن لا غنى لك عنه، واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه. يقول سفيان الثوري ﵀: [[عليك بالرجاء لمن يملك الوفاء، وعليك بالحذر لمن يملك العقوبة، وعليك بمراقبة لمن لا تخفى عليك منه خافية]]. أيها الإخوة! أيها الأحبة! هذه هي الاستقامة في حقيقتها وطريقها. أما جزاء أهلها: فتتنزل عليهم ملائكة الرحمن ألا تخافوا ولا تحزنوا، أمن من المخاوف وسلامة من المكاره، لا يأسون على فائت، ولا يشفقون من مستقبل، مسددون موفقون، محفوظون بملائكة الله من أمر الله، بإذن الله: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت:٣١] لهم الأمن في الحال والمآل والنعيم المقيم: ﴿نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٢].

стр. 713

الاستقامة أعلى مقامات الدين أيها الإخوة! الاستقامة في الدين مقام من أعلى المقامات، بها يرتقى لأسمى الكمالات، وأفضل الطاعات مراقبة الله على دوام الأوقات. أهل الاستقامة لا يصبح الدين عندهم فريسة العابثين، ولا ميدان المتلاعبين، وليس لعبة للمنحرفين، وتقلبات المنافقين، أهل الاستقامة يتواصلون بالدين، لا يحمل بعضهم على بعض ضغينة، ولا تشوبهم ريبة، ولا تسرع إليهم غيبة، في الله يتحابون، وفي دين الله لا يغلون أو يزيدون، ومهما طال عليهم الطريق فلغير دين الله لا يدينون، غير ناكسين في عزيمة، ولا منحرفين عن وجهة، ولا زائغين عن عمل. أما من قل نصيبه واختلت استقامته، واعوجت مسيرته، فتجرفه أهواء عاتية، وتحرفه أغراض متباينة، لا يحمل رسالة، ولا يقيم دعوة، ينحرف عند أدنى محنة، ويضل عند أدنى شبهة، ويزل لأول بارق شهوة: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج:١١] دينه ما تهوى نفسه، وعقيدته ما يوافق هواه، هذا حال الفريقين، وهذا مسلك النجدين، فليجاهد العبد نفسه في تحقيق الإيمان والاستقامة، وليسأل ربه الثبات حتى الممات، والحفظ من فتن الشهوات والشبهات، وليعرض عن الجاهلين، وليصفح عن المسيئين. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي محمدٍ ﷺ . وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 714

وقفة مع حديث (قل آمنت بالله ثم استقم) الحمد لله أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه الجمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بعثه للعالمين رحمة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه خيار الأمة، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فقد جاء سفيان بن عبد الله الثقفي ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: ﴿يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك؟ فقال: قل آمنت بالله ثم استقم﴾ رواه مسلم. وزاد غير مسلم بسندٍ صحيح قال: ﴿قلت: يا رسول الله! ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: هذا﴾. أيها الإخوة: الإيمان دليل الحيران، وعدة المحارب، ورفيق الغريب، وأنيس المستوحش، ولجام القوة، وقوة الضعيف، الإيمان ضرورة للإنسان كي يطمئن ويبقى، وضرورة للإنسان كي يسعد ويرقى، إيمان القرآن والسنة، إيمان الصحابة وتابعيهم بإحسان، علمٌ ونية، وعقيدة وعمل، من أراد السعادة فلا سعادة من غير طمأنينة، ولا طمأنينة بغير إيمان، ومن أراد الحياة الطاهرة فلا طهارة بغير استقامة، ولا استقامة بغير إيمان، والنصر على الأعداء لا يكون إلا بالجهاد، ولا جهاد بغير إيمان، والخير والبركة والرخاء لا تكون بغير أخلاق، ولا أخلاق بغير إيمان، والتعاون بين المسلمين والوحدة بين المسلمين لا تكون بغير إخاء، ولا إخاء بغير إيمان، وأفضل الطاعات مراقبة الله على دوام الأوقات. فاتقوا الله رحمكم الله، واستقيموا إلى ربكم واستغفروه، ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم جل في علاه، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر والخلق الأكمل.

стр. 715

العدل أساس قيام الأمم احترام العدل تقليد تتوارثه الأمم، وتقيم له الضمانات، وتبني له السياجات، وقد تواطأت على حبه الشرائع الإلهية والعقول الحكيمة والفطر السوية، ولقد دلت الأدلة الشرعية وسنن الله في الأولين والآخرين أن العدل دعامة بقاء الأمم، ومستقر أساسات الدول، وباسط ظلال الأمن، وأن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ويخذل الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة. ولا أعدل ولا أصدق من عدل شريعة الله، فهي مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد، لا تعبأ بالأنانية والهوى، فهي لمصالح النوع البشري كله، وعدلها ينظم كل ميادين الحياة وشئونها، فهو في الدولة والقضاء والراعي والرعية والأولاد والأهلين، وهو عدل في حق الله وفي حقوق العباد، وهو في الأبدان والأموال والأقوال والأعمال.

стр. 716

العدل ومنزلته في الشرع والعقل والفطرة السليمة الحمد لله يمنُّ بالفضل ويقضي بالحق، ويحكم بالعدل، إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره وهو الغفور الرحيم؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبد الله ورسوله، المبعوث للأحمر والأسود، هدى بإذن ربه إلى أقوم طريق، وأعظم سبيل؛ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون؛ والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الناس! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فاتقوه رحمكم الله، وأحسنوا فهو سبحانه مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ. أيها المسلمون: احترام العدل تقليدٌ تتوارثه الأمم المحترمة وتقيم له الضمانات، وتبني له السياجات من أجل أن يرتقي ويستقر، وإن الحضارات الإنسانية لا تبلغ أوج عزها، ولا ترقى إلى عز مجدها إلا حين يعلو العدل تاجها ويتلألأ به مشرقها، تبسطه على القريب والغريب، والقوي والضعيف، والغني والفقير، والحاضر والباد. العدل تواطأت على حبه الشرائع الإلهية، والعقول الحكيمة، والفطر السوية، وتمسح بادعاء القيام به ملوك الأمم وقادتها وعظماؤها وسادتها. حسن العدل وحبه مستقر في الفطر، وكل نفس تنشرح لمظاهر العدل ما دامت بمعزلٍ عن هوى يشوبها في قضية خاصة تخصها. لقد دلت الأدلة الشرعية وسنن الله في الأولين والآخرين: أن العدل دعامة بقاء الأمم، ومستقر أساسات الدول، وباسط ظلال الأمن، ورافع ألوية العز والمجد، ولا يكون شيءٌ من ذلك بدون العدل. والقسط والعدل هو غاية الرسالات السماوية كلها: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد:٢٥]. إن أية أمة تعطلت من هذه الخصلة الجليلة لن تجد فيها إلا آفات جارحة، ورزايا قاتلة، وبلايا مهلكة، وفقراً معوزاً، وذلاً معجزاً، ثم لا تلبث بعد ذلك أن تبتلعها بلاليع العدم، وتلتهمها أمهات الظلم. بالعدل قامت السموات والأرض، وبالظلم يهتز عرش الرحمن، العدل مفتاح الحق، وجامع الكلمة، ومؤلف القلوب، إذا قام في البلاد عمر، وإذا ارتفع عن الديار دمر، إن الدول ستدوم مع الكفر ما دامت عادلة، ولا يقوم مع الظلم حق ولا يدوم به حكم. أيها الإخوة: العدل في حقيقته تمكين صاحب الحق ليأخذ حقه، في أجواء العدل يكون الناس في الحق سواء، لا تمايز بينهم ولا تفاضل، في العدل يشتد عذر الضعيف ويقوى رجاؤه، وبالعدل يهون أمر القوي وينقطع طمعه: ﴿لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩]. أيها الإخوة في الله: وإن أمة الإسلام هي أمة الحق والعدل والخير والوسط، نصبها ربها قوامة على الأمم في الدنيا، شاهدة عليهم في الأخرى، خير أمة أخرجت للناس، يهدون للحق وبه يعدلون، يتواصون بالحق وبالصبر، ويتماسكون في ميادين الخير والبر، ويتسابقون إلى موجبات الرحمة والأجر، أمة أمرها ربها بإقامة العدل في كتابه أمراً محكماً وحتماً لازماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [النساء:٥٨]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ [النساء:١٣٥].

стр. 717

الشريعة الإسلامية والعدل لا أعدل ولا أصدق ولا أقوى من عدل شريعة الله، فهي مبنية على المصالح الخالصة، أو المصالح الراجحة، بعيدةٌ عن أهواء الأمم وعوائد الضلال، لا تعبأ بالأنانية والهوى، ولا بتقاليد الفساد، إنها لمصالح النوع البشري كله، ليست لقبيلة أو بلدٍ أو جهة: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى:١٥]. إن الإسلام صدق كله، وعدل كله، خبره صدق، وحكمه عدل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام:١١٥]. عدل الإسلام -أيها الإخوة- يسع الأصدقاء والأعداء، والأقرباء والغرباء، والأقوياء والضعفاء، والمرءوسين والرؤساء. عدل الإسلام ينتظم كل ميادين الحياة ومرافقها ودروبها وشئونها في الدولة والقضاء، والراعي والرعية، والأولاد والأهلين. عدل في حق الله، وعدل في حقوق العباد، في الأبدان والأموال، والأقوال والأعمال. عدل في العطاء والمنع والأكل والشرب، يحق الحق ويمنع البغي في الأرض وفي البشر: ﴿كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته﴾ وفي الحديث الآخر: ﴿ما من أحدٍ يكون على شيء من أمور هذه الأمة فلم يعدل فيهم إلا كبه الله في النار﴾ أخرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد من حديث معقل بن يسار ﵁.

стр. 718

العدل المأمور به

стр. 719

من العدل توحيد الله وعبادته إن أولى ما يجب الوفاء به من العدل حق الله سبحانه في توحيده وعبادته، وإخلاص الدين له كما أمر وشرع خضوعاً وتذللاً، ورضاً بحكمه وقدره، وإيماناً بأسمائه وصفاته، وأظلم الظلم الشرك بالله، وأعظم الذنب أن تجعل لله نداً وهو خلقك.

стр. 720

العدل في حقوق العباد ثم العدل في حقوق العباد تؤدى كاملة موفورة؛ مالية أو بدنية، قولية أو عملية. يؤدي كل والٍ ما عليه مما تحت ولايته من ولاية الإمامة الكبرى، ثم نواب الإمام في القضاء والأعمال في كل ناحية أو منطقة. في الحديث الصحيح: ﴿إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا﴾ رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو ﵄. وإن ولاة المسلمين حقٌ عليهم أن يقيموا العدل في الناس، فلقد جاء في مأثور الحكم السياسات: لا دولة إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل. حكم كله عدل ورحمة، في خفض الجناح ولين الجانب، وقوة الحق عدل ومساواة، تكون فيه المسئوليات والولايات والأعمال والمهمات تكليفاً قبل أن تكون تشريفاً، وتبعات لا شهوات، ومغارم لا مغانم، وجهاداً لا إسناداً، وتضحية لا تحلية، وميداناً لا ديواناً، وأعمالاً لا أقوالاً، وإيثاراً لا استئثاراً، إنصافاً للمظلوم ونصرة للمهضوم، وقهراً للغشوم، ورداً للظلوم، ودفعاً للمظالم عن كواهل المقروحة أكبادهم، ورداً لاعتبار من أذلهم البغي اللئيم. لا تأخذ الأئمة في الحق لومة لائم، ولا تعويص واهن. وإن حداً يقام في الأرض خير من أن تمطر سبعين أو أربعين صباحاً. وفي مثل هذا صح الخبر عنه ﷺ أنه قال: ﴿أهل الجنة ثلاثة: سلطان مقسط موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، ومسلم عفيف متعفف ذو عيال﴾. والإمام العادل سابع سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

стр. 721

نزاهة القضاء من أهم أركان العدالة أما نزاهة القضاء ونقاء ضمائر القضاة، فحسبك به من عدل وقسط أن صاحب الحق في جو القضاء العادل يشعر بالثقة والأمان في أروقة المحاكم وفي دواوين القضاء، فهو مطمئن إلى عدالة القضية ونزاهة الحكم وشرف ضمائر الحكام، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته، ولأن يخطئ الحاكم في العفو خيرٌ من أن يخطئ في العقوبة. وهذا ما تعرفه دنيا الحضارات ودين أهل الإسلام. القاضي العادل يوافي الناس بلحنه ولفظه، في وجهه ومجهوده، لا يطمع شريف في حيفه، ولا ييئس ضعيف من عدله، لا يمضي مع هوى، ولا يتأثر بود، ولا ينفعل مع الروح، لا تتبدل التعاملات عنده مجاراة لصهرٍ أو نسب، ولا لقوة أو ضعف، يزن بالقسطاس، وبالعدل يقضي، يدني الضعيف حتى يشتد قلبه وينطلق لسانه، ويتعاهد الغريب حتى يأخذ حقه، وما ضاع حق غريب إلا من ترويعه وعدم نصرته. جاء في الخبر عنه ﷺ : ﴿إن الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار تخلى الله عنه ولبسه الشيطان﴾ وفي رواية الحاكم: ﴿فإذا جار تبرأ الله منه﴾.

стр. 722

العدل مع غير المسلمين أيها الإخوة: عدل في كل ميدان، وقسط يكفل الحق لكل الناس، ولو كان من غير المسلمين، ولو كان من الأعداء والمناوئين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]. هذا هو العدل العالمي الذي جاء به محمد ﵌ منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، عدلٌ يتم فيه ضبط النفس والتحكم في المشاعر. إنها القمة العلياء والمرتقى الصعب الذي لا يطلبه إلا من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﵌ نبياً ورسولاً، وبدينه دستوراً وحكماً. إنه عدل محمد ﷺ ، مكيال واحد وميزان واحد. ولقد انتظر بكم الزمان -أيها الإخوة- وطالت بكم الحياة حتى رأيتم أمماً آتاها الله بسطة في القوة والسيطرة، فما أقامت عدلاً، ولا حفظت حقاً، ويل لهم وما يخالفون! إذا اكتالوا لأنفسهم يستوفون، وإذا كالوا لغيرهم أو وزنوا فهم يخسرون، ولكن هدي محمدٍ ﷺ يأبى إلا الحق: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى:١٥]. إن الأمة لا تصل إلى هذا القدر من السمو ونصب ميزان العدل، إلا حين تكون قائمة بالقسط لله، خالصة مخلصة، قد تلبست بلباس التقوى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:٨]. والفئة الباغية إذا فاءت إلى أمر الله ودخلت في الطاعة، فإن حقها في العدل محفوظ: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩].

стр. 723

العدل في الأقوال والعدل -أيها الإخوة- كما يكون في الأعمال والأموال فهو مطلوب في الأقوال والألفاظ: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام:١٥٢]. ولعل العدل في الأقوال أدق وأشق، وصاحب اللسان العدل يعلم أن الله يحب الكلام بعلم وعدل، ويكره الكلام بجهل وظلم ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]. تأملوا هذا الإنصاف النبوي في القول، حينما أعلن النبي ﵌ حكمه على كلمة قالها شاعر حال كفره، حين قال ﵊: ﴿أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل﴾. ثم هاهو عثمان بن مظعون ﵁ صاحب النبي ﷺ يسمع البيت كاملاً، فيترتب النهج المحمدي نفسه بالتقويم والعدل، فيحق الحق ويقول القسط، فقال في شقه الأول: [[صدقت، ولما قال الشطر الثاني: وكل نعيم لا محالة زائل. قال: كذبت، نعيم الجنة ليس بزائل]]. أيها الإخوة: لم يكن كذب الشاعر في الشطر الثاني بمانع عثمان ﵁ من أن يقر له بالقسط والحق في شطره الأول. وهذا علي ﵁ يقاتل من خرج عليه، فلما سئل عنهم أمشركون هم؟ قال: [[هم من الشرك فروا، قيل: أمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، قيل: فما هم يا أمير المؤمنين؟! قال: هم إخواننا بغوا علينا؛ فقاتلناهم ببغيهم]]. ومن لهذا العدل من القول غير أبي الحسن ﵁ وعن ذريته الطيبين الطاهرين؟! وهل بعد هذا الإنصاف من إنصاف؟! والنووي ﵀ يقول: وينبغي ذكر الفضل لأهل الفضل ولا يمنع منه شنآن أو عدل، والعبد إذا وجد العدل وحب القسط، علم الحق، ورحم الخلق، واتبع الرسول، واجتنب مسالك الزيغ والبدع، هكذا يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.

стр. 724

ثمرات العدل أيها الإخوة: إذا ساد العدل حفظت الحقوق، ونصر المظلوم، وولت الهموم، وأدبرت الغموم، أما حينما يتجافى الناس عن العدل، ويقعون في الظلم، فإنه ينبت فيهم الحقد والقطيعة والفرقة وذهاب الريح. من تجافى عن العدل دخل دائرة الظلم، يأخذ ولا يعطي، ويغلب ولا ينبل، يأخذ الذي لا يستحق، ويمتنع عما يحق، تغلبه مسالك المنافقين: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤] ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور:٤٨ - ٤٩]. إن الحيف وسلب الحقوق وإهدار الكرامات مبعث الشقاء ومثار الفتن. إن قوماً يفشو فيهم الظلم والتظالم، وينحسر عنهم الحق والعدل إما أن ينقلبوا بفساد وإما أن يتسلط عليهم جبروت الأمم، يسومونهم خسفاً، ويستبدونهم عسفاً، فيذوقوا من مرارة العبودية والاستذلال ما هو أشد من مرارة الانقراض والزوال. وبعد -أيها الإخوة- فإن الظلم خراب العمران، وخراب العمران خراب الأمم والدول. اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك نعيماً لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، ونسألك الرضا بعد القضاء، ونسألك رغد العيش بعد الموت، ونسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين، وبالحق والعدل قائمين، استجب اللهم يا رب العالمين! وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 725

أهمية العدل بين الأولاد والزوجات الحمد لله؛ شمل الأنام بواسع رحمته، وصرف العالم ببالغ حكمته، لا يشغله شأن عن شأن وهو الحكيم الخبير، أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أصدق الناس في الأقوال وأرشدهم في الأفعال، وأعدلهم في الأحكام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه خير صحبٍ وآل، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المآل. أما بعد: فاتقوا الله أيها الناس، واستقيموا إليه واستغفروه، وأعدوا من الأعمال الصالحة ما يقربكم لديه. أيها الإخوة: وكما يكون العدل في الأبعدين فهو كذلك في الأهلين والأقربين، وأحق الناس بالعدل أبناؤك، فمن ابتغى بر أبنائه وبناته، وأن يحبوه في حياته، ويترحموا عليه بعد مماته، وتصفو قلوبهم فيما بينهم، فليتق الله وليقم العدل فيما بينهم، وليسوِّ بينهم في العطية والمعاملة والنظرة والابتسامة. وليتق الله أولئك الذي يحرمون بعض المستحقين من الذرية في عطية أو وصية، فذلك حرام وجور وظلم، والوصية به وصية ظلم وجور ومخالفة للعدل والحق، لا يجوز نفاذها ولا إنفاذها، وتلك أفعال شنيعة وظلم مهلك، تقوم به الخصومات، وتثور به الأحقاد، وتقع به المظالم، وتتقطع به الأرحام. عن النعمان بن بشير ﵁: ﴿أن أباه أتى به رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا أرضاً كانت لي، فقال رسول الله ﷺ : أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا، قال ﵊: اتقوا الله واعدلوا في أولادكم، قال: فرجع أبي فرد تلك العطية﴾ متفق عليه. وفي رواية: ﴿إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم، فلا تشهدني على جور؛ أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فإذاً سووا بين أولادكم في العطية كما تحبون أن يسووا بينكم بالبر﴾. والعدل في المعاملات الزوجية فرض وحق واجب في النفقة والكسوة والمعاملة والعشرة، كما يفعل الكرماء من ذوي العقل والدين والمروءة والكمال، تطعمها مما تطعم، وتكسوها مما تكتسي. وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: من كانت عنده امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط -وفي رواية: وشقه مائل-﴾.

стр. 726

في ظلال العدل والإحسان أيها الإخوة: حينما تتشرب النفوس العدل، فيكون سجية لها، فإنه يقودها إلى محاسن الأخلاق، ومكارم المروءات، عدل في السلوك كله، وسط بين الإفراط والتفريط، جود وسخاء من غير سرف ولا تقتير، وشجاعة وقوة من غير جبن ولا تهور، وحلم وأناة من غير غضب ماحقٍ أو مهانة مردية، وكل تعاملٍ فقد العدل فهو ضرر وإضرار، وفساد وإفساد: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود:٨٥]. وفي ديننا -أيها الإخوة- مرتبة فوق العدل، قد أمر الله بها مقترنة بالعدل، مرتبةٌ تأتي لتجمل وجه العدل الصارم، وتظهر وجهه الجازم الحازم، إنها مرتبة الإحسان، حين تدع الباب مفتوحاً لمن يريد أن يتسامح في بعض حقوقه، إيثاراً لود القلوب، وشفاءً لغل الصدور، ليداوي جرحاً ويكسب فضلاً، ويرتفع عند ربه درجاتٍ عُلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]. هذا وصلوا وسلموا على الرحمة المهداة والنعمة المسداة، نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم، فقال عز قائلاً عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واخذل الكفرة والطغاة والملحدين، وانصر عبادك المؤمنين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ وعبادك الصالحين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجمع به المسلمين على كلمة سواء يا رب العالمين! اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين! اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم وأيدهم وقو عزائمهم، واجمع كلمتهم، وسدد سهامهم وآراءهم، واجعل الدائرة على أعدائهم يا قوي يا عزيز! ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ، وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 727

الوقائع والمتغيرات وضوابط النظر فيها في اجتهاد الفقهاء المتغيرات لا تتحدد، والوقائع لا تتناهى، والاجتهاد لا بد منه؛ ليفسر النصوص وينظر في الوقائع. ومعلوم أن مصادر التشريع الأساسية هي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وهناك مصادر تبعية لهذه المصادر، ومنها الاستحسان والعرف والمصالح المرسلة، وهناك ضوابط للنظر في هذه المصادر.

стр. 728

بيان الترابط بين الدين والحياة الحمد الله الذي أكمل الدين، وأتم النعمة، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه. أما بعد: للحياة سمة هي التغير، وللدين سمة هي الشمول، وبين هاتين السمتين ترابط واتصال هذا بيانه: إن أحوال الناس وتصرفاتهم تختلف باختلاف النسب الزمانية والمكانية والعرفية وغير ذلك. فمن التغير تغير الاصطلاحات، فتنصرف العبارة عن معنىً إلى معنىً آخر، بحسب البلد أو الزمن المستعمل لذلك الاصطلاح. ومن التغير تغير الحال من الوضع المعتاد إلى وضع الحاجة أو الضرورة. ومن التغير تغير الأعراف، فيكون شيء ما قبيحاً في بلد، وهو في بلد آخر حسن غير قبيح. ومن التغير تغير الوسائل، فلقد كان الناس في الماضي ينتهجون في معاملاتهم المالية نهجاً غير معقد، بينما هم اليوم يتعاملون عبر مؤسسات مالية طرق التعامل فيها شديدة التعقيد، وغير هذه الصور كثير، فإن المتغيرات لا تتناهى ولا تنقضي إلا بانقضاء الحياة ذاتها، هذا هو شأن الحياة. أما الشريعة: فجاءت لتكون الشريعة الخاتمة الشاملة الصالحة لكل زمان ومكان، وشريعة بهذه المثابة لابد أن تستوعب الحياة كلها، ثابتها ومتغيرها، ولابد أن تنتظم كل فعل من أفعال المكلفين. وإن العالم المسلم اليوم يريد أن يصحو صحوة رشيدة، وينهض نهضة قوية. ولكننا نعلم علم اليقين أنه ما لم يواكب تلك النهضة فقه رشيد سديد يتصدى به أهل العلم لمتغيرات الزمان؛ فيجتهدون في استنباط الأحكام لها؛ فإنه ستكون فتنة مبناها على أحد منزعين: الأول: الجمود. والثاني: الانفلات. وقد رُئِيَتْ بوادرهما، فهناك أقوام ممن وهت صلتهم بالكتاب والسنة وكلام أهل العلم، أطلقوا دعاوى التجديد والتطوير وتغير الأحكام بتغير النسب، وجعلوا تلك الدعاوى تكأة يتكئون عليها، وهم يدعون إلى الانحلال أو الخروج عن أحكام الدين. وفي المقابل جمد فريق على الماضي وأساليبه وطرائقه، فلم يواكبوا ولم يستوعبوا مستجداته. وهذا كله يبين مدى الحاجة إلى تصدي أهل العلم للمتغيرات؛ حتى يستنبطوا الأحكام لها، لئلا يصبح الدين كلأً مباحاً يرتع فيه كل ضال. إن أحكام المتغيرات لا تُلْقى جزافاً بلا حجة ولا برهان، بل هناك أصول صحيحة وقواعد قويمة وضوابط متينة، يبني عليها الفقيه اجتهاده، ويجب ألا يتصدى لهذه المتغيرات وتأصيل منهجها إلا قوم ممن جمعوا بين التأصيل العلمي العميق والفهم الواقعي الدقيق، ونحسب أن فضيلة محاضرنا الشيخ الدكتور: صالح بن عبد الله بن حميد من أولئك، فقد هيأ الله له المنبت الحسن، فهو ابن سماحة الإمام العلامة الفقيه: محمد بن عبد الله بن حميد أسبغ الله عليه شآبيب رحمته، وزانه الله بالعلم، حيث أخذ عن والده علوم الشريعة واللغة، كما تلقى تعليماً نظامياً حتى حصل على درجة الدكتوراه عام (١٤٠٢هـ)، ونفع الله به؛ فتصدر لتعليم الناس وإفتائهم، فدرس في كلية الشريعة وفي المسجد الحرام ولا زال، وتدرج في عدة وظائف، وهو الآن نائب الرئيس العام لشئون المسجد الحرام والمسجد النبوي، وإمام المسجد الحرام وخطيبه. وله مؤلفات عدة منها رفع الحرج في الشريعة ضوابطه وتطبيقاته، وكتاب تلبيس مردود في قضايا حية وتوجيهات وذكرى وهو ديوان خطب، وهو عضو في عدد من المجالس والهيئات العلمية. ونسعد في هذه الليلة بسماع محاضرة لفضيلته، عنوانها المتغيرات وضوابطها في اجتهاد الفقهاء، وستكون محاضرة فضيلته في ضوء المحاور الآتية: الأول: مصادر التشريع. الثاني: ضوابط النظر في المتغيرات. الثالث: تطبيقات لبعض مجتهدي الفقهاء في النظر إلى المتغيرات. ولعل من الطالع أن تكون هذه المحاضرة هي فاتحة محاضرات النشاط الثقافي بمركز الملك فيصل هذا العام، فباسم المركز نرحب بفضيلة الشيخ الدكتور: صالح بن عبد الله بن حميد، ونشكر له استجابته لهذه الدعوة، كما نرحب بالأساتذة والإخوة الكرام والحضور، وقبل أن أترككم مع فضيلته أدعو الأساتذة الراغبين في التعليق أن يتكرموا بكتابة الاسم حتى تُنَظَّم التعليقات حفاظاً على الوقت، كما أدعو الإخوة الراغبين في طرح الأسئلة أن يكتبوا أسئلتهم، وأترككم مع فضيلته، داعياً الله أن ينفعنا بعلمه، وأن يجزيه عنا خير الجزاء.

стр. 729

تصحيح ضبط العنوان أحمد الله ﵎، وأصلي وأسلم على رسوله وخيرته من خلقه، سيدنا ونبينا محمد سيد الأولين والآخرين، والمبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الأساتذة الفضلاء! أيها الإخوة الأعزاء! بعد حمد الله وشكره، أشكر لمؤسسة الملك فيصل ﵀ الخيرية دعوتها لأشرف بالوقوف أمامكم في هذا الجمع الكريم وفي هذا اللقاء الطيب المبارك بإذنه تعالى؛ لأتحدث إليكم حديثاً حددت المؤسسة عنوانه، وأرسلت إلي باقتراحات حول أطره، ولقد حرصت أن ألتزم بهذه الأطر؛ لأنها كانت أطراً علمية ومدروسة، وهذا شأن المؤسسات العلمية التي تعرف ما يصدر عنها، وتحترم نفسها كما تحترم كل ما يتعلق بها. والموضوع لعل الزميل الشيخ الفاضل الأستاذ: عبد الرحمن أتى بلبه، وأتى بشيء كثير من تأصيله، ولا أبالغ إن قلت: وبعض التفصيل. غير أن ما أستفتح به هذا الحديث إليكم، هو أن لي نظراً في تغيير العنوان، لكني أرجو أن يكون داخلاً في المتغيرات ذات الضوابط إن صح هذا التعبير؛ لأن العنوان الذي اختاروه هو: " المتغيرات وضوابطها في اجتهاد الفقهاء " والواقع أن المتغيرات لا تنضبط، كما أشار الزميل في مقدمته وكما سوف تسمعون، وهذه سنة الله كما هو ملحوظ، وسننه في خلقه وفي هذه الدنيا -لما تقتضيه طبائع الناس حسب ما أودع الله فيهم- متغيرة. لكن الانضباط هو في النظر، ضوابط للنظر وليس ضوابط للمتغيرات، ولهذا أستحب أن يكون العنوان هكذا " الوقائع والمتغيرات وضوابط النظر فيها في اجتهادات الفقهاء " فإن هذا أدق لبيان المقصود، وإن كان العنوان مفهوماً وكما في الموجز الذي سمعتموه واضحاً، ولكن كعبارة أكثر علمية وأكثر التزاماً بالقيود، ينبغي أن يكون الاسم هكذا: " الوقائع والمتغيرات وضوابط النظر فيها "؛ لأن المتغيرات لا تنضبط، والوقائع لا تتناهى، إنما الضابط في النظر أي في الاجتهاد؛ ضوابط الاجتهاد ضوابط الاستنباط قواعد الاستنباط أصول الاستنباط، هذه هي التي ينطلق منها المجتهد وينطلق منها المستنبط الراسخ. وفي كلامه عني شيء من الغلو، وإن كانت رسالة الأستاذ عبد الرحمن في الماجستير عن الغلو كما علمت، لكنه غلا بعض الشيء فيما سمعتم من تقديم لهذا المتحدث أمامكم، فأسأل الله أن يسامحه وأن يغفر لي وله ولكم. والعنوان كما أسلفت " الوقائع والمتغيرات وضوابط النظر فيها في اجتهادات الفقهاء ".

стр. 730

شمولية الشريعة وعمومها نزلت شريعة الإسلام على الأرض وحياً من عند الله وتبارك على لسان نبيه محمد ﷺ ، قرآناً وسنة، تحمل في أصولها ما يعالج قضايا الاعتقاد، ويرسي قواعد العدل والمصلحة والرحمة في الأحكام، وخلود الشريعة وكمالها وتمام النعمة بها يصدق بنصوصها وأصولها الثوابت، ينضم إلى ذلك مجالات الاجتهاد النابعة من أصالة الفكر في تفهم تلك النصوص ومقرراتها وفي حسن تطبيقها على كل ما يجد في الحياة من وقائع، وما يلم بها من تطورات وتطويرات ومتغيرات بسبب إحداثات الفكر الإنساني، وتلون البيئات، والتحولات في المجتمعات، وما تقتضيه سنن الله في هذا.

стр. 731

معنى الاجتهاد والاجتهاد في تفسير النصوص أو النظر في الوقائع لتنال حكمها في الشرع طريقه إما بالنص المنصوص عليه، وإما فهم النص فيما لم ينص عليه، ولا يكون ذلك إلا لذي الرأي الحصيف المدرك لعلم الشرع الشريف. وفي هذا يقول الغزالي: وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع، وميدان هذا علم أصول الفقه؛ فإنه يأخذ في هذا سواء السبيل، فلا هو تصرف بمحض العقول بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول، ولا هو مبني على محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسليم اهـ. وذلكم هو ميدان الاجتهاد، من أجل تحصيل الحكم الشرعي في مسألة غير منصوصة، وبتعبير آخر فالاجتهاد هو بذل المجهود في طلب المقصود من جهة الاستدلال، هكذا عرفه الجرجاني في تعريفاته. والاجتهاد يشمل الدقة في فهم النص وفي طريقة تطبيق حكمه، أو في مسالك ذلك التطبيق على ضوء الملاءمة بين ظروف النازلة التي يتناولها النص، والمقصد الذي يستشرفه النص نفسه من تطبيقه، يوضح ذلك الإمام شمس الدين ابن القيم رحمة الله عليه في عبارة سلسة مبيناً نهج الصحابة رضوان الله عليهم فيقول: " فالصحابة رضوان الله عليهم مثلوا للوقائع بنظائرها، وشبهوها بأمثالها، وردوا بعضها إلى بعض في أحكامها، وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد، ونهجوا لهم طريقه وبينوا لهم سبيله اهـ. وليس المقصود بالاجتهاد التفكير العقلي المجرد، فهذا ليس منهجاً مشروعاً، بل هو -أعني التفكير العقلي المجرد- افتئات على حق الله في التشريع، حتى لو كان جاداً بعيداً عن الهوى، مادام أنه لم ينطلق من مفاهيم الشرع ومبادئه وأصوله وحقائق تنزيله ومثله العليا ومقاصده الأساسية. ومن أجل هذا فإن نطاق الاجتهاد الشرعي يتمثل بفهم النصوص الشرعية وتطبيقاتها ودلالتها وقواعد الشرع المرعية.

стр. 732

مصادر التشريع بعد هذه التقدمة الإجمالية أقول: إن من المعلوم أن مصادر التشريع الأساسية هي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ثم بعدها مصادر توصف بالمصادر التبعية، وأحياناً يعبر عنها بالمصادر المختلف فيها، أي أنها مبنية على المصادر السابقة -الكتاب والسنة والإجماع والقياس- ومنبثقة منها وفي إطارها، لا تعدوها ولا تخرج عنها. وهذه المصادر يوجد اختلاف في اعتبار بعضها لدى المجتهدين من أهل العلم. ومن أبرز هذه المصادر التبعية: المصلحة المرسلة العرف الاستحسان الاحتياط سد الذرائع قاعدة الضرر والضرورات عموم البلوى الاستصحاب والبراءة الأصلية. والمقام لا يتسع لبسط القول في هذه المصادر كلها، وإن كانت مناسبة الحديث تقتضي ذلك، ولكن محدودية الوقت ومزاحمة العناصر الأساسية لأصل الموضوع تلجئ إلى الاختصار، فأستسمح الحضور الكرام العذر في بعض الاقتضاب، الذي أرجو ألا يكون مخلاً. وفي مدخل هذا الموضوع أقول: إن هذه المصادر من العرف والاستحسان والمصلحة هي المحك الدقيق، والمرتقى الصعب في النظر فيما بسطه علماء الأصول والقواعد ﵏ حينما بحثوا في أعراف الناس وحاجاتهم وضروراتهم وأثر المتغيرات والأحداث على استمساكهم بدينهم وعلى انتظام أمور معاشهم، وكان ذلك معتركاً دقيقاً يجب التثبت فيه على ما سيتبين إن شاء الله. وعليه فإن الحديث سيكون متناولاً ثلاث قضايا رئيسية:- أولاها: استعراض لبعض هذه المصادر التي نعتبرها قواعد أساسية تنطلق منها أحكام التغيير المنبنية على هذا التغيير، على أنني سوف أنهي الحديث عن كل مصدر بما يضبطه بخصوصه. ثانيها: ضوابط عامة في النظر في المتغيرات. ثالثها: نماذج من الاجتهادات الفقهية في هذا المضمار.

стр. 733

تعريف عام لبعض مصادر التشريع

стр. 734

المصلحة المرسلة وضوابط الأخذ بها وسوف يقتصر الكلام على المصادر التالية: المصلحة المرسلة، الاستحسان، سد الذرائع والاحتياط، عموم البلوى، العرف. المصلحة المرسلة هي: المصلحة التي شهد الشرع لجنسها، بمعنى: أنها تدخل تحت أصل شهدت له النصوص في الجملة، وليست هي المصلحة الغريبة التي لم تشهد النصوص لنوعها حتى تكون قياساً، ولا لجنسها حتى تكون استدلالاً مرسلاً، فهذه الأخيرة ليست حجة عند أحد من الأئمة، والغزالي الشافعي والشاطبي المالكي يحكيان إجماع أهل العلم على رد المصالح الغريبة، ويدخلانها في باب الاستحسان الذي رده الشافعي وشدد النكير على القائلين به، وهو غير الاستحسان الذي روي عن مالك وأبي حنيفة ﵄، فهذا الأخير استدلال بنص أو إجماع أو عرف أو مصلحة في مقابلة عموم أو قياس، وهو الذي سوف تأتي الإشارة إليه. غير أن الأخذ بالمصلحة المرسلة لابد فيه من أمور:- الأول: أن تكون معقولة، بحيث تجري على الأوصاف المناسبة، التي إذا عرضت على أهل العقول تلقتها بالقبول. الضابط الثاني: أن يكون الأخذ بها راجعاً إلى حفظ أمر ضروري أو رفع حرج لازم في الدين، بحيث لو لم يؤخذ بالمصلحة المعقولة في موضعها؛ لكان الناس في حرج شديد. الثالث: الملاءمة بين المصلحة التي تعتبر أصلاً قائماً بذاته وبين مقاصد الشرع؛ فلا تنافي أصلاً من أصوله، ولا تعارض دليلاً من أدلته القطعية، بل تكون منسجمة مع المصالح التي يقصد الشارع إلى تحصيلها، بأن تكون من جنسها وليست غريبة عنها. ومن أجل هذا -أيها الإخوة- ونحن نتحدث عن الضوابط نقول: إن المصلحة أو الاستصلاح باب واسع ومدخل عريض، قد يدخل منه من لا يفقه في الشريعة ولا يدرك مراميها، ومن هنا منع منها من منع من المجتهدين خشية من هذا الباب، ومن المقرر والمعلوم أن الشريعة تراعي مصالح العباد، وباب الاجتهاد مفتوح فيما لا نص فيه، ولكن للاجتهاد شروطه، وللمصلحة ضوابطها وحدودها، فليس مرد المصلحة إلى تقدير الناس فيما يكون به الصلاح والفساد. فإذا حسب الناس أن التعامل بالربا -مثلاً- قد بات مصلحة نحتاج إليها، ولا يقوم أمر الناس إلا به، فهو بمقتضى هذا النظر مصلحة حقيقة، وعلى الشريعة بما التزمته من تحقيق مصالح الناس ورفع الحرج عنهم أن تتسع لرفع هذا الحكم؛ لأنه قد رأى ذلك علماء في الاقتصاد، وخبراء في التجارة، من أجل تنشيط الحركة التجارية والنهوض بها. وقد يتفق علماء التربية وعلماء النفس -مثلاً- على أن الجمع بين الجنسين في مرافق المجتمع يهذب الأخلاق، ويخفف من شدة الميل الجنسي، ويمكن من استخدام كافة القوى البشرية المتاحة من أجل التنمية، فلا يبقى نصف المجتمع معطلاً، فهي مصلحة ينبغي تحقيقها، والشريعة تراعي تحقيق المصالح. وقد يقول الأطباء: إن لحم الخنزير ليس بمستخبث، وإن أكله لا يعقب أي آثار سيئة في الخلق أو الجسم. إننا نقول لهؤلاء وأولئك وكل من يسير في ركابهم من المستغربين والمستشرقين والذين في قلوبهم مرض: إن تقدير ما به يكون الصلاح والفساد عائد إلى الشريعة نفسها، وقد وضع ذلك في مقاصد الشريعة الخمسة: حفظ الدين، ثم حفظ النفس، ثم حفظ العقل، ثم حفظ النسل، ثم حفظ المال. ويبدو لي أن " ثم " هنا استعمالها ليس دقيقاً؛ فأقول: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال، وإن كانت قمتها -لا شك- حفظ الدين، بل إن بعض الأصوليين يؤكد هذا: حفظ الدين، ثم حفظ النفس، ثم حفظ العقل إلخ. وبناءً عليه فإن كل ما توهمه الناس مصلحة مما يخالف تلك الأسس العامة في جوهرها، أو الترتيب فيما بينها -أيضاً- ترتيباً مرعياً، أو يخالف دليلاً من الأدلة الشرعية، من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس صحيح، ليس من المصلحة في شيء، وإن توهمه من توهم. أما نتائج خبرات الناس وتجاربهم، فيجب عرضها على نصوص الشريعة وأحكامها الثابتة، فما وافقها أخذ به، والحكم بذلك للنصوص الشرعية ومقاصد الشريعة، وما خالف ذلك وجب طرحه وإهماله واعتباره مصلحة ملغاة. ويجب أن يفهم أن الشارع لم يلغ مصلحة دلت عليها تجارب الناس وعلومهم، بل الواقع أن تقدير هؤلاء المجربين والخبراء للمصلحة كان خطأً، صاحبه خلل وفساد نابع من هوى في نفس المجربين، أو خطأ في وسائل التجربة، أو نقص في الاستقراء، فنحن نتهم تقدير هؤلاء، ولا نتهم نصوص الشريعة. نخلص من ذلك إلى أن الخبرات العادية والموازين العقلية والتجريبية المحضة لا يجوز أن تستقل وحدها بفهم مصالح العباد وتنسيقها. وهذا فيما يتعلق بالمصلحة.

стр. 735

الاستحسان تعريفه وأقسامه أما الاستحسان فقد عرفه ابن رشد المالكي فقال: إنه طرح لقياس يؤدي إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه، فيعدل عنه في بعض المواضع لمعنىً يؤثر في الحكم يختص به ذلك الموضع. وعرفه أبو الحسن الكرخي الحنفي حيث قال: الاستحسان هو العدول عن الحكم في مسألة بما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول. فالاستحسان نوع من الترجيح بين الأدلة، وحقيقته كما يلاحظ وكما يصرح به كثير من الأصوليين أنه أخذ بأقوى الدليلين. ويقسم الأصوليون الاستحسان إلى أنواع ثلاثة: أولها: الاستحسان بالنص، وذلك يجري في كل أنواع العقود التي قالوا: إنها على خلاف القياس كالسلم والإجارة والقرض ونحوها، وهي استحسان بالنص لأنها قد ثبتت بنصوص شرعية على غير وفق القاعدة العامة من عدم صحة بيع المعدوم وعقود الربا ونحو ذلك. وأغلب إطلاقات الاستحسان في كتب الفروع تنصرف إلى هذا النوع، وعلى الخصوص في كتب الفروع عند الحنفية فيقولون: هذا جائز استحساناً، ويعنون هذا النوع من الاستحسان بالنص. الثاني: الاستحسان بالإجماع. أي أن سند هذا الاستحسان هو الإجماع كما في مسألة الاستصناع. الثالث: استحسان الضرورة، كما في مسألة تطهير الحياض والآبار؛ لأن الأصل أن الماء إذا خالطته نجاسة ولو كان كثيراً فإنه ينجس مادام أنه ليس جارياً، ولكن عفي عن ذلك استحساناً للضرورة، ووجه ذلك أن القياس يأبى طهارتها لأن الدلو ينجس بملاقاة الماء، فلا يزال يعود وهو نجس، ولأن نزع بعض الماء لا يؤثر في طهارة الباقي، وكذا خروج بعضه عن الحوض، وكذا الماء ينجس بملاقاة الآنية النجسة، والنجس لا يفيد طهارة؛ فاستحسنوا ترك العمل بموجب القياس للضرورة، فإن الحرج مرفوع بالنص، وفي موضع الضرورة يتحقق معنى الحرج لو أخذ بالقياس. الرابع: الاستحسان بمعنى القياس الخفي، وقد سمي قياساً خفياً في مقابلة القياس الجلي، وهو القياس المصطلح عليه، والاستحسان بهذا المعنى يقصدون به ما قوي أثره. ومن أمثلته: طهارة سؤر سباع الطير، فالقياس الجلي أن سؤره نجس لأنه من السباع، ودليل النجاسة حرمة أكل لحمه كسائر السباع، وفي الاستحسان هو طاهر، لأن السبع ليس بنجس العين بدليل جواز الانتفاع به شرعاً كالصيد، وكذا الانتفاع بجلده وعظمه، ولو كان نجس العين لما جاز كالخنزير. وإن كان بعض التمثيل فيه نظر، فإن الكلب على ما قرره أهل العلم نجس العين وإن كان حلاً صيده. وسؤر سباع البهائم إنما كان نجساً باعتبار حرمة الأكل؛ لأنها تشرب بلسانها وهو رطب من لعابها، ولعابها متولد من لحمها، وهذا لا يوجد في سباع الطير؛ لأنها تأخذ الماء بمنقارها، ومنقارها عظم، وعظم الميتة طاهر، فعظم الحي أولى؛ فصار هذا الاستحسان وإن كان باطناً أقوى من القياس وإن كان ظاهراً. وهذا النوع من الاستحسان هو الذي يغلب إطلاقه عند الأصوليين.

стр. 736

سد الذرائع والاحتياط سد الذرائع يعني أن ما كان ذريعة أو وسيلة إلى شيء يأخذ حكمه، فما كان وسيلة إلى الحرام يحرم، وإن كان في أصله حلالاً. ومعنى هذا أن الأمر الجائز في الأصل يمنع منه في الحالات التي يؤدي فيها إلى ما لا يجوز، فعقد البيع حلال مشروع في أصله لقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥] ولكن قاعدة سد الذرائع تقضي ببطلان هذا البيع إذا قصد به المحرم، أو كان الباعث والدافع إليه غير مشروع، كما في بيع السلاح لمن يقتل مسلماً، أو لأهل الحرب، وبيع العنب لمن يتخذه خمراً أو ما شابه ذلك. أما الاحتياط فهو احتراز المكلف عن الوقوع فيما يشك فيه من حرام أو مكروه. - مجال الأخذ بالاحتياط: والمكلف يأخذ بالاحتياط في مجالين: في مجال تحقق الشبهة، وفي مجال حصول الشك في الحكم الشرعي. أما مجال تحقق الشبهة فذلك في الشبهة التي تعرض للمكلف في الأحكام الشرعية. - أقسام الشبهة: وذلك قسمان: القسم الأول: شبهة حكمية، أي تقع في الحكم الشرعي بمعنى أن حكم الشارع غير ظاهر من الدليل على وجه العلم أو الظن، وهذه غالباً مختصة بالمجتهدين -مختصة بالعلماء- حينما ينظرون في حديث -مثلاً- ولا يتبين لهم حكم، فتقع شبهة عند المجتهد. فمعلوم أنه يجتنب مثل هذه التي لم يتوصل فيها إلى يقين أو ظن غالب يفيد الاطمئنان، فهذه لا تكون إلا في مجال المجتهدين والعلماء -أعني الشبهة في الحكم- وهي التي تقع في الحكم الشرعي، بمعنى أن حكم الشارع غير ظاهر من الدليل على وجه العلم أو الظن، وهذا متوجه إلى حكم الشرع نفسه. ومن هنا تأتي توقفات بعض العلماء والمجتهدين في بعض المسائل من حل أو حرمة أو غير ذلك من أقسام الحكم الشرعي؛ لذا سميت بالشبهة الحكمية. القسم الثاني: الشبهة المحلية، وهي التي ترد على المحكوم فيه، الذي هو محل الحكم من حيث دخوله تحت حكم الشارع من حل أو حرمة أو غير ذلك. إذاً: هذه أيضاً مجال ثان من تحقق الشبهة في المحل. المجال الثاني: الشك في الحكم الشرعي الطارئ بسبب الشك في الواقع، فيطرأ الشك في الحرمة والوجوب أو الإباحة؛ فيحتاط المكلف من نفسه، وذلك بالخروج من دائرة الخلاف؛ فإذا طرأ الشك في الحرمة -أي بين الحل والحرمة- أو بين الوجوب والاستحباب ونحو ذلك، فإن المكلف يحتاط لنفسه، فإنه -مثلاً- لا يخرج من عهدة الواجب إلا بيقين أو ظن غالب إذا كانت المسألة مترددة بين الوجوب والاستحباب. على أن الاحتياط في جملته مطلوب فيما علم أمره وتحقق فيه يقيناً اختلاط الحلال بالحرام أو ظن ذلك ظناً غالباً -إما يقين أو ظن غالب- وذلك بقرائن وعلامات توصل إلى ذلك، كما لو كان في بلاد المسلمين أو مع فساق لا يتورعون عن اقتراف المنهيات، أما إذا كان في ديار المسلمين ولم يظهر ما يدعو إلى الاشتباه، فلا ينبغي التدقيق والإلحاح في الأسئلة مع أعيان المسلمين، بل قد يصل الأمر إلى تحريم السؤال إذا كان فيه إيذاء لمسلم ظاهره الاستقامة. - موضع عموم البلوى: يظهر عموم البلوى في موضعين: الموضع الأول: ما تمس إليه الحاجة في عموم الأحوال، بحيث يعسر الاستغناء عنه إلا بمشقة زائدة. الموضع الثاني: شيوع الوقوع والتلبس بحيث يعسر على المكلف الاحتراز عنه أو الانفكاك منه إلا بمشقة زائدة. إذاً: هو جانبان؛ إما أن يكون مس حاجة وضرورة يحتاجها المكلف، أو جانب بلاء واقع لا يستطيع الإنسان أن ينفك أو يحترز عنه، كأنهما وجهان -كما يقال- لعملة واحدة، ففي الموضع الأول ابتلاء بمسيس الحاجة، وفي الموضع الثاني ابتلاء بمشقة الدفع، ويضبط ذلك ميدانان أساسيان: الأول: نزار الشيء وقلته، فمشقة الاحتراز من الشيء، وعموم الابتلاء به قد يكون نابعاً من قلته ونزارته، ومن هنا كان العفو عن يسير النجاسات وعن أثر الاستجمار في محله، والعفو عما لا يدركه الطرف وما لا نفس له سائلة، وونيم الذباب -فضلات الذباب- وما ارتش من الشوارع مما لا يمكن الاحتراز عنه وما ينقله الذباب من العذرة وأنواع النجاسات، فهذا يعفى عنه لعموم البلوى لأنه يشق الاحتراز عنه. الثاني: كثرة الشيء وشيوعه، كما أن عموم الابتلاء ومشقة التحرز قد تكون نابعة من تفاهة الشيء ونزارته، كذلك قد يكون الأمر لكثرته وشيوعه، فيشق الاحتراز عنه ويعم البلاء به. وقد نبه الغزالي إلى أن الغلبة التي تصلح عذراً في الأحكام ليس المراد بها الغلبة المطلقة، وإنما يكفي أن يكون الاحتراز أو الاستغناء عنها فيه مشقة وصعوبة، نظراً لاشتباهه بغيره من الحلال والمباح، واختلاطه به وامتزاجه معه بحيث يصعب الانفكاك عنه كما هو ظاهر في بعض صور النجاسات والمستقذارت واختلاط الأموال. معذرةً أحياناً إذا كانت بعض العبارات فيها شيء من الجفاف كما تقتضيه أحياناً بعض العبارات العلمية على أني حرصت حقيقة أن أبسط قدر الإمكان، لكن على كل حال إن كنت أحسنت ففضل من الله، وإن كان غير ذلك فأرجو العفو والمعذرة.

стр. 737

العرف وهو أيضاً مصدر من المصادر، ويراد به: ما استقر في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول، فهو شامل لما عرفته النفوس وألفته، سواء كان قولاً أو فعلاً، ولا ينكره أصحاب الذوق السليم. ويحصل الاستقرار في النفوس والقبول للطباع بالاستعمال المتكرر الصادر عن الميل والرغبة. ويخرج من ذلك العرف الفاسد، وهو ما استقر لا من جهة العقول، كتعاطي المسكرات وأنواع الفجور التي تستقر من جهة الأهواء والشهوات. كما يخرج ما لم تتلقه الطباع السليمة بالقبول، كالكشف عن العورات وعدم الاحتشام، والألفاظ المستقبحة، فهذه كلها غير داخلة في العرف المصطلح أو المعتبر.

стр. 738

إشارات في العرف ويحسن أن نقف هنا وقفة، ونحن بصدد الحديث عن العرف؛ لأن العرف هو أكثر ما يتشبث به كثير من الذين عندهم شيء من إلمام بالعلوم الإسلامية، أو ما جرى عليه الاصطلاح بالثقافة الإسلامية، وبعض الكتاب ممن يسمون -إن صح التعبير- بالكتاب الإسلاميين يرون كلاماً أو يرون لائحة، أو تبدر بادرة من كلام لبعض إمام من الأئمة؛ فتجده يظن أنه حفظ شيئاً لكنه غاب عنه أشياء. ولهذا الخوض في العرف والكلام فيه يتلذذ به بعض الناس، لكنه يفقد معايير كثيرة، ومن هنا قد أقف هنا وقفة في هذا الموضوع حتى نشير إلى شيء من ضوابطه. فأقول: يحسن أن نقف هنا وقفة ونحن بصدد الحديث عن العرف، ووقفتنا ستكون من جانبين:- من جانب تأكيد العلماء على اعتبار العرف. ومن جانب تكييف علمي للعرف، وكيف يكون دليلاً شرعياً حيث تناول علماء راسخون قضية تغير العادات والأعراف، وبخاصة أن ذلك مزلق خطير، وقد يكون مركباً أثيراً لبعض المتعالمين أو المغرضين، ووقفتنا هذه ذات شقين:- أحدهما: تأكيد العلماء في قضية اعتبار الأعراف والعوائد. ثانيهما: التفسير العلمي الفقهي للمقصود باعتبار الأعراف والعوائد.

стр. 739

تأكيد العلماء على اعتبار العرف يقول الإمام القرافي في الاستمساك بالعرف والنظر فيه، وضرورة أن يفقهه المجتهد، والناظر في الأحكام، والذاهب إلى الاستنباط، يقول: إن الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت، وتبطل معها إذا بطلت، وعلى هذا القانون -والكلام للقرافي - تراعى الفتاوى على طول الأيام؛ فما تجدد في العرف اعتبره، وما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده، وأجره عليه وأفته به دون عرف بلدك والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين. ويقرر السيوطي في أشباهه أن العادة والعرف مرجوع إليهما في الفقه في مسائل كثيرة، والحافظ ابن القيم يقول: ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا المفتي الجاهل -بل عبارة ابن القيم أشد من هذا- يضر أديان الناس وأبدانهم، فالله المستعان! انتهى كلام الحافظ ﵀. وابن عابدين الحنفي ﵀ يزيد الموضوع جلاءً يقول: كثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو لفساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولاً للزم عنه المشقة والضرر بالناس، ولخالف ذلك قوانين الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد. ثم قال: ولهذا نرى مشايخ المذهبية -يعني الحنفية- خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة، بناها على ما كان في زمنه لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا أخذاً من قواعد المتن. إذاً: هذا بعض كلام أهل العلم بتأييد الأخذ بالعرف والعادات وانبناء بعض الأحكام عليها.

стр. 740

التفسير العلمي والفقهي لاعتبار العرف أما التفسير العلمي أو الفقهي لاعتبار العرف، فلا ينبغي أن يفهم من اختلاف الأحكام باختلاف العادات أنه اختلاف في أصل خطاب الشرع، بل معنى هذا الاختلاف أن العادات إذا اختلفت اقتضت كل عادة حكماً يلائمها، وسوف نرى هذا بعد تفصيل بعض المسائل التطبيقية، اقتضت فيها كل عادة حكماً يلائمها، فالواقعة إذا صحبتها عادة اقتضت حكماً غير الحكم الذي تقتضيه عندما تقترن بغيرها من العادات. فإذا جرت عادة قوم باستقباح كشف الرأس كان التعزير بكشف الرأس مجزئاً. مثلاً: الحكم الشرعي هو التعزير، فتغير الحكم حينما يكون التعزيز بكشف الرأس، وفي بلد لا يكون كشف الرأس قبيحاً فلا يكون ذلك تعزيراً. فلم يتغير الحكم، وليس تغيراً للحكم ولا تغيراً للدليل ولا للنص، إنما العادة نفسها قد تغيرت نظرة الناس إليها، فكان التغير في الحكم. فإذا جرت عادة قوم باستقباح كشف الرأس كان التعزير بكشف الرأس مجزئاً، وإذا لم يكن كشف الرأس في عادة قوم مستقبحاً امتنع أن يكون طريقاً كافياً للتعزير. ولابد للقاضي من اتخاذ طريق آخر كما سيأتي معنا أيضاً في تمثيل العدالة؛ والعدالة معلوم أنها مقصودة ومطلوبة شرعاً، لكن بم تكون؟ أحياناً قد تختلف عادات الناس في أشياء لأنهم ضبطوا العادة بالمروءة، والمروءات أمور مرتبطة بالعادات، فحتى كشف الرأس أحياناً إذا كان مستنكراً في بلد، يكون خلافاً للمروءة، الأكل في الأسواق -وسوف يأتي التمثيل بهذا- كان في زمن من الأزمان وفي بلد من البلدان أمراً مستنكراً، ومن أكل في الأسواق قد يكون في بعض البلدان يخالف المروءة، أما الآن في كثير من البلدان لا يكون مخالفاً للمروءة، ومن هنا لا يقدح في العدالة. إذاً: العدالة محفوظة والتزام العدالة فيما التزمت به شرعاً من الشهادات وغيرها منضبط ومعتبر، لكن عادات الناس حينما اختلفت وقع مثل هذه. ولابد للقاضي من اتخاذ طريق آخر في التعزير، يكون له وقع الألم في نفس المستحق للتعزير، فخطاب الشرع الذي تعلق بالواقعة المقتضية للتعزير حال صحبتها للعادة، استقباح كشف الرأس غير الخطاب الذي يتعلق بواقعة مثلها يصاحب عادة عدم استقباح ذلك. يوضح ذلك أن هناك أوصافاً ربط الشارع الحكم بها، وبنى عليها أمر الناس، فالعدالة -مثلاً- شرط في قبول الشهادة بنص كتاب الله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] وحينما تراجع كلام أهل العلم وتأليفاتهم للعدالة وأوصاف أصحابها، تلاحظ أنهم يربطونها بمألوف الناس، ودلائل التعقل والمروءة، وهذا حق لا مرية فيه، ولكنْ معلوم أن هذا متغير، فما يكون مألوفاً في بلد قد لا يكون في البلد الآخر وكذلك عند اختلاف الزمن. وليزداد الأمر عندك وضوحاً: السير مكشوف الرأس أو الأكل في الأسواق، كان في يوم من الأيام أو بلد من البلدان مظهراً من مظاهر قلة المروءة، واستمع في ذلك إلى القرافي في فروقه حين يقول: ما الصحيح في هذه الأحكام الواقعة في مذهب الشافعي ومالك وغيرهما المرتبة على العوائد والعرف الذين كانا حاصلين حالة جزم العلماء بهذه الأحكام؟ فهل إذا تغيرت تلك العوائد وصارت العوائد تدل على ضد ما كانت تدل عليه أولاً، فهل تبطل هذه الفتاوى المسطورة في كتب الفقهاء ويفتى بما تقتضيه العوائد المتجددة، أو يقال نحن مقلدون وما لنا إحداث شرع لعدم أهليتنا للاجتهاد، فنفتي بما في الكتب المنقولة عن المجتهدين؟ ويجيب على تساؤله هذا ﵀ ويقول: إن استمرار الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير ما تقتضيه العادة المتجددة، وليس هذا تجديداً للاجتهاد من المقلدين، حتى يشترط فيهم آلية الاجتهاد، بل هذه قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها ونحن نتبعهم فيها من غير استئناف. من كل ما تقدم يتبين بلا ريب أن للظروف الملابسة للأشخاص أو للوقائع والأحداث أثراً في إدراك العلل وتوجيه الاستدلال بمدركه ودليله وتبين مسالك تطبيقه ضماناً لمشروعية نتائجه، إذ العبرة بالنتائج العملية الواقعة أو المتوقعة، وبيان ذلك أن الظروف المتجددة الواقعة أو المتوقعة والتي تلابس الأشخاص أو الوقائع، ينشأ عنها دلائل تكليفية جديدة تقتضي أحكاماً جديدة تناسبها، وبما أن الظروف تتغاير وتتمايز باضطراب؛ فاقتضى هذا وجوب اعتبارها شرعاً.
следующие страницы →