← Джавами‘

Джавами‘ · id 7735

دروس للشيخ صالح بن حميد

صالح بن حميد

Полный текст (918 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

سد الذرائع والاحتياط سد الذرائع يعني أن ما كان ذريعة أو وسيلة إلى شيء يأخذ حكمه، فما كان وسيلة إلى الحرام يحرم، وإن كان في أصله حلالاً. ومعنى هذا أن الأمر الجائز في الأصل يمنع منه في الحالات التي يؤدي فيها إلى ما لا يجوز، فعقد البيع حلال مشروع في أصله لقول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥] ولكن قاعدة سد الذرائع تقضي ببطلان هذا البيع إذا قصد به المحرم، أو كان الباعث والدافع إليه غير مشروع، كما في بيع السلاح لمن يقتل مسلماً، أو لأهل الحرب، وبيع العنب لمن يتخذه خمراً أو ما شابه ذلك. أما الاحتياط فهو احتراز المكلف عن الوقوع فيما يشك فيه من حرام أو مكروه. - مجال الأخذ بالاحتياط: والمكلف يأخذ بالاحتياط في مجالين: في مجال تحقق الشبهة، وفي مجال حصول الشك في الحكم الشرعي. أما مجال تحقق الشبهة فذلك في الشبهة التي تعرض للمكلف في الأحكام الشرعية. - أقسام الشبهة: وذلك قسمان: القسم الأول: شبهة حكمية، أي تقع في الحكم الشرعي بمعنى أن حكم الشارع غير ظاهر من الدليل على وجه العلم أو الظن، وهذه غالباً مختصة بالمجتهدين -مختصة بالعلماء- حينما ينظرون في حديث -مثلاً- ولا يتبين لهم حكم، فتقع شبهة عند المجتهد. فمعلوم أنه يجتنب مثل هذه التي لم يتوصل فيها إلى يقين أو ظن غالب يفيد الاطمئنان، فهذه لا تكون إلا في مجال المجتهدين والعلماء -أعني الشبهة في الحكم- وهي التي تقع في الحكم الشرعي، بمعنى أن حكم الشارع غير ظاهر من الدليل على وجه العلم أو الظن، وهذا متوجه إلى حكم الشرع نفسه. ومن هنا تأتي توقفات بعض العلماء والمجتهدين في بعض المسائل من حل أو حرمة أو غير ذلك من أقسام الحكم الشرعي؛ لذا سميت بالشبهة الحكمية. القسم الثاني: الشبهة المحلية، وهي التي ترد على المحكوم فيه، الذي هو محل الحكم من حيث دخوله تحت حكم الشارع من حل أو حرمة أو غير ذلك. إذاً: هذه أيضاً مجال ثان من تحقق الشبهة في المحل. المجال الثاني: الشك في الحكم الشرعي الطارئ بسبب الشك في الواقع، فيطرأ الشك في الحرمة والوجوب أو الإباحة؛ فيحتاط المكلف من نفسه، وذلك بالخروج من دائرة الخلاف؛ فإذا طرأ الشك في الحرمة -أي بين الحل والحرمة- أو بين الوجوب والاستحباب ونحو ذلك، فإن المكلف يحتاط لنفسه، فإنه -مثلاً- لا يخرج من عهدة الواجب إلا بيقين أو ظن غالب إذا كانت المسألة مترددة بين الوجوب والاستحباب. على أن الاحتياط في جملته مطلوب فيما علم أمره وتحقق فيه يقيناً اختلاط الحلال بالحرام أو ظن ذلك ظناً غالباً -إما يقين أو ظن غالب- وذلك بقرائن وعلامات توصل إلى ذلك، كما لو كان في بلاد المسلمين أو مع فساق لا يتورعون عن اقتراف المنهيات، أما إذا كان في ديار المسلمين ولم يظهر ما يدعو إلى الاشتباه، فلا ينبغي التدقيق والإلحاح في الأسئلة مع أعيان المسلمين، بل قد يصل الأمر إلى تحريم السؤال إذا كان فيه إيذاء لمسلم ظاهره الاستقامة. - موضع عموم البلوى: يظهر عموم البلوى في موضعين: الموضع الأول: ما تمس إليه الحاجة في عموم الأحوال، بحيث يعسر الاستغناء عنه إلا بمشقة زائدة. الموضع الثاني: شيوع الوقوع والتلبس بحيث يعسر على المكلف الاحتراز عنه أو الانفكاك منه إلا بمشقة زائدة. إذاً: هو جانبان؛ إما أن يكون مس حاجة وضرورة يحتاجها المكلف، أو جانب بلاء واقع لا يستطيع الإنسان أن ينفك أو يحترز عنه، كأنهما وجهان -كما يقال- لعملة واحدة، ففي الموضع الأول ابتلاء بمسيس الحاجة، وفي الموضع الثاني ابتلاء بمشقة الدفع، ويضبط ذلك ميدانان أساسيان: الأول: نزار الشيء وقلته، فمشقة الاحتراز من الشيء، وعموم الابتلاء به قد يكون نابعاً من قلته ونزارته، ومن هنا كان العفو عن يسير النجاسات وعن أثر الاستجمار في محله، والعفو عما لا يدركه الطرف وما لا نفس له سائلة، وونيم الذباب -فضلات الذباب- وما ارتش من الشوارع مما لا يمكن الاحتراز عنه وما ينقله الذباب من العذرة وأنواع النجاسات، فهذا يعفى عنه لعموم البلوى لأنه يشق الاحتراز عنه. الثاني: كثرة الشيء وشيوعه، كما أن عموم الابتلاء ومشقة التحرز قد تكون نابعة من تفاهة الشيء ونزارته، كذلك قد يكون الأمر لكثرته وشيوعه، فيشق الاحتراز عنه ويعم البلاء به. وقد نبه الغزالي إلى أن الغلبة التي تصلح عذراً في الأحكام ليس المراد بها الغلبة المطلقة، وإنما يكفي أن يكون الاحتراز أو الاستغناء عنها فيه مشقة وصعوبة، نظراً لاشتباهه بغيره من الحلال والمباح، واختلاطه به وامتزاجه معه بحيث يصعب الانفكاك عنه كما هو ظاهر في بعض صور النجاسات والمستقذارت واختلاط الأموال. معذرةً أحياناً إذا كانت بعض العبارات فيها شيء من الجفاف كما تقتضيه أحياناً بعض العبارات العلمية على أني حرصت حقيقة أن أبسط قدر الإمكان، لكن على كل حال إن كنت أحسنت ففضل من الله، وإن كان غير ذلك فأرجو العفو والمعذرة.

стр. 737

العرف وهو أيضاً مصدر من المصادر، ويراد به: ما استقر في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول، فهو شامل لما عرفته النفوس وألفته، سواء كان قولاً أو فعلاً، ولا ينكره أصحاب الذوق السليم. ويحصل الاستقرار في النفوس والقبول للطباع بالاستعمال المتكرر الصادر عن الميل والرغبة. ويخرج من ذلك العرف الفاسد، وهو ما استقر لا من جهة العقول، كتعاطي المسكرات وأنواع الفجور التي تستقر من جهة الأهواء والشهوات. كما يخرج ما لم تتلقه الطباع السليمة بالقبول، كالكشف عن العورات وعدم الاحتشام، والألفاظ المستقبحة، فهذه كلها غير داخلة في العرف المصطلح أو المعتبر.

стр. 738

إشارات في العرف ويحسن أن نقف هنا وقفة، ونحن بصدد الحديث عن العرف؛ لأن العرف هو أكثر ما يتشبث به كثير من الذين عندهم شيء من إلمام بالعلوم الإسلامية، أو ما جرى عليه الاصطلاح بالثقافة الإسلامية، وبعض الكتاب ممن يسمون -إن صح التعبير- بالكتاب الإسلاميين يرون كلاماً أو يرون لائحة، أو تبدر بادرة من كلام لبعض إمام من الأئمة؛ فتجده يظن أنه حفظ شيئاً لكنه غاب عنه أشياء. ولهذا الخوض في العرف والكلام فيه يتلذذ به بعض الناس، لكنه يفقد معايير كثيرة، ومن هنا قد أقف هنا وقفة في هذا الموضوع حتى نشير إلى شيء من ضوابطه. فأقول: يحسن أن نقف هنا وقفة ونحن بصدد الحديث عن العرف، ووقفتنا ستكون من جانبين:- من جانب تأكيد العلماء على اعتبار العرف. ومن جانب تكييف علمي للعرف، وكيف يكون دليلاً شرعياً حيث تناول علماء راسخون قضية تغير العادات والأعراف، وبخاصة أن ذلك مزلق خطير، وقد يكون مركباً أثيراً لبعض المتعالمين أو المغرضين، ووقفتنا هذه ذات شقين:- أحدهما: تأكيد العلماء في قضية اعتبار الأعراف والعوائد. ثانيهما: التفسير العلمي الفقهي للمقصود باعتبار الأعراف والعوائد.

стр. 739

تأكيد العلماء على اعتبار العرف يقول الإمام القرافي في الاستمساك بالعرف والنظر فيه، وضرورة أن يفقهه المجتهد، والناظر في الأحكام، والذاهب إلى الاستنباط، يقول: إن الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت، وتبطل معها إذا بطلت، وعلى هذا القانون -والكلام للقرافي - تراعى الفتاوى على طول الأيام؛ فما تجدد في العرف اعتبره، وما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده، وأجره عليه وأفته به دون عرف بلدك والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين. ويقرر السيوطي في أشباهه أن العادة والعرف مرجوع إليهما في الفقه في مسائل كثيرة، والحافظ ابن القيم يقول: ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا المفتي الجاهل -بل عبارة ابن القيم أشد من هذا- يضر أديان الناس وأبدانهم، فالله المستعان! انتهى كلام الحافظ ﵀. وابن عابدين الحنفي ﵀ يزيد الموضوع جلاءً يقول: كثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو لفساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولاً للزم عنه المشقة والضرر بالناس، ولخالف ذلك قوانين الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد. ثم قال: ولهذا نرى مشايخ المذهبية -يعني الحنفية- خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة، بناها على ما كان في زمنه لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا أخذاً من قواعد المتن. إذاً: هذا بعض كلام أهل العلم بتأييد الأخذ بالعرف والعادات وانبناء بعض الأحكام عليها.

стр. 740

التفسير العلمي والفقهي لاعتبار العرف أما التفسير العلمي أو الفقهي لاعتبار العرف، فلا ينبغي أن يفهم من اختلاف الأحكام باختلاف العادات أنه اختلاف في أصل خطاب الشرع، بل معنى هذا الاختلاف أن العادات إذا اختلفت اقتضت كل عادة حكماً يلائمها، وسوف نرى هذا بعد تفصيل بعض المسائل التطبيقية، اقتضت فيها كل عادة حكماً يلائمها، فالواقعة إذا صحبتها عادة اقتضت حكماً غير الحكم الذي تقتضيه عندما تقترن بغيرها من العادات. فإذا جرت عادة قوم باستقباح كشف الرأس كان التعزير بكشف الرأس مجزئاً. مثلاً: الحكم الشرعي هو التعزير، فتغير الحكم حينما يكون التعزيز بكشف الرأس، وفي بلد لا يكون كشف الرأس قبيحاً فلا يكون ذلك تعزيراً. فلم يتغير الحكم، وليس تغيراً للحكم ولا تغيراً للدليل ولا للنص، إنما العادة نفسها قد تغيرت نظرة الناس إليها، فكان التغير في الحكم. فإذا جرت عادة قوم باستقباح كشف الرأس كان التعزير بكشف الرأس مجزئاً، وإذا لم يكن كشف الرأس في عادة قوم مستقبحاً امتنع أن يكون طريقاً كافياً للتعزير. ولابد للقاضي من اتخاذ طريق آخر كما سيأتي معنا أيضاً في تمثيل العدالة؛ والعدالة معلوم أنها مقصودة ومطلوبة شرعاً، لكن بم تكون؟ أحياناً قد تختلف عادات الناس في أشياء لأنهم ضبطوا العادة بالمروءة، والمروءات أمور مرتبطة بالعادات، فحتى كشف الرأس أحياناً إذا كان مستنكراً في بلد، يكون خلافاً للمروءة، الأكل في الأسواق -وسوف يأتي التمثيل بهذا- كان في زمن من الأزمان وفي بلد من البلدان أمراً مستنكراً، ومن أكل في الأسواق قد يكون في بعض البلدان يخالف المروءة، أما الآن في كثير من البلدان لا يكون مخالفاً للمروءة، ومن هنا لا يقدح في العدالة. إذاً: العدالة محفوظة والتزام العدالة فيما التزمت به شرعاً من الشهادات وغيرها منضبط ومعتبر، لكن عادات الناس حينما اختلفت وقع مثل هذه. ولابد للقاضي من اتخاذ طريق آخر في التعزير، يكون له وقع الألم في نفس المستحق للتعزير، فخطاب الشرع الذي تعلق بالواقعة المقتضية للتعزير حال صحبتها للعادة، استقباح كشف الرأس غير الخطاب الذي يتعلق بواقعة مثلها يصاحب عادة عدم استقباح ذلك. يوضح ذلك أن هناك أوصافاً ربط الشارع الحكم بها، وبنى عليها أمر الناس، فالعدالة -مثلاً- شرط في قبول الشهادة بنص كتاب الله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] وحينما تراجع كلام أهل العلم وتأليفاتهم للعدالة وأوصاف أصحابها، تلاحظ أنهم يربطونها بمألوف الناس، ودلائل التعقل والمروءة، وهذا حق لا مرية فيه، ولكنْ معلوم أن هذا متغير، فما يكون مألوفاً في بلد قد لا يكون في البلد الآخر وكذلك عند اختلاف الزمن. وليزداد الأمر عندك وضوحاً: السير مكشوف الرأس أو الأكل في الأسواق، كان في يوم من الأيام أو بلد من البلدان مظهراً من مظاهر قلة المروءة، واستمع في ذلك إلى القرافي في فروقه حين يقول: ما الصحيح في هذه الأحكام الواقعة في مذهب الشافعي ومالك وغيرهما المرتبة على العوائد والعرف الذين كانا حاصلين حالة جزم العلماء بهذه الأحكام؟ فهل إذا تغيرت تلك العوائد وصارت العوائد تدل على ضد ما كانت تدل عليه أولاً، فهل تبطل هذه الفتاوى المسطورة في كتب الفقهاء ويفتى بما تقتضيه العوائد المتجددة، أو يقال نحن مقلدون وما لنا إحداث شرع لعدم أهليتنا للاجتهاد، فنفتي بما في الكتب المنقولة عن المجتهدين؟ ويجيب على تساؤله هذا ﵀ ويقول: إن استمرار الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير ما تقتضيه العادة المتجددة، وليس هذا تجديداً للاجتهاد من المقلدين، حتى يشترط فيهم آلية الاجتهاد، بل هذه قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها ونحن نتبعهم فيها من غير استئناف. من كل ما تقدم يتبين بلا ريب أن للظروف الملابسة للأشخاص أو للوقائع والأحداث أثراً في إدراك العلل وتوجيه الاستدلال بمدركه ودليله وتبين مسالك تطبيقه ضماناً لمشروعية نتائجه، إذ العبرة بالنتائج العملية الواقعة أو المتوقعة، وبيان ذلك أن الظروف المتجددة الواقعة أو المتوقعة والتي تلابس الأشخاص أو الوقائع، ينشأ عنها دلائل تكليفية جديدة تقتضي أحكاماً جديدة تناسبها، وبما أن الظروف تتغاير وتتمايز باضطراب؛ فاقتضى هذا وجوب اعتبارها شرعاً.

стр. 741

الضوابط العامة في النظر إلى المتغيرات

стр. 742

الأصل في النصوص الثبات والدوام أما الآن فنأتي إلى الضوابط العامة في النظر إلى المتغيرات: أشرنا إلى بعض الضوابط في المصادر التي تكلمنا عنها من الاستحسان والعرف والاحتياط وسد الذرائع والبلوى، لكن هذه ضوابط عامة في النظر الكلي أو الإجمالي. أولاً: لا يجوز أن يفهم مما تقدم أن النصوص غير ثابتة، أو أنها لا تضع تشريعاً دائماً ثابتاً مستقراً شاملاً في الزمان وفي المكان، بل إن ذلك هو الأصل، أعني أن الأصل في النصوص هو الثبات والدوام. ومن أجل هذا فيجب لزوم الحذر التام من التساهل أمام نصوص الشرع، أو محاولة التحلل منها، فذلك مزلق خطير، ومركب عسير، تزل فيه الأقدام، وتضل الأفهام، وتنهار الأحكام. إن مما يجب أن يعلم في هذا الباب أن شريعة الإسلام قد حكمت في ديار متباعدة الأقطار، مترامية الأطراف، قروناً متوالية، وأزمنة متتالية، ولاقت مختلف العادات والتقاليد، وعايشت جميع البيئات، وعاشت عصور الرخاء والشدة، والقوة والضعف، واجهت الأحداث في جميع الأطوار؛ فما قصرت عن حاجة، وما عجزت عن واقعة، ولا قعدت عن مطلب. والأمر الذي يجب أن ننبه إليه، وهو منطلق مهم من منطلقات هذا الحديث، هو أن في سنن الله وفي شرعه عنصرين: أحدهما: ثابت، والآخر: متغير. فالاستمساك بأحدهما وإهمال الآخر يترتب عليه فساد عظيم، فالاستمساك بالثابت وحده جمود، والاستمساك بالمتغير وحده تسيب وتحلل وانحلال وضياع. الثابت يجب أن يبقى ثابتاً، بل لا يمكن زحزحته فضلاً عن أن يسعى في زحزحته. والمتغير طبيعته التغير، وجعله ثابتاً والالتزام به دائماً أبداً يوقع في عسر وحرج لا يطيقه المكلفون، وإن شئتم مزيد إيضاح فلتعلموا أن دعاة التحرر في هذه العصور المتأخرة من التيارات الوافدة من الغرب أو الشرق استمسكوا بالمتغير وجعلوه ركن تفكيرهم -وأنا لا أتكلم عن الحداثة، فهنا فقه وليس لغة، فالاستمساك بالمتغير وحده غير صحيح لأنه يؤدي إلى الانهيار- أقول: إن شئتم مزيد إيضاح فلتعلموا أن دعاة التحرر في هذه العصور المتأخرة في التيارات الوافدة من الغرب أو الشرق استمسكوا بالمتغير، وجعلوه ركن تفكيرهم وأصل حضارتهم، وظنوا أن الحياة تستقيم بهذا المفهوم للحرية عندهم، وهي التغير في كل شيء أصولاً وفروعاً، قوانين ودساتير؛ فهي موضة متغيرة لا تنتهي. وبهذا وكما تشاهدون وتلاحظون حين لم يكن لهم ثوابت مستقرة، ومحاور يستندون إليها؛ فقد ضاعوا وأضاعوا، فلم تنضبط حركاتهم؛ ومن ثم فقدوا معنى الثبات في نهاية المطاف، فبمعرفة الثوابت والاستمساك بها وتمييز المتغيرات وضبط حركتها حول المحور الثابت حتى لا يخرج عن المسار الصحيح يكون الدوام والثبات والتمشي مع المتغيرات في الأزمنة والأمكنة، والناس مع بقاء ركود الثوابت والمحافظة على الجوهر، وهذا سر بقاء الشريعة وحيويتها حينما تطبق على وجهها.

стр. 743

اعتقاد دوام الشريعة ومواكبتها للجديد ضابط آخر: وهو منطلق عقدي صرف، أخاطب به أهل الإسلام، ومن لا يؤمن به فلا خطاب لنا معه، ذلكم هو ما يجيب عليه هذا التساؤل أو هذا السؤال كيف يتأتى للشريعة التي نزلت قبل أربعة عشر قرناً أن تواكب ما جَدَّ في حياة الناس من تغيرات؟ الجواب -كما أسلفت- عقدي إيماني نابع من الإيمان بالله الحق العليم الحكيم، فكأن هذا المتسائل أو المتشكك يظن أن الله لم يكن يعلم -تعالى الله- حين أنزل هذه الشريعة أن أموراً ستجدّ في حياة الناس تختلف عن الأوضاع التي كانوا عليها يوم نزلت هذه الشريعة، إذاً: كأنه يشك في علم الله. ويقول: إن حكمته سبحانه تقتضي ألا ينزل شريعة غير ممكنة التطبيق، إلا في حيز من الزمن، ثم يلزم الناس بها إلى يوم القيامة، ألا ساء ما يظنون! ولكي يزداد الأمر وضوحاً في هذا الأمر الإيماني: لو نظرت إلى بعض الضعاف في هذا المضمار ممن استهوتهم حضارة الرجل الأبيض، وسولت لهم أنفسهم السوء، ويحبون أمام الناس أن يبقى لهم الانتساب إلى الإسلام مع اتباعهم أهواءهم، فهم يريدون إسلاماً على مزاجهم، أو على مزاج إخوانهم في الغي من المستشرقين والمستغربين والذين في قلوبهم مرض، فتبدأ مقولتهم بأنهم لا يأخذون بأقوال الفقهاء والمفسرين والشراح والمحدثين، فهم بشر ورجال، ولا تعبد بآراء الرجال، ولا يأخذون إلا من الكتاب والسنة. ثم يتدرج بهم الأمر بأن يأخذوا بالقرآن والمتواتر من السنة وما كان قطعياً في ثبوته ودلالته، فالسنة فيها الضعيف والمردود والموضوع، بل حتى أخبار الآحاد فيها عندهم نظر، ثم يتدرجون ليطعنوا في بعض الدلالات ليقولوا: إن القرآن إنما كان يعالج أوضاعاً وبيئات قد اندرست، ويهتم بشئون مجتمعات بدائية وبدوية، وقد يترقى بهم الحال -كما يقول الشيخ القرضاوي - ليقولوا: إن القرآن إذا قال: إن الخنزير رجس فإنما كان ذلك في خنازير سيئة التغذية، أما خنازير اليوم فتلقى عناية خاصة. وحينما ينظرون في الميراث، وفيه للذكر مثل حظ الأنثيين، يقولون: إنما كان ذلك قبل أن تخرج المرأة إلى ميادين العمل وتثبت وجودها في جوانب الحياة المختلفة، والخمر حرم في بيئة حارة، ولو نزل القرآن في بيئة باردة لكان له حكم آخر، وهكذا نلاحظ التحلل من الأحكام وترقي الأمر إلى نسبة الله إلى الجهل بشئون خلقه وما يضرهم وما ينفعهم، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

стр. 744

عدم تبرير الواقع وعدم تبرير الواقع هو ضابط آخر، ذلكم أن الحديث عن التغير والتطور ومجاراة العادات والأعراف، لا يعني أن هم المجتهد والفقيه تبرير الواقع، وتلمس السند الشرعي له، والتعسف بدعوى أن ذلك هو مفهوم المرونة والتطور، فالإسلام لم يأت ليخضع لأهواء الناس ومجريات حياتهم، ولكنه جاء ليرفع الناس إلى ميزان الحق والعدل والمصلحة الحقيقية، ويكف عنهم الإثم والظلم، ويرفع الآصار والأغلال. إن هذا التشريع لم يضعه المجتمع حتى يخضع له ويستجيب لظروفه وأوضاعه. إنه تشريع إلهي وضع ليرقى بالمجتمع، وتخضع أوضاعه لهدايته، فكلمة هذا التشريع هي العليا. إن مهمة التشريع أن يصوب الخطأ، ويقوم المعوج، لا أن يبرر العوج، وأن يسوغ الأوضاع والتصرفات، إنه يستعصي على الذوبان والتميع.

стр. 745

مجالات الاجتهاد ومن جانب آخر فإن للاجتهاد عند أهله مجالاً كبيراً؛ الاجتهاد في فهم النصوص، والاجتهاد في ثبوت بعضها -أعني: في مدى تصحيح بعض الأحاديث ودرجة قبولها- ثم الاجتهاد فيما لا نص فيه بخصوصه بطرقه، كالقياس والمصلحة المرسلة، والاستحسان، على نحو ما تقدم، والأصول والثوابت التي لا مساغ للاجتهاد فيها هي القطعيات، وما علم من الدين بالضرورة، وما تلقته الأمة بالقبول من الفرائض المحكمات والنصوص القطعيات، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، والمواريث والحدود والمحرمات من الربا والزنا والخمر والميسر وعدد الطلاق والوفاة وأمثال ذلك فهذه دوائر لا تقبل الاجتهاد والجدل، كأن يقول بعض الناس بتعطيل فريضة الزكاة اكتفاءً بالضرائب، فضلاً عما يشوب الضرائب من حديث ومن نظم فقهية، أو يقول بتعطيل فريضة الصيام تشجيعاً للإنتاج، أو بإلغاء فريضة الحج توفيراً للعملة الصعبة، أو بإباحة الزنا والخمر وما يتبعهما ترغيباً في السياحة، أو باستحلال الربا دعماً لمشروعات التنمية والإنتاج فالقول بذلك من المهازل.

стр. 746

أهلية المجتهد ضابط آخر: إنه ليس لكل أحد الحق في أن يقول في دين الله ما لا يعلم، فباب الاجتهاد والفتوى يجب أن يكون مقصوراً على أهله. ومع الأسف فإن فُشُوَّ القراءة والكتابة في الناس والمفهوم الخاطئ لحرية البحث العلمي جعلت أناساً يتجرءون على أحكام الله، ويتجاوزون حدود الله في اقتحام أبواب الحلال والحرام، ولم يعرف لهم زاد من العلم سوى ما يسمى بثقافة إسلامية عامة، فجعلوا مساحة الحلال والحرام مباحة لكل من هب ودب؛ فظهرت أقوال من غير خطم ولا أزمة، ونزعت الثقة في أولي العلم والأئمة. ومسئولية حراسة ذلك يجب أن يتولاها العلماء الربانيون المخلصون، والمراكز الإسلامية العريقة المعروفة، إذا أخلصت لله وبنت منهجها وطريقها على الإخلاص لشرع الله، فبهذا تستعيد مكانتها وموقعها، وتحمي حمى الدين وساحة الأحكام، كدور الإفتاء والقضاء الشرعي وهيئات كبار العلماء. ومما يعين على تحقيق ما جاء في الفقرة السابقة محاولة الاجتهاد الجماعي، واستصدار الأحكام الفقهية في القضايا المستجدة والوقائع الملحة، وذلك بإعطاء المجامع الفقهية مكانتها اللائقة بها، كمنتدى لكبار فقهاء الأمة بعيداً عن المؤثرات الخارجية والتوجهات السياسية وغير السياسية؛ ذلك أنه قد كثر الأدعياء، وانتشر المغرورون والمتهورون والمتهتكون الذين لو فتح لهم الباب لاجترءوا على حدود الله وغيروا معالم الشرع إرضاءً لنزوة، أو سعياً لشهرة، أو اتباعاً لهوى، ويصبح الدين والناس فوضى، فَيَضِلوا ويُضِلوا. هذا فيما يتعلق بإجمال الضوابط.

стр. 747

أمثلة من اجتهادات الفقهاء

стр. 748

حكم اللقطة ونأتي إلى نماذج من اجتهادات الفقهاء:- حكم اللقطة: نص الحديث عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: ﴿سئل رسول الله ﷺ عن اللقطة من الذهب والورق. فقال: اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء صاحبها يوماً من الدهر فأدها إليه، وسأله عن ضالة الإبل فقال: ما لك ولها؟! دعها فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها، وسأله عن الشاة فقال: خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب﴾ متفق عليه واللفظ لـ مسلم. هذا هو الحكم الماضي في عهد رسول الله ﷺ ، وخليفته أبي بكر وعمر ﵃، فلما جاء عهد عثمان ﵁ كما في الموطأ عن ابن شهاب الزهري قال: كانت ضوال الإبل في زمان عمر بن الخطاب إبلاً مؤبلة لا يمسها أحد، حتى إذا كان زمن عثمان بن عفان أمر بتعليفها ثم تباع، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها. وكان لـ علي ﵁ اجتهاد في المسألة آخر في بعض جوانبها، فقد وافق عثمان في جواز التقاط الإبل من أجل حفظها لصاحبها، لكنه رأى التقاطها والإنفاق عليها من بيت المال حتى يجيء ربها؛ لأنه رأى أن إعطاء ثمنها لصاحبها لا يغني عنها بذاتها، وكان هذا الاجتهاد من الخليفتين الراشدين: عثمان وعلي لما رأيا من تغير أخلاق الناس وفساد الذمم، فصارت بعض الأيدي تمتد إلى الممنوع؛ فترك هذه الضوال لم يعد طريقاً لحفظها على أصحابها الذي هو مقصود الشارع، فسلكا طريقاً آخر يحقق مقصد الشارع في حفظ الأموال لأربابها.

стр. 749

العقل في الدية جاء في الشريعة بأن من قتل خطأً فإن عليه الدية تسلم لورثة القتيل، فحفظ الشرع بهذا حق هؤلاء الورثة ورد للمقتول ما أمكن من اعتبار، ومن أجل خطأ القاتل وما يتضمنه من نوع عذر وعدم تحميله المسئولية كاملة، جاء الشرع بأن تتحمل عقيلة القاتل هذه الدية، ومثل ذلك شبه العمد بتفاصيل ونسب معلومة في كتب الأحكام، ومن المحفوظ عنه ﷺ أنه قضى بالدية على العاقلة، وتوجه الحق عليها لما تحمله من حق النصرة والعصبة لصاحبهم الظالم. وجاء عمر ﵁ وكأنه تمعن معقول النص، ولم يقف على لفظه، فرأى أن المسئولية يشارك فيها من تكون به النصرة والمعونة، وليس مجرد القرابة النسبية والميراث، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ موضحاً هذا التوجه: قضى رسول الله ﷺ بالدية على العاقلة، وهم الذين ينصرونه ويعينونه، وكانت العاقلة على عهده هم عصبته، فلما كان في زمن عمر جعلها على أهل الديوان، لهذا اختلف فيها الفقهاء فيقال -والكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أصل ذلك أن العقالة هل هم محددون بالشرع، أو هم من ينصره ويعينه من غير تعيين؟ إذاً: المجتهد ينظر في العقالة: إما نظراً لغوياً، أو نظراً عرفياً، بالنظر اللغوي في لغة العرب أو العرفي وهو أن نعود إلى عهد النبي ﷺ ، كما قلنا في العدالة، فالعدالة والعاقلة هذان لفظان موجودان، لكن ما الذي يدخل تحتهما؟ فشيخ الإسلام ابن تيمية يقول مؤصلاً في الموضوع: أصل ذلك أن العاقلة هل هم محددون بالشرع، أو هم من ينصره ويعينه من غير تعيين؟ فمن قال بالأول لم يعدل عن الأقارب؛ لأنها العاقلة على عهده، ومن قال بالثاني جعل العاقلة في كل زمان ومكان من ينصر الرجل ويعينه في ذلك الزمان والمكان. فلما كان على عهد النبي ﷺ إنما ينصره ويعينه أقاربه كانوا هم العاقلة، إذ لم يكن على عهد النبي ﷺ ديوان ولا عطاء، فلما وضع عمر ﵁ الديوان كان معلوماً أن جند كل مدينة ينصر بعضه بعضاً ويعين بعضه بعضاً، وإن لم يكونوا أقارب، فكانوا هم العاقلة. قال شيخ الإسلام: وهذا أصح القولين، وأنها تختلف باختلاف الأحوال، وإلا فرجل سكن المغرب وهناك من ينصره ويعينه كيف تكون عاقلته من بالمشرق في مملكة أخرى، ولعل أخباره قد انقطعت عنه، والميراث يمكن حفظه للغائب، فإن النبي ﷺ قضى في المرأة القاتلة أن عقلها على عصبتها، وأن ميراثها لزوجها وبنيها، قال: فالوارث غير العاقل.

стр. 750

السياسة الشرعية وتحري صلاح الناس يُعرف ابن عقيل السياسة الشرعية بأنها ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول ﷺ ولا نزل به وحي. إنها تعني تدبير الشئون العامة من قبل ولاة الأمور بما يكفل تحقيق المصالح ورفع المضار بما لا يتجاوز حدود الشريعة وأصولها الكلية، فهي نظر في واقع المسلمين وما يجد لهم من أحوال وما يحل بهم من أزمات، فتتخذ لذلك الحلول المناسبة على نور من الشريعة وفي إطارها العام. وحينما يجيل الباحث نظره فيما بحث فيه أهل العلم والفقه في سلطات ولي الأمر وصلاحياته في هذا الميدان وما يسن هو من تنظيمات وتدبيرات؛ ليحفظ على الأمة مصالحها وينتظم به معاشها، يجد في ذلك كلاماً واضحاً ونبراساً هادياً. على الرغم مما أكدوه من دقة الموضوع، حتى قال الحافظ ابن القيم في دقة الموضوع: وهذا موضع مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك ومعترك صعب، فرط فيه طائفة، فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرءوا الناس على الفجور والفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقاً صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له. وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة، فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله، وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه، فإن الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كتبه؛ ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات، فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه. ويؤكد هذه المقولة لدى ابن القيم الفقيهان الجليلان: ابن فرحون المالكي والطرابلسي الحنفي حيث قالا: إن إهماله يضيع الحقوق، ويبطل الحدود، ويجرئ أهل الفساد، ويعين أهل العناد، والتوسع فيه يفتح أبواب المظالم الشنيعة، ويوجب سفك الدماء وأخذ الأموال غير الشرعية. وعلى الرغم مما يجب أن يتوخى من دقة، ويلتزم من عناية، إلا أن أهل العلم صرحوا بجواز ذلك وعظم حاجة الناس إليه، يقول الإمام القرافي بعبارة صريحة جريئة: إن التوسعة على الحكام في الأحكام السياسية -أعني بالسياسة السياسة الشرعية وليس بمصطلحها المعاصر، السياسة على الأحكام التي تتعلق بالمصلحة المرسلة تقريباً- ليس مخالفة للشرع بل تشهد له الأدلة كما تشهد له القواعد، وقال: إن الفساد قد كثر وانتشر بخلاف العصر الأول، ومقتضى ذلك اختلاف الأحكام بحيث لا تخرج من الشرع بالكلية لقوله ﵊: ﴿لا ضرر ولا ضرار﴾ إلى أن قال: والاختلافات في الشرع كثيرة لاختلاف الأحوال، فكذلك ينبغي أن يراعى اختلاف الأحوال والأزمان فتكون المناسبة الواقعة في هذه القوانين السياسية مما شهدت له القواعد بالاعتبار، فلا تكون من المصالح المرسلة، بل أعلى رتبة، فتلحق بالقواعد الأصولية. وبهذا يستخلص من كلام أهل العلم: أن الحكم مادام في دائرة الاجتهاد، ولم يرد فيه نص قطعي، أو حكم اجماعي، وهو يؤدي إلى درء مفسدة، أو جلب مصلحة، ويستند إلى سند شرعي من المصلحة المرسلة، أو سد الذرائع أو العرف؛ فهذا الحكم قابل للبحث والنظر من قبل ولي الأمر، ينظر فيه بما يحقق المصلحة، ولو كان قد صدر فيه حكم اجتهادي سابق.

стр. 751

التسعير ومن التطبيقات أيضاً التسعير؛ فقد غلا السعر على عهد النبي ﷺ ، فقال له بعض الصحابة: سعر لنا. فقال: ﴿إن الله هو المسعر القابض الباسط، وإني أرجو أن ألقى الله وليس في عنقي مظلمة لأحد﴾ ظاهر الحديث يدل على المنع من التسعير مطلقاً وفي كل حال، ولكن لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ توجيه دقيق في فقه هذا الحديث، وهو يقول: إذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق فهذا إلى الله، فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق. أي أن السعر إذا كان خاضعاً -كما يقول الاقتصاديون- لقانون العرض والطلب، فليس لولي الأمر التدخل حين ذاك؛ لأن الله هو القابض الباسط. أما إذا امتنع أرباب السلع -والكلام لـ ابن تيمية - من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمتها، قال: ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل. وأصرح من ذلك ما قاله الإمام أبو بكر بن العربي في شرحه على الترمذي قال: سائر العلماء بظاهر الحديث -أي: يأخذون بظاهر الحديث- لا يسعر أحد، والحق التسعير وضبط الأمر على قانون لا تكون فيه مظلمة على أحد من الطائفتين، وذلك قانون -والكلام لـ ابن العربي - لا يعرف إلا بالضبط للأوقات ومعايير ومقادير الأحوال وحال الرجال، والله الموفق للصواب، وما قاله النبي ﷺ حق وما فعله حكم، لكن على قوم صحت نياتهم واستسلموا لربهم، أما قوم قصدوا أكل الناس والتضييق عليهم فباب الله أوسع، وحكمه أمضى هذا كله كلام القاضي أبي بكر بن العربي. ويقول ابن القيم: وجماع الأمر أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير، سعر عليهم تسعير عدل، لا وكس ولا شطط، وإذا اندفعت حاجتهم وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل انتهى كلام ابن القيم. وعليه فإذا تغير حال الناس وفشا الطامعون وانتشر المتلاعبون في أسواق المسلمين، فليس في الحديث ما يمنع من ضرب اليد على هؤلاء، وإلزامهم بالعدل، ورفع الظلم عن الفئتين. وبقي أن تعلم أن هذا الرأي وهذا النهج هو نهج بعض فقهاء التابعين والمالكيين وبعض الحنبليين.

стр. 752

المنع من الادخار أخرج البخاري وغيره عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ﴿من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثلاثة أيام ويبقى في بيته منه شيء، فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله! أنفعل كما فعلنا في العام الماضي؟ قال: كلوا واطعموا وادخروا فإن ذلك العام كان بالناس جهد -مشقة ومجاعة- فأردت أن تعينوا فيها﴾ وفي بعض الروايات: ﴿إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت﴾ أي أن دافة دفت قوماً من البادية على المدينة وكانوا في مجاعة وفي جهد، فأمر النبي ﷺ أن يعينوهم بلحوم الأضاحي ولا يدخروا، وهم قوم محتاجون قدموا من خارج المدينة فأراد النبي ﷺ مواساتهم. ولئن ظن كثير من الفقهاء ﵏ أن هذه الإباحة نسخ للنهي المتقدم، أي حينما قال لهم: ﴿من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثلاثة أيام﴾ فنهاهم ثم أباح لهم، ولئن ظن كثير من الفقهاء ﵏ أن هذه الإباحة نسخ للمتقدم فليس الأمر كما ظنوا على التحقيق، وإنما كما قال القرطبي ﵀ في تفسيره: بل هو حكم ارتفع لارتفاع علته، فالمنسوخ لا يعود أبداً، والمرفوع بعلة يعود بعود العلة، فلو قدم على أهل بلدة أناس محتاجون في زمان الأضاحي ولم يكن عند أهل ذاك البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا، لتعين عليهم ألا يدخروها فوق ثلاثة أيام كما فعل النبي ﷺ . وقد وقع مثل ذلك في عهد علي ﵁، فقد صلى بالناس في يوم عيد، ثم خطبهم، فنهاهم عن ادخار فوق ثلاث تأسياً بنهي النبي ﷺ ، بل قال الحافظ ابن حجر في الفتح: والتقييد بالثلاث واقعة حال وإلا فلو فلم تسد الخلة إلا بتفرقة الجميع لزم على هذا التقدير عدم الإمساك ولو ليلة واحدة. ولعلك بهذا تدرك أن النهي كان من مقتضيات السياسة الشرعية في تقييد المباح، وهي تصرفات من الإمام بوصف الإمامة نظراً لما يجب لأخوة الإسلام وما يقتضيه من ظرف. ويلحق بذلك المنع من أكل اللحم، حينما منع الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ الناس من أكل اللحم يومين متتالين، وكذلك منعهُ الزواجَ من الكتابيات، كما في سنن سعيد بن منصور: [[أن حذيفة بن اليمان تزوج يهودية بـ المدائن فكتب إليه عمر أن خلِّ سبيلها، فكتب إليه: أحرام هي يا أمير المؤمنين؟ فكتب إليه عمر: أعزم عليك ألا تضع كتابي هذا حتى تخلي سبيلها، إنها ليست بحرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن -وفي رواية أخرى-: أن تعليل المنع خوفاً أن يقتدي به المسلمون، فيختاروا نساء أهل الذمة لجمالهن، وكفى بذلك فتنة لنساء المسلمين]]. ومن المعلوم في الشرع أن نساء أهل الكتاب حل للمؤمنين ولكن الإمام عمر خشي مفسدتين إحداهما: إما التساهل في شرط الإحصان والعفاف المشروط بالمحصنات من الذين أوتوا الكتاب، فيقع المسلم في المومسات والفاجرات، وإما كساد سوق الفتيات المسلمات، وهو باب في سد الذرائع، سلكه الإمام حسب ما تقتضيه السياسة الشرعية. مثل ذلك أيضاً في عهد عثمان القراءة في المصاحف التي بقيت بعدما استنسخ المصحف الإمام، فإن عثمان ﵁ لما أمر بكتابة المصحف الإمام حين خشي اختلاف الأمة، أتبع ذلك بالأمر بإحراق المصاحف الأخرى، ومن ثم منع من القراءة فيها مع أن ذلك كان مباحاً من قبل.

стр. 753

أحكام اجتهادية من غير نص كتب الأحكام زخرت بمسائل فقهية، ومعالجات استنباطية دقيقة، تدل على ما كان يبذله السلف ﵏ في حل مشكلات الأمة، مع ما يتصفون به من ورع، غير أن هناك أحكاماً مبثوثة -نمثلها بمثال واحد وبه أختم هذا اللقاء المبارك- غير أن هناك أحكاماً مبثوثة في مدونات الفقهاء ﵏، ليس مستندها النص لكنهم ربطوها بأعراف وعادات مبنية على معرفة بشرية بحتة، وإذا كانت هذه المسائل على هذا النحو، فمعلوم أنه إذا جاء ما يدل على خلافها بطريقة قطعية أو ظن وارد، فلا يكون للاستمساك بها وجه وجيه، ويؤخذ مثال على ذلك أقصى مدة الحمل؛ فأقصاه عند أبي حنيفة ﵀ إلى سنتان، وعند أحمد والشافعي ﵏ أربع، وعند الليث ومالك ﵏ في المشهور عنه خمس، وعند الزهري ومالك سبع، وقد حكى ذلك ابن حزم في المحلى. ومستند القائلين بالسنتين أثر عن عائشة ﵂ أن المرأة لا تزيد في حملها على سنتين، وقالوا: إن مثل هذا لا يقال بالرأي من قبل عائشة فله حكم المرفوع، ولكن الإمام مالكاً ﵀ حينما حدث بهذا الأثر كما ذكر البيهقي في السنن قال: سبحان الله! من يقول هذا؟ هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان امرأة صدق، وزوجها رجل صدق حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة، تحمل كل بطن أربع سنين، أي أن مالكاً لم ير قول عائشة هذا من قِبَل المرفوع. ثم يأتي ابن حزم ليعلق على الجميع؛ فيقول في مباراة فقهية على ما فيها من شدة حزمية معهودة قال: ولا يجوز أن يكون حمل أكثر من تسعة أشهر ولا أقل من ستة أشهر لقول الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف:١٥] مع قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣] فمن ادعى أن حملاً وفصالاً يكون في أكثر من ثلاثين شهراً فقد قال بالباطل والمحال، ورد كلام الله جهاراً. ثم ضعف ما روي عن عائشة وقال في قصة نساء بني العجلان: إنها أقوال مكذوبة راجعة إلى من لا يصدق ولا يعرف منه ولا يجوز الحكم في دين الله بمثل هذا. ويوضح هذا التوجه الشيخ محمد الهند في فتاواه ويقول: إننا إذا بني أحكام الحمل على مثل أقوال النساء هذه، نكون قد خالفنا القرآن، وخالفنا الثابت المطرد في مدة حمل المرأة؛ فهي لا تكاد تبلغ سنة واحدة فضلاً عن عدة سنين، وخالفنا القياس الفقهي، على تقدير صدق أولئك العجائز إن أخبرنا به الأئمة من أن ذاك وقع شذوذاً؛ فكيف إذا لم يصدقوا؟! وخالفنا ما قرره أطباء هذا العصر من جميع الملل والنحل على سعة علمهم بالطب والتشريح وعلم وظائف الأعضاء، واستعانتهم في بحثهم واختبارهم بالآلات والمجسات والمسابير والأشعة، وعلى بناء علمهم على التجربة والاستقراء، واستعانة بعضهم في ذلك ببعض على اختلاف الأقطار لسهولة المواصلات البريدية والبرقية، وكثرة النساء اللاتي تعوَّدن على الجرأة في القول، وعدم خجلهم من إظهار ما لم يكن يظهره أمثالهن في بلادهن أو غيرها من قبل هذا كلام فيه نظر. أقول ولعلك بهذا تدرك: أن المسألة خاضعة للنظر وراجعة إلى ما تغلب فيه العوائد من أحوال النساء على ما تميز به هذا العصر من دقة المعرفة العلمية على التجربة والكشف والنظر بحاسة لا على التخمين والحدس. ولعلي بهذا أنهي ما سمعتم، أرجو أن يكون ما ذكرته فيه فائدة وفيه وضوح، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 754

الأسئلة .

стр. 755

حدود الأمر المتغير السؤال ما هي حدود الأمر المتغير الذي يجب أن ينظر الفقيه في حكمه؟ أو بعبارة أخرى: هل كل أمر متغير عن أصله يجب أن يستنبط له حكم؟ الجواب الأحكام التي في النصوص الشرعية، إما حكم بنص فهذا ليس محل اجتهاد، أو كان مجمعاً عليه أو كان من المعلوم من الدين بالضرورة، أي أنه كان قطعياً، إما من ثبوت نصه، أو أنه معلوم من الدين بالضرورة، أو مجمع عليه، أما إذا كان غير ذلك وخاصة فيما كان داخلاً في الأعراف والعادات، وكذلك ما يدخل تحت المصلحة المرسلة وتحت الاستحسان؛ لأن الكتاب والسنة والإجماع والقياس ما جاء فيها ليس محل نظر، والقياس على نظر فيه قد يكون أخف من غيره، ولكن مع هذا الاتفاق عليه كما هو معلوم لدى جماهير أهل العلم من اعتباره مصدراً يكاد يكون إجماعاً، ويكاد يكون من خالفه لا يعتد بمخالفته، وحتى من خالفه تجده رجع إلى الأحكام في طريق الاستصحاب والبراءة الأصلية كما هو معلوم. فما لم يكن مقطوعاً به أو معلوماً من الدين بالضرورة أو منصوصاً عليه نصاً ثابتاً فإنه يقبل النظر ولو قال به مجتهد سابق؛ لأن المجتهدين لهم نظر يمكن أن يعاد النظر فيه.

стр. 756

أحكام الرخص السؤال هل أحكام الرخص تعد من المتغيرات التي تستقل بأحكام أو يعتبر الحكم في حال المقيم ثابتاً وفي حال المسافر ثابتاً في حقه غير متغير؟ الجواب الرخص والعزائم نوعان من أحكام الشرع منصوصة كلها، والعزائم والرخص منصوصة على معنى أن هناك حكمين منصوصين، ففي العزائم والرخص كِلا الحكمين منصوص، صلاة الأربع في حالة، وصلاة الركعتين في حالة، فكلاهما منصوص، ومحل النظر لا يسمى ترخيصاً أو لا يسمى رخصاً؛ لأن الرخص والعزائم من الشارع، وكلها نصوص من الشارع، إنما يكون النظر في مواطن التخفيف أو اليسر أو شيء آخر له جوانب أخرى، قد يكون عموم البلوى، أو تغير العادات، بحيث يشق على الناس وللاجتهاد فيه نظر، أما العزائم والرخص فهذه كلها منصوصة.

стр. 757

علاقة القضية الإعلامية بالضوابط الشرعية للمتغيرات وهنا نفتح المجال للدكتور سعيد بن زعير للتعليق لمدة خمس دقائق فقط: بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، نزجي الشكر الجزيل لمؤسسة الملك فيصل الخيرية التي نظمت لنا هذه الندوة، وهذه المعلومات التي نحن في أمس الحاجة إليها، والشكر يُزجَى لصاحب المعالي فضيلة الدكتور/ صالح بن حميد على هذه المعلومات القيمة، ولو لم نحصل في هذه الجلسة إلا على ما أشار إليه في ضبط العنوان، فهي في الواقع حقيقة نعيشها تتعلق بالنظر في المتغيرات، وحصر معالي الشيخ النظر في ضوابط النظر في المتغيرات. نعم. إن الكثير ينظر في المتغيرات لكن ما ضوابط هذا النظر؟ فالشكر مكرراً مرة أخرى، والذي أريد أن أشير إليه أن الاختلاف بين المجتهدين من منضبطين بضوابط النظر وغير منضبطين هو سنة ماضية؛ ففي كل زمن يأتي من ينظر نظراً منضبطاً بضوابط الشرع، ويأتي من هو غير منضبط. والإشكال في واقعنا ليس في وجود من ينضبط في نظره، ويقدم الأحكام الشرعية الصحيحة وفق النظر الشرعي، أو وجود من يقدم الأحكام الشرعية غير المنضبطة، فهذه ستبقى إلى قيام الساعة، لكن الإشكال فيما يسمى بالتعبير الموضوعي عن وجدان الجماهير وهو القضية الإعلامية، والذي يجعل هذا الضبط الشرعي والحكم الشرعي الذي نظر إلى المتغيرات بضبط صحيح يصبح في وجدان الجماهير، إن الذي يجعله يعيش هو العرض الموضوعي لهذه المعلومات الصحيحة وغرسها غرساً صحيحاً في نفوس الأمة حتى تحترمها، لكن عندما ننظر إلى واقع الأمة اليوم نجد خللاً كبيراً في هذا العرض، نجد تلميعاً لفئة تقدم لنا نظراً شرعياً غير منضبط وهو من انطبق عليهم التعريف الذي ذكره سماحة الشيخ في أنهم ليس لهم ضوابط في النظر في المتغيرات، فيتحدثون في المتغيرات نظراً غير منضبط، ويقدمون لنا أموراً لا تتفق مع الشريعة، ثم يأتي الإعلان ليلمع هؤلاء. إن فئة موجودة في العالم العربي والعالم الإسلامي في شرقه وغربه، تقدم للأمة هذا الانحراف، وهم لا يمثلون نسبة عالية بين المجتهدين ولا بين المفكرين ولا بين الناظرين في المتغيرات، هذه النسبة لا تمثل غالبية وهؤلاء يلمعون إعلامياً حتى صوروا للأمة كأنهم هم مجتهدو الأمة، وهم مفكرو الأمة، وهم من يقتدى بهم، وهنا يأتي الخلل. إن البلاء المستطيل، والشر المستطير، الذي يؤذن بهلاك الأمة -وأعتبر النظر غير المنضبط في المتغيرات بضوابط الشرع هو الباطل- إذا كان الناس يتحدثون عن مخاطر الإعلام الذي يسوغ الشهوات في سلوك الناس، فإن الحديث عن الإعلام الذي يقدم الشبهات في أحكام الشريعة أخطر، إن الذي يقدم لنا نظراً في متغيرات بغير ضوابط الشرع أخطر بكثير ممن يقدم لنا انحرافاً سلوكياً أو انحرافاً في مادة إعلامية. إن الصحافة العربية تهدد الأمة بكوارث عندما يصاغ وجدان الجماهير من خلال هذه التصورات التي تقدم. ولكم أن تنظروا في الصحافة المحلية والصحافة الأجنبية فهي تقدم من ذلك شيئاً كثيراً، يلمع أناس يصورون بأنهم مجتهدون، وليس من حقهم من خلال الضوابط التي سمعناها في المحاضرة أن يجتهدوا لماذا؟ لأنه ليس عندهم ضوابط في النظر وهم يخالفون أقوال المجتهدين في الأمة. نسأل الله للقائمين على الإعلام في العالم العربي والعالم الإسلامي أن يوفقوا لتقديم هذه الاجتهادات الصحيحة لتصبح حقيقة وجدان للجماهير لتنضبط بضوابط الشرع، ولتنظر للمتغيرات بضوابط الشرع، وليفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 758

أهمية المجامع الفقهية ودور الإفتاء هناك تعليق للشيخ صالح فليتفضل شكراً لفضيلة الدكتور، ولعلي في ضوابط النظر ذكرت نوعين من الضوابط: ضوابط في القواعد التي تبنى عليها التغيرات، وهي -كما قلت- المصلحة المرسلة والاستحسان والعرف وعموم البلوى، وهذه الضوابط ذكرتها تعريفاً، وذكرت أيضاً ما يضبطها ودقة المسالك فيها، وأنها مزلة أقدام ومضلة أفهام، وضوابط عامة كذلك أشرت إليها فيما يتعلق بالمجتهد وفيما يتعلق أيضاً في نفس قضية ضبط النظر، وهناك أناس غير منضبطين وليسوا من أهل النظر ولا من أهل الاجتهاد، وأنا أشرت -طبعاً أنا لا أرد على الدكتور وإنما أوضح- إلى المجامع الفقهية وإلى دور الإفتاء وإلى دور القضاء ومجالس القضاء ومجامع العلماء، وهذه المجامع ينبغي أن تأخذ دورها، مبتعدة -كما قلت- عن المؤثرات الخارجية سياسية وغير سياسية، وأن يعود إلى الفقه احترامه وأن تحمى ساحته وأن تحفظ، هذا جانب مهم جداً وأكدت عليه، ولا يكون حفظ إلا حينما تكون هناك جهات موثوقة: دار إفتاء، دار قضاء، هيئة كبار علماء في كل بلد إسلامي، منها إفتاء وتكون أيضاً محل ثقة هذا مهم جداً. قضية الاستجابة لأهواء الجمهور أيضاً هذه من الأخطاء التي وقعت فيها الأمة كثيراً، نتيجة سوء ما جاء من التيارات الوافدة من غرب وغيره، ومع الأسف رأينا كثيراً أن الجماهير هي التي تقود الناس، تقود العلية وتقود الوجهاء، تقود من تسلموا القيادة سواء علمية أو إسلامية أو غير ذلك، وهذا هو النظر القاتل، أن يكون المسئول ينظر ماذا يريد الجمهور، هذا جانب يجب أن يعاد النظر فيه وهو أن يكون الجمهور هو الذي يقول. نحن قلنا: الشريعة هي التي ترفع الناس، وليس من حق المجتهد أو حق المسئول أن ينزل بالمبادئ والمثل إلى رغباتهم، إنما يرفع الناس ليستمسكوا بالمبادئ والمثل. كلمة ختامية للمقدم: انتهى الوقت ولم تنته حاجتنا إلى الاستماع لفضيلة محاضرنا الكريم، ولكننا نقف عند هذا الحد التزاماً بما قرر للمحاضرة من وقت، ونسأل الله أن يجزي عنا فضيلة الشيخ الدكتور/ صالح بن عبد الله بن حميد خير ما يجزي العلماء العاملين، وأن يرفع درجته ويعلي قدره، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 759

أم المؤمنين خديجة إن المرأة المسلمة التي تريد من نفسها أن تقتدي بأمهات المؤمنين، عليها أن تعرف سيرة النساء الأوائل، وكيف كن في تحمل أعباء الدعوة إلى الله ، وتربية أبنائهن على نصرة هذا الدين الحنيف، وإن النظر في سيرة أم المؤمنين خديجة ﵂ كافٍ في تكوين المرأة نفسها، وبيان منزلتها في الدين، وعظم مشاركتها في الحياة.

стр. 760

خديجة ومكانتها بين النساء إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله، نشكره ولا نكفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا أشرك به أحداً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله بشر وأنذر، وبلغ البلاغ المبين، فكرم رسولاً، وشرف عبداً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أنوار الدجى، ومصابيح الهدى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واهتدى. أما بعد: فاتقوا الله أيها الناس! فتقوى الله حبل متين، ونور مبين حبل ما له انفصام، ونور تستضيء به القلوب والأفهام ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٢٨]. أيها المسلمون! إن أنبياء الله أصحاب الرسالات الكبرى، والمسئوليات العظمى، يحملون قلوباً كبيرة، عظيمة المعاناة والمقاساة، حتى قال الله لنبيه محمد ﷺ : ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣]. إنهم يقاسون جهاداً كبيراً في سبيل الحق الذي ينشرونه، والدين الذي يبينونه، وإنهم في هذا أحوج ما يكونون إلى من يتعهد حياتهم الخاصة بالإيناس والمؤانسة والعناية والرعاية، وإن من حفظ الله لنبيه محمد وعنايته به وما أراد به من كرامته؛ أن هيأ له ما هيأ من أسباب ووسائل من هذا الباب. وهذا حديث عن صورة أخاذة من العناية الإلهية في بيت النبوة المحمدية إنه استعراض لملامح امرأة نبيلة امرأة مؤمنة تجسد فيها كمال الأنوثة، وحسن التبعل، وحق المسئولية استعراض سيرة امرأة عريقة النسب، ممدودة الثروة، عرفت بالعقل والحزم والطهر وحسن الخلق نشأت في بيت من بيوتات الشرف والمجد والرئاسة. إنها صورة من صور العناية الإلهية لنبيه محمد ﷺ . تلكم هي خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية أم القاسم، وأم هند، سيدة نساء قريش، بل سيدة نساء زمانها.

стр. 761

ميلاد أم المؤمنين خديجة بنت خويلد كان ميلاد خديجة ﵂ قبل عام الفيل بخمس عشرة سنة، فقد عرفت بذكائها، وجلالة قدرها؛ بل إنها من النساء الكمَّل، والكمَّل في النساء قليل نقية السريرة صافية الروح ذات حسنٍ وجمال اجتمع لها حسن الخلق، وشرف الحسب، وعلو النسب، مصونة كريمة، وكان من خبرها أنها تستأجر الرجال في التجارة بمالها مضاربة بشيء منه تجعله لهم.

стр. 762

زواج النبي ﷺ بخديجة بنت خويلد يقول ابن الأثير: فلما بلغها عن رسول الله ﷺ صدق الحديث، وعظم الأمانة، وكرم الأخلاق، أرسلت إليه؛ ليخرج في مالها إلى الشام تاجراً لتعطيه أفضل ما كان يعطيه غيره، ومعه غلامها ميسرة، وقبل محمد ﷺ ذلك، ورحل بالتجارة وعاد رابحاً موفوراً، وسرت بالربح؛ ولكن إعجابها بالرجل كان أعمق. إن امرأة بهذه المنزلة من النسب والحسب والعقل والمال؛ لا بد أن تكون مطمعاً للسادات من رجال قريش؛ ولكنها كانت بوافر عقلها، وثاقب نظرها، لا يعجبها في كثير من الرجال أن يكونوا طلاب مال وليسوا طلاب أنفس. لقد أدركت أن أبصارهم تمتد إليها بغية الإفادة من ثرائها، ولعلهم يريدون أن يجعلوا من الزواج سلماً ومطمعاً؛ ولكنها عندما عرفت محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجدت فيه ضرباً من الرجال آخر. وجدت رجلاً لا يستهويه مال ولا تغنيه حاجة، لقد رأت رجلاً تقف كرامته شامخة موقف النبل والتعفف، فما تطلع إلى مالها، ولا إلى جمالها، ولا إلى منزلتها ونسبها. لقد أدى الأمين ما عنده من مال التجارة وربحها ثم انصرف راضياً مرضياً، لقد وجدت خديجة في محمد بن عبد الله طلبتها فحدثت بما في نفسها إلى صديقة من صديقاتها، ثم كانت الخطبة، وكان العرض، وكان القبول. تروي كتب السير أن عمه أبا طالب قال في خطبة النكاح: إن محمداً لا يوزن بأحد إلا رجح به، فإن كان في المال قل فالمال غبنٌ زائل، ومحمد لقد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد، وقد بذل لها من الصداق ما عاجله وآجله من ماله كذا وكذا، قال الراوي: ثم تكلم ورقة بن نوفل، فقال مجيباً أبا طالب: إنكم أهل لذلك كله لا تنكر العشيرة فضلكم ولا يرد أحد من الناس ذخركم وشرفكم.

стр. 763

عيش خديجة مع النبي ﷺ تزوجها ﵊ وعمره خمس وعشرون سنة وعمرها أربعون سنة. عاشت خديجة في كنف رسول الله ﷺ وعاش في كنفها خمساً وعشرين سنة، رافقته أفضل رفقة، وألفته أعظم ألفة، وصادقته أوفى محبة؛ بل كانت ﵂ لا ترى ميله إلى شيء إلا بادرت به إليه، وقد رأت قبل بعثته ميله إلى مولاه زيد بن حارثة فوهبته له. ولما أكرم الله نبيه محمداً ﷺ برسالته، ونزل عليه الحق وهو في غار حراء ونبئ بإقرأ رجع رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على زوجته خديجة فقال: ﴿زملوني زملوني! فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لـ خديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله. لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرئ الضيف، وتعين على نوائب الدهر﴾. أيها الإخوة! هذا هو البيت، وهذه هي ربته، وهذه هي الحياة الزوجية والأسرية، لقد بادرها رسول الله ﷺ وعرض عليها الحال مع خطر الأمر وشدته وعظم أهميته، وما ذلك إلا لما يعرف من كمال نظرها، وحسن برها، ووفرة عقلها، ورباطة جأشها، ونفاذ بصيرتها. يقول ابن القيم ﵀: استدلت بما فيه من الصفات والأخلاق والشيم على أن من كان كذلك لا يخزى أبداً، فقال ابن القيم: فعلمت بكمال عقلها، وسلامة فطرتها، أن الأعمال الصالحة، والأخلاق الفاضلة، والشيم الشريفة، تناسب أشكالها من كرامة الله وتأييده وإحسانه لا تناسب الخزي والخذلان. نعم. لقد رأت بنظرها الحصيف حتى أقسمت قسماً لا حنث فيه، فنفت الخزي عن رسول الله ﷺ بأمر استقرائي. لقد كان موقفاً من أشرف المواقف التي تُحمد من امرأة في الأولين والآخرين طمأنته حين قلق، وأراحته حين جهل، وذكرته بفضائله وجميل فعائله، فالأبرار مثله لا يخذلون، والكرام مثله لا يخزون، وإن الله إذا طبع رجلاً على المكارم الجزلة والمنابت السمحة؛ فليكن أهل إعزازه وإحسانه.

стр. 764

فضل خديجة ﵂ آمنت خديجة ﵂ برسول الله ﷺ ، بل يقول ابن الأثير: خديجة أول خلق الله إسلاماً بإجماع المسلمين، فسبقت نساء هذه الأمة بل سبقت نساءها ورجالها ﵂ وأرضاها. ويقول ابن حجر: قوة يقينها، ووفرة عقلها، وصحة عزمها؛ لا جرم كانت أفضل نسائها. قال العلماء: ولم يكن حينئذٍ على وجه الأرض بيت إسلام إلا بيتها، قالوا: وهي فضيلة ما شاركها فيها غيرها. إنها الزوجة الكريمة القائمة بالمسئولية على تمامها تخفف عن زوجها ما يلاقي، وتهون عليه ما يواجه لها مقام صدقٍ من أول البعثة لا يسمع شيئاً مما يكره من تكذيب ورد إلا فرج الله عنه بها، فإذا رجع إليها خففت عنه وواسته بحسن لفظها، وعمق مشورتها، ووفرة مالها، فأحسن الله مثوبتها، ورفع درجاتها، وأعلى مقامها، حتى استحقت أن ينقل لها الروح الأمين جبريل سلام رب العزة. جاء في خبر الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: ﴿أتى جبريل ﵇ النبي ﵌ فقال: يا محمد! هذه خديجة قد أتتك بإناء فيه إدامٌ وطعام وشراب فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني -وفي بعض الروايات- فقال النبي ﷺ : يا خديجة هذا جبريل يقرئك السلام، قالت: لله السلام ومنه السلام، وعلى جبريل السلام -وفي بعضها- وعليك السلام ورحمة الله وبركاته﴾. ولا غرو أن يقول ﵊ كما في الصحيحين أيضاً: ﴿خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد﴾ ويقول عبد الله بن عباس ﵄: ﴿خط رسول الله ﷺ أربعة خطوط في الأرض، ثم قال: هل تعلمون ما هذا؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم -امرأة فرعون-، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد﴾ وقد جاءتها البشارة بالجنة من ربها في حياتها، فقد جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ وقال: ﴿بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب﴾. ومن لطائف الأسرار التي لاحظها العلماء في هذا البيت الذي خص الله به خديجة ﵂ أنه بيت خاص زائد على ما أعده الله لها من ثواب عملها، وقالوا: والقصب لؤلؤة مجوفة واسعة كالقصر المنيف، وقد جاء عند الطبراني في الأوسط من حديث فاطمة ﵂ قالت: ﴿قلت: يا رسول الله! أين أمي خديجة؟ قال: في بيت من قصب. قلت: أمن هذا القصب؟ قال: لا. من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت﴾ قال السهيلي: والنكتة في قولهم: (القصب) ولم يقل: من لؤلؤ لأن في لفظ القصب مناسبة؛ وذلك لكونها أحرزت قصب السبق بمبادرتها بالإيمان قبل غيرها، ثم إنه لا صخب فيه ولا نصب، أي: لا منازعات ترتفع معها الأصوات، وهذا مناسب لما كانت عليه خديجة ﵂ من حسن الاستجابة والطاعة، فلم تحوج زوجها إلى رفع صوت ولا منازعة ولا تعب؛ بل أزالت عنه كل نصب، وآنسته من كل وحشة، وهونت عليه كل عصيب، وكانت حريصة على رضاه من كل ممكن، ولم يصدر منها ما يغضبه قط؛ فناسب أن يكون منزلها الذي بشرت به من ربها بالصفة المقابلة لفعلها، فهي لم تصخب عليه، ولم تتعبه يوماً من الدهر.

стр. 765

وفاء النبي ﷺ لخديجة ولقد كان النبي ﷺ وفياً معها كل الوفاء، عرف حقها وقدرها ومنزلتها فلم يتزوج عليها لا قبل البعثة ولا بعدها، فعاشت معه منفردة خمساً وعشرين عاماً، فصان قلبها من الغيرة، ومن نكد الضرائر، وهي فضيلة لم يشاركها غيرها، ولقد حفظ لها رسول الله ﷺ مكانتها حية وميتة، تقول عائشة الصديقة بنت الصديق محظية رسول الله ﷺ ورضي الله عنها وعن أبيها تقول: [[ما غرت من امرأة ما غرت من خديجة من كثرة ذكر النبي ﷺ لها]] فكان إذا ذكر خديجة لم يسأم من الثناء عليها، واستغفاره لها، قالت عائشة: [[فذكرها ذات يوم فحملتني الغيرة، فقلت: عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين، لقد عوضك الله من كبيرة السن، فرأيت رسول الله ﷺ غضب غضباً شديداً، وسقطت في جلدي أو في خلدي -أي: ندمت- وقلت: اللهم إن أذهبت غيظ رسولك لم أعد أذكرها بسوء ما بقيت]] وفي رواية، قالت عائشة: ﴿فقلت كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، قد أبدلك الله خيراً منها، فقال: والله ما أبدلني خيراً منها، آمنت بي حين كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني منها الولد دون غيرها من النساء﴾ وكان من حبه لها، ووفائه بحقها، يتفقد صواحباتها وصديقاتها بعد وفاتها، ومن أحب شيئاً أحب محبوباته، فكان إذا سمع صوت أخت خديجة برقت أساريره ابتسامة ورضا وبهجةً وفاء لزوجته تحت التراب، وإذا ذبح شاة، قال: ﴿أرسلوا إلى أصدقاء خديجة﴾ وإذا دخلت عليه امرأة كانت تدخل عليه أيام خديجة هش لها وبش، وسر لرؤيتها ثم يقول: ﴿أكرموها فقد كانت خديجة تحبها﴾ وروي أن عجوزاً جاءت إلى النبي ﷺ ، فقال: ﴿كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟ قالت: خيراً بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فلما خرجت، قالت عائشة: يا رسول الله! تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال، فقال: يا عائشة! إنها كانت تأتينا زمان خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان﴾. أيها الإخوة! هذا هو بيت النبوة، وهذه هي العلاقة الزوجية المثلى كما يرسمها الإسلام بأسمى معانيها: وفاء وحباً، وبذلاً وعطاءً، وعملاً وجهاداً، وصبراً وتحملاً وتجملاً. إن المرأة في صدر الإسلام، وحين يطبق الإسلام على وجهه تجد ربة بيت من طراز رفيع ما يمنع من ذلك علم ولا فقه، ولا ثقافة ولا رجاحة عقل، ولا وفرة مال، إن تصور ربة البيت إنساناً لا يجيد إلا الطهي والخدمة ضرب من السلوك القاصر لا تعرفه الأمم إلا حين انهيار حضاراتها، وسقوط مستواها العام في العلم والفكر والنظر وشغل المجتمع. وبعد -أيها الإخوة- فقد توفيت خديجة ﵂: في السنة العاشرة من البعثة، في شهر رمضان، وهي في الخامسة والستين من عمرها بعد حصار الشعب، ودفنت في الحجون، ونزل النبي ﷺ في قبرها ولم تكن شرعت صلاة الجنازة، فرضي الله عنها وأرضاها ورضي عن نساء النبي ﷺ كلهن ورضي عن الصحابة أجمعين. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١ - ١١] نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد ﷺ ، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 766

منزلة المرأة في الدين والمجتمع الحمد لله في كل حال، وعلى كل حال، حمداً طيباً مباركاً يستدعي مزيد الإحسان والإفضال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، كريم السجايا، وشريف الخصال، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه خير صحب وآل، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المآل. أما بعد: أيها الإخوة! إن الدروس من هذا البيت النبوي تجل عن الحصر إنها الدروس لربات البيوت، فما كانت النساء في الصدر الأول بجاهلات بحقيقة الإسلام، ولا جاهلات بجهاده وجلاده في الجزيرة وخارج الجزيرة، ولكن توزيع المسئوليات أعطى كلا الجنسين نصيبه من العنا والمسئولية دون تعسف. المرأة قبل كل شيء وبعده ربة بيت، وزوجة بطل، وأم شهيد إنها زوجة حانية أو أم مربية، أو في طريقها إلى هذا المصير النبيل. إن الموسومات برائدات النهضة الإنسانية أقصر باعاًَ، وأنزل ركبة أن يفهمن هذه المثل، ولو قلت لإحداهن: تستطيعين صناعة المستقبل بإذن الله كما تبغين، عندما تحسنين التبعل للرجل، وتنشئة الذرية، ورعاية الأسرة؛ يتورم أنفها ضيقاً وغيظاً، وإن تصور المرأة في البيت إنساناً قعيداً لا دور له جهل شنيع، وفهم متخلف لمعنى الأسرة والتربية والمسئولية، هذا درس من الدروس أيها الإخوة. وثمة درسٌ آخر: ففي هذا الزواج المبارك ما يلجم أفواه المستشرقين والمستغربين من الذين يأكل الحقد أفئدتهم على الإسلام ونبي الإسلام وأهل الإسلام؛ حين يريدون أن يتخذوا من تعدد زوجات رسول الله ﷺ سبيلاً للنيل من الإسلام ومن نبي الإسلام، وما علموا أن رسول الله ﷺ لبث مع خديجة ﵂ وهي المرأة الأيم التي تزوجت رجلين قبله وتكبره بخمس عشرة سنة، لبث معها خمس عشرة سنة لم يتزوج غيرها قضى معها زهرة عمره، وقوة شبابه، ألا ساء ما يزرون وما يكتمون! ألا فاتقوا الله -رحمكم الله- واعتبروا بنبيكم محمد ﵌ في بيته وسوقه، وحضره وسفره، وفي شأنه كله، واقتدوا به وتأسوا، وصلوا وسلموا كما أمركم بذلك ربكم، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك وكرمك يا أكرم الأكرمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وانصر عبادك المؤمنين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الدين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم أيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وأيده بتأييدك، وأعزه بنصرك، وألبسه لباس الصحة والعافية، وارزقه البطانة الصالحة، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين! اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين! اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 767

توحيد العبادة تكمن أهمية التمسك بالتوحيد بأنواعه الثلاثة في أنه الحد الفاصل بين الإيمان والكفر، وقد تحدث الشيخ عن التوحيد فبين أهميته، ثم عرج على ذكر أنواع التوحيد الثلاثة وتعريفاتها، كما ركز على بيان ذكر التوحيد في القرآن والسنة، ووضح علاقة التوحيد بأركان الإسلام وخاصة الحج، وحذر من عاقبة الخوف الموصلة إلى الشرك بالله مبيناً بعض الصور المخلة بالعقيدة.

стр. 768

أهمية الحديث عن التوحيد إن الحمد لله؛ نحمده ونستغفره ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله، أشكره ولا أكفره، وأسأله المزيد من فضله وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله بعثه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة ورفع أركان الملة، ودل على التوحيد ومعالمه، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فبتحية الإسلام أحييكم أيها الإخوة: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. ثم أشكر مكتب الدعوة بشمال الرياض لدعوته وإتاحة الفرصة للقاء بكم في هذا المحل الطاهر المبارك، وهذا البيت من بيوت الله ، وفي سلسلة الدروس التي عقدوها بمناسبة موسم الحج حيث إن اليوم هو الثامن والعشرون من الشهر الحادي عشر من سنة سبعة عشرة وأربعمائة وألف من هجرة نبينا محمدٍ ﷺ . والموضوع الذي اختاره الإخوة المنظمون لهذه الدروس هو: (توحيد العبادة وعظم شأنه). وأخي فضيلة الشيخ ابن محسن قال عنه: إنه يحسبه مهماً بل إنه أهم المهمات، وكما أشار فضيلته أنه هو الغاية التي خلق الله لها الجن والإنس على حد قوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] أي: ليوحدون، ومن هنا فإن الحديث فيه يجب أن يكون متوافراً وألا يغفل الناس عنه؛ وسوف نرى -إن شاء الله- في ثنايا عناصر هذا الموضوع أن الغفلة عنه ولو للحظاتٍ يسيرة في حساب الزمن؛ فإنها تؤدي مباشرة إلى انحراف الأمة. ويكفي إشارة إلى ذلك في أهمية الموضوع أن خليل الله إبراهيم ﵇ وهو إمام الحنفاء والذي أمر نبينا محمدٌ ﷺ باتباعه: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ [النحل:١٢٣] وهو إمام الموحدين، هو الذي قال فيما أخبر الله عنه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٥ - ٣٦]. وتأكدوا يا إخواني أن هذا الإضلال -نسأل الله السلامة ونسأله ألا يزيغ قلوبنا- في كل زمان ومكان، والحديث سوف يكون منتظم العناصر، ولعلي أستطيع أن آتي عليها كلها وإن كان بعضها يدل على بعض وبعضها يفيد بعض؛ لأن الحقيقة أن كل حديثٍ عن الدين فهو عن التوحيد إما عن حقيقته أو غايته أو مآله، أو كماله، أو عن ضده، وسوف نرى ذلك جلياً، ولهذا فإن العناصر التي تتضمنها هذه الكلمة هي: الأول: تعريف وإثبات. والثاني: التوحيد في القرآن والسنة، وحينما نقول السنة سوف نشير إلى سيرة النبي ﷺ في مكيها ومدنيها. الثالث: التوحيد وأركان الإسلام. الرابع: التوحيد والحج، (بمناسبة الدروس المعقودة). الخامس: المتابعة، يعني: متابعة النبي ﷺ ، وهي تمثل جانباً كبيراً جداً في تحقيق التوحيد، ونعني به الاتباع الذي هو مضادٌ للابتداع. سادساً: الخوف من الشرك. سابعاً: صور جديدة من الخلل في العقيدة. ثامناً: طريقة تعليم التوحيد.

стр. 769

تعريف التوحيد وإثباته التوحيد كما هو -والحمد لله- في مناهجنا جلي وواضح، وهذه البلاد -ولله الحمد- بعلمائها وولاتها تهتم بهذا اهتماماً منقطع النظير، وما ذلك إلا لما أراده الله بها من الخير حينما هيأ لها الإمام المجدد شيخ الإسلام وعلم الأعلام الإمام/ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ثم عضده الإمام/ محمد بن سعود، فقامت هذه الدولة على التوحيد مجددة دين محمدٍ ﷺ ، ثم تلاميذ أو أئمة هذه الدعوة تلاميذ؛ سواء شيخ الإسلام من نفسه أو من ذريته، أو ممن تتلمذوا عليه، فهؤلاء علمونا التوحيد، وبينوه لنا.

стр. 770

تعريف التوحيد بأنواعه الثلاثة من مسلماتنا -أيها الإخوة- التي نعرفها في هذه البلاد ولا يكاد يعرفها كثيرٌ من أبناء المسلمين انقسام التوحيد إلى أنواعه الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وكلها تعود إلى توحيد الألوهية، ولهذا إذا أردنا أن نعرفها جميعاً بتعريفٍ يجمعها كلها بما يشمل توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فنقول: هي إفراد الله بما يختص به. فإذا ما جئنا إلى توحيد الربوبية وهو الذي نعرفه بأنه: توحيد الله بأفعاله؛ من الخلق والرزق والإحياء والممات نقول هو: إفراد الله بالخلق والملك والتدبير. وهذه الصفات الثلاث تجمع جميع خصائص الله في أفعاله ، سواء كان إنزال غيث أو كان إحياء، كلها في خلقه وملكه وتدبيره، والتدبير كل تصريف، والملك الهيمنة على هذا الكون ، فهو له وحده، ولهذا قال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران:٢٦] كلها داخلة في الملك، فإذاً توحيد الربوبية هو: توحيده من حيث إنه إفراد الله بالخلق والملك والتدبير، وإذا ما نسبنا الملك والتدبير والتصرف إلى غيره فهي إضافية، وإلا فإن الله نسب لنا ملكاً وذكر أننا نملك وقال: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:٥] فهي إضافية بحدود ما أعطانا الله ، أما الملك الحقيقي والتصرف الحقيقي فهو لله ، ومن هنا لا بد أن نفرد الله بما يختص به. وتوحيد الألوهية هو: إفراده سبحانه بالعبادة، وفي أصله: هو توحيد الله بأفعال العباد، بمعنى: أفعالنا نحن التي تصدر منا، من دعاء واستغاثة واستعانة وذبحٍ ونذر هي أفعالنا نحن نفردها لله ، ونخصه بها، ولهذا نقول: إن التوحيد هو: إفراد الله بالعبادة، ولاحظوا أننا نستصحب كلمة إفراد لأننا نعرف التوحيد. وتوحيد الأسماء والصفات هو: إفراده وتفرده بما سمى به نفسه ووصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ . إذاً: بهذا ندرك معنى التوحيد كله، وهو: إفراد الله بما يختص به، إن كان في أفعاله سبحانه، وإن كان في أفعالنا، وإن كان في أسمائه وصفاته، وإذا أردتم المزيد لتعريف التوحيد؛ لاحظوا تعريف ضده وهو الشرك.

стр. 771

تعريف الشرك الشرك: هو مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله، هذا هو الشرك. ولا أحب أن أقف حقيقة عند التعريف؛ فبالشرك يتجلى التوحيد، والشرك مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله، لكن نقف عند صفتين تبين كيف يتجلى توحيد العبادة. الله قال في الكفار: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] أي: يساوون، يساوونه بماذا؟ معلوم أنهم لم يساووه بالخلق، فلم يعتقدوا أن آلهتهم تخلق وترزق، وإنما يساوونه بأفعالهم، يصرفونها لغير الله ، وبخاصة المحبة والتعظيم والتذلل والخضوع. وكذلك أيضاً في قوله تعالى حينما يتحاج أهل النار في النار ومع معبوداتهم من دون الله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨] فهم ما ساووهم بالخلق ولا بالرزق وإنما ساووهم بالعبادة والمحبة والخضوع. وإذا كان الأمر كذلك ولأجل أن نميز حينما قلنا إن الشرك هو: مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله نقول: الإنسان يحب ويخاف، والله وضع فينا غرائز الحب، وغرائز الخوف، فالله قال في حق نبيه وكليمه موسى ﵇: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه:٦٧] وقال في حق إبراهيم وهو صاحب الملة الحنفية وهو القدوة: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود:٧٠] هذه خيفة فطرية لا تدخل فيما قلنا من أنه من خصائص الله، فالخوف الجبلي والفطري أن تخاف من السبع والأسد، وأحياناً قد تخاف من آخر الليل أو تخاف من البرية تستوحش، هذا خوف جبلي ليس له علاقة بالتوحيد، وأنت لست ملوماً في هذا. وكذلك الحب، فالإنسان يحب أهله وأولاده وزوجه، ويحب أباه وأمه، ويحب أمواله كما قال في كثيرٍ من المحبوبات: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ [التوبة:٢٤] هذا بطبيعة أننا نحبها، فمحبتنا لها محبة فطرية وجبلية، والله وضعها فينا؛ لأجل أن تقوم الحياة حينما خلقنا واستخلفنا في هذه الأرض واستعمرنا فيها وطلب عمارتها، جعل فينا هذه الغرائز حتى نتعلم ونتشبث بقدر من نقوم من المهمة التي استخلفنا الله فيها. فهذا الحب فطري، كأن يحب الإنسان أهله إلخ، لكن حينما يرقى وينازع حق الله في الحب، وحق الله في الخوف، وحق الله في الخضوع وحق الله في التذلل والانقياد والرغبة والرهبة، حينئذ تأتي خصائص الله ، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] والآية التي تلوناها قبل قليل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة:٢٣ - ٢٤]. إذاً: القضية موازنة، والخوف الفطري والحب الفطري لا إشكال فيه، لكن أن ينازع أو أن يغلب أو أن يطغى على حب الله وعلى الخوف منه وعلى تعظيمه وإجلاله ؛ حينئذ يدخل الإنسان في دائرة الخطر، ومن هنا يا إخواني جاء التحذير من الشرك في كثيرٍ من الآيات التي سوف نراها إن شاء الله. ولهذا إذا لاحظتم المنحرفين في عقائدهم -وخاصة في بعض المنتسبين للإسلام في كثيرٍ من الأقطار- من خلال تعلقهم بالقبور والأضرحة، ترون أنه حب وخوف وتعلق وتعظيم، وتعليق في نفعٍ وضر وتعلق ولهان، لو كانوا يعلمون حق المعرفة ويعتقدون صحة الاعتقاد بأن الله هو النافع الضار، وأن الله هو الذي يجب إفراده في التعظيم والمحبة والإجلال؛ لما كان ذلك منهم، ومن هنا سوف نرى -إن شاء الله- طريقة تعليم التوحيد. إذاً: يا إخواني! هذا هو التوحيد من حيث تعريفه، ومن حيث بيان ضده كذلك الذي هو الشرك؛ لأن بضدها تتبين الأشياء. ثم أيضاً من أسماء هذا التوحيد: الفقه الأكبر، ولاشك أن المسلم المطلوب منه أن يتفقه في دينه كما في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١٢٢] والنبي ﷺ يقول: ﴿من يرد الله به خيراً يفقه في الدين﴾ فأولى الفقه وأهمه وأعظمه وأكبره فقه التوحيد، بمعنى فقه العقيدة، ولاشك أن الأحكام يجب أن تعرفها؛ لتقيم بها دينك؛ لأنها هي أيضاً من وسائل تحقيق التوحيد ولاشك. لكن أهمية الفقه الأكبر كما عرفه أبو هريرة ﵁ أنه قال: [[معرفة النفس ما لها وما عليها]] فأولاها هو فقه العقيدة والتوحيد.

стр. 772

إثبات التوحيد عن طريق القرآن نأتي إلى العنصر الثاني: التوحيد في القرآن والسنة، قبل أن نأتي إلى الكلام عن التوحيد في القرآن والسنة نأتي إلى إثبات التوحيد، وليس هناك طريق لمعرفة التوحيد ولا لتعليمه ولا لإثباته ولا لبيانه للناس حق البيان إلا عن طريق القرآن؛ القرآن كتاب هداية، بيَّن التوحيد بشكل جلي وعجيب وسهل وميسور، ليس على الطريقة التعليمية -مع الأسف- التي انحرف بها كثيرٌ من المتقدمين من باب المنطق وعلم الكلام والعقليات المحضة التي لم تجد شيئاً ولم تفد التوحيد الحقيقي، وإنما إثبات التوحيد بطريق القرآن. ولهذا نقول: إن الطريق الفطري لإثبات التوحيد -ونعني به توحيد الألوهية بخاصة- هو: الاستدلال عليه بتوحيد الربوبية، فأي إنسان تريد أن تبين له التوحيد ائته عن طريق توحيد الربوبية. وتوحيد الربوبية تقريباً لا يكاد ينكره أحد، إلا مع الأسف في وقتنا الحاضر وإلا فالأمم كلها تعرف توحيد الربوبية، وتعلم أن الله هو الخالق والرازق والمحيي والمميت والمدبر والمصرف وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، هذا هو توحيد الربوبية الذي تعرفه كل الأمم ولا يكاد ينكره إلا فئام قليلة من الدهرية أو غيرها، لكن -مع الأسف- مع الماديات المعاصرة صار هناك خلل كبير، وسوف نشير إليه إن شاء الله. فالقرآن أثبت توحيد الألوهية عن طريق توحيد الربوبية؛ لأن طبيعة قلب الإنسان يتعلق بالمصدر الذي خلقه والشيء الذي يعتقد أنه مصدر نفعه وضره، فإذا كان هذا مسلماً في النفوس -لأن القلب بطبيعته يتعلق بهذا- معترفاً بالخلق وبالرزق وبمصدر النفع والضر؛ فهذا هو المدخل الوحيد والقريب والذي لا يقبل الجدل. ولهذا حينما تتأمل بعض الآيات مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١] أمر بالعبادة والتوحيد، ما هي العلة؟ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢] وهذا خطاب لشيء مقبول تطيقه النفوس وتؤمن به. بل حتى أحياناً قد يكون هناك بعض العقول غير مسلمة وعندها غفلة، وحينما تذكرهم بآيات الكون مباشرة يرجعون، ولهذا الله قال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] وقال بعدها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤] فسبقها بالقضية ثم أتى ببرهانها، ففي الآية الأولى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١] نقول مثلاً: فجعل تفرده بالربوبية حينما قال: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:٢١] فجعل تفرده بالربوبية خلقاً للحاضرين والماضين، أنتم ومن قبلكم، وتمهيد الأرض ورفع السماء، وإنزال المطر ليحيي الأرض بعد موتها، ويخرج الرزق لعباده جعل كل ذلك آية على توحيد الإلهية واستحقاقه وحده للعبادة وتفرده بذلك وتنزيهه عن الأنداد والشركاء: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]. هذه طريقة سهلة وواضحة في أن قضية إنكار وجود الله لا تكاد تقبلها الفطر، نعم قد تصيبها غفلة لكن مِن السهولة إثباتها، فما دام أنها مستقرة يترتب عليها توحيد الألوهية، مثلاً في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس:٣١ - ٣٢] آيات كثيرةٍ إلى أن قال: ﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس:٣٥]. فقررهم سبحانه بما لم يسعهم إنكاره، ولا مخلص لهم من الاعتراف به من تفرده بالرزق والملك والتدبير والإحياء والإماتة والبذل والإعانة: ﴿أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [النمل:٦٤] والإرشاد والهداية: ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس:٣٥] ولذا يقيم عليهم الحجة في وجوب تقواه: (أفلا تتقون)، دون من سواه، ولا ينكر عليهم حكمهم الخاطئ، وشركهم الفاضح، وعكوفهم على من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً. وهناك آيات طويلة مثل آية النمل: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل:٥٩ - ٦٠] تسلسل طويل جداً يمر بكل المعارف البشرية وبكل الأحوال التي تمر على البشرية: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل:٦٠] يعني: يعدلون به غيره. ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦١ - ٦٢] وهذه قضية كبيرة جداً، وكثيراً ما ينبه إليها القرآن: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَ

стр. 773

التوحيد في القرآن والسنة

стр. 774

التوحيد في القرآن القرآن كله أحاديث عن التوحيد -كما فصل ذلك الإمام ابن القيم ﵀ وبيان حقيقته، والدعوة إليه، وتعليق النجاة والسعادة في الدارين عليه، حديث عن جزاء أهله وكرامتهم على ربهم، كما أنه حديثٌ عن ضده من الشرك بالله، وبيان حال أهله وسوء منقلبه في الدنيا وعذابهم في الأخرى. ولو حاولنا أن نقسم الآيات التي تخاطب الناس في التوحيد، لوجدنا أن الله خاطب الكفار وخاطب المؤمنين وخاطب الأنبياء، فهناك شيء عجيب من عناية القرآن بالتوحيد، فكل القرآن العظيم خاطب الكفار بالتوحيد؛ ليعرفوه وليؤمنوا ويعتنوا به، فالله يقول للناس: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة:٢١] ويقول: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠ - ٥١] في آيات كثيرة جداً. وكل نبي يقول لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى وعيسى كل نبي يقول: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] والله يخبر عن نبيه في آيات إيمانية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] كل الأمم منهم الكفار خوطبوا في التوحيد ليعرفوه ويؤمنوا به. وخوطب به المؤمنون، سواء حينما كانوا في مكة أو كانوا في المدينة، وبعض العلماء الذين يكتبون في التاريخ يقولون: إن من مظاهر القرآن المكي أنه يتحدث عن العقيدة والتوحيد، والحقيقة أن المكي والمدني كله يتحدث عن التوحيد، فهذا أمر يحتاج إلى نظر، وإن كانت -ولاشك- طريقة المخاطبة اختلفت، لكن الأحكام كلها في أركان الإسلام الكبرى، سوف نرى أنها أيضاً لب التوحيد وهي أحكام. فالله يخاطب المؤمنين بالتوحيد ليزدادوا إيماناً، وليطمئنوا إلى تحقيق توحيدهم، وليحذروا النقص والخلل فيه، فلهذا قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ [النساء:١٣٦] بل عباد الرحمن من صفاتهم: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨] مع أنهم عباد الرحمن والله أثنى عليهم، وذكر من صفاتهم: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨]. مما يدل على أن القضية كبيرة وليست خاصة بخطاب بالكفار، أن الله خاطب بها حتى المسلم، وسوف نرى في فقرة الخوف من الشرك شيء عجيب، فالأمر ليس سهلاً. وكما قلنا لكم: اجتهدوا وأنتم تقرءون القرآن، وتأملوا كيف يكاد يكون في كل آية إشارة إلى التوحيد، إما صريحة وإما مرد، وإما غاية، وإما مآل، وإما وسيلة، وإما كمال إلخ. فعباد الرحمن ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨] والموعودون بالتمكين في الأرض في قوله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥] فأخف خصائص المؤمنين والمسلمين والمحبوبين إلى الله والمقربين منه والموعودين بالتمكين في الأرض أنهم يعبدونني لا يشركون بي شيئاً، وهذا مما يدل على أنه يجب أن تكون هي قضية القضايا وهي سبيل الشرع. والمؤمنات في آية البيعة فيهن ميمونة، لكن الله خاطب نبيه في مخاطبة المؤمنات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ [الممتحنة:١٢] سماهن المؤمنات وهن مؤمنات ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً﴾ [الممتحنة:١٢] ومعلوم من الآية أن النبي ﷺ بايع المؤمنين والمؤمنات، فهن قد جئن مؤمنات يبايعن على ترك الشرك. أما الأنبياء والرسل فقد خاطبهم الله أيضاً بالتحذير من الشرك، مع أنه حاشاهم ﵈، مما يدلك على كبر القضية، فالله قال لإبراهيم: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ [الحج:٢٦] حاشاهم وهو الذي أثنى عليه ربه فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ [الممتحنة:٤] ومع هذا أوحى الله إليه وأكد عليه ألا تشرك: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ [الحج:٢٦] ولهذا إبراهيم خشي على ذريته الشرك، كما ورد في أول مفتتح الحديث: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٥ - ٣٦]. ولهذا أيضاً فيما حكى الله عنه: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة:١٢٨] وقال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ

стр. 775

التوحيد في السنة والسيرة السنة والسيرة بمعنى واحد في هذا الباب، فنبينا محمد ﷺ بعث بالتوحيد، فأول ما أمر به ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:١ - ٣] معنى وربك فكبر: توحيد، وقلنا: إن تقديم المعمول قبل العامل من التخصيص ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٤ - ٥] الرجز الأصنام. فإذاً هذا الذي أمر به هو توحيد، ثم أمر بإنذار العشيرة ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٣ - ٢١٤] وحاشاه ﵊. ثم الأمر بالصدع، لا حظوا أننا نتحدث عن الآيات التي فيها التوحيد، وإلا فهناك أشياء كثيرة في التدرج في التشريع، لكن نتلمس الآيات في سيرة النبي ﷺ وتوجيه القرآن له، فهو قد قيل له: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:٣] وقيل: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٥] وهو مع الأقربين من عشيرته: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٣ - ٢١٤] ثم أمر بالصدع في القوم كلهم ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤] وبعد الهجرة أيضاً لم ينته التوحيد، محمد ﷺ يقول لصاحبه أبي بكر: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] القضية تثبيت مرتبة المعية، وهي كما تعلمون من توحيد الأسماء والصفات، وهي تعني حقيقتها كما قال العلماء: توحيد الربوبية مستلزم توحيد الألوهية وتوحيد الألوهية متضمن توحيد الربوبية. والذي بقي توجيهات ونحن نتدرج في تاريخ السيرة، قال: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:٤٠] القضية قضية توحيد ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨]. إلى فتح مكة تجد إعلان التوحيد، ويحطم النبي ﷺ الأصنام وهو يتلو: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١] إلى أن جاءه الموت ﵊ وأعلن في القرآن في قوله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ﴾ [النصر:١ - ٣] تنزيه ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ استغفاره بالعبادة ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [لنصر:٣]. والنبي ﷺ وهو في مرض الموت كان يقول: ﴿لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد﴾ وهذا من آخر ما قال. إذاً ليس التوحيد في عهد مكة وليس القرآن المكي فقط هو من يتدث عن التوحيد، بل التوحيد صحب السيرة كلها من ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٥] إلى ﴿لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد﴾ وهو في مرض الموت ﵊. ولهذا نقول: يا إخواني لم تخل فترة من هذه الفترات ألبتة من إعلان التوحيد وشواهده، ومحاربة الشرك وظواهره، ويكاد ينحصر عرض البعثة كلها في ذلك، فما ترك ﵊ صغيراً ولا كبيراً وهو وحيد، ولا ذهل عنه وهو محصور في الشعب، ولا انصرف عنه وهو في مسألة الهجرة والعدو مشتد في طلبه، ولا قطع الحديث عنه وأمره ظاهر في المدينة وأنصاره وأعوانه متظاهرين، ولا أغلق باب الخوض فيه بعد فتح مكة الفتح المبين، ولا اكتفى بطلب البيعة على القتال عن تكرار أمر البيعة على التوحيد ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً﴾ [الممتحنة:١٢] فهذه سيرته المدونة وأحاديثه الصحيحة والقرآن من وراء ذلك كله توحيد، ولو تتبعتم وتلمستم لوجدتم شيئاً عجيباً لا في القرآن ولا في السيرة، ولهذا نقول: ومن أجلها كان التوحيد أولاً ولابد أن يكون أولاً في كل عصر وفي كل مصر.
следующие страницы →