← Джавами‘

Джавами‘ · id 7735

دروس للشيخ صالح بن حميد

صالح بن حميد

Полный текст (918 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

تعريف الشرك الشرك: هو مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله، هذا هو الشرك. ولا أحب أن أقف حقيقة عند التعريف؛ فبالشرك يتجلى التوحيد، والشرك مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله، لكن نقف عند صفتين تبين كيف يتجلى توحيد العبادة. الله قال في الكفار: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] أي: يساوون، يساوونه بماذا؟ معلوم أنهم لم يساووه بالخلق، فلم يعتقدوا أن آلهتهم تخلق وترزق، وإنما يساوونه بأفعالهم، يصرفونها لغير الله ، وبخاصة المحبة والتعظيم والتذلل والخضوع. وكذلك أيضاً في قوله تعالى حينما يتحاج أهل النار في النار ومع معبوداتهم من دون الله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨] فهم ما ساووهم بالخلق ولا بالرزق وإنما ساووهم بالعبادة والمحبة والخضوع. وإذا كان الأمر كذلك ولأجل أن نميز حينما قلنا إن الشرك هو: مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله نقول: الإنسان يحب ويخاف، والله وضع فينا غرائز الحب، وغرائز الخوف، فالله قال في حق نبيه وكليمه موسى ﵇: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه:٦٧] وقال في حق إبراهيم وهو صاحب الملة الحنفية وهو القدوة: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود:٧٠] هذه خيفة فطرية لا تدخل فيما قلنا من أنه من خصائص الله، فالخوف الجبلي والفطري أن تخاف من السبع والأسد، وأحياناً قد تخاف من آخر الليل أو تخاف من البرية تستوحش، هذا خوف جبلي ليس له علاقة بالتوحيد، وأنت لست ملوماً في هذا. وكذلك الحب، فالإنسان يحب أهله وأولاده وزوجه، ويحب أباه وأمه، ويحب أمواله كما قال في كثيرٍ من المحبوبات: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ [التوبة:٢٤] هذا بطبيعة أننا نحبها، فمحبتنا لها محبة فطرية وجبلية، والله وضعها فينا؛ لأجل أن تقوم الحياة حينما خلقنا واستخلفنا في هذه الأرض واستعمرنا فيها وطلب عمارتها، جعل فينا هذه الغرائز حتى نتعلم ونتشبث بقدر من نقوم من المهمة التي استخلفنا الله فيها. فهذا الحب فطري، كأن يحب الإنسان أهله إلخ، لكن حينما يرقى وينازع حق الله في الحب، وحق الله في الخوف، وحق الله في الخضوع وحق الله في التذلل والانقياد والرغبة والرهبة، حينئذ تأتي خصائص الله ، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] والآية التي تلوناها قبل قليل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة:٢٣ - ٢٤]. إذاً: القضية موازنة، والخوف الفطري والحب الفطري لا إشكال فيه، لكن أن ينازع أو أن يغلب أو أن يطغى على حب الله وعلى الخوف منه وعلى تعظيمه وإجلاله ؛ حينئذ يدخل الإنسان في دائرة الخطر، ومن هنا يا إخواني جاء التحذير من الشرك في كثيرٍ من الآيات التي سوف نراها إن شاء الله. ولهذا إذا لاحظتم المنحرفين في عقائدهم -وخاصة في بعض المنتسبين للإسلام في كثيرٍ من الأقطار- من خلال تعلقهم بالقبور والأضرحة، ترون أنه حب وخوف وتعلق وتعظيم، وتعليق في نفعٍ وضر وتعلق ولهان، لو كانوا يعلمون حق المعرفة ويعتقدون صحة الاعتقاد بأن الله هو النافع الضار، وأن الله هو الذي يجب إفراده في التعظيم والمحبة والإجلال؛ لما كان ذلك منهم، ومن هنا سوف نرى -إن شاء الله- طريقة تعليم التوحيد. إذاً: يا إخواني! هذا هو التوحيد من حيث تعريفه، ومن حيث بيان ضده كذلك الذي هو الشرك؛ لأن بضدها تتبين الأشياء. ثم أيضاً من أسماء هذا التوحيد: الفقه الأكبر، ولاشك أن المسلم المطلوب منه أن يتفقه في دينه كما في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١٢٢] والنبي ﷺ يقول: ﴿من يرد الله به خيراً يفقه في الدين﴾ فأولى الفقه وأهمه وأعظمه وأكبره فقه التوحيد، بمعنى فقه العقيدة، ولاشك أن الأحكام يجب أن تعرفها؛ لتقيم بها دينك؛ لأنها هي أيضاً من وسائل تحقيق التوحيد ولاشك. لكن أهمية الفقه الأكبر كما عرفه أبو هريرة ﵁ أنه قال: [[معرفة النفس ما لها وما عليها]] فأولاها هو فقه العقيدة والتوحيد.

стр. 772

إثبات التوحيد عن طريق القرآن نأتي إلى العنصر الثاني: التوحيد في القرآن والسنة، قبل أن نأتي إلى الكلام عن التوحيد في القرآن والسنة نأتي إلى إثبات التوحيد، وليس هناك طريق لمعرفة التوحيد ولا لتعليمه ولا لإثباته ولا لبيانه للناس حق البيان إلا عن طريق القرآن؛ القرآن كتاب هداية، بيَّن التوحيد بشكل جلي وعجيب وسهل وميسور، ليس على الطريقة التعليمية -مع الأسف- التي انحرف بها كثيرٌ من المتقدمين من باب المنطق وعلم الكلام والعقليات المحضة التي لم تجد شيئاً ولم تفد التوحيد الحقيقي، وإنما إثبات التوحيد بطريق القرآن. ولهذا نقول: إن الطريق الفطري لإثبات التوحيد -ونعني به توحيد الألوهية بخاصة- هو: الاستدلال عليه بتوحيد الربوبية، فأي إنسان تريد أن تبين له التوحيد ائته عن طريق توحيد الربوبية. وتوحيد الربوبية تقريباً لا يكاد ينكره أحد، إلا مع الأسف في وقتنا الحاضر وإلا فالأمم كلها تعرف توحيد الربوبية، وتعلم أن الله هو الخالق والرازق والمحيي والمميت والمدبر والمصرف وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، هذا هو توحيد الربوبية الذي تعرفه كل الأمم ولا يكاد ينكره إلا فئام قليلة من الدهرية أو غيرها، لكن -مع الأسف- مع الماديات المعاصرة صار هناك خلل كبير، وسوف نشير إليه إن شاء الله. فالقرآن أثبت توحيد الألوهية عن طريق توحيد الربوبية؛ لأن طبيعة قلب الإنسان يتعلق بالمصدر الذي خلقه والشيء الذي يعتقد أنه مصدر نفعه وضره، فإذا كان هذا مسلماً في النفوس -لأن القلب بطبيعته يتعلق بهذا- معترفاً بالخلق وبالرزق وبمصدر النفع والضر؛ فهذا هو المدخل الوحيد والقريب والذي لا يقبل الجدل. ولهذا حينما تتأمل بعض الآيات مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١] أمر بالعبادة والتوحيد، ما هي العلة؟ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢] وهذا خطاب لشيء مقبول تطيقه النفوس وتؤمن به. بل حتى أحياناً قد يكون هناك بعض العقول غير مسلمة وعندها غفلة، وحينما تذكرهم بآيات الكون مباشرة يرجعون، ولهذا الله قال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] وقال بعدها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤] فسبقها بالقضية ثم أتى ببرهانها، ففي الآية الأولى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١] نقول مثلاً: فجعل تفرده بالربوبية حينما قال: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:٢١] فجعل تفرده بالربوبية خلقاً للحاضرين والماضين، أنتم ومن قبلكم، وتمهيد الأرض ورفع السماء، وإنزال المطر ليحيي الأرض بعد موتها، ويخرج الرزق لعباده جعل كل ذلك آية على توحيد الإلهية واستحقاقه وحده للعبادة وتفرده بذلك وتنزيهه عن الأنداد والشركاء: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]. هذه طريقة سهلة وواضحة في أن قضية إنكار وجود الله لا تكاد تقبلها الفطر، نعم قد تصيبها غفلة لكن مِن السهولة إثباتها، فما دام أنها مستقرة يترتب عليها توحيد الألوهية، مثلاً في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس:٣١ - ٣٢] آيات كثيرةٍ إلى أن قال: ﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس:٣٥]. فقررهم سبحانه بما لم يسعهم إنكاره، ولا مخلص لهم من الاعتراف به من تفرده بالرزق والملك والتدبير والإحياء والإماتة والبذل والإعانة: ﴿أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [النمل:٦٤] والإرشاد والهداية: ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس:٣٥] ولذا يقيم عليهم الحجة في وجوب تقواه: (أفلا تتقون)، دون من سواه، ولا ينكر عليهم حكمهم الخاطئ، وشركهم الفاضح، وعكوفهم على من لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً. وهناك آيات طويلة مثل آية النمل: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل:٥٩ - ٦٠] تسلسل طويل جداً يمر بكل المعارف البشرية وبكل الأحوال التي تمر على البشرية: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل:٦٠] يعني: يعدلون به غيره. ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦١ - ٦٢] وهذه قضية كبيرة جداً، وكثيراً ما ينبه إليها القرآن: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَ

стр. 773

التوحيد في القرآن والسنة

стр. 774

التوحيد في القرآن القرآن كله أحاديث عن التوحيد -كما فصل ذلك الإمام ابن القيم ﵀ وبيان حقيقته، والدعوة إليه، وتعليق النجاة والسعادة في الدارين عليه، حديث عن جزاء أهله وكرامتهم على ربهم، كما أنه حديثٌ عن ضده من الشرك بالله، وبيان حال أهله وسوء منقلبه في الدنيا وعذابهم في الأخرى. ولو حاولنا أن نقسم الآيات التي تخاطب الناس في التوحيد، لوجدنا أن الله خاطب الكفار وخاطب المؤمنين وخاطب الأنبياء، فهناك شيء عجيب من عناية القرآن بالتوحيد، فكل القرآن العظيم خاطب الكفار بالتوحيد؛ ليعرفوه وليؤمنوا ويعتنوا به، فالله يقول للناس: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة:٢١] ويقول: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠ - ٥١] في آيات كثيرة جداً. وكل نبي يقول لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى وعيسى كل نبي يقول: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] والله يخبر عن نبيه في آيات إيمانية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] كل الأمم منهم الكفار خوطبوا في التوحيد ليعرفوه ويؤمنوا به. وخوطب به المؤمنون، سواء حينما كانوا في مكة أو كانوا في المدينة، وبعض العلماء الذين يكتبون في التاريخ يقولون: إن من مظاهر القرآن المكي أنه يتحدث عن العقيدة والتوحيد، والحقيقة أن المكي والمدني كله يتحدث عن التوحيد، فهذا أمر يحتاج إلى نظر، وإن كانت -ولاشك- طريقة المخاطبة اختلفت، لكن الأحكام كلها في أركان الإسلام الكبرى، سوف نرى أنها أيضاً لب التوحيد وهي أحكام. فالله يخاطب المؤمنين بالتوحيد ليزدادوا إيماناً، وليطمئنوا إلى تحقيق توحيدهم، وليحذروا النقص والخلل فيه، فلهذا قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ [النساء:١٣٦] بل عباد الرحمن من صفاتهم: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨] مع أنهم عباد الرحمن والله أثنى عليهم، وذكر من صفاتهم: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨]. مما يدل على أن القضية كبيرة وليست خاصة بخطاب بالكفار، أن الله خاطب بها حتى المسلم، وسوف نرى في فقرة الخوف من الشرك شيء عجيب، فالأمر ليس سهلاً. وكما قلنا لكم: اجتهدوا وأنتم تقرءون القرآن، وتأملوا كيف يكاد يكون في كل آية إشارة إلى التوحيد، إما صريحة وإما مرد، وإما غاية، وإما مآل، وإما وسيلة، وإما كمال إلخ. فعباد الرحمن ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨] والموعودون بالتمكين في الأرض في قوله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥] فأخف خصائص المؤمنين والمسلمين والمحبوبين إلى الله والمقربين منه والموعودين بالتمكين في الأرض أنهم يعبدونني لا يشركون بي شيئاً، وهذا مما يدل على أنه يجب أن تكون هي قضية القضايا وهي سبيل الشرع. والمؤمنات في آية البيعة فيهن ميمونة، لكن الله خاطب نبيه في مخاطبة المؤمنات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ [الممتحنة:١٢] سماهن المؤمنات وهن مؤمنات ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً﴾ [الممتحنة:١٢] ومعلوم من الآية أن النبي ﷺ بايع المؤمنين والمؤمنات، فهن قد جئن مؤمنات يبايعن على ترك الشرك. أما الأنبياء والرسل فقد خاطبهم الله أيضاً بالتحذير من الشرك، مع أنه حاشاهم ﵈، مما يدلك على كبر القضية، فالله قال لإبراهيم: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ [الحج:٢٦] حاشاهم وهو الذي أثنى عليه ربه فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ [الممتحنة:٤] ومع هذا أوحى الله إليه وأكد عليه ألا تشرك: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ [الحج:٢٦] ولهذا إبراهيم خشي على ذريته الشرك، كما ورد في أول مفتتح الحديث: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٥ - ٣٦]. ولهذا أيضاً فيما حكى الله عنه: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة:١٢٨] وقال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ

стр. 775

التوحيد في السنة والسيرة السنة والسيرة بمعنى واحد في هذا الباب، فنبينا محمد ﷺ بعث بالتوحيد، فأول ما أمر به ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:١ - ٣] معنى وربك فكبر: توحيد، وقلنا: إن تقديم المعمول قبل العامل من التخصيص ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٤ - ٥] الرجز الأصنام. فإذاً هذا الذي أمر به هو توحيد، ثم أمر بإنذار العشيرة ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٣ - ٢١٤] وحاشاه ﵊. ثم الأمر بالصدع، لا حظوا أننا نتحدث عن الآيات التي فيها التوحيد، وإلا فهناك أشياء كثيرة في التدرج في التشريع، لكن نتلمس الآيات في سيرة النبي ﷺ وتوجيه القرآن له، فهو قد قيل له: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر:٣] وقيل: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٥] وهو مع الأقربين من عشيرته: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٣ - ٢١٤] ثم أمر بالصدع في القوم كلهم ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤] وبعد الهجرة أيضاً لم ينته التوحيد، محمد ﷺ يقول لصاحبه أبي بكر: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] القضية تثبيت مرتبة المعية، وهي كما تعلمون من توحيد الأسماء والصفات، وهي تعني حقيقتها كما قال العلماء: توحيد الربوبية مستلزم توحيد الألوهية وتوحيد الألوهية متضمن توحيد الربوبية. والذي بقي توجيهات ونحن نتدرج في تاريخ السيرة، قال: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:٤٠] القضية قضية توحيد ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨]. إلى فتح مكة تجد إعلان التوحيد، ويحطم النبي ﷺ الأصنام وهو يتلو: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ [الإسراء:٨١] إلى أن جاءه الموت ﵊ وأعلن في القرآن في قوله : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ﴾ [النصر:١ - ٣] تنزيه ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ استغفاره بالعبادة ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [لنصر:٣]. والنبي ﷺ وهو في مرض الموت كان يقول: ﴿لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد﴾ وهذا من آخر ما قال. إذاً ليس التوحيد في عهد مكة وليس القرآن المكي فقط هو من يتدث عن التوحيد، بل التوحيد صحب السيرة كلها من ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر:٥] إلى ﴿لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد﴾ وهو في مرض الموت ﵊. ولهذا نقول: يا إخواني لم تخل فترة من هذه الفترات ألبتة من إعلان التوحيد وشواهده، ومحاربة الشرك وظواهره، ويكاد ينحصر عرض البعثة كلها في ذلك، فما ترك ﵊ صغيراً ولا كبيراً وهو وحيد، ولا ذهل عنه وهو محصور في الشعب، ولا انصرف عنه وهو في مسألة الهجرة والعدو مشتد في طلبه، ولا قطع الحديث عنه وأمره ظاهر في المدينة وأنصاره وأعوانه متظاهرين، ولا أغلق باب الخوض فيه بعد فتح مكة الفتح المبين، ولا اكتفى بطلب البيعة على القتال عن تكرار أمر البيعة على التوحيد ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً﴾ [الممتحنة:١٢] فهذه سيرته المدونة وأحاديثه الصحيحة والقرآن من وراء ذلك كله توحيد، ولو تتبعتم وتلمستم لوجدتم شيئاً عجيباً لا في القرآن ولا في السيرة، ولهذا نقول: ومن أجلها كان التوحيد أولاً ولابد أن يكون أولاً في كل عصر وفي كل مصر.

стр. 776

التوحيد وأركان الإسلام المعروف أن أركان الإسلام وخاصة الأركان الأربعة الصلاة والزكاة والصوم والحج هي فروع، وهي من أصول الدين، ولا شك أنها من المعلوم بالضرورة أنها أركان وأحكام، والأحكام يعتبرونها من الفروع، لكن الواقع أن تقرير التوحيد من خلالها شيء عجيب.

стр. 777

الشهادتان أول الأركان هي الشهادتان، وهي ظاهرة لأنها نطق وإقرار بما في القلب؛ حينما تقول: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله) فهذا تقرير في عقيدتك في الله وعقيدتك في محمدٍ ﷺ . وبالله عليكم كم مرة تمر على المسلم ذكر الشهادتين والأذان في اليوم والليلة؟ خمس مرات، هل هو المؤذن فقط الذي يردد أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله أم نحن؟ نحن؛ لأن النبي ﷺ أمرنا إذا سمعتم المؤذن أن نقول مثل ما يقول، لماذا؟ هل نقولها عبثاً؟ لا. معناها: فكلما قال المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله. التحيات: كم تصلي أنت؟ الصلوات الخمس وفيها التشهدات، كم تصلي في السنة وخاصة إذا أعانك الله وأصبحت من المجتهدين في النوافل كم مرة تقول في التحيات: أشهد أن لا إله إلا الله؟ هذا ليس عبثاً يا إخواني، بل هذا من عقيدة التوحيد.

стр. 778

الصلاة الصلاة بين الأركان خمسة تذكيراً وتطبيقاً وأركاناً وإظهاراً وعملاً، فالشهادتان هي في وحدانية الله، والصلاة مفتتحة بالتكبير، وكم في الصلاة من تذكير بالتوحيد؟ أولها افتتاح بـ: الله أكبر، وهذه تعني بلا شك أنك إذا اعتقدت في الله الربوبية هو لا بد يقودك إلى توحيد الألوهية، فإذا كنت تعتقد حقيقة أن الله هو أكبر من كل شيء إذاً ستكون موحداً، والخوف والمحبة والتعظيم والتذلل والخضوع هذا هو التوحيد. فإذاً: الصلاة مفتتحة بالتكبير المنبئ عن طرح كل من سوى الله ، ثم شأن استصغار كل من دون الله ، ناهيك بطبيعة الصلاة من قراءة القرآن في الصلاة، وأركان الصلاة في منازل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] كم من الأذكار تمر عليك في الصلاة وفي التشهدات وفي غيرها، شيء عجيب في الصلاة!

стр. 779

الزكاة الزكاة هي قرينة الصلاة في التعبد لله ، وفي مراقبة النفس من عبادة الدرهم والدينار، ولهذا قال الله : ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت:٦] من هم؟ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت:٧] فهناك ارتباط بين الزكاة وبين التوحيد، فأنت تخرج الزكاة بإخلاص وطيبة بها نفسك تبغي بها ثواب الله ، ومعتقد أن الملك لله وأن المال لله ومن مال الله الذي آتاك: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧] هذه هي الزكاة، ولهذا كانت مطهرة ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] تزكية التوحيد منبع العقيدة والتعلق بالله والتجرد من الدنيا عبادة الدرهم والدينار.

стр. 780

الصوم ﴿من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه﴾ ألم نقل: إن توحيد العبادة هو توحيد الله بأفعال العباد، فمتى تكون أفعالي لله، فقول الزور وعمل الزور هذا أنني أخطأت في عملي ولم أجعله لله ﴿فمن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه﴾ ولهذا قال الله في الأضاحي في الأخير: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧].

стр. 781

الحج الحج من أقوى مظاهر التوحيد، أولها: التلبية: (لبيك اللهم لبيك)، هؤلاء الذين يتهموننا أحياناً أننا نتهم الناس في عقائدهم، فلماذا الحاج أول ما يأتي بحج أو عمرة يصل الميقات ثم يقول: (لبيك لا شريك لك لبيك؟) وهل يقول هذا عبثاً؟! لكن مع الأسف أن كثيراً منهم يقولونها عبثاً بل يقولونها وكأنهم ينشدون أناشيد، تلاحظون في وسائل الإعلام الناس في الحافلات يقولون: لبيك اللهم لبيك، حتى معانيها لا يقفون عندها وقفة حقيقية إن الحمد، والنعمة لك والملك يقف عند الملك، لأنه يردد شيئاً لا يفقهه. وميزة الإسلام أنه بالعمل والحياة وليس طقوساً نرددها أو نواقيس كما هي عند اليهود والنصارى وغيرهم. حينما كان النداء للصلاة كان نداءً عظيماً ولم يكن ناقوساً ولم يكن مجرد تنبيه، وإنما شعار توحيد، كذلك الحج افتتاحه: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك)، وبخاصة هذه القضية التي تبين توحيد العبادة. وسبب وقوع الناس في الأضرحة وفي التعلق بالتراب وبالأحجار؛ لأنه فعلاً لا يوجد توحيد، يعني: ندرك نعمة الله علينا حقيقة بما نحن فيه من توحيد حينما نرى نزاهة الحرمين الشريفين من مظاهر الشرك، نحن عندما نقول: لبيك لا شريك لك لبيك، في الجاهلية كانوا يقولون: لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك. مع الأسف أن طبيعة النفس البشرية أحياناً تميل إلى تقديس الأشياء والمقدسات، ليست لأن الديار المقدسة، فالحرم المكي مقدس وهذه المظاهر مقدسة ومباركة، لكن أين صفاء العقيدة التي بها نعرف معنى التقديس؟ مع الأسف أن مفهوم التقديس عند كثيرٍ من المسلمين من الذين ما عرفوا صفاء العقيدة يظن أن التقديس يكون بالتمسح وبالتعلق بالحجارة، وباحتضان الأعمدة والأسطوانات والجدران ووضع الخدود على التراب، أو أن ينفضه على الرءوس أو في الجيوب أو في تمائم وحروز، ولهذا نقول: لبيك لا شريك لك، ولهذا قال ربنا: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش:٣] ما قال: يعبدوا البيت لكن مع الأسف أن الإنسان بسرعة ينحرف. ولهذا تلاحظون مظاهر الأخطاء عند المسلمين في هذا الباب كثيرة على جبل عرفات وعلى حجارة عرفات بل حتى على أشجار عرفات يربطون بالخيوط ويعظمون الأشجار والحجارة. أما الشعوذة والسحر والكهانة فقد فشت حتى في بلادنا التي نعترف بصفاء عقيدتها؛ لأن طبيعة النفس البشرية ضعيفة، فالخوف من الشرك يجب أن تعمر به القلوب: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم:٣٥ - ٣٦].

стр. 782

التوحيد والحج في كل الأزمان والأعصار تخوف من إمام النبوة الأولى إبراهيم ﵇، فالحج من أظهر مظاهر التوحيد، وهو من أكثر ما يخاف منه لأنه بالنسبة لـ منى وعرفة والمسجد الحرام ومكة المكرمة وغار حراء وغار ثور كلها مواطن شريفة ومقدسة، ولاشك أنها تبعث في المسلمين ذكريات جميلة، لكن مع الأسف لا تعود الذكرى ولا أي شيء منها وإنما يرون الأطلال، ولا شك أنك ترى الأرض التي نشأ عليها محمد ﷺ ومشى عليها أبو بكر وعمر وعلي والصحب الكرام ودار الندوة، ولا شك أنها تحكي تاريخ الإسلام لكننا لا نعبدهم من غير الله، ولا نستكين لهم كما هي الانحرافات الموجودة. فمظاهر التوحيد في الحج سنقف عندها وقفة إلى حدٍ ما ولهذا نقول في التلبية: (لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك). فأقف عند التلبية وأبسطها قليلاً من حيث إنها تجسد التوحيد كله، فالعلماء قالوا: إن توحيد الألوهية متضمن إثبات الربوبية، وإثبات الربوبية مستلزم إثبات الألوهية، ولهذا لا تجد أحداً يوحد الله في الألوهية إلا وقد وحد في ربوبيته. فأنت قل: لبيك اللهم لبيك ولهذا قل: إن الحمد والنعمة هذا التوحيد فيه ربوبيات بالتفصيل كما سنرى، لكن من الناس من يوحد الله في الربوبية لكنه لا يوحده في الألوهية، ولهذا كان من يوحد الله في ربوبيته ولا يوحده في ألوهيته كافراً، إذا كان موحداً في الربوبية فعلينا أن نعلمه توحيد الألوهية، ولهذا صاغ العلماء هذه القاعدة: توحيد الربوبية مستلزم توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية متضمن توحيد الربوبية. فهذا المقصود منه هو: الملك لا شريك لك، إثبات لتوحيد الربوبية، وقوله وحدك لا شريك لك هذا توحيد الألوهية، وفي قوله: إن الحمد والنعمة لك، هذا يدل على توحيد الأسماء والصفات، فالحمد وصف للكمال، والنعمة من صفة الأفعال، فقد تضمنت توحيد الأسماء والصفات، بل إن قولنا الأسماء والصفات حين نوجدها لربنا، فإننا نقول: إثباتاً بلا تكييف، وتنزيهاً بلا تعطيل، فهل هذا في التلبية؟ نقول: نعم. نحن عندما نثبت الأسماء والصفات نثبتها بلا تكييف ولا تمثيل، ونثبت حقيقتها مع اعتقاد أنها ما زالت عليه من غير تكييف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه، لأنه قال: إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وحتى في الأسماء والصفات كلمة التلبية تضمنت مجموعة التوحيد الثلاث: الألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات.

стр. 783

الخوف من الشرك لعلنا أشرنا في إشارات من الخوف من الشرك، ولعلكم أيضاً لمستم الانحرافات في العالم الإسلامي. والآيات الكثيرة والجميلة في معناها والواضحة في دلالتها حتى في حق الأنبياء ﵈ -وحاشاهم أن يشركوا- مما يدل على أن الأمر مخوف، ولهذا نقول: إن هذه الأدلة المتكاثرة والحجج المتظاهرة والبراهين المتواترة ما كانت إلا لعظم الأمر وخطر شأنه، وشدة الخوف فيه على الناس من الانحراف، والقلوب من الزيغ، ولماذا لا يخاف عليه والشياطين ما فتئت تترقب لبني آدم تجتالهم وتغويهم كما جاء في الحديث القدسي: ﴿خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم فحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً﴾ الحديث رواه مسلم وأحمد. ولماذا لا يأتي الخوف من الشرك والنبي ﵊ يقول: ﴿أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، وعندما سئل عنه قال: الرياء﴾ وقد علق على ذلك الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ في شرح كتاب التوحيد فقال: فإذا كان الشرك الأصغر مخوفاً على أصحاب رسول الله ﷺ مع كمال علمهم وقوة إيمانهم؛ فكيف لا يخافه من هو دونهم في العلم والإيمان بالمراتب، قال: خصوصاً إذا عرف أن أكثر علماء الأمصار في الأزمنة المتأخرة لا يعرفون من التوحيد إلا ما أقر به المشركون -أي: توحيد الربوبية- وما عرفوا معنى الألوهية التي نفتها كلمة الإخلاص عن كل ما سوى الله . وكذلك في حديث: ﴿الشرك أصغر من دبيب النمل﴾ أيضاً قال ﵀: إن تخوف الخليلين ﵉ لما يريانه من سنن الله في مصير الأمم بعد الأنبياء، وكيف تصبح -إن لم يحفظها ربها- فريسة لشياطين الإنس والجن والدجالين والمضلين من عباد الأوثان والجاهلية في كل زمان ومكان. فالخوف من الشرك شديد، وقد ذكرنا لكم صور تعلق الناس بالسحر والكهانة والخوف والشعوذة وفشوها، إنها دليل على خلل في العقيدة، وعلى خلل في توحيد العبادة والألوهية.

стр. 784

صور جديدة من الخلل في العقيدة نأتي إلى صور جديدة من الخلل في توحيد العبادة -العقيدة- وهي في هذا العصر المادي، فإن فئات من الذين يزعمون الانتساب إلى الإسلام -وهم محسوبون على المثقفين- ومن لا يرضون بحكم الله يجدون في صدورهم حرج؛ حينما يكون الحديث عن إقامة حدود الله، فترتعد فرائصهم وتشمئز قلوبهم، فيقومون ويقعدون ويلوون ويزبدون ولهم إخوان يمدونهم في الغي، ومع الأسف أنها ظهرت صور من صور الردة، هذه -يا إخواني- لاشك أنها من الأمور التي تخيف، فالإسلام عندهم ظلم المرأة وهضم حقوقها، والحدود عندهم قسوة وبشاعة وتخلف، وحكم الردة تهديد لحرية الإبداع والفكر، وأحكام الشرع عندهم عودة إلى أصول الظلام، وتعصباً وانغلاقاً، لقد أدخلوها في الإرهاب، حتى المتمسك بالإسلام قالوا: هؤلاء إرهابيون، والله يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥] صور من صور التوحيد، ولهذا يقول يوسف ﵇ فيما أخبر الله عنه: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٣٩ - ٤٠] فالقضية جلية لا تحمل إلا برهان. فإذاً الخاتمة التي نختم بها: إن التوحيد صعب على الأذلاء من هؤلاء المعارضين، وهؤلاء الذين يزعمون الثقافة ويزعمون أنهم يريدون الخير لأممهم مع أنهم هم أساس الداء وهم بهم يعظم البلاء، فالتوحيد صعب على الأذلاء، ومن فيهم الخسة والذلة والتبعية، ولهذا يقول: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] التوحيد صعب على من استمرءوا الفساد وولغوا في الأوحال، والله يقول: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥]. إنهم لا يعرفون التوحيد ولا يعرفون صفاء دينهم، مستعبدون في تفكيرهم وكأنهم قالوا للذين كفروا وكرهوا ما نزل الله: سنطيعكم في بعض الأمر، بل في كل الأمر، إنهم حين لم يعرفوا التوحيد ولم يحققوه أصبحوا وكأنهم فئة منفصلة عن أمة الإسلام بفكرها ورؤيتها، وغايتها مشدودة من خارجها من الشرق والغرب في السياسة والاقتصاد والأدب، وقد تجلى ذلك في تجاهله بل في تمرده على تاريخ أمته وأصالتها وتراثها، ونعمة التوحيد أيها الإخوة يخرج بها العبد من ظلمة الشرك وجهالاته إلى نور الإيمان بالله وتوحيده. أسأل الله ألا يزيغ قلوبنا بعد إذا هدانا، وأن يرزقنا الفقه في الدين، وأن يرزقنا الاستمساك بتوحيد ربنا، إنه سميع مجيب، وصلى الله على محمدٍ وآله وصحبه وسلم.

стр. 785

الأسئلة

стр. 786

مدى صحة عبارة: "أول واجب على المكلف هو النظر في الوجود " السؤال فضيلة الشيخ: نقرأ في بعض الكتب عبارة: (أول واجب على المكلف هو النظر في الوجود) فما صحة هذه العبارة؟ الجواب هذا خطأ في طريقة المنهج، وفي تعليم التوحيد، وهي التي سار عليها المتكلمون، فهذه الكلمة ليست صحيحة والواجب على المكلف هو التوحيد وهو أن يعبد الله ، وقد قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] أي: يوحدون، وما قال: وما خلقتهم إلا لينظروا أولاً، ولكان النظر مأمور به، لكن ليس كل من نظر بلغ، وليس كل قادر على النظر مطلوب، ولهذا هناك كفار عقلاء وعباقرة ومع هذا الهداية بيد الله : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢]. فالمطلوب هو بيان التوحيد، ووالله يا إخواني أنا أقولها بكل صدقٍ وإخلاص: إن شيخ الإسلام/ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في مؤلفاته وفي رسائله هذه التي هي صغيرة في مبناها لكنها كبيرة في معناها: الأصول الثلاثة، والقواعد الأربع، وضع ﵀ مما يدل على فقه عظيم في أمور الناس، فهي سهلة منقولة من الكتاب والسنة تخاطب العامة؛ ولذلك كانوا يحفظونها ويعرفون معناها، فهي طريقة قرآنية سهلة وميسرة، ولا نقول: نحن متعبدون بها، لكن يمكن أن ننسج على منواله ونقدرها ونأخذه بها، وكما قال الشيخ: نطورها، ونبسطها في مناهجنا بحيث يتربى عليها الناشئة والأطفال ويتوسع في ذلك وتوسع في معارفه، فيركز على التوحيد والنحو والعلوم والرياضيات والجغرفيا والتاريخ وفي كل مادة في طريقة سهلة، في النظر في آيات الكون وفي أن يعرفوا طريقة القرآن، فالقضية تحتاج إلى نظر وتحتاج إلى تطوير ومعالجة، فهو ﵀ وضع شيئاً كي يفهم الناس، ونستطيع أن نوسع هذه الخطى وأن نضع على منهجه.

стр. 787

علم الكلام السؤال نسمع عن علم الكلام، وما مدى صحة هذه التسمية، وهل تدل على شيء؟ الجواب هم يسمون علم العقائد علم الكلام، بل حتى الذين يأخذون به يسمونه الكلام وهم الذين يقولون للعلماء: أنهم يثبتون العقائد بطريق العقل، وبطريق المنطق، والمنطق له قواعد خاصة، وله أيضاً قواعد معينة كبرى وصغرى إلى آخره فهم يحاولون أن يثبتوا العقائد وبخاصة ما يسمونها بتسوية الدين كالنبوة ووجود الله ، ومسألة الصانع، والنبوة والمعجزة والقرآن فكل هذه عن طريق المنطق وعلم الكلام، ولكن لا شك أن هذا كما أشرنا في مفتتح حديثنا العنصر الأول ذكرناه هي طريقة القرآن في إثبات التوحيد وإثبات العقيدة، وهو النور والهداية لكن مع الأسف لا تؤدي الغرض. والشيء الثاني: أننا لو سلمنا -إن صح التعبير- به في خاصة الخاصة فلا يفقه العامة منه شيئاً، ولهذا أشير إلى كلمة لواحد منهم من علماء الشافعية، كلام لطيف جداً ذكره ابن حجر الهيتمي صاحب كتاب: الزواجر من علماء الشافعية، وإن كان له كلام منتقد لكن على كل حال له كلام في هذا يؤخذ به، يقول: ينبغي منع من يشهر علم الكلام بين العامة -وأنا أقول بين العامة والخاصة- لقصور أفهامهم ولأنه لا يؤمن عليهم من الزيغ والضلال، ولابد من أخذ الناس بفهم الأدلة على ما نطق به القرآن ونبه عليه إذ هو بين واضح يدركه العقل. كلام سليم وصحيح، فعلم الكلام ليس بحجة ولا يستفاد منه شيء إلا في بعض الأشياء فيما يتعلق بالعقل؛ لأن الهداية بيد الله لا تخالف القرآن وفي الأمم في الحاضر والماضي كفار صناديد، وهم مع ذلك كما في الهند يعبدون البقر، علماء في الذرة وعلماء في الكون ومع هذا يعبدون البقر والأصنام والأوثان. اليابانيون كلهم بوذيون يعبدون بوذا وبعض الإخوان ذهبوا إلى هناك، فتستغرب على أناس على مستوى من العبقرية العلمية والعلوم المادية ومع هذا يجلس إلى التمثال بوذا.

стр. 788

تأثير المعاصي في التوحيد السؤال قرأت لـ ابن القيم ﵀ قوله: كل معصية قبل أن تنسى شرك، كيف يكون ذلك؟ الجواب هذا أشرنا إليه أن المعاصي تؤثر في التوحيد ولاشك؛ لأن المعصية تعني وجود خلل في العقيدة، وإذا استرجعت في ذهنك قوله ﷺ : ﴿لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن﴾ فإذاً لو كانت عنده قوة عقيدة في لحظة الإقدام على المعصية، لكانت رجحت أن يقدم، فلما كان هناك شيء من الضعف غلبت المعصية وغلب الهوى وغلبت النفس الأمارة بالسوء وغلب الشيطان. حتى إن بعض العلماء يقول -أثناء المعصية-: مشيراً إلى قوله ﷺ : ﴿لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن﴾ يعني: ارتفع أثناء الزنا فإذا أقلع عاد، فالمعصية تعني قلة الخوف من الله ، وقلة الخوف تعني: ضعف العقيدة، ولذلك من أنواع العبادات: الخوف، هذا معنى كلام ابن القيم فيما عزوته إليه والله أعلم.

стр. 789

علاقة مطالع النجوم بنزول الأمطار السؤال نلحظ أن بعض الناس يقول: ينزل المطر في مطلع النجم الفلاني، فهل هذه العبارة مستقيمة؟ الجواب إذا كان يقصد أنه بسببه هذا لا شك أنه الشرك، كما في حديث زيد بن خالد الجهني عندما قال: قال النبي ﷺ : ﴿إن الله قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فمن قال: مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب﴾، فإذا كان يعتقد أن الكوكب هو الذي ينزل الأمطار، وأنه بسبب اختلاف مطالعها والنجم الأخضر والأزرق هذا لا يصح ولا يجوز. أما إذا كان يقول: أن الله أوجد هذه الأشياء بالأسباب واعتقد أنها مجرد سبب، فهذا جائز، ولهذا الله علمنا سنناً حتى نتقي وحتى نقدم، ولا يوجد أحد يغرس بر إلا في وقته، ولا يغرس بطيخ إلا في وقته، فلا يكاد يغرس في مكان إلا بسبب، فهذا ليس اعتقاداً بالأموال ولا بالفصول وإنما معرفة بالأسباب، بحيث وقت الغرس يكون هو من فصل كذا وكذا، أو حتى يجوز غرس النخل في الوقت الفلاني، البر من كذا وكذا، والبطيخ في الوقت الفلاني، هذا لا شيء فيها؛ لأنها سنن الله وضعها ودل الناس عليها، لأن الاستخلاف علمنا وعلمكم ما لم تكونوا تعلمون، وعلم الإنسان ما لم يكن يعلم.

стр. 790

خوف السر السؤال هل لكم يا معالي الشيخ أن تحدثونا عن خوف السر؟ الجواب هذا يتعلق بقضية الإخلاص والرياء، إذا نظرنا إلى طبيعة شريعتنا ففيها أعمال علنية مشروعة يؤديها المسلم مع إخوانه، ويؤديها علانية، فهذه تؤدى على نحو ما شرع الله صلاة الجماعة، إذاً من يقول: أنا لا أصلي جماعة خوفاً من الرياء! ويقول: أنا لا أحج وأترك الطواف لأنني أخشى الرياء، فلا يفعل بل حتى الصدقة التي يمكن أن تكون حرةً قال: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١] إذاً هذه متعلق بالعلن والخوف العلني والحذر. خوف السر: هو أن تخشى الله وأنت مفرط، وهذا أيضاً دقيق، ولاشك أنها تجعل الإنسان يقوم في جنة الليل يبكي ويبكي، لماذا؟ هذا الخوف من الله . أما إذا كان الخوف من الناس بسبب شرهم فإن هذا أيضاً يختلف، فالخوف الجبلي مفطور في الإنسان، فلو قيل: إن السلطان هددك؛ تجد أنك تخاف وأنت في بيتك، هذا خوف جبلي وتخاف فعلاً، أو قيل: إن في البيت لص، فهناك شبه من الخوف، سواء خوف من ناحية أنه جبان، أو خوف من المواجهة وماذا تكون النتيجة، بل أحياناً قد يكون هذا خوف دائم، فالخوف الجبلي سواء كان سراً أو علناً لا خوف فيه، والخوف من الله كذلك أيضاً هو على نحو ما ذكرت.

стр. 791

انتهاء فرقة المعتزلة السؤال هل صحيح أن المعتزلة فرقة كانت ثم اندثرت؟ الجواب يبدوا أنها خفّت كثيراً وأوشكت أن تندثر، لكن مع الأسف أن العقلانيين من الأدباء والكتاب حرصوا على إحيائها، كـ طه حسين ومن سار على شاكلته، اجتهدوا أن يحيوا مذهب الاعتزال ولهذا حتى الحداثيين الآن الذي له قراءة في الحداثيين يلاحظ أنهم ليسوا معتزلة ويا ليتهم معتزلة! فهم يكفرون بالله من حيث لا يعلمون نسأل الله السلامة. لكنهم أحياناً قد تعجبهم نظرات عقلانية، فبعض صناديد المعتزلة لهم نظرات عقلية تعجب الماديين، وتعجب المتأثرين بالغزو الفكري الغربي، ومن هنا يحيونها، لماذا؟ ليس قناعة بالدين -والمعتزلة مقتنعون بالله وبالإسلام وبرسوله- لكن هؤلاء يخرجونها من أجل أن يضللوا بها ويقولون: نؤمن، لا. نسأل الله السلامة. من هؤلاء الذين صاروا ضد دينهم الإسلام. المعتزلة لاشك أنهم أهل ضلال ومنهجهم كان في الرد على الكلاميين والإلحاديين، فهم أرادوا أن يردوا على الملاحدة والزنادقة وأرادوا أن يردوا على اليونان الفسقة لكن أخطئوا بلا شك وإلا مقاصدهم كانت حسنة، لكن هؤلاء ما أخذوها من أجل أن يؤصلوا الفلسفة اليونانية يعني: هؤلاء يريدون أن يحيوا الاعتزال أو بعض مناهج المعتزلة من أجل أن يؤصلوا الفلسفة اليونانية والفلسفة الأرضية المادية.

стр. 792

قول بعض الناس "فلان عنده ثقة بنفسه " السؤال قول بعض الناس: فلان عنده ثقة بنفسه، هل هو قول صحيح؟ الجواب صحيح إذا كان المراد به في معناه أنه ليس جباناً وعنده شخصية، ولا شيء فيه إذا كان ثقة بنفسه بحيث يتجاوز حدوده ويتجاوز ما هو معلوم لله تعالى في تصريف خلقه وفي هيمنة مشيئته سبحانه وإرادته هذا لا، أما فلان عنده ثقة بنفسه بحيث لو أنك قارنت بين من يختلفون من بعض الناس تجده عنده تردد وخوف بينما الثاني عنده ثقة بنفسه، فيجوز هذا التعبير ولا شيء فيه.

стр. 793

أدوية تشفي من الصداع والضغط السؤال نرى في بعض الصيدليات أدوية حديثة يزعم أنها تشفي من الصداع والضغط وغير ذلك فهل استعمالها صحيح، أم أنها من التمائم؟ الجواب والله ما أدري عنها، لكن هذا ترجع إذا كانت طبية صحيحة ويرجع في هذا ينبغي أن ينظر فيها عالم الشراب وعالم الطب، فإذا كانت فعلاً لها أثر طبي صحيح فهي دون ذلك، أما أنها مجرد علم نفس أو أشياء نفسية لا يجوز، وأغلب التمائم من الأشياء النفسية، تضع الإنسان في مجرد توهم يضع خيطاً في رقبته أو في عضده أو في كاحله أو حتى في خاصرته هي وهم، أما إذا كانت فعلاً تتضمن علاجاً مادياً؛ فهذا أنا لا أعرف عنها شيئاً ويرجع النظر فيها كما قلت إلى حقيقتها.

стр. 794

علاقة الحج بالعقيقة السؤال أردت أن أحج حجة الإسلام وقالت لي أمي: إنه لم يعق عنك، فهل ثمة علاقة بين العقيقة والحج؟ الجواب ليس هناك علاقة بين العقيقة والحج، العقيقة لاشك أنها مسئولية الأب أن يعق عن أولاده لكن العقيقة مستحبة وليست واجبة، لكن لا علاقة بين صحة الحج وعدم العقيقة فالحج صحيحٌ إن شاء الله.

стр. 795

أيهما يقدم: الحج أم الإنفاق في الجهاد السؤال امرأة قالت: والله لأتصدقن على المجاهدين في سبيل الله، وهي تريد الآن أن تحج فهل عليها الوفاء وكيف بالنسبة للحج أثابكم الله؟ الجواب هذا لا يمنع مادام المبلغ ليس له علاقة بقدرتك على الحج، أما لو كان المبلغ لا يكفي بين الحج وبين الإنفاق فدين الله يقدم على كل حال، أما إذا كان عندك القدرة فلا بأس إن شاء الله.

стр. 796

عبارة (شاءت الأقدار) السؤال نقرأ من عبارة بعض الكتاب: (شاءت الأقدار) فهل العبارة هذه صحيحة؟ الجواب لا هذا غير صحيح، إنما هي مشيئة الله ، ولا يقال: شاءت الأقدار، وإنما يقال: شاء الله ، بل حتى بعض العلماء يقف عند قوله تعالى: إنه على ما يشاء قدير، أو لا يستحسنها، بل هو قدير على كل شيء وهذه تتوجه إلى مذهب المعتزلة، فيها قصد وينبغي أن يبتعد عنها.

стр. 797

تزكية المال المسروق وقد حال عليه الحول السؤال لدى زوجتي ذهب وقد حال عليه الحول ولكنه سرق فهل نزكيه اليوم؟ الجواب الذي نقول به: أنه لا زكاة في حلي النساء الماضي الاستعمال، ومادام أنه معد للاستعمال أو أنها تدخره لتستعمله وعادة المرأة لا تستعمل حليها دائماً، كما أنها أيضاً لا تستعمله دفعة واحدة، فهي عندها أنواع تستعملها في مناسباتها وإن كان المنهي عنه الإفراط في مثل هذا لكن الأصل أن الحلي ما دام أن شراءها من أجل الاستعمال فإنه لا بأس فيه.

стр. 798

مدى صحة خبر السبع في الصفا السؤال ما خبر السبع في الصفا فكل الإخوان يسألون عن خبر هذا السبع فهل هو صحيح؟ الجواب لا صحة له في الواقع، والأمر فعلاً أنه كذب، ذكر ذلك أيضاً أئمتنا كالشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله، وكذلك الشيخ: محمد السبيل أيضاً أصدر في ذلك بياناً حملته الصحف كذب ذلك ومن طريف ما قال الشيخ محمد السبيل حفظه الله قال: إن مثل هذا الأمر من علامات الساعة، ولأنه من حديث الرويبضة، والرويبضة هو: الذي يتحدث بما لم يعلم، فالأمر لا صحة له، ولكن عقول الناس تطير بمثل هذه الشائعة.

стр. 799

قصة أصحاب الكهف إن من حكمة الله البالغة أن أرسل لنا القرآن منهاجاً نتبعه ونحكِّمه في جميع أمورنا، ومن الأمور التي ينبغي أن نتبعها أساليب القرآن في الدعوة إلى الله، وفيها أسلوب القصص، فالقصص لها مكانة عظيمة في الدعوة إلى الله. ومن القصص المهمة في القرآن الكريم ما ورد في سورة الكهف، فهي قد احتوت على أربع قصص. وقد عرض الشيخ قصة أصحاب الكهف بإيجاز وذكر فوائد قيمة من هذه القصص، ثم بين الوصايا والتعليمات التي أمر الله بها رسوله في هذه السورة.

стр. 800

القصص وأهميتها في الدعوة إلى الله الحمد لله لم يزل واحداً أحدا، ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا، أحمده سبحانه وأشكره، لا نحصي لنعمه عددا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنجي من الردى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله أشرف متبوع وأفضل مقتدى، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه نجوم الدجى، ومصابيح الهدى، والتابعين ومن تبعهم بإحسان صلاة وسلاماً على مر الزمان أبدا. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فاتقوا الله ما استطعتم، وتداركوا بالتوبة النصوح ما فرطتم، ازجروا النفوس عن هفواتها، واغتنموا أعماركم بالأعمال الصالحة قبل فواتها، ألا وإن كتاب الله بينة بصائره، فيه الحجج الظاهرة، والمواعظ الزاجرة، والقصص البالغة. أيها الإخوة: القصص في القرآن الكريم وسيلة من وسائل البيان، وسبيل من سبل الدعوة، القرآن الكريم كتاب هداية ومنهج حكم، ودستور حياة، يقص القصص ليعالج بها قضايا، ويقرر الحقائق ليغير بها باطلا. القصص في القرآن الكريم: قوة في الحق وإبداع في البيان، ووضوح في المعالجة، قصص هو أحسن القصص، أنباء القرى تقص على نبينا محمدٍ ﷺ ، في هذا القصص: تحقيق التوحيد، وإثبات الوحدانية، ورسوخ العقيدة، والتضحية في سبيلها، فيها إثبات الوحي والرسالة، وبراهين الإيمان بالغيب والبعث بعد الموت، ومظاهر القدرة الإلهية. فيها الإنذار والبشارة، والترغيب والترهيب، وعقبى المستقيم، ومصارع الظالمين، وآثار الصبر والجزع، والشكر والبطر، فيها تصحيح منهج الفكر والنظر، وتصحيح الميزان على نهج الحق والعقيدة والإيمان، في القصص تجديد الصراع الدائم بين الحق والباطل، والكفر والإيمان، فيها التسلية لأهل الإيمان حين يتعرضون للبلاء والإعراض والأذى، فيها يتجلى التمسك بالإيمان والصبر في البأس والبأساء، وانتظار الفرج بعد الشدة، واليسر بعد العسر.

стр. 801

فوائد القصص التي في سورة الكهف أيها الإخوة: وبين يدينا سورة من كتاب الله الكريم، سورة عظيمة حوت قصصاً عجيبة، إنها قصص الأسباب والمسببات، والإيمان والإلحاد، والغيب والشهادة، قصص تستأصل جذور التعلق بالمادية وأصول الدجل وأساليبه وتلبيساته، تفضح عباد الدنيا، والمتعلقين بزينتها، والفاشلين في ابتلائها. قصص تبين حدوث الأسباب وما وراء الأسباب، والإيمان بالغيب، والرجم بالغيب، قصص الصراع بين الإيمان والمادة، والآثار المترتبة على هذا الصراع في العقيدة والعمل والأخلاق والسلوك والآثار والنتائج، قصص تفضح عبثية المحاولات التي تبذل من أجل محو الحق أو تحريفه أو تشويه الحقائق أو العبث بها. قصص عجيبة في توجهاتٍ سديدة، وعظات بالغة، تأخذ بمجامع القلوب، وتنطوي على صور مشرقة من الجهاد والمجاهدة، والكفاح والتضحية. تلكم -أيها الإخوة- هي: سورة الكهف، لقد حوت قصصاً أربع، هي من أحسن القصص: قصة أصحاب الكهف، وقصة صاحب الجنتين، ثم إشارات إلى قصة آدم وإبليس، وقصة موسى ﵇ مع العبد الصالح، ثم تختم السورة بقصة ذي القرنين. إنها قصص الأسباب وما وراء الأسباب، ولعل من الأسرار في هذه السورة العظيمة ما جاء عن نبينا محمدٍ ﷺ فيما رواه مسلم وأبو داود وغيرهما من حديث أبي الدرداء ﵁: ﴿أن رسول الله ﷺ قال: ﴿من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف -وفي رواية لـ مسلم: من آخر الكهف- عصم من فتنة الدجال﴾. إن من شرح الله صدره للإيمان، ووهبه نعمة النظر والتدبر تتجلى له الآيات العظيمة، فيرى قانون الأسباب والسنن وما وراء الأسباب والسنن، فأصحاب الكهف لبثوا في كهفهم: ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ [الكهف:٢٥] ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُود لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ [الكهف:١٨]. وصاحب الجنتين اعتمد على حوله وقوته: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ [الكهف:٣٤]، ومن يا ترى ينفعه وينجيه؟ ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ [الكهف:٤٠ - ٤١] ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً﴾ [الكهف:٤٣]. والعبد الصالح قال لموسى ﵇: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ [الكهف:٦٧ - ٦٨]. أما ذو القرنين فملك صالح مكن الله له في الأرض وآتاه من كل شيء سببا. والدجال يفتن بماله وكنوزه وما يجري الله على يديه من البلايا والفتن فهي فتن المادة ومغريات المادة. أيها الإخوة: في هذه القصص تتجلى قدرة الله وحكمته على مخالفة سنن الكون، ونواميس الحياة التي يألفها الناس، وإيجاد الخوارق والمعجزات التي لا يدركون عللها وأسرارها، فأصحاب الكهف ناموا نومتهم الطويلة المئين من السنين. والعبد الصالح خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار في أفعالٍ لم يحط بها نبي الله موسى ﵇ خُبرا. وذو القرنين بلغ مغرب الشمس كما بلغ مطلعها. في هذه القصص بيان للمنهج في البعد في الخوض فيما لا يحيط به علم بشر، ولا تدركه عقولهم من أمور الغيب، وصرف المراء فيما لا طائل تحته: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ [الكهف:٢٢]. ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ [الكهف:٧٠]. أيها الإخوة: إنها قصص الأسباب وما وراء الأسباب، وقصص المادة وما وراء المادة، وفي أعقاب الزمن يعيش الناس حضارة مادية سلبت ألباب أصحابها، تشوهت فيها الحقائق، وقام عندهم الشك والريب في الغيب والشهادة، والأولى والآخرة، فلسفاتٍ مادية حلت محل الأديان، وسحرت النفوس والعقول، أدت في كثيرٍ من مساراتها إلى كفر وإلحاد، وزندقة وفساد مسارات تعارض النبوات والإيمان بالغيب، واحترام الشرائع وتعظيم الشعائر. ترى فيهم الانهماك فيما يحقق الدلائل البدنية، والمنافع العاجلة والمبالغة في متع الحياة الدنيا، والاتجاه إلى التحلل من المثل والقيم، والأخلاق والفضائل، بل حصروا تنافسهم في السيطرة على أسباب هذه القوى المادية وطاقاتها، ترى ذلك في أقلامهم وقرائحهم، وشعرهم وأدبهم وقصصهم وملاحمهم وبطولاتهم ومغامراتهم، بل في حروبهم وثوراتهم، وإبداعاتهم واختراعاتهم، ناهيك بأفكارهم وفلسفاتهم، كل ذلك في المادة ومتعها: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً﴾ [الكهف:٧ - ٨]. أيها المسلمون: ومن غير المنكور أن هذا الكون بني بإذن الله على سنن وأسباب لا تتقلب، وخصائص للأشياء قل ما تفارقها، ولكن الماديين والملاحدة ضلوا عما وراء الأسباب، ضلوا عن رب الأرباب الذي بيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، يحيي ويميت، يمحو ما يشاء ويثبت: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] جهلوا أن هناك أسباباً مؤثرة أخرى فوق القوى المادية وأسبابها، لها نتائجها وآثارها من الإيمان والعمل الصالح، وطاعة الله وحسن عبادته، والعدل، والبر، والمودة، والمكانة، وجهلوا أن ثمة أسباباً مضادة من الكفر والإثم والبغي والفساد في الأرض والظلم وغلبة الشهوات وفشو الآثام.

стр. 802

عرض موجز لقصة أصحاب الكهف أيها الإخوة: ولمزيدٍ من البيان التطبيقي والإيضاح العملي، فهذا عرض في إيجاز لقصة أصحاب الكهف، يتجلى فيها الجمع بين السنن والخوارق، والنواميس والمعجزات، إن هذه القصة على ما فيها من العجائب فهي ليست بأعجب آيات الله، ففي هذا الكون من العجائب المبثوثة، والآيات المنثورة، ما يفوق العجب من أصحاب الكهف والرقيم: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾ [الكهف:٩]. أصحاب الكهف فتية من صالح قومهم، ثبتوا على دين الحق، لما شاع الكفر والشرك في قومهم، وانتشر الباطل والبغي في ديارهم: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً * هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ [الكهف:١٣ - ١٥]. شباب اجتمع لهم الإيمان والفتوة، تحققت لهم الهداية والثبات، سلمت قلوبهم من الحيرة، وامتلأت شجاعة وسكينة، آثروا رضا الله على زينة الحياة ومتعها، تلجأ إلى ربها في كهفها حين يعز عليها أن تعيش به في الناس: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً﴾ [الكهف:١٦]. الكهف ضيق خشن، ولكن حمى الله أوسع وأرحم، السعة في الإيمان والقلوب وليست في الأجساد والكهوف، والرحاب في رحمة الله وليست في الجدران والكهوف، رحمة الله حين تنتشر في القلوب والآفاق، تتمثل في مظاهر لا يحصيها العد، تتمثل في الممنوع كما تتمثل في الممنوح، يجدها من يفتحها الله له في كل شيء ولو فقد كل شيء، ويفتقدها من يمسكها الله عنه في كل شيء ولو وجد كل شيء، ما من محنة تحفها رحمة الله إلا وهي نعمة، من داخل النفس مع رحمة الله تتفجر ينابيع السعادة والرضا والطمأنينة، ومن داخل النفس مع إمساكها يدب القلق والنكد والنصب، وجدها أصحاب الكهف في كهفهم حين فقدوها في المدن والدور. ثم العجب من هذا: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ [الكهف:١٨]، الكلب قد بسط ذراعيه في مدخل الكهف، ومن الطرائف في ذلك ما ذكره بعض أهل العلم إذ قال: إن الكلب قد مد ذراعيه عند عتبة الباب ومدخله ولم يكن داخل الكهف حتى تدخل كهفهم الملائكة، وطريفة أخرى وذلك أنه لما كانت التبعية والصحبة مؤثرة فقد أثرت في الحيوان فسعد برفقتهم، فما ظنك بمن تبع الأخيار من بني آدم وصحبهم ومن أحب قوماً سعد بهم. ثم يأذن الله ببعثهم بعد هذه المئين من السنين، ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ [الكهف:١٩] لا يدرون كم لبثوا فقصارى علمهم أنهم أدركهم النوم فناموا ثم استيقظوا، ثم رأوا أنه لا طائل من هذا السؤال، وليس من المهم معرفة الجواب، ففوضوا الأمر لله وانصرفوا إلى شأنهم: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف:١٩]. وتختصر القصة ليدرك هؤلاء الفتية وليعلم الناس الذين استيقظوا في عهدهم كم من الأحوال قد تغيرت؟ وكم من الأعوام قد انقضت؟ وكم من الدهور قد طويت؟ وكم من الدول قد زالت؟ ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف:٢١] فهذه هي الغاية، وهذا هو المغزى، وحين تنازعوا في عددهم جاء التوجيه، ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ [الكهف:٢٢] صيانة للطاقة العقلية أن تبدد في غير ما يفيده، وحتى لا يقفو المسلم ما ليس له به علم، فهذه أحداث طواها الزمن فهي من الغيب الموكول علمه إلى الله علام الغيوب. وبعد أيها الإخوة: فهذه قصة الصراع بين الحق والباطل، وصورة مواجهة بين الإيمان والمادة، والتعلق بالأسباب والاعتماد على رب الأرباب سبحانه وبحمده. ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ [الكهف:١٣]. نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ ﷺ وأقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 803

وصايا للنبي ﷺ في سورة الكهف الحمد لله العليم الخبير، تعالى وتقدس عن الشبيه والنظير، أحمده سبحانه وأشكره، قبل من عباده اليسير، وأعطى من فضله الكثير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله البشير النذير والسراج المنير، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله! واستمسكوا من دينكم العروة الوثقى، واحذروا أن تؤثروا ما يفنى على ما يبقى، ولا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور. أيها الإخوة: وتختم هذه الخطبة العظيمة بتوجيه الخطاب إلى نبينا محمدٍ ﷺ : ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّه ُ) [الكهف:٢٣ - ٢٤] فإذا كانت القصة تحكي حال الغيب الماضي، فكذلك حال غيب المستقبل، إن كل حركة وسكون وكل نفس من الأنفاس مربوط بإرادة الحي القيوم، وسجل الغيب محاطٌ بحجب عن الأعين والعقول فهي غير قادرة على أن تدرك ما وراء هذه الحجب فالعقول محدودة وقوى البشر قاصرة، وهذه العقيدة الراسخة الثابتة في الغيب، والأسباب لا تدعو إلى كسر التوكل، ولكنها تحقق التوازن بين التوكل والأخذ بالأسباب، فلا يحس المرء بالخوف والتردد وهو يفكر ويدبر ويخطط، كما لا يشعر بالغرور والبطر وهو ينجح ويفلح ويحقق، مرتبط بالله وذكره، مؤمل في هدايته ورشده: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً﴾ [الكهف:٢٤]. ثم الوصية الأخرى لنبينا محمدٍ ﷺ ومن معه بالتمسك بحبل الله، بالتمسك بالسبب الأقوى سبيل الإيمان وسبيل القرآن ذلكم هو لزوم الذين سعدوا بالإيمان والتوحيد واليقين والذكر والدعاء وإن كان حظهم من الدنيا قليلا، ونصيبهم في المتع منقوصا: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨]. ثم التحذير والنهي عن الانسياق مع من قد تعلق بالمادة وزخارفها المتشبع بروحها، قد انغلق قلبه وأسرف على نفسه: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨]. هذه هي القصة وتلكم هي الوصايا، فاسمعوا رحمكم الله وعوا، واقرءوا وتدبروا، ثم صلوا وسلموا على رحمة الله المهداة النبي الأمي محمد رسول الله فقد أمركم بذلك ربكم، فقال عز قائلاً عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلَّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد نبي الرحمة والملحمة، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين،، اللهم أعز الإسلام والمسلمين،، اللهم أعز الإسلام والمسلمين.

стр. 804

لا لمؤتمر بكين إن الأعداء يعقدون المؤتمرات من أجل التنادي بالسلام والحرية ومن أجل رفع الفقر وتحرير المرأة، وهي دعوات براقة وكلمات جميلة، ولكن حقيقتها كذب وخداع للأمة الإسلامية. وإن المؤتمر الذي سيعقد في بكين من أجل المرأة واحد من هذه المؤتمرات، وهو ليس في حقيقته إلا دعوة للتحلل والتفسخ. فيجب على الدول الإسلامية أن تلتزم بدينها، ويجب على العلماء التوعية الصحيحة التي تبني الأمانة وترسخ الأفكار الصحيحة.

стр. 805

حقيقة مؤتمر بكين إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، بعثه بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فنعم اللباس التقوى، ونعم الزاد التقوى. أيها المسلمون: إن أهل العقل والعلم والنظر المتوازن، ليسوا بمغرمين ولا بمبالغين في تصوير أن وراء كل حدث مؤامرة، ولا من المتوهمين أن خلف كل حديث تآمراً، ولكنهم في ذات الوقت لن يكونوا من أولئك الذين يسلمون القياد، ويرخون الزمام؛ لتقودهم أفكار فاسدة، أو تضلهم دعوات ماكرة، أو يسيروا خلف كل ناعق. إننا بين يدي مؤتمر سوف ينعقد قريباً هذه الأيام؛ ليتحدث ويوصي ويقرر عن المرأة والأسرة والبيت وشئونه، يتحدث عن التنمية والسلام والمساواة، مؤتمر منتسب إلى الأمم المتحدة. كم تحدثوا وائتمروا عن التنمية والأمية، والتعليم والصحة، ورفع الفقر، وحقوق الإنسان، وكرامة الإنسان، وأعباء المديونية في العالم الثالث، وهذه كلها كلمات جميلة، ودعوات براقة، كل يحبها، وكل يتمنى تحقيقها، لقد مر على قيام هذه المنظمة خمسون عاماً فأي فقر رفع؟ وأي سلام رسخ؟ وأي كرامة للإنسانية حفظت؟ إن سيطرة القرار الغربي على مجريات الأمور، أضحت واضحة بينة، إنه وحده الذي يستصدر قرارات لها أثرها ونفاذها إذا شاء، وتكون الأخرى حبراً على ورق إذا شاء. من هذه المسلمات يكون الحديث عن مؤتمر المرأة هذا، ومن هذه المنطلقات يكون النظر إلى هذا المؤتمر، إنه مؤتمر لا يعلو فيه إلا صوت الجمعيات المتطرفة التي أعلنت الحرب منذ زمن على الأسرة والحياة الكريمة والبيت الكريم، التطرف الذي دعا بغلوه إلى الحرية الجنسية، والتفسخ الخلقي، والدعارة المعلنة المقننة، دعوات ومقررات تصادم الفطرة وتنابذ كل القيم الإيمانية المستقرة في ضمائر الأسوياء من البشر. وحينما يقال: إن التطرف هو الذي يعد أوراق عمل هذا المؤتمر وهو الذي يصوغ وثائقه وتوصياته، ليس هذا من جزاف القول، ولا من دعاوى الباطل. إن جماعات التطرف النسائية لها دور فعال للإعداد، وإن أعضاء تلك الجمعيات نساء شاذات متعاطيات للسحاق، تطرف ينظر إلى مصطلح الأسرة والبيت العائلي نظر ازدراء وتنقص، ونظر رجعية ومخلفات القرون البائدة

стр. 806

القهر والعنف الذي تتعرض له المرأة إن هذا المؤتمر في أنبائه، يتحدث عن: القهر والعنف الذي تتعرض له المرأة بلى. لقد حفل التاريخ ولا يزال يحفل بألوان من الأذى وقعت على المرأة، لقد حملت من القيود والمظالم بسبب التعسف المكروه في التقاليد والعادات الموروثة الجائرة في مختلف الحضارات والنظم، ولكن ما هو الحل؟ هل الحل كما يريد المؤتمر في تصوير العلاقة بين الرجل والمرأة أنها علاقة صراع واستعباد واستبذال، علاقة تنافس غير شريف؟ سبحان الله! كل عالمهم صراع في صراع، وحروب شتى في ميادين شتى، البارد منها والساخن حتى أدخلوها على الرجل وأهل بيته! أما علموا أن العلاقة عندنا أهل الإسلام علاقة مودة ورحمة وطمأنينة وسكن؟! ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١]. وإن كنا نستنكر الممارسات الخاطئة من بعض المسلمين، وخلطهم بين التقاليد والعادات الموروثة المخالفة لآداب الإسلام وأخلاقه، وبين تعاليم الإسلام الحقة الصحيحة. هذه المرأة المقبورة أفلا يكون الخلاص لها إلا بالإباحية الجنسية، والشذوذ الجنسي، والتفسخ الأسري، وتقويض بنيان البيوت بالجريمة، ومحاربة الزواج المبكر، وفتح أبواب الإجهاض بسبب صحيح وبغير سبب؟! هل خلاصها أن تكون غانية في سوق الملذات والشهوات يستمتع بها الرجل ويستعبدها من طلوع الشمس إلى غروبها، ومن غروبها إلى طلوعها، في دور الأزياء وقاعات السينما، وشاشات التلفاز، وصالات المسارح، وشواطئ البحار والأنهار، وبيوت اللهو والدعارة، وأغلفة المجلات والصحف السيارة؟! بل أقول ولا أخشى لائماً: حتى في ردهات مستشفياتهم وملاحاتهم الجوية، وأستحيي أن أقول: في دور تعليمهم ومحاضن تربيتهم!! هل هذا هو سبيل الخلاص من القهر الذي ينشدون والعنف الذي يقولون؟ إنها البيوت الخربة، والمسئولية الضائعة، حين ألقاها الرجل الغربي عن كاهله؛ فوقعت نساؤهم حيث وقعت، إهمال وتنصل من مسئولية الإنجاب والتربية؛ فأصبح ذكرهم وأنثاهم لنفسه لا لأمته، للذته لا لكرامته، فالفساد في مجتمعاتهم يستشري، والخراب إلى ديارهم يسري! لم يتحدثوا عن المرأة المقهورة المعذبة المرأة المشردة المرأة المغتصبة من إفرازات حروب أنشئوها، وكوارث أثاروها من الظلم العلني والفقر المتدني، في شعوب تنتسب إلى الأمم المتحدة، ما حال أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا في فلسطين وكشمير والبوسنة والشيشان وبورما والصومال؟ إن وثائق المؤتمر لا تكاد تعير هذا اهتماماً في مقابل احتضانها واحتفائها بالمدمنات والشاذات، والبغايا والمومسات، والمصابين والمصابات، بكل أمراض الجنس الفتاكة! هذا نبأ من أنباء مؤتمرهم.

стр. 807

التنمية النسوية ونبأ آخر يتحدث عن التنمية النسوية، إنه حديث كله أو جله عن ما أسماه بالمرأة العاملة، العمل شيء محمود، ومبتغى مقصود، ما دام منضبطاً بضابط الدين والخلق، والله لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى بعضهم من بعض، ولكن المرأة العاملة في عرفهم هي المتمردة على بيتها وأطفالها وشئون منزلها!! لا يقال ذلك -أيها الإخوة- إفكاً ولا افتياتاً، إنهم يقولون: إن عمل ربة الأسرة داخل بيتها عمل ليس له أجر! إنهم يقولون: ذاك عمل لا مردود له! إنهم يقولون: هذه خدمة مجانية وعمل غير منتج! هذه هي نظرتهم، وهذا هو ميزانهم. تربية النشء والحفاظ على الكرامة، والاستقرار العائلي والنفسي ليس بعمل وليس له أجر ولا مردود وغير منتج! هكذا قاس قائسهم وقدر مقدرهم، ألا ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر:١٩ - ٢٠]. إنهم لا يعرفون الرحم ولا التراحم، ولا يعرفون البر ولا المروءة، أي خيانة أكبر من خيانة إهمال النشء وإهمال النسل؟ إنهم يعلمون -ولكنهم قوم بهت- أن السكينة والطمأنينة لا تكون إلا في بيوت مستقرة في ظلال أسرة حانية بنسائها ورجالها، وأطفالها وصباياها، أما الهمل والضياع في الأزقة والأرصفة وزوايا الوجبات السريعة فلا تبني أمة، ولا تجلب طمأنينة، بل إن حياة الطيور في أعشاشها، والسباع في أكنتها خير وأصلح من هذا الهمل الضائع. أي امرأة عاملة تعنون؟ ما قهر الرجل ولا أذل المرأة ولا استعبدهما جميعاً إلا مثل هذه المبادئ المهلكة، والمقاييس الفاسدة، والحضارة المنتنة

стр. 808

الإباحية ودعوة التحلل والتفسخ ومن أنباء هذا المؤتمر: نبأ الإباحية، ودعوة التحلل والتفسخ، ونشر الرذيلة بأحط صورها، حتى الشذوذ الجنسي لواطاً وسحاقاً يريدونه مباحاً معلناً مقنناً، ويأخذك العجب وهم يتحدثون عن الإباحة الجنسية وفتح الأبواب مشرعة أمام التفسخ الخلقي، ثم يذهبون يتباكون على أمراض الجنس المتفشية من الإيدز والهربز وغيرها، وتنضح ورائق مؤتمرهم بإحصائيات رهيبة وأرقام مخيفة عن ضحايا الإيدز، والنسبة غالبة الإصابات بين المراهقين والمراهقات، وهي في النساء أعلى منها في الرجال هكذا تتحدث إحصائياتهم وأوراقهم. إذا كان هذا الإيدز بأرقامه المخيفة -وحق لها أن تخيف وأن ترعب- إن كنتم مخلصين فلماذا لا تطالبون بالقضاء على الأسباب، وعندكم علم اليقين أن معدل هذه الأمراض يزداد؟! عجب وعجب! يعالجون ظواهر العرض، ويدعون أصل المرض! ينظرون إلى الأثر ويغفلون عن المؤثر! ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة:١٠٣]. ومع هذا ينادون بالسلوك الجنسي المأمون، ولقد جاء في الخبر عن نبينا محمد ﷺ : ﴿وما ظهرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشت فيهم الأمراض التي لم تكن في أسلافهم﴾. أيها الإخوة: هلا رجعت الأمم المتحدة وراجعت مع خبرائها وباحثيها، هل ما يعاني منه الغرب من مشكلات أخلاقية، وآثار الفساد الجنسي والخلقي وتفكك اجتماعي، هل هو موجود بالضرورة في بقاع العالم الأخرى؟ أم أنه نظر إلى الناس بعيون مريضة ومقاييس جائرة؟ إن هذه الطروحات والمعالجات هي -وربك- جالبات المرض، ومفسدات الأعراض، وناشرات الحرام هكذا تقول الأرقام والإحصائيات والدراسات والملفات. إننا نقول بكل فخر وبكل ثقة: إن أهل الإسلام هم المستهدف الأول من هذه المبادئ الفاجرة؛ لأنهم -أعني أهل الإسلام- أكثر المجتمعات محافظة، فلا وجود يذكر للمشكلات والمصائب التي يئن منها أهل الغرب، ومن انزلق في مستنقعهم، لا مكان في بلاد الإسلام يذكر للأمراض الخبيثة التي تجرها الممارسات الشاذة، ولا الحمل الحرام في بنات المسلمين، ولكنهم لا يحبون الطهر ولا التطهر، والقاعدة القرآنية بينة شاهدة: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:٢٦]

стр. 809

خطط الغرب نحو المسلمين إن الغرب وأبواقه لن يرضوا إلا أن يروا مجتمعاتنا الطاهرة الطيبة، وقد انزلقت في وبائه ورجسه، إنه إصرار من المؤتمرين على فرض النظرية الغربية الملحدة الفاجرة بكل ألوانها وشعبها على جميع الشعوب. بل أن هناك إصراراً من الغرب ورجاله ومؤتمراته ولجانه ليصهر الشعوب في عاداته وتقاليده، احتكار وقهر، ليجعل هذا السلوك الممقوت مقياس التقدم ورمز الحضارة، إنهم وبكل جرأة يربطون دعمهم المادي بالالتزام بهذه التوصيات الآثمة، والقرارات الهادمة. إن التوجه إلى فرض أنماط وسلوك على شعوب العالم ودوله بمثل هذه الطرق وهذا الاستغلال ومن خلال هذه المنظمات والمؤتمرات ما هو إلا استخفاف بالشعوب واحتقار للأمم، وتنكر للخصوصيات الثقافية والدينية والتقاليد والأعراف الصحيحة المرعية، وتدخل في حريات الشعوب وخصوصيات الناس، ومخالفة لما سموه في وثيقة حقوق الإنسان باحترام العقيدة ومنهج التفكير. إننا نطالب الأمم المتحدة إن كانت مخلصة منصفة أن تكبح هذه النزعات الاستعمارية، والهيمنة الغربية التي سببت وتسبب كل ألوان العناء والشقاء. أما نحن أهل الإسلام فنأرز إلى إيماننا، ونطمئن إلى كتاب ربنا فقد خاطبنا رجالاً ونساء في التكاليف والمسئوليات: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:٧١ - ٧٢] ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٣٥]. نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه محمد ﷺ ، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 810

دعوة للدول الإسلامية والعلماء الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا أيها الناس اتقوا الله ربكم: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١]. أيها الإخوة: إننا نهيب بالدول الإسلامية وشعوبها، كما نهيب بجمعياتها ومنظماتها الرسمية والشعبية أن تظهر الحق وتعلنه، وأن تفضح تلك الوثيقة ومن وراءها. على علماء الإسلام بارك الله فيهم أن يقوموا بمسئولياتهم نحو توجيه الأمة، والذب عن حياض الدين وكرامة الإنسان، وتفضيل الله لبني آدم وكرامته على ربه. عليهم أن يعلنوا رفض كل قرارات أو مقررات تخالف عقيدة الأمة، وتفسد أخلاقها، وتبارز ربها بالمحاربة، وليرتفع صوت الفضيلة على أسراب دعاة الإباحية الساقطة، وإن تنظيم الجهود في ذلك وتنسيقها بين هذه المؤسسات والمنظمات وكل هذا الجهات العاملة مما يجب التنبه له والعناية به. أيها الإخوة: وإذا كانوا مصرين على حنثهم فإننا مصرون على الاستمساك بديننا، مؤمنون حق اليقين وعينه وعلمه بأن الخلاص الحقيقي، والأمن المنشود، والحياة الطيبة الطاهرة، والسعادة المبتغاة، لا تكون إلا في ظل الإسلام عقيدة ومنهجاً، عبادة وسلوكاً، والتحلي الصادق المخلص بالدين والأخلاق في معاملة المرأة والطفل والرجل، وتكثيف توجه الأمة نحو إسلامها من خلال ولاة الأمر فيها وعلمائها ومراكز البحوث العلمية والمؤسسات التربوية، وتطبيق أحكام الشرع التي بها وحدها لا غيرها يسعد المجتمع. أما اللهاث وراء سراب المشاريع والخطط التي يرتب لها هؤلاء الذين يزينون الفساد، ويختلقون له الأسماء البراقة، وأغلفة من التمعلم خادعة، هذا اللهاث هو الذي سيبقي الأمة مهددة في دينها وأخلاقها، بل في شأنها كله، وإنكم لمبصرون أنه كلما ارتفعت راية للحق وعلت مناداة مخلصة لتطبيق شرع الله والالتزام به، إلا وانبرت أقلام الملاحدة، والمنظمات المشبوهة؛ لتتهم هذه الدعوات والتوجهات والتطبيقات بالوحشية والهمجية والقسوة والرجعية، وإن من أحدثها وأقربها ما يثار حول هذه البلاد الطيبة المباركة، بلاد الحرمين الشريفين في تطبيقها لشرع الله والالتزام بحدوده، وضربها على الإجرام وأهله ودعاته بيد الشرع الطاهر المطهر، ولكن قاصدة الحق سائرة بإذن الله ولن يوقفها نبح أو عواء. هذا وصلوا وسلموا على نبيكم محمد نبي الرحمة والمرحمة، فقد أمركم بذلك ربكم فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين واخذل الكفرة والطغاة والملحدين، اللهم واخذل الكفرة والطغاة والملحدين، اللهم اجعل كيدهم في نحورهم، واجعل تدبيرهم تدميرهم يا رب العالمين. اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا ووفقه لما تحب وترضى، اللهم ارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الحق وتعينه عليه. اللهم وفقه بتوفيقك، وأيده بتأييدك، وأعزه بطاعتك، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين. اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك والحكم بشريعتك واتباع سنة نبيك محمد ﷺ . اللهم واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة من كل شر، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكون من الخاسرين ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون
следующие страницы →