Полный текст (918 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
القهر والعنف الذي تتعرض له المرأة
إن هذا المؤتمر في أنبائه، يتحدث عن: القهر والعنف الذي تتعرض له المرأة
بلى.
لقد حفل التاريخ ولا يزال يحفل بألوان من الأذى وقعت على المرأة، لقد حملت من القيود والمظالم بسبب التعسف المكروه في التقاليد والعادات الموروثة الجائرة في مختلف الحضارات والنظم، ولكن ما هو الحل؟
هل الحل كما يريد المؤتمر في تصوير العلاقة بين الرجل والمرأة أنها علاقة صراع واستعباد واستبذال، علاقة تنافس غير شريف؟
سبحان الله! كل عالمهم صراع في صراع، وحروب شتى في ميادين شتى، البارد منها والساخن حتى أدخلوها على الرجل وأهل بيته! أما علموا أن العلاقة عندنا أهل الإسلام علاقة مودة ورحمة وطمأنينة وسكن؟! ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١].
وإن كنا نستنكر الممارسات الخاطئة من بعض المسلمين، وخلطهم بين التقاليد والعادات الموروثة المخالفة لآداب الإسلام وأخلاقه، وبين تعاليم الإسلام الحقة الصحيحة.
هذه المرأة المقبورة أفلا يكون الخلاص لها إلا بالإباحية الجنسية، والشذوذ الجنسي، والتفسخ الأسري، وتقويض بنيان البيوت بالجريمة، ومحاربة الزواج المبكر، وفتح أبواب الإجهاض بسبب صحيح وبغير سبب؟! هل خلاصها أن تكون غانية في سوق الملذات والشهوات يستمتع بها الرجل ويستعبدها من طلوع الشمس إلى غروبها، ومن غروبها إلى طلوعها، في دور الأزياء وقاعات السينما، وشاشات التلفاز، وصالات المسارح، وشواطئ البحار والأنهار، وبيوت اللهو والدعارة، وأغلفة المجلات والصحف السيارة؟!
بل أقول ولا أخشى لائماً: حتى في ردهات مستشفياتهم وملاحاتهم الجوية، وأستحيي أن أقول: في دور تعليمهم ومحاضن تربيتهم!! هل هذا هو سبيل الخلاص من القهر الذي ينشدون والعنف الذي يقولون؟
إنها البيوت الخربة، والمسئولية الضائعة، حين ألقاها الرجل الغربي عن كاهله؛ فوقعت نساؤهم حيث وقعت، إهمال وتنصل من مسئولية الإنجاب والتربية؛ فأصبح ذكرهم وأنثاهم لنفسه لا لأمته، للذته لا لكرامته، فالفساد في مجتمعاتهم يستشري، والخراب إلى ديارهم يسري!
لم يتحدثوا عن المرأة المقهورة المعذبة المرأة المشردة المرأة المغتصبة من إفرازات حروب أنشئوها، وكوارث أثاروها من الظلم العلني والفقر المتدني، في شعوب تنتسب إلى الأمم المتحدة، ما حال أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا في فلسطين وكشمير والبوسنة والشيشان وبورما والصومال؟
إن وثائق المؤتمر لا تكاد تعير هذا اهتماماً في مقابل احتضانها واحتفائها بالمدمنات والشاذات، والبغايا والمومسات، والمصابين والمصابات، بكل أمراض الجنس الفتاكة! هذا نبأ من أنباء مؤتمرهم.
стр. 807
التنمية النسوية
ونبأ آخر يتحدث عن التنمية النسوية، إنه حديث كله أو جله عن ما أسماه بالمرأة العاملة، العمل شيء محمود، ومبتغى مقصود، ما دام منضبطاً بضابط الدين والخلق، والله لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى بعضهم من بعض، ولكن المرأة العاملة في عرفهم هي المتمردة على بيتها وأطفالها وشئون منزلها!!
لا يقال ذلك -أيها الإخوة- إفكاً ولا افتياتاً، إنهم يقولون: إن عمل ربة الأسرة داخل بيتها عمل ليس له أجر!
إنهم يقولون: ذاك عمل لا مردود له!
إنهم يقولون: هذه خدمة مجانية وعمل غير منتج! هذه هي نظرتهم، وهذا هو ميزانهم.
تربية النشء والحفاظ على الكرامة، والاستقرار العائلي والنفسي ليس بعمل وليس له أجر ولا مردود وغير منتج! هكذا قاس قائسهم وقدر مقدرهم، ألا ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر:١٩ - ٢٠].
إنهم لا يعرفون الرحم ولا التراحم، ولا يعرفون البر ولا المروءة، أي خيانة أكبر من خيانة إهمال النشء وإهمال النسل؟
إنهم يعلمون -ولكنهم قوم بهت- أن السكينة والطمأنينة لا تكون إلا في بيوت مستقرة في ظلال أسرة حانية بنسائها ورجالها، وأطفالها وصباياها، أما الهمل والضياع في الأزقة والأرصفة وزوايا الوجبات السريعة فلا تبني أمة، ولا تجلب طمأنينة، بل إن حياة الطيور في أعشاشها، والسباع في أكنتها خير وأصلح من هذا الهمل الضائع.
أي امرأة عاملة تعنون؟ ما قهر الرجل ولا أذل المرأة ولا استعبدهما جميعاً إلا مثل هذه المبادئ المهلكة، والمقاييس الفاسدة، والحضارة المنتنة
стр. 808
الإباحية ودعوة التحلل والتفسخ
ومن أنباء هذا المؤتمر: نبأ الإباحية، ودعوة التحلل والتفسخ، ونشر الرذيلة بأحط صورها، حتى الشذوذ الجنسي لواطاً وسحاقاً يريدونه مباحاً معلناً مقنناً، ويأخذك العجب وهم يتحدثون عن الإباحة الجنسية وفتح الأبواب مشرعة أمام التفسخ الخلقي، ثم يذهبون يتباكون على أمراض الجنس المتفشية من الإيدز والهربز وغيرها، وتنضح ورائق مؤتمرهم بإحصائيات رهيبة وأرقام مخيفة عن ضحايا الإيدز، والنسبة غالبة الإصابات بين المراهقين والمراهقات، وهي في النساء أعلى منها في الرجال هكذا تتحدث إحصائياتهم وأوراقهم.
إذا كان هذا الإيدز بأرقامه المخيفة -وحق لها أن تخيف وأن ترعب- إن كنتم مخلصين فلماذا لا تطالبون بالقضاء على الأسباب، وعندكم علم اليقين أن معدل هذه الأمراض يزداد؟!
عجب وعجب! يعالجون ظواهر العرض، ويدعون أصل المرض! ينظرون إلى الأثر ويغفلون عن المؤثر! ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة:١٠٣].
ومع هذا ينادون بالسلوك الجنسي المأمون، ولقد جاء في الخبر عن نبينا محمد ﷺ : ﴿وما ظهرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشت فيهم الأمراض التي لم تكن في أسلافهم﴾.
أيها الإخوة: هلا رجعت الأمم المتحدة وراجعت مع خبرائها وباحثيها، هل ما يعاني منه الغرب من مشكلات أخلاقية، وآثار الفساد الجنسي والخلقي وتفكك اجتماعي، هل هو موجود بالضرورة في بقاع العالم الأخرى؟ أم أنه نظر إلى الناس بعيون مريضة ومقاييس جائرة؟
إن هذه الطروحات والمعالجات هي -وربك- جالبات المرض، ومفسدات الأعراض، وناشرات الحرام هكذا تقول الأرقام والإحصائيات والدراسات والملفات.
إننا نقول بكل فخر وبكل ثقة: إن أهل الإسلام هم المستهدف الأول من هذه المبادئ الفاجرة؛ لأنهم -أعني أهل الإسلام- أكثر المجتمعات محافظة، فلا وجود يذكر للمشكلات والمصائب التي يئن منها أهل الغرب، ومن انزلق في مستنقعهم، لا مكان في بلاد الإسلام يذكر للأمراض الخبيثة التي تجرها الممارسات الشاذة، ولا الحمل الحرام في بنات المسلمين، ولكنهم لا يحبون الطهر ولا التطهر، والقاعدة القرآنية بينة شاهدة: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:٢٦]
стр. 809
خطط الغرب نحو المسلمين
إن الغرب وأبواقه لن يرضوا إلا أن يروا مجتمعاتنا الطاهرة الطيبة، وقد انزلقت في وبائه ورجسه، إنه إصرار من المؤتمرين على فرض النظرية الغربية الملحدة الفاجرة بكل ألوانها وشعبها على جميع الشعوب.
بل أن هناك إصراراً من الغرب ورجاله ومؤتمراته ولجانه ليصهر الشعوب في عاداته وتقاليده، احتكار وقهر، ليجعل هذا السلوك الممقوت مقياس التقدم ورمز الحضارة، إنهم وبكل جرأة يربطون دعمهم المادي بالالتزام بهذه التوصيات الآثمة، والقرارات الهادمة.
إن التوجه إلى فرض أنماط وسلوك على شعوب العالم ودوله بمثل هذه الطرق وهذا الاستغلال ومن خلال هذه المنظمات والمؤتمرات ما هو إلا استخفاف بالشعوب واحتقار للأمم، وتنكر للخصوصيات الثقافية والدينية والتقاليد والأعراف الصحيحة المرعية، وتدخل في حريات الشعوب وخصوصيات الناس، ومخالفة لما سموه في وثيقة حقوق الإنسان باحترام العقيدة ومنهج التفكير.
إننا نطالب الأمم المتحدة إن كانت مخلصة منصفة أن تكبح هذه النزعات الاستعمارية، والهيمنة الغربية التي سببت وتسبب كل ألوان العناء والشقاء.
أما نحن أهل الإسلام فنأرز إلى إيماننا، ونطمئن إلى كتاب ربنا فقد خاطبنا رجالاً ونساء في التكاليف والمسئوليات: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:٧١ - ٧٢] ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٣٥].
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه محمد ﷺ ، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 810
دعوة للدول الإسلامية والعلماء
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها الناس اتقوا الله ربكم: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١].
أيها الإخوة: إننا نهيب بالدول الإسلامية وشعوبها، كما نهيب بجمعياتها ومنظماتها الرسمية والشعبية أن تظهر الحق وتعلنه، وأن تفضح تلك الوثيقة ومن وراءها.
على علماء الإسلام بارك الله فيهم أن يقوموا بمسئولياتهم نحو توجيه الأمة، والذب عن حياض الدين وكرامة الإنسان، وتفضيل الله لبني آدم وكرامته على ربه.
عليهم أن يعلنوا رفض كل قرارات أو مقررات تخالف عقيدة الأمة، وتفسد أخلاقها، وتبارز ربها بالمحاربة، وليرتفع صوت الفضيلة على أسراب دعاة الإباحية الساقطة، وإن تنظيم الجهود في ذلك وتنسيقها بين هذه المؤسسات والمنظمات وكل هذا الجهات العاملة مما يجب التنبه له والعناية به.
أيها الإخوة: وإذا كانوا مصرين على حنثهم فإننا مصرون على الاستمساك بديننا، مؤمنون حق اليقين وعينه وعلمه بأن الخلاص الحقيقي، والأمن المنشود، والحياة الطيبة الطاهرة، والسعادة المبتغاة، لا تكون إلا في ظل الإسلام عقيدة ومنهجاً، عبادة وسلوكاً، والتحلي الصادق المخلص بالدين والأخلاق في معاملة المرأة والطفل والرجل، وتكثيف توجه الأمة نحو إسلامها من خلال ولاة الأمر فيها وعلمائها ومراكز البحوث العلمية والمؤسسات التربوية، وتطبيق أحكام الشرع التي بها وحدها لا غيرها يسعد المجتمع.
أما اللهاث وراء سراب المشاريع والخطط التي يرتب لها هؤلاء الذين يزينون الفساد، ويختلقون له الأسماء البراقة، وأغلفة من التمعلم خادعة، هذا اللهاث هو الذي سيبقي الأمة مهددة في دينها وأخلاقها، بل في شأنها كله، وإنكم لمبصرون أنه كلما ارتفعت راية للحق وعلت مناداة مخلصة لتطبيق شرع الله والالتزام به، إلا وانبرت أقلام الملاحدة، والمنظمات المشبوهة؛ لتتهم هذه الدعوات والتوجهات والتطبيقات بالوحشية والهمجية والقسوة والرجعية، وإن من أحدثها وأقربها ما يثار حول هذه البلاد الطيبة المباركة، بلاد الحرمين الشريفين في تطبيقها لشرع الله والالتزام بحدوده، وضربها على الإجرام وأهله ودعاته بيد الشرع الطاهر المطهر، ولكن قاصدة الحق سائرة بإذن الله ولن يوقفها نبح أو عواء.
هذا وصلوا وسلموا على نبيكم محمد نبي الرحمة والمرحمة، فقد أمركم بذلك ربكم فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين واخذل الكفرة والطغاة والملحدين، اللهم واخذل الكفرة والطغاة والملحدين، اللهم اجعل كيدهم في نحورهم، واجعل تدبيرهم تدميرهم يا رب العالمين.
اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا ووفقه لما تحب وترضى، اللهم ارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الحق وتعينه عليه.
اللهم وفقه بتوفيقك، وأيده بتأييدك، وأعزه بطاعتك، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين.
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك والحكم بشريعتك واتباع سنة نبيك محمد ﷺ .
اللهم واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة من كل شر، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكون من الخاسرين ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون
стр. 811
معاقد العز ودروس من غزوة حنين
لقد كان العرب قبل البعثة أمة ذل ومهانة، يسيرون في ذيل الركب، ويعيشون على هامش الحياة؛ فبعث الله إليهم رسوله ﷺ فأخرجهم إلى طريق العزة والكرامة، مما أدهش العالم بأسره، وحير أصحاب الموازين المادية في تعليل تفوق هذه القوة الضعيفة وتحكمها في العالم، وما علم هؤلاء أنه توفيق واصطفاء من الله لهذه الأمة التي تعمل بدينه وتنصره، ولقد خاض النبي ﷺ معارك ضارية ضد قوى الكفر معتمداً على الله ومستنداً إليه.
ومن أهم المعارك التي قادها بعد فتح مكة غزوة حنين.
стр. 812
مهمة البعثة المحمدية والرسالة الإسلامية
الحمد لله حمداً كثيراً كما أمر، وكما حَمِد نفسه، سبحانه وبحمده لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، عز جاهه، وجل ثناؤه، ولا إله غيره.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود، واللواء المعقود، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله ، فبتقوى الله تزكو الأعمال، وتعظُم الدرجات، فأكثروا من ذكره وشكره، فبالذكر تطمئن القلوب، وبالشكر تُحْفظ النعم، وتزودوا من الصالحات؛ فخير الزاد التقوى.
عباد الله: لقد طال على المسلمين الأمد، ونسي كثيرٌ منهم الذكر، ونَسوا ما ذُكِّروا به، لقد كثر عددهم، وكثرت عدتهم، ولكنهم لا يعرفون الميزان، ذَهَلوا عن سر العزة والقوة، وغفلوا عن أسباب النصر والهزيمة، وضَلُّوا طريق الكرامة والمَنَعَة.
أيها الإخوة: قبل بعثة محمد ﷺ لم يكن في الحياة الإنسانية عوج في المدنية، أو فراغ في الحضارة، لم تكن رئاسة المدنية وقيادة الحضارة وظيفة شاغرة، بل لم يكن العالَم في حاجة إلى أمة تُبعث من وادٍ غير ذي زرع، كما لم يكن العرب في ذلك الزمن وجهاء مؤثرين في مسار العالَم، بل لقد كانوا في ذيل الركب، يعيشون على هامش الحياة.
لقد كان واقع أمة العرب بباديتها وبداوتها وواقع الأمم المعاصرة مِن حولِها، بحضاراتها وقوة سلطانها، لقد كان واقع الجميع واحداً في ميزان الله: ﴿إن الله نظر إلى أهل الأرض جميعاً، فمقتهم عَرَبَهم وعَجَمَهم إلا بقايا من أهل الكتاب﴾.
أيها الإخوة: إن المشكلة لم تكن مشكلة تحضُّر، ولا مشكلة تقدُّم حضاري، فهذا لا أثر له في الميزان.
إن مهمة البعثة المحمدية وغاية الرسالة الإسلامية، أسمى وأعلى وأهم وأعظم، إن سر النصر، وسبيل العز، وطريق الكرامة، مدلول عليه بقوله سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
إنه جهاد في سبيل الله؛ لتكون كلمة الله هي العليا، لم يكن صراعاً على موارد اقتصادية أو سلع استراتيجية، ولم يكن منافسة للاستئثار بالأسواق، ولا تسابقاً في صناعة أو تجارة، وإنما كان لإعلاء وإعلان التوحيد؛ ليُعْبَد اللهُ وحده لا شريك له.
اسمعوا إلى هذا الابتهال النبوي في غزوة بدر بمقاتليها المسلمين في قلة من العدد وضعف من الاستعداد، مقابل عدوٍّ بكامل عدته ووافر تجهيزه.
فزع النبي ﷺ إلى ربه في إنابة نبي، وإلحاح عبد، ودعاء مضطر، مناشَدةً تجسِّد مهمة هذه الأمة، وغاية هذه الرسالة، لقد ناجى ربه بقوله: ﴿اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبَد في الأرض﴾.
إن بقاء المسلمين وحياتهم الحقيقية وعزتهم مشروطة بقيامهم بحق التوحيد، وإعلان العبودية لله وحده لا شريك له.
لن يكون التمكين، ولن يكون الأمن، ولن يكون السلام، إلا بتجريد العبادة لله وحده لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة رسول الله ﷺ قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور:٥٥ - ٥٦].
لقد انتصرت دعوة رسول الله ﷺ وانتقل إلى الرفيق الأعلى، والمتبصِّر لا يرى تفوقاً عمرانياً، ولا توسعاً مادياً داخل حدود الدولة التي تركها رسول الله ﷺ ؛ ولكنه ترك مجتمعاً موحِّداً، مؤمناً بالله، صنعه بإذن ربه، لقد كان الإنجاز رجالاً مؤمنين وعوا الرسالة واستوعبوا المهمة، خرجوا إلى الناس معلنين: [[ابتعثنا الله لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها]].
стр. 813
انتصار المسلمين يحير أصحاب الموازين المادية
لقد تحير أصحاب الموازين المادية في تحليل انتصار هذه الطائفة، وتعليل تفوقها، قوةٌ قاهرة من بعد ضعف شديد، ونشاطٌ عجيب من بعد سبات عميق، واستَمِعْ إلى ما ينقله الحافظ ابن كثير ﵀ من حوار بين المغيرة بن شعبة ﵁، وبين يزدجر ملك فارس.
يقول يزدجر: [[إني لا أعلم أمة في الأرض كانت أشقى ولا أقل عدداً ولا أسوأ ذاتِ بَيْنٍ منكم، قد كنا نوكِّل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم، لا تغزوكم فارس، ولا تطمعون أن تقوموا إليهم؛ فإن كان عددكم كَثُر فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتاً، وكرَّمنا وجوهكم، وكسوناكم، وملَّكنا عليكم ملِكاً يرفق بكم.
فأجابه المغيرة: أيها الملك! إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها ظالماً، فأما ما ذكرت من سوء الحال، فما كان أحد أسوأ حالاً منا، وأما جوعنا فلم يُشْبِهه جوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعاماً لنا، وأما المنازل فهي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا من غزل أوبار الإبل، وأشعار الغنم، وحالنا قبل اليوم على ما ذكرت، فبعث الله لنا رجلاً، نعرف حسبه ونسبه وقبيلته، وهو بنفسه كان خيرنا وأفضلنا، لم يقل شيئاً إلا كان، فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين، فما قال لنا فهو قول الله، وما أمرنا به فهو أمر الله]] هذا ما كان من يزدجر والمغيرة.
ثم اسمعوا إلى ما قاله مؤرخ غربي معاصر!
يقول: " بقوة واحدة ونجاح واحد زحف العرب على خلفاء أغسطس في الروم، واصطخر في فارس، وأصبحت الدولتان الكبريان، المتنافستان في ساعة واحدة فريسة لعدو لم يزل موضع الازدراء والاحتقار منهما، في عشر سنوات من حكم عمر أخضع العرب لسلطانه ستاً وثلاثين ألفاً من المدن والقلاع، وأنشأوا أربعة عشر ألف مسجد للعبادة، وبعد قرن من هجرة محمد ﷺ من مكة، امتد سلطان خلفائه من الهند إلى المحيط الأطلنطي.
أيها الإخوة! كل هؤلاء لا يعرفون السر ولا الميزان، إن السر والميزان أن العرب والمسلمين أصبحوا بفضل الله ثم بدين الله واتباع محمد ﷺ أصحاب دين ورسالة، بُعثِوا بَعثاً جديداً، تغيروا في داخل أنفسهم فتغير ما حولهم، انقلبت لهم الدنيا غير ما كانت، تفتحت أبصارهم وبصائرهم فإذا الفساد ضاربٌ أطنابه، وإذا الشرك يخيم على العالَم بظلماته، بعثهم الله للإصلاح فأصلحوا.
إن الحضارة والمكاسب المادية والتنظيم والترتيب آثار ونتائج وليست غايات، ولا تصلح أن تكون غايات.
لقد عرفوا واستوعبوا قول نبيهم محمد صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه: ﴿زُوِيَت لي الأرض حتى رأيتُ مشارقها ومغاربها، وأعيطِت الكنزين: الأحمر، والأبيض، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زُوِيَ لي منها﴾.
وقوله ﷺ : ﴿إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده! لتُنْفَقَنَّ كنوزهما في سبيل الله﴾.
في أحاديث كثيرة تبين مستقبل هذه الأمة مع دينها، وعاقبة أمرها ومتغيراتها: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١].
نعم أيها الإخوة: لقد طال على المسلمين الأمد، فنسي كثير منهم الذكر، ونسوا ما ذُكِّروا به.
إن ميزانهم وسرهم هو الإيمان والتوحيد، والإخلاص والجهاد في سبيل الله؛ لإعلاء كلمة الله.
стр. 814
مقارنة بين غزوة بدر وحنين
لمزيد من الإيضاح والوضوح، فهذه وقفة من صورة تطبيقية تجسد الغاية، وتوضح المهمة، وتبين السبيل، إنها دروس من غزوة حنين، وأول ذلك: مقارنة عجيبة بين غزوة بدر وغزوة حنين.
في المقارنة بين الغزوتين تتجلى دروس التوحيد والإيمان، كما يتجلى قانون الأسباب والاستعداد.
غزوة بدر: أول لقاء عسكري بين المسلمين ومشركي العرب.
وغزوة حنين: آخر لقاء بين الفريقين.
معركة بدر: أرهقت المشركين، وكسرت حدتهم وكبرياءهم، وجعلت للمسلمين هيبة في قلوب أعدائهم.
ومعركة حنين: استفرغت قواهم، واستنفذت سهامهم، وأذلت جمعهم.
أمَدَّ الله المؤمنين بالملائكة في الغزوتين، ورمى رسول الله ﷺ بالحصباء في وجوه المشركين في الغزوتين.
عدد المسلمين في بدر ثلث عدد المشركين، وقلة العدد لم تضرهم شيئاً.
وفي حنين كان المشركون ثلث عدد المسلمين، ولم يكن لهذه الكثرة كثير نفع، ولا عظيم أثر إذا ما ضعف الإيمان، ما الفائدة أن يزداد عدد الجسوم والرسوم بينما لا تزال الدنيا بأطماعها وأهوائها تتخطف الأفئدة، وتمتلئ بها النفوس؟!
стр. 815
دروس مستفادة من غزوة حنين
стр. 816
الدرس الأول: المؤلفة قلوبهم
في حنين ترى في الصفوف غثاءً وحُرَّاصاً على الدنيا، وسعاة إلى المغانم ممن لا يقوم بمثلهم أمر، ولا تثبت بهم قدم، من المؤلفة قلوبهم والطلقاء، ولكن هذا الدرس تتجلى فيه سنة رسول الله ﷺ فهو الهادي وليس بالجابي، لطيف بتعامله، رحيم برحمة ربه، يهب ويجزل، تكرماً وتألفاً.
إن في الدنيا أقواماً تُقاد إلى الحق من بطونها لا من عقولها، لا تزال تُمَدُّ لهم حزم القوت من أفواههم حتى تدخل الحظائر أمنة، إنها ألوان من الإغراء حتى تأنس بالإيمان، وتهش للإسلام، لقد كانت غنائم عظيمة، قُدِّرت بأربعة وعشرين ألفاً من الإبل، وأكثر من أربعين ألفاً من الغنم، وأربعة آلاف أوقية من الفضة، وستة آلاف من السبي، إن أعين بعض القوم تكاد تخرج من محاجرها تطلعاً إلى الدنيا، ولقد ازدحموا على رسول الله ﷺ حتى اضطروه إلى شجرة، فانتزع رداؤه فقال: ﴿يا أيها الناس! ردوا عليّ ردائي، فوالذي نفسي بيده! لو كان عندي عدد شجر تهامة نعماً لقسمتها عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً﴾ بأبي هو وأمي ﷺ .
هذا درس المؤلفة قلوبهم.
стр. 817
الدرس الثاني: الثبات والعقيدة
أما درس الثبات والعقيدة والإيمان، فقد فر في المعركة مَن فر، وولوا مدبرين كما ذكر الله؛ لكن رسول الله ﷺ وقف رابط الجأش، وأمر العباس -وكان صَيِّتاً جهوري الصوت- أن يهتف بأصحاب العقيدة، ورجال الفداء عند الخطوب، فهم وحدهم -بإذن الله- الذين تنجح بهم الرسالات، وتُفَرَّج بهم الكروب، وعلت صيحات العباس: [[يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب السَّمُرة -إنهم المبايعون من المهاجرين والأنصار- يقول الراوي: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا الصوت عطفة البقر على أولادها، فقالوا: لبيك لبيك]] لقد هُزِم المسلمون حين الإعجاب بالكثرة، ثم نصروا بالقلة القليلة الصابرة الصادقة.
إن العقيدة لا يبنيها ولا يحميها بإذن الله إلا الصفوة المختارة من أصحاب الشجرة والسَّمُرة من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان، ممن يبذل ويضحي ويعطي أكثر مما يأخذ.
стр. 818
الدرس الثالث: حال الأنصار في قسمة الغنائم
ومن الدروس العظيمة أيها الإخوة: الدرس الأنصاري في قسمة الغنائم مما لا ينفك عنه الطبع البشري، ثم من بعده العلاج النبوي.
يقول أبو سعيد الخدري ﵁: ﴿لما أصاب رسول الله ﷺ الغنائم يوم حنين، وقسَم للمتألفين من قريش وسائر العرب ما قسم، لم يكن في الأنصار شيء منها، ووجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم شيئاً، حتى قال قائلهم: لقي رسول الله ﷺ قومه.
فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إن هذا الحي من الأنصار وجدوا عليك في أنفسهم، قال: فِيْمَ؟ قال: فيما كان من قَسْمِك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب، ولم يكن فيهم من ذلك شيء.
قال رسول ﷺ : فأين أنت من ذلك يا سعد؟! فقال: ما أنا إلا امرؤ من قومي، فقال رسول الله ﷺ : اجمع لي قومك فإن اجتمعوا فأعلمني.
فخرج سعد فصرخ فيهم فجمعهم، فخرج رسول الله ﷺ إليهم، فقام فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يا معشر الأنصار! ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم، قالوا: بلى.
قال رسول الله ﷺ : ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟! قالوا: وما نقول يا رسول الله؟! وبماذا نجيبك؟! المنّ لله ولرسوله.
قال: والله لو شئتم لقلتم فصَدَقْتُم وصُدِّقْتُم، جئتنا طريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك، وخائفاً فآمناك، ومخذولاً فنصرناك، فقالوا: المنّ لله ولرسوله.
فقال: أوَجدتم في نفوسكم يا معشر الأنصار! في لعاعة من الدنيا تألفتُ بها قوماً أسلموا، ووَكَلْتُكُم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام؟! أفلا ترضون يا معشر الأنصار! أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟! فوالذي نفسي بيده! لو أن الناس سلكوا شعباً وسلك الأنصار شعباً لسلكتُ شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار، الأنصار شعار، والناس دثار، وإنكم ستلقون بعيد أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض، فبكى القوم حتى اخضلت لحاهم، قالوا: رضينا بالله رباً وبرسول الله قَسْماً﴾ الله أكبر!
إنهم الأنصار، مَثَلٌ فريد للرجال الذين تقوم بهم المهمات العظمى، وإن شأن الدنيا أنزل قدراً من أن يأسى لها رجل العقيدة والإيمان، وإن حديث رسول الله ﷺ إلى الأنصار ليفيض بمشاعر المحبة للأنصار، ويفيض بدلائل التألم النبوي أن يُتَهم من قبل أحب الناس إليه.
لقد لامست هذه الخفقات مشاعر الأنصار، ونفضت ما عسى أن يكون قد علق بهم من الوساوس والهواجس، فأجهشت بالبكاء الصدور وارتفعت بالنشيج الأصوات، واخضلت بالدموع اللحى.
ثم متى كان المال في ميزان رسول الله ﷺ دليلاً على التقدير أو برهاناً على الحب، لقد كان نصيبه كنصيب الأنصار، فالمال أعطاه مَن أعطاه، وعاد بالأنصار وعادت الأنصار به؛ ليكون المحيا والممات بينهم، صلى الله عليه وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأبرار من المهاجرين والأنصار، وجمعنا تحت لوائه المحمود، وسقانا من حوضه المورود بمنه وكرمه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٢٥ - ٢٧].
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه محمد ﷺ .
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة؛ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 819
الدرس الرابع: لتركبن سنن من كان قبلكم
الحمد لله يسَّر للمؤمنين سبل طاعته، وأعان على ذكره وشكره وحسن عبادته، أحمده سبحانه وأشكره، وأسأله المزيد من فضله وكرمه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، اجتباه من رسله، واصطفاه لرسالته، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وذريته، والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجه وطريقته.
أما بعد:
عباد الله: اتقوا الله، فتقوى الله جماع الخير، ومعادن البركات.
أيها المسلمون: ومن دروس هذه الغزوة في التوحيد وتحقيقه: أن حدثاء العهد بالإسلام ممن سار مع رسول الله ﷺ في هذه الغزوة مروا بشجرة يُعَلِّق عليها الكفار أسلحتهم، يعتقدون بركتها ونفعها، يقال لها: (ذات أنواط) فقالوا يا رسول الله: ﴿اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فكبر رسول الله ﷺ متعجباً، ومنكراً، وموجهاً، ثم قال: قلتم والذي نفسي بيده! كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨] لتركبن سَنَن مَن كان قبلكم﴾.
أيها الإخوة: إن طريق الحق، وطريق العزة، أن يرجع الناس إلى دينهم، ويستقيموا على عقيدة التوحيد، فالغاية أن يُعبد الله وحده لا شريك له، عقيدة يستقيمون عليها، ويدعون إليها، ليس من خلال قنوات فكرية ضيقة، ولا من مذهبية محدودة، ولا حزبية منغلقة، وإنما من خلال سعة دين الله، ونهج السلف الصالح، سعة ورحابة لا تتملك العواطف؛ ولكنها تتألف القلوب، لا تترك الحق، وإنما تقوِّم العقول، إنها دعوة وجهاد، وصبر ومصابرة، وإصرار ومثابرة، من غير تنكر للمفيد من الحضارة، أي حضارة في القديم أو الجديد، ولكن الإسلام لا ينتصر بأدوات غيره، والمسلمون لا عليهم أن يأخذوا بأسباب القوة، يعدوها ويستعدون بها، غيره أنه لا صلاح ولا إصلاح إلا بما صلَح به أولها.
هذا وصلوا وسلموا على رسولكم ونبيكم فقد أمركم بذلك ربكم، فقال: عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأزواجه وذريته.
وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، والتابعين ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحمِ حوزة الدين، واجعل اللهم هذه البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، وعبادك الصالحين.
اللهم أيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، اللهم ارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير، وتعينه عليه، اللهم أيده بالحق، وأيد الحق به، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمة المسلمين يا رب العالمين.
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، وبسنة نبيك محمد ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين!
اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رُشْد يُعَزُّ فيه أهل طاعتك، ويُذَلُّ فيه أهل معصيتك ويُؤْمَر فيه بالمعروف، ويُنْهَى فيه عن المنكر إنك على كل شيء قدير.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 820
هل من مشمر
الجنة دار النعيم المقيم أعدها الله لعباده المؤمنين، فيها من النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولأهل الجنة العاملين لها أوصاف يعرفون بها، ولها سبيل للولوج إليها؛ فاقصد السبيل تنل النعيم.
стр. 821
الجنة دار النعيم
الحمد لله الذي جعل جنة الفردوس لعباده المؤمنين نزلاً، أفاض عليهم فيها من النعم، وكساهم من الحلل فلا يبغون عنها حولاً، ويسر المكلفين للأعمال، وهداهم النجدين؛ ليبلوهم أيهم أحسن عملاً.
أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأقام الحجة على خلقه؛ فهو لم يخلقهم عبثاً ولا سُدىً ولم يتركهم هملاً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله دعا إلى الحق، وأوضح المحجة؛ فلا نبغي عن محجته بدلاً.
صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأزواجه وذريته وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله حق تقاته، وسارعوا إلى مغفرة ربكم ومرضاته، وأجيبوا الداعي إلى دار كرامته وجناته؛ فالعمر سريع الذهاب بساعاته وأوقاته.
أيها المسلمون: الحديث عن النعيم المقيم، والإيمان الراسخ بالنزل الكريم؛ من الغفور الرحيم، هو سلوة الأحزان، وحياة القلوب، وحادي النفوس، ومهيجها إلى ابتغاء القرب من ربها ومولاها، الحديث عن النعيم والرضوان لا يسأمه الجليس، ولا يمله الأنيس، عزت دار الفردوس من دار، وجل فيها المبتغى والمرام، دار وجنان تبلغ النفوس فيها منيتها ومناها، غرفٌ مبنية طابت للأبرار منازلها وسكناها، جل وتقدس من سوَّاها وبناها.
غرسها الرحمن بيده، وجعلها مستقراً لأهله وخاصته، وملأها برضوانه ورحمته، فيها الفوز العظيم، والملك الكبير، والنعيم المقيم، ولموضع سوطٍ فيها خيرٌ من الدنيا وما فيها: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
أيها الإخوة: وهذا حديث ذكرى، وتذكير من آي الكتاب، وخبر سيد الأخيار والأحباب، نبينا محمد ﵊، حديث ذكرى وتذكير عما أعده ربنا جل وتقدس لعباده المتقين، من جناتٍ وعيون ومقامٍ كريم.
أيها الإخوة في الله: يحشر المتقون إلى الرحمن وفداً، ويساقون إلى الجنة زمراً، لقد وجدوا ما وعدهم ربهم حقاً رضي الله عنهم ورضوا عنه، ناداهم عز جلاله: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٦٨ - ٧١].
أول زمرة منهم يدخلون على صورة القمر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكبٍ دريٍ، على خلق رجلٍ واحد على صورة أبيهم آدم، لا اختلاف بينهم، ولا تباعد بين قلوبهم؛ على قلبٍ واحد يسبحون الله بكرة وعشياً: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠].
стр. 822
وصف الجنة ونعيمها
جناتُ عدن يدخلونها، غرفاتها من أصناف الجوهر كله، يرى باطنها من ظاهرها وظاهرها من باطنها، فيها من النعيم واللذائذ ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد:١٥] رياضها مجتمع المتحابين، وحدائقها نزهة المشتاقين، وخيامها اللؤلؤية، على شواطئ أنهارها بهجة للناظرين، عرش الرحمن سقفها والمسك والزعفران تربتها، واللؤلؤ والياقوت والجوهر حصباؤها، والذهب والفضة لبنتها: ﴿غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الزمر:٢٠] عاليات الدرجات، في عاليات المقامات، بهيجة المتاع، قصرٌ مشيد، وأنوارٌ تتلألأ ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة:٣٢ - ٣٤].
هم فيها ﴿عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس:٥٦] ظلها ممدود، وخيرها غير محدود: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢٠ - ٢١] قطوفها دانية للآكلين، وطعمها لذة للطاعمين، قد ذللت قطوفها تذليلاً، نعيم البدن بالجنان والأنهار والثمار، ونعيم النفس بالأزواج المطهرة، ونعيم القلب وقرة العين بالخلود والدوام، عيش ونعيم أبد الآباد، عطاء من ربك غير مجذوذ، فيها أزواج مطهرة خيراتٌ حسان الوجوه جمعن الجمال الباطن والظاهر من جميع الوجوه، في الخيام مقصورات، أولي الطرف قاصرات، تقصر أنفسهن عيون الواصفين: ﴿عُرُباً أَتْرَاباً * لأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٣٧ - ٣٨] لا يفنى شبابها، ولا يبلى جمالها ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦] لو اطلعت إحداهن على الدنيا لملأت ما بين الأرض والسماء ريحاً وعطراً وشذى، ولطمست ضوء الشمس كما تطمس الشمس ما في النجوم من ضياء.
حورٌ عين، راضيات لا يسخطن أبداً، وناعمات لا يبأسن أبداً، وخالدات لا يزلن أبداً.
стр. 823
حال أصحاب الجنة
أصحاب الجنة: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الدخان:٥٣].
ويحلون فيها من أساور من ذهبٍ: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج:٢٣] ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧١] ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور:٢٤] يجتمعون في ظلها الظليل، يتنازعون فيها كئوس الرحيق المختوم، والتسنيم السلسبيل، تتوالى عليهم المسرات والخيرات والإحسان والمكرمات.
نُزِعَ من قلوبهم الغل، وطُرِدَ عنهم الحزن والهم: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر:٣٤ - ٣٥] ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦] هدوءٌ ورضا، يغمره السلام والاطمئنان، والود والأمان، يبلغهم ربهم السلام: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨] ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد:٢٣] بالسلام، ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤] وخدم الجنة يحيونهم بالسلام: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣] في جنات عدن يأتلف شملهم مع الصالحين من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [الرعد:٢٣] ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧].
وفي جو التجمع والتلاقي، تنادي الملائكة بالتكريم والترحيب: ﴿يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢].
وهل ترى نعيماً -يا عبد الله- فوق هذا النعيم؟
стр. 824
الزيادة في الجنة
نعم.
لقد بقي بعد الحسن الزيادة، فهذا هو يوم المزيد، فاستمع يوم ينادي المنادي: يا أهل الجنة! يا أهل الجنة! إن ربكم ﵎ يستزيركم، أي: يطلب زيارتكم، فحي على الزيارة، فينهضون إلى الزيارة مبادرين، فإذا بالنجائب قد أعدت لهم حتى إذا انتهوا إلى الوادي الأفيح؛ نصبت لهم منابر من نور ولؤلؤٍ وزبرجد وجلسوا على كثبان المسك، ثم ينادي المنادي: يا أهل الجنة سلام عليكم: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب:٤٤] فيجيبون ربهم بالسلام، يا أهل الجنة! هذا يوم المزيد، ثم يكشف الرب الحجب، ويتجلى لهم فيغشاهم من النور ما يغشاهم، فيا قرة عيون الأبرار في النظر إلى الوجه الكريم في الدار الآخرة، ويا ذلة الراجعين في الصفقة الخاسرة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٥].
стр. 825
أوصاف عباد الله الصالحين
أيها الإخوة: هؤلاء هم أصحاب الحسنى وزيادة ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٩] يصلون بالليل والناس نيام، يصومون وغيرهم يأكل، وينفقون وغيرهم يبخل، ويجاهدون وغيرهم يتقاعس ويجبن، أولئك هم عباد الله، حفظوا وصية الله، ورعوا عهد الله وميثاقه، بربهم يؤمنون، وبربهم لا يشركون: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨] استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً﴾ [الرعد:٢٢] في السراء والضراء: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠] ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى:٣٧] ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٣ - ٦] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون:٨] طالما تعبت أجسادهم من الجوع والسهر، واستعدوا من الزاد لما يكفي لطويل السفر عبراتهم تجري وفي قلوبهم معتبر.
كثر استغفارهم فحطت خطاياهم، وكلما طلبوا من ربهم أعطاهم، فسبحان من اختارهم واصطفاهم! إنهم عباد الله المخلصون، فيهم الشهيد المحتسب، والعفيف المتعفف، والسلطان المقسط، والضعيف المتضعف المتواضع ذو الطمرين، مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره.
أقوامٌ يقطرون نزاهةً، أفئدتهم مثل أفئدة الطير، فيهم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، متحابون في جلال الله، فيهم: صاحب القرآن يقرأ ويرتل ويرتقي.
فيهم: تارك المراء ولو كان محقاً، وتارك الكذب ولو كان مازحاً، وبيت في الجنة لمن حسن خلقه؛ يكظم الغيظ، ويعفو عن الناس والله يحب المحسنين.
فيهم: من أطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام ﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:٤٠].
جنة ربي: ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣٢ - ٣٣] عيونٌ تبكي من خشية الله، وعيونٌ تحرس في سبيل الله، يخافون من ربهم ﴿يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ [الإنسان:١٠ - ١٢].
الله أكبر! أهل الجنان والغرفات: أقوامٌ آمنوا بالله وصدقوا المرسلين: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣].
ألا هل من مشمر إلى الجنة يا عباد الله؟
قولوا كما قال أصحاب رسول الله ﷺ : نحن المشمرون إن شاء الله.
اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم إنا نسألك الجنة وما يقرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما يقربنا إليها من قول وعمل، ونسألك نعيماً لا ينفد، وقرة عينٍ لا تنقطع، ولذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، استجب اللهم يا رب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 826
سبيل الجنة
الحمد لله، رضي من عباده اليسير من العمل، وتجاوز لهم الكثير من الزلل، وخص من شاء بهدايته وتوفيقه نعمة منه وفضلاً، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ شهادة موقنٍ بها، آخذٍ بمقتضاها قولاً وعملاً، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، رحمة العالمين، وقدوة العاملين، وحجة السالكين، لا نبتغي إلى السعادة بغير طريقه أملاً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقد سأل الصحابي الجليل، الفقيه بالحلال والحرام، ومبعوث رسول الله ﷺ في التعليم والقضاء والفتية: معاذ بن جبل ﵁، سأل رسول الله ﷺ قال: ﴿قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويبعدني عن النار، قال: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال ﵊: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧] ثم قال ﵊: ألا أخبرك برأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله.
قال: رأس الأمر: الإسلام، وعموده: الصلاة، وذروة سنامه: الجهاد في سبيل الله، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ بلسانه وقال: كفَّ عليك هذا.
قلت: يا نبي الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يَكُبُ الناس على وجوههم أو قال: على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم﴾ أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
أيها الإخوة: هذه هي الجنة، وهذا هو سبيلها، فهل رأيتم أشد غبناً ممن يبيع الجنان العالية بحياة أشبه بأضغاث أحلام؟ يبيع الفردوس بدنيا قصيرة، وأحوال زهيدة مشوبة بالنار ممزوجة بالغصص، حياةٌ حقيرة؛ إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً، وإن سرَّت أياماً أحزنت دهوراً، أي سفه وأي عته ممن يبيع مساكن طيبة في جنات عدن بأعطانٍ ضيقة، وخرابٍ بور، فيا حسرة هذا المتخلف حين يعاين كرامة الله لأوليائه، وما أخفي لهم من قرة أعين، فلسوف يعلم أي بضاعة أضاع!!
فاتقوا الله رحمكم الله، وبادروا وشمروا، واعملوا وأحسنوا وأبشروا.
ثم صلوا وسلموا على نبيكم محمد رسول الله فقد أمركم بذلك ربكم، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأزواجه وذرياته، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الملة والكفرة الطغاة والملحدين، وانصر عبادك المؤمنين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمدٍ ﷺ وعبادك الصالحين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحبه وترضى، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، وارزقه البطانة الصالحة، واجمع به كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين.
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمعهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم ارفع عنا الغلاء، والوباء، والربا، والزنا، والزلازل، والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا وعن سائر بلاد المسلمين، اللهم فارج الهم، وكاشف الغم، ومجيب دعوة المضطرين نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.
اللهم أغثنا غيثاً مغيثاً غدقاً سحاً مجللاً هنيئاً مريئاً نافعاً غير ضار، عاجلاً غير آجل، اللهم غيثاً تُحيي به البلاد، وتُغيث به العباد، وتجعله بلاغاً للحاضر والباد، اللهم واجعل ما أنزلته قوة لنا على طاعتك، وبلاغاً إلى حين، اللهم اسقِ عبادك وبهائمك وأحي بلدك الميت، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، وأنزل علينا من بركات السماء، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.
اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك، اللهم انصرهم وأيدهم وثبت سهامهم وآراءهم واجعل الدائرة على أعدائهم يا قوي يا عزيز ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 827
عبودية الله حقيقتها وأهلها
العبودية لله جل وعلا هي الغاية من خلق الإنسان على وجه هذه البسيطة، ولا فلاح للإنسان ولا حرية ولا سعادة إلا بتحقيق العبودية لربه وخالقه ومالكه.
وحقيقة العبادة أنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، والعبودية هي أشرف المقامات.
كما أن هناك صفات لعباد الله يتصفون بها، وقد ذكرها الله جل وعلا في كتابه.
стр. 828
أهمية العبودية لله في حياة الإنسان
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغر الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فيا أيها الناس: إن ربكم يعلم ما في أنفسكم فاحذروه، ولا يخفى عليه شيءٌ من أمركم فاخشوه وراقبوه، تعرف إليكم بأسمائه وصفاته، وتحبب إليكم بنعمه وآلائه، يحب المتقين فسارعوا إلى التقوى، ويحب المحسنين فأحسنوا، ويحب الصابرين فاصبروا، ويحب المتوكلين فعليه فتوكلوا إن كنتم مؤمنين.
سبحانه وبحمده! من استهداه هداه، ومن اعتمد عليه كفاه.
أيها المسلمون: حجاج بيت الله الحرام! قضية هي أم قضايا بني الإنسان، وركيزة هي أساس ركائز المكلفين، بل هي المؤثر الأعظم -بإذن الله- في حياة البشرية وتصرفاتها ومشاعرها وعلاقاتها، بل هي ضرورة من ضروريات الإنسان أشد من الطعام والشراب، قضية تحفظ لهذا الكون انتظامه، وتضبط فيه مساره، بالخلل فيها يختل نظام الحياة، وبالضلال فيها تتيه البشرية في دهاليز العمى، وسراديب الانحطاط، ومهاوي الفساد، تلكم هي قضية العبودية لله الواحد القهار، سبحانه وبحمده، تبارك اسمه وتعالى جده، ولا إله غيره.
العبودية: قضية حتمية لا فكاك للإنسان منها بحال من الأحوال، وهي حاصلة في واقع الناس حصولاً محققاً في كل زمان وفي كل مكان، هي حتمية لأن في الإنسان حاجة وفقراً وضعفاًَ، وهو بين حالين لا ثالث لهما إما أن يتوجه بعبادته وخضوعه وانكساره لله الواحد القهار، فيكون موحداً مطيعاً مطمئناً سعيداً، وإما أن يكون خاضعاً أسيراً ذليلاً لمعبودات باطلة من الآلهة الكثيرة من الأصنام والأوثان، والهوى والشهوة، والمال والملذات، والقوانين والرجال، والأعراف والأحزاب، وكل ما تعلق به فتجاوز به حده من محبوب أو متبوع أو مطاع: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩] ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة:٣١] ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣].
أيها المسلمون: يا ضيوف الرحمن! عبادة الله الملك الحق المبين، هي الزمام الذي يكبح جماح البشرية أن تلغ في الشهوات، وهي السبيل الذي يحجز الأمم أن تتمرد على شرع الله.
العبودية الحقة: هي المحرك الفعال -بإذن الله- لهذه النفس لتنطلق في كل دروب الحق والخير والسعادة.
العبودية الحقة: هي التي تخلص البشرية من استذلال القوى والنظم والأوضاع والأشخاص، كما تخلصها من استضلال الأساطير والأوهام والخرافات، الخلل في العبادة مؤذنٌ في الخلل في نظام حياة البشر بلا مراء.
أمة الإسلام: ضيوف الرحمن! إنه لا فلاح للإنسان ولا حرية ولا سعادة إلا بتحقيق العبودية لربه وخالقه ومالكه، الإله الحق الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر عالم الغيب والشهادة: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٦٤] ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام:١٤] ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً﴾ [الأعراف:١٤٠].
بهذه العبودية تكتسب الحرية، وبهذا الذل ترتقى درجات العز، وبمقدار الخضوع تكون الرفعة، إذا أحسن المرء العبادة وأخلصها ترقى في درجات الكمال الإنساني وأصبح لحياته قيمة، وصار لعمله لذة، ولئن كان الغنى إلى النفس فإن الحرية حرية القلب كما أن الرق رق القلب.
стр. 829
العبودية تعريفها وحقيقتها
أيها الإخوة في الله: إذا كان الأمر كذلك فما هي العبودية؟ وما هي حقيقتها؟
إنها اسمٌ جامع لمراتب الأعمال والأقوال من القلب واللسان والجوارح من كل ما يحبه الله ويرضاه.
العبودية: الطاعة لله مع الخضوع له، فيفعل المكلف خلاف هوى نفسه طاعة لله وتعظيماً له.
العبادة الحقة: حركاتٌ في الظاهر، واعتقادٌ في الباطن، وطمأنينة في النفس، وتواطؤٌ وتوافق بين عبودية القلب وعبودية الجوارح.
لا بد في العبادة من الجمع بين المحبة والخضوع، فيحب العبد ربه أحب من كل شيء، ويعظمه أعظم من كل شيء، فالمحبة الخالصة والخضوع التام لا يكونان إلا لله رب العالمين لا شريك له.
إن مبنى العبودية على التسليم والانقياد والاستجابة في فعل المأمورات وترك المنهيات: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].
أيها الإخوة في الله: أما أصول العبادة وأسسها: الاعتقاد بالصحيح فيما أخبر الله سبحانه عن نفسه وأسمائه وصفاته، وأفعاله وملائكته وكل ما غاب عنا؛ مما جاء على ألسنة الرسل وتنزلت به الكتب، وإفراد الله بالعبادة، وتنزيهه عن الشركاء والأنداد مع ما يتطلبه القلب ويستيقنه من التوكل على الله، والإنابة إليه، والخوف منه، والرجاء فيما عنده، وإخلاص الدين له ثم أعمال الجوارح من أنواع العبادات؛ من الصلاة والزكاة والصيام والحج وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وأداء الأمانات، والوفاء بالعهود، وبذل وجوه الإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، وكل محتاجٍ من بني آدم حتى البهائم: ﴿ففي كل كبدة رطبة أجر﴾، وأعمال اللسان من تلاوة القرآن العزيز، والذكر، وقول الحق، وحسن الحديث، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والعلم والتعليم، واجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والكف عن المحرمات، والبعد عن الكبر والرياء، والعجب والحسد والنفاق، والغيبة والنميمة، وكل ما نهى الله عنه.
إن العبودية على الحقيقة والتحقيق: هي الدين كله، ولما سأل جبريل ﵇ رسول الله ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، قال ﵊ لأصحابه: ﴿هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم﴾.
стр. 830
العبودية أشرف المقامات
أيها الإخوة في الله: العبودية أشرف المقامات، وأعلى مرتبات عبادة الله شرفت بها ملائكة الله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٧] ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩ - ٢٠].
стр. 831
العبودية ومقام تشريف الأنبياء بها
العبودية: هي مقام التشريف في حق أنبياء الله، ورسله المرسلون هم أعلى مكلفين في مراتب العبودية: ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل:٥٩] ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٢] ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص:٤٥].
واستمع إلى هذا الوصف الجميل لأيوب الصبور: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤].
أما صاحب الملك العريض الذي لا ينبغي لأحدٍ من بعده، فقد وصفه ربه بقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٣٠].
أما عيسى ﵇ وقد رفعه من رفعه إلى مقام الألوهية فقد قال فيه ربه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف:٥٩].
ثم ناهيكم بأفضل الرسل وأشرف الأنبياء نبينا ﷺ ، فقد شرفه ربه بوصف العبودية وهو في أعلى مقامات التكريم، وقد أسري به إلى بيت المقدس، وعرج به إلى السماء فقال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١].
وقال سبحانه: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠].
فالأنبياء عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه هم الأعلى في مراتب العبودية، ويأتي في ذروة عباد الله الصالحين بعد الأنبياء الصديقون، والشهداء، والمجاهدون، والعلماء، وأهل الإيثار والإحسان، وهم في هذا على درجاتٍ متفاوتات لا يحصي طرفيها إلا الله، فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم وأقربهم إلى الله؛ أقواهم وأهداهم وأتمهم عبودية لله .
стр. 832
صفات عباد الله في القرآن
أمة الإسلام: حجاج بيت الله! وبالنظر في المطلوب من عباد الله على درجاتهم ومنازلهم ترى شمولية ودقة في الاعتقادات، والعبادات، ومجمل الطاعات، وآداب السلوك والأخلاق: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً﴾ [إبراهيم:٣١].
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء:٥٣].
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣].
ومن جميل صفاتهم وجميل أخلاقهم ما وصفهم الله جل وعلا: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣] قائمين لله بالعبادة ركعاً وسجداً: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ [الفرقان:٦٤] يخافون عذاب السعير: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ [الفرقان:٦٥ - ٦٦].
ناهيكم بتحقيق التوحيد والخلوص من الشرك، واجتناب كبائر الذنوب: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨] محفوظون من الشيطان ووسواسه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤٢].
هم أهل التمكين والوراثة: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥].
стр. 833
لذة العبودية لله
عباد الله: حجاج بيت الله! العبودية الصادقة تسمو بها الروح، وتتهذب فيها غرائز العبد وشهواته، ويترجح جانب الخير على جانب الشر، ويتجلى وقوف العبد بين يدي ربه واستحضار علمه وعظمته وإحاطته.
العبادة الصحيحة: أثرٌ عظيمٌ في النفس وطمأنينة في القلب.
العبودية أعظم ما يحصله الإنسان في هذه الحياة؛ لتكون وسيلته إلى السعادة ورضا الله وبلوغ جنته ودار رضوانه، وفي الحديث القدسي: ﴿يابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك﴾ أخرجه ابن ماجة بسندٍ صحيح من حديث أبي هريرة ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ .
القلب إذا ذاق طعم العبادة والإخلاص لم يكن عنده شيءٌ قط أحلى من ذلك ولا ألذ ولا أمتع، يقول ﷺ : ﴿ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ نبياً ورسولاً﴾.
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي محمدٍ ﷺ .
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 834
أمور تعين على تحقيق العبودية
الحمد لله؛ شرع لنا من الدين ما وصى به المرسلين، أحمده تعالى وأشكره وأومن به وأتوكل عليه، إياه نعبد وإياه نستعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله سيد الأولين والآخرين وقائد الغر المحجلين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها المسلمون: إن مما يعين على تحقيق العبودية وإحسان العبادة حضور القلب، وإخلاص النية، وتحديث القلب وتذكيره بالتعبد لله في حال العبادة وخارجها، وهذا التذكير نهرٌ يمد القلب باللين والرقة والخشوع حتى لا يشح ماؤه، ولا يصيبه القسوة عياذاً بالله.
أيها المسلمون: ولكل عبادة تهيؤ يناسبها، فمن التهيؤ للصلاة حسن الاستعداد من إسباغ الوضوء، والتبكير إلى المسجد، والمشي بسكينة ووقار، يقارنه تهيؤ نفسي ومعالجة قلبية.
ومن التهيؤ للحج والعمرة رد الأمانات والمظالم إلى أهلها، وتحري النفقة الحلال، واختيار الرفقة الصالحة، ورعاية آداب السفر، وغير ذلك مما يعين على تحقيق المقصود من العبادة.
كما ينبغي في كل عبادة الابتعاد عما يشوش القلب، فينخلع القلب عن علائق الدنيا وينجذب بكليته إلى ربه ومولاه.
ومما ينبغي أن يعلم أن ربنا جل شأنه لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، وفي الحديث القدسي: ﴿يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئاً﴾ ومع غناه سبحانه فإنه يحب المتقين، والمحسنين، والصابرين، والتوابين والمتطهرين.
ألا فاتقوا الله -رحمكم الله- واسألوه العون على ذكره وشكره وحسن عبادته.
ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة نبيكم محمد رسول الله، فقد أمركم بذلك ربكم في محكم تنزيله، فقال سبحانه وهو الصادق في قيله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحم حوزة الدين، وانصر عبادك المؤمنين، واخذل الطغاة والملاحدة، وسائر أعداء الملة والدين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق والتأييد والتوفيق والتسديد إمامنا وولي أمرنا، ووفقه لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وارزقه البطانة الصالحة، وأعز به دينك، وأعلِ به كلمتك، وألبسه لباس الصحة والعافية، واجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدى يا رب العالمين!
اللهم وفق ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنة نبيك محمدٍ ﷺ ، واجعلهم رحمة لعبادك المؤمنين.
اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير.
اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون في سبيلك لإعلاء كلمتك وإعزاز دينك، اللهم انصرهم في فلسطين وفي كشمير وفي الشيشان وفي كل مكان يا رب العالمين!
اللهم إن اليهود المحتلين الغاصبين قد طغوا وبغوا، وآلوا وأفسدوا، وقتلوا وشردوا، وأهلكوا ودمروا، اللهم اجعل بأسهم بينهم، وفرق جمعهم، وشتت شملهم، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك.
اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميره، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين!
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك محمدٍ ﷺ وعبادك الصالحين.
اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلادنا وعن جميع بلاد المسلمين يا رب العالمين!
ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 835
إنما أنت مذكر
قال الله تعالى: (فذكر إنما أنت مذكر) تحدث الشيخ حول هذه الآية، وبين المقصود منها، ثم بين أن على الداعية أن يذكر ويدعو وألا ينتظر النتائج، ولكي تكون الدعوة ناجحة فلابد من تخول المواقف والمناسبات للتذكير، وتنوع الأساليب، ثم تحدث عمن هو المنتفع بالذكرى، مبيناً حال الكفار مع الاستجابة، ثم بين أن الهوى هو السبب في عدم الاستجابة، وقد ضرب أمثلة على ذلك، ثم تحدث عن الدنيا وطبيعتها، وعن طبيعة الإنسان فيها، وشرح حديث: (اغتنم خمساً قبل خمس).
стр. 836
معنى قوله تعالى: (فذكر إنما أنت مذكر)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله، أشكره ولا أكفره، وأتوب إليه وأستغفره، وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الخلق وله الأمر وله الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، وأمينه على وحيه ومصطفاه من رسله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، جعلنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الإخوة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أشكر الله على ما منَّ به من هذا اللقاء الطيب المبارك في هذا البيت من بيوت الله، وفي هذا الجزء العزيز من بلادنا حفظها الله وصانها، وأدام عليها أمنها ورخاءها، وأعزها بالإسلام، وأعز الإسلام بها، أشكره سبحانه على هذا اللقاء في هذه المحافظة، وفي هذه المدنية ينبع الكريمة والعزيزة.
وإنَّ ما تقدم به الأخ الفاضل المقدم أشكره عليه، وإن كنت أعتب عليه في ذلك عتباً شديداً، فقد أدلى بكلمات ما كان ينبغي أن تكون في مثل هذا المقام، وخاصة ونحن في بيت من بيوت الله، جلسنا نذكر ونتذاكر، ونذكِّر أنفسنا، فما كان ينبغي له أن يأتي بمثل هذه الكلمات، وخاصة ما يتعلق بنوع من الإطراء الذي لا يحبه كل إنسانٍ يحترم هذه الوجوه الطيبة، لكنني أحسن الظن به، وأرجو من الله أن يعفو عنا وعنه، وأن يسامحنا، وإن كنت أعلم أن ذلك هو حسن ظن منه، كما أنه حسن ظن كثير من الإخوة الذين رتبوا لهذا اللقاء، ولكنني أقول: اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، واجعلني خيراً مما يظنون.
أيها الإخوة: عنوان هذا اللقاء كما اختاره الإخوة المنظمون لهذا اللقاء هو حول التذكير والذكرى، والعنوان هو: "إنما أنت مذكر".
يقول الله لنبيه محمد ﷺ : ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢١ - ٢٢].
سوف يكون وقوفنا -إن شاء الله- أمام هذا الموضوع من عدة جوانب:
الجانب الأول: معنى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢١ - ٢٢] وأمثالها من الآيات الأخرى؛ لنبين وظيفة الواعظ، ووظيفة الداعية، ووظيفة الموجه، ووظيفة المربي.
الجانب الثاني: من هو المنتفع بالذكرى؟ وحتى نقف حقيقةً مع أنفسنا موقف المحاسبة: من هو المنتفع؟
ولماذا كثيرٌ منا يسمع مواعظ، ويسمع خطباً، ويسمع كلمات، ويقرأ، ومع هذا يحس بنوع من الضعف، ونوع من قلة الاستجابة مما يسمع ومما يذكر به الواعظون؟
الجانب الثالث: ثم محاولة لوقفة تذكيرية حول أنفسنا بطبيعة هذه الحياة، وطبيعة الإنسان، والجدية في المواقف، وصدق المحاسبة.
الجانب الرابع: ثم الإشارة إلى الضعف البشري والنقص العملي؛ مما يستدعي مع المحاسبة: توجه إلى التوبة، وبيان مواقف كبيرة في التوبة، وبخاصة ما يتعلق بالإصرار، وما يتعلق بالمجاهرة، وفيما يتعلق ببعض الابتلاءات والمصائب التي تكون مكفرات؛ لأن هذه كلها من مواقف التذكير والمحاسبة، وقد نأتي عليها كلها، وقد يسارعنا الوقت فلا نأتي عليها كلها، لكن على كل حال هذه هي أطر الموضوع إن شاء الله.
أولاً: قوله ؛ مخاطباً رسوله محمداً ﷺ ، وهو سيد الدعاة، وسيد المذكرين، وسيد الوعاظ، وسيد الخطباء، وسيد الأئمة، وسيد الأنبياء، وسيد المعلمين، وسيد الموجهين، وسيد المربين، قال له: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢١ - ٢٢].
هذه تبين -يا إخواني- ما ينبغي أن يعرفه المذكر من نفسه، وما يعرفه من طبيعة البشر، وحينما نقول: مذكر؛ يشمل الداعية، والواعظ، والخطيب، والأب مع أولاده حينما يذكرهم ويزجرهم ويعظهم ويربيهم، والمعلم في مدرسته، وكل قنوات التوجيه وكل مصادر التربية، ومصادر التذكير والتنبيه كلها يجب علينا أن نفقه هذا المعنى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:٢١].
(ذكِّر) أمرٌ بالتذكير، وهذه لا بد منها، والتذكير واجب ومسئولية كل من أعطاه الله علماً وبصيرة، وأحسن شروط الدعوة: هو المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] وقوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] فمن جمع بين هذه فإنه مأمور بالتذكير.
стр. 837
لا تنتظر النتائج
عليك ألا تنقطع: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:٢١] وليس عليك القبول ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢].
إذاً: مهمتك أن تذكر، وأن تبين، وأن تجتهد، وأن توضح، وأن تسلك كل مسالك التفكير، وكل مسالك البيان والإيضاح، وتجدد وتطور في أساليبك، وأشياء كثيرة، لكن: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:٢١] وما وراء ذلك ليس إليك ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢] أي: لست مسيطراً على عقولهم.
إذاً: لا شك أن الأمور الأخرى فيما يتعلق بالمنكر، وفيما يتعلق بتوجيه الناس، وفيما يتعلق بما هو من الشرع، كالحدود والتعزيرات هذه أشياء أخرى معروفة، لكن لا تتهم نفسك حينما تذكر، ولا تظن أنك أنت مقصر، فإن النبي ﷺ أخبر أنه يوم القيامة: ﴿يأتي النبي وليس معه أحد﴾ وهو نبي مؤيد بالمعجزات والآيات والنذر، ومع هذا لا يتبع، فكونك لا تتبع، أو لا يستجاب لك، أو تكون الاستجابة ضعيفة؛ ليس اتهاماً لك، ولا أنك مقصر، فمهمتك أن تذكر، ومهمتك -لا شك- أن تراجع نفسك وتحاسبها، مثلاً: بالتذكير، والنظر في الوسائل، والنظر في الأسباب، لكن لا تنتظر الاستجابة، فإن الاستجابة بيد الله .
وهنا آيات كثيرة في هذا الباب، يقول الله : ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٣] وهنا حصرٌ أيضاً في أن مهمتك النذارة فقط، ويقول: ﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف:٩] ويقول: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [البقرة:١١٩] بشارة ونذارة، لكن: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة:١١٩] فليست مسئوليتك أن يهتدي الناس، وليست مسئوليتك أن ترى نتاج عملك، وإن تره فهذا لا يعني على أنك فاشل، لماذا؟ لأن هناك عوامل كثيرة في طبيعة النفس البشرية، وحكمة الله ، وأشياء كثيرة صوارف، وموانع، ومعوقات، فالقضية هي أن تعرف وظيفتك.
النبي ﷺ دعا ثلاثاً وعشرين سنة، بعض الناس استجاب من أول وهلة، كـ خديجة ﵂، وأبي بكر ﵁ وأرضاه، وعلي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، هؤلاء من أوائل من أسلم، بينما تأخر إسلام بعض الناس إلى أكثر من عشرين عاماً، كـ أبي سفيان، وسهيل بن عمرو، وخالد بن الوليد، فالاستجابة ليست لك.
ولهذا الله يقول لنبيه محمد ﷺ : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] ﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [الرعد:٣١] فالأمر ليس إليك، وهذا النبي ﷺ مأمور أن يصرح به، ولهذا يقول: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء:١١٥] ويقول: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [ص:٨٦] ويقول: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٩٩].
القضية فعلاً ليست خاضعة لموازين بشرية، وإن كانت هناك -كما سوف نرى بعض أشياء تتعلق بالاستجابة- قضية أنه مهمة الواعظ والمذكر والمربي والموجه والمعلم أن يجتهد في نفسه، لأن وظيفتك أن تعمل، وأن تذكر، وأن تجتهد، لكن النتائج هذه زيادتها ونقصها ليست دليلاً على فشلك، أو نجاحك.
стр. 838
اختيار المواقف للتذكير
الجانب الآخر: يقول الله : ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩] ما معنى ذلك؟
معنى ذلك: أن الإنسان ينبغي أن يتخير في التذكير، ليس معنى: ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩] إذا لم تنفع فلا تذكر، لا.
لأننا قلنا -قبل قليل- أن النفع ليس إليك، لكن تحر الأوقات، والظروف، والأماكن، والأحوال المناسبة التي تدخل فيها على الناس، ولهذا النبي ﷺ كان يتخول أصحابه بالموعظة، أي: يتلمس، سواء كان بتخول الظروف، أو باستغلال المناسبات، فقد تكون الموعظة حينما تزور مريضاً أكثر تأثيراً حينما يكون مصاباً، أو على القبر، أو على جنازة، أو مفاجأة حادث، أو أشياء أخرى، هذه أيضاً من التخول.
إذاً: هذا جانب من جوانب التذكير، وهو تخول الظروف، ومحاولة استغلال الظروف، فإن هذه يكون لها أثرها، ولهذا قد يكون عند تجدد النعم، أو عند انصراف النقم، أو حتى عند حلول المصائب، وعند أشياء كثيرة، يتخيرها الإنسان، ويحاول أن يستغل الظرف ليذكر، وحتى الاستغلال ينبغي أن يكون بطريقة لبقة، وبطريقة خفيفة الظل، وبطريقة لا تكون ثقيلة.
فإن كثيراً من مواعظ النبي ﷺ كانت مجرد كلمات يقولها في المناسبات، لكنه في الأصل كان يتخير المناسبات، مثلاً: حينما كان مع مجموعة من أصحابه ﵊، فمروا على شاة، أو سخلة ميتة، أو تيس أسك -أي مقطوع الأذنين- قال: ﴿أرأيتم هذا؟ قالوا: نعم.
قال: لماذا ألقاها أهلها أو أصحابها؟ قالوا: لأنها لا قيمة لها، قال: إن الدنيا أهون عند الله من هذه عند أهلها﴾ فلأجل هذه المناسبة، قال هذه الكلمة ﵊، استغلالاً للموقف، ومحاولة للتذكير في وقت نفعه: ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩].
والتذكير ليس محله المنبر فقط، أو المسجد، أو القاعات الكبرى، بل في أي مناسبة -كما قلنا- قد تزور مستشفى، أو تزور مرضى، أو في تشييع الجنازة، قد يكون حتى بمناسبة أفراح، قد يكون هناك إنسان جاءه شيء يفرحه فتستغل هذه المناسبة، والتذكير ليس بأن تأتي بمأساة في وقت الفرح، فإن هذا ليس من اللباقة، وليس من المفيد، بل في الفرح يكون فرحاً، ويكون استغلالاً للابتلاء بالخير، كما تستغل الابتلاء بالشر ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩].
стр. 839
من هو المنتفع بالذكرى
قضية أخرى في التذكير: وهي أنه إذا كان خطابنا الأول للمذكِّرين والوعاظ، الآن نأتي إلى المخاطَبين المذكِّرين.
الله يقول: ﴿فَذَكّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩] وبعدها: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى:١٠].
إذا كنا تحدثنا قبل قليل عن المذكرين، وقلنا: ينبغي أن يفعلوا كذا وكذا وكذا، الآن نخاطب الذين يستمعون: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى:١٠] هنا ينبغي -يا أخي- أن تقف مع نفسك وقفة المحاسب، لماذا تسمع الوعاظ، وتسمع المذكرين، وتتلى عليك آيات الله، وعندك وسائل في المسجد، في الشريط، في الإذاعة، تقرأ كتاباً، تقرأ نشرة، ومع هذا لو راجعت نفسك لوجدت شيئاً من القصور، فعليك أن ترجع إلى نفسك، الله يقول: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى:١٠] ويقول: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥] ما تنفع كل واحد.
ويقول: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه:١ - ٣].
إذاً: قضية الإيمان وقضية الخشية أشياء داخلية، ويقول: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً﴾ [يس:٧٠] سماها حياة، فالقرآن ينذر من كان حياً ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس:٦٩ - ٧٠].
إذاً: إذا أردت أن تحاسب نفسك بصدق، وأن تقف موقف المراجع لنفسه أمام وعظ الواعظين، وتذكير المذكرين، ونصح الناصحين، ولهذا أكثر ما قال الأنبياء لأقوامهم: ﴿وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٧٩] إن القضية خطيرة أيها الإخوة.
أسألكم بالله: إذا مر عليكم عضو الهيئة، أو مر عليكم رجل محسن، أو خير، وقال: يا إخواني الصلاة، أو قال لكم: هذا كذا، أو السنة كذا، بالله هل يتعظ قلبك؟ هل تجد تثاقلاً؟ هذا خطير يا أخي! وقال هود لقومه: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٧٩].
فعليك أن تراجع نفسك -خاصة في وقتنا الحاضر- فكم يمر عليك مسائل خير، وبخاصة في إعلامنا -ولله الحمد- ففيه إيجابيات كثيرة جداً؛ إذاعة القرآن الكريم، برامجنا الدينية والتثقيفية الجميلة، في كثير منها كم يمر عليك، وأنت تفتح السيارة هذه آيات الله تتلى، وهذه مواقف من القرآن، وهذه مواقف من السنة، وهذه مواقف من السيرة، بالله ما اجتهدت أن تقف مع نفسك موقف محاسب! إذا لم يكن ذلك فارجع إلى هذه الآية: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى:٩ - ١٠] إذا كان في قلبك خشية، وفي قلبك حياة ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً﴾ [يس:٧٠] وكان لك قلب ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧] السمع هذا سمع خاص -وسوف نشير إليه بعد قليل- وليس مثل كمن يسمع من أذن ويخرج من أذن أخرى، إنه سمع معين نشير إليه -إن شاء الله- بعد قليل.
إذاً: هذا خطاب للذين يستمعون الذكر ويستمعون التذكير، أن ينظروا في قلوبهم، وينظروا مدى استجابتهم، يقول الله : ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام:٣٦] ويقول في الآية التي قبلها: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام:٣٤] هذا كله تسلية للنبي ﷺ : ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ * وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ [الأنعام:٣٤ - ٣٥] وهذه تتعلق بـ ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:٢١]، ولا مانع أن نعيد الكلام فيه.
هذا الخطاب من الله لنبيه ﷺ ، مما يدلك: على أن القرآن من عند الله، وأن محمداً ﷺ بلغه من عند ربه، حتى الأمور التي تتعلق بشخص النبي ﷺ ، وما يدور في صدره بينها القرآن.
والرسول ﷺ كان يشق عليه ألاَّ يصدقه قومه، وكان يشق عليه أن يعرض قومه، فقال الله له: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ [الأنعام:٣٥] إن كان شق عليك أنهم أعرضوا ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ [الأنعام:٣٥] ماذا تفعل؟
تصعد إلى السماء لتأتي بآيات، أو تفتح أنفاقاً وتأتي بآيات، هذا ليس إليك، إن مهمتك البلاغ.
سبحان الله! الخطاب القرآني والتجسيد القرآني لموقف النبي ﷺ من قومه، الرسول ﷺ كان مشفقاً على قومه، بل حريصاً عليهم يريد أن يسلموا، أولاً: لأنه مقتنع بما جاء به، وهو أيضاً يرسم الطريق للدعاة، وكان يتحرق قلبه ﵊ في سبيل أن يدخل الناس في دين الله أفواجاً ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ [الأنعام:٣٥] إن كان شق عليك أن أعرضوا، ليس بيدك شيء: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ *
стр. 840
الكفار وحالهم مع الاستجابة
يقول تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٢ - ٢٤].
آيات عجيبة في تجسيد كيفية الاستجابة، ومنهم الذين لا يستجيبون ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال:٢٢].
وقد جاء إليَّ سؤال لطيف، قال: الله في الذين كفروا: ﴿الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال:٢٢] ومعلوم أن الأصم والأبكم ليس مكلفاً، فكيف قال هنا: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال:٢٢]؟
الموضوع -فعلاً- يحتاج إلى وقفة: فإن الصم البكم في الآية ليس معنى ذلك أنه متعطل السمع، أو أنه أبكم بمعنى لا يستطيع أن يتكلم، ولكن المعنى أن عنده آلة سمعٍ، فلم يستعملها، ولم يوظفها في الحق، وعنده عقل، ولم يستعمله، ولهذا قال الله في الذين كفروا: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٧٠] فما معنى أن الكفار لا يعقلون؟
القضية خطيرة ودقيقة ومهمة في الكفار وفي العصاة، وقد يقول قائل -كما قلنا قبل قليل-: الكفار معهم عقول وعبقريات واكتشافات واختراعات، ووصلوا إلى ما وصلوا إليه باكتشافات مدنية، واكتشافات مادية، وهذا حق، ولا ينكر، ولا يُلغى، بل لو كانوا لا يعقلون لما كانوا مكلفين أصلاً؛ لأن المجنون لا يكلف، والإنسان الذي فقد آلة لا يكلف بأن يؤدي شيئاً بهذه الآلة وهو فاقدها، بل حتى الإنسان لو كان مقطوع اليد وأراد أن يتوضأ فلا يلزمه أن يغسل كتفه أو جنبه ما دام أن اليد مقطوعة إلى المرفق، انتهى المفروض عليه، فكذلك إذا كان معطل الحواس، فليس عليه تكليف، لكن الله قال في الكفار: ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة:١٠٣] أي: أن عندهم آلة العقل، لكن لم يستعملوها في الاستعمال الصحيح.
ولهذا لو أن إنساناً يمشي وداس رِجل شخصٍ ما فسوف يقال له: ألا ترى؟! لأنه لو كان يرى لما داس، إلا إذا كان متعمداً، بل حتى حادث السيارة، والأشياء الأخرى، فالإنسان حينما يخطئ في تعطيل حاسته سوف تتعطل، مع أن هناك تعطيلاً متعمداً، والإنسان محاسب عليه، ولهذا قال الله في الكفار: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] ويقول في آية أخرى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٣ - ٤٤].
إذاً: ليست القضية أنه ليس عنده عقل، ولا سمع، القضية فيها أشياء أخرى، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ [الفرقان:٤٣] وفي مكان آخر تكلم عن الاستجابة، فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص:٥٠].
стр. 841
الهوى سبب عدم الاستجابة
إن الصارف عن عقلك وقلبك حتى لا يخشع، وحتى لا يسمع، هو الهوى.
والهوى كلمة واسعة في القرآن، وواسعة في اللغة العربية، فالكفار على عقولهم، وعلى عبقرياتهم، لكن الذي يضلهم هو الهوى، ولا مانع أن ندخل مباشرة ونقول: كل مشكلات العالم الآن، وحقوق الإنسان، وما أدراك ما حقوق الإنسان! والكذب في تطبيق القواعد والقضايا الدولية، سببها اتباع الهوى مصالح خاصة، ما معناها؟ معناها اتباع هوى في مقابل الحق، والحق بين واضح أبلج، ومع هذا ينصرفون ويلتوون ويلتفون على النصوص، وعلى القواعد التي رسموها، والقوانين الوضعية التي وضعوها، وكذا وكذا إلخ، ليس لأنهم لا يعقلون، بل هم الذين وضعوا القانون ويتجاوزونه؛ لأنهم لم يقصدوا الحق، إنما قصدوا الهوى.
إذاً: حينما ترى نفسك لم تستجب حين يعظ الواعظ ويذكر المذكر، اعلم أن السبب هو الهوى، حينما يتكلم الواعظ عن الربا، وتعلم أن الربا حرمه الله ورسوله، لكنك غلبتك نفسك، وغلبك هواك، فأنت -فعلاً- بين نارين، نار الآخرة، ونار حبك الرشوة، وخيانة الأمانة تستودع أمانة وتضيعها، لماذا؟ لأنك لعبت، الواعظ يعظك والمذكر على المنبر يبين لك، ومع هذا خنت لماذا؟ لأنه لو كان في قلبك حياة وخشية من الله ، لتغير الحال.
ولنا أن نقف هنا وقفة طويلة، لأنها مهمة في قضية قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام:٣٦] ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال:٢٢] كما قال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] وقال الله: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩] أضل من الأنعام، كيف؟!
الأنعام خلقها الله وأعطاها نوعاً من الهدى الذي تقوم به حياتها البسيطة والساذجة، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] كيف تحنو على صغارها؟ كيف ترفع رجلها من أجل أن يرضع صغيرها؟ كيف تدافع عن نفسها؟ كيف تهرب حينما ترى ما يؤذي؟ كيف تنطح حينما تشعر أن الإقدام ينفعها؟ كيف تنظر في الأكل وتشمه فإذا نفع أقبلت، وكذلك الماء، وكذلك إذا أقبلت على حفرة، فإنها لا تلقي بنفسها، وإذا أقبلت على شاهق، فإنها لا تؤدي بنفسها، وهكذا إذاً عندها قدر معيشي هداها الله إليه بحيث تعيش ما شاء الله أن تعيش.
الإنسان أرقى من هذا بكثير، فالحيوانات لا يمكن أن تصنع إبرة، ولا يمكن أن تصنع طعاماً، تلقي فمها ثم تأكل فقط، أما ابن آدم فإنه يصنع ويعمل وينتج زراعة وصناعة، وأشياء فوق الخيال، والمباني التي يقيم فيها تتكون من عشرات الأدوار، والحيوان إن حفر له جحراً، وإلا كنَّ في أي سقف أو شق من الأرض.
فليس هناك نسبة بين عقل الإنسان وعقل الحيوان كما هو معروف، لكن لاحظوا كيف أن الإنسان إذا ألغى عقله، لا يزال يتدنى ويتدنى حتى يصل إلى درجة البهيمة، ثم يكون أضل من الأنعام ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩] وكما قلنا لكم: إن البهائم تدافع عن نفسها، وتعرف النافع والضار في حدود ما هداها الله.
الإنسان عنده عقل وعنده فهم، ويكتب نشرات صحية هذا ممنوع، وهذا اكتشف دواؤه، وهذا قد اكتشفت مضراته، وجراح، وعلماء، وأشياء كثيرة لا شك أنها محل فخر، ويطلب من المسلمين أن يصلوا إلى هذه الأمور ويتفوقوا عليها، وليس هناك إشكال، لكن كيف هذا العبقري، وهذا المكتشف، وهذا المحذر، وهذا المنبه قليلاً قليلاً إلا وقد غلبه هواه، فاقتحم ما يضره؟!
стр. 842
أمثلة لاتباع الهوى
نبدأ في قضية التدخين: قبل ثلاثين سنة كان التدخين يمكن أن يظن أنه يضر، أو لا يضر، أو حرام، أو ليس بحرام، أي أن أضرار التدخين لم تكن متبلورة ولا واضحة، أما الآن فقد أجمع الأطباء والعلماء، وأجمع العالم على أنه ضار، ووضعوا الملصقات، بل حتى وسائل المكافحة أنه ضار بالاتفاق، ومع هذا يقدم الإنسان على التدخين!
لو أنك وضعت طعاماً متعفناً أمام بهيمة، هل يمكن أن تأكله؟ لن تأكله سوف تقترب منه ثم تكف مباشرة، أما ابن آدم فيقول: هذا ضار، وهذا ممنوع، ومع هذا يستمر في هذه الحالة ألا يكون أضل من بهائم الأنعام؟ بهيمة الأنعام تصل إلى حال أنها تترك الضار، أما الإنسان فمع علمه أنه ضار ولكن يتعاطاه.
هناك قضية أشد: الخمر أضراره والأمراض التي يسببها متفق عليها، سواء في الرئة، أو في الكبد، أو في المعدة، والأطم والأطم المخدرات! كيف البلاء بالمخدرات؟ حينما ترى صاحبها -نسأل الله السلامة- يقع بشكل مزري، ولو كان هناك تضليل أكثر من الأنعام فإنه يستحقه يضيع ماله، ويضيع عقله، بل -يا إخواني- إنه مستعد أن يضيع عرضه -نسأل الله السلامة- فإن من لا يستطيعون أن يحصلوا على المخدر مستعدون أن يبذلوا كل شيء حتى عرض زوجته وعرض ابنته -نسأل الله العافية والسلامة- إلى هذه الدرجة يصل الإنسان!!
إذاً: فعلاً لا يتذكر إلا من له قلب، واستعمل عقله، وما أعطاك الله العقل إلا لتتميز به، وإن لم تتميز به صرت بهيمة، وأشد من البهيمة.
نأتي إلى جانب الكفار الكفار -فعلاً- اكتشفوا ما اكتشفوا، وصنعوا ما صنعوا، لكنهم ضلوا حتى ضروا أنفسهم نِسب الانتحار عندهم أشد، نِسب الطلاق وتفكك الأسر أشد وأشد، عندهم العيادات النفسية بشكل عجيب، لماذا؟
لأنهم لم يأخذوا إلا بالجانب المادي فقط، بل وأفسدوا الجانب القلبي، والجانب الديني، والضمير؛ لأنه لا تأتي هذه إلا عن طريق التذكير والتعليمات الدينية الصحيحة، فالله يقول: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً﴾ [يس:٧٠] ويقول: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه:٣] ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام:٣٦] ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٢ - ٢٣] ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر:٨].
نأتي إلى قضية أخرى: إذا كان هذا هو التذكير، ووظيفة المذكر أن يبين للناس ويجتهد، ويتأسى بالنبي ﷺ الذي كان يبذل ما يبذل، ويشق عليه ضلال قومه، حتى قال الله له: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف:٦] لكن ينبغي أن يعرف وظيفته: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢١ - ٢٢] ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٩٩].
الجانب الثاني: ينبغي على المتذكرين والموعوظين والمنصوحين أن يراجعوا قلوبهم، ويراجعوا أنفسهم، لماذا لا يستفيدون؟
إذاً: القضية فيها وفيها، وأكثر ما فيها -يا إخواني- الهوى، والله لا يصرف الإنسان عن الخير إلا الهوى سواء كان هوىً وظيفي، أو هوىً مالي، أو هوىً زوجي، أو هوى الأولاد: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥] ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٤].
إذاً: هذا هو المذكر، وهؤلاء هم المذكَّرون.
стр. 843
الدنيا وطبيعتها
نأتي إلى مواقف المحاسبة لعلها ترق قلوبنا بشيء من أوضاع الدنيا.
عندنا جملة أحاديث عن النبي ﷺ ، تبين أن طبيعة الحياة لا تحتاج إلى أن نقف عندها، وهي كثيرة، وسوف أختار شيئاً منها على حسب الوقت:
يقول الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠].
إن حديث القرآن عن الدنيا حديث واسع ومتنوع، حديث يبين طبيعتها فيما ينبغي أن يتنبه إليه المسلم والتالي لكتاب الله، ولا شك أن الدنيا -كما سوف نرى- في طبيعتها أنها لا تذم لذاتها، وليس بتحريم الحلال، وإضاعة المال، المال له موقف آخر، ليس هذا المقصود، لكن الوقت لا يتسع للكلام عن هذا، لكن لا مانع أن نذكر شيئاً متاع الغرور يقول سعيد بن جبير: [[ما يلهيك عن طلب الآخرة، وما لم يلهك، فليس بمتاع الغرور، ولكنه متاع]].
هذا قد لا نتكلم عنه الآن، إنما نتكلم عن الدنيا المذمومة، والدنيا لا تذم لذاتها، إنما المذموم هو عمل ابن آدم فيها، وكل الأحاديث الذامة واللائمة، ليس المدح والذم فيها للدنيا، ولا للماديات، وإنما تتعلق بعملك أنت ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ﴾ [الحديد:٢٠] لعب أي: للاعبين، فلا تكون لعباً إلا لمن يلعب، ولا لهواً إلا للاهي، ولا زينة إلا لمن أطغته الزينة وألهته، وتفاخر؛ لأنه صرف الدنيا لما لا ينبغي أن تكون، وجعلها للمفاخرة، وتكاثر في الأموال والأولاد.
إذاً: من جعل هذه وظيفة الدنيا، هذا هو المخوف، وهذا هو متاع الغرور، من جعلها لعباً ولهواً وزينةً وتفاخراً وتكاثراً في الأموال والأولاد، من جعلها كذلك فهذا هو المذموم، ولهذا مباشرة قال: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد:٢٠] والغيث هنا بمعنى: الزرع، واللغة العربية فيها تعابير كثيرة وليس هذا المقام للتفصيل، وقد عبر بالغيث باعتبار السبب؛ لأنه السبب -بإذن الله- لنبات الزرع وغيره.
والكفار هنا هم الزراع، الكافر بمعنى: الزارع، لأنه هو الذي يكفر الأرض، أي: يحرثها ويغطي البذور فيها، كما يشبه الدنيا كأنها -فعلاً- مزرعة، فالله دائماً يمثل بالزرع؛ لأن الإنسان يدرك بسرعة، ويرى تطوراته: تراها نبتة صغيرة، ثم تنمو وتصبح نضرة خضرة وجميلة، ثم بزهرها التي لا تكاد تمل منه، ثم لا يلبث أن يثمر، ثم يصبح هشيماً تذروه الرياح، بمعنى أن الحياة -كما يقول المختصون- قصيرة، بحيث يمكنك أن تراه من يوم أن كان صغيراً إلى أن يصبح كبيراً، والحياة الدنيا كهذه، أنت تعلم أنك كنت طفلاً، ثم شاباً، ثم قوة وفتوة، ثم كهولة، ثم هرماً.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ [الروم:٥٤] القضية واضحة، فالذي يلهو بالدنيا ويتخذها دار لهو، هذه حقيقتها، ولا تستحق كل هذا؛ لأنها فعلاً كفترة الزرع إن سلمت من الآفات.
ما أنت إلا كزرع عند خضرته بكل شيء من الآفات مقصود
فإن سلمت من الآفات أجمعها فأنت بعد تمام الزرع محصود
هذا إذا فرضنا أنك سلمت من الآفات، ولكن كيف وأنت تتقلب في هذه الدنيا بابتلاءاتها ومصائبها، وابتلاء في أهلك، ونفسك، وأولادك، وممن حولك من جيرانك وأقاربك يبتلون بأشياء ومشكلات ومصائب، ونكد.
جبلت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقدار والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار
فالله يقول: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ﴾ [الحديد:٢٠].
وأمثلة الدنيا في القرآن كثيرة: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس:٢٤].
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ [الكهف:٤٥].
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٢١].
стр. 844
طبيعة الإنسان في الدنيا
الكلام طويل في وصف الدنيا، وفيما ينبغي أن يأخذ الإنسان فيها من عجب؛ لكن الأمر الذي نريد أن نركز عليه: طبيعة الإنسان في هذه الدنيا، وتقلباته فيها.
النبي ﷺ يقول: ﴿اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك﴾ تنبيهات عجيبة عن حقيقة هذه الدنيا، وهذا هو الإنسان فيما اغتنمها، الحياة متقلبة ولا تستقر لأحد أبداً.
الرسول ﷺ مع أنه أكرم الخلق على ربه، ومع ذلك مرض ﵊، وناله ما ناله من العناء، وتقلب في الأسفار، وفي الحضر، ومآسي فالإنسان ينبغي أن يقف من نفسه موقف محاسبة، ونقول هذا لأننا نتكلم عن التذكير.
﴿اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك﴾ بالله يا إخواني! كم سمعتم الوعاظ دائماً يقولون: ﴿شبابك قبل هرمك﴾ ونعرف أن كثيراً من الشيوخ يعظون الشباب: يا ولدي انتبه لنفسك، يا ولدي كذا، كم ينبغي أن نراجع أنفسنا؟ وحينما يمر علينا الوعظ، وحين تمر علينا هذه الحكم، وتمر هذه الآيات والنذر، ينبغي أن يكون عندنا من الحياة القلبية ما نقف جادين من موقف المحاسبة.
﴿شبابك قبل هرمك﴾ لماذا؟ لأن الشباب قوة، والشباب تعطي فيه عطاءً عجيباً، إذا جاء الهرم، بدأت الأرجل والركب ترتعش والخطى تقصر، كنت تصل إلى أقاصي الدنيا، والآن لا تستطيع أن تخرج من بيتك إلى طرف الشارع أو إلى الدكان المجاور، تغيرت الحال، والرسول ﷺ يذكرك، هذه الدنيا منتهية ومتغيرة، فإن عشت؛ فلا بد من هرم، فإذاً لماذا لا تستغل الشباب قبل الهرم؟! وهذا خطاب لمن؟ إنه خطاب للشباب.
﴿شبابك قبل هرمك﴾ إذا كان عندك فكر، وعندك القلب الحي، وعندك الخشية؛ فانظر إلى الشيوخ الكبار، يقال: كان أطفال يلعبون في السوق في سن العاشرة والحادية عشرة، فمر عليهم شيخ كبير هرم، يمشي بخطى متقاربة، فقام واحد من الصبيان فيه شقاوة، وقال: يا عم، لماذا أنت مثل المقيد؟ قال له: يا ولدي! الذي قيدني يفتل قيادك.
إذا طال بك العمر فإن القياد يفتل الآن، فالقضية خطيرة.
فينبغي للشباب إذا رأوا الشيوخ أن يتعظوا، أنت الآن في قوة تذهب إلى ما شئت، عندك همة، تكاد تطير إلى أعالي السماء، فينبغي أن تغتنم شبابك قبل هرمك.
﴿وصحتك قبل سقمك﴾ يبدو لي أنه لا يوجد أحد إلا ومر بفترة مرض، وإن كانت بعض الأمراض أشد، خاصةً ممن يبتلى بمرض قد يرقد على السرير الأبيض مدة، كم يتمنى أن يكون صحيحاً! وإذا كان مريضاً يقول: والله إذا شفيت لأفعلنَّ كذا وكذا، سأراجع نفسي، وأراجع أوراقي، وبعد ذلك لا يفي بوعده.
ابن آدم عجيب! النبي ﷺ يقول: ﴿وصحتك قبل سقمك﴾ اعرف أنك صحيح؛ والحكمة المعروفة: الصحة تاج على رءوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى.
بالله ما هو شعورك عندما تزور مريضاً وتجلس عنده وتتحادث معه، ثم تخرج؟ كم هو يتبعك بنظراته، ويود لو أنه خرج معك، تخرج من غرفة المستشفى وأنت لا تبالي، أولادك يشتغلون مكانك، هو يتابعك بنظره، ويود لو أنه مشى معك، لكن المريض سقيم، فالنبي ﷺ يقول: ﴿وصحتك قبل سقمك﴾ هذا هو التذكير، وهذا هو مدى تأثرنا بالتذكير!
﴿وغناك قبل فقرك﴾ هذه هي إيجابيات الدنيا صحة في الأبدان، وقوة في الشباب، وثراء في الأموال، وإذا لم تستغلها في الخير فستندم، الشباب والصحة والغنى، فاغتنم غناك قبل فقرك، اغتنمه بماذا؟ بالخير، بصلة الرحم، بالصدقة، بالحلال، بأشياء كثيرة.
ولو أن إنساناً -نسأل الله السلامة- فلَّس، فكم سيضرب يداً على يد ويندم.
﴿وفراغك قبل شغلك﴾ وهذه من أهم القضايا، لكن مع الأسف -يا إخواني- لا يكاد الإنسان يعرف أنه فارغ، أكثر الناس -خاصة في بلادنا- بعد أن أنعم الله علينا، وأصبح عندنا رخاء، وأمن وأمان، وأشياء كثيرة، لا توجد في بلاد أخرى كم يأتي إلينا من الجاليات يبتغون الرزق، ويبتغون الفضل، لماذا؟ لأن عندنا فرص أعمال، وعندنا خير كثير.
إذاً: عندنا فراغ كبير، والفراغ في أولادنا وفي شبابنا، فينبغي للإنسان أن يستغل الفراغ بعمل، لا تنتظر أن يوجد لك فرصة عمل، أنت اشتغل، والله لو كان هناك جدية، وتأملنا مثل هذا الحديث، واشتغلنا بالفراغ الحقيقي، لزاحمنا هؤلاء الإخوة -ولا نحسد أحداً- لكن ينبغي أن نزاحمهم حتى نشتغل نحن.
فكم عندنا فراغ! والفراغ قاتل، وأكثر ما يقع الناس في الموبقات بسبب الفراغ لماذا يسهر الإنسان؟
لو كان عنده شغل وراءه لما سهر، ولو كان عنده مرض لما سهر، ولو كان عنده عمل جاد لما سهر، ولو قال لك أبوك: غداً عندك سفر، كيف تكون مشغولاً! ولو قالوا لك: عندك غداً منافسة فلن تنام؛ لأن الذي يقطع وقته في الأشياء الفارغة هو الفارغ، سهر ليل على ملهيات، وعلى وسائل إعلام سيئة، وكلها لا تجوز.
﴿فراغك قبل شغلك﴾ بينما تشغل نفسك بشيء تندم عليه، أحياناً تصاب بشدة عمل بحيث تتمنى فيه فرصة أو إجازة، فعليك أن تستغل الفراغ، الله قال للنبي ﷺ : ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [الشرح:٧] ما قال فإذا فرغت فالعب ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ الشرح:٧].
الرسول ﷺ كان يشتغل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:١ - ٨] إذا فرغت؛ اشتغل واعمل.
﴿وحياتك قبل موتك﴾ أي: كل حياتك، سواء كنت مريضاً أو صحيحاً، شاباً أو هرماً، فقيراً أو غنياً، الحياة لكل الناس، ليست للفقراء، ولا للأغنياء، ولا للأصحاء، إن الحياة للكل، فما عليك إلا أن تستغلها، والموت لا بد أن يأتي، الموت آتٍ آتٍ، فعليك أن تغتنم حياتك قبل موتك؛ لأن الموت آتٍ وأنت محاسب، والحياة ثلاثون أو خمسون أو ستون سنة فاستغلها.
قال ﷺ -وهي حقيقة مخيفة، وهي تمثل جانباً آخر فيما سبق- ﴿ما ينتظر أحدكم إلا غنىً مطغياً﴾ قد تبتلى فعلاً بالغنى؛ لأن الغنى بلاء وابتلاء: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥] ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨].
﴿ما ينتظر أحدكم إلا غنىً مطغياً﴾ ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧] فأنت ينبغي أن تستغلها، وأن تتقي الله ، ولا تغبط الأغنياء؛ لأنه أحياناً قد تكون الدنيا ملهية، وقد تكون بلاءً، وقد تكون عذاباً، بل حتى في الدنيا -وأنتم تعرفون حياة بعض الأغنياء- وذلك لأمرين:
أولاً: قد يكون الترف يؤدي بهم إلى أمراض معروفة، من الضغط والسكر وغيرها.
ثانياً: كم
стр. 845
وصف النبي ﷺ لحقيقة الدنيا
نختم بحديثين عن رسول الله ﷺ تجسد الموضوع وتعطينا خلاصةً لما سبق، قوله ﷺ كما في صحيح مسلم: ﴿يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت﴾ أكثر ما يبتغي الناس في الدنيا المال، وحقيقة المال أنه إذا كان عندك ملايين في البنك، أو ذهب وفضة مكدسة؛ لن تستفيد منها إلا ما كان على ظهرك من نسيج، وما دخل جوفك من أكل، وكذلك إذا بنيت لك مسكناً، هذه فقط، ما هناك غير هذا أبداً مهما كان، المال كله لن تستفيد منه إلا في مركب، أو ملبس، أو سكن، أو أكل، غير ذلك لا شيء.
﴿إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت﴾ وما عدا ذلك فللوالد غنمه وعليك غرمه، ولا مانع من أن أذكر أيضاً قصة لطيفة، وهي خيالية وأسطورة، لكن أذكرها لكم وأختم بها؛ تعرفون حقيقة المال، يقال: إن أحد الناس رأى أن له دعوتين مستجابتين، فدعا الله ، وقال: اللهم اجعلني لا أمس شيئاً إلا تحول ذهباً، فأجاب الله دعاءه، فوضع يده على الطاولة فصارت ذهباً، وعلى المكبر فصار ذهباً، حتى لو وضعها على عمود المسجد لصار ذهباً، وفعلاً كاد يطير فرحاً، حتى جاءه الجيران، فصار يلمس لهم ويعطيهم.
فجاء الأكل وقال: اشتروا، وأتوا بما لذ وطاب من الأكل، فقدموا له مائدة ما رأى مثلها، ثم قال: باسم الله، وبدأ يأكل فتحول الصحن إلى ذهب، والرز صار ذهباً، واللحم صار ذهباً، ليس هذا الذي اتفقنا عليه! ثم استرجع الرجل، وبدأ الحزن، فجاء ابنه يريد أن يواسيه، فسلم على أبيه فتحول إلى ذهب، وفي النهاية قال: يا رب! بقيت الدعوة الثانية، وقال: يا رب! أرجع كل شيء كما كان.
هي أسطورة كما قلت، لكن ما هو معناها؟ لو كان عندك ذهب لما أرواك من الماء، لو كنت في صحراء، وفي جيبك عشرون جنيهاً فلن تغني عنك شيئاً، فالقضية أن المال لتلبس، وتأكل، وتشرب، وتتصدق.
فيجب أن يتعظ الإنسان، والأغنياء -وفقنا الله وإياهم- إذا ماتوا فإن الأموال كلها تصير إلى الأولاد وإلى الأهل، لا شك أننا لا نقول: الإنسان يبقى فقيراً، ولا شك أنك إن تدع ورثتك أغنياء خير، لكن بحدود أن تفهم وظيفة الدنيا.
وأخيراً: النبي ﷺ يقول في الصحيحين: ﴿يتبع الميت إذا مات ثلاثة، فيرجع اثنان، ويبقى واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله﴾.
نسأل الله أن يصلح أعمالنا وأعمالكم، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرزقنا يقظة القلوب، وأن يجنبنا الغفلة إنه سميع مجيب، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
следующие страницы →