Полный текст (918 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
الهوى سبب عدم الاستجابة
إن الصارف عن عقلك وقلبك حتى لا يخشع، وحتى لا يسمع، هو الهوى.
والهوى كلمة واسعة في القرآن، وواسعة في اللغة العربية، فالكفار على عقولهم، وعلى عبقرياتهم، لكن الذي يضلهم هو الهوى، ولا مانع أن ندخل مباشرة ونقول: كل مشكلات العالم الآن، وحقوق الإنسان، وما أدراك ما حقوق الإنسان! والكذب في تطبيق القواعد والقضايا الدولية، سببها اتباع الهوى مصالح خاصة، ما معناها؟ معناها اتباع هوى في مقابل الحق، والحق بين واضح أبلج، ومع هذا ينصرفون ويلتوون ويلتفون على النصوص، وعلى القواعد التي رسموها، والقوانين الوضعية التي وضعوها، وكذا وكذا إلخ، ليس لأنهم لا يعقلون، بل هم الذين وضعوا القانون ويتجاوزونه؛ لأنهم لم يقصدوا الحق، إنما قصدوا الهوى.
إذاً: حينما ترى نفسك لم تستجب حين يعظ الواعظ ويذكر المذكر، اعلم أن السبب هو الهوى، حينما يتكلم الواعظ عن الربا، وتعلم أن الربا حرمه الله ورسوله، لكنك غلبتك نفسك، وغلبك هواك، فأنت -فعلاً- بين نارين، نار الآخرة، ونار حبك الرشوة، وخيانة الأمانة تستودع أمانة وتضيعها، لماذا؟ لأنك لعبت، الواعظ يعظك والمذكر على المنبر يبين لك، ومع هذا خنت لماذا؟ لأنه لو كان في قلبك حياة وخشية من الله ، لتغير الحال.
ولنا أن نقف هنا وقفة طويلة، لأنها مهمة في قضية قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام:٣٦] ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال:٢٢] كما قال: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] وقال الله: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩] أضل من الأنعام، كيف؟!
الأنعام خلقها الله وأعطاها نوعاً من الهدى الذي تقوم به حياتها البسيطة والساذجة، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] كيف تحنو على صغارها؟ كيف ترفع رجلها من أجل أن يرضع صغيرها؟ كيف تدافع عن نفسها؟ كيف تهرب حينما ترى ما يؤذي؟ كيف تنطح حينما تشعر أن الإقدام ينفعها؟ كيف تنظر في الأكل وتشمه فإذا نفع أقبلت، وكذلك الماء، وكذلك إذا أقبلت على حفرة، فإنها لا تلقي بنفسها، وإذا أقبلت على شاهق، فإنها لا تؤدي بنفسها، وهكذا إذاً عندها قدر معيشي هداها الله إليه بحيث تعيش ما شاء الله أن تعيش.
الإنسان أرقى من هذا بكثير، فالحيوانات لا يمكن أن تصنع إبرة، ولا يمكن أن تصنع طعاماً، تلقي فمها ثم تأكل فقط، أما ابن آدم فإنه يصنع ويعمل وينتج زراعة وصناعة، وأشياء فوق الخيال، والمباني التي يقيم فيها تتكون من عشرات الأدوار، والحيوان إن حفر له جحراً، وإلا كنَّ في أي سقف أو شق من الأرض.
فليس هناك نسبة بين عقل الإنسان وعقل الحيوان كما هو معروف، لكن لاحظوا كيف أن الإنسان إذا ألغى عقله، لا يزال يتدنى ويتدنى حتى يصل إلى درجة البهيمة، ثم يكون أضل من الأنعام ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩] وكما قلنا لكم: إن البهائم تدافع عن نفسها، وتعرف النافع والضار في حدود ما هداها الله.
الإنسان عنده عقل وعنده فهم، ويكتب نشرات صحية هذا ممنوع، وهذا اكتشف دواؤه، وهذا قد اكتشفت مضراته، وجراح، وعلماء، وأشياء كثيرة لا شك أنها محل فخر، ويطلب من المسلمين أن يصلوا إلى هذه الأمور ويتفوقوا عليها، وليس هناك إشكال، لكن كيف هذا العبقري، وهذا المكتشف، وهذا المحذر، وهذا المنبه قليلاً قليلاً إلا وقد غلبه هواه، فاقتحم ما يضره؟!
стр. 842
أمثلة لاتباع الهوى
نبدأ في قضية التدخين: قبل ثلاثين سنة كان التدخين يمكن أن يظن أنه يضر، أو لا يضر، أو حرام، أو ليس بحرام، أي أن أضرار التدخين لم تكن متبلورة ولا واضحة، أما الآن فقد أجمع الأطباء والعلماء، وأجمع العالم على أنه ضار، ووضعوا الملصقات، بل حتى وسائل المكافحة أنه ضار بالاتفاق، ومع هذا يقدم الإنسان على التدخين!
لو أنك وضعت طعاماً متعفناً أمام بهيمة، هل يمكن أن تأكله؟ لن تأكله سوف تقترب منه ثم تكف مباشرة، أما ابن آدم فيقول: هذا ضار، وهذا ممنوع، ومع هذا يستمر في هذه الحالة ألا يكون أضل من بهائم الأنعام؟ بهيمة الأنعام تصل إلى حال أنها تترك الضار، أما الإنسان فمع علمه أنه ضار ولكن يتعاطاه.
هناك قضية أشد: الخمر أضراره والأمراض التي يسببها متفق عليها، سواء في الرئة، أو في الكبد، أو في المعدة، والأطم والأطم المخدرات! كيف البلاء بالمخدرات؟ حينما ترى صاحبها -نسأل الله السلامة- يقع بشكل مزري، ولو كان هناك تضليل أكثر من الأنعام فإنه يستحقه يضيع ماله، ويضيع عقله، بل -يا إخواني- إنه مستعد أن يضيع عرضه -نسأل الله السلامة- فإن من لا يستطيعون أن يحصلوا على المخدر مستعدون أن يبذلوا كل شيء حتى عرض زوجته وعرض ابنته -نسأل الله العافية والسلامة- إلى هذه الدرجة يصل الإنسان!!
إذاً: فعلاً لا يتذكر إلا من له قلب، واستعمل عقله، وما أعطاك الله العقل إلا لتتميز به، وإن لم تتميز به صرت بهيمة، وأشد من البهيمة.
نأتي إلى جانب الكفار الكفار -فعلاً- اكتشفوا ما اكتشفوا، وصنعوا ما صنعوا، لكنهم ضلوا حتى ضروا أنفسهم نِسب الانتحار عندهم أشد، نِسب الطلاق وتفكك الأسر أشد وأشد، عندهم العيادات النفسية بشكل عجيب، لماذا؟
لأنهم لم يأخذوا إلا بالجانب المادي فقط، بل وأفسدوا الجانب القلبي، والجانب الديني، والضمير؛ لأنه لا تأتي هذه إلا عن طريق التذكير والتعليمات الدينية الصحيحة، فالله يقول: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً﴾ [يس:٧٠] ويقول: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه:٣] ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام:٣٦] ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٢ - ٢٣] ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر:٨].
نأتي إلى قضية أخرى: إذا كان هذا هو التذكير، ووظيفة المذكر أن يبين للناس ويجتهد، ويتأسى بالنبي ﷺ الذي كان يبذل ما يبذل، ويشق عليه ضلال قومه، حتى قال الله له: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف:٦] لكن ينبغي أن يعرف وظيفته: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢١ - ٢٢] ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٩٩].
الجانب الثاني: ينبغي على المتذكرين والموعوظين والمنصوحين أن يراجعوا قلوبهم، ويراجعوا أنفسهم، لماذا لا يستفيدون؟
إذاً: القضية فيها وفيها، وأكثر ما فيها -يا إخواني- الهوى، والله لا يصرف الإنسان عن الخير إلا الهوى سواء كان هوىً وظيفي، أو هوىً مالي، أو هوىً زوجي، أو هوى الأولاد: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥] ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٤].
إذاً: هذا هو المذكر، وهؤلاء هم المذكَّرون.
стр. 843
الدنيا وطبيعتها
نأتي إلى مواقف المحاسبة لعلها ترق قلوبنا بشيء من أوضاع الدنيا.
عندنا جملة أحاديث عن النبي ﷺ ، تبين أن طبيعة الحياة لا تحتاج إلى أن نقف عندها، وهي كثيرة، وسوف أختار شيئاً منها على حسب الوقت:
يقول الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠].
إن حديث القرآن عن الدنيا حديث واسع ومتنوع، حديث يبين طبيعتها فيما ينبغي أن يتنبه إليه المسلم والتالي لكتاب الله، ولا شك أن الدنيا -كما سوف نرى- في طبيعتها أنها لا تذم لذاتها، وليس بتحريم الحلال، وإضاعة المال، المال له موقف آخر، ليس هذا المقصود، لكن الوقت لا يتسع للكلام عن هذا، لكن لا مانع أن نذكر شيئاً متاع الغرور يقول سعيد بن جبير: [[ما يلهيك عن طلب الآخرة، وما لم يلهك، فليس بمتاع الغرور، ولكنه متاع]].
هذا قد لا نتكلم عنه الآن، إنما نتكلم عن الدنيا المذمومة، والدنيا لا تذم لذاتها، إنما المذموم هو عمل ابن آدم فيها، وكل الأحاديث الذامة واللائمة، ليس المدح والذم فيها للدنيا، ولا للماديات، وإنما تتعلق بعملك أنت ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ﴾ [الحديد:٢٠] لعب أي: للاعبين، فلا تكون لعباً إلا لمن يلعب، ولا لهواً إلا للاهي، ولا زينة إلا لمن أطغته الزينة وألهته، وتفاخر؛ لأنه صرف الدنيا لما لا ينبغي أن تكون، وجعلها للمفاخرة، وتكاثر في الأموال والأولاد.
إذاً: من جعل هذه وظيفة الدنيا، هذا هو المخوف، وهذا هو متاع الغرور، من جعلها لعباً ولهواً وزينةً وتفاخراً وتكاثراً في الأموال والأولاد، من جعلها كذلك فهذا هو المذموم، ولهذا مباشرة قال: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد:٢٠] والغيث هنا بمعنى: الزرع، واللغة العربية فيها تعابير كثيرة وليس هذا المقام للتفصيل، وقد عبر بالغيث باعتبار السبب؛ لأنه السبب -بإذن الله- لنبات الزرع وغيره.
والكفار هنا هم الزراع، الكافر بمعنى: الزارع، لأنه هو الذي يكفر الأرض، أي: يحرثها ويغطي البذور فيها، كما يشبه الدنيا كأنها -فعلاً- مزرعة، فالله دائماً يمثل بالزرع؛ لأن الإنسان يدرك بسرعة، ويرى تطوراته: تراها نبتة صغيرة، ثم تنمو وتصبح نضرة خضرة وجميلة، ثم بزهرها التي لا تكاد تمل منه، ثم لا يلبث أن يثمر، ثم يصبح هشيماً تذروه الرياح، بمعنى أن الحياة -كما يقول المختصون- قصيرة، بحيث يمكنك أن تراه من يوم أن كان صغيراً إلى أن يصبح كبيراً، والحياة الدنيا كهذه، أنت تعلم أنك كنت طفلاً، ثم شاباً، ثم قوة وفتوة، ثم كهولة، ثم هرماً.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ [الروم:٥٤] القضية واضحة، فالذي يلهو بالدنيا ويتخذها دار لهو، هذه حقيقتها، ولا تستحق كل هذا؛ لأنها فعلاً كفترة الزرع إن سلمت من الآفات.
ما أنت إلا كزرع عند خضرته بكل شيء من الآفات مقصود
فإن سلمت من الآفات أجمعها فأنت بعد تمام الزرع محصود
هذا إذا فرضنا أنك سلمت من الآفات، ولكن كيف وأنت تتقلب في هذه الدنيا بابتلاءاتها ومصائبها، وابتلاء في أهلك، ونفسك، وأولادك، وممن حولك من جيرانك وأقاربك يبتلون بأشياء ومشكلات ومصائب، ونكد.
جبلت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقدار والأكدار
ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار
فالله يقول: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ﴾ [الحديد:٢٠].
وأمثلة الدنيا في القرآن كثيرة: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس:٢٤].
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ [الكهف:٤٥].
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٢١].
стр. 844
طبيعة الإنسان في الدنيا
الكلام طويل في وصف الدنيا، وفيما ينبغي أن يأخذ الإنسان فيها من عجب؛ لكن الأمر الذي نريد أن نركز عليه: طبيعة الإنسان في هذه الدنيا، وتقلباته فيها.
النبي ﷺ يقول: ﴿اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك﴾ تنبيهات عجيبة عن حقيقة هذه الدنيا، وهذا هو الإنسان فيما اغتنمها، الحياة متقلبة ولا تستقر لأحد أبداً.
الرسول ﷺ مع أنه أكرم الخلق على ربه، ومع ذلك مرض ﵊، وناله ما ناله من العناء، وتقلب في الأسفار، وفي الحضر، ومآسي فالإنسان ينبغي أن يقف من نفسه موقف محاسبة، ونقول هذا لأننا نتكلم عن التذكير.
﴿اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك﴾ بالله يا إخواني! كم سمعتم الوعاظ دائماً يقولون: ﴿شبابك قبل هرمك﴾ ونعرف أن كثيراً من الشيوخ يعظون الشباب: يا ولدي انتبه لنفسك، يا ولدي كذا، كم ينبغي أن نراجع أنفسنا؟ وحينما يمر علينا الوعظ، وحين تمر علينا هذه الحكم، وتمر هذه الآيات والنذر، ينبغي أن يكون عندنا من الحياة القلبية ما نقف جادين من موقف المحاسبة.
﴿شبابك قبل هرمك﴾ لماذا؟ لأن الشباب قوة، والشباب تعطي فيه عطاءً عجيباً، إذا جاء الهرم، بدأت الأرجل والركب ترتعش والخطى تقصر، كنت تصل إلى أقاصي الدنيا، والآن لا تستطيع أن تخرج من بيتك إلى طرف الشارع أو إلى الدكان المجاور، تغيرت الحال، والرسول ﷺ يذكرك، هذه الدنيا منتهية ومتغيرة، فإن عشت؛ فلا بد من هرم، فإذاً لماذا لا تستغل الشباب قبل الهرم؟! وهذا خطاب لمن؟ إنه خطاب للشباب.
﴿شبابك قبل هرمك﴾ إذا كان عندك فكر، وعندك القلب الحي، وعندك الخشية؛ فانظر إلى الشيوخ الكبار، يقال: كان أطفال يلعبون في السوق في سن العاشرة والحادية عشرة، فمر عليهم شيخ كبير هرم، يمشي بخطى متقاربة، فقام واحد من الصبيان فيه شقاوة، وقال: يا عم، لماذا أنت مثل المقيد؟ قال له: يا ولدي! الذي قيدني يفتل قيادك.
إذا طال بك العمر فإن القياد يفتل الآن، فالقضية خطيرة.
فينبغي للشباب إذا رأوا الشيوخ أن يتعظوا، أنت الآن في قوة تذهب إلى ما شئت، عندك همة، تكاد تطير إلى أعالي السماء، فينبغي أن تغتنم شبابك قبل هرمك.
﴿وصحتك قبل سقمك﴾ يبدو لي أنه لا يوجد أحد إلا ومر بفترة مرض، وإن كانت بعض الأمراض أشد، خاصةً ممن يبتلى بمرض قد يرقد على السرير الأبيض مدة، كم يتمنى أن يكون صحيحاً! وإذا كان مريضاً يقول: والله إذا شفيت لأفعلنَّ كذا وكذا، سأراجع نفسي، وأراجع أوراقي، وبعد ذلك لا يفي بوعده.
ابن آدم عجيب! النبي ﷺ يقول: ﴿وصحتك قبل سقمك﴾ اعرف أنك صحيح؛ والحكمة المعروفة: الصحة تاج على رءوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى.
بالله ما هو شعورك عندما تزور مريضاً وتجلس عنده وتتحادث معه، ثم تخرج؟ كم هو يتبعك بنظراته، ويود لو أنه خرج معك، تخرج من غرفة المستشفى وأنت لا تبالي، أولادك يشتغلون مكانك، هو يتابعك بنظره، ويود لو أنه مشى معك، لكن المريض سقيم، فالنبي ﷺ يقول: ﴿وصحتك قبل سقمك﴾ هذا هو التذكير، وهذا هو مدى تأثرنا بالتذكير!
﴿وغناك قبل فقرك﴾ هذه هي إيجابيات الدنيا صحة في الأبدان، وقوة في الشباب، وثراء في الأموال، وإذا لم تستغلها في الخير فستندم، الشباب والصحة والغنى، فاغتنم غناك قبل فقرك، اغتنمه بماذا؟ بالخير، بصلة الرحم، بالصدقة، بالحلال، بأشياء كثيرة.
ولو أن إنساناً -نسأل الله السلامة- فلَّس، فكم سيضرب يداً على يد ويندم.
﴿وفراغك قبل شغلك﴾ وهذه من أهم القضايا، لكن مع الأسف -يا إخواني- لا يكاد الإنسان يعرف أنه فارغ، أكثر الناس -خاصة في بلادنا- بعد أن أنعم الله علينا، وأصبح عندنا رخاء، وأمن وأمان، وأشياء كثيرة، لا توجد في بلاد أخرى كم يأتي إلينا من الجاليات يبتغون الرزق، ويبتغون الفضل، لماذا؟ لأن عندنا فرص أعمال، وعندنا خير كثير.
إذاً: عندنا فراغ كبير، والفراغ في أولادنا وفي شبابنا، فينبغي للإنسان أن يستغل الفراغ بعمل، لا تنتظر أن يوجد لك فرصة عمل، أنت اشتغل، والله لو كان هناك جدية، وتأملنا مثل هذا الحديث، واشتغلنا بالفراغ الحقيقي، لزاحمنا هؤلاء الإخوة -ولا نحسد أحداً- لكن ينبغي أن نزاحمهم حتى نشتغل نحن.
فكم عندنا فراغ! والفراغ قاتل، وأكثر ما يقع الناس في الموبقات بسبب الفراغ لماذا يسهر الإنسان؟
لو كان عنده شغل وراءه لما سهر، ولو كان عنده مرض لما سهر، ولو كان عنده عمل جاد لما سهر، ولو قال لك أبوك: غداً عندك سفر، كيف تكون مشغولاً! ولو قالوا لك: عندك غداً منافسة فلن تنام؛ لأن الذي يقطع وقته في الأشياء الفارغة هو الفارغ، سهر ليل على ملهيات، وعلى وسائل إعلام سيئة، وكلها لا تجوز.
﴿فراغك قبل شغلك﴾ بينما تشغل نفسك بشيء تندم عليه، أحياناً تصاب بشدة عمل بحيث تتمنى فيه فرصة أو إجازة، فعليك أن تستغل الفراغ، الله قال للنبي ﷺ : ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [الشرح:٧] ما قال فإذا فرغت فالعب ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ الشرح:٧].
الرسول ﷺ كان يشتغل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:١ - ٨] إذا فرغت؛ اشتغل واعمل.
﴿وحياتك قبل موتك﴾ أي: كل حياتك، سواء كنت مريضاً أو صحيحاً، شاباً أو هرماً، فقيراً أو غنياً، الحياة لكل الناس، ليست للفقراء، ولا للأغنياء، ولا للأصحاء، إن الحياة للكل، فما عليك إلا أن تستغلها، والموت لا بد أن يأتي، الموت آتٍ آتٍ، فعليك أن تغتنم حياتك قبل موتك؛ لأن الموت آتٍ وأنت محاسب، والحياة ثلاثون أو خمسون أو ستون سنة فاستغلها.
قال ﷺ -وهي حقيقة مخيفة، وهي تمثل جانباً آخر فيما سبق- ﴿ما ينتظر أحدكم إلا غنىً مطغياً﴾ قد تبتلى فعلاً بالغنى؛ لأن الغنى بلاء وابتلاء: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥] ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨].
﴿ما ينتظر أحدكم إلا غنىً مطغياً﴾ ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧] فأنت ينبغي أن تستغلها، وأن تتقي الله ، ولا تغبط الأغنياء؛ لأنه أحياناً قد تكون الدنيا ملهية، وقد تكون بلاءً، وقد تكون عذاباً، بل حتى في الدنيا -وأنتم تعرفون حياة بعض الأغنياء- وذلك لأمرين:
أولاً: قد يكون الترف يؤدي بهم إلى أمراض معروفة، من الضغط والسكر وغيرها.
ثانياً: كم
стр. 845
وصف النبي ﷺ لحقيقة الدنيا
نختم بحديثين عن رسول الله ﷺ تجسد الموضوع وتعطينا خلاصةً لما سبق، قوله ﷺ كما في صحيح مسلم: ﴿يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت﴾ أكثر ما يبتغي الناس في الدنيا المال، وحقيقة المال أنه إذا كان عندك ملايين في البنك، أو ذهب وفضة مكدسة؛ لن تستفيد منها إلا ما كان على ظهرك من نسيج، وما دخل جوفك من أكل، وكذلك إذا بنيت لك مسكناً، هذه فقط، ما هناك غير هذا أبداً مهما كان، المال كله لن تستفيد منه إلا في مركب، أو ملبس، أو سكن، أو أكل، غير ذلك لا شيء.
﴿إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت﴾ وما عدا ذلك فللوالد غنمه وعليك غرمه، ولا مانع من أن أذكر أيضاً قصة لطيفة، وهي خيالية وأسطورة، لكن أذكرها لكم وأختم بها؛ تعرفون حقيقة المال، يقال: إن أحد الناس رأى أن له دعوتين مستجابتين، فدعا الله ، وقال: اللهم اجعلني لا أمس شيئاً إلا تحول ذهباً، فأجاب الله دعاءه، فوضع يده على الطاولة فصارت ذهباً، وعلى المكبر فصار ذهباً، حتى لو وضعها على عمود المسجد لصار ذهباً، وفعلاً كاد يطير فرحاً، حتى جاءه الجيران، فصار يلمس لهم ويعطيهم.
فجاء الأكل وقال: اشتروا، وأتوا بما لذ وطاب من الأكل، فقدموا له مائدة ما رأى مثلها، ثم قال: باسم الله، وبدأ يأكل فتحول الصحن إلى ذهب، والرز صار ذهباً، واللحم صار ذهباً، ليس هذا الذي اتفقنا عليه! ثم استرجع الرجل، وبدأ الحزن، فجاء ابنه يريد أن يواسيه، فسلم على أبيه فتحول إلى ذهب، وفي النهاية قال: يا رب! بقيت الدعوة الثانية، وقال: يا رب! أرجع كل شيء كما كان.
هي أسطورة كما قلت، لكن ما هو معناها؟ لو كان عندك ذهب لما أرواك من الماء، لو كنت في صحراء، وفي جيبك عشرون جنيهاً فلن تغني عنك شيئاً، فالقضية أن المال لتلبس، وتأكل، وتشرب، وتتصدق.
فيجب أن يتعظ الإنسان، والأغنياء -وفقنا الله وإياهم- إذا ماتوا فإن الأموال كلها تصير إلى الأولاد وإلى الأهل، لا شك أننا لا نقول: الإنسان يبقى فقيراً، ولا شك أنك إن تدع ورثتك أغنياء خير، لكن بحدود أن تفهم وظيفة الدنيا.
وأخيراً: النبي ﷺ يقول في الصحيحين: ﴿يتبع الميت إذا مات ثلاثة، فيرجع اثنان، ويبقى واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله﴾.
نسأل الله أن يصلح أعمالنا وأعمالكم، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرزقنا يقظة القلوب، وأن يجنبنا الغفلة إنه سميع مجيب، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 846
الأسئلة
стр. 847
حكم النصح والتذكير ممن هو مقصر
السؤال
نحن مجموعة من الشباب نتواصى بالخير فيما بيننا، ولكن يبدو علينا جميعاً التقصير من ناحية فوات تكبيرة الإحرام، أو فوات ركعة، فهل يسوغ لنا أن نذكر بعضنا ونحن واقعون في نفس ما نذكِّر به أحياناً؟
الجواب
نعم.
الإنسان ولو كان مقصراً يذكر، ولا ينتظر الإنسان أن يكون كاملاً، فالكمال لله، ولا يكمل أحد من البشر أبداً، بل حتى إذا رأى الإنسان في نفسه الكمال فهذه خطيرة، بل عليه دائماً أن يتهم نفسه بالضعف والتقصير، وتقصيره لا يمنعه من أن ينبه إخوانه، بل الله قال لبني إسرائيل حينما لعنهم ﷺ ، قال: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة:٧٩] مع أنهم واقعون في المنكر، لكنهم كان حقاً عليهم أن يتناهوا، حتى قال بعض السلف: حتى أهل الخمر وهم على جلسة الخمر، كان حقاً عليهم أن يذكر بعضهم بعضاً، وينهى بعضهم بعضاً، فالإنسان ولو قصر لا بد أن ينصح نفسه، وينصح غيره؛ لأن عليه مسئوليتين: مسئولية على نفسه، ومسئولية نحو إخوانه.
стр. 848
حكم دعوة العمال غير المسلمين
السؤال: يرد إلى بلادنا كثيرٌ من الأيدي العاملة غير المسلمة، فهل واجب علينا دعوتهم إلى الله تعالى؟ وهل الشريط الديني أو الكتيب يكفي في إقامة الحجة عليهم، وفي دفع الإثم عنا؟
الجواب
لا شك أن هذا من الواجب دعوة غير المسلمين للإسلام، ولكن يقوم به -لا شك- من يحسن، ويسلك مسلك الحكمة، والدعوى بالحسنى، وبطرق شتى، ولا شك أن الشريط والكتيب من أكثر المؤثرات، ولكن هذا قد يحتاج إلى مراجعة معه، بعدما يستمع إلى الشريط، أو يطلع على النشرة، فقد يكون عنده استفسارات، وعنده أشياء، وعنده مراجعة، وقد تكون مفتاحاً في سبيل النقاش معه والحوار والتنبيه، لكنها هي مفيدة، ولا أظن أنها تكون كافية؛ لأن الدعوة لها أساليبها، وهي متنوعة، وحتى لو أعطيته شريطاً، فقد تحتاج شريطاً آخر، ونشرة أخرى، وكما قلنا قبل قليل: الهداية بإذن الله، وقد يهتدي أحدهم اليوم، والثاني لا يهتدي إلا بعد سنتين، والآخر قد لا يهتدي، فمهمتك أن تدعو، وأن تنوع الأساليب، وأن تجتهد، وأن تبتهل إلى الله أن يعينك ويسددك.
стр. 849
حكم التوبة من المعاصي ثم العودة إليها
السؤال
بعض الشباب في صدر كلامهم يقولون: إنا نحبك في الله، ويقولون: إننا نقع في المعاصي، ثم نتوب إلى الله جل وعلا، ولكننا لا نمكث أن نعود مرة أخرى إليها، فما هو الحل في الخروج منها مرة واحدة؟ وهل هناك أسباب لذلك؟
الجواب
أحبكم الله الذي أحببتموني فيه، وأسأل الله أن يجعلنا جميعاً وإخواننا من المتحابين فيه.
هذا سؤال جميل، وكان من جملة عناصر الكلمة قضية التوبة، وقضية الإصرار والمجاهرة والاستغفار، لكن الوقت عاجلنا، على كل حال؛ لا شك أن الإنسان إذا وقع في ذنب، لا بد أن يعود وأن يتوب، وحينما يتوب قد يقع مرة أخرى، ولهذا فُتح باب التوبة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢] والإنسان إذا استجمع شروط التوبة، ومنها: الإقلاع عن الذنب، والندم عليه، والعزم على ألاَّ يعود؛ يرجى له أن تكون توبته توبةً نصوحاً، لكن ومع هذا قد يعود، لكن المهم ألا يصر.
والإصرار عمل قلبي، والندم عمل قلبي، والعزم عمل قلبي، فينبغي أن ينعقد قلبه على كره المعصية، وعلى عدم الإصرار عليها، وعلى ترك المجاهرة، وعلى العزم على ألا يعود، يعقد النية والعزم بينه وبين ربه على ألا يعود.
نعم.
قد يبتلى بنفس أمارة بالسوء، أو برفقة سيئة، أو ظروف معينة، لكن حينما يقع فليرجع، فالنبي ﷺ قال: ﴿ويلٌ للمصرين﴾ فالإصرار على الذنب مشكلة، أما أن الإنسان يقع، ثم يتوب، ولو كثر.
ولهذا قيل لـ علي بن أبي طالب ﵁: [[يرحمك الله! يتوب أحدنا ثم يستغفر.
قال: نعم، قال: ثم يستغفر.
قال: نعم، ثم يتوب، ثم يستغفر.
قال: نعم، قال: إلى متى؟ قال: إلى أن يكون الشيطان هو المدحور]].
وقال الحسن: [[ود الشيطان لو ظفر بذلك منكم]] أي: أنك تيأس، فلا تيأس من روح الله أبداً، مهما كانت ذنوبك، ومهما كانت أخطاؤك، ومهما كانت معاودتك للذنب، الله يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] فالذنوب كلها مغفورة لمن تاب منها، وصدق في توبته، وكان على نفسه رقيباً، وعلى نفسه بصيرة، فإن الله يعينه.
стр. 850
حكم الوقوع في أعراض المسلمين والعلماء والدعاة
السؤال
هل من كلمة عن الغيبة، خاصةً فيمن يغتاب أهل العلم والدعاة؟ وما هو الأسلوب الأمثل في بيان خطأ العالم والداعية إن وجد؟
الجواب
لا شك أنها من البلاء، وأكثر ما يبتلى به المسلمون عموماً الغيبة، وعلى الخصوص العلماء، فإن الحسد بين العلماء شديد، نسأل الله السلامة، وإن كانت من أدواء المجتمعات المعروفة، ولهذا جاء النص عليها في كتاب الله أنها من كبائر الذنوب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢] تصوير شنيع، تصور أن أخاك ميتٌ، وأنت تأكل من لحمه، نفس الجنازة الإنسان يتوجس منها توجساً، حتى إذا وجدت في البيت مل الناس منها وأخذوها، فتصور إنساناً ميتاً وتأكل من لحمه! إنه تصوير بشع! والغيبة أشد من ذلك.
هذا إذا كان في عرض أخيك، فكيف إذا كانوا علماء ومن الدعاة؟! إنه أشد وأشد -نسأل الله السلامة- والأشد من ذلك أنك تتهمه في علمه، أو تتهمه في دينه، أو تتهمه في عقيدته، أو تتهمه في نيته، أو تتهمه في صلاحه، أو تتهمه في حسن قصده يا أخي! لست مفتشاً، ولست مأموراً بالتفتيش عن الناس.
ألم تسمع قوله ﷺ : ﴿طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس﴾ أنت تعلم، وأنا أعلم أننا كلنا لنا عيوب، والله ما يخلو أحدنا من عيب، بل من عيوب، بالله هل اشتغلنا بالنظر في عيوبنا؟ وهذا غير أخطاء العلماء، فإن أخطاء العلماء لا نسكت عنها، لكن نقدمها في قالب صحيح، إن الرد والنقد طيب، لكن إيانا أن نمس الشخصيات، أو نجرح في الأشخاص، أما الخطأ فلا يقر، والأشياء الخاطئة لابد أن تبين، خاصة إذا كان فيها إضلال للعامة، أو تخالف العقائد، لكن قضية أن تقع في العالم، وأن تحس بنوع من التشفي فهذا لا يجوز.
فعليك أن تراجع نفسك قد يكون- نسأل الله السلامة- من البلاء أن تبتلى بأن تقع في أعراض الناس، هذا مما يبتلى به الإنسان، بينما لو كان الإنسان عنده من نفسه رقيب لاشتغل بعيبه، والله إن عندنا من العيوب، ومن الأخطاء الشيء الكثير، لكن الله يسترنا، من فضله أن يستر علينا، فلماذا نفضح أنفسنا؟ فعلينا أن نفتش عن أنفسنا، وأن نشتغل في دفع عيوبنا، وأن نتوجه إلى ربنا، أما الأخطاء فلها أساليب، لكن الوقوع في الأعراض، والوقوع في التفتيش عن المعايب، واتهام النوايا، واتهام المقاصد، واتهام الانتماءات، لسنا في حاجة إلى هذا، أما الخطأ فهو خطأ، والغلط غلط، ولا بد من أن نصححه.
стр. 851
التذكير مسئولية الجميع
السؤال
للمعلمين والمعلمات، وكذا للنساء في البيوت وفيما بينهن أثرٌ كبيرٌ في تذكير بعضهم ببعض، فهل هناك كلمة موجهة إلى هذه الأجزاء من المجتمع؟
الجواب
أحسنت! لكن أرجو من السائل إن يكون متبصراً ما قلت، أنا أول ما قلت تكلمت عن المذكرين، وعن الوعاظ، وعن المعلمين، وعن الآباء، كل هؤلاء مذكِّرون، لا نتكلم عن الخطيب في المنبر، أو عن الواعظ في المسجد، كل إنسان مذكر ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:٢١] ذكرنا المربي والمعلم، وحتى الأم في البيت، والأب، وكل مسئول، فكل هؤلاء مسئولون، وكل الكلام الذي سمعتموه، والذي لم تسمعوه، وقد سمعتموه من غيري، وسوف تسمعونه فيما يتعلق بالتذكير ومهمة التذكير ومهمة الوعظ هي مسئولية كل هؤلاء، مسئولية الأم، ومسئولية المعلم، ومسئولية المعلمة، ومسئولية الأب، ومسئولية الواعظ، ومسئولية المفتي، ومسئولية المربي، ومسئولية الموجه، وكل من وكل مرفقاً، أو كان له عليه سبيل، حتى هذا الإنسان.
فالتذكير مسئولية الجميع، ونسأل الله أن يعين الجميع على ما هم فيه.
стр. 852
الأولاد والعطلة الصيفية
السؤال
الإجازة قادمة، وأبناءنا بعد الاختبارات يتمتعون بإجازة طويلة، فهل نوجههم إلى المراكز الصيفية، أو تحفيظ القرآن، أو غير ذلك؟ هل من كلمة لأبنائنا؟
الجواب
لعل في قوله ﷺ : ﴿وفراغك قبل شغلك﴾ إشارة لمثل هذا، وقوله : ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [الشرح:٧] أي: إذا فرغت لك فراغاً، والإجازة لا شك أنها من أكبر الفراغات، وإذا وجدت جماعات تحفيظ قرآن، وهي -والحمد لله- عندنا منتشرة والدولة -حفظها الله- تدعمها وتؤيدها، وتسعى في نشرها، وفي دعهما وتأييدها، وهذا أمرٌ لا يختلف فيه اثنان، ولا شك أنه مما ينبغي أن يلتحق بها أبناؤنا في إجازات الصيف، وهي جماعات قائمة ومؤيدة ومدعومة، وتشرف عليها جهة حكومية (وزارة الأوقاف)، وكذلك إذا كان هناك معسكرات مأذونة أيضاً في المراكز الصيفية، وفي الجامعات، وفي المدارس، وهذه أيضاً دعوة للتوجه إلى مثل هذا، فإذا وجدت هذه الأشياء، فأنا أوصي بأن يلتحق بها أبناؤنا؛ لأنها -أيضاً- تحت مظلة الجهات التربوية المأمونة في وزارة المعارف، وفي الجامعات، وفي المؤسسات التعلمية والتربوية.
стр. 853
استغلال الفرص للتذكير
السؤال
هل التذكير بمستوى واحد على الناس، أم هو يختلف بالنسبة للأب مع ابنه، وللجهات المسئولة كهيئة الأمر بالمعروف، ومكاتب الدولة عن غيرهم من المحتسبة؟
الجواب
في قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩] تدل على أن الإنسان يتخير الموعظة، ولعلنا ذكرنا قبل قليل إنه في ظروف معينة يأتيك رجل حسبة قد يكون في المستشفى، وهو حديث معين، وقد يكون الأب عنده مريض، أو عنده ولده حينما رسب، أو حينما نجح، فالظروف تختلف، وكل ظرف له نوع معالجة، وله نوع استغلال، وقد ذكرت لكم أن النبي ﷺ لما مر بالشاة الميتة؛ فذكَّر أصحابه، استغلالاً لهذا الموقف، وفي يوم الحج قال النبي ﷺ : ﴿أي يوم هذا؟ أي شهر هذا؟ أي بلد هذا؟﴾ حتى ظن الصحابة أنه سيسميه بغير اسمه، ثم قال: ﴿ألا إن دماءكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا فاستغلال المواقف وتخيرها سواءً من الأب في ببيته، ورجل الحسبة في الشارع، وفي أي المكان، أو الواعظ، أو إمام المسجد، المعلم، أو المعلمة، وتخير الظروف والأحوال والأوضاع، وتجدد نعم، وانصراف نقم، فليس شرطاً أن التذكير لا يكون إلا من خلال المكبر، أو خطبة جمعة، أو خلال كلام مكتوب، بل استغلال أي مناسبة حتى ولو كلمتين، أحياناً يمر عليكم واحد ويقول كلمة كأنك ما سمعتها إلا اليوم؛ لأنه أحسن استغلالها، وأحياناً تمر عليك آية من كتاب الله كأنك ما سمعتها إلا اليوم، لماذا؟ لأنها تواكبت مع مناسبة، والنبي ﷺ يقول: ﴿فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ فاستغل هذه الفرص.
стр. 854
كلمة مناسبة قرب الاختبارات
السؤال
بمناسبة الاختبارات هل من كلمة توجيه؟
الجواب
هناك جانبان للاختبارات ينبه عليها:
الجانب الأول: إذا كنت تستعد للامتحانات هذا الاستعداد، وعندك هذا النوع من الرهبة، تذكر أن هناك امتحان الآخرة أشد وأشد وأشد ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥] ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات:٢٤ - ٢٥] فكلٌ مسئول في يوم يشيب لهوله الولدان، وتذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، فهذا جانب.
الجانب الثاني: أنك تعلم أن أي إنسان يستعد ويعمل أنه سوف ينال نتيجة عمله، وكم من مقصرين إذا جاء إلى قاعة الامتحان ضرب يداً على يد، وكفاً على كف، وقرع سن الندم! لماذا؟ لأنه فعلاً ضيع، لقد كان عندك سنة كاملة! أو عندك فصل دراسي كامل! كم كنت تقرأ؟ فالقضية تعطيك أنه لابد من المحاسبة للنفس.
ثم الأمر الثاني: أن تتقي الله في نفس الامتحان، وأن تبتعد عن الغش، ولا شك أن الشيء المبني على الغش غش، وأخشى أن يكون مستقبلك كله مظلماً، وتبني على شهادة كلها زور، وأحياناً بعض الناس يصلحهم الله ، ثم يسأل أحدهم ويقول: أنا غشيت في الشهادة وزورت وكذبت فهل كسبي حلال؟ يا أخي! راجع نفسك من الآن، فهذه الأمور ينبغي أن موقف الامتحان يذكرنا بكل هذه المواقف؛ من حيث موقف الآخرة، ومن حيث الاستعداد وأهميته، ومن حيث ما ينبغي أن نقوم به من السلامة من الغش والتزوير، والسلامة من الدخول في الأشياء غير النزيهة.
стр. 855
حكم صرف الزكاة لمشروع الزواج
السؤال
إخواننا في مشروع الزواج يستجدون ويسألون: هل يجوز صرف الزكاة لهذا المشروع؟
الجواب
نذكر مرة أخرى بأن هذا المشروع من أجمل وأفضل وأنبل المشاريع التي يقوم بها هؤلاء الأخيار -جزاهم الله خيراً- حينما ينتدبون نخبة من المجتمع، ويتولون القيام على شبابكم، والقيام على أبنائكم، والقيام على بناتكم، من أجل أن يهيئوا وييسروا سبل الزواج، فينبغي أن تساعدوهم قدر ما تستطيعون، ولا تستكثروا أي مبلغ دفعتموه، وكل مبلغ دفعتموه فالله أكثر في الثواب، ويجوز صرف الزكاة لمثل هذا المشروع.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على محمد، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 856
نظرات في الدعوة ومسالك الدعاة
إن الدعوة إلى الله تعالى هي وظيفة الأنبياء والمرسلين، فلا بد أن تسير كما كانت تسير مع الأنبياء والمرسلين، ولابد أن تجري في مساراتها المحددة لها من الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ويجب على الداعية أن يتصف بالصفات اللائقة حتى ينجح في دعوته.
стр. 857
الدعوة إلى الله تعالى وظيفة الأنبياء والمرسلين
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، بعثه بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الإخوة في الله: أشكر الله على أن أتاح لي هذه الفرصة في هذا البيت من بيوت الله؛ لنلتقي بهذا الجمع الكريم الطيب المبارك، ثم أشكر الإخوة في مكتب الدعوة بـ الرياض والقائمين عليه على دعوتهم، وإتاحتهم الفرصة لي للتحدث إليكم في موضوعٍ أحسبه من المواضيع المهمة، والتي لا شك أنكم سمعتم بها، واطلعتم على كثيرٍ من جوانبها ومباحثها، ولكن لابد من التذكير، وأؤكد لكم أن ما تسمعونه إنما هو تذكير، والذكرى تنفع المؤمنين، والتذكير لا يلزم منه أن يأتي المتحدث بجديد، وهذا التذكير هو تذكير في باب عظيم باب الدعوة إلى الله التي هي وظيفة الرسل، ويحصل كذلك -أيضاً- التذكير بها ونحن في هذه الأجواء والظروف التي تجري في الساحة الإسلامية -إن صح التعبير- من أمور تقتضي وقوفنا جميعاً، والتحدث فيما ينبغي التحدث فيه، والخوض في مثل هذه القضايا؛ حتى نكون على بصيرة من أمرنا، وحتى نتلمس طريقنا في مثل هذا الاجتماع المبارك، وفي مثل هذه المذاكرات في الأمور المهمات التي يهتم بها هذا المكتب ونظراؤه في مدن بلادنا الحبيبة.
والموضوع الذي اختير الحديث عنه عنوانه: (نظرات في الدعوة ومسالك الدعاة).
هذا الموضوع دعا إليه -في تقديري- ما يلحظ في الساحة من نشاط يقوم به رجال أفاضل يدعون إلى الله، ويلاقون في دعوتهم ما يلاقيه من يقوم بمهمتهم في الماضي والحاضر، فهي سنة الله في الحاضرين والغابرين، والدعوة إلى الله هي طريق المرسلين، وقد لاقى أنبياء الله في ذلك ما لاقوا من العنت والصدود والإباء والاستكبار من لدن فئاتٍ كثيرةٍ وطبقات كبيرة من الملأ الذين استكبروا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].
стр. 858
مسارات الدعوة إلى الله تعالى
إن الدعوة تقوي الأمل واليقين، وترتفع بالمدعوين إلى مستوى الشعور بالمسئولية والتكليف، وإذا ما تأكد فيهم هذا الشعور فسوف تتغير طباعهم، وتعتدل مسالكهم، ويصح توجههم وتوجيههم، ومن أجل هذا فإن واجب الداعي إلى الله أن يعمل على إيقاظ هذا الشعور، وفي مقدمةٍ لهذا الموضوع أرى أنه يحسن التذكير بقضايا مهمة، بل هي أساسية في الدعوة بينها الله في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] وكأن مسارات الدعوة تجري في هذه الأمور الثلاثة:
١ - الحكمة.
٢ - الموعظة الحسنة.
٣ - الجدال بالتي هي أحسن.
فيحسن أن نقدم بكلماتٍ يسيرةٍ عن هذه الأجزاء الثلاثة.
стр. 859
الحكمة في الدعوة إلى الله
الحكمة مأخوذة من الحكمَةَ -بفتح الكاف والميم- وهو ما يوضع للدابة، يذللها راكبها حتى يمنع جماحها، واشتقت الحكمة من ذلك؛ لأنها إذا رزقها العبد فإنها تمنعه من أخلاق الأراذل، فالحكمة في أصلها هي: وضع الأشياء في مواضعها، وهي كل كلمة -فيما يتعلق بالدعوة- وعظتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح، وكل صوابٍ من القول ورث فعلاً صحيحاً، والحكمة تستجلب الخير الكثير، كما أخبر الله في كتابه بقوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة:٢٦٩] فالخير الكثير يجلبه صواب القول وسداد الرأي، مع ما يكتب الله من هدايةٍ وتوفيق.
فمن كل ما سبق نعرف أن الحكمة كلمة عامة جامعة تشمل: الأقوال التي فيها إيقاظ للنفس، ووصاية بالخير، وإخبار بتجارب السعادة والشقاوة، وكلياتٌ جامعة لمجامع الأدب، وباختصار فهي: اسم جامع لكل كلامٍ أو علم يراعى فيه إصلاح الناس ومعتقداتهم إصلاحاً مستمراً لا يتغير.
стр. 860
الموعظة الحسنة في الدعوة إلى الله
أما الموعظة الحسنة فهي: القول الذي يلين نفس المخاطب ليستعد لفعل الخير والاستجابة له، وتجمع بين الرغبة والرهبة، والإنذار والبشارة، فالموعظة الحسنة تجمع بين الرغبة والرهبة، والإنذار والبشارة، فهي تذكير بالخير فيما يرق له القلب، وتخويف وترجئة وتلطف وحزم بإنسان تجله وتنشطه وتجعله بصورة من يقبل الفضائل ويحبها ويتحلى بها.
وأحب أن تتنبهوا لهذا القول؛ لأنه سيأتي له تفصيل فيما بعد.
قولنا: إنها تلطف وحزم بإنسان تجله وتنشطه: فأنت حينما تدعو أخاك المسلم ولو كان على منكر يجب أن تحفظ له حق الإسلام، وأن يشعر منك بالتقدير والاحترام، فهذه موعظة، وليس المقصود الإهانة أو التبكيت أو التوبيخ، وسيأتي تفصيل لهذا؛ ولهذا نقول: هي تخويف وترجئة وتلطف وحزم بإنسان تجله وتنشطه، وتجعله بصورة من يقبل الفضائل ويحبها ويتحلى بها.
ومن أهم مظاهر الوعظ الحسن: أن يحس الموعوظ بأن الواعظ يحبه، ويشفق عليه ويقصد نفعه.
стр. 861
المجادلة بالتي هي أحسن في الدعوة إلى الله
من المعلوم أن المجادلة مقصودٌ بها دفع ودرأ المخاصمة، ولكن إذا احتاج رجل الدعوة وإلى الجدال فليكن بالتي هي أحسن، ويكون حسن الجدال في الالتزام بموضوعيته، وبعده عن الانفعال، والترفع عن المسائل الصغيرة في مقابل القضايا الكبرى؛ حفظاً للوقت، وعزة النفس، وكمال المروءة، مع الحرص على الرفق واللين والبعد عن الفظاظة والتعنيف.
ويدخل في الجدال بالتي أحسن: رد تكذيب المعاندين بكلام غير صريح في إبطال قولهم من الكلام الموجه، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤]، وقوله: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج:٦٨ - ٦٩].
ومن الجدال بالتي هي أحسن: الإعراض عن كثيرٍ مما يقوله المخالف أو الخصم؛ لأن الدخول فيه يدخل في قضايا صغيرة، أو يدخل في قضايا ثنائية لا تصل فيها إلى الحق الذي تريد، بل قد يكون فيها خروج عن المروءة والأدب والمقصد الأعظم من الدعوة والموعظة والجدال بالتي هي أحسن.
стр. 862
صفات الداعية
إذا كان الأمر كذلك -أيها الإخوة- فنأتي إلى موضوعٍ يكون محلَّ نظر في مسالك الدعاة، وقبل أن ندخل في هذا الموضوع والذي هو لب هذا الحديث، نشير إلى بعض الصفات -بشيء من الإيجاز- التي يجب أن يتحلى بها رجل الدعوة، ومنها تتشعب تلك المسالك.
وهي أمورٌ سبق أن ذُكرتم بها في أكثر من مقام ومناسبة، وهي معهودة لديكم، ولكننا نذكرها بشيء من الإيجاز:
стр. 863
من صفات الداعية: التقوى
من أهم الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها رجل الدعوة: التقوى.
ويقصد بها كل معانيها: من فعل المأمورات، وترك المنهيات، والتحلي بصفات أهل الإيمان، فتقوى الله بشمولها إذا رزقها العبد فإنها تنير القلب، وتفتح المدارك، ويستبصر بها موهوبها مواطن الحق، ويهتدي بها إلى الوسائل والأساليب الصحيحة الملائمة للظروف والأحوال والأشخاص، فالعاقبة للتقوى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق:٢] ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٤] وأولياء الله هم المتقون.
стр. 864
من صفات الداعية: الإخلاص
الإخلاص باب عظيم معلوم نظرياً، وتحقيقه عزيز، ومن حقق هذه الصفة لم يلتفت إلى نظر الناس أو تلمس مراضيهم، ويأتي هنا قول الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: "إن بعض الناس يدعو إلى الله وهو إنما يدعو إلى نفسه".
وأعظم الناس مطالبة وحاجة إلى هذه الخصلة هم العلماء والدعاة، ومن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة من ضيع هذه الخصلة، ولقد قال الغزالي ﵀ في الإحياء؛ محذراً من الشهوة الخفية الداعية إلى الشرك الخفي: "إن الداعي قد يرى حين الدعوة والقيام بها عز نفسه بالعلم والدين، وذل غيره بالجهل والتقصير، فربما قصد بالدعوة إظهار التميز على غيره -نسأل الله السلامة- وإذلال المدعو".
ولعلكم تدكرون ما قلناه قبل قليل: وهو أن الموعظة الحسنة أن تجل أخاك، وتتلطف معه، وتحفظ له حق الإسلام.
قد يقصد الداعي -نسأل الله السلامة كما ذكر الشيخ الإمام الغزالي صاحب الإحياء بما سماه-: الشهوة الخفية الداعية إلى الشرك الخفي، وهذا كلامٌ يكتب بماء الذهب.
يقول: "إن الداعي قد يرى حين الدعوة والقيام بها عز نفسه بالعلم والدين، وذل غيره بالجهل والتقصير، فربما قصد بالدعوة إظهار التميز على غيره وإذلال المدعو بإشعاره ولو بطرفٍ خفي بالجهل، وخسة أهل الجهل، والتقصير، وسوء حال المقصرين.
قال: وهذه مزلة عظيمة، وغائلة هائلة، وغرور للشيطان يطوق به كل إنسان إلا من عرَّفه الله عيوب نفسه، وفتح بصيرته بنور هدايته، فإن في الاحتكام على الغير لذةً للنفس عظيمة".
أي: الإنسان عندما يتكلم في عيوب الناس يجد لذة في أنه يتعالى ويخاطب الناس: افعلوا وأصلحوا، لماذا لا تقدموا؟ فالنقد لذيذ للإنسان، ويجد لذة في التعالي على الناس، ولهذا يقول الشيخ: "فإن في الاحتكام على الغير لذة للنفس عظيمة".
ولم يقتصر الغزالي ﵀ على هذا الإيضاح، بل زاد في بيان المعيار والمحك في ذلك حين قال: "وهناك محكٌ ومعيار ينبغي أن يمتحن الداعي به نفسه، وهو: أن يكون قيام غيره بالدعوة وإصلاح الناس واستجابتهم لغيره أحب إليه من استجابتهم له، فإن كان يحب أن يكفيه غيره فهو على خير، وإن كان لا يحب ذلك لغيره من أهل العلم والدعوة فما هو إلا متبع لهوى نفسه، متوسل إلى إظهار جاه نفسه بواسطة دعوته، فليتق الله تعالى فيه، وليدع أولاً نفسه".
انتهى بتصرف وحذف من الإحياء.
لكن هل هناك حقيقة لكلام الشيخ حينما قال: "أن يكون دعوة غيره أحب إليه من دعوته في نفسه"؟
هذا فيه نظر، وخاصة مع قوله ﷺ : ﴿فوالله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ فلا شك أنه كان مؤهلاً للدعوة متصدراً لها، لكن لاشك أنه إذا وجد من يكفيه اكتفى به، على معنى أنه إذا وجد في نفسه -فعلاً- أنه يحب الظهور فليتوارى، أما إذا جاهد نفسه وأراد أن ينال شرف هذا الحديث الذي أقسم فيه النبي ﷺ : ﴿لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ فهذا محل نظر في كلام الغزالي ﵀.
стр. 865
من صفات الداعية: العلم
ومن الصفات التي ينبغي وقد يتحتم أن يتحلى بها رجل الدعوة: العلم؛ بل هو المقصود الأعظم من (البصيرة) في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] بل إن من معاني الحكمة العلم، فالبصيرة تجمع العلم والحكمة، وهذه الخصلة لا تحتاج إلى معنى العلم، فهي معلومة لديكم، ويكفي في هذا التنبيه إلى ما تحفظونه من ترجمة الإمام البخاري ﵀ في صحيحه حيث قال: (باب: العلم قبل القول والعمل) واستدل بقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] قال ﵀: (فبدأ بالعلم قبل القول والعمل) وفي هذا يقول الحسن البصري ﵀: [[العامل بغير علمٍ كالسائر على غير هدى]] وفي مأثور الحكم: "من تمسك بغير أصلٍ ذل، ومن سلك طريقاً بغير دليل ضل".
ويشمل العلم: الفهم الدقيق لما جاء في الكتاب والسنة، وسير السلف، وفهوم أهل العلم والفقه علماً وعملاً.
стр. 866
من صفات الداعية: التواضع
من الصفات المهمة للداعية: التواضع:
ذلك أن من طبائع الناس أنهم لا يقبلون من يستطيل عليهم، أو يبدو منه احتقارهم أو استصغارهم، ولو كان ما يقوله حقاً وصدقاً، بل إن الاستعلاء سببٌ ظاهرٌ في كره الحق ورفضه، ومن أجل هذا فإن التواضع ثمرة المعرفة بالله وبالنفس، يقول الخليفة أبو بكر ﵁: [[لا يحتقرن أحدٌ أحداً من المسلمين، فإن صغير المسلمين عند الله كبير]] وقد خاطب الله نبيه محمداً ﷺ بقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف:٢٨].
ويقول ابن الحاج: "من أراد الرفعة فليتواضع لله تعالى، فإن العزة لا تقع إلا بقدر النزول".
أي: بقدر التواضع.
ومما يلحق بهذا الباب: العلم بأن من طبائع النفوس النفرة ممن يكثر الحديث عن نفسه، أو يستجلب الثناء عليها، أو يستدر لها المديح، فالفضل من الله، ومن تحدث إلى الناس فليتحدث إليهم بفضل الله لا بفضل نفسه.
стр. 867
من صفات الداعية: الحلم
ومن صفات الداعية أيضاً: الحلم:
وهو ضبط النفس عند الغضب، والرجوع إلى العقل عند ثورة الانفعال، وما هذا إلا بشارات القوة وعنوان البطولة: ﴿ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب﴾ وما أحوج الدعاة إلى الله إلى هذا وخاصة حين يحتدم الجدال، ويرون أشياء قد تثار، ولكن الحكيم والحليم هو الذي يظهر أثره في مثل هذه المواقف، ومن أحوجُ الخلق بهذا رجل الدعوة الذي ميدانه صدور الرجال ونفوس البشر.
ومن أبرز صور الحلم: كظم الغيظ، ثم يعقبه في الترقي: العفو عن الناس، وتلك صفات المتقين أهل الجنة التي عرضها السماوات والأرض، ومن رزق الحلم ترقى في درجاته؛ فيصل من قطعه، ويعفو عمن ظلمه، ويحسن إلى من أساء إليه ويخطئ من يظن أن الحلم عجز، وأن العفو ضعف، وأن الإعراض عن الجاهل خوف وخور، ولا يقول ذلك إلا من تأخذه العزة بالإثم، وهو خلق ذميم يتنافى مع الحلم كما ترى.
خرج زين العابدين علي بن الحسين ﵁ من المسجد يوم فسبه رجل، فانتدب الناس إليه، يريدون أن يمنعوه ويكفوه، فقال: [[دعوه، ثم أقبل عليه وقال: ما ستره الله عنك من عيوبنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل، فألقى إليه خميصة كانت عليه، وأمر له بألف درهم، فكان الرجل إذا رآه قال: إنك من أولاد الأنبياء]].
стр. 868
من صفات الداعية: عدم الغلظة والفظاظة
ومن الصفات كذلك: عدم الغلظة والفظاظة.
أيها الإخوة: أيها الشباب! أيها الدعاة: الناس في حاجةٍ إلى كنفٍ رحيم، وبشاشةٍ سمحة بحاجة إلى ودٍ يسعهم، وحلمٍ لا يضيق بجهلهم بحاجةٍ إلى من يحمل همومهم، ولا يثقل عليهم بهمومه، يجدون في رحابه العطف والرضا، ومن أجل هذا تأتي الرحمة الربانية لمحمد ﷺ وهو الرسول القدوة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩] فما غضب ﵊ لنفسه قط، ولا ضاق صدره بضعفهم البشري، بل أعطاهم كل ما ملكت يداه، وما نازعهم في شيء من أعراضهم، وسعهم حلمه وبره وعطفه.
وحينما يوهب العبد قلباً رحيماً، وطبعاً رقيقاً مع العلم والحكمة؛ فإنه لا يستكثر على الصغير والجاهل أن يصدر عنهم صدود عن الناصحين، والدنيا مليئة بمن لا يحبون الناصحين.
إن الداعي إلى الحق صاحب الخبرة والمراس لا يعجب من صدود الناس ونفرتهم، لكن رحمته بهم وشفقته عليهم لا تنفك تغريه بمعاودة الكرة تلو الكرة، كما يعاود الوالدان الحريصان على أولادهما في الإلحاح بالغذاء والدواء في حال الصحة والمرض، بل لقد جاء حديثٌ أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وابن حبان من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ﴿إنما أنا لكم مثل الوالد لولده﴾ هل رأيتم والداً يمل من نصح ولده؟ حتى ولو نصحته ثم نصحته تجد الوالد دائماً يكرر، هذا الذي ينبغي أن تفعلوه مع الناس، ولا تضيق صدوركم أبداً، وهل رأيت أعظم شفقة من الوالد على ولده؟ وكم قابل محمدٌ ﷺ إعراض قومه بابتهاله النبوي: ﴿اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون﴾.
стр. 869
طبائع النفوس وطبقات المدعوين
أيها الإخوة: بعد هذا الاستعراض السريع لهذه الصفات البارزة من صفات الداعية، نأتي إلى بعض المسالك التي يحسن النظر فيها.
أقول: هذه إشارات في هذا الموضوع أظنكم استشعرتم من خلالها بعض المسالك التي نريد أن نبسط القول فيها من خلال ما سبق؛ من تعريف للحكمة وأبرز صفات رجل الدعوة: هذا بسط لبعض المعالم والمسالك التي أراها حقيقة في ذلك، وسوف يكون هذا البسط من خلال التعرف على طبائع النفوس، وطبقات المدعوين، وتخير الأوقات، وانتهاز المناسبات، ثم النظر في طرق الدعوة وأساليبها، من الإحسان في القول، والحرص على التلميح إذا أمكن الاستغناء به عن التصريح، والقصد إلى الستر والنصيحة، والبعد قدر الإمكان عن التشهير الذي قد ينقلب إلى فضيحة، وفي سلوك مسالك المداراة المشروعة، وإقالة العثرات ما أمكن، وإليكم -أيها الإخوة الأفاضل- بسطاً لبعض هذه المسالك.
المسلك الأول: طبائع النفوس وطبقات المدعوين.
أيها الإخوة! أيها الدعاة! الناس متباينون في طبائعهم، مختلفون في مداركهم في العلم والذكاء في الأمزجة والمشاعر مختلفون في الميول والاتجاهات؛ مما يفترض على رجل العلم والدعوة تخير المدخل، بل المداخل المناسبة لتلك النفوس المختلفة والعقول المتباينة؛ ففيهم الغضوب والهادئ، وفيهم المثقف والأمي، وفيهم الوجيه وغير الوجيه، بل إن ثمة كلمة لـ علي ﵁ يصور القلوب -كل القلوب- بأنها وحشية، فيقول: [[القلوب وحشية، فمن تألفها أقبلت عليه]] يصورها ﵁ وكأنها دوابٌ متوحشة لا تعرف الألفة في طبعها، ويبدو هذا -والله أعلم- في ميدان النصائح والتوجيهات، فهل رأيت من يرضى أن تنسبه إلى جهل، أو عدم معرفة، أو سوء في التصرف؟
إن الإنسان يعظم عليه أن ينسب إلى الجهل، ولذا تراه يغضب إذا نبه على الخطأ، ويجتهد في المحاجة، بل يجتهد في جحد الحق بعد معرفته خيفة أن ينكشف جهله يجب أن تعرفوا أن الناس هكذا الإنسان لا يحب أن ينكشف أو يعرف أنه جاهل لا يحب أن يعرف حتى ولو أنه على منكر، إذاً كيف تكون المعاجلة؟
هذا أمر مهم جداً.
أيها الإخوة! وأيها الشباب! أيها الدعاة: لا تشعر الإنسان أنه ناقص، أو جاهل، وإنما خذ بيده من الحضيض الذي هو فيه وارفعه بشفقة ورفق كما ترفع الأم وليدها وكما يرفع الأب ابنه.
إن القلوب في هذا الباب تنفر إذا اقترب منها بل لعلها بدافع الدفاع عن النفس تهجم وتؤذي، فأحياناً الدعاة إذا قابلوا صاحب منكر فإنه ينظر فيهم، هذا طبع يجب أن يعرفه الدعاة، فلا ينبغي للداعية إذا قابله صاحب منكر بكلام فظ أن يرد عليه بفظاظة مثله، إلا في بعض أحوال نادرة، لكن الأصل عدم ذلك.
إن القلوب تنفر إذا اقترب منها، خاصة في اقتراب الإنكار بالجهل وبالتسفيه، بل لعلها بدافع الدفاع عن النفس تهجم وتؤذي، فمن كان صاحب حكمة وفطنة في ترويض الوحوش فهو المفلح بتوفيق الله لهداية الناس، وصاحب الترويض الناجح هو الذي يحرص على تلمس الجانب الطيب في نفوس الناس، يقصد إلى شيء من العطف على أخطائهم وحماقاتهم، وشيء من العناية غير المتصنعة باهتماماتهم وهمومهم، وسوف يصل إلى مصدر النبع الخيِّر في نفوسهم، وحينئذٍ يمنحونه حبهم وثقتهم.
إن شيئاً من سعة الصدر والإحاطة بطبائع النفوس كفيل بتحقيق الخير في الناس، بنتيجة لا يظنها الكثيرون، ينبني على ذلك -أيها الإخوة- ملاحظة استيعاب المدعو وسعة مداركه، على معنى: أن الناس يختلفون في قدرة الاستيعاب ويختلفون في سعة المدارك -كما قلنا- ففيهم الجاهل والعالم، وفيهم الوجيه، وفيهم صاحب المنزلة، ومنهم من هو دون ذلك، فالمدعوون يختلفون في الاستيعاب وسعة المدارك، فلا يلقي رجل الدعوة إليه مالا يبلغه عقله، فيوقعه إما في النفرة والشرود، وإما في التخبط الفكري والدخول في غياهب الفتن، وفي ذلك يقول ابن مسعود ﵁: [[ما أنت بمحدثٍ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة]]، ويقول علي ﵁: [[حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟]].
стр. 870
تخير الأوقات وانتهاز المناسبات في الدعوة إلى الله
المسلك الثاني: تخير الأوقات وانتهاز المناسبات، وهذا مسلك كبير وعريض ومؤثر في معالم الدعوة وتلمسها، ويبلور ذلك كلمة جامعة لـ عبد الله بن مسعود ﵁ حين يقول: [[إن للقلوب شهوةً وإقبالاً، وفترةً وإدباراً، فخذوها عند شهوتها وإقبالها، وذروها عند فترتها وإدبارها]] وقد كان يذكرهم كل خميس، فقال رجل: لوددت أنك ذكرتنا كل يوم؟ فقال: [[أما إنه يمنعني من ذلك أنني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا مخافة السآمة علينا]].
ولأمرٍ ما! كان نزول كتاب ربنا منجماً؛ حتى يتمشى مع تخيل أوقات المناسبات، فنزل منجماً ومفرقاً على ثلاث وعشرين سنة، على المناسبات والأحداث والأزمنة والأمكنة، وأنت خبير -أيها الداعية- أن إقبال الناس في رمضان يختلف عنه في غيره، أي: تستغل المناسبات؛ لأن لهم إقبالاً على الدعوة وعلى الخير في مناسباتٍ، وكذلك يقبلون في موسم الحج إقبالاً مختلفاً عن غيره، وقل مثل ذلك في المناسبات المختلفة والأحداث المتجددة؛ من وقائع الأفراح وحضور المصاعب، فأنت في مناسبة العزاء لا تقوله ما تقول في مناسبة الأفراح.
فأخذ الناس بهذا ومراعاة تقلبات الدهر من حولهم يدرك به سرٌ عظيم في التأثير والاستجابة، وإذا رغبتم في مزيد من الإيضاح في هذا؛ فانظروا إلى بعض الأوقات التي أشار إليها نبينا محمد ﷺ فنتخيرها في الدعاء، مثل: أوقات السحر، ونزول الغيث، والتقاء الجيوش، وأدبار الصلوات ونحوها، فنتخير الأوقات؛ لأن الأحوال فيها تختلف.
وإذا رغبتم كذلك في واقعة؛ فانظروا في حكمة يوسف ﵇ حين استغل الفرصة مع الفتيين عند تعبير رؤيتيهما فدعاهم إلى الله الواحد الأحد، وقال لهم: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩] يقول ذلك لأنه رأى منهم إقبالاً وقالوا: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٣٦] رأى أنهم معجبين به ويقبلون عليه، ورأوا أنه يحسن تأويل الرؤيا؛ فأراد أن يعطيهم معلومات مادام أن الثقة وجدت استغل المناسبة، فقال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ [يوسف:٣٩] ودعاهم إلى التوحيد الذي هو أعظم مطلوب.
ويلتحق بذلك -أيها الإخوة- مراعاة الأعراف والتقاليد المرعية، والطبائع والحرف والصناعات.
وقد يكون فيما أشار إليه أهل العلم من تنوع معجزات أنبياء الله، ومناسباتها مع ما يسود البيئات من علوم ومعارف، كعصا موسى ﵇ كانت في بيئات السحرة، وعيسى ﵇ كان في بيئة الطب، وكتاب محمدٍ ﷺ الذي هو القرآن كان في بلاغة العرب؛ مما يشير إلى ملاحظة الاختلاف في البيئات والمناسبات والطبائع.
стр. 871
مراعاة التدرج وترتيب الأولويات في الدعوة إلى الله
قضية أخرى مهمة، ومسلك مهم وهو: مراعاة التدرج وترتيب الأولويات: وما قلناه في طبقات المدعوين وطبقات النفوس وملاحظة المناسبات يقابله نظر آخر في المدعو إليه؛ فلا شك أن الحكمة تقتضي النظر في متدرجات أمور الدعوة، لأخذ الناس بالأول فالأول، فقضايا العقيدة وأصول الملة والديانة تأتي في المقام الأول، فهي إن لم تصح في العقل فلن يجدي فيه الصنيع الحسن والعمل الطيب، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٥].
ففي الدعوة كليات وجزئيات، وواجبات ومستحبات، ومحرمات ومكروهات، وقضايا صغرى وكبرى، وكلٌ يجب أن تعرف مواقعها، وتوضع في مواضعها، وأظن الأمر أوضح من أن نبسط الكلام فيه، وخذوا دليلاً:
مندوب الدعوة ومبعوثها إلى اليمن معاذ بن جبل ﵁ رسم له النبي ﷺ هذا المنهج عندما قال له: ﴿إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يومٍ وليلة﴾ وأنتم تعلمون أن بعث معاذ كان في آخر حياة النبي ﷺ ، في السنة التاسعة تقريباً؛ لأن معاذاً لم يرجع من اليمن إلا بعد وفاة النبي ﷺ .
إذاً: التدرج كان مستمراً، والنبي ﷺ قال له: ﴿فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله إلخ﴾.
وهذا عمر بن عبد العزيز ﵀ الخليفة الأموي المعدود خامس الخلفاء الراشدين، كان من قبل أن يتولى الخلافة يرى في الناس عيباً وكان يحب لو أنه أصلح.
دخل عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز على أبيه، فقال له: يا أبت! ما لك لا تنفذ وأصحاب الحوائج راكضون؟ قال: [[يا بني! إن الله تعالى ذم الخمر مرتين وحرمها في الثالثة، وإني أخشى أن أحمل الناس على الحق مرةً واحدة فيتركوه مرةً واحدة، فيكون فتنة ووفساداً كبيراً]].
إذاً: موضوع التدرج مهم جداً، وكذلك النظر في الأولويات.
هذه بعض مسالك يجب أن تراعى أثناء ممارسة الدعوة، وهي مسالك متعلقة بالمدعوين، وهناك أمور تقابلها في الدعاة، ينبغي أن يتحلوا بصفاتٍ تتطابق مع مراعاتها في أحوال المدعوين، إذاً: عندنا نوعان من المسالك: مسالك تتعلق بالمدعوين، وقد أشرنا إليها؛ من مراعاة الظروف ونحوها، ومعالم ومسالك تتعلق بالداعية نفسه؛ حتى يتماشى مع التي في نفوس وطبائع المدعوين وبيئاتهم.
стр. 872
القول الحسن في الدعوة إلى الله
من هذه المسالك: القول الحسن: وهذا يعني أن رجل الدعوة إذا أحكم قوله، وسدد لفظه؛ فقد أوتي من الحكمة باباً عظيماً، يقول الله : ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣] يقول طلحة بن عمر: قلت لـ عطاء: إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل فيَّ حدة، فأقول لهم بعض القول الغليظ.
فقال: لا تفعل، يقول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ [البقرة:٨٣] يقول عطاء: فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى فيكف بالحنيفي؟!
وأورد القرطبي في تفسيره عند تفسير هذه الآية حديثاً عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: ﴿يا عائشة! لا تكوني فحاشة، فإن الفحش -أي: السيئ في القول- لو كان رجلاً لكان رجل سوء﴾.
ويعلق القرطبي على هذا بقوله: "وهذا حض على مكارم الأخلاق؛ فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس ليناً، ووجهه منبسطاً طلقاً مع البر والفاجر، والقريب والبعيد، من غير مداهنة وسوف يأتي التفرقة بين المداهنة والمداراة- ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه"، هذا كلام القرطبي.
والقول يكون حسناً وحكمة بقدر ما يعتنى بأصول الكلام، ويبتعد عن فضوله -يكون الكلام جزلاً، ويكون الكلام مهماً لا يدخل في الثانويات وفي القضايا الجزئية- ويتحرك بنبضات القلب الحي، وهواجس النفس الصادقة، ويحسن الكلام حين يكون قصداً عدلاً -قصداً أي: وسطاً- ليس بالإيجاز المخل ولا الطويل الممل، وقد كانت خطبه ﵊ قصداً، كما في الحديث الصحيح عند مسلم من رواية جابر بن سمرة ﵁.
تنبيه: هناك فرق بين مثل هذا اللقاء وبين خطبة الجمعة، فهذا اللقاء والخطب التي مثل هذا اللقاء -وإخواننا وزملاؤنا الذين يحضرون مثل هذه المحاضرات والندوات- معلومة أنها ندوات وأحاديث مفتوحة، بخلاف خطبة الجمعة؛ فإن خطبة الجمعة -فعلاً- ينبغي أن يهتم بها الأئمة -وفقهم الله- كأن تكون قصيرة على حد ما أوصى النبي ﷺ ؛ لأن الخطبة فرض على جميع الناس، وعلى جميع الفئات، والطبقات، ويأثمون إن لم يحضروا فإذا كان الأمر كذلك؛ فعلى الخطيب أن يراعي أحوالهم، بخلاف هذا الجمع الكريم، فإنكم أتيتم على اختياركم، ومن شاء أن ينصرف فلينصرف، بخلاف خطبة الجمعة، وهذا أمر ينبغي أن يلاحظ.
كذلك يقول بعض الناس: الناس إذا جاءوا المحاضرات نفروا، وإذا جلسوا في الملهيات جلسوا وأطالوا، وهذا لاشك أنه من طبائع النفوس؛ لأنهم جلسوا باختيارهم وخرجوا باختيارهم نعم! ينبغي أن يذكروا ويوعظوا، لكن لا ينبغي أن تكون المعالجة على هذا النحو.
واستمعوا إلى هذا الحوار الهادئ والقول الحسن، ونحن نتكلم عن القول الحسن في الجدال الحسن، فهذا حصين الخزاعي والد عمران، كانت قريش تعظمه وتجله، فطلبت منه أن يكلم محمداً ﷺ في آلهتها، فقد كان يذكرها ويسبها، فجاء حصين ومعه بعض أفراد قريش حتى جلسوا قريباً من باب النبي ﷺ ، ودخل حصين، فلما رآه النبي ﷺ قال: ﴿وسعوا للشيخ -وهذا نوع من التكرمة- فقال حصين: ما هذا الذي بلغنا عنك أنك تشتم آلهتنا؟ فقال: يا حصين! كم تعبد من إله؟ قال: سبعة في الأرض وواحد في السماء.
فقال: فإذا أصابك الضر فمن تدعو؟ قال: الذي في السماء.
قال: فإذا هلك المال فمن تدعو؟ قال: الذي في السماء.
قال: أفيستجيب لك وحده وتشرك معه؟ يا حصين! أسلم تسلم﴾ فأسلم، والمسألة فيها خلاف، والصحيح أنه أسلم، فقام إليه ولده عمران فقبل رأسه ويديه ورجليه، فلما أراد حصين الخروج قال رسول الله ﷺ : ﴿شيعوه إلى منزله﴾ وهذا نوع من التكرمة، عجباً! دخل هذا الرجل كافراً ناقماً منتقماً، فخرج صادقاً مسلماً! ليت شعري كيف كان حال قريش مع صاحبها ووجيهها حينما دخل لهم بوجه وخرج لهم بوجه آخر؟!
ويدخل في ذلك: القول اللين، الذي يستميل النوازع البشرية، ووشائج القربى، وعبارات الحنو والشفقة، فإبراهيم ﵇ نادى أباه بكلماتٍ مشفقة: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾ [مريم:٤٢ - ٤٥] إلى قوله: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ [مريم:٤٧] وقال الله : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَة
стр. 873
التلميح دون التصريح في الدعوة إلى الله
من المسالك التي ينبغي أن يتحلى بها رجل الدعوة حينما يخاطب الجماهير: التلميح دون التصريح فمن القول الحسن: الجنوح إلى التعريض والتلميح دون التصريح، فالتصريح يهتك حجاب الهيبة، ويورث الجرأة على الهجوم والتبجح للمخالفة، وإذا أخذت بالتصريح وكررته وأكثرت منه فإنه يجعل الإنسان يقسو، وأحياناً يندفع ويجابه ويواجه ويكشر، ويهيج على الإصرار والعناد، أما التعريض فيستميل النفوس الفاضلة، والأذهان الذكية، والبصائر اللماحة.
قيل لـ إبراهيم بن أدهم: الرجل يرى من الرجل الشيء أو يبلغه عنه أيقوله له؟
قال: هذا تبكيت ولكن يعرض.
وكل ذلك من أجل رفع الحرج عن النفوس، واستثارة داعي الخير فيها.
كيف والتعريض سنة محفوظة عن النبي ﷺ في مخاطبة أصحابه، فكان يقول دائماً: ما بال أقوامٍ يفعلون كذا وكذا، ولو نظرت في القرآن الكريم في معالجة الأخطاء التي وقع فيها الصحابة، أو التي وقع فيها المنافقون، فإن الله حينما عاتب أهل أحد قال لهم: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٢] كان بإمكانه أن يقول: فلان وفلان وفلان أهل دنيا فأخرجوهم، وهؤلاء يريدون الآخرة، لكنه قال: منكم، وما عرفوهم، وكان بالإمكان أن يحدد حتى يخرجوا ولا يكونوا وسط البيئة، لكنه قال: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٢] والإتيان بالدنيا ينافي الإخلاص فقوله: (منكم من يريد الدنيا) أي: لابد من إخلاص، ومع هذا قال: عفا عنكم، ضعف بشري يصيب النفوس، وسيأتي الكلام على هذا.
إن مقصودي من هذا أن القرآن لم يصرح، بل حتى في المنافقين دائماً يقول: ومنهم من يلزمك ومنهم من يقول: ائذن لي ومنهم الذين يؤذون النبي، ما قال: فلان وفلان وفلان، وكان بالإمكان أن يسميهم مع أن السيرة تسمي بعضهم، فمن قال: ائذن لي ولا تفتني هو فلان، لكن القرآن يعلمنا الأدب فيقول: منهم وفيهم، وما قال: فلان، مع أنه قد سمى أشخاصاً معينين، فسمى فرعون وأبا لهب، وأعداداً محدودين، لكن الأغلب أنه لم يسمِّ أشخاصاً بعينهم.
إذاً: الأصل التعريض، ولا يفضح إلا فاسق، ويحذر الناس منه لشدة فسقه؛ لأن التعريض يجعل خط رجعة، لكن إذا صرحت لإنسان يحاول أن يجد حججاً، ويجد في نفسه غلظة، ولا يمكن أن يستجيب له أبداً، حتى لو صلح يجد في نفسه شيئاً، لأنك ذكرت اسمه.
стр. 874
النصيحة لا الفضيحة في الدعوة إلى الله
مسلك آخر: النصيحة لا الفضيحة: وهي ترتبط بالمسلك السابق، والمقصود هنا الإشارة إلى آداب النصيحة، باعتبارها مسلكاً من المسالك البارزة في الدعوة، وبخاصة إذا ما حاولنا البعد بالنصيحة عن أن تكون فضيحة، يوضح ذلك الحافظ ابن القيم ﵀ حيث يقول: "والنصيحة إحسان إلى من تنصحه بصورة الرحمة له والشفقة عليه؛ والغيرة له وعليه؛ فهو إحسان محض ".
معاشر الدعاة! إننا نحسن وإن هذا إحسان منا للناس، فلماذا نمنُّ به بأن نؤديه في قالب مؤذي؟
ثم قال ابن القيم: " فهو إحسان محض يصدر عن رحمة ورقة مراد الناصح بها وجه الله ورضاه والإحسان إلى خلقه " هذا كله كلام ابن القيم ﵀.
فهذه دعوة إصلاح يجب أن يتمحض فيها الإخلاص لله، مع المحافظة على مشاعر المنصوح على نحو ما سبق في المسالك السابقة؛ لئلا ينقلب النصح مخاصمة وجدالاً وشراً ونزاعاً.
ويؤكد جانب الدقة في هذا الأمر: أن ذكر الإنسان بما يكره هو على أصل التحريم، وقد قيل لبعض السلف: أتحب أن يخبرك أحدٌ بعيوبك؟ فقال: إن كان يريد أن يوبخني فلا.
وكان النبي ﷺ يقول: ﴿لا تذكروا مساوئ أصحابي حتى أخرج إليهم وأنا سليم الصدر﴾ فالإنسان بشر، ولا يكاد يفرق بين النصيحة والتعيير سوى النية، والباعث، والحرص على الستر، وقد نهى النبي ﷺ السيد أن يثرب أمته، أي: يلومها على ذنبها، بل يقيم الحد ولا يثرب، لا يكثر الشكاية واللوم، كأن يذكرها بذنبها وخطيئتها، وهذا حالياً يتأسى به الآباء حينما يربون أبناءهم؛ فقال ﵊: ﴿إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها ولا يثرب﴾ متفق عليه.
ويقول فضيل: المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير.
وكانوا يقولون: من أمر أخاه على رءوس الملأ فقد عيره.
ذلك أن الناصح الصادق ليس له غرضٌ في إشاعة عيوب من ينصح له، وإنما غرضه إزالة المفسدة وإخراج أخيه من غوائل تلك المفسدة، وشتان بين من قصده النصيحة ومن قصده الفضيحة، ولا تلتبس إحداهما بالأخرى، وكما قالت أم الدرداء: [[من وعظ أخاه سراً فقد زانه، ومن وعظه علانيةً فقد شانه]].
стр. 875
التعامل مع المدعوين
مسلك آخر: أدب التعامل: ذلك أن ما سبق كان في القول والمخاطبة وحسن المجادلة، وهذا في التعامل المادي، ويكون ذلك في عدة مسالك أيضاً، وصور من اللين في التعامل والمداراة، والفرق بينها وبين المداهنة، وإقالة العثرات، ومواطن الترغيب والترهيب.
فالذي سبق كان أمراً قولياً مما كان ينبغي من الدعاة من الناحية القولية.
لين القول، وستر العيوب، والنصيحة لا الفضيحة، والتلميح دون التصريح، وهذا تعامل مادي، أي: حسي وليس قولي، فهذه صور من اللين في التعامل.
فنقول: إن النفوس مجبولة على حب من يحسن إليها، ويتلقاها باللين، ويبسط لها المحيا، والشدة قد تدفع إلى المكابرة والنفور والإصرار؛ فتأخذ النفس العزة بالإثم على نحو ما سبق، فالتعامل المؤثر ما كان دمثاً يفتح القلوب، ويشرح الصدور، فمحمد ﷺ وأصحابه والمؤمنون رحماء بينهم.
يروي معاوية بن الحكم السلمي قال: ﴿صليت مع رسول الله ﷺ ، فعطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أماه! ما شأنكم تنظرون؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم﴾ كان الصحابة يصلون، وكان هذا الرجل لا يعرف أحكام الصلاة، وعطس رجل ومنهم وكان يعرف التشميت، فقال: يرحمك الله وهم يصلون، فاستغربوا وصاروا يرمقونه بأبصارهم فبهت، فجعل يخاطبهم في الصلاة وهم ينظرون إليه: ﴿ما شأنكم تنظرون؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فعرفت أنهم يصمتونني -أي: يسكتونني- فلما رأيتهم يسكتونني سكتُّ، فلما صلى رسول الله ﷺ ، بأبي هو وأمي ما ضربني ولا سبني، وفي رواية أنه قال: ما رأيت معلماً قط أرفق من رسول الله ﷺ ، قال: إن هذه الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن﴾، وفي مدلولها أيضاً قصة الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد إلخ
يقول الحافظ ابن حجر ﵀ في هذا: "والمراد تأليف من قرب إسلامه، وترك التشديد عليه في الابتداء، وكذلك الزجر عن المعاصي ينبغي أن يكون بتلطف ليقبل، وكذا طلب العلم ينبغي أن يكون بالتدريج؛ لأن الشيء إذا كان في ابتدائه سهلاً حبب إلى من يدخل فيه، وتلقاه بانبساط، وكانت عاقبته دائماً في ازدياد بخلاف ضده".
وفي هذا يقول الإمام أحمد: "كان أصحاب ابن مسعود إذا مروا بقومٍ يرون منهم ما يكرهون، يقولون لهم: مهلاً رحمكم الله".
ودعي الحسن البصري ﵀ إلى عرس، فجيء بجامٍ من فضة -أي: قدح من فضة- عليه خبيص -والخبيص طعام من التمر والسمن- فتناوله فقلبه على رغيف فأصاب منه، أي: الطعام في إناء من فضة فأخذه وقلبه على الحصير وأبعد الإناء وصار يأكل.
فقال رجل: هذا نهي في سكوت مجرد أنه أفرغ الطعام على هذا الرغيف وصار يأكل، معناه أنه لا يؤكل في هذا الإناء من الفضة، فكان هذا نوعٌ من اللباقة في الإنكار.
ويروى أن الخليفة المأمون وعظه واعظ فأغلظ عليه في القول، فقال: يا هذا! ارفق، فقد بعث الله من هو خيرٌ منك إلى من هو شر مني، وأمره بالرفق فقال تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٣ - ٤٤].
стр. 876
المداراة والمداهنة في الدعوة إلى الله
أما المداراة: فهي صورة من صور التعامل الدال على الحكمة والموصل إلى المقصود، مع حفظ ما للداعي والمدعو من كرامة ومروءة، وقد بوب الإمام البخاري ﵀ في صحيحه فقال: باب: المداراة مع الناس، ثم أورد حديث عائشة ﵂: أن رجلاً استأذن على النبي ﷺ فقال: ﴿ائذنوا له! فبئس أخو العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام، فقالت عائشة ﵂: يا رسول الله! قلت ما قلت ثم ألنت له القول، فقال: يا عائشة! إن شر الناس منزلة عند الله من تركه الناس اتقاء شره، أو اتقاء فحشه﴾.
قال ابن بطال: المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، ولين الكلام، وترك الإغلاظ، وذلك من أقوى أسباب الألفة قال: وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط؛ لأن المداراة مندوب إليها والمداهنة محرمة، والفرق: أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه.
وفسرها بعض العلماء بأنها: معاشرة الفساق، وإظهار الرضا بما هم فيه من غيرٍ إنكارٍ عليهم.
والمداراة: هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق بالنهي -لأنك لا تقره على فسقه، لكن ترفق في الإنكار- عن فعله، وترك الإغلاظ عليه، حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولاسيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك.
إذا تقرر هذا المعنى فهو الذي قد عناه الحسن البصري ﵀ في قوله: كانوا يقولون: المداراة نصف العقل، وأنا أقول: هي كل العقل.
ومن الطريف -أيضاً- قول أبي يوسف ﵀ في تعداد من تجب مداراتهم، فعد منهم: القاضي المتأول، والمريض، والمرأة، والعالم يقتبس من علمه، لا تنسوا أن تداروا نساءكم؛ لأن القاضي أبا يوسف عد المرأة مما ينبغي مداراته.
وأكثر ما تجري المداراة في اتقاء الأشرار والمكاره، وقد جاء في حكمة لقمان: يا بني! كذب من قال: إن الشر بالشر يطفأ، فإن كان صادقاً فليوقد نارين ولينظر هل تطفئ إحداهما الأخرى؟ وإنما يطفئ الخير الشر كما يطفئ الماء النار، وقد نُظم هذا المعنى في قول الشاعر:
وإذا عجزت عن العدو فداره وامزح له إن المزاح وفاق
فالنار بالماء الذي هو ضدها تعطي النضاج وطبعها الإحراق
стр. 877
إقالة العثرات والغض عن الأخطاء
إن أسلوب المداراة المتقرر في الفقرة السابقة يقود إلى غض الطرف عن أخطاء المقصرين مادام طريقاً لاستصلاحهم، وإقالة عثرات العاثرين إذا كانوا كراماً ذوي هيئات، أو كان ذلك سبيلاً إلى دفنها وتقليلها، وإن شئتم برهاناً قريباً فاستذكروا قصة حاطب بن أبي بلتعة؛ تلك الواقعة الصحيحة، فهي صورة حية من صور الضعف البشري في لحظة من لحظات الزمن، مع أنه الصحابي البدري، ولكبر الزلة قال عمر بن الخطاب ﵁: دعني أضرب عنق هذا المنافق، ولكن النبي ﷺ صدق حاطباً حين أجابه ويحسن أن تسمعوا اللفظ.
قال الراوي: ﴿فانطلقنا به إلى رسول الله ﷺ ، فقال عمر: يا رسول الله! قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني أضرب عنقه.
فقال النبي ﷺ : ما حملك على ما صنعت؟ قال حاطب: والله ما بي ألا أكون مؤمناً بالله ورسوله ﷺ ، إنما أردت أن تكون لي عند القوم يدٌ يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحدٌ من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع إلخ﴾.
قال حاطب للنبي ﷺ : والله ما بي ألا أكون مؤمناً بالله ورسوله، أي: والله إنني مؤمن، وصدَّقه النبي ﷺ ، لكنه ضعف بشري.
فإذا عثر العالم، أو عثر رجل الدعوة، أو حتى رجل عادي من الناس؛ فمن المهم جداً إقالة العثرة، وأكثر ما أخذ الدعاة والجماعات والتجمعات الإسلامية هو نوع من التصنيف، إذا غلط من ليس من جهتهم أو إنسان آخر فإنها تكون سبة للدعوة، وهذا أسلوب لا يمكن أن يجتمع الناس بينما لو رأيتم سيرة النبي ﷺ ومسلك القرآن كما قلنا قبل قليل: ومنهم، ومنهم، ومنهم حتى تكون هناك عودة، ولا يسمى لأنه طريق -فعلاً- لاسترجاع الناس، أما إذا وُسم الإنسان وشُهر به، أو ذكر بعينه، فلا يكاد: يمشي بين الناس إلا مكابراً، وإما أن يهلك، نسأل الله السلامة!
فالنبي ﷺ قال لـ حاطب: ﴿لقد صدقت ولا تقول إلا خيراً، أما علمت يا عمر أنه من أهل بدر، ولعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم﴾.
إذاً: إقالة العثرة ليس إقراراً للباطل، ولكنها إنقاذٌ للواقع فيها، فحق لمن غلط أو زل أن يسمع كلمة صائبة، وأن يستضيء بشمعة أمل، من أجل أن يرجع إلى الجادة، ويسير مع الأخيار من الصحاب.
يمر أبو الدرداء ﵁ على رجل قد أصاب ذنباً والناس يسبونه، فأنكر عليهم صنيعهم وقال لهم: [[أرأيتم لو وجدتموه في قليب ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى.
قال: فلا تسبوا أخاكم، واحمدوا الله الذي عافاكم.
قالوا: أفلا نبغضه؟ قال: إنما نبغض عمله، فإذا تركه فهو أخي]].
وكم عفا النبي ﷺ عن زلة، فعندنا -مثلاً- قصة الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ وهو مستلقٍ تحت شجرة ظلها كثيف، وكانوا راجعين من غزوةٍ، كما قال جابر في حديثه ﴿فتركناها للنبي ﷺ ، فعلق النبي ﷺ عليها سيفه، فجاء الأعرابي فأخذ السيف وخرطه، وقال: من يمنعك مني يا محمد؟ فقال الرسول ﷺ : الله، فسقط السيف من يده، فأخذه النبي ﷺ وقال: من يمنعك مني يا أعرابي؟ فقال: كن خير آخذ، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: لا.
-هكذا مصارحة- قال: ولكني أعاهدك ألا أقاتلك ولا أكون مع قومٍ يقاتلونك، فخلى سبيله﴾ رواه البخاري.
فما قال: أمسكوه فإنه يريد قتل القائد، ويريد أن يقتل فلاناً من الناس فقضية مهمة وقضية كبرى، وهو يستحق القتل، لأنه شارع في القتل -كما يقال: شارع في الجريمة- ومع هذا قال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: لا.
ولكن لا أعين عليك، فخلى سبيله فذهب، فقال لقومه: جئتكم من عند خير الناس، وهذه تكفي في الدعوة، فهذه القضايا من السيرة مهم أن نقف عندها.
стр. 878
الترغيب والترهيب
إن كل ما تقدم من التأكيد على مسالك اللين والرفق والمداراة والغض عن الهفوات؛ ليس معارضاً لما هو معروف ومتقرر في مسالك الشرع من ضرورة سير الدعاة والمربين بين حالي الرغبة والرهبة، والرخاء والشدة، لكن المقدم في التعامل هو الترغيب والرفق، كما قال الإمام أحمد: والناس يحتاجون إلى مداراة ورفقٍ بلا غلظة، إلا رجلاً مبايناً معلناً بالفسق والعداء فيجب نهيه؛ لأنه يقال: ليس لفاسقٍ حرمة، فالمعلن المصر لا حرمة له.
وطريق أنبياء الله ﵈ المذكور في القرآن مسلوك فيه النجدين: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [نوح:١ - ٤] كلها كلمات تنضح بالرقة والشفقة، وقال عن محمدٍ ﷺ : ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن:٨] إلى أن قال: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التغابن:٩] إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن:١٠] بيان لطرفي الترغيب والترهيب.
إذاً: ترغيب لما وعد الله المحسنين في الدنيا، وحسن العاقبة في الآخرة ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف:١٣] وترهيب من وعيد الله وغيرته على حرماته، والخوف من أليم عقابه عاجلاً وآجلاً: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢].
أيها الإخوة! فلعله بملاحظة هذه المسالك وأمثالها يتحقق الخير، وترشد المسالك، وتؤتي الدعوة خيرها الكثير، والنفوس تملك قدراً كبيراً من التأهيل في قبول ما عند الدعاة، وهي تحب سماع كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وتستفيد من المواعظ، وهي قريبة من الخير مستعدة له، فليفقه هذه السنن الدعاة إلى الله، وليحملوا الناس على توجيهات الشرع لا على جلبة الشارع -أي: السوق- وليجتنبوا المزالق والمنعطفات الخطيرة التي يتعمد أعداء الملة وضعها في الطريق وفق الله الجميع إلى سبيل الهدى، وأصلح الأعمال والمقاصد، وصلى الله على محمدٍ وآله وصحبه وسلم.
стр. 879
الأسئلة
стр. 880
كيفية التعامل مع المستهزئين بالدعوة والدعاة
وردت إلينا أسئلة كثيرة ومعظمها صدرت بقولهم: إنا نحبك في الله يا شيخ.
أحبكم الله الذي أحببتموني فيه، وجعلنا الله وإياكم وإخواننا الحاضرين والمستمعين من المتحابين فيه.
السؤال
كيف يتعامل الداعي مع المستهزئين الذي يسخرون من الدين من جهة، ومن طيب الداعي وحسن تعامله ووصفه بأنه درويش أو لا يعيش الواقع، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
أظن أن الدعاة في هذا العصر ليسوا أول من استهزأ بهم، بل هذا هو شأن الأنبياء، وأنتم الدعاة المخلصون -إن شاء الله- ورثة الأنبياء، وأسوتكم الأنبياء، والذين يخالفونكم ويعاندونكم ويعارضونكم قد عارضوا من هو أفضل منكم، وما لاقى الأنبياء في كثيرٍ من مواطنهم إلا الاستهزاء والاستكبار والاتهامات العريضة ساحر، مجنون، حتى قال الله لجميع الأمم: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذريات:٥٣] لما ذكر قصة إبراهيم، ثم موسى، ثم هود، ثم صالح، ثم نوح في سورة الذاريات، ثم جاء خطاب محمد ﷺ : ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات:٥١ - ٥٣].
إذاً: هذا مسلك يجب أن تعرفه، لابد أن تجد من يستهزأ، ولا بد أن تجد ممن يسميك درويش مغفل متحجر معقد، أما إذا كنت تريد طريقاً كما يقال بالتعبير المعاصر: مبسوطاً أو مفروشاً بالورود، فهذا لا يمكن: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤].
ولماذا اللين وإقالة العثرة؟
لأنك ستواجه أناساً، ولماذا كان الدعاة هم المنائر إلا لهذا السبب، أما لو كان كل من دعوته استجاب لما كان لك الفضل في أن يستجيب الناس، إنما فضلك الذي ترجو ثوابه عند الله أن تتحمل، ومهمتك هي البلاغ، والمشكلة والغلط أنك تظن أنك إذا دعوت فيجب أن يسمع هذا، ويفهم الناس ذلك فرسل الله عليهم الصلاة والسلام جميعاً ليس مهمتهم إلا البلاغ، ليس عليهم الهدى -بمعنى التوفيق والإلهام- أبداً، لا محمد ﷺ وهو أفضلهم ولا غيره.
والنبي ﷺ ذكر أن النبي يأتي يوم القيامة وليس معه أحد، فليس مهمتك أن تقول لي: يا فلان! أصلح حالك، وإذا ما صلح تقول: أعوذ بالله هذا خبيث نعم أعوذ بالله، لكن مهمتك أن تبلغ، وحينما تبلغ لا يعني أنك تبلغ مرةً واحدة، بل تبلغ في كل حين، وليس مهمتك أن يهتدي الناس.
يا أخي! أولادك تربيهم عشرين سنة البيئة واحدة، والمدرسة واحدة، والأكل والشرب واحد، ويسكنون في بيت عشرين سنة، ومع ذلك هذا شمال وهذا جنوب، فيجب أن نفقه طبائع الناس، ونفقه دين الله ، وأن نستطلع مسالك الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإن مهمتنا البلاغ والدعوة والتوصيل.
والمهم من هذا كله أن نكون على طريق صحيح، أما النتائج والثمار فليست إلينا أبداً، ليس علينا أن يهتدي الناس، علينا أن نترسم طريقنا، وأن نعرف أننا على الحق، ولا يكون ذلك إلا بمراجعة أنفسنا، والتذاكر فيما بيننا، والرجوع إلى أولي العلم والفضل منا نرجع إليهم ونراجع أنفسنا فقط، أما أن نفترض أن الناس يهتدون بقولنا، أو أن الإنسان إذا طلع على منبر وقال: أيها الناس! اتقوا الله؛ فتراهم يخرجون يبكون ويتركون كل شيء، هذا لا يمكن، ولا أن تلاقي استهزاءً وسخرية، هذا لا بد أن تفترضه.
следующие страницы →