← Джавами‘

Джавами‘ · id 7735

دروس للشيخ صالح بن حميد

صالح بن حميد

Полный текст (918 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

المداراة والمداهنة في الدعوة إلى الله أما المداراة: فهي صورة من صور التعامل الدال على الحكمة والموصل إلى المقصود، مع حفظ ما للداعي والمدعو من كرامة ومروءة، وقد بوب الإمام البخاري ﵀ في صحيحه فقال: باب: المداراة مع الناس، ثم أورد حديث عائشة ﵂: أن رجلاً استأذن على النبي ﷺ فقال: ﴿ائذنوا له! فبئس أخو العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام، فقالت عائشة ﵂: يا رسول الله! قلت ما قلت ثم ألنت له القول، فقال: يا عائشة! إن شر الناس منزلة عند الله من تركه الناس اتقاء شره، أو اتقاء فحشه﴾. قال ابن بطال: المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، ولين الكلام، وترك الإغلاظ، وذلك من أقوى أسباب الألفة قال: وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط؛ لأن المداراة مندوب إليها والمداهنة محرمة، والفرق: أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه. وفسرها بعض العلماء بأنها: معاشرة الفساق، وإظهار الرضا بما هم فيه من غيرٍ إنكارٍ عليهم. والمداراة: هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق بالنهي -لأنك لا تقره على فسقه، لكن ترفق في الإنكار- عن فعله، وترك الإغلاظ عليه، حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولاسيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك. إذا تقرر هذا المعنى فهو الذي قد عناه الحسن البصري ﵀ في قوله: كانوا يقولون: المداراة نصف العقل، وأنا أقول: هي كل العقل. ومن الطريف -أيضاً- قول أبي يوسف ﵀ في تعداد من تجب مداراتهم، فعد منهم: القاضي المتأول، والمريض، والمرأة، والعالم يقتبس من علمه، لا تنسوا أن تداروا نساءكم؛ لأن القاضي أبا يوسف عد المرأة مما ينبغي مداراته. وأكثر ما تجري المداراة في اتقاء الأشرار والمكاره، وقد جاء في حكمة لقمان: يا بني! كذب من قال: إن الشر بالشر يطفأ، فإن كان صادقاً فليوقد نارين ولينظر هل تطفئ إحداهما الأخرى؟ وإنما يطفئ الخير الشر كما يطفئ الماء النار، وقد نُظم هذا المعنى في قول الشاعر: وإذا عجزت عن العدو فداره وامزح له إن المزاح وفاق فالنار بالماء الذي هو ضدها تعطي النضاج وطبعها الإحراق

стр. 877

إقالة العثرات والغض عن الأخطاء إن أسلوب المداراة المتقرر في الفقرة السابقة يقود إلى غض الطرف عن أخطاء المقصرين مادام طريقاً لاستصلاحهم، وإقالة عثرات العاثرين إذا كانوا كراماً ذوي هيئات، أو كان ذلك سبيلاً إلى دفنها وتقليلها، وإن شئتم برهاناً قريباً فاستذكروا قصة حاطب بن أبي بلتعة؛ تلك الواقعة الصحيحة، فهي صورة حية من صور الضعف البشري في لحظة من لحظات الزمن، مع أنه الصحابي البدري، ولكبر الزلة قال عمر بن الخطاب ﵁: دعني أضرب عنق هذا المنافق، ولكن النبي ﷺ صدق حاطباً حين أجابه ويحسن أن تسمعوا اللفظ. قال الراوي: ﴿فانطلقنا به إلى رسول الله ﷺ ، فقال عمر: يا رسول الله! قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني أضرب عنقه. فقال النبي ﷺ : ما حملك على ما صنعت؟ قال حاطب: والله ما بي ألا أكون مؤمناً بالله ورسوله ﷺ ، إنما أردت أن تكون لي عند القوم يدٌ يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحدٌ من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع إلخ﴾. قال حاطب للنبي ﷺ : والله ما بي ألا أكون مؤمناً بالله ورسوله، أي: والله إنني مؤمن، وصدَّقه النبي ﷺ ، لكنه ضعف بشري. فإذا عثر العالم، أو عثر رجل الدعوة، أو حتى رجل عادي من الناس؛ فمن المهم جداً إقالة العثرة، وأكثر ما أخذ الدعاة والجماعات والتجمعات الإسلامية هو نوع من التصنيف، إذا غلط من ليس من جهتهم أو إنسان آخر فإنها تكون سبة للدعوة، وهذا أسلوب لا يمكن أن يجتمع الناس بينما لو رأيتم سيرة النبي ﷺ ومسلك القرآن كما قلنا قبل قليل: ومنهم، ومنهم، ومنهم حتى تكون هناك عودة، ولا يسمى لأنه طريق -فعلاً- لاسترجاع الناس، أما إذا وُسم الإنسان وشُهر به، أو ذكر بعينه، فلا يكاد: يمشي بين الناس إلا مكابراً، وإما أن يهلك، نسأل الله السلامة! فالنبي ﷺ قال لـ حاطب: ﴿لقد صدقت ولا تقول إلا خيراً، أما علمت يا عمر أنه من أهل بدر، ولعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم﴾. إذاً: إقالة العثرة ليس إقراراً للباطل، ولكنها إنقاذٌ للواقع فيها، فحق لمن غلط أو زل أن يسمع كلمة صائبة، وأن يستضيء بشمعة أمل، من أجل أن يرجع إلى الجادة، ويسير مع الأخيار من الصحاب. يمر أبو الدرداء ﵁ على رجل قد أصاب ذنباً والناس يسبونه، فأنكر عليهم صنيعهم وقال لهم: [[أرأيتم لو وجدتموه في قليب ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى. قال: فلا تسبوا أخاكم، واحمدوا الله الذي عافاكم. قالوا: أفلا نبغضه؟ قال: إنما نبغض عمله، فإذا تركه فهو أخي]]. وكم عفا النبي ﷺ عن زلة، فعندنا -مثلاً- قصة الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ وهو مستلقٍ تحت شجرة ظلها كثيف، وكانوا راجعين من غزوةٍ، كما قال جابر في حديثه ﴿فتركناها للنبي ﷺ ، فعلق النبي ﷺ عليها سيفه، فجاء الأعرابي فأخذ السيف وخرطه، وقال: من يمنعك مني يا محمد؟ فقال الرسول ﷺ : الله، فسقط السيف من يده، فأخذه النبي ﷺ وقال: من يمنعك مني يا أعرابي؟ فقال: كن خير آخذ، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال: لا. -هكذا مصارحة- قال: ولكني أعاهدك ألا أقاتلك ولا أكون مع قومٍ يقاتلونك، فخلى سبيله﴾ رواه البخاري. فما قال: أمسكوه فإنه يريد قتل القائد، ويريد أن يقتل فلاناً من الناس فقضية مهمة وقضية كبرى، وهو يستحق القتل، لأنه شارع في القتل -كما يقال: شارع في الجريمة- ومع هذا قال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: لا. ولكن لا أعين عليك، فخلى سبيله فذهب، فقال لقومه: جئتكم من عند خير الناس، وهذه تكفي في الدعوة، فهذه القضايا من السيرة مهم أن نقف عندها.

стр. 878

الترغيب والترهيب إن كل ما تقدم من التأكيد على مسالك اللين والرفق والمداراة والغض عن الهفوات؛ ليس معارضاً لما هو معروف ومتقرر في مسالك الشرع من ضرورة سير الدعاة والمربين بين حالي الرغبة والرهبة، والرخاء والشدة، لكن المقدم في التعامل هو الترغيب والرفق، كما قال الإمام أحمد: والناس يحتاجون إلى مداراة ورفقٍ بلا غلظة، إلا رجلاً مبايناً معلناً بالفسق والعداء فيجب نهيه؛ لأنه يقال: ليس لفاسقٍ حرمة، فالمعلن المصر لا حرمة له. وطريق أنبياء الله ﵈ المذكور في القرآن مسلوك فيه النجدين: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [نوح:١ - ٤] كلها كلمات تنضح بالرقة والشفقة، وقال عن محمدٍ ﷺ : ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن:٨] إلى أن قال: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التغابن:٩] إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن:١٠] بيان لطرفي الترغيب والترهيب. إذاً: ترغيب لما وعد الله المحسنين في الدنيا، وحسن العاقبة في الآخرة ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف:١٣] وترهيب من وعيد الله وغيرته على حرماته، والخوف من أليم عقابه عاجلاً وآجلاً: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]. أيها الإخوة! فلعله بملاحظة هذه المسالك وأمثالها يتحقق الخير، وترشد المسالك، وتؤتي الدعوة خيرها الكثير، والنفوس تملك قدراً كبيراً من التأهيل في قبول ما عند الدعاة، وهي تحب سماع كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وتستفيد من المواعظ، وهي قريبة من الخير مستعدة له، فليفقه هذه السنن الدعاة إلى الله، وليحملوا الناس على توجيهات الشرع لا على جلبة الشارع -أي: السوق- وليجتنبوا المزالق والمنعطفات الخطيرة التي يتعمد أعداء الملة وضعها في الطريق وفق الله الجميع إلى سبيل الهدى، وأصلح الأعمال والمقاصد، وصلى الله على محمدٍ وآله وصحبه وسلم.

стр. 879

الأسئلة

стр. 880

كيفية التعامل مع المستهزئين بالدعوة والدعاة وردت إلينا أسئلة كثيرة ومعظمها صدرت بقولهم: إنا نحبك في الله يا شيخ. أحبكم الله الذي أحببتموني فيه، وجعلنا الله وإياكم وإخواننا الحاضرين والمستمعين من المتحابين فيه. السؤال كيف يتعامل الداعي مع المستهزئين الذي يسخرون من الدين من جهة، ومن طيب الداعي وحسن تعامله ووصفه بأنه درويش أو لا يعيش الواقع، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب أظن أن الدعاة في هذا العصر ليسوا أول من استهزأ بهم، بل هذا هو شأن الأنبياء، وأنتم الدعاة المخلصون -إن شاء الله- ورثة الأنبياء، وأسوتكم الأنبياء، والذين يخالفونكم ويعاندونكم ويعارضونكم قد عارضوا من هو أفضل منكم، وما لاقى الأنبياء في كثيرٍ من مواطنهم إلا الاستهزاء والاستكبار والاتهامات العريضة ساحر، مجنون، حتى قال الله لجميع الأمم: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذريات:٥٣] لما ذكر قصة إبراهيم، ثم موسى، ثم هود، ثم صالح، ثم نوح في سورة الذاريات، ثم جاء خطاب محمد ﷺ : ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات:٥١ - ٥٣]. إذاً: هذا مسلك يجب أن تعرفه، لابد أن تجد من يستهزأ، ولا بد أن تجد ممن يسميك درويش مغفل متحجر معقد، أما إذا كنت تريد طريقاً كما يقال بالتعبير المعاصر: مبسوطاً أو مفروشاً بالورود، فهذا لا يمكن: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤]. ولماذا اللين وإقالة العثرة؟ لأنك ستواجه أناساً، ولماذا كان الدعاة هم المنائر إلا لهذا السبب، أما لو كان كل من دعوته استجاب لما كان لك الفضل في أن يستجيب الناس، إنما فضلك الذي ترجو ثوابه عند الله أن تتحمل، ومهمتك هي البلاغ، والمشكلة والغلط أنك تظن أنك إذا دعوت فيجب أن يسمع هذا، ويفهم الناس ذلك فرسل الله عليهم الصلاة والسلام جميعاً ليس مهمتهم إلا البلاغ، ليس عليهم الهدى -بمعنى التوفيق والإلهام- أبداً، لا محمد ﷺ وهو أفضلهم ولا غيره. والنبي ﷺ ذكر أن النبي يأتي يوم القيامة وليس معه أحد، فليس مهمتك أن تقول لي: يا فلان! أصلح حالك، وإذا ما صلح تقول: أعوذ بالله هذا خبيث نعم أعوذ بالله، لكن مهمتك أن تبلغ، وحينما تبلغ لا يعني أنك تبلغ مرةً واحدة، بل تبلغ في كل حين، وليس مهمتك أن يهتدي الناس. يا أخي! أولادك تربيهم عشرين سنة البيئة واحدة، والمدرسة واحدة، والأكل والشرب واحد، ويسكنون في بيت عشرين سنة، ومع ذلك هذا شمال وهذا جنوب، فيجب أن نفقه طبائع الناس، ونفقه دين الله ، وأن نستطلع مسالك الرسل عليهم الصلاة والسلام، فإن مهمتنا البلاغ والدعوة والتوصيل. والمهم من هذا كله أن نكون على طريق صحيح، أما النتائج والثمار فليست إلينا أبداً، ليس علينا أن يهتدي الناس، علينا أن نترسم طريقنا، وأن نعرف أننا على الحق، ولا يكون ذلك إلا بمراجعة أنفسنا، والتذاكر فيما بيننا، والرجوع إلى أولي العلم والفضل منا نرجع إليهم ونراجع أنفسنا فقط، أما أن نفترض أن الناس يهتدون بقولنا، أو أن الإنسان إذا طلع على منبر وقال: أيها الناس! اتقوا الله؛ فتراهم يخرجون يبكون ويتركون كل شيء، هذا لا يمكن، ولا أن تلاقي استهزاءً وسخرية، هذا لا بد أن تفترضه.

стр. 881

الشعور بالرياء في الدعوة إلى الله وعلاجه السؤال فضيلة الشيخ: في كثيرٍ من الأحيان أجد حماساً شديداً للدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، كما أمر بذلك ربي ﵎، ووفق سنة رسوله ﷺ ، ولكن أثناء وبعد القيام بالدعوة أحس بالرياء مما أقلقني كثيراً، فبماذا تنصحونني جزاكم الله خيراً؟ الجواب أنصحك بالاستمرار في الدعوة وهاجس الرياء لا تلتفت إليه، إنما هو مدخل من مداخل الشيطان، خاصة إذا كان يكتب الله على يديك خيراً كثيراً، فالرياء عليك أن تتقيه -بإذن الله- أولاً: بمعالجة الإخلاص بينك وبين الله، لأن الرياء والإخلاص أمر قلبي لا يراه الناس -بينك وبين ربك- فإذا اجتهدت في الإخلاص ولو قال لك الناس: إنك مرائي، ولو قال لك الناس كذا وكذا، فالرياء والإخلاص عمل قلبي، ومن هنا كانت الصعوبة، وكان تفاوت الناس في الدرجات والمنازل في الإخلاص؛ فإن الإخلاص عزيز جداً، حتى إن الناس قد يصلون في صف واحد، وقد يتقدم البعض والآخر يتأخر، ويمكن أن يكون المتأخر أرقى؛ لأن أكله حلال -وهذا غير منظور- ولإخلاصه وحسن توجهه، واجتهاده في الاتباع، وحضور قلبه؛ هذه كلها تؤثر في القبول. إذاً: عليك أن تجتهد في الدعوة ما دام أن الله قد فتح لك بابها، أما هاجس الرياء فادفعه بالاستعاذة، والنظر في القضايا التي تظن أن فيها رياء. إذا كان مثلاً في مسجد الحارة، فاذهب إلى قومٍ لا يعرفونك وإذا كنت تجد نشاطاً عند الناس، هذا -أيضاً- يمكن أن تُعالج نفسك في الداخل، فمثلاً بعض الناس قد يصلي ويكون نشيطاً أمام الناس، فإذا ذهبت إلى البيت فصلِّ نوافل، والذي تعمله أمام الناس اعمله سراً؛ لأن عمل السر أخلص كما هو معلوم، لكن لا تتوقف عن عمل العلانية؛ لأن فرائض الإسلام منها ما هو علانية لا بد أن يكون أمام الناس، وليس رياءً؛ كصلاة الجماعة، والتمسك بالسنة، وتقصير الثياب كلها أمور ظاهرة، بل الصدقة يمكن أن تكون سرية أو علانية ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١] إذاً: هاجس الرياء قد يكون مدخلاً من مداخل الشيطان.

стр. 882

حكم المساهمة في الشركات والبنوك السؤال فضيلة الشيخ: أرجو أن تبصرونا عن المساهمة في الشركات والبنوك التي كثر حديث الناس عنها وخاصة شركة (صافولا) التي أسهمها الآن مطروحة؟ الجواب أما البنوك الربوية فالأمر فيها ظاهر، كبنك الرياض، والبنك الأهلي وغيرها من البنوك الربوية، لكن الشركات التي أصلها استثماري في أعمالٍ مشروعة مباحة، فالأصل فيها الحل، وأنا لا أقول هذا من عندي، وإنما شيخنا عبد العزيز بن باز حفظه الله يفتي بهذا، وأنا في مثل هذا أعلن لكم أنني مقلد، وفي كثيرٍ من القضايا، بل كل ما تسمعونه مني ليس من عندي، وإنما أسمع ممن أثق به من أهل العلم فأقول بقوله، فالأصل فيها الحِل، إلا من تبين له شيء لم يتبين للناس، أو كان في نفسه شيء، فالورع هو الأفضل.

стр. 883

أخبار الصلح بين المجاهدين الأفغان السؤال فضيلة الشيخ: ما هي أخبار الصلح الذي كنت أحد أعضائه في أفغانستان؟ الجواب عموماً الجهاد الأفغاني حينما ابتدأ لا شك أنه كان انطلاقةً انتشت لها الأمة، وأمة الإسلام أمة مجاهدة، وكان طريقاً -إن شاء الله- نحسبه سليماً وصحيحاً، وكانت الأمة متعطشة، ويجب أن نعرف هذا، وأن يعرف ولاة الأمور في كل بلاد إسلامية مثل هذا، وأن يعرفوا نفسيات الأمة وتطلعها ومصدر عزها، فالنبي ﷺ يقول: ﴿إذا تبايعتم بالعينة واتبعتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم﴾ فحينما ظهر الجهاد تطلعت الأمة ورفعت رأسها، وكان طريقاً لعزها، وكان جهاداً في سبيل الله ، وتحمس العلماء والدعاة والشباب والناس لهذا، وكان هناك صدىً واسعاً والحمد لله، ونحسب أنه لا زال كذلك، لكن لا شك أنه حصلت خلافات قديمة ليست جديدة -كما تعلمون- واحتكاكات وصراعات، وحصل ما حصل، ومن آخرها هذه الفتنة الأخيرة، والتي كنت واحداً ممن ذهبوا، وهي فرصة للإنسان إلى أن يطلع عن كثب إلى الأحوال والوقائع، والذي يمكن أن يقال في هذا مع الأسف: إن الخلاف سنة ماضية في البشرية كلها ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩] ولكن المهم الذي يجب أن نبحث عنه هو كيفية الخروج من الخلاف؟ وإلا فالخلاف لا يمكن الخروج منه ولا بد أن يقع، لكن كيف نتحكم فيه؟ حينما ننظر في سيرة صحب رسول الله ﷺ من بعده؛ نجد أنه أثيرت فيهم قضايا كبرى أوشكت أن تهدد مصير الأمة، وأحياناً قد تدخل قضايا عقدية، فقد اختلفوا في الخلافة، ووصل الخلاف فيهم إلى شيء كبير، حتى إنهم في أثناء المناقشات وحينما قال الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، وقال أبو بكر: أنتم الوزراء ونحن الأمراء، قال قائلٌ من الأنصار: أنتم قتلتم سعد بن معاذ، وصل الحال إلى أن قال عمر ﵁: بل قتله الله، أي: مات ميتةً طبيعية، لكن أراد الله وقال عمر لـ أبي بكر: ابسط يدك نبايعك، فبسط يده فبايعه فتتالى الناس حتى اتفقوا. إذاً: الخلاف يحصل، لكن علينا أن نحتويه، هذا هو المهم، على معنى أن نحتوي آثاره، وقد اختلفوا في كتابة المصحف، فاحتووه وما انشقوا، وعلى الرغم أن بعض الناس ما كان يرى -مثلاً- رجحان إمامة أبي بكر، ومع هذا سلَّم وبايع، وقد يرى بعض الناس رأي عمر في كتابة المصحف، حتى إنهم قالوا: نصنع شيئاً لم يصنعه رسول الله ﷺ ! ومع هذا لما اتفق ساروا عليه، وما انشق أحدٌ، وما بدع وما فسق، وقال: هذا شيء لم يفعله وهذا خلاف. وهناك قضايا كثيرة، والأوضح من ذلك قضايا كبرى تهم الأمة، مثل سواد العراق، اختلفوا فيه حتى قيل لـ عمر: انظر أمراً يسع المسلمين كلهم، فنظر عمر إلى ما نظر، ثم تبعه الناس، وما انشقوا عليه، وإن كانوا تفاوضوا واختلفوا ولكنهم ساروا مع رأي الإمام، وإن كان بعضهم يعتقد أنه مرجوح، وهذا مهم جداً، يجب -أيها الإخوة- أن تتنازلوا عن آرائكم ولو كانت في ظنكم راجحة، إذا كان في ذلك جمع الكلمة وما دام أنه في حدود، بل حتى ولو كان حقاً. عائشة ﵂ حينما كان النبي ﷺ يحدثها عن الكعبة ويريها أركانها، وقال: ﴿إن قومك قد قصرت بهم النفقة فبنوه على غير قواعد إبراهيم، ولولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لهدمت الكعبة ولأقمتها على قواعد إبراهيم﴾ فترك هذا الأمر وهو حق وهو الرسول ﷺ ، وكان ذلك بعد الفتح، وقد هدم الأصنام ولكن هذه تركها، قال العلماء: وفيه دليل على أن للعالم أن يترك أو يكتم ما هو حقاً في بعض الأمور إذا خشي على العامة. فالقضية خطيرة، وليست سهلة. ومن هنا لا أقول لكم إلا ما قال شيخنا عبد العزيز بن باز حفظه الله، فالقضايا العامة التي تمس الأمة يجب أن يكون لنا رأي موحد يصدر عن جهة معينة موثوقة، والشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله أصدر في أول الأمر ما أصدر، ثم أصدر بعد ذلك ما أصدر، فيجب أن نتوحد، ولا يمكن أن نصل إلى شيء وإنما هو تشقيق ثم يصل إلى اتهامات، ولا يمكن أن يكون إلا هذا. أنا لا أتكلم عن أفغانستان إنما أتكلم عن الذين هنا، فالأفغان فيهم ما فيهم، لكن لماذا ننقله هنا، بل -والله- إن الذي هنا أشد من الذي هناك من حيث نوع النقاش الذي يدور، فقبل أن أسافر وبعد أن جئت وأنا في مكة كان إخوة من الشباب الأفاضل يتحمسون ويصدرون ويتحدثون، فذهبنا هناك وكل ما لمسناه من الطرفين عندما استمعنا واجتمعنا وتحدثنا ونقلنا إلى كلا الطرفين ما يدور في الطرف الآخر، وكلٌّ نفى ما اتهم به بانت الحقيقة واتضحت، وإن كانت هناك اتهامات قد يكون لها أصل -وأنا لست في مقام التحقيق- وأيضاً يجب أن تعلموا حينما يكون هناك مصالحة أو نريد -فعلاً- عمل صلح لا يجب أن ندقق في النقاش، ولا يمكن أن نصل إلى هذا، ولجنة الصلح هي التي تدقق في القضايا التي يتصالحون عليها، أما حينما نصلح نحن هنا فعلينا ألا نغوص، لأننا إذا غصنا لا يمكن أن نصل إلى حل. هذا الذي يمكن أن يقال في المقام، والحديث يطول.

стр. 884

الإنكار على المجاهر بالمعاصي السؤال كيف أجمع بين إنكار المنكر والدعوة والنصيحة إذا قابلت مجاهراً بالمعاصي؟ الجواب لاشك أن تغيير المنكر على درجات، فالمجاهر بالمعاصي أحياناً قد تستطيع أن تنكر عليه بيدك، فهذا لك أن تنكر عليه كما لو كان أخاك الأصغر، أو كان تحت إمرتك أو إدارتك أو في مصلحتك في مؤسسة، أو في بيتك أو عملك وأنت تستطيع كما لو كان مدير مدرسة، أو مسئولاً عن مصلحة، أو رئيس مصلحة، هذا قطعاً يستطيع أن يزيل المنكر، فهذا لا شك أنه يملك، أو كان صاحب واجهة، أو كان مسئولاً عن الحي، أو كان له وجاهة بحيث يستطيع أن يأمر لما له من جاه ويسمع منه، هذا لا شك أنه له أن ينكر بيده، وينكر بلسانه، وهذا مبذول لكل أحد، والمجاهر لا بد أن تواجهه وتنبهه؛ لكن أحياناً ترى المجاهر يعمل كثيراً من المعاصي لأول مرة، فالذي تراه لأول مرة لاشك أن حقه أن تلين القول معه. نعم! أنت قد ترى في الشارع فلان بن فلان، لكن ترى كثيراً في معصية واحدة، ولا ترى إلا فرداً في شارع كذا وشارع كذا، عشرة منكرات أو منكر واحد في عشرة مواقع، وأنت تعلم أنك رأيت الموقع هذا لأول مرة، رأيته حينما تحدث صاحبه أو الواقع فيه، فعليك أن تنكر عليه بلفظك ولسانك، وإن كنت ممن ينكر باليد أو يملك ذلك بحكم سلطة أو موقع أو نحو ذلك فتنكر باليد ولا شك، ولا يسعك إلا هذا، وترتفع عنك المسئولية بهذا، أما إذا كنت غير ذلك فتنكر باللسان، وهذا موجود -ولله الحمد- في هذه البلاد، وإن كان دون ذلك فتنكر بالقلب.

стр. 885

المقصود بالهداية في قوله ﷺ : "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً " السؤال هل الهداية المذكورة في الحديث: ﴿لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً﴾ هي الهداية من الكفر إلى الإسلام أم أن الهداية عامة حتى للمسلم أو الفاسق؟ الجواب معلوم أن سبب البعثة في أصلها هي هداية الكفار؛ لأنها في بعث النبي ﷺ علياً إلى خيبر، وأعطاه الراية، وقال له: ﴿والله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾ فأصلها في هداية الكفار، لكن الذي يبدو -والله أعلم- أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالأمر أوسع من ذلك، وفضل الله واسع والله أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 886

مشكلات وحلول مشاكل الزواج كثيرة في هذا العصر، من أهمها عزوف كثير من الشباب عن الزواج؛ نتيجة الثقافة المادية المعاصرة. لذلك وجب الاهتمام بطرح المشاكل الموجودة في الساحة والقيام بطرح الحلول لها. هذا هو محور محاضرة الشيخ حفظه الله، ثم عقب بعد ذلك بالكلام عن الطلاق السني وثمرته، وأورد طرقاً ووسائل يجب أن تستخدم قبل الشروع في الطلاق.

стр. 887

إثارة بعض المشكلات وسوء تصويرها إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه ونثني عليه الخير كله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه بين يدي الساعة بالحق بشيراً ونذيراً: وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن دعا بدعوته، واهتدى بهديه، وسار على نهجه وطريقته إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة في الله: أحييكم بتحية الإسلام؛ تحية طيبة مباركة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والشكر لله على ما منَّ به ويَمُنُّ من نعم عظيمة، وآلاء جسيمة، أعظمها وأفضلها وأكبرها وأجلها نعمة الإسلام؛ فأكرم بها وأعظم من نعمة! ثم ما ييسره سبحانه بمنه وفضله من لقاءات واجتماعات بمثل هذه الوجوه الطيبة في مناسبات كريمة، ومن خيرها ما يعقد في بيوت الله من اجتماع لذكر الله ، والتذاكر فيما ينفع المسلمين، وفيما يفيد المجتمع بإذن الله. ثم الشكر لكل من أمر بمعروف، أو نهى عن منكر، أو أقام في الأمة خيراً أو دعا إلى هدى؛ ومن هؤلاء مكتب الدعوة في جدة جزاه الله خيراً، فإن له نشاطه الملحوظ، وله عمله المشكور؛ فهو يجمع الإخوة بمحبيهم؛ ليتذاكروا فيما ينفعهم، وفيما يحفظ عليهم أوقاتهم ويذكرهم بأمور دينهم ودنياهم. كما يزجى شكر خاص لأخينا: فضيلة إمام هذا المسجد الشيخ عدنان شاكر، فقد أحرجني كثيراً، لا لأن الموقف محرج، ولكن لأنني كنت أرده كثيراً وإن كان لحوحاً، والإلحاح في مثل هذه المواقف محمدة ومطلوب، وأرجو أنني لم أكن لئيماً، فقد كنت أعتذر كثيراً، ويعلم الله أن اعتذاري لكثرة المشاغل لا رغبة عنكم، ولا عزوفاً عن مثل هذه اللقاءات الطيبة، ولكنها ظروف ومشاغل قد تكون في مكة شرفها الله، وقد تكون خارج مكة، ولكن الله قد أذن بهذا اللقاء؛ فالشكر له سبحانه، ثم لكل من كان سبباً في مثل هذا التجمع الطيب المبارك. أيضاً العنوان اختاره الشيخ عدنان، ورغب أن يكون تحت العنوان الذي سمعتم: مشكلات وحلول، وأشار أيضاً إلى بعض المشكلات التي يستحسن أن يكون الحديث عنها كبعض مشكلات الزواج، سواء فيما يتعلق بالزواج ابتداءً أو انتهاءً، وما بين ذلك من أمور الأبناء وتربيتهم، ونحو هذه المشكلات، ولعلي أعرض إلى شيء منها بطريقة أرجو أن تكون واضحةً ومفيدة إن شاء الله، وإن كنتم قد سمعتم في هذا كثيراً، ولكنها أمور ينبغي أن نتذاكر بها، وأن نذكر أنفسنا، وبخاصة أننا أحياناً -مع الأسف- نلاحظ في بعض المعالجات -وبخاصة المعالجات عن طريق بعض وسائل الإعلام- أنها معالجات غير حكيمة، وتصوير لبعض المشكلات تصويراً خاطئاً، أو تكبير للشيء أكبر من حجمه، أو تهوين للشيء بينما حجمه أكبر من ذلك. فمن هذه المشكلات الاجتماعية على سبيل المثال: غلاء المهور العنوسة الطلاق تعدد الزوجات، وهذه كثيراً ما تجعلها بعض وسائل الإعلام سبيلاً لبعض المغرضين والمناوئين؛ ليبثوا بعض ما يريدون من سوء، من خلال تصوير هذه المشكلات وإثارتها. على سبيل المثال -وإن كنت قد لا أتعرض له هنا، لكن حتى أريكم كيف يكون الخطأ في الطرح لبعض المشكلات-: تعدد الزوجات يتكلمون عنه وكأنه قضية تقبل النقاش، بل أحياناً قد نرى من السماجة والسذاجة أنهم يقيمون استفتاءً يسألون الشاب فيه: ما رأيك في التعدد؟ ويسألون بنتاً أو فتاة: ما رأيك في التعدد؟ والتعدد مشروع، ولا يجوز أن يطرح هذا السؤال في مجتمع مسلم؛ لأن القضية ليست قضية أن التعدد جائز أو غير جائز، فهذا لا يطرح بهذا الشكل ولا يجوز أصلاً، ومن اعتقد أنه لا يجوز للرجل أن يجمع بين اثنتين -أحياناً- أخشى أن يكون كافراً، إنما القضية هل الرجل هذا مستعد؟ وهل توفرت فيه العدالة؟ أما أن يطرح السؤال بهذه الطريقة فهذا خطأ! والله يقول: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] فالقضية محسومة في أصل التعدد، إنما القضية هل الإنسان بذاته قادر أم غير قادر؟ هل هو يستطيع؟ وهذه قضية فردية. فالقضية لا يجوز أن تطرح بهذا الشكل. فقد نحسن الظن في كثير من أصحاب هذا الطرح لكنهم يغفلون لأنهم لا يفقهون، وقد يكون فيهم السيئ أحياناً. وأيضاً هناك مشكلات سوف نعرض لبعضها لنرى كيف ينبغي أن تطرح وتعالج. وأنا أثرت بعض أسئلة، وأحببت أن يكون طرحي إليكم عن طريق تساؤل ثم إجابات. فمثلاً: بعض الأسئلة التي تلمست أنها توجد إما عن طريق الصحافة، أو حتى أحياناً عن طريق بعض المجالس، أو من بعض الإخوة حينما يعالجون بعض المشكلات، مثلاً هذا السؤال ما مدى تأثير الجوانب المادية في إقدام أو عزوف الشباب عن الزواج؟ وهو يعني قضية المهر مثلاً.

стр. 888

الجوانب المادية في الثقافة المعاصرة وأثرها في قضية الزواج السؤال هل المهر مشكلة أو غير مشكلة؟ بل قد يُقال: هل هو مشكلة جوهرية، وهل تعالج القضية بالحد من غلاء المهور؟ إذاً هذه قضية. ولهذا قلنا: وهل غلاء المهور هو المشكلة الرئيسية أو الأساسية في العزوف عن الزواج؟ نقول في الإجابة: يبدو من هذا السؤال بحسب من طرحه؛ أن عزوف الشباب الملحوظ عن الزواج ليس بسبب الجانب المادي، إذا كان المراد بالمادة قلة ذات اليد -يعني: ما عنده فلوس- أما إذا كان الماديات في المصطلح المعاصر معناها أنه تغيرت أفكار الناس، بحيث صارت مرتبطة بالمادة. ولهذا أقول: إن الأمر في تقديري أكبر من ذلك، أي: أن القضية ليست مالية، بل عنده مشكلة زواج، إذ أن التأثير جاء من الآثار الكبيرة للمدنية المعاصرة بكافة معطياتها، وتكاد تكون في أغلبها معطيات سلبية، ولا سيما فيما يتعلق بالجوانب الروحية والفكرية، والعلاقات الاجتماعية. إذاًَ: فيجب أن نفقه أن القضية تكاد تكون تحولاً فكرياً عند كثير من الناس في الشباب في الفتيات بل حتى في الآباء والأمهات. تغيروا بحيث جعلوا القضية مادية، فيرددون: تأمين المستقبل لبنتنا! وهذا طيب. لكن هذه النظرة يلاحظ أنها ناشئة عن بُعدٍ عن رسوخ العقيدة بتوجيهات القرآن، فالله يقول: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢]. إذاً: لا نمنع الزواج من أجل فقر الزوج؛ لأننا لو كنا نعالج القضية علاجاً جوهرياً وصحيحاً لكنت أزوج الفقير وأعينه، لماذا أزوجه وأنا أتطلع لأن آخذ منه للأم وللبنت وللخالة وللعمة وغيرهن من أقارب الزوج. إذاً لن نحلَّ المشكلة بهذه الطريقة؛ لأن نظرتنا قاصرة، ونظرتنا إما أن تكون نابعة من تقاليد بائدة وبالية، وإما أنها بعيدة عن النظرة الإسلامية الصحيحة، أو أنها نابعة من مدنية معاصرة ترتبط بماديات، وبشهادات، ووظيفة، وتأمين مستقبل ونحو ذلك. ولا شك أننا لا نريد العاطل، ولا المهمل، ولا نريد المتسيب، ولا شك أن لنا فيه نظرة؛ لكن لا نحجم ونحجب شبابنا وفتياتنا عن الزواج بحجة هذا؛ لأنه لو تعاونا حقيقة، ولم نجعل المادة أو الفقر مقياساً؛ لما كنا في مثل هذا. ولهذا نقول: إن الذي أثر في نظرتنا وغير مقاييسنا، جاء من الآثار الكبيرة للمدنية المعاصرة بكافة معطياتها، وتكاد تكون في أغلبها معطيات سلبية، ولا سيما فيما يتعلق بالجوانب الروحية والفكرية والعلاقات الاجتماعية؛ فنظرة الشباب إلى الحياة قد تغيرت تغيراً سيئاً، غير محمود، تغيراً مقروناً بكثير من الخطأ والخلط، وأصبحت أغلب المقاييس عندهم مادية؛ فالمستقبل مادة، والتخطيط مادة، بل إن تقييمه لشريكة حياته يكاد يكون مادياً أو شبه مادي؛ ولهذا تجدون في الصحافة: الزواج بالمتعلمة الزواج بالموظفة الزواج بالعاملة؛ لأن المقاييس تغيرت، حتى صارت الصحافة تطرح هذه الأطروحات. إذاً تغيرت عندنا النظرة والتفكير؛ تغيرت تغيراً مشوباً بكثير من الخطأ والخلط، وأصبحت أغلب المقاييس مادية؛ فالمستقبل مادة، والتخطيط مادة، بل إن تقييمه لشريكة حياته يكاد يكون مادياً أو شبه مادي، فما يتلقفه الشباب من معلومات وأخلاقيات بطريق مباشر أو غير مباشر، عن طريق وسائل الإعلام بشتى أنواعها؛ مقروءة ومنظورة ومسموعة، له أثره الكبير في النظرة إلى الحياة، نظرة فيها بعد كبير عن التوجيهات والمقاصد الإسلامية؛ فالزواج في المجتمع المسلم يدين بتعاليم الإسلام ويتشربها في فكره وفي قلبه، ويفقهها ويمارسها سلوكاً.

стр. 889

الزواج في المنظور الإسلامي لو كنا نعيش الإسلام حقيقة في صدورنا، ونعيشه في سلوكنا وتحركاتنا، وفي أفكارنا، وفيما نتلقى ونلقي؛ لتغير الأمر. ولهذا نقول: الزواج في الإسلام منظور فيه لعدة أمور، فليس مادياً بحتاً:

стр. 890

الزواج غذاء للعاطفة الفطرية أولاً: أنه غِذاء للعاطفة الفطرية التي أودعها الله في بني آدم ذكوراً وإناثاً، والزواج أيضاً وضع لهذه الفطرة في الطريق الصحيح، لا سفاح، ولا انقطاع وتبتل، بل هو وضع لها في الطريق الصحيح المثمر، ولو أن ولي البنت أن الزواج غض وإعفاف وحشمة وكرامة؛ لما نظر نظرته هذه -الكبرى- للمادة، يريد أن يكسب من ورائها؛ ليعطي أمها، ويعطي خالتها، ويعطي عمتها، ويخطط لأمور يريد أن يكسبها عن طريق المهر، لو نظر نظرة حقيقية فيها كرامة، وفيها شهامة ودين من عفة، ومن غض بصر، ومن تثبيت للفضيلة، وإعمار للبيوت، وإكثار لنسل أمة محمد ﷺ ؛ لو نظر لهذه الأهداف؛ لكانت المادة جزءاً يسيراً. فقد شرعت المادة حتى يكون هناك نوع من القيمة التي لا تعدو أن تكون بنفس نسبتها.

стр. 891

الزواج إعمار للبيوت على أسس من الضبط والانضباط فلا حرمان من فشو الزواج يؤدي إلى انتكاسات، ولا إباحية تحط إلى البهيمية، وتلغي العلاقات الاجتماعية، وتهدم المجتمعات البشرية، وتؤدي إلى التبذل والامتهان. هذا أساس من أساسيات الزواج الإسلامي. أساس آخر لو أننا نفقهه كأولياء للبنات، وكدعاة للمجتمع وأولياء أمور وموجهين، ومسئولين أيضاً؛ البناء الآخر: وهو أن الزواج في الإسلام بناء للأسرة على أسس من الضبط والانضباط، فالأسر في العالم المعاصر تفككت، وفي الإسلام -إذا كنا نطبق الإسلام حقاً- يجب أن تبقى الأسرة متماسكة، ومع الأسف أن المد المعاصر خلخل الأسرة، ولو كنا نفقه الإسلام جيداً؛ يجب أن نحافظ على الأسرة، ونحوطها بسياج متين، ولا تكون المحافظة إلا حينما نزوج شبابنا وفتياتنا. إذاً: غرض الزواج كما أنه إشباع للفطرة وضبط لها؛ كذلك هو بناء للأسرة على أسس من الضبط والانضباط، يعرف كل طرف ما له وما عليه، ولعل ذلك يلحظ من مثل قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [النساء:٢١] لو كان الإنسان يفقه هذه الكلمة كزوج ويحترم هذه الكلمة التي جسدها النبي ﷺ بقوله: ﴿قد أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله﴾ لعلم أن الأمر ليس سهلاً، فالعلاقة الزوجية علاقة كريمة، وميثاق غليظ، ولكن كثيراً من المسلمين لا يفقهون هذا، فضلاً عن الممارسات الخاطئة في قضايا الطلاق، وفي قضايا أخرى. فإذاً المشكلة ليست مشكلة مهر إنما المشكلة أكبر من ذلك.

стр. 892

بقاء النوع البشري على النحو المجدي والمثمر الأمر الثالث في نظرة الزواج في الإسلام: بقاء النوع البشري على النحو المجدي والمثمر والنافع، المكافئ لما مُنحه الإنسان من عقل وتفكير، فالله خلق الإنسان وكرمه، وجعل له مزايا يفوق بها الحيوان، بل لا مقارنة بينه وبين الحيوان إلا من حيث أنه ينمو ويأكل ويشرب؛ ولكن لا نسبة؛ لأنه أعطي العقل والتفكير، وأعطي مع ذلك التكليف، ولما أعطي التكليف وكان قادراً على تحمل التكاليف كان مستخلفاً. فهو مسئول؛ فالله استخلفه في هذه الأرض وهو سائله: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود:٦١]. يعني: طلب منكم عمارتها. إذاً: النوع الإنساني يختلف عن سائر المخلوقات كلها، فخلق السماوات والأرض والجبال أكبر من خلق الناس، حتى الجمل أكبر من خلق الإنسان؛ ولكن الإنسان أعطي فكراً وصار هو المسئول: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب:٧٢] على كبرهن وضخامتهن: ﴿فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب:٧٢]. وإذا كان مسئولاً فلن يقوم بالمسئولية على تمامها إلا حينما تكون الأسرة منضبطة ومحترمة؛ ولهذا نقول مرة أخرى: بقاء النوع البشري على النحو المجدي والمثمر. فإن بقية الأنواع موجودة، وقد لا تنقرض بعض الحيوانات؛ لكن ليس هذا هو المقصود، بل المقصود أن يبقى النوع البشري على نحو مفيد، يعمر هذه الأرض على نحو ما أمره الله ، فيكون الإعمار المجدي والنافع مكافئاً لما منحه الله ووهبه، من عقل وتفكير، وليس مجرد -كما يقولون: بقاء النوع- فلو كان المقصود مجرد التزاوج؛ لحصل الأمر كما يحصل للحيوانات من غير بني البشر، فالحيوانات تتكاثر، ولا يوجد أكثر من الكلاب، فهي تتكاثر وتتوالد لكن هل هذه هي المهمة فقط؟ هل المهم أن يتكاثر الجنس البشري؟ لا. المهم أن يتكاثر تكاثراً منظماً يقوم على أساس القيام بمهمة التكليف، وهذا لا يكون إلا في أسرة كريمة. ومن أهم أهداف الزواج: بناء الأسرة وبقاء النوع على نحو نافع، ولو فقه هذا أولياء الأمور، والمسئولون، وحفظوا هذا لما كانت القضية المادية هي كل شيء، فلو كان المقصود مجرد التزاوج؛ لحصل الأمر كما يحصل في الحيوانات من غير بني البشر؛ ولكن هذا لا يمكن أن يلائم الإنسان المستخلف لعمارة الأرض، والسير على أمر الله .

стр. 893

القيام بمسئولية الأطفال وبناءً على ذلك يكون هناك أمر آخر: وهي مسئولية تترتب على هذا، وهي قضية الأولاد، فالحيوانات ليست مسئولة عن أولادها إلا بمقدار ما هداها الله من فطرة، بحيث تحميها صغاراً وترضعها فإذا رضعت نفرت، ولهذا أكبر طفولة هي في الإنسان فيبقى إلى أربع عشرة سنة وهو طفل؛ بينما ولد العنز في خمس دقائق يمشي على الأرض وانتهت القضية، وخمس دقائق ثم يضع فمه ويأكل، أما الطفل فيظل في حجر أمه فقط تسعة أشهر لا يكاد يتحرك فيها فضلاً عن أن يأكل بيمينه أو يأكل بيده. فأربع عشرة سنة وأنت تربي فيه، وقد لا ينضج إلا في حدود خمس عشرة سنة، فخمسة عشر عاماً كلها فترة تربية وتوجيه. إذاً هذا غير مفهوم للأسف، بل حتى يكاد يكون غير مفهوم في الأمم المتقدمة. إذاً: قضية البيت والأسرة لو فقهناها لتغيرت نظرتنا. ينبغي أن يفهم أبو البنت وأبو الشاب أن المهمة هي: العناية بالأولاد، والتربية، والحنو والعطف عليهم، من حيث الأبوة الكادحة، والأمومة الحانية.

стр. 894

أهمية قضية توزيع المسئوليات وأيضاً لو فقهنا مهمة البيت وعرفنا توزيع المسئوليات، ومع الأسف حصل خلط أثَّر كثيراً في التسيب حتى في الأمم المعاصرة التي تزعم التقدم، فتجد عندهم مشكلات نفسية، ومشكلات عصبية، ومشكلات إلى ما لا نهاية، بينما لو كان هناك سير على النحو الفطري الذي يدعو إليه الإسلام؛ المرأة لها وظيفة معينة، والرجل له وظيفة معينة، إذا تجاوز أحدهما الآخر حصل خلل، وبمقدار التداخل والفوضى تكون الانتكاسات، شئنا أم أبينا سنة الله . المرأة الأصل فيها أن تكون في البيت: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] وهذه قضية فطرية، وإخراجها لا بد أن يحدث آثاراً سلبية مهما كان، فالأصل أن المرأة مُنفقٌ عليها، والأصل أن المرأة تبقى في بيتها، والأصل في المرأة أن تكون مسئولة مسئولية أولية عن البيت في الداخل، والأب مسئول عنه في الخارج، فهذه قضية أساسية، الخلل فيها يؤدي إلى خلل في النسل، ويؤدي إلى خلل في الأبناء قطعاً. نعم. وهناك أشياء قد تكون إلى حد ما قابلة للنظر، وقابلة للتغيرات على حسب المقتضيات؛ لكنها لا تؤثر على الأصل، فأحياناً قد يكون التعليم مطلوباً، وتختلف درجات التعليم، ولكن يبقى معلوم أنه لا يعلِّم النساء إلا نساء، وكذلك أمور النساء لا يفقهها ولا يمارسها إلا نساء؛ لكن أيضاً تبقى المسئولية الأساسية هي البيت مهما كان. ولهذا أيضاً يلاحظ أن بعض المسلمين الذين أغناهم الله قد أوكلوا تربية أولادهم إلى غير الأمهات؛ إما إلى خادمة وإما إلى خادم وإما إلى مربية إلخ، وهذا يؤثر كثيراً، فتجد عنده قدرة مادية على أن يأتي بخادمة ومربية؛ لكن الخادمة يتعلق عملها بأمور بيتية تتعلق بالماديات، كطبخ أو كنس؛ لكنها لا تحسن بتربية الأولاد، فهذه مسئولية الأم كما أنها مسئولية الأب مباشرة. فبناء الأسرة وتكوينها في الإسلام مبني على أسس منها العناية بالأولاد والتربية، والحنو، والعطف، ولكن إذا سادت الماديات فعلى العطف السلام! إذا كانت العلاقة بين الزوج والزوجة أن لها راتباً وله مثلها، أو أن الزوجة تدفع والأب يدفع أصبحت المسألة مقايضة، لا أدري كيف سيكون شعور الطفل والطفلة حينما يعلم أن أباه وأمه يتحاسبان مادياً؛ أنا دفعتُ وأنت ما دفعتَ، يفتقد الحنو والعطف، ويفتقد الرحمة التي تظل البيت: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١] وإذا قلبناها إلى ماديات ذهبت المودة والرحمة. والتربية قضية أساسية في الأسرة ينبثق عنها حنو وعطف، أبوة تكدح في الخارج، وأمومة تحنو في الداخل، فيخرج الولد سوياً يرى أباه مكافحاً، عرقه يسيل من جبينه، ينفق ويكسب لأولاده، والأم يراها تدغدغ العواطف، وتحنو عليه في صدرها وفي حجرها، وغير خافٍ حرص الأبوين على تفوق أولادهم ونبوغهم؛ مما لا يتحقق في غير هذا الجو الأسري الحاني. إذاً العامل الرئيسي في عزوف الشباب عن الزواج: هو هذا الزخم من الثقافات والانتكاسات الفكرية، والغزو المخلخل والمفسد للمقاييس والمعايير، وليس هو غلاء المهور، أو ثقافة المرأة كما يبدو من بعض الكتابات، وإن كان لهذه أثر فمعالجته أيسر بكثير من معالجة الغزو الثقافي، الذي تستدعي معالجته النظر في مجالات كثيرة في التربية والإعلام وسائر موارد الثقافة. إذاً قضية المهور مشكلة، ولكن تبين لنا أنها ليست مشكلة أساسية، وكذلك قضية تعليم المرأة. والمرأة ينبغي أن تعرف أمور دينها، ولا يكون ذلك -غالباً- إلا بالتعلم، وهي لا تفقه أحكام عباداتها، وأمور دينها، وحسن تفقيه أولادها في حدود مقدرتها إلا بالتعلم، فالتعلم ليس سوءاً لذاته لكن السوء فيما يصاحب التعلم من أشياء لا يجوز أن تتعلمها ونحو ذلك، ويحرم التعلم إذا كان وسيلة إلى محرم، كما أنه يجب إذا كان وسيلة لواجب، وإذا كان وسيلة إلى مستحب فهو مستحب، فتعلم الوضوء واجب؛ لأنه واجب، فللوسائل حكم المقاصد.

стр. 895

قضية الزواج المبكر ومشكلة أخرى تثار كثيراً وهي قضية الزواج المبكر: فالزواج المبكر مشكلة من المشكلات، وتطرحه الصحافة أيضاً فتقول: ما رأيك في الزواج المبكر؟

стр. 896

من إيجابيات الزواج المبكر ومعلوم أن الإسلام يتمشى مع الفطرة، والإنسان عادة إذا بلغ صار له ميل إلى الزواج إذا كان إنساناً طبيعياً وسوياً. إذاً نقول: الذي يبدو أن الزواج المبكر فيه خير كبير، وإيجابيات تضمحل معها السلبيات إن وجدت، لماذا؟ لأن الزواج في أي مرحلة من مراحل العمر يؤدي إلى الاستقرار والواقعية في التفكير، والشعور التام بالمسئولية، وأنتم تلاحظون في آبائنا إلى أمد قريب -قبل ثلاثين سنة- كان أغلب الناس يتزوجون في السابعة عشرة والثامنة عشرة، فتجده قبل أن يتزوج غير مستقر، فإذا تزوج استحى؛ لأنه صار رجلاً، يعيش عيشة الرجال، ويشعر أنه قد اكتملت رجولته، وأنه لا يجوز له أن يمارس ما كان يمارسه حينما كان عازباً، وهذا أمر معروف. ولهذا نقول: الزواج في أي مرحلة من مراحل العمر يؤدي إلى الاستقرار والواقعية، فبدل أن كان المرء خيالياً تجده بعد الزواج قد صار واقعياً، يعرف قيمة الريال، ويعرف قيمة الوقت، ويعرف أنه محاسب، وهذا شيء جميل. وأنتم تلاحظون أولادكم، يكاد الواحد يبلغ ثلاثين سنة ولكنه صغير، مادام أنه يدرس في الجامعة، ولم يتزوج، ولو تزوج وهو ابن سبع عشرة سنة، ثم أصبح عنده ولد، فإنك تجده يستحي، فقد أصبح رجلاً، بينما يمكن أن يصل إلى الثامنة والعشرين من عمره وهو في المرحلة الجامعية -مرحلة دراسات عليا- ولكنك تراه صغيراً، وهو يرى نفسه أنه عالة، ولا يشعر بالمسئولية، حتى الموظف المتزوج تجده -غالباً- يشعر بالمسئولية أكثر من الموظف العازب. ولهذا نقول: الزواج في أي مرحلة من مراحل العمر يؤدي إلى الاستقرار والواقعية في التفكير، والشعور التام بالمسئولية؛ فلا يجنح به خيال، ولا يشق به تفكير، غير أن الناس كلما تقدم بهم عصر طالت في تقديرهم فترة المراهقة، ويصير الشخص اليوم ابن ثماني عشرة سنة أو عشرين ويقولون: هذا حدث من الأحداث، فإذا قبضت عليه الشرطة، قالوا: هذا حدث، بينما لو كان متزوجاً وقال لهم: أنا عمري ثماني عشرة سنة ومتزوج لحاسبوه حساباً عسيراً، وإذا كان في أربع وعشرين سنة ولم يتزوج لقالوا: ما زال من الشباب، وتعتبر هذه جنحة كما يسمونها في القانون، غير أن الناس كلما تقدم بهم عصر في هذه المدنية طالت في تقديرهم فترة المراهقة، حتى أصبح من بلغ خمساً وعشرين سنة أو أكثر من ذلك يعد مراهقاً، وإن كان طبعاً هذا قد يكون فيه نوع من التصوير التقريبي، وفي هذا إرهاق كبير، وهو لا يزيد المربيين إلا إرهاقاً ورهقاً، والله أحكم الحاكمين. حينما خلق الله الإنسان وهو أعلم بمن خلق، ربطت شريعته حد التكليف بالاحتلام أو بلوغ خمس عشرة سنة، فإذا بلغها الرجل حوسب محاسبة الرجال، وكذلك المرأة إذا بلغت خمس عشرة سنة أو حاضت. لا شك أنها هي السن التي يصبح الإنسان فيها مكتملاً، قادراً على تحمل المسئولية، والتكاليف الشرعية والاجتماعية، وأظن القارئ والمستمع ومن يسمع الآن أو يسمع فيما بعد، ومن يقرأ يشارك في أن نسب الطلاق في المجتمعات المتقدمة أعلى منها في الأمم المحافظة، وكلما دخلت أمة في المعاصرة ارتفعت نسبة الطلاق والخلافات الزوجية. إذاً: فالقضية ليست قضية مادية، أو قضية تأمين مستقبل، بل القضية قضية استقرار، وقضية استيعاب لمسألة البيت والأسرة، ومسألة الزواج، وليست هي قضية زواج مبكر وزواج غير مبكر. وأقصد بالأمة المحافظة أي: محافظةً دينيةً، وليست عادات جاهلية، ولا تقاليد بائدة بعيدة عن الإسلام، فهذه لا ميزان لها، إنما المحافظة التي تعني التدين والاستقامة، وتعني القيام بالمسئولية على وجهها، فهذه إذا وجدت قلت نسبة الطلاق. إذاً: نحب أن نؤكد هنا أنه لا ينبغي أن يعطى الجانب المادي أكثر مما يستحق في تقرير الزواج من عدمه، وقد قال الله : ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢] هذه آية حاسمة في أن الفقر لا يجوز أن يكون مانعاً لنا أن نزوج من يأتينا؛ ممن يُرضى دينه وأمانته وخلقه لما سبق ذكره. إذاً: هذه قضية تتعلق ببعض مشكلات الزواج سواءً في المهر، أو الزواج المبكر، وما استتبع ذلك من كلامنا استطراداً على البيت والأسرة.

стр. 897

قضية الطلاق وقضية الطلاق كثيراً ما يثيرها الكتاب، وأحياناً المسلسلات الإذاعية أو التلفزيونية، ولا شك أن هناك ممارسات خاطئة من المسلمين في موضوع الطلاق، ولكن الطلاق في حقيقته مشروع ولا يجوز أن يشكك فيه، بل منكره كافر بالدين؛ لأنه متقرر ولا شك، والإسلام دين واقعي، دين الحياة، ودين الفطرة البشرية، فلا يمكن التعامي أو التغافل عن الطبيعة البشرية، لماذا؟ لأنه قد يحصل خلاف، وقد يتبين عدم الوئام والتجانس على الرغم من كل ما وضعه الإسلام من احتياطات في الأسرة، فالأصل في الزواج أنه مبني على أسس تتعلق باختيار الزوجة، وأهمها قضية الدين والخلق، وأمور أخرى تأتي تبعاً، كالجمال ونحو ذلك؛ لكن الأساس هو الدين: ﴿فاظفر بذات الدين تربت يداك﴾ فإذا أخذ الإنسان بضوابط الإسلام في اختيار الزوجة، وكذلك الزوجة في اختيار زوجها؛ فإنه ستقل ولا شك نسبة الطلاق؛ لكن مهما كان فالطلاق مشروع؛ لأنه لا بد منه في بعض الأحوال؛ لأنه قد توجد مشكلة في البيت لا يحلها إلا الطلاق والانفصال؛ وأنتم تعلمون أن بيوتاً تقع فيها مشكلة لا يمكن أن تحل، يصلون فيها إلى حال لا يمكن لأحدهما أن يقبل الآخر، ويكاد بقاؤهما أن يكون كرهاً، وكل واحد سوف يظلم الآخر، وكل واحد سوف يتنكر لحقوق الآخر. إذاً: تأتي أحوال الطلاق والانفصال فيها هو المخرج، فالأصل في الزواج كما قال الله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١] فإذا لم توجد المودة ولا الرحمة فهناك حلول إسلامية تسبق الطلاق، وسوف أتكلم في هذا عن ثلاثة أمور: أولاً: المراحل التي تسبق الطلاق. والأمر الثاني: الطلاق المشروع. والأمر الثالث: أخطاء المسلمين في فهم الطلاق أو في إيقاع الطلاق. المراحل التي تسبق الطلاق:

стр. 898

مبدأ الكراهية ليس مسوغاً للطلاق أولاً: مبدأ الكراهية ليس مسوغاً للطلاق، يجيء إنسان ويقول: أنا لا أحبها. لماذا؟ هكذا ما أحبها. جاء رجل إلى عمر ﵁، فعرض عليه مشكلته مع أهله، فقال: [[أنا لا أحبها، قال: وهل لا تبنى البيوت إلا على الحب؟!]] وهذا حق. ومع الأسف أن الحب مما أساءوا إلينا فيه في وسائل الإعلام منذ عشرات السنين، فلا تكاد وسيلة إعلام إلا وتكلمك عن الحب المشين؛ حتى فسدت الأمزجة، فتجد الشاب يقرأ قصة غرامية، أو يسمع مسلسلاً إذاعياً أو تلفزيونياً، ويأتي إلى أهله وهو لا يرى إلا الذي في التلفزيون أو لا يتخيل إلا الذي في الراديو، ومعلوم أن هذا غير صحيح أبداً، ولا يمكن أن يوجد هذا الذي يُرى أو الذي يُسمع أو الذي يقرأ في الواقع؛ لأن طبيعة الإنسان حينما يعيش مع أهله خمس سنوات، أو عشر سنوات، أو عشرين سنة، فطبيعي أن توجد المشكلات، ولا يمكن تصور هذا الغزل المفسد والكلمات الساقطة التي يعبر عنها بأنها حب، هذا ليس هو الحب، ولهذا لم يعبر الله في القرآن بالحب، بل التعبير القرآني بالمودة، والمودة موجودة ولو بلغ عمر الواحد ستين سنة، كم تلاحظون من آبائكم وآبائنا، الواحد منهم عمره ستون سنة ويحنو بعضهم على بعض، هذه هي المودة، وليس الحب المشبع بالعاطفة التي تصوره الأفلام، فالله سماه مودة، ومع هذا أيضاً هذا ليس سبباً إذا لم يحس به الإنسان أن تكون العلاقة مفصولة. أولاً: مبدأ الكراهية ليس مسوغاً للطلاق، فالله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩] فلم يقل: فإن كرهتموهن فطلقوهن. إذاً القضية ليست هي مجرد قولك: أنا لا أحبها، بل القضية أن هناك مسئوليات، من بناء أسرة، ومفاهيم إسلامية واسعة، وكما قال عمر: [[وهل لا تبنى البيوت إلا على الحب؟!]] عندك أولاد وعندك المرأة ذات خلق ودين؛ كريمة، عفيفة، حافظة لنفسك، حافظة لنفسها، حافظة لمالك، حافظة لبيتك، أحياناً قد تتزوج صبية جميلة، وتفتن بها بينما هي سبب ضياعك وضياع مالك وأولادك، فليست هذه هي القضية، بل القضية أهداف عليا وعظمى في الأسرة، والله كم من امرأة شوهاء بَنَتْ رجالاً وأعدت أجيالاً، وكم حافظت وقامت بل لعلها قومت عوج زوجها وحفظته في سنين فقره وجهله، وحفظته في سنين بأساء مرت عليه، وقد لا يكون هناك حبٌ كبير، وقد لا يكون هناك جمال، وقد لا يكون هناك أشياء. وليس الخير والمصلحة دائماً فيما يُحب ويشتهى ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] بل قد تكون فيما لا يُحب ولا يشتهى، فالجهاد مثلاً: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] والنبي ﷺ يقول: ﴿لا يفرك مؤمن مؤمنة﴾ لا يفرك، يعني: لا يكره، أو ربما معناه: لا يطلق أو لا يبغض: ﴿إن كره منها خلقاً رضي آخر﴾ أنت حينما تكون بأعصابك وهادئاً، وجاء تفكيرك في قضية المفاصلة بينك وبين زوجتك، تنظر محاسنها، غالباً بنو البشر محاسنهم أكثر من مساوئهم، وليس هناك إنسان خالٍ من محاسن، بل لا يكاد يكون إنسان مساوئه (٥٠%) من أخلاقه، فغالباً المساوئ تُعد، لكن المحاسن لا تُعَد، أمانة ودين وخلق وكرم وصبر، لعلكم تجزمون معي أن النساء أصبر من الرجال في كثير من المواقف، تصبر وتتحمل الإهانة، والأذى والإيذاء، واللوم تتحمل كثيراً. إذاً: كما قال النبي ﷺ : ﴿إن كره منها خلقاً رضي آخر﴾. إذاً هذه القضية في الطلاق.

стр. 899

حل الخلافات عن غير طريق الطلاق قضية ثانية: حل الخلافات عن غير طريق الطلاق، الإسلام شرع طرقاً أخرى غير الطلاق، الطلاق يأتي في آخر القائمة، وآخر الدواء الكي، فحينما تنظر لمشكلاتك البيتية والأسرية تكون نابعة من أمر -أحياناً- لا دخل للزوجين فيه، تجيء مشكلة من أمها، أو من أبيه أو من أمه، أي: ليس لها علاقة بينهما، بإمكان الإنسان الحكيم أن يحل المشكلة. لماذا مشكلة الأم تجعلها على أم أولادك، أو مشكلة أو أبيك أو أبي زوجتك؟ إذاً: أحياناً المشكلة ليست نابعة من نفس البيت، بل من شيء خارجي، بل أحياناً تجدها تافهة، وقد يكون الزوج نفسه مسيئاً، كأن يكون صاحب أسفار، أو صاحب طرق ملتوية، فهذه قضية أخرى، وقد تكون المشكلة نابعة من أمر لا دخل للزوجين فيه، فقد يكون من تدخل أقارب الزوجين أو أحدهما في شئون هذه الأسرة الصغيرة، فما الحل؟ الحل يكون بتفقيه هذه الأسرة بمسئولياتها، والخطأ في تصرفاتها، أحياناً قد يذهب الزوج إلى بعض الوجهاء، أو إلى بعض أقاربه الوقورين، ويحكي له بطريقة معينة مؤدبة؛ ويستشيره في بعض الأشياء، بحيث أن هذا الوقور، وهذا الناضج العاقل، صاحب الكلمة النافذة يذهب إلى الأسرة ويتحدث معها، بحيث تحل القضايا بهذه الطريقة، أيضاً هذه طريق قبل الوصول إلى مرحلة الطلاق.

стр. 900

المراحل التي تسبق الطلاق فإذاً قد تكون المشكلة غير نابعة من الزوجين، لكن إذا تحقق الخلاف وكان سببه الزوجين، فيؤخذ في ذلك قوله سبحانه: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً * وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ [النساء:٣٤ - ٣٥] وقضية أخرى في الزوج: ﴿وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:١٢٨] إذاً هذه كلها مراحل قبل الطلاق إذا كانت هناك مشاكل.

стр. 901

الوعظ المرحلة الأولى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] النشوز: هو الخروج عن الطاعة، فإذا خفت أن زوجتك فيها نوع من النشوز والتعالي وعدم الاستجابة، وإعطاء الحقوق فيبدأ الوعظ، والوعظ قد يكون سلماً طويلاً، وقد يكون طريقاً، وعظاً بنفسك، وعظاً بغيرك، وعظاً عن طريق وسائل جميلة؛ خاصة في وقتنا الحاضر، قد يكون شريطاً، قد يكون كتاباً، هذه طرق للوعظ، تذكرها وتجلب لها أحاديث رسول الله ﷺ ، تجلب لها كتاب رياض الصالحين وتجلب بعض الكتب، خاصة في الوقت الحاضر -أيضاً- ظهرت كتب جميلة في تربية الأولاد، وفي حق الزوجة، ليفقه الزوج وتفقه الزوجة، ويكون ثمَّ حل. إذًا: الوعظ والتذكير وقد يكون بالتخويف من الله ، وقد يكون بذكر الأسرة ومصيرها، والأولاد ونحو ذلك، وقد يكون بعرض المشكلة فيما بينهما: الإيجابيات والسلبيات والحلول والأطروحات إلخ.

стр. 902

الهجر في المضجع ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء:٣٤]. المرحلة الثانية: الهجر في المضجع، ولاحظ التعبير القرآني فما هو المضجع؟ يعني: الفراش، لا تهجرها في البيت أمام الأطفال، ولا أمام أمها، هذه ليست تربية، التربية بينك وبينها، والهجر في المضجع شديد على النساء؛ لأن القضية سرية، ويجب أن تبقى قدر الإمكان سرية؛ وليس إذا حدث حدث رفعت سماعة الهاتف: يا أمي! زوجي فعل وفعل، وهو كذلك يتصل. هذا ليس من مسالك الإسلام، مسالك الإسلام أنه كلما كان سراً كان أقدر على الحل، وإذا خرج زادت المشكلة، ولهذا نعرف فيما يُعرض أن بعض النساء عندها من التحمل ما لا تكاد تذكر لأهلها أي كلمة، ولا يعرفون شيئاً، وهو يحافظ على البيت، ويحافظ على السرية، كما أن بعض الأزواج كذلك يجب أن يحفظ سر بيته ويعالج قضاياه بنفسه قدر ما يستطيع ولا ينقل إلى الآخرين شيئاً أبداً، ولهذا قال: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء:٣٤] يعني: في الفراش، في غرفة النوم، وليس أمام الأولاد فلا يعرف الأولاد شيئاً، ولا ينبغي، ولهذا من الخطأ رفع الأصوات أمام الأولاد تشاجراً وسباً؛ فضلاً عن أنه يسب الأولاد ويسب أمهم، بل ويسب نفسه ويقول: يابن الفلان، يابن كذا وكذا، وهو يعني نفسه! هذا ليس سلوكاً، ولا تحل به المشكلات، ينشأ الابن وهو يرى أباه سباباً لأمه ولنفسه ولولده وللناس أجمعين. ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء:٣٤] هجر في المضجع لا ينبغي أن يتجاوز دائرة الزوجين نفسيهما.

стр. 903

الضرب ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] الضرب أيضاً ضرب تأديب لا ضرب تعذيب؛ إذا كان الضرب مفيداً، وإذا كان لا يفيد؛ لا تضرب؛ لأن النبي ﷺ قال: ﴿واضربوهن ضرباً غير مبرح﴾ غير مؤلم، ومثَّل النبي ﷺ : ﴿لا يضرب أحدكم زوجه ضرب العير ثم يأتي من الليل ويعلوها﴾ تضربها في الضحى وفي الليل! هذه بهيمية، فإذا كان هناك ضرب؛ فيكون للتأديب، هذا إذا كنت ترى أن الضرب يفيد، أما بعض الناس -فيما ينقل لنا- فإنه يضربها بالعقال أو بسوط، وهذا ليس بضرب، وهو لا يؤدب ولا يفيد، إنما يراد ضربٌ يؤدي -فعلاً- إلى نتيجة، لكن الذي لا يؤدي إلى نتيجة لا يجوز؛ لأنها مسلمة ولا يجوز أن يُعتدى على مسلم بغير حق، ولا يجوز ضرب التعذيب؛ إلا إذا كان حداً شرعياً، فهذا شيء آخر، والحد الشرعي له درجات أيضاً أربعون، ثمانون حتى الموت، وهذا شيء آخر. حتى التأديب لا يجوز أن يضرب فوق عشر، فينبغي للضرب أن يكون للتأديب لا للإيذاء والتعذيب، هذا إذا احتيج إليه ويكون في آخر المراحل أيضاً؛ لأن المرأة أحياناً من مجرد رفع الصوت تبكي مباشرة، أو حتى قد يكون فوق ذلك بقليل، مع أني أنصح فعلاً أن الإنسان بقدر ما يستطيع عليه أن يلاحظ طبائع النساء وألا يلجأ كثيراً إلى التعنيف؛ لأنك إذا كنت رجلاً كثير اللوم والشكاية، يكون كلامك لا قيمة له، لا مع أولادك ولا مع زوجتك، فالذي يكون كثير الشكاية والكلام، والسب، ولا يأكل إلا ويسب، ولا يدخل إلا وجبينه مقطب وعيناه جاحظتان، هذا ليس بصحيح! إنما ينبغي أنك تتحرى أنك لا تتكلم حتى ولو كان في نفسك شيء، فلا تكن دائماً كثير الشكاية لا مع نفسك ولا مع أولادك. وهذا فيما يتعلق بالزوجة.

стр. 904

الصلح أما فيما يتعلق بالزوج، فإن الله يقول: ﴿وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحا﴾ [النساء:١٢٨] إذا رأت المرأة أن زوجها هو الذي فيه العلة، والمشكلة منه وليست منها: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً﴾ [النساء:١٢٨] نشوزاً: بمعنى أنه يقصر في حقها، أو إعراضاً، يعني: ضعف في الميول إليها؛ وقصة سودة هي قصة سبب نزول الآية، وذلك أن زوجة النبي ﷺ ﵂ كبرت وكأنها أحست أن النبي ﷺ لا يميل إليها في ليلتها، فأرادت أن تبقي على زوجتيها مع النبي ﷺ فقالت: ﴿يا رسول الله! إنني أترك ليلتي لـ عائشة وأبقى زوجة﴾ فإن تنازلت -يعني: نوع من الصلح- عن حقها، فهذا نوع من الصلح فأحست بإعراض فتنازلت؛ فجعلت ليلتها لـ عائشة، فأحياناً قد تعمد المرأة إلى هذا؛ لأن المقصود هو المحافظة على الزوجية والبيت والأولاد؛ لأنه لا أشق على الرجل وعلى المرأة أن يكون أرملاً، أو أن يكون من غير زوجة ومن غير زوج، فهو أمر شديد وغير طبيعي، وأمر يؤدي إلى سلبيات كثيرة في المجتمع، فمن هنا ينبغي أن يحافظ عليه الزوجان وأن يعينهما المجتمع، فالمجتمع بنفسه يتعاضد ويتعاون في أن يهيئ الأجواء الكريمة لجميع البيوت وفي أن تعيش في عيشة رضية، فيعيش الزوجان فيما بينهما مع أولادهما.

стр. 905

التحكيم وإذا لم يجدِ هذا ولا هذا هنا لا يلجأ إلى الطلاق: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:٣٥] وهذه لا تكاد تكون موجودة أبداً في الناس، إنما في ليلة وعشية إلى طالق بالثلاث وذهبت -نسأل الله السلامة- وتصبح المرأة تذهب إلى بيت أهلها، وزوجها قد قال هذه الكلمة في الليل!! ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥] وعد من الله : ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥] شرط وجزاؤه، وما وعده الله سيقع حتماً: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥] وهذه من أهم القضايا، فإذا وصل الحال أنه ما نفع هجر ولا تأديب ولا ضرب ولا وعظ ولا تنازلات ولا غيره، إذاً: يلجأ إلى الحكم من أهله، والحكم من أهلها، وهؤلاء يكونون عقلاء، فاهمين القضية بحيث تُحل: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥] طبعاً اختلف المفسرون ﵏ فيمن هو المخاطب في قوله: (يريدا) هل هو الزوجان أم الحكمان، على كل حال والحل مطلوب من جميعهم، من الزوجين ومن الحكمين، ولهذا يروى أن عمر ﵁ وضع حكمين في مشكلة عائلية فجاءا فقالا له: [[لم نستطع التوفيق، فقال: ارجعا أصلحا نيتكما]] ما معنى أصلحا نيتكما: غالباً قد يكون أحدهما انحاز، يعني: مال إلى أحد الطرفين، قد يكون مال إلى عائلته أو إلى أهله لأنه واحد من طرف، وواحد من طرف؛ فإذا لم يريدا إصلاحاً لا يكون التوفيق، أما إذا أرادا الإصلاح يكون التوفيق، فقال عمر: [[ارجعا فأصلحا نيتكما صدق الله وكذبتما ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥]]] فيقال إنهما رجعا وأعادا القضية فحصل التوفيق. إذاً هذا وعد من الله . إذاً هذه مرحلة.

стр. 906

الطلاق المشروع إذا لم تجدِ جميع هذه المراحل ولاحظوا طولها وكم سوف تستغرق؟ حينها يُصار إلى الطلاق، وإذا وصلنا إلى الطلاق كيف يكون الطلاق؟ الطلاق المشروع لا يكاد يعرفه أحد من المسلمين العامة، أو لا يفقهه أحد، أو لا يمارسه أحد مع الأسف، الطلاق المشروع: هو الطلاق السني، والطلاق السني: أن يطلقها في طهر لم يطأها فيه طلقة واحدة؛ لأن الطلاق هنا شرع -أيضاً- طريقاً لحل المشكلة من جهتين: إما أنه فعلاً يحلها وتعود، وإما أن يحلها وفعلاً تنتهي، فتكون مفاصلة، فإذاً شرع طلقة؛ لأنها الحل ولا يكون الطلاق سنياً إلا أن يطلقها في طهر لم يطأها فيه طلقة واحدة، ما معنى ذلك؟ مثلاً: اختلف الزوجان، ومروا بالمراحل التي ذكرنا: الوعظ، والهجر، والضرب، والحكمين، وما نفع، إذاً نقول له: طلق، فيجيء فيقول: زوجتي حائض، نقول له: انتظر زوجتي نفساء، نقول له: انتظر. إذاً حينما يفكر فعلاً وينتظر وقد تكون طاهراً ويقول: إني وطأتها، فنقول له: انتظر حتى تحيض، ثم تطهر، ثم طلقها، غالباً قد يستغرق هذا عشرين يوماً، فالعشرون يوماً هذه وهو يفكر: والله أنا عندي نية أني أطلق زوجتي، متى؟ بعد عشرين يوماً؛ لأن هذا الطهر قد وطأتها فيه وسوف تحيض، وهي أيضاً تفكر، إذاً أمامكم فرصة، فبعد عشرين يوماً في اليوم الفلاني سيكون كذا؛ لأنه سيكون كذا، إذاً يفكر فيها حقيقة وفرصة للتفكير ماذا سيترتب على الطلاق، الأولاد، البيت، غالباً إذا فكر في الطلاق يتذكر المحاسن، بل حينما يطلق تجده يبكي؛ لأنه تذكر المحاسن، تذكر محاسن زوجته وهي تذكرت محاسن زوجها، وتذكروا الأولاد ومصير الأولاد.

стр. 907

فوائد الطلاق المشروع الطلاق شرعه الإسلام لحل مشكلة وليس لإيجاد مشكلة، ومع الأسف فإن الناس يجعلونه يخلق مشكلة. إذاً: حينما يطلقها في طهر لم يطأها فيه غالباً يحتاج إلى وقت، فهو غالباً قد يكون في طهر قد وطأها فيه أو تكون حائضاً، حينئذٍ يطلق، وإذا طلق طلقة واحدة، الطلقة الواحدة هذه تكون في العدة، عدة لا تقل على ثلاثة أشهر، ثلاثة أشهر وهو يفكر وهي تفكر كم سيتذكرون المحاسن؟ كم سيتذكرون المشكلات؟ وبعد ذلك كيف ستكون حالهم؟ فإذاً الطلاق المشروع هو الطلاق السني كما قلنا: إذا أراد أن يطلق، يطلق في طهر لم يطأها فيه، فإذا طلقها طلقة واحدة، إذاً تكون العدة إما ثلاث حيضات إذا كانت ممن يحيض، أو ثلاثة أشهر إذا كانت يائسة، أو وضع الحمل إذا كانت حاملة: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] هذه واحدة. فإذاً: في الإسلام إذا طلقها طلقة واحدة، هي ما زالت زوجة، وتجلس في البيت، لكن كيف يكون شعور الزوج وقد طلق زوجته وهي في البيت داخل غرفة طبعاً غير متحجبة فهي زوجة، أنا أتصور أنه لو كان قريب عهد بوقاع سوف يتعلق بها، ولهذا الله يقول: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق:١] فتجلس حتى تكون أمامه؛ فإذا كانت أمامه غالباً يكون الوقاع، ويكون طبعاً مراجعة، حتى يقول بعض الفقهاء: لو قبلها كانت مراجعة. إذاً: الإسلام أتى بالطلاق لا ليخلق مشاكل، إنما ليتخلص من مشاكل، فهو إما أن يتوب فعلاً إذا كانت المشكلة عويصة، وسوف تنتهي العدة وتستريح بإحسان، وإما أنهما يستعيدان المحاسن والقضايا، وحينئذٍ تعود المياه إلى مجاريها. فإذاً طلاق واحد، وعدة ثلاثة أشهر، وثلاث حيض، وموجودة في البيت ماذا يبقى؟ اجلسي وراجعناك، فالقضية تعالج بهذا الطريق، بالله من يفقه مثل هذا ومن يمارس مثل هذا إلا من رحم الله، بينما الحاصل أن الرجل لا يجد شيئاً يذكر كأن يجد العشاء مالحاً وهي في الساعة الحادية عشرة من الليل فيقول: ما هذا؟ ثم يطلق بالعشرة أو بالخمسين، ولا تأتي الساعة الثانية عشرة إلا وهي في بيت أبيها وانتهت القضية. أو أن الثوب ليس مكوياً أو الزرار مقطوعاً، أو أن الولد لماذا يبكي أو البنت لماذا تصيح، فهذه ممارسات تعلمون أنها تدل على أكثر من أن نسميها حمقاً، ومعلوم أن الطلاق ما شرع لمثل هذا.

стр. 908

الفهم الخاطئ لتطبيق الطلاق عند المسلمين إذا كان ما تقدم هو الطلاق السني فظاهره أن المقصود هو علاج مشكلة الخلاف بين الزوجين عن طريق هذا التصرف الذي هو عبارة عن وقف للعلاقة الزوجية، وليس فصلاً لها أو حسماً، فيتوقف وينظر، ومثله هذا إذا أوقفت موظفاً وقلت أوقفوه، يعني: لا فُصِل ولا شيء إنما موقوف حتى يُتحرى في القضية، وليس فصلاً لها أو حسماً لعلاقتهما، إنه أشبه بإيقاف موظف كما قلنا ريثما يُدرس الموضوع. أما ما يتعاطاه المسلمون في أمور الطلاق أو كثير من المسلمين في أمور الطلاق، فهم بعيدون فيه عن الأحكام الصحيحة، والمقاصد النبيلة لهذه الأحكام. إنهم يستخدمون الطلاق كسلاح يشهرونه في وجه المرأة إن لم تفعل كذا، كقولهم: إذا ذهبت لأمك إذا ما طبختي إذا ما أكلتي إذا ما وقفتي إذا ما قعدتي سبحان الله! إن لم تفعل كذا، أو إن أقدمت على كذا، أو إن لم يفعل فلان كذا، حتى أحياناً يدخلها في مشكلة وهي مسكينة جالسة في البيت وهو في المكتب؛ يا فلان! إذا ما جاء الملف تركتها! ما علاقة بنت الحلال في المطبخ في الملف الذي عند فلان؟! فمع الأسف أن هذه هي الممارسات الخاطئة! إن لم يفعل فلان كذا فزوجته عليه كذا، وما ذنب هذه المسكينة التي في بيتها مع أطفالها؟! ومن الفهم الخاطئ كذلك أن المطلقة حينما تسمع هذه الكلمة الثقيلة تخرج من البيت وتذهب إلى أهلها، وهذا خطأ، فحتى المطلقة طلاق السنة تبقى في بيت زوجها، بل سماه القرآن بيتاً لها: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١]. لعلي أكتفي بهذا القدر وأعرف أن الحديث يطول وينبغي أن يطول؛ ولكن حسب الوقت المتاح وأرجو أن تتاح فرصة أخرى في مناسبات قادمة، وأسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 909

الأسئلة

стр. 910

حلول عملية ونصيحة للأبناء والآباء في قضية الزواج السؤال فضيلة الشيخ! لقد ناقشتم المشاكل التي تحيط بقضية الزواج وأوضحتم بما فتح الله عليكم به حلول هذه المشاكل، وهناك بعض الناس نسأل الله أن يوفقنا وإياهم لما يحب ويرضى قائمون بعملية التوفيق بين الشباب والشابات، فنريد حلولاً عمليةً، ونريد نصح الآباء والإخوان على ذلك؟ الجواب أرجو أن ما ذكرته فيه إشارات إلى مثل هذا فيما يتعلق بالآباء والأمهات، والذي هو في موضوع القضايا المادية، لا يجوز أن تكون هي المشكلة -وكما قلت- فمع الأسف تغيرت المقاييس عند الناس، أكثر ما يؤثر في الناس القضايا المادية؛ إذا كان موظفاً أو موظفة أو كانت بينهما محاسبات، فكثيراً ما يكون هو المشكلة، ولا يكون الحل مفيداً غالباً إلا حينما يترفع الآباء والأمهات عن محاسبة أولادهم وبناتهم في هذه القضايا. وأيضاً ينبغي للزوجين حقيقةً إذا كانوا ممن وسع الله عليهم، أو كان لهم أشياء ألا ينسون، فالآباء لهم حق ولا شك، والأمهات لهن حق، وينبغي أيضاً أن يعذر الأب والأم حينما يتعلق بابنه أو يتعلق بابنته؛ لأن الأب والأم يشعران فعلاً -وهم محقان- أن على أولادهما ديناً في أعناقهم نحو أبيهم وأمهم وهذا حق، وينبغي للبنت أن تحسس وتشعر أباها وأمها فعلاً أن لهما معروفاً، وأن لهما جميلاً، وأنها مطوقة بجميل يجب أن تؤديه، فيجب أن تشعر بهذا حتى ولو بالكلمات الطيبة أحياناً، وقد لا يلزم أن يكون كل ذلك عن طريق المادة؛ وإنما حتى عن طريق الاعتراف بالجميل، فهذا مما يشرح الصدور ويجعل النفوس تتقارب، أما تعطي مالاً وأنت غليظ القلب وغليظ اللسان فهذا لا ينفع، فالكلام الطيب والكلام اللين والهدايا هذه ينبغي أن تسود بين الأسر، فإن في هذا حلاً لكثير من مشكلاتهم مع أنه -كما قلت- يجب أن نصحح كثيراً من المفاهيم، وبخاصة ما يتعلق بالماديات، بحيث ننشر فينا الأخلاق الكريمة والشهامة والمروءة والعفة والترفع عن أوساخ الناس.

стр. 911

قضية الزواج بالثانية ونصيحة لمن يواجه مشكلة فيها السؤال أنا شاب متزوج، وأريد الزواج من أخرى، وقد حاولت كثيراً ولكن دون جدوى، فإنهم عندما يعلمون أني سأتزوج؛ لا يوافقون على زواجي، فهل من نصيحة؟ الجواب بعض الإخوة إذا عرفوا أنه متزوج أو عرفوا أن عنده أولاداً حتى ولو كان أرملاً، فإن بعض الناس لا يرغبون فيه، وهذا يسبب نوعاً من التخوف على مستقبل الزوجة، فيكون هناك نفرة وشيء من التنغيص، وكذلك إذا كان عنده زوجة؛ لأنه توجد الغيرة بين النساء، وهذا أمر طبيعي وجبلي لم تسلم منه حتى أمهات المؤمنين اللاتي طهرهن الله وأذهب عنهن الرجس؛ لكن أيضاً هذا يخضع للتوعية حقيقة، لكن هذه قد تعالج، لكن بشكل عام من الصعوبة أن تتحكم في عواطف الناس ولو قلت كلاماً عاماً، ومقابل هذا نلاحظ نساءً -حقيقة- فضليات قد خطبن هن لأزواجهن فتيات كريمات؛ لأنهن يعشن مشكلة، أو عندهن إحساس بالمشكلة، فهذا مقابل هذا، ومع هذا أنا أرى أنك تحاول -مثلاً- ممن تخطب منهم أنك توسِّط أناساً، وخاصة إذا كانوا من ذوي التأثير بالكلمة، أو بالعقل والرزانة، أنه من الممكن أن يقنعوا من تخطب منهم بأن يرضوا بوضعك.

стр. 912

مسئولية الأب في تزويج ابنه السؤال يا شيخ! أنت تقول أن الزواج المبكر نافع، ولكن بعض الآباء يقول للابن: ما زلت صغيراً وما زلت طالباً، فيرفض وإن كان ابنه قد اكتمل عقله، وأيضاً هؤلاء الآباء يعتقدون أنهم غير مكلفين بتزويج الأبناء، رغم أن الولد يقع في المحرم؛ لأنه كبير وقد بلغ، وأبوه مستطيع أن يزوجه ويعطيه المال، بل أن بعض الناس قد يعطي ابنه في اليوم خمسمائة ريال كمصروف، فهل من نصيحة؟ الجواب هذا هو عين المشكلة التي أثرناها وهي قضية أن الآباء والمجتمع عموماً قد أوتي من نوع الثقافة التي جلبت، ومن خلال وسائل الإعلام كلها بأنواعها، بل حتى بما فيها من مسلسلات وصحف، وبما فيها من إذاعة وتلفاز، وبما فيها من قصص وكتب، حتى الكتب كثير منها يتحدث عن مثل هذا، خاصة في مثل هذا، حتى بعض الدراسات النفسية والتربوية تنحو هذا المنحى. فهو -مع الأسف كما قلت- نوع من الانتكاس أو الخوف الفكري الذي انتاب كثيراً من الناس، وإلا فالقضية كما أوضحت وفصلت، وأما قضية أن يكون الأب ملزماً بزواج ابنه، فهذه القضية قد لا يكون فيها وضوح في الإلزام بأنه يجب عليه أن يزوجه، لكن لا شك أنه إذا كان قادرًا وعنده قدرة فهو مطالب إلى حد ما، وخاصة في عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢] أنكحوا: بمعنى زوجوهم، فهذا أمر وإن كان العلماء قد قالوا: إنه أمر للإرشاد وللندب والاستحباب، وليس للوجوب، ومع هذا لا شك أنه إذا كان قادراً على أن يزوج ابنه، وابنُه يُخشى أن يقع في محظور أو في محرم؛ فإني أخشى أن يتحول الأمر إلى إيجاب على اعتبار أنه ما أدى إلى محرم فهو محرم، وما كان سبيلاً إلى الواجب قد يكون واجباً.

стр. 913

حكم الزوجة التي لا تصلي السؤال فضيلة الشيخ! زوجتي لا تصلي فماذا أفعل معها؟ الجواب لا شك أن الصلاة هي عماد الدين، وهي أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين، ولا أعلم مسلماً ينتسب إلى الإسلام ثم لا يصلي! وبخاصة أيضاً إذا كانت في ديار الإسلام وفي مجتمع ولله الحمد مثل مجتمعنا! ومجتمعنا ولله الحمد ما زال يحظى بشعائر الإسلام ظاهرة ولله الحمد، ونسأل الله أن يديم علينا نعمته، وأن يعز دينه، وأن يعلي كلمته، وأن يبصر المسلمين بأمور دينهم، وأن يجعلنا مستمسكين بالحق، دالين عليه وهادين إليه، وأن يجعلنا هداة مهتدين. فنحن ما زلنا ولله الحمد على خير وأمور كثيرة ولله الحمد موجودة عندنا ومحافظ عليها لا تكاد تجدها في كثير من بلاد الإسلام ومن أهمها الصلاة، والصلاة عندنا معروفة ومقامة في جماعاتنا، وفي بيوتنا، وفي مساجدنا، ومظهر من أكبر المظاهر التي تدل على إسلامنا في هذه الديار ولله الحمد، فأستبعد حينها أن تكون مسلمة وتنتسب إلى الإسلام وهي ترى أمها تصلي وأختها تصلي بل بنتها تصلي أحياناً إذا كانت قد وصلت حد المطالبة بالصلاة؛ ثم لا تصلي! لا شك أن النصيحة الأولى هي أن تذكرها بالله ، وأن ترى ما يؤثر فيها سواءً عن طريق كتاب أو شريط أو عن طريق رفيقاتها وزميلاتها إن كان لها معارف من الصالحات ومن الجيران، أو من الأقارب والمعارف. فأنا أنصح -فعلاً إن صح التعبير- أن تسلط عليها بعض هؤلاء الصالحات ويتابعنها، قد تكون المتابعة بطريق مباشر أو غير مباشر، وتجتهدَ في هذا وتكثر منه ولكن تنوع في الطرق, لكن نسأل الله السلامة فيما لو لم تستجب ولم تقم بالصلاة وفعلاً أصرت، فإنها قد تكون مفارقتها ولاشك بعدما تفشل جميع الطرق والمحاولات أن تصلي نسأل الله السلامة- خيراً من إبقائها؛ لكن لا يكون ذلك إلا بعد الطرق التي أسلفت.

стр. 914

حكم زواج الأقارب وحكم استشارة الطبيب قبل الزواج السؤال ما رأيكم فيمن يرى منع زواج الأقارب، ويرى أن الزواج بالأقارب يسبب أمراضاً عديدة تصيب الجيل الجديد، منها التخلف العقلي، وهل يعرض الرجل والمرأة اللذان يريدان الزواج نفسيهما على الطبيب ليحدد ما إذا كان يمكن الزواج أو لا؟ الجواب لا شك أن الأصل هو الجواز والإباحة، بل في نبينا محمد ﷺ أسوة وأعظم بها من أسوة! حينما زوج ابنته علياً ﵄ وعن نسلهما، فهي بنت ابن عمه وهم أقارب، ولا شك طبعاً في الجواز ولا أحد يقول إنه غير جائز، لكن القضايا الطبية أو المعينة وهذه تبدو لي قضايا عينية، أما أن القاعدة كلها: منع زواج الأقارب فهذا ليس جائزاً، والفقهاء لهم كلمة قريبة من هذه فهم يقولون: الزواج من القريبة أصبر ومن البعيدة أنجب؛ هكذا يقولون؛ الزواج من القريبة أصبر؛ لأنها تصبر عادة وتتحمل كثيراً والمحافظة على الرحم والمحافظة على القرابة تجعلها تتحمل كثيراً، ومن الغريبة أنجب: بمعنى أن الولد يكون أكثر نجابة. وأيضاً ابن عمر أمر بالإغراب، أن يُغرب بمعنى يتزوج من البعيدة، فعلى كل حال لا شك أن الأصل هو الجواز، وأما إذا كانت هناك قضية خاصة، على معنى أنه إذا كان هناك فعلاً مرض معين أو حالة معينة يُخشى منها، كما لو كان في الأسرة مرض معين، مثلاً مرض وراثي؛ فهذا شيء آخر، ولا شك أن العلم الحديث توصل إلى ما لم يتوصل إليه الأقدمون، والأشياء المدركة بحس أو المدركة بشيء بشرط أن تكون فعلاً مقاييس معينة ليست تخمينية فهذه لا مانع من الأخذ بها.

стр. 915

حكم الخلوة بالمراهقة السؤال فضيلة الشيخ! ما قولكم في بنت تبلغ من العمر العاشرة وهي من ذوات الأجسام الكبيرة يأتي إليها رجل ليدرسها وعندما أنهى والديَّ عن ذلك، يقولان: لا، هذه صغيرة، فما رأيك في هذا؟ وكثير من هذه المشاكل واقعة؟ الجواب البلوغ محدد بواحد من ثلاثة أمور بالنسبة للنساء: ١ - إما بالحيض. ٢ - وإما ببلوغ خمس عشرة سنة. ٣ - وإما بالاحتلام وإما بالإنبات، وإن كان الاحتلام قد يكون لظروف النساء أقل، لكن المرأة لها ماء كما أن الرجل له ماء، لكن بالإنبات، أو بلوغ خمس عشرة سنة أو الحيض، فإذا كان واحد من هذه الثلاثة حينئذٍ تكون المرأة بالغة مكلفة يلزمها ما يلزم النساء من الحجاب، ومن التكاليف الشرعية كلها. أما إذا كانت دون ذلك -وأحياناً بعض الفقهاء يسمونها المراهقة التي لم تبلغ بعد- فيذكر الفقهاء أنها مراهقة كبنت العاشرة أو الحادية عشرة، وقد تختلف -كما ذكر السائل- الأجسام في هذا السن وذلك بحسب بيئتها أو غذائها، أو أقليمها. مثلاً: إذا كانت من الأقاليم الحارة، والأقاليم الباردة وقد ذكر العلماء ذلك، وهذا شيء معروف أيضاً في بني البشر أنهم يختلفون باختلاف أجناسهم وهيئاتهم وأشكالهم وألوانهم ونماؤهم من شمال وجنوب، من حار وبارد إلخ. فإذا كانت فعلاً على نحو ما ذكر فهذه إن لم تكن بالغة فينبغي الحذر، لكن إذا كانت بالغة فلا يجوز أن يخلو بها أجنبي، أما إذا كانت دون ذلك، فإذا كانت تُشتهى ويُخشى عليها أو منها الفتنة فإنه أيضاً لا يجوز، أما إذا أُمنت الفتنة أو كان معها من لا تكون به خلوة، أو ليرفع الفتنة مع الالتزام بالأمور الشرعية؛ فهذا لا حرج فيه وإن كان هذا الحذر الذي ذكره السائل ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار.
следующие страницы →