← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

استغاثة الكفار بالله بعد يأسهم من خزنة جهنم بعد هذا يطلبون من الله، قالوا: ما نفعنا مالك ولا نفعونا خزنة النار، ادعوا الله فيدعون الله ويقولون: ﴿رَبَّنَا﴾ هذا الصوت جاء في النار، لو قالوا في الدنيا: ربنا. لقال الله لهم: لبيكم، لكن ربهم في الدنيا الهوى والشيطان ولما دخلوا النار ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٨]، فبعدها يقولون كما قال الله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١] ما لنا مهرب من العذاب سواء صبرنا أم جزعنا؛ فيبكون حتى يجف الدمع. ثم يبكون حتى تنقطع الدماء، ثم تسيل مجاري في خدودهم من كثرة الدماء، تسيل أخاديد خد الواحد ورأسه كبير رأسه مثل ثلاثين جبل من جبل أحد، والدموع والدماء تنزل من كثرة الصراخ والعويل والعذاب الشديد يصير في الخد نهر ويصير أخدود من كثرة العذاب والبكاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله!! وهكذا -يا أخي في الله- يخلدون في النار في عذابٍ متواصل، لا يفتر عنهم يقول الله: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٤ - ٧٥] والإبلاس هو اليأس، ولهذا سمي إبليس إبليس؛ لأنه قد يئس من رحمة الله، والله قال له: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر:٣٤ - ٣٥].

стр. 1192

صفات المؤمن الناجي من النار أخي في الله! كل ما سمعت من العذاب والنكال والأهوال إنما أعدها الله للكفار والمنافقين، ولم يعدها لأهل لا إله إلا الله، لم يعدها لأهل الإسلام، من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله من قلبه، وجرد لا إله إلا الله بالتوحيد، وجرد محمداً رسول الله بالمتابعة والاتباع، وأقام الصلوات الخمس حيث ينادى بهن في المساجد ومع جماعة المسلمين، وبكمال الطهارة والخضوع والخشوع وحضور القلب، وأدى الزكاة إذا توفر المال وتوفرت فيه شروطه، وصام رمضان، وحج بيت الله الحرام، وبر والديه، ووصل رحمه، وقرأ كتاب ربه، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وأحب في الله وأبغض في الله، وجاهد في سبيل الله بقدر ما يستطيع من الجهد، وبذل ما يستطيع من الإمكان، جهاد الكلمة واللسان والمال والنفس، كل هذا من الجهاد. ثم امتنع وابتعد وانزجر عما حرم الله من الكبائر؛ فحفظ عينه مما حرم الله، وحفظ أذنه، ولسانه، وفرجه، ورجله، وبطنه، وكف يده، إذا قام بهذا فإنه -أيها الإخوة- بعيدٌ من هذا العذاب كله. المؤمن سالم بإذن الله لا يأتيه شيء من هذا كله إلا مبرة القسم؛ لأن الله قد قال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] بل إن النار تصيح تقول: يا مؤمن! جز -أي: امش- فقد أطفأ نورك ناري. نور المؤمن يؤثر على إخماد النار، فلا تصل إليه لتحرقه، وإنما هو يطفئها ويمر من عليها. أهل الكفر والنفاق هم أهل النار، أما أهل الإيمان، وأهل لا إله إلا الله، والاستقامة على دين الله، والحب في الله والبغض في الله، الذين صبغوا حياتهم بصبغة لا إله إلا الله، وصاغوا أمورهم على أحكام لا إله إلا الله، وساروا خاضعين خاشعين مستسلمين مذعنين منقادين لأوامر الله، لا يرفعون رءوسهم على أمر الله، ولا يشاقون الله ولا رسول الله، وإنما سمعنا وأطعنا، يقول الله : ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٦٦]. قال عبد الله بن سلام: [والله لو أمرنا بقتل نفوسنا لفعلنا] ﵃ وأرضاهم، الله ما جعل علينا في الدين من حرج -أيها الإخوة- بل شرع لنا ديناً قويماً وهدانا صراطاً مستقيماً، ونزع منا الحرج، وما كلفنا إلا بما نستطيع، هل في تكاليف الشرع علينا مشقة أيها الإخوة؟! لا والله، نحن عبيد، كان بالإمكان أن نعبد الله ليل نهار مثل الملائكة، فرض الله علينا بداية خمسين صلاة، ولو صلينا خمسين صلاة كنا كل نصف ساعة في صلاة، لكن الله برحمته ﵎، وبسبب مراجعة رسول الله له بإشارة من موسى ﵇ له نزلها من خمسين إلى خمس، فبقيت خمس في الأداء لكنها خمسون في الثواب، صلِّ خمساً وخذ خمسين ثواباً، وتضيع الخمس كذلك، إذاً ماذا تريد بعدها؟ لم تعد تريد الدين، من ضيع خمس صلوات إذاً لم يعد يبقى له دين، تقعد من بعد الفجر تصلي الفجر الآن (٤. ٣٠)، وتقعد إلى (١٢. ٣٠) كم جلست ساعات بدون صلاة؟ ثمان ساعات -يا إخواني- بدون صلاة، لا إله إلا الله! ما هذه النعمة! ثم تصلي الظهر (١٢. ٣٠) وتقعد ثلاث ساعات ونصف، ثم تصلي العصر وتقعد إلى المغرب ساعتين ونصف، ثم إلى العشاء وتصلي وترقد إلى الفجر، ما هذه النعمة يا إخواني؟ ما علينا مشقة في الدين.

стр. 1193

حرمة الزنا ومذهب أهل السنة في أهل الكبائر حرم الله الزنا وأباح لنا ما هو أطهر وأنظف وهو: الزواج، والزواج والزنا سواء في العملية الجنسية، لكن الزواج نظيف والزنا خبيث، ما يكلف مسئولية ولا يجعل لك مسئولية على ولد، ويفسد الأنساب، ويحلل الأسر، ويهتك الأعراض، ويجعل الحياة بهيمية، الحيوانات ما عندها زواج، هل سمعت أن حماراً تزوج بحمارة؟ أو عقد ثور على بقرة؟ أو تيس على عنزة؟! لا. هذه حيوانات، كذلك الإنسان بغير الدين حيوان، ولهذا في أوروبا والغرب والشرق ما عندهم هذا، صحيح يقترن بزوجة رسمية، لكن الزنا شيء عادي، الزوجة واحدة ومائة صديقة وزانية والعياذ بالله. فالله ما جعل علينا في الدين من حرج، بل شرع لنا ديناً عظيماً سهلاً هيناً وإنه ليسير على من يسره الله عليه، فإذا رفض الواحد شيئاً من الدين وكفر فالنار، وإذا أطاع فالجنة. أما صاحب الكبيرة والمعصية والذنب فهو مسلم إن حافظ على الصلوات وقام بالأركان ولكن تزل قدمه، قال العلماء: صاحب الكبيرة فاسق بمعصيته مؤمن بإيمانه، تحت مشيئة الله في الدار الآخرة، إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له، خلافاً للخوارج والمعتزلة. فـ الخوارج قالوا: صاحب الكبيرة كافر في الدنيا وهو مخلد في النار. والمعتزلة قالوا: في الدنيا لا كافر ولا مسلم، بل منزلة بين المنزلتين، لكنه في الآخرة كافر في النار مخلد. وهذا خطأ ومعارض للأدلة، والصحيح هو مذهب أهل السنة والجماعة: أنه مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته، تحت مشيئة الله في الدار الآخرة، إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه. ولا يعني هذا -أيها الإخوة- أن نقلل من أهمية المعاصي، فإن المعاصي صعبة، ولا تستطيع أيها المسلم! أن تتحمل لحظة واحدة في النار، فلا تجعل لك -يا أخي- خيارات، ولا تأتي وأنت على خطر، بل تب إلى الله من كل ذنب، واستقم على منهج الله دائماً، حتى تلقى الله وأنت مسلم؛ فيحلك دار الكرامة، وينجيك من دار الهوان، أعاذنا الله وإياكم من ذلك، إنه على كل شيء قدير. يمكث أهل الكبائر في النار بقدر ذنب كل واحد منهم، الذي معه ذنوب يقعد أكثر من غيره، والذي أقل ذنوباً يجلس أقل، بقدر الجريمة، فإذا خرجوا وما بقي أحد إلا أهل الكفر، تمنى الكفار أنهم كانوا مسلمين، يقول الله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر:٢] يقولون: يا ليتنا كنا مسلمين، وعرفنا الله ولو بشيء بسيط؛ لأن أهل الكبائر خرجوا من النار.

стр. 1194

ذبح الموت وحسرة أهل النار بعد خروج العصاة -أيها الإخوة- ودخول أهل الجنة الجنة واستكمالهم فيها، يؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيوضع بين الجنة والنار ويذبح ويقال: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت، والحديث في الصحيحين يقول ﵊: (إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار فيذبح، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة! خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً ونعيماً، ويزداد أهل النار حزناً وعذاباً أليماً) لأن عندهم أمل أنهم في أن يخرجوا أو يموتوا، لكن إذا قيل لهم: خلود فلا موت، فهؤلاء يحزنون، وأهل الجنة خلود فلا موت يفرحون، لماذا؟ لأن أي واحد يأتي إلى مكان يخاف ألا يخرج منه إن كان جيداً ويريد أن يقعد دائماً، فأهل الجنة خالدون فيها أبداً، وأهل النار خالدون فيها أبداً، وبعدها تسود وجوههم، يقول الله : ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس:٢٧]. إلهي لست للفردوس أهلاً ولا أقوى على نار الجحيم فهب لي توبة واغفر ذنوبي فإنك غافر الذنب العظيم اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. اللهم ارحمنا برحمتك، واغفر لنا ما سلف منا وكان من الذنوب، اللهم اغفر لنا وطهرنا بالتوبة يا رب العالمين! واستعملنا فيما يرضيك، اللهم طهر أعيننا من الخيانة، وألسنتنا من الكذب، وأيدينا من الجريمة وقلوبنا من النفاق، وجوارحنا من المعاصي، وارحمنا يا رب العالمين! واهدنا إلى سواء السبيل. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشدٍ يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنك سميع الدعاء. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1195

الأسئلة

стр. 1196

صعوبة ترك المعصية بعد إلفها السؤال إني شخص قد منَّ الله عليَّ بالهداية، ولكن يوجد لديَّ معصية لا أستطيع تركها، وقد تركت كل المعاصي إلا هذه المعصية، أرشدنا بطريقة لكي أتركها؟ الجواب أولاً: نحمد الله الذي هدى هذا الشاب، ونسأل الله أن يكمل له الهداية، ولكن -أيها الإخوة- الهداية دائماً تأتي ثمرة للمجاهدة كما في قول الله : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] لأن الجنة غالية، والنار حرها شديد، فلا يمكن لأحد أن ينال هذه السلعة وهي الجنة وينجو من النار بدون معاناة ومجاهدة وتعب، وكل المعاصي والذنوب والآثام إذا وجدت من الإنسان قوة في الإرادة وعزيمة وتصميماً فإنه يتغلب عليها بعد الاستعانة بالله وأخذ الأسباب، لكن إذا ضعف الإنسان وتراجع أمام شهوة من الشهوات أو معصية من المعاصي فإن الشيطان يستغل هذا الضعف، ويبدأ معه في حرب وتراجع إلى أن يقحمه فيما هو أعظم. ولهذا نقول للأخ الكريم: تذكر وأنت تقدم على هذه المعصية تذكر أول شيء أن الله يراك. أوحى الله إلى نبي من الأنبياء أن بلغ قومك إذا أرادوا معصيتي هل يعتقدون أني أراهم أو لا يعتقدون؟ أسألك إذا خلوت بنفسك وأردت أن تمارس المعصية؛ هذه معصية العادة السرية، هل عندك عقيدة أن الله يراك، أو لا يراك؟ إن كنت تعتقد أن الله لا يراك فقد كفرت، ولا حاجة لأن تصلي وتصوم؛ لأنك كافر؛ لأن عقيدتك أن الله لا يراك. وإن كنت تعتقد أن الله يراك فلم لا تستحي منه؟!! لم كان الله أهون الناظرين إليك؟!! لو أحد رآك من زملائك أو من إخوانك أو أهلك وأنت على هذه القذرة هل ترضى؟ هل ترضى أن يراك طفل؟ إذاً كيف ترضى أن يراك الله ولا تستحي من الله؟ تستخفي من الناس ولا تستخفي من الله وهو معك، إذ تبيت ما لا يرضى من القول، لا إله إلا الله!! يقول الله في الحديث القدسي: (فلم كنت أهون الناظرين إليهم) لماذا كان الله في نظرك أهون ناظر بحيث تستحي من طفل ولا تستحي من الله؟! وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني هذه العادة السرية أنا أسميها: العادة الشيطانية وهم يسمونها: العادة السرية لتلطيفها، وإلا فاسمها في الشرع: نكاح اليد؛ لأن الإنسان يزني بيده، وقد ورد في الحديث لعنته: (لعن الله ناكح يده) وإن ناكح يده يوم القيامة يبعث ويده حبلى، وما من حيوانٍ منوي يخرج عن طريق الاستمناء باليد إلا وتحمل هذه اليد منه، لكن متى تطلع آثار الحمل؟ يوم القيامة، كيف تبرئ نفسك -يا أخي- إذا أتيت يوم القيامة ويدك حبلى فيها ثمانمائة أو تسعمائة ولد، مصيبة يا أخي! كيف هذا، هذه عادة خبيثة محرمة، والدليل قول الله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٥ - ٦] فقط، أي: أمة عندك، ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٦ - ٧] أي: المعتدون المتجاوزون لأمر الله، لو كان نكاح اليد سائغاً لأباحه الله ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ [مريم:٦٤]. الرسول ﷺ كما في الصحيحين يقول: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع -ما قدر ما قال: فعليه بيده- فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء). فأولاً: يا أخي! استشعر عقوبة الله، وتذكر أن لذة المعصية البسيطة لذة الإمناء وأنت تمني فيها متعة ولذة بسيطة لا تعدل حرقة النار، ولا تعدل لذعة النار، فاغلب نفسك يا أخي! وجاهد نفسك مرة ومرتين وثلاثاً وأربعاً، وإن كان لك إمكانية في الزواج أو أبوك له إمكانية فتزوج، وإن لم تتزوج فعليك بالعفة، يقول الله : ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣] ومن يستعف ماذا يصير له؟ يعفه الله، انظر إلى كثير من الشباب لا يعملونها ولا يفكرون فيها أبداً لماذا؟ استعفوا، أما أن تجلس وبالك وفكرك فيها أين إيمانك؟ وأين دينك؟ وأين خوفك من الله؟ تصور شخص أخذ لك صورة (بالكاميرا) في تلك اللحظة، ثم بعدها أراك، قال: انظر كيف كنت تعمل، أما تخجل؟ لا تفعلها إلا القردة والكلاب، هذا العمل لا يليق بالإنسان -يا أخي- أنت مسلم، مؤمن، من أهل لا إله إلا الله، يدك طاهرة ونظيفة، تسجد عليها، وتصلي لله، وتكبر بها، ثم تعمل بها هذه الجريمة والعياذ بالله!! حسناً كيف تصنع؟ أولاً: الخوف من الله، والمراقبة لله. وبعدها هناك وسائل تتخذها للابتعاد عن هذه العادة الشيطانية وهي كالآتي: ١ - لا تكثر من الطعام. حاول أن تعمل لك حمية بحيث لا تأكل إلا بعض الطعام الخفيف الذي يقيم جسمك وعودك، ولا يبعث فيك الشهوة. ٢ - اعمل أي عمل مهني، إذا كان أبوك مزارعاً تعمل معه في المزرعة، أو كان أبوك تاجراً اشتغل في الدكان، خذ (الأكياس) واحمل (الكراتين) من أجل الطاقة هذه تذهب، ما عندك دكان ولا مزرعة، اعمل لك حركات رياضية وتمرن، ولا تبقي شيئاً إلى أن تطيح وتفنى، اعمل لك من هذه الأثقال وخذها وضعها، ودر على البيت ما في مانع، وإذا أتيت للفراش لا تأتي إلا وأنت منهك من أجل أن تنام. ٣ - إذا أحسست برغبة في مثل هذا الشيء قم صلِّ لله ركعتين، أحد سألني فدليته على هذا الموضوع قلت: كلما راودتك نفسك صل ركعتين، وجاءني بعد فترة وقال: والله ما عاد جاءتني؛ لأن النفس علمت أني أصلي، قالت: إذاً هذا لا فائدة فيه وهكذا. ٤ - اقرأ القرآن. ٥ - ابتعد عن قرناء السوء. ٦ - اسأل الله الهداية، اطلب من الله أنه يعفك، وبعدها إن شاء الله يعفك الله.

стр. 1197

حكم ذكر الموت والخوف منه بشكل دائم السؤال أرجو بإذن الله إيجاد الحلول لحالتي النفسية وهي كما يلي: ١ - التفكير في الموت تفكيراً يطول عليَّ حتى يخيفني، وأقول: كيف نغدو ونروح والموت من خلفنا. ٢ - إذا أخبرت أو أعلمت بمريضٍ مخطئ أو غير ذلك أفكر كثيراً وأقول: كيف أغفل وأنسى حالة فلان وهو سوف يموت، ويذهب عني حتى النوم. ٣ - لو أسند إليَّ تجهيز ميتٍ فإنني أعتذر؛ لأنني أتصور حدوث حالةٍ نفسية لو فعلت ذلك. ٤ - إذا رأيت الميت أفزع ويستمر الخوف حتى في الليل ويذهب عني النوم. الجواب حالتك -يا أخي- ليست مرضاً نفسياً، وإنما هي حالة إيمانية، هذا هو الصحيح، ما تعيشه الآن من خوف من الموت أو إذا رأيت ميتاً، أو إذا ذكر الموت، هذا هو الذي يجب أن يكون؛ لأن الرسول أمرنا بهذا، قال: (أكثروا من ذكر الموت) وكان الصحابة هذا شأنهم عند ذكر الموت؛ يذهبون إلى المقابر، ويرون المرضى، ويحضرون صلاة الجنازة، ويغسلون الموتى ويكفنونهم ويصلون عليهم، من أجل ماذا؟ من أجل ذكر الموت؛ لأنه كلما أكثرت من ذكر الموت كلما حجزك عن المعصية، ودفعك إلى الطاعة. وأخونا مسكين يقول: إني مريض مرضاً نفسياً، لا والله لست مريضاً، بل المريض النفسي الذي لا يذكر الموت، هذا هو الغافل، أما أنت فأنت عندك قلب حي بذكر الله وبذكر الموت، فاستمر على هذا ولا تفكر في غيره، حتى يأتيك الموت وأنت مستعدٌ له إن شاء الله.

стр. 1198

حكم التسبب في قتل النفس بسبب عدم إسعافها السؤال هذا شاب قد أورد رسالة طويلة، ومضمون هذه الرسالة أنه يحكي قصته فيقول: بأنه صدم طفلة صغيرة، وخاف على نفسه من الورطة فذهب إلى بيته، وبعد فترةٍ علم أن الطفلة قد ماتت، ولكنه حتى الآن لم يخبر أهلها بأنه كان السبب في ذلك؛ لأن علته في ذلك أن هذه الطفلة قد خرجت هي بنفسها على السيارة ولم يصدمها هو بنفسه، فما هو الحل حيال هذه المشكلة؟ وكيف سيقابل الله ؟ وما ينبغي أن يعمله وإن كان في ذلك قطع رقبته مثلاً؟ الجواب هذا الفعل شنيع جداً وجريمة، ولو كنت حاكماً أنا أو قاضياً وجاءني مثل من يفعل هذا الفعل يصدم إنساناً ثم يذهب ويتركه لحكمت عليه بالقتل؛ لأن كونك غير عامد صحيح، لكن صدمتها ماذا تعمل؟ تتركها! أدجاجة هي أم قطة! هذه إنسانة، ذهابك عنها بعد صدمها كأنك قتلتها عمداً، ولذا لو كنت قاضياً لحكمت عليك بالقتل؛ لأنه ارتكب جريمة. ثم -والعياذ بالله- ارتكب أشد منها، وضيع دم مسلمة، وضع الأسرة الآن كيف قلوبهم على هذه الطفلة؟ وهذه في ذمته، ولذا نقول له: عليه بالمسارعة إلى تسليم نفسه للسلطة، وإخبارهم باليوم والحادث والمكان، وهم سيراجعون السجلات وسيعرفون البنت ويعرفون أهلها، ويأتي أهلها ويقول لهم: أنا ارتكبت هذه الخطيئة، وكانت البنت هي التي خرجت عليَّ، ولكني جاهل لا أعرف، والآن تبت إلى الله، ومنَّ الله عليَّ بالهداية، والحمد لله، ووجدت أن من واجبي أني آتي لأضع يدي في أيديكم ونفسي لكم بما تريدون وما يحكم عليه الشرع، وطبيعي فإنهم سيكونون كرماء؛ لأنهم يعرفون أن الذي جاء بك إليهم هو الله وخوفك منه، ما أحد يعلم عنك لو أنك استمريت في معصيتك وضلالك، لكن لما جئتهم بالوجه الحسن، أتوقع إن شاء الله أن يكونوا كرماء وأن يقولوا: عفا الله عنك، وأن تأخذ منهم الرضا، ولا مانع من أن تمكث في السجن فترة عقوبة لما وقع منك، إذا جلست ستة أشهر أو سنة فالسجن هذا شيء بسيط حتى تسلم من النار وتبعد نفسك من وخز الضمير وألم القلب والنفس.

стр. 1199

دخول الجن في بدن الإنس حقيقة السؤال ظهر في هذه الفترة أقوال لبعض المشايخ وهو الشيخ علي العمري، ينكر فيها دخول الجني إلى بدن الإنسي، ويقول السائل: إن هذا القول أحدث بلبلة عند الكثير من الناس؟ الجواب أنا حقيقة الذي أعرفه وسمعته بأذني من كلام الشيخ علي العمري أنه لا ينكر دخول الجني إلى بدن الإنسي؛ لأنه يعرف أن هذا وارد في الكتاب والسنة، ويعرف أنه عايش الفترة من الزمان وعاش مع الجن وسمعهم، لكن الشيخ يقول: إن كثيراً من الحالات التي يتصور الناس فيها أنها تلبس بالجن غير صحيحة، وأنا أوافقه على ذلك، بعض الحالات هي إيحاءات نفسية، أي: الواحد نفسه متصور أن معه جنياً، وليس معه جني، ولذا إذا قلت له: هل فيك جني مسلم، أو كافر؟ قال: كافر، هو نفسه يقول: كافر؛ لأنه متصور أن عليه جنياً كافراً، ولا شيء عنده أصلاً، وقد مرت بي حادثة مثل هذه. جاءني شخص وأنا في أبها، الولد جالس وقال أخوه: هذا مصروع معه جنية، فقمت قرأت عليه، وبعد ما انتهيت من القراءة قلت: اخرجي يا عدوة الله، ظننت أن عليه جنية مسلمة أو كافرة فلم يتكلم قلت: إذاً هذا جني لا يتكلم، فضربته في رأسه، ثم ضربته الثانية، المهم فتح عيناه وهو مغمض طوال الوقت وأنا أقرأ، وقال: تكلمني أو تكلم الجني، قلت: أنت تسمع كلامي؟ قال: إي والله، قلت: وتشعر بضربي؟ قال: إي والله، قلت: قم، الله أكبر عليك! ما فيك جني ولا فيك شيء، المسكين جاء لي من بيته وهو متصور أن فيه جني، ولهذا حين كنت أكلمه وهو ساكت كان يحسب الكلام للجني الذي عليه، وهو ليس فيه شيء. فأكثر الحالات -أيها الإخوة- عند بعض النساء خاصة، يعني بينها وبين زوجها شيء، مثلاً تحب زوجها وتريده لها، وفيها شعور أنها مسحورة، ومن أين؟ والله بنت عمته تريد تتزوج به، وفعلت لي شيئاً، والله إني أحس نحو زوجي بنوعٍ من الفتور، كنت أحبه والآن أعزف عن فراشه، إذاً أنا مسحورة، فإذا ذهبت عند القارئ وقرأ عليها، قالت: مسحورة، من سحرك؟ فلانة سوت مشكلة بين الأسرة، ولا معها سحر ولا فيها شيء، كونها لا تحب زوجها بعض الأيام فكل المتزوجين هكذا، هل يبقى الزواج والحب طوال الأيام؟ الدنيا تتقلب والقلب يتقلب. إذاً: أيها الإخوة! معظم الحالات وأكثرها حالات نفسية توحي إلى النفس خاصة عند النساء وليس فيهن جن. إنما كون الجن يدخل في الإنسان نعم يدخل، وقد ثبت هذا بالكتاب والسنة، الرسول قال للرجل: (اخرج عدو الله) أي: ماذا؟ اخرج من البدن، وقال الله في القرآن: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] أي: مس الجن. أما كون بعض الناس ينكرون فهذا الخطأ وقالوا: إن الجن من النار والإنسان من الطين، كيف يدخل هذا في هذا؟ أصلي وأصلك من طين، لكن هل أنا كومة طين؟ لا. الأصل طيني لكن بعد أطوار تسلسل وصار لحماً ودماً، كذلك الجن؛ الجن أصله ناري لكنه الآن ليس ناراً، الرسول مسكه، قال: (حتى وجدت برد لعابه على يدي) ما أحرق الرسول برد اللعاب، والشيطان من الجن، يقول: (ولولا دعوة أخي سليمان لربطته في سارية المسجد، ولأصبح غلمان المدينة يلعبون به) فكونه مخلوقاً من النار لا يمنع أنه يدخل في الإنسان؛ لأن له طبيعة غير طبيعته الأصلية التي كان عليها يوم خلقه الله من النار، فالجن يدخلون في الناس، والذي أعرفه وقد سمعته بأذني في محاضرة ألقاها الشيخ علي العمري في أبها قال: أنا لا أنكر أن الجن يدخلون في الإنس، لكني أقول بخبرتي الطويلة: إن معظم الحالات التي مرت عليَّ أكثرها ليست مساً من الجن، وإنما هي إما أمراض نفسية، أو إيحاءات داخلية، وما يحصل من كلامٍ على بعض ألسنة الناس إنما هو من النفس الباطنة. وما النفس الباطنة؟ نفسك مهيأة ومركبة على شيء وهي فاهمة، ولهذا ما إن يأتي كلاماً إلا أن تقول هذا الكلام، وليس حقيقة منك ولا من غيرك، وإنما هو من نفسك الداخلية الباطنة. أسأل الله لي ولكم أن يهدينا سواء السبيل والهداية. ثم أيها الإخوة! هذا الموضوع أنا أسميه من العلم الفضلة، والجهل به لا يضر والعلم به لا ينفع، وليست قضيتنا مع الجن، قضيتنا الآن مع الإنس، مع الدعوة إلى الله، مع تقوية الإيمان، مع تثبيت العقيدة، مع تحرير الناس من الكبائر. أما الجن وما يتعلق بهم، فنستعيذ بالله منهم، ونتحصن بالآيات والدلائل، وليس له سلطان علينا، يقول الله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٩ - ١٠٠]. والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1200

أسباب الهداية [١،٢] تحدث الشيخ في هذه المحاضرة عن نعمة الهداية مبيناً أنها من أجل النعم التي أنعم الله بها على عباده؛ لأنها هي التي تنفع في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، كما تحدث عن بعض النعم التي سماها بالنعم المؤقتة مثل المال والولد والوظيفة، وختم حديثه بذكر عشرة أسباب من أسباب الهداية.

стр. 1201

من نعم الله على خلقه إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونؤمن به ونتوكل عليه، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه واقتفى أثره واتبع منهجه وسنته، وعنا وعن جميع المسلمين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:

стр. 1202

نعمة الهداية أيها الإخوة في الله: إن نعمة الهداية نعمة لا تعدلها نعمة، نعمة تلحقك آثارها في هذه الدنيا فتعيش سعيداً، إذ لا سعادة بغير هداية: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٧] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد:٢٨ - ٢٩]. إن نعمة الهداية تلحقك آثارها في الساعات الحرجة، واللحظات الصعبة حينما تزول الحجب وتنكشف الحقائق وتبدو الأمور على وضعها الطبيعي، دنيا زائلة شباب فاني حياة منتهية آخرة مقبلة ملائكة نازلة وملك الموت موكل بقبض روحك ونقلك من هذا الدار إلى الدار الآخرة، هنالك تنفعك نعمة الهداية، فيثبتك الله بالإيمان: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت:٣٠] هذا الكلام عند الموت، أي: لا تخافوا مما أمامكم ولا تحزنوا على من خلفكم، فهناك اطمئنان على المستقبل والماضي والحاضر، فالمستقبل لا تخافوا منه، والماضي لا تحزنوا عليه، والحاضر: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] لماذا؟ قالوا: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ﴾ [فصلت:٣١] لأنكم كنتم أولياء الله في الدنيا، فنحن أولياؤكم في الدنيا والآخرة: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣١ - ٣٢]. إن نعمة الهداية تنفعك في القبر المظلم الموحش، في القبر الذي نحن اليوم في غفلة عنه، نسكن القصور وننسى القبور، نعيش في النور وننسى ظلمات القبور، نرقد على الأسرة والفرش وفي غرف النوم الطويلة العريضة وننسى اللحد وظلمته، والقبر وضغطته، والسؤال وشدته، في تلك اللحظات تأتيك نعمة الهداية، ويلقنك الله حجتك ويثبتك؛ لأنك كنت في الدنيا ثابتاً غير متزعزع أو متذبذب أو متلون، وإنما ثابت ثبوت الجبال الشوامخ، ثابت على دين الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم:٢٧]. إذاً: من ثبت هنا ثبَّته الله في القبر، وعلى الصراط، وفي عرصات القيامة، حتى يدخله الله دار الثابتين -جعلنا الله وإياكم منهم- ومن زاغ هنا وانحرف، انحرف في القبر، وعند الموت، وعلى الصراط، وفي العرصات، حتى يدخل دار المنحرفين، أجارنا الله وإياكم منها. وفي القبر لن تنطق الشهادات ولا المناصب ولا الكراسي الدوارة، ولا العمارات والبنوك والمؤسسات، ولا العضلات، ولكن تنطق فقط القلوب المؤمنة المهتدية التي عرفت الله في هذه الدنيا. وفي عرصات القيامة مروراً بالجسر الرهيب المضروب على متن جهنم الجسر العظيم الذي جاءت مواصفاته في الأحاديث الصحيحة بأنه: أدق من الشعر، وأحد من السيف، وأحر من الجمر، وأروغ من الثعلب، والناس مأمورون كلهم بالسير عليه، إذ لا وصول إلى الجنة إلا من خلاله، ووسائل النقل ووسائل العبور هي العمل الصالح، فمن جاء بوسيلة نقل جيدة عبر، ومن جاء بغير وسيلة نقل خسر وهوى في النار. إن نعمة الهداية تجعلك تعبر الصراط، قيل لبعض السلف وقد رُؤي في منامٍ: ما صنع الله بك؟ قال: وضعت قدمي الأولى على الصراط والثانية في الجنة. أي: أنه ليس هناك تأخر أبداً، ولعله لم يكن لديه في الدنيا شيء سوى الإيمان والعمل الصالح، فترى في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بأسباب نعمة الهداية. إذاً نعمة الهداية عظيمة، نعمة لا تعدلها نعمة، والنعم كلها من الله، يقول الله : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤] ويقول: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]. نعمة المال والولد والزوجات والمناصب والرتب، والعافية والصحة، والأرزاق والأمن، كل هذه نعم، نحمد الله الذي لا إله إلا هو عليها، ونسأله المزيد من فضله، لكنها نعم مؤقتة، فهي تنفعك إذا كنت حياً، لكن إذا خرجت من الدنيا فليس معك شيء من ذلك، وهناك فقط نعمة واحدة هي التي تنفعك هنا وهناك، والعقل يفرض عليك إذا كنت عاقلاً، أن تهتم بالنعمة التي تنفعك في الدنيا، وعند الموت، وفي القبر، وعلى الصراط، وتنفعك وبالعرصات وإلى أن تدخل الجنة؛ فعليك أن تعطي للنعم الأخرى بقدر ما تنفعك.

стр. 1203

نعمة المال إذا كانت نعمة المال تنفعك في الدنيا، فاشتغل بالمال بقدر ما ينفعك في الدنيا، والباقي حوله إلى الآخرة، كما قال الناصحون لقارون فإن قارون كان ثرياًً، بل كان من أثرى أهل الأرض، مفاتحه التي هي مفاتيح المخازن ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص:٧٦] أي: إن العصبة الرجال لا يستطيعون أن يحملوا مفاتيح المخازن، فلما خرج متبختراً متزيناً مفتخراً بهذا المال، قال له قومه: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦]، أي: لا تفرح بالدنيا إذا سيقت لك، بل احزن منها وخف، فإنها استدراج لك وابتلاء واختبار، والله زوى الدنيا عن أنبيائه ورسله إكراماً لهم، وبسطها على أعدائه والعصاة من عباده إضلالاً لهم، ولم يبسطها إلا لنبي واحد وهو: سليمان، فاعتبرها بلية وقال: ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل:٤٠] فلم يعتبرها نعمة، وإنما اعتبرها مصيبة وابتلاء واختباراً، فقالوا له: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦]. ولكن إذا بُسطت عليك الدنيا وفتحت لك، فلا تردها إذا جاءت من الحلال، ولكن اعمل لها (تحويلة) إلى الآخرة: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص:٧٧] أي: بهذه الأموال ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٧٧] فقال هذا المغرور التعس، الغبي الجهول: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص:٧٨] يقول: أنا صاحب عقلية تجارية، أنتهز الفرص وأغتنم المناسبات، وكلما أتيحت لي فرصة اغتنمتها، ولذا أُثريت وأصبحت صاحب مال، وما علم المسكين أن في هذه الدنيا من هو أشد قوة وأعظم عقلاً منه، ولكنه يعيش فقيراً. يقول أهل العلم: كان هناك رجل فقير وكان عقيماً، لكنه عاقل ولبيب، وكان هذا الفقير مبتلىً بالفقر أي: ليس عنده شيء، لم يستطع أن يجمع عبر شهور مبلغاً من المال ليشتري به حذاءً، فنزل إلى السوق يمشي على قدمين حافيتين، ومعه درهمين في جيبه قد رصدهما لشراء الحذاء، وفي الطريق التقى برجل يسوق أمامه أربعين حماراً، وكانت الحمير هي وسائل النقل الشائعة، أي: هي السيارات المنتشرة في عهدهم، وكان ذلك الرجل خلف الأربعين حماراً يضربها ويطردها من هنا إلى هنا، فلحقه الفقير قائلاً: يا أخ العرب! لمن هذه الحمير؟ قال: لي. قال: كلها لك. قال: نعم. كلها لي، فقال: هلا ركبت واحداً منها، لماذا تمشي وهي أمامك وكلها لك؟ قال الرجل: يا أخي! أنت لا تعلم ما هي المشكلة، قال: وما هي؟ قال: إذا ركبت عليها صارت تسعة وثلاثين حماراً، وإذا نزلت زادت وكانت أربعين حماراً. فهذا المغفل لا يعرف أن يعد حميره؛ إذا ركب على حمار عد الذي أمامه ونسي الذي تحته، فإذا نزل صارت كلها أمامه فأصبحت أربعين حماراً، فقال: إذاً نمشي وتزيد حماراً ولا تنقص، فتعجب هذا الرجل الحكيم وقال: سبحان الله! هذا الرجل لا يعرف أن يعد حميره وعنده أربعين حماراً، وأنا عندي عقلية عظيمة وليس لدي أحذية ألبسها. إذاً الرزق ليس بالعقلية، ولا بالفرص، وإنما بتقسيم الله، يقول الله : ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣٢] فالمال نعمة، ولكنه نعمة إذا استغل في طاعة الله. ولكي يكون نعمة فإن هناك شروط: أولاً: أن يجمع من الحلال، ويُنفق في الحلال، وأن يخرج منه الحقوق والواجبات، وإلا تحول المال إلى لعنة في الدنيا قبل الآخرة، يقول الله في سورة التوبة: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا﴾ [التوبة:٥٥] أي: بالأموال والأولاد ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:٥٥]. ويذكر الإمام أحمد في مسنده حديثاً عن رسول الله ﷺ ، قال: (التقى مؤمنان على باب الجنة: مؤمن غني، ومؤمن فقير) أما لو كان الغني فاجراً، فإنه ليس له طريق إلى الجنة؛ لأن هناك (تحويلة) من الصراط على جهنم، لكن هذا مؤمن استطاع أن يعبر الطرق كلها وأن ينجو إلى أن وقف على باب الجنة بإيمانه، ولكن عنده مال، والآخر فقير وعنده إيمان، قال: (فأدخل الله المؤمن الفقير لتوه) هذا الفقير عنده إيمان ولكن ليس لديه متاع، عندما تسافر الآن من الرياض إلى جدة، وتأتي إلى الكونترول فتجد أن هناك لوحة مكتوب عليها: الركاب بغير عفش لا أحد يؤخرهم، يعطون البطاقة ويدخلون مباشرة، لكن إذا جئت عندهم ولديك عشرة كراتين وشنط، عندها يقولون لك: على جنب، قف هنا والتزم بالطابور افتح وزن ويتعبونك من أجل رحلة ساعة أو ساعتين. حسناً! والذي لديه رحلة مدى الحياة إلى الآخرة، كيف ينجو؟ كيف يكون تعبه في الطريق؟ فالأموال مسئولية وعهدة على صاحبها. قال: (وحبس المؤمن الغني ما شاء الله أن يحبس) أي: حبس للسؤال فقط، فليس هناك عذاب؛ لأنه ناجح، قال: (ثم أدخله الله الجنة، فالتقى به صاحبه الفقير المؤمن -التقى به في الجنة- فقال: يا أخي! لقد تأخرت عليّ حتى خشيت عليك) يقول هذا المؤمن الفقير: والله إني خفت عليك، فقد ظننت أنك ذهبت إلى النار، ما الذي أخرك؟ ما الذي حبسك عني؟ (قال: يا أخي! حبسني مالي، حبست محبساً سال مني من العرق ما لو أن ألف بعير أكلت من حمض النبات، ثم وردت عليه لصدرت عنه رواء) ألف بعير! هذا مقدار ما سال من العرق، البعير إذا أكل من حمض النبات لا يرويه برميل، فما بالك بألف برميل في سين وجيم! ليس هناك أذى ولا مطرقة، وإنما فقط سؤال عند الباب، فكم جلس هذا الغني؟ خمسمائة سنة، أي: نصف يوم بحساب اليوم الآخر: (يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل أغنيائهم، بخمسمائة عام) أي: بنصف يوم؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]. إذاً نقول للناس: لا تردوا المال إذا كان من الحلال، ولكن استعينوا به على الحلال، أكرموا منه الضيف، صلوا به الأرحام، تفقدوا به الجيران، ابنوا به المساجد، أنفقوا منه في ميادين البر والإحسان، أمدوا بها المجاهدين المحتاجين إلى هذا المال، الذين يلتحفون السماء، ويفترشون الأرض، ويأكلون فتات العيش، ويجاهدون بنحورهم في سبيل الله، وأنتم لديكم أموال فأنفقوها في سبيل الله. يقول تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٤١] ويقول: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ [القصص:٧٧] وبعد ذلك ليس هناك مانع من أن تبني لك عمارة أو تشتري لك سيارة، أو تتزوج لك بزوجة جميلة، أو أن تأثث لك بيتاً بأحسن الأثاث، أو أن تأكل من أحسن الطعام، أو تلبس من أحسن الثياب (فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) (وإن الله جميل يحب الجمال) والله يقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢]. إذاً: المال نعمة لكن بشرطه، وشرطه: أن يكون من الحلال، أما إذا كان من الحرام فالله لا يقبل منك به عمل؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، فإن لم يصرفه في الحلال، ويُخرج منه الحقوق والواجبات تحول هذا المال إلى نقمة. أكثر الناس الآن أصحاب الأموال (المليونيرات) تجده مبسوطاً؛ لأنه إذا دخل مجلساً فبمجرد أن يدخل من هناك والمجلس كله ينتفض له، ويقولون: وعليك السلام! ولو ما قال السلام عليكم، لماذا؟ لأن المال والشيكات والمنزلة الاجتماعية سلمت، وإذا جاء إلى مكانه تجد الكل يقولون: هنا يا أبا عبد الله، هنا يا أبا محمد، لكن إذا دخل الفقير وقال: السلام عليكم بأعلى صوته ما قالوا وعليك السلام، وإذا كان هناك من يرد السلام لقال: وعليك السلام بينه وبين نفسه، ولا أحد يقول تعال هنا، لماذا؟ لأن المال له قيمة هنا، لكن في الآخرة تؤخذ هذه الأموال على جنب: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ:٣٧] ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].

стр. 1204

نعمة الولد الولد أيضاً نعمة، لكن لا ينفع إلا إذا أصلحه الله هنا، فإذا رزقك الله ولداً صالحاً وربيته على كتاب الله وسنة رسوله، وعلمته القرآن مثل هذ الولد المبارك الذي قرأ أمامكم فهذا ينفع الله به، نسأل الله أن يثبِّته على الإيمان وجميع أبناء المسلمين. وأنا أرجو أن يكون وقوف هذا الولد دعوة لكم يا من حضر في أن تعلموا أولاكم القرآن، إن هذا النموذج القرآني العظيم، الذي وقف أمامكم دعوة صامتة لكم، فلعلكم لديكم أولاد، بل بالتأكيد أن لديكم أولاداً، لكن هل أقرأتموهم هذه القراءة؟ هل ألحقتموهم بالمساجد؟ هل حرصتم على قراءة القرآن في المساجد كحرصكم على قراءة العلم في المدارس؟ ليس هناك شخص في بلادنا الآن إلا وهو يحرص كل الحرص على إلحاق ولده بالمدارس النظامية، حتى قبل السن القانونية، فبعضهم يأتي بولده وعمره أربع سنوات، يقول: سجلوه، اجعلوه مستمعاً، فيقولون: لا يجوز، النظام من ست سنوات فما فوق، فيقول: لا. أرجوكم من فضلكم الولد مستعجل على الدراسة لماذا؟ هل حباً في العلم أو الدين؟ لا. بل تعلم العلم لغير الدين، فيريد أن ينجح بسرعة من أجل أن يتخرج بسرعة، ويأخذ مرتبه بسرعة، أو يأخذ نجمة أو وظيفة بسرعة، الدنيا فقط، لكن هل جاء بهذا الولد إلى المسجد وقال للشيخ: علمه كتاب الله، وإذا غاب عن المسجد هل يغضب كما يغضب إذا غاب عن المدرسة؟ لا. فلو غاب عن المدرسة لقطَّع جلده، ولكن في العصر تجده يقول: لا تذهب يا ولدي فلديك واجبات، هل واجبات الدنيا أهم من واجبات القرآن، هل حرص الإنسان على الدنيا أهم من حرصه على الدين؟ هذه مصيبة! علم ولدك القرآن، وأدخله مدارسه، فإنه قد جاء في الحديث: إن الرجل والمرأة يوم القيامة يكسوان حلة لا تقوم لها الدنيا، ضوؤها أعظم من ضوء الشمس، فيقولان: بم هذا يا رب؟ فيقال: بإقرائكما ولدكما القرآن. هذه جائزة الأم المثالية التي تقرأ كلام الله، والتي تريد أن تقرأ كلام الله، وقد سمعت أنه يوجد هنا في هذا الحي المبارك مدرسة للنساء، وهي مدرسة لتعليم القرآن الكريم على كافة المستويات، ابتدائي للصغار، وبعد ذلك محو الأمية للنساء اللاتي لا يعرفن القراءة ولا الكتابة، وللمثقفات والمدرسات والجامعيات على كل المستويات، وما يلزم الشخص منا إلا أن يقول لزوجته أو ابنته: اذهبي إلى هذه المدرسة، وسجلي من بعد العصر إلى المغرب، وهذه نعمة في هذا الوقت الضائع، الذي تضيعه النساء في القيل والقال والتمشيات، وأذهب عند فلانة، وآكل مع فلانة! يأكلون لحوم البشر، ويذاكرون في الموضات والتقليعات والتفصيلات والكلام الفاضي، بل سمعت أن النساء الآن لهن اهتمام بالرياضة أعظم من الرجال، فكل واحدة معها لاعب مفضل، وإذا قيل لها: من لاعبك المفضل؟ قالت: فلان. إذاً: لا نعيب على الرجال إذا لعبوا أو أحبوا الكرة؛ لأنهم يلعبون أصلاً، لكن المرأة ما علاقتها بالكرة؟! وهذه مصيبة والله يا إخوان، ما بقي إلا هذه! تضاربت امرأتان، قالت إحداهما: فلان أحسن، فقالت الأخرى: لا. ذاك أحسن. فلا حول ولا قوة إلا بالله! فإقراء القرآن للأولاد وللبنات وللزوجات فضيلة، والحجة قائمة والحمد لله، ففي كل حي بل في كل مسجد مدرسة لتحفيظ كتاب الله، ولكن لا نرى فيها أبناء الذوات والشخصيات، بل نرى فيها الصغار والضعفة من الناس، الذين يرجون بذلك وجه الله ، ولكن البقية مشغولون بغير دين الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون! فالولد نعمة إذا هداه الله في الدنيا، وبعد موتك لأنه سيدعو لك؛ لأن الرسول ﷺ قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث -ذكر منها-: وولد صالح) أي: ليس أي ولد، شرط، فإذا كان ولداً فاسداً ثم دعا لك رجعت دعوته على وجهه، كيف يدعو وهو فاسد؟ لا يشفِّعه الله إذاً، ولكن: (ولد صالح يدعو له). فالمال نعمة بقيده، والولد نعمة إذا هداه الله تعالى.

стр. 1205

نعمة الوظيفة والمنصب الوظيفة نعمة إذا استعنت بها على طاعة الله، والرتبة أو المنصب نعمة إذا سخرتها لدين الله. أولاً: ما تعاليت بها على الناس ولا تكبرت، كما يصنع بها بعض الموظفين، أو رؤساء الأقسام، أو مدراء الإدارات؛ إذا دخل الإدارة فإنه من عند الباب يرفع (بشته) ويكون رأسه في السماء، وإذا مر على الناس أخذ ينظر فيهم ولا يسلم، فإذا قيل له: لماذا لا تسلم؟ قال: السلام ينقص من شخصيتي، ويضعف هيبتي أمام الناس، فأنا أريد أن أحتفظ بشخصية قوية من أجل أن يخاف الناس مني، ويسيرون العمل بشكل مضبوط، فتجده لا يسلم على الفراشين ولا الموظفين الصغار، وإذا دخل عليه أحد وهو جالس على الطاولة، رفع عينيه دون أن يرفع رأسه، كأنه يريد أن ينطحه، وإذا سلم عليه أحد لا يرد ﵇ إلا همساً، وإذا أعطوه المعاملة، ما قبلها ولا مد يده لها، بل يقول: ضعها على الطاولة، ماذا تريد؟ الله أكبر! ما هذا الكبرياء والتغطرس بالوظيفة، فلو أن الوظيفة بقيت لغيرك ما وصلت إليك، والكرسي كما يقولون دوار. فكرسي الحلاق كل يوم عليه شخص، فلم يبق لغيرك حتى يبقى لك، إذاً لماذا تنتفخ؟ لماذا تتكبر على عباد الله بهذه الوظيفة وهي عارية عندك؟! لماذا لم تستخدمها في طاعة الله؟ فإذا دخلت إدارتك فلا تأت عند الباب إلا وقد بدأت بالسلام: السلام عليكم السلام عليكم ورحمة الله صبحكم الله بالخير كيف حالكم؟ فإذا دخلت المكتب فسلم على الفراش، وإذا جاءك أي شخص مراجع له عمل عندك، فعليك أن تقطع عملك وأن ترفع رأسك إليه، فتقوم إذا حياك، لا تحيه وأنت جالس، بل حيه على الهيئة التي هو عليها، إن كان هو جالس فأنت جالس، وإن كان هو واقف فأنت واقف، كن مثله، وبعد ذلك تصافحه وتقول له: أي خدمات يا أخي، ماذا تريد؟ أي غرض، غرضك اعتبره منتهياً، ولو ما انتهى، وإذا لم ينته تقول له: الله يوفقك ويبارك فيك ويرزقك ويكثر من أمثالك. هكذا تكون عابداً لله بالوظيفة، وبعد ذلك إذا أذَّن المؤذِن للظهر وفي يدك أعظم معاملة، أو في أذنك أعظم مكالمة، أو كان عندك أهم اجتماع، فعندها تقفل القلم، وتضع السماعة، وتلغي الاجتماع وتقول: إلى الله، دعانا الله. لكن بعض المدراء لا يعقد الاجتماعات إلا في وقت الصلاة، وهذا اجتماع يخيم عليه الشيطان؛ لأنه ضاعت من أجله فريضة الله ، فالوظيفة هذه نعمة إذا سخرتها في طاعة الله، فنصرت بها الضعيف، أو أقمت بها الحق، أو قدمت بها خدمة للمسلمين، فخدمتهم فيما يتعلق بعملك، فبششت لهم، وقضيت حوائجهم، وسعيت في مصلحتهم، عندها تكون هذه الوظيفة رحمة عليك في الدنيا وعزة وسعادة في الآخرة. لكنّ هذه الوظيفة تكون فقط إلى الموت، وأما القبر فإنك لا تدخله بوظيفتك، هل سمعتم أن ضابطاً دخل القبر بنجومه على كتفيه؟ أو مديراً دخل ببشته أو طاولته؟ أو تاجراً دخل بشيكاته وصناديقه؟ لا. ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤] أي: يخرج الغني والفقير، والقوي والضعيف، والأمير والمأمور، والملك والمملوك، كلهم يقوم في البدلة الرسمية الموحدة، وهي الكفن: الإزار والرداء واللفافة: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام:٩٤] أي: ما جئتم بشيء، فقط جئتم بالعمل، والعمل من أين أخذتموه؟ من النعمة التي أرسلت لكم وهي رسول الله ﷺ ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤]. هذا هو الدين وهذه هي الهداية، فمن أخذ بها نفعته في الآخرة، ومن تركها ضل في الدنيا وشقي في الآخرة، يقول ابن عباس: [تكفل الله لمن عمل بالقرآن ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة] ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣] (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ) أي: من سار على هذه الهداية ﴿فلا يضل ولا يشقى * وَمَنْ أَعْرَضَ﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٤] أي: الذي لا يريد الهداية، والطريق الواضحة أمامه، فأعلامها واضحة، وأماراتها واضحة، كالمحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يحيد ولا يزيغ عنها إلا هالك، فهذا قد أعرض أو رفض. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ [طه:١٢٤] هذا الذي أعرض لابد أن أعطيه الفطور في الدنيا والعشاء في النار، ما هو الفطور؟ قال تعالى: ﴿إِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] هذا الفطور وهو الوجبة العاجلة، ثم ماذا قال جل ذكره: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] وهذا هو العشاء. تصوروا أن شخصاً يُحشر أعمى، ويؤمر بالسير على الصراط وهو أعمى، فكيف يمشي على الصراط؟ ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً﴾ [طه:١٢٥] نعم. فالجزاء من جنس العمل: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا﴾ [طه:١٢٦] أي: هناك في الدنيا: ﴿فَنَسِيتَهَا﴾ [طه:١٢٦] تعاميت عنها تجاهلتها فكل شيء له في ميزانك وفي برنامجك مكان إلا القرآن والدين والهداية لا تريدها، فللمباريات وللتمشيات مكان، وللبلوت والكيرم وللدوام وللنوم وللطعام مكان، ولكن للعلم للقرآن للصلاة لهداية الله لا. عندما تأتي هذه الأشياء يصبح البرنامج مزحوماً ولا فيه فراغ، فتجده يقول: والله أنا مشغول، حسناً! تعال ندوة، قال: أنا مشغول، ماذا عندك؟ ليس عنده شيء، أشغل نفسه بما لا يشغله الله به، أشغل نفسه بما يضره في الدنيا والآخرة والعياذ بالله، قال : ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٦].

стр. 1206

أثر الهداية في النجاة من عذاب الله ودخول الجنة نعمة الهداية -أيها الإخوة- نعمة عظيمة جداً، وجديرة والله بكل اهتمام، ويكفينا أنك بالهداية تنجو من عذاب الله في النار، يقول الله : ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٤ - ٧٧] هذه هي أمنيتهم! يقولون: نريد الموت! فلا يريدون الفكاك؛ لأنهم يعلمون أن الفكاك ممنوع، فقالوا: نريد الموت ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] لماذا ماكثون؟ قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف:٧٨] أي: القرآن والدين والهداية الربانية ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف:٧٨ - ٨٠] كانوا تاركين مضيعين؟ ولم يعلموا أن سرهم ونجواهم فضلاً عن أن ظاهرهم مسجل عند الله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠]. فكل شيء مسجل عليك: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩] ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٤] ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٥ - ١٧]. ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج:١٩] أي: أن الثياب هناك من النار، وليست كثياب الدنيا، بل من النار، فتصور كيف تكون حالتك! ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج:١٩ - ٢١] إذا أعيوا من العذاب جيء بالمقامع: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:٢٢]. إخواني! من نار جهنم وما فيها من العذاب والأنكال؟! أما تعتبرون بهذه الأحوال؟! أما تحذرون من سلاسلها والأغلال؟! فواعجباً والله لمن يقرع سمعه ذكر السعير وهو بالله من عذابها غير مستجير! أفيك جَلَدٌ على الحميم والصديد والزمهرير؟! أفيك جَلَد على نار وقودها الناس والحجارة، أم قد رضيت لنفسك بهذه الخسارة؟! فيا ويح من كانت هذه الدار داره! ألا إنها نار وقودها الناس والحجارة! والنار منزل أهل الكفر كلهم طِبَاقُها سبعة مسودة الحفر جهنم ولظى من بعدها حطمة ثم السعير وكل الهول في سقر وبعد ذاك جحيم ثم هاوية تهوي بهم أبداً في حر مستعر فيها غلاظ شداد من ملائكة قلوبهم شدة أقسى من الحجر لهم مقامع للتعذيب مرصدة وكل كسر لديهم غير منجبر سوداء موحشة شعثاء مظلمة دهماء محرقة لواحة البشر فيها العقارب والحيات قد جمعت جلودها كالبغال الدهر والحمر لها إذا ما غلت زور يقلبهم ما بين مرتفع منها ومنحدر فيا إخواني! انجوا بأنفسكم من عذاب الله! فوالله الذي لا إله إلا هو، ألا نجاة في هذه الدار ولا فوز في دار القرار إلا بطاعة الله، والتمسك بهدي رسول الله والسير على دين الله. فإذا فعلنا ذلك أيها الإخوة! وتمسكنا بالدين، وعملنا العمل الصالح، ماذا سيكون جزاؤنا؟ ما هو الجزاء أيها الإخوة؟ هل هي وظيفة كما نشتغل الآن؟ إن هؤلاء الطلاب الذين ترونهم أيام الامتحانات لا يذوقون الطعام، ولا يهنأون بالمنام، ويجلسون في المساجد والطرقات وعلى الشوارع وهم يقرءون الكتب بالليل والنهار من أجل أن ينجحوا -وهذا حسن- لكن ماذا عملوا للآخرة؟! ماذا عملوا للجنة؟! إن الجنة -أيها الإخوة- سببها الهداية والعمل الصالح، والتوفيق من الله الذي لا إله إلا هو. إن الجنة ريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مضطرد، وثمرة ناضجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام أبدي في دار سليمة، وفاكهة وخضرة، وحبرة ونعمة، ومحلة عالية بهية، أرضها وترابها المسك والزعفران، وسقفها عرش الرحمن، وملاطها المسك الأذخر، وحصباؤها اللؤلؤ والجوهر، ثمارها ألين من الزبد وأحلى من العسل، وأنهارها من خمر لذة للشاربين، ومن ماء غير آسن، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن عسل مصفى، وفاكهتها مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون، غلمانها وخدمها ولدان مخلدون، كأنهم لؤلؤ مكنون، واسمع لزوجاتها يا من تريد الزوجات: فكن أيماً لما سواها فإنها لمثلك في جنات عدن تأيم وكن مبغضاً للخائنات بحبها لتحظى بها من دونهن وتسلم فيا خاطب الحسناء إن كنت راغباً فهذا زمان المهر والمقدم يا من تحبون النساء، يا من تريدون الجمال والعفة والشوق والحب العظيم، أخروه إلى أن تتزوجوا بالحلال، ثم التزموا لتجدوا الكواعب والأتراب في جنات رب العالمين. زوجاتها الكواعب الأتراب، اللاتي جرى فيهن ماء الشباب، تجري الشمس من محاسن وجهها إذا ضحكت، ويضيء البرق من بين ثناياها إذا ابتسمت، لو اطلعت على الدنيا لملأت ما بين السماء والأرض ريحاً، ولاستنطقت أفواه الخلائق تهليلاً وتكبيراً وتسبيحاً، إذا رأوها قالوا: لا إله إلا الله! من عظمة هذه المرأة الحورية، ولتزخرف لها ما بين الخافقين، ولأغمضت عن غيرها كل عين، -أي: خمارها- نصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها، لا تزداد بطول الأحقاب إلا حسناً وجمالاً. فليست نساء الآخرة كنساء الدنيا، نساء الدنيا تكون معها مدة تُسمى شهر العسل، وبعد ذلك تتحول الدنيا إلى بصل، ثم ولادة وحمل ونفاس وأطفال ومشاكل، لكن هذه لا. لا تزداد مع طول الأحقاب إلا حسناً وجمالاً، ولا يزيد طول المدى معها إلا محبة ووصالاً، مبرأة من الحبل والولادة والحيض والنفاس، مطهرة من البول والغائط وسائر الأدناس، لا يفنى شبابها، ولا تبلى ثيابها، ولا يخلق ثوب جمالها، ولا يمل طيب وصالها، لم يطمثها قبله إنس ولا جان، كلما نظر إليها ملأت قلبه نوراً، وكلما حادثته -أي: كلمته- ملأت أذنه لؤلؤاً منظوماً ومنثوراً، إذا ضحكت في وجه زوجها أضاءت الجنة من ضحكها، وإذا انتقلت من غرفة إلى غرفة أو من قصر إلى قصر، فكأنما هذه الشمس تنقلت في بروج فلكها. هذا وأعظم نعمة يمن الله بها على أهل الجنة: أن الله يحل عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم أبداً، ويحادثهم ويتجلى لهم، ويرونه من فوقهم سبحانه، فيا لذة الأسماع بتلك المحاضرة، ويا قرة العيون بالنظر إلى وجه الله بالدار الآخرة، ويا خيبة العصاة المحرومين الراجعين بالصفقة الخاسرة. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٥]. فاسمع إذاً أوصافها وصفاتها: تيك المنازل ربة الإحسان هي جنة طابت وطاب نعيمها فنعيمها باق وليس بفان أو ما سمعت بأنه سبحانه حقاً يكلم حزبه بجنان ويرونه سبحانه من فوقهم نظر العيان كما يُرى القمران ولهم منابر لؤلؤ وزبرجد ومنابر الياقوت والمرجان هذا وخاتمة النعيم نعيمهم أبداً بدار الخلد والرضوان فنسأل الله وإياكم من فضله، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، يا حي يا قيوم، يا فارج الهم، يا كاشف الغم، يا أرحم الراحمين، يا ذا الجلال والإكرام، نسألك باسمك الأعظم الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، أن تجعلنا وآباءنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا وجميع المسلمين من أهل هذه الدار، وأن تنجينا من دار الخزي والبوار برحمتك يا أرحم الراحمين. هذه أيها الإخوة! آثار الهداية، فإذا بقي أحد يقول: لا أريد الهداية! عندها نقول له: جعلك الله لا تريد، أبعدما رأيت الطريق لا تريد؟! فقد قال الله لرسوله ﷺ : ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل:١٢٧] ويقول: ﴿ومَنْ كَفَر فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ [لقمان:٢٣] ويقول: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥ - ٢٦] وكانت نفس رسول الله ﷺ تتقطع وتذوب ألماً وحزناً حينما يُكذَّب وهو صادق، فقال الله له: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨] أي: اتركهم وما عليك إلا أن تبين لهم الطريق: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْ

стр. 1207

من أسباب الهداية أولاً: اعلم أن الله هو الهادي ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد:٢٧] ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] ولكن لهذه الهداية وسائل وأسباب، مثل الرزق. الآن: أليس الله هو الرزاق ولكن للرزق أسباب أيضاً، فالله هو المطعم لكن للإطعام أسباب، والله هو المعافي والمشافي ولكن الشفاء والعافية لها أسباب، فالله هو الهادي ولكن للهداية أيضاً أسباب. ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس ومن أسباب الهداية عشرة، أو من أسباب الهداية عشرة، فلا نقول كل أسباب الهداية؛ لأن هناك الكثير غيرها.

стр. 1208

السبب الأول: التوبة إلى الله أول سبب يا من تريد الهداية، وأعظم سبب تحصل به على الهداية، وبدون تحقيق هذا السبب لا تتم لك الهداية، ألا وهو: التوبة إلى الله، إذ لا يهدي الله من لا يتوب، إن لو أن هناك شخصاً لا يتوب كيف يهديه الله وهو لا يتوب؟ فإذا كان مقيماً على الذنوب، عينه وأذنه ولسانه في الحرام ويقول: الله يهديني، وهو مُصر على الذنب، فهذا لا يمكن أبداً، فأول شيء قضية التخلية قبل التحلية. فإذا أردت رخصة مرور لزمك أن تتعلم قيادة السيارة، فتذهب إلى مدرسة القيادة، ثم تدفع الرسوم، ثم تداوم المدة، ثم تحضر الامتحان، ثم تأخذ الشهادة، ثم تراجع المرور، فتقف في الطابور، ثم تدفع النقود المقررة، وبعد ذلك تجيء في يوم ثان أو ثالث وتأخذ الورقة من أجل أن تعبر بها في شوارع الدنيا، فكيف تريد أن تعبر على الصراط وما عندك رخصة للآخرة؟ كيف تريد أن تتجول في شوارع الجنة، كيف تريد أن تطير في أنهار الجنة، وعلى أشجار الجنة وما عندك رخصة إلى الآخرة؟ ما رأيكم بشخص يريد أن يقود السيارة وهو جالس في البيت، يقول: أريد أن أقود السيارة، لكن لا أريد أن أتعلم، التعلم هذا ليس بحسن، ولا أريد رخصة، هل يُسمح لهذا بقيادة السيارة؟ كذلك في الهداية لا بد أولاً من التوبة، التوبة إلى الله، فالتوبة هي سبيل الهداية، يقول الله : ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد:٢٧] يعني: الذي لا ينيب لا يهديه الله، ويقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] وبعد ذلك: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤] أي: إذا أردتم أن يهديكم الله فأنيبوا وارجعوا إليه. إذاً لا بد من التوبة. فيا من تريد الهداية! عليك أن تجري اختبار محاسبة لهذه النفس على الأعمال، وتأخذها جارحة جارحة، ومشكلة مشكلة، فتجعل بينك وبين نفسك مشارطة، وقد ذكر الشيخ أبو بكر الجزائري في كتابه منهاج المسلم، في مقدمة الكتاب. الآداب ومنها: الأدب مع الله، والأدب مع رسول الله، والأدب مع القرآن، والأدب مع الوالدين، والأدب مع الزوجة والولد، والأدب مع الجيران، والأدب مع النفس، وقال: إن هذه النفس لابد لها أولاً من مشارطة، فتشارطها شرطاً كأنك تشارط غريباً، فإنك إذا دخلت أنت وغريب في شركة فإن أول شيء تفعله معه هو أن تعقد معه عقداً أو تكتب معه شروطاً، فرأس المال كذا وكذا، وسوف يتحرك هذا المال بكذا وكذا، وسوف تقسم الأرباح بكذا وكذا، ونسبة الأرباح حسب نسبة الأموال. المهم أن هناك مشارطة مع النفس، وبعد المشارطة تأتي المراقبة، وبعد المراقبة تأتي المتابعة، وبعد المتابعة تأتي المحاسبة، وبعد المحاسبة تأتي المؤاخذة، إذاً هناك خمسة شروط: تشارطها، ثم تراقبها، ثم تتابعها، ثم تحاسبها، ثم بعد ذلك تؤاخذها، وكان هذا شأن السلف. خرج أحد السلف من بيته إلى المسجد فمر بعمارة، فسأل: لمن هذه العمارة؟ قالوا: لفلان، فذهب إلى البيت، ولما دخل البيت وأراد أن ينام بدأ يعيد شريط اليوم المحاسبي، قال: في الصباح صليت في المسجد ثم خرجت من المسجد إلى البيت، ومررت بطريق كذا وكذا، ثم مررت بفلان وسلمت عليه، ومررت بمسكين وأعطيته، ثم ممررت على ضعيف وواسيته، ثم مررت بفلان وفلان -المهم أنه حاسب نفسه- فوجد هذه الكلمة: مررت على عمارة وسألت عنها وقلت: لمن هذه العمارة؟ فقال في نفسه: لماذا يا نفس؟ ماذا تريدين؟ لماذا تتدخلين فيها؟ أتريدين مثلها؟ يا نفس يا أمّارة، ثم بدأ يعاتبها، وبعد ذلك أصدر الحكم عليها، فقال: والله لأعاقبنك بصيام سنة. فما رأيكم بهذا؟! فهذه نفسه بيده، لا تقدر أن ترفع نفسها عليه؛ لأن النفس كالجواد، إما أن تركبها أو أن تركبك، إن ركبتها ذهبت بك إلى الجنة، وإن ركبتك ذهبت بك إلى النار؛ تصير حمار نفسك، كثير من الناس الآن يقول: نفسي تقول لي، أي: ليس ربه الذي يقول له، ولا دينه، لا. بل يقول: هواي، وكيفي، ونفسي، وأنا على هواي وكيفي ومزاجي ورأيي، لا. فهواك ومرادك يجب أن يكون على مراد الله، وعلى ما جاء به رسول الله ﷺ . فلا بد أولاً من التوبة، وتأتي عن طريق المشارطة مع النفس، فتأتي إلى العين وتقول: يا عين! يا من كنتِ من أجل نعم الله عليّ في هذه الحياة، إذ لو طمس الله بصرك أيها الإنسان كيف تكون حياتك، أليست هذه النعمة عظيمة؟ تصور وضعك وأنت أعمى مغمض العينين، لكن أشرقت الأرض في وجهك ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد:٨] هذه من نعم الله عليك، فيا عين! أنت من صنع الله، لم تصنعك أمي، ولا اشتراك أبي، ولا أنا زرعتك في رأسي، إنما أنت نعمة من الله، ولا بد أن تسيري أيتها العين فيما يرضي الله، والذي يرضي الله هو: أن أنظر بها في كتاب الله، أو في سنة رسول الله، أو كتب العلم، أو ملكوت السموات والأرض لأهتدي بالنظر إلى الله، أو مصالحي المعاشية الدنيوية، أو أعمال رزقي ووظيفتي، تجارتي زراعتي لكن لا أنظر بها مطلقاً في ثلاثة أماكن: المكان الأول: لا أنظر بها إلى محارم الله، النساء، لماذا؟ لأن الله أمرني فقال سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] أي: قل يا محمد للمؤمنين: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] وكأن أحداً يقول: يا رب لماذا؟ قال: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] من الذي يعرف الأزكى؟ إنه الله، يعرفك، لأنه هو الذي خلقك: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك:١٤] فيعرف الذي يصلحك والذي يفسدك، فلم يأمرك بغض بصرك إلا لأن في هذا راحة لقلبك. فأشارط عيني على ثلاثة أمور: ألا تنظر إلى حرام، وألا تنظر إلى مسلم بعين احتقار وازدراء، وألا تنظر إلى ما متع الله به مسلماً من دنيا فانية: ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه:١٣١] فهذه هي المواطن الثلاثة حرام أن تنظر إلى امرأة لا تحل لك، حتى لا يسمّر الله في عينك مسمارين من نار بكل نظرة، وأن تنظر إلى مسلم بعين احتقار وازدراء إما لمال، أو لضعف، أو لجنس، أو للون، أو لمنصب، فالناس في الإسلام سواسية كأسنان المشط، (لا فضل لعربي على أعجمي، ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى). أو أن تنظر إلى أخ لك مسلم أعطاه الله دنيا، فتجيء وتقول: هذه العمارة له ونحن نحسبه فقيراً! هذه الأرضية له! هذه الوظيفة فيها! فلا. لأنك إنما تعترض على تقسيم الله ؛ لأن القسمة بيد الله، وهو الذي قَسم، فكأنك تقول: لماذا يا رب تعطي هذا وتترك هذا! فأنت ليس لك علاقة؛ لأن القاسم والرزَّاق هو الله . فتشارط عينك هذه الشروط، ثم تنتقل إلى الجارحة الثانية والخطيرة وهي جارحة اللسان فتشارطها، وهذه الجارحة تفتك فتكاً عظيماً في الدين، إذ لا يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم، والحديث صحيح رواه الحاكم والترمذي بسند صحيح عن معاذ بن جبل ﵁، وفي نهاية الحديث قال له النبي ﷺ وقد سأله عن عمل يدخله الجنة ويباعده عن النار: (لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه -ثم أخبر بالأوامر كلها وقال في النهاية:- ألا أدلك على ملاك ذلك كله؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: كف عليك هذا -أمسك لسانك- قال: يا رسول الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس على مناخرهم أو قال على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم). احذر لسانك أيها الإنسان لا يلدغنك إنه ثعبان كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تهاب لقاءه الأقران وقد وردت في اللسان أحاديث وآيات عظيمة تبين خطره، ففي البخاري ومسلم يقول النبي ﷺ ، وقد سُئل: (أي المسلمين أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده) وفي صحيح البخاري ومسلم -أيضاً- قال ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) بمعنى: أن الذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر يتكلم الكلام النابي، والمرء مخبوء تحت لسانه، وإذا أردت أن تتعرف على ما في قلب إنسان فانتظر حتى يتكلم، فإذا تكلم فإنما يغرف من قلبه؛ لأن القلوب قدور، والألسنة مغاريفها، فمن كان في قلبه خير ظهر على لسانه، ومن كان في قلبه شر ظهر على لسانه، والإنسان قفل ومفتاحه لسانه. وفي صحيح البخاري ومسلم عن رسول الله ﷺ قال: (من يضمن لي ما بين لحييه وفخذيه أضمن له الجنة) وفي صحيح البخاري ومسلم أحاديث لا تترك لأحد مجالاً، فليس هناك كلام أصح بعد كتاب الله من صحيح البخاري ومسلم، قال ﵊: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب) كلمة واحدة. وفي صحيح مسلم عن جندب بن جنادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن رجلاً قال لأخيه وقد نصحه) كان أخوه مسرفاً على نفسه بالذنوب، وهذا رجل طيب اللسان، فنصحه ونصحه ولكنّ أخاه مسرف دائماً، فجاء يوماً وهو على المعصية فغضب وقال: (والله لا يغفر الله لك، فقال الله: من هذا الذي يتألى عليّ؟! قد غفرت له وأحبطت عملك). انظروا إلى الكلمة! بواعثها حسنة ودوافعها الحماس والغيرة على دين الله،

стр. 1209

السبب الثاني: العلم إذ بغير علم لا يمكن أن تهتدي، كيف تهتدي وأنت أعمى؟ كيف تهتدي وأنت لا تعرف الطريق؟ فالعلم نور ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] ونعني بالعلم: العلم الموروث عن رسول الله ﷺ ، علم الكتاب والسنة، فلا بد أن تتعلم شيئاً من دين الله ليهديك به الله .

стр. 1210

السبب الثالث: الإيمان والتصديق الإيمان والتصديق؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس:٩].

стр. 1211

السبب الرابع: الدعاء أن تدعو الله بالهداية في الليل والنهار، وفي السر والجهر، وفي خلواتك وجلواتك، وركوعك وسجودك، تقول في كل لحظة: اللهم اهدني فيمن هديت، فلقد كان سيد الهداة ﷺ ، فيما ترويه عائشة -والحديث في الصحيح: (كان إذا افتتح صلاته بالليل، قال: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اخُتلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم). وفي الدعاء المأثور في القنوت: (اللهم اهدني فيمن هديت) فادع الله يا أخي، والله لا يردك أبداً بإذن الله؛ إذا أنت خضعت وجلست وتذللت بجبهتك وجبينك وأنفك في الأرض لله وأنت تدعوه في الهداية فلن يردك الله.

стр. 1212

السبب الخامس: اتباع الكتاب والسنة والدليل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨].

стр. 1213

السبب السادس: الاعتصام بالله والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠١] وفي الحديث القدسي يقول الله : (وعزتي وجلالي ما اعتصم عبد من عبادي بي فكادته السموات والأرض إلا جعلت له منها مخرجاً، وعزتي وجلالي ما اعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني إلا قطعت عنه أسباب السماء، وأزحت الأرض من تحت قدميه، ثم لا أبالي في أي واد هلك) فاعتصم بربك والجأ إليه، وتمسك بحبله .

стр. 1214

السبب السابع: المجاهدة في الله والدليل قوله : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] فكلمة (لنهدينهم) مؤكدة هنا باللام والنون المشددة الثقيلة، وبعد ذلك جاءت نتيجة الهداية، نتيجة المجاهدة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] والمجاهدة في أربعة أشياء: جهاد النفس، والشيطان، والمنافقين، والكفار، وكل واحدة من هذه لها مراتب، وما هذا بمقام تفصيلها.

стр. 1215

السبب الثامن: الصلاة فمن أعظم وسائل الهداية المحافظة على الصلاة، فالذي لا يصلي لا يهديه الله؛ لأن الله قال في أول سورة البقرة: ﴿ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١ - ٢] من هم؟ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٣] فهؤلاء يهديهم الله.

стр. 1216

السبب التاسع: الرفقة الصالحة الرفقة الصالحة الزملاء الطيبون الإخوان في الله، وهؤلاء تختارهم من المسجد، تتعرف عليهم من بين الركع السجود، أهل الأجسام النحيلة، والقلوب الرقيقة، والعيون الدامعة، والقلوب الخاشعة، الذين قد وقفوا بأقدامهم وبركبهم، يراوحون في الليل بين جباههم وأقدامهم بين يدي الله! تعرف عليهم وتحبب إليهم وخذ منهم: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٧١]. يقول ابن كثير: هذا مثل ضربه الله لمن له أصحاب طيبون يدعون إلى الهداية، وأصحاب ضالون يدعون إلى الضلال، فمن استجاب للهداة صار معهم، ومن استجاب للضلال صار معهم -والعياذ بالله- حيران في الأرض.

стр. 1217

السبب العاشر: الابتعاد عن رفقة السوء عن المرء لا تسَلْ وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي يقول الإمام علي ﵁: فلا تصحب أخ الجهل وإياك وإياه فكم من فاسق أردى مطيعاً حين ماشاه يقاس المرء بالمرء إذا ما المرء ماشاه وللناس على الناس مقاييس وأشباه وللقلب على القلب دليل حين يلقاه (الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) والذي يحب السيئين سيئ، والذي يحب الطيبين طيب، والقرآن قد أعطانا في هذا دليلاً واضحاً في قصة ذلك الرجل؛ وهو عقبة بن أبي معيط عليه من الله ما يستحق، فقد كان رجلاً حليماً رقيق القلب وأراد أن يسلم، لكن لما كان له صاحب خبيث منعه هذا الخبيث من الدين، فقد سافر هذا الخبيث إلى الشام فجاء عقبة إلى النبي ﷺ وجلس في مجلسه، واستمع إلى القرآن ورق قلبه وأراد أن يسلم، فلما وصل زميله ذاك في الليل سأل زوجته فقال: ما فعل خليلي؟ قالت: صبأ. -أي: اهتدى وأسلم- فترك البيت وذهب إليه وطرق عليه الباب وقال: سمعت أنك صبأت؟ فقال: أبداً ما صبأت، أنا معك، أنا رفيقك، فقال له: والله لا أرضى عنك حتى تذهب إلى محمد فتبصق في وجهه، فقال: أبشر -وليته ما بشر- فخرج وجاء إلى النبي ﷺ ، وليس له من يحميه آنذاك، كان وقتها الغلبة والدولة للكفر، وكان المسلمون قلة مستضعفون في الأرض، فخرج إلى النبي وهو جالس في مكة عند الكعبة، فجاء إليه ودعاه قائلاً: يا محمد! فلما التفت تفل في وجه النبي ﷺ ، ولم يستطع الرسول أن يفعل شيئاً، لماذا؟ لأن عقبة هذا من صناديد قريش، ومن عظماء مكة، لا يستطيع أحد أن يقول له كلمة. فمات عقبة -قتل في غزوة بدر - ولقي الله فأدخله الله النار، فتذكر ما الذي أهلكه، وإذا به زميله هذا، فقال الله : ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان:٢٧] أي: عقبة وغيره ممن كان على شاكلته، ولم يقل الله في الآية: يعض على إصبعه، بل قال: على يديه، أي: يأكلها كلها: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٢٧] أي: يا ليتني اتخذت مع الرسول طريقاً، يا ليتني مشيت وراءه ﴿يَا وَيْلَتَى﴾ [الفرقان:٢٨] يدعو بالويل والثبور وعظائم الأمور ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:٢٨] وهنا يقول المفسرون: إن فلاناً هنا نكرة، والتنكير للتعميم، وهو مقصود، إذ أن كل من أضلك عن الله يدخل في فلان سواء كان شريطاً أو كتاباً أو زميلاً أو مدرساً أو أخاً أو أي شخص أضلك عن الله، وسوف يقول الضال يوم القيامة: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٨ - ٢٩]. كما أن هناك كثير من الشباب اليوم يهتدي لشهر أو شهرين أو ثلاثة، ثم لا يجلس جلسة واحدة على أغنية أو فيلم إلا وقد غُسل مخه من الدين وعاد ألعن مما كان عليه في السابق! ينتكس والعياذ بالله! قال الله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون:٣] أي: أن الله قد ختم على قلبه؛ لأنه ذاق طعم الإيمان ثم انتكس، بصَّره الله بالطريق وأقامه على السبيل ثم بعد ذلك رجع، فهذا لا يهديه الله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٣] أي: لا يعلمون عن الله شيئاً والعياذ بالله. هذه هي العشرة الأسباب، وكل واحد منها يحتاج إلى ندوة أو ندوتين، لكن نحن نتكلم على سبيل التعميم، وإذا أمد الله في العمر، وهيأ فرصة مناسبة؛ فإن شاء الله نكملها، ولها توابع أخرى، فأسباب الهداية عشرة، وعلامات الهداية عشرة، وهناك موانع الهداية أو عوائق الهداية، وهذه أيضاً عشرة، فهناك عشرة موانع أو حواجز وسدود بين الإنسان وبين الهداية، لا يهتدي حتى يبتعد عنها كلها، إذاً كيف يهتدي وأمامه عشرة سدود؟! نقول: لابد أن يتجاوزها واحدة تلو الأخرى حتى يصل إلى الهداية، وهذه يراد لها عشرة أوقات. لكن نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يهدينا إلى سواء السبيل.

стр. 1218

الأسئلة

стр. 1219

حكم صوت المرأة وكشف وجهها السؤال سمعت لكم في أحد الأشرطة، أن مكالمة المرأة الغريبة بالتليفون حرام؛ لأن الأذن تعشق قبل العين، ولكن لدينا فتوى لأحد المشايخ -لا نذكر اسمه- أنه أجاز كشف الوجه للمرأة؛ لأنه ليس بعورة، ويجوز فيها سماع صوت المرأة؛ لأنه ليس بحرام، فما رأيكم؟ الجواب ليس لي رأي ولا للشيخ رأي، وإنما الحكم لله ورسوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام:٥٧] والحكم الذي لله ولرسوله يقتبس من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فإذا جاء نهر النقل بطل نهر العقل، فلا نشغل فكرنا ولا نقبل كلام شيخ بعد أن يأتي الكلام عن الله ورسوله. أما الكلام عن الله في كشف الوجه وما يتعلق به، فقد ذكر العلماء أن الوجه أعظم ما يمكن أن يوجب الإسلام على المرأة تغطيته، إذ أنه مجمع الزينة والفتنة، ولا يتصور بحال من الأحوال أن يأمر الشرع المرأة المسلمة ألا تضرب برجليها ثم يبيح لها أن تكشف وجهها، يقول الله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] فكيف يكون هذا حراماً بينما يكون كشف الوجه حلالاً؟ والوجه هو الذي فيه العينين، والشفتين، واللسان، والأنف، والخدين، والجبين، والذقن، وهو مجمع الفتنة كلها، ثم نقول: اكشفوه، ولكن عليكم بحجاب الأرجل، والله قد قال في كتابه العزيز: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣]. وقد قالت عائشة في قصة رجوعها من غزوة بني المصطلق وقد لحقها صفوان بن معطل ﵁، وكانت قد تأخرت -وبعد ذلك دارت حولها الفِرية العظيمة التي أفشاها وأشاعها عبد الله بن أبي عليه لعائن الله المتتابعة- فقالت ﵂: [وكان يعرفني قبل نزول آية الحجاب] يعني: أنها الآن متغطية لم يعرفها، إلا أنه يعرفها من قبل نزول آية الحجاب. وبعد ذلك يقول الله : ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ما هو الجيب؟ الجيب هو: فتحة الثوب التي تدخل منها المرأة رأسها، والله أمر بأن يضرب الخمار على الجيب، إذاًَ أين يقع الخمار؟ على الرأس، ولن يصل الخمار على الجيب إلا إذا مر بالوجه، إلا إذا عمِلت له تحويلة كي تغطي الأذن وتترك الوجه. أهذا يعقل؟! ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا﴾ [النور:٣١] وقال قبلها: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] هنا المُعول على بعض كلمات المفسرين، قالوا: (ما ظهر منها) أي: الوجه والكفين، لماذا؟ قالوا: استثناها الله. بأي دليل؟ قالوا: بأدلة أخرى. إذاً فنأتي على أدلتهم دليلاً دليلاً ونفنّدها كلها، ونرد عليهم: دليل الفضل بن عباس، ودليل المرأة سفعاء الخدين، ودليل أسماء أن المرأة إذا بلغت سن المحيض فإنه لا يجوز أن يظهر منها إلا هذا وهذا، وقد رد أهل العلم على هذه الأحاديث: أما حديث الفضل بن عباس فإنه كانت المرأة الخثعمية محرمة، وإحرام المرأة في وجهها، والرسول ما أقر الفضل، بل صرف وجهه عن النظر إليها. أما دليل سفعاء الخدين فإنه كان قبل الحجاب، أي أنه منسوخ. أما دليل أسماء بنت أبي بكر، فإنه منقطع؛ لأن خالد بن شريك الذي روى الحديث ما أدرك أسماء، فالحديث منقطع، وهو ضعيف، بل قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀: إنه موضوع، ولا يحتج به. إذاً ماذا بقي معهم؟! بل هم في الحقيقة مفلسون، قال العلماء: (ما ظهر منها) أي: شكلها العام الذي لا تستطيع أن تخفيه. مثلاً: إذا تحجبت المرأة ولبست حجابها الكامل من الكفوف والشرابات وغيرها، ثم خرجت متحجبة مثل الغراب الأسود، فهل يبقى فيها فتنة؟ نعم. شكلها العام هذا فيه فتنة، لكن أين تذهب؟ تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء؟! فالله عفا عن هذا الشيء، أما أن نقول: (ما ظهر منها) وجهها، إذاً ما هو الحجاب؟ وقد عُرف في الدين نزول آية الحجاب، وسورة الحجاب، والحجاب حجاب الوجه. أما الزينة التي قال الله فيها: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] أي: ما ظهر من الزينة؛ لأن الضمير في اللغة يعود على أقرب مذكور، وأقرب مذكور الزينة، والزينة هنا تنقسم إلى قسمين: زينة خلقية، وزينة كَسبية، والزينة الخلقية أي: الوجه والكفين، والزينة الكسبية أي: الملابس التي تلبسها، ولنرجع إلى القرآن الكريم، ونسأل المفسرين عن كلمة الزينة، وكيف استعملت في القرآن؟ وهل أريد بها الزينة الخلقية أم الكَسبية؟ لنرى أنها في أحد عشر موضعاً من كتاب الله أريد بها الزينة الكَسبية، ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتاب اسمه أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀، فقد تكلم بكلام عظيم كالذهب الأحمر في كتابه المذكور في سورة الأحزاب عند قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] لماذا قال الله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب:٥٩]؟ أي: أن المرأة لا تُعرف بهذا الحجاب، ولكن تعرف بوجهها، فلو أتينا أمامك الآن بمائة امرأة، وبينها زوجتك وابنتك وأختك وهن كلهن متغطيات، ثم قلنا لك: أخرج لنا منهن امرأتك وأمك وأختك؟ هل تستطيع أن تخرجهن من بين النساء؟ فإذا كشفنا وجوههن، وقلنا: أين امرأتك؟ لقلت: تعالي يا فلانة. فالله أمر المرأة أن تغطي وجهها حتى لا يعرفها أحد فيؤذيها، يتعرف مثلاً على جمالها فيؤذيها: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٥٩]. فالحجاب حجاب الوجه؛ لأن الوجه هو الإنسان، فأنا عندما أتكلم معك أنظر إلى وجهك، فلو أني أخذت أتكلم معك الآن وأنا أنظر إلى رجلك وأقول: كيف حالك؟ فسوف تقول لي: ارفع رأسك! الله أكبر عليك، تكلمني أم تكلم أرجُلي؟! ثم يأتي هذا فيقول: غطوا الأرجل ولكن اكشفوا الوجه. وأما الأحاديث الصحيحة الكثيرة فهي في مضانها، ولا مجال لأن نزعزع إيماننا، والذين قالوا بكشف الوجه والكفين علماء، لكن نسأل الله أن يغفر لهم زلتهم، وإنهم والله خدموا الماسونية خدمة جليلة بدون مقابل؛ لأن أول هدف من أهداف الماسونية في نبذ الدين وتشتيته هو: خلع الحجاب؛ لأنه إذا خُلع الحجاب فتح الباب، والأمم والشعوب التي وضعت الحجاب وضعت معه الدين، وهاكم ترون وتسمعون، ونحن في هذه البلاد نسأل الله ألا نضع الحجاب، وأن يحفظ لنا الحجاب على وجوه النساء، وأن يحفظ عيوننا من النظر إليهن ليبقى لنا ديننا، لكن يقولون: (ضع النار بجانب البارود ولا تشعل) وهذا مستحيل. أما الصوت فاسمع فيه كلام الله لا كلامي، يقول الله : ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [الأحزاب:٣٢] فالذي قلت إنه حرام هو: المحادثة بالتليفون، وهي المحادثة المشبوهة، المحادثة التي فيها ريبة، وتأنث، وصوت رخيم، وتشبيب، فهذه لا تجوز، أما الرد على التليفون بالصوت المعروف، كما قال الله : ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [الأحزاب:٣٢] فليس فيه شيء، فإذا تكلمت المرأة مع عالم تسأله، أو تكلمت مع رجل تشتري منه أو تبيع أو مع قاضٍ تشهد عنده فليس هناك شيء، أما أن تتكلم بكلام لين رطب فيه مرض وفيه جنس وفيه زنا؛ فهذا محرم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [الأحزاب:٣٢].

стр. 1220

الحث على مد يد العون للمجاهدين السؤال فضيلة الشيخ! إن إخواننا على الجبال يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، أجسامهم عارية وبطونهم جائعة، وقد حصل ما حصل لهم، وكثير من الناس يظن أنهم بعد تشكيل هذه الدولة استغنوا عن غيرهم، ولكنهم يقابلون الآن أعتى قوة، وهم يحصدون نتائج جهادهم، فهل من كلمة توجيهية لهذا الجمع المبارك لمد يد العون لهم والوقوف معهم؟ الجواب جزى الله أخانا خيراً. أولاً: اعترافاً بالفضل لأهله، نقدر ونشكر باسم كل مسلم هذا الموقف النبيل الذي وقفه ولاة الأمر في هذه البلاد حينما أعلنوا كلمة الحق مدوية في العالم كله باعترافهم الصريح والمبادر الأول بحكومة الأفغان الإسلامية، فشكرَ الله لهم وثبتهم وهداهم ووفقهم، وهذه رفعت رأس المسلمين، وأوجدت راية للمؤمنين يعتز بها إخواننا المجاهدون، فإنهم يقولون: نحن نعتز باعتراف المملكة العربية السعودية بدولة الأفغان الإسلامية، وهذا الاعتراف يعدل اعتراف جميع دول الأرض كلها، فبارك الله في ولاة الأمر، ووفقهم الله وهداهم إلى صراطه المستقيم. أما نحن فموقفنا ليس أن نتفرج كما نحن الآن عليه، بل يجب أن يكون موقفاً مضاعفاً؛ لأن الإخوة أرغموا الروس على التقهقر والانسحاب، لكن الروس مكرة، فجرة ملحدون، ما خرجوا إلا بعد أن لغموا الأرض بثلاثين مليون لغم، وهي موجودة الآن في الأرض، وممتدة عبر شبكات أرضية وعلى أشكال كثيرة، منها: الأقلام، ومنها الفراش، ومنها البرايات والحلوى وعلب السجاير، ألغام كثيرة، اللغم الواحد منها يفجر سيارة، ثم بعد ذلك لغموا الأرض بالسلاح ومدوا إخوانهم من الشيوعيين الكفرة الموجودين في الحكم بأعتى أنواع الأسلحة، بل إن هؤلاء مستميتون؛ لأنهم يعلمون أنهم لا يستطيعون أن يحيوا مع الإسلام، فهم كفار ملاحدة لا يسلمون بسهولة؛ ولذلك يقول القادة: نحن نحارب الآن أكثر من حربنا سابقاً؛ لأن الروسي كان يحارب وهو ينظر إلى الهزيمة ليخرج إلى بلده، بينما الأفغاني الكافر يحارب وأين يذهب؟ ليس معه إلا أنه يحارب حتى يموت، ولذلك فالمعركة الآن شديدة جداً جداً، وتستوجب منا جهداً مضاعفاً، لكن بم؟ إن عجزنا عن الجهاد بأنفسنا فلا أقل من أن نجاهد بأموالنا، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف:١٠ - ١١]. وقد وصلتني رسالة من أحد الإخوة القادة، يقول لي فيها: نريد من كل مسلم أن يجعل الجهاد كواحد من أطفاله، فإذا كان لديك مثلاً ثلاثة أولاد، وتعطي كل ولد خمسة ريالات من أجل السندوتش والعصير، فهذا الأخ يقول: نريد أن يكون الجهاد ولداً رابعاً، فإذا كان عندك أربعة أولاد فاجعل الجهاد ولدك الخامس، وهكذا، اجعل فسحة للمجاهدين في حساباتك، كل يوم خمسة ريالات، فيكون في الشهر مائة وخمسون ريالاً، فلو أن كل مسلم دفع شهرياً مائة وخمسين من راتبه للمسلمين المجاهدين، لكان المسلمون المجاهدون على أعظم مستوى من القوة، فنقول لكم أيها الإخوة: جاهدوا بأموالكم وأنفسكم.

стр. 1221

الرد على من يمتنع من الهداية بحجة أن الله قد كتبه من الأشقياء السؤال فضيلة الشيخ! إذا دعوت بعض الناس إلى الله تعالى يحتج عليَّ ويقول: لو أن الله هداني لكنت مثلك، فكيف أرد عليه؟ الجواب ترد عليه بما رد الله على من قال هذه الكلمة: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ [الزمر:٥٧] هذه علة المنهزمين، وحجة الشياطين، يقول الله : ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ [الزمر:٥٤ - ٥٦] يعني: لئلا تقول نفس ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ [الزمر:٥٦ - ٥٧] فهذه الكلمة نفسها جاءت في القرآن الكريم: ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٥٧ - ٥٨] قال الله : ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ [الزمر:٥٩] أي: قد هديتك، فبعض الناس يقول: لو أن الله هداني، فالله قد هداك. ولكن ما معنى الهداية؟ الهداية هي الهداية الشرعية أي: الدلالة، فالله دلك ففطرك على الإسلام، ودلك فأنزل لك كتاباً وأرسل لك رسولاً، ودلك فبين لك الخير وأمرك به، وبين لك الشر وحذرك منه، فماذا تريد بعد ذلك؟ هل تريد أن يُنزِل لك الله ملكاً من الملائكة يأخذ بأذنك فيقول صلِّ إذا جاءت الصلاة. إذاً ليس هناك فائدة إذا اهتديت؛ لأنك إنما اهتديت بالقوة. فالهداية هي: الدلالة، والله تعالى يقول: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ [الزمر:٥٧] قال الله تعالى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ [الزمر:٥٩] أي: بلغتك دلالاتي ﴿فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٥٩]. فليس لأحد حجة الآن؟ ما يدريك أن الله لم يهدك؟ هل اطلعت على الغيب؟ بعض الناس عندما تنصحه يقول لك: لا يا شيخ! يمكن أن الله كتبني شقياً. حسناً، لماذا لا تَحتمل أن الله كتبك سعيداً مادامت كلمة شقي وسعيد في علم الغيب؟ لماذا احتملت الخيار الأسوأ انهزاماً أمام شهواتك؟ إن قضية شقي وسعيد ليست من خصوصياتك، أنت عبد مأمور، عملك أن تطيع الله ولا تعصه، وأن تثق أن الله لا يظلمك أبداً ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠]. أما أن تتدخل في قضاء الله وقدره وتقول: لعل الله كتبني شقياً، ولهذا أنا سوف أصبح شقياً، فهذا من الانهزامية والتبعية للشيطان والنفس والشهوات.

стр. 1222

كيفية تربية الأبناء السؤال كيف نربي أولادنا وبناتنا، علماً بأن البنات لا يذهبن إلى المساجد لقلة وجود المدارس الخاصة بالنساء في المساجد؟ الجواب هذا سؤال عام يحتاج إلى تفصيل ووقت طويل، لكن القول المختصر فيه: أن تربيهم على طاعة الله، وأن تحميهم من معصية الله، وطاعة الله في الأوامر، ومعصية الله ممثلة في النواهي، هذه هي التربية، فكونك تأتي إلى الولد فتقول له: الغناء والزنا واللعن والسب حرام، الصلاة واجبة، هذه هي التربية، وأما بالنسبة للبنات فيتعلمن أيضاً في البيوت، وتحاول أن تجتهد في البحث عن مدرسة قريبة من مدارس القرآن الكريم، وأعتقد أن في الرياض العديد من المدارس، وليس بالضرورة أن تكون هناك مدرسة بجانب بيتك، لا. احمل ابنتك بالسيارة واذهب بها إلى المدرسة لتقرأ كلام الله ، وانتظرها ساعة ثم ارجع لها وخذها، فهذه مسئوليتك وهذا دورك، فلا تتصور أن أحداً سوف يقوم بدورك عنك.

стр. 1223

حكم المرأة المؤمنة التي تدخل الجنة وليس لها زوج السؤال فضيلة الشيخ! تكلمتم جزاكم الله خيراً عن نساء أهل الجنة من الحور العين، فما بال نساء أهل الدنيا في الجنة، وخصوصاً المرأة التي تدخل الجنة وزوجها إما أن يكون فاجراً أو كافراً والعياذ بالله ولم تتزوج بعده؟ الجواب هذا تكلم عنه أهل العلم، وذكر شيخ الإسلام ابن القيم ﵀ في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح كلاماً عظيماً عن هذا الموضوع: وذكر أن المرأة المؤمنة التي تدخل الجنة وزوجها مؤمن فهي له -معه- لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١] وأخبر ﵎ أن الملائكة يستغفرون لمن في الأرض ويقولون: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٧ - ٩] فالمؤمنة إذا دخلت الجنة وزوجها مؤمن كانت له، أما إذا دخلت الجنة وكان زوجها فاجراً أو كافراً من أهل النار عوضها الله بزوج مؤمن من الذين ليس لهم أزواج مؤمنات في الدنيا، والله عدل: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩].

стр. 1224

معالم على طريق الهداية السؤال إذا أراد الإنسان أن يهتدي فهل هناك معالم توصيه بها؟ الجواب نعم. إذا أراد أن يهتدي وسار في طريق الهداية، فهناك دلالات ومعالم وإشارات على طريق الهداية: أول دلالة: قراءة القرآن الكريم. لا بد أن تجعل لنفسك ورداً من كتاب الله لا يقل عن جزء يومياً وهذا أقل ما يمكن، فالذي يختم في أكثر من شهر مقصر في كتاب الله ، فلقد كان السلف رضوان الله عليهم يعدون الذي يختم في أكثر من شهر هاجراً لكتاب الله، فاجعل لك ورداً يومياً من كتاب الله لا يقل عن جزء، ويكون هذا الجزء بالتدبر والتمعن ومعرفة أسباب النزول ومعاني المفردات والكلمات، وأيضاً المعنى الإجمالي للآيات، ولا تقرأه هذرمة. ثانياً: اجعل لك ورداً معيناً من حديث رسول الله ﷺ . وأعظم كتاب ندل عليه: اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، هذا الكتاب اشتمل على الأحاديث الصحيحة التي اتفق عليها البخاري ومسلم وأُوردت بنص رواية البخاري؛ لأن هناك روايات كثيرة، لكنه حذف المكرر وحذف رواية مسلم وجاء برواية البخاري؛ لأنها أشمل وأكمل، فاقرأ كل يوم حديثاً وتعرف على شرحه من كتب شروح السنة. ثالثاً: عليك بالطاعات والفرائض والمحافظة عليها محافظة دقيقة، ابتداءً بالصلاة. رابعاً: الابتعاد عن المعاصي والذنوب والكبائر والمكروهات. خامساً: البحث عن الرفيق الصالح، والحذر من رفيق السوء. فإذا سرت على هذه المعالم الست مباشرة، تصل إن شاء الله وتصبح من المهتدين.

стр. 1225

كلمة توجيهية لاستغلال ليالي رمضان السؤال فضيلة الشيخ! لم يبق على شهر رمضان المبارك سوى أيام قليلة، ولكن وللأسف كثير من الشباب هداهم الله، يستعدون لقضاء لياليه الكريمة في السهرات الباطلة، والبعض الآخر يستعد للسفر لبلاد الكفر في آخر الشهر لقضاء إجازة العيد بين الفاجرات وارتكاب المعاصي، فما هي نصيحتكم لإخواننا هؤلاء؟ وما هو توجيهكم لاستغلال مثل هذه الليالي المباركة؟ الجواب شهر رمضان موسم من مواسم الخير، وفرصة من الفرص الربانية التي يتيحها الله للمؤمنين للدخول عليه من أوسع باب ومن أسهل طريق، وكان السلف يسألون الله أن يبلغهم رمضان، يقولون: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان. يقول الناظم: يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب حتى عصى ربه في شهر شعبان ها قد أظلك شهر الصوم بعدهما فلا تصيره أيضاً شهر عصيان أتل الكتاب وسبح فيه مجتهداً فإنه شهر تسبيح وقرآن كم كنت تعرف ممن صام في سلف من بين أهل وجيران وإخوان أفناهم الموت واستبقاك بعدهم حياً فما أقرب القاصي من الداني ومعجب بثياب العيد يقطعها فأصبحت في غدٍ أثواب أكفان حتى متى يعمر الإنسان مسكنه؟ مصير مسكنه قبر لإنسان ولقد دعا رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح برغم أنف من أدرك رمضان ولم يغفر له، عندما صعد المنبر فقال: (آمين آمين آمين، قال الصحابة: لم يا رسول الله تقول آمين؟ قال: جاءني جبريل فقال: رغم أنف من أدرك رمضان ولم يغفر له) شهر رمضان تغلق فيه أبواب النيران، وتفتح فيه أبواب الجنان، وتغل فيه مردة الشياطين، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل! ويا باغي الشر أقصر! وتضاعف فيه الحسنات، وبعد ذلك تسهر للشر؟ يقولون: نحييه، أتشكل لك جماعة شر من أجل أن تحيي ليالي رمضان؟! أهكذ يكون إحياء رمضان؟! لا. إنما أحياؤه بالقيام وبالعلم، وبتدبر وتلاوة كتاب الله، أما إحياؤه بالورق والبلوت والجراك والشمة والدخاخين والسهرات القاتلة، فهذا إماتة لرمضان والعياذ بالله. فإذا جاء رمضان شكل لك جماعة، لكن جماعة إيمانية، كل ليلة عند شخص على شيء من علم، اليوم تفسير، وغداً حديث، وبعده فقه، وبعده توحيد، وهكذا أما اليوم على البلوت، وغداً على الورق، وبعده على الكيرم، فهذا لا يجوز. وأما من يذهب إلى خارج المملكة ليأخذ عمرة؛ لأنه ورد في صحيح البخاري: (عمرة في رمضان تعدل حجة معي) فالعمرة إلى مكة، لكن من يأخذ عمرة ويخرج خارج المملكة، ليقضي على دينه في الخارج! هذا لا يأخذ عمرة، بل يبيع عمره يضيعه والعياذ بالله، نقول له: اتقِ الله في نفسك! واتقِ الله يا ولي أمره! وإذا لم تخرج أنت وخرج ولدك فالمال الذي خرج به ليزني أو ليسكر والله إن إثمه كله في رقبتك. وقد أتانا في رمضان الماضي أحد الأثرياء في أبها ودخل معنا في المسجد يصلي، وبعد الصلاة دعاني فقال لي: هيا معنا، قلت له: وأين تسكن؟ قال: أسكن في شقة من الشقق التي للمصيفين، قلت له: الحق أن تأتي معي، قال: ما في حق ولا حقوق، نحن جيران المسجد، فدخلت عنده من باب الإكرام له، وكنت غير مشغول في تلك الليلة، وإذا جماعته الذين معه كلهم أصحاب دنيا، ملايين، فضاق صدري، وأصبحت مثل الطائر في القفص، أريد ذكر الله وهؤلاء ليس عندهم إلا الأراضي والعقارات، قلت: يا أخي. قال: نعم. قلت له: أنت من أهل الملايين؟ قال: نعم. قلت: أحسن الله عزاك في حياتك! وأين ملايينك؟ قال: الحمد لله في خير، قلت: كم بنيت من مساجد؟ قال: لا شيء. قلت: كم أرسلت للمجاهدين؟ قال: لا شيء إلا الزكاة، كم كم وأخذت أسأله، ثم قلت له: أين أولادك؟ قال: عندي أولاد في الرياض وأولاد في فرنسا. قلت: ما يفعلون؟ قال: يصيفون. قلت: ومن أين لهم المال؟ قال: المال مني. قلت: وزودتهم أيضاً بالمال، والله لا يعصون الله في شيء إلا وهي في رقبتك يوم القيامة، انتبه! لا تعط ولدك ريالاً واحداً ليخرج خارج هذه البلاد، وولاة الأمر حريصون على ألا يعطوا أحداً جواز سفر إلا بموافقتك أنت، كيف ترسل ولدك إلى الأماكن الموبوءة القذرة المنتنة، وتزوده بالمال وتقول له: اذهب، ثم تريده أن يرجع ومعه دين، لا. لا يمكن أبداً بأي حال من الأحوال. أما ما يصنعه الناس اليوم في استقبال شهر رمضان على أنه موسم من مواسم الأكل، فهذا خطأ وضد شريعة الصوم، وإنما شرع الصوم من أجل أن نعرف ألم الجوع ونعاني معاناة الفقير، ونصبر عن الطعام، لكن حولنا وقلبنا المسألة! أصبح رمضان شهر طعام ومطاعم، يقضي الرجل سحابة نهاره من الصباح إلى العصر وهو متنقل بين البقالات، بل رأيت أحد أقاربي وهو يريني كشف الطلبات وفيه كرتون شربة! كرتون شعيرية! قلت: كرتون! لماذا كرتون؟! قال: رمضان كريم! قلت: رمضان كريم لتأكل فيه؟! رمضان كريم لتشتري فيه كرتوناً وتوزعه على الفقراء الذين ليس لديهم شيء، ليس لكي تملأ مخازنك، وتأكل حتى تمتلئ كل أجزاء بطنك. تصوروا أن بعضهم لا يستطيع أن يقوم من السفرة؛ لأنه لا يفطر على تمرات، وإنما يفطر على تمرة وشربة وسنبوسة وحلوى، وشراب، وعصيرات، ولو أن جملاً أكل هذا الفطور كله لمات، ثم يذهب ليصلي فيبحث عن أقرب مسجد وأسرع إمام، ثم يرجع بعد المغرب إلى العشاء والسفرة ممدودة، ولا بد أن يعمم عليها كلها، كيف يترك هذه، بل يأكل من هذه وهذه ومن هذه، ولو أكل من كل نوع لقمة لامتلأت بطنه وانفقع، ولكن يأكل من هذه قليلاً ومن هذه قليلاً، وإذا انتهى قال: ائتوا بالماء لأغسل يدي، وبعد ذلك إذا أذَّن العِشاء لا يستطيع أن يقوم من مكانه، إذا أراد أن يقوم فاتته الفريضة. فكثير من الناس يدركون التراويح ويضيعون الفريضة، والتراويح سنة مؤكدة والفريضة فريضة، ويأتي يصلي النافلة ويترك الفريضة، فهذا منكوس -والعياذ بالله- وبعضهم يبحث عن إمام يصلي صلاة حسنة خفيفة، يعني: يريد أن يصليها في غمضة عين، وإذا وجد شخصاً مؤمناً يرتل كلام الله، ويخشع في كلام الله، قالوا: هذا مُعقد مُشدد! والله إن أرجلي قد تكسرت! ولماذا تكسرت رجلاك هنا ولم تتكسر في السوق وأنت من الصباح إلى المغرب هناك، في البقالات والأسواق المركزية، وعند الحنيذ والحلويات والمشويات والمقليات؟ لكن عندما تكون بين يدي الله في ركعتين أو أربع أو ست ركعات تتكسر أرجلك، وإذا بك متعب هنا ونشيط هناك، فهذا قلب فاسد والعياذ بالله. وأقول لكم يا إخواني: استقبلوا شهر رمضان بتلاوة كتاب الله، وبمدارسة العلم، ولا تشتر شيئاً جديداً، بل اترك رمضان مثل شعبان تماماً. وأنا شخصياً قلت لأهلي: والله لا آتي بشيء زائد عن شهر شعبان، بل أُنقص، لأننا كنا نفطر ونتغدى ونتعشى في غير رمضان، وفي رمضان ماذا جرى؟ هو سحور وفطور فقط، أي: وجبتين، إذاً أُنقص الثلث؛ لأنه لا يوجد غداء. وبعد ذلك اجعل أهلك يصنعون لك نوعاً أو نوعين من الطعام فقط، ثم أفطر على تمرات أو ماء، ثم قم إلى المسجد وارجع على نوعين من الطعام، وبعد ذلك صل، وبعد الصلاة ارجع إلى أهلك فإن كان هناك شيء خفيف تأكله وإلا فاصبر حتى تتسحر (تسحروا فإن السحور بركة). والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 1226

أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً إن الله خلق الإنسان لغاية عظيمة ولهدف جليل ألا وهو عبادة الله وإفراده بالتوحيد والعبودية، وأمر بذلك وأنزل الكتب وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين، فمن أقر لله بالعبودية وأفرده بالتوحيد نال ما بشره الله به، ومن خالف وعصى نال ما توعده الله به، فعلى الإنسان في هذه الدنيا أن يعمر أوقاته بما يعود عليه بالعاقبة الحميدة في الآخرة.

стр. 1227

الغاية من خلق الإنسان إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: عباد الله: ما هذه الحياة؟ وما حقيقتها؟ ولماذا جاء إليها هذا الإنسان؟ ومتى سينقل منها بعد أن يؤدي دوره على مسرحها؟ وما هو المصير الذي ينتظره بعد أن يخرج رغم أنفه منها؟ الموت باب وكل الناس داخله يا ليت شعري بعد الباب ما الدار الدار جنة عدن إن عملت بما يرضي الإله وإن خالفت فالنار هما طريقان ما للمرء غيرهما فاختر لنفسك أي الدار تختار أيها الإخوة في الله: هذه الحياة لغزٌ محير، حارت في فهمه العقول في القديم والحديث، وعجزت كل الفلسفات البشرية أن تحل هذا اللغز أو تقدم الإجابة الصحيحة على هذه التساؤلات، وضل الإنسان، وشقي وحار، واضطرب وتاه، وبقي سعفة في مهب الرياح في صحراء هذه الحياة، لا يدري من أين جاء، ولا يدري لماذا جاء، ولا يدري إلى أين يصير بعد هذه الحياة. إن حصول الشقاء لهذا الإنسان هو لقاء إعراضه عن مولاه، وتحقيق لقول الله فيه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٧]. ضل الإنسان؛ لأنه لم يتعلم من الله الذي خلقه. إن حكمة الخلق لا يمكن أن يتعرف عليها الإنسان من عندياته، فلابد أن يتعلم هذه الحكمة من الذي خلقه، وأنت أيها الإنسان لم تخلق نفسك، قال الله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦] إن خالق الإنسان وخالق الكون هو الله الذي لا إله إلا هو: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر:٦٢ - ٦٣] ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً * إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالاً وَسَعِيراً * إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ [الإنسان:٢ - ٥]. الأبرار: أي المستجيبين لله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان:٥ - ٦] ليسوا عباد الشهوات، ولا عباد الذنوب والمعاصي والمنكرات، ولكنهم عباد الله، أخضعوا أنفسهم في هذه الدنيا لأوامر الله، واستسلموا لشريعة الله، وآمنوا بالله، رضوا به رباً، وبدينه ديناً، وبنبيه نبياً، فعاشوا على نورٍ من الله وبرهان: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الإنسان:٦ - ٧]. تعلموا هذه الحقيقة من الله، أنهم ما خلقوا عبثاً؛ لأن العبث محال على الله، بل العبث غير لائق بك أيها الإنسان! لو بنيت جداراً في بيتك، أو صممت عملاً في محيط اختصاصك، ثم سألك أحد الناس، وقال لك: لمَ هذا؟ فقلت: عبثاً، أليس نقصاً في رجولتك؟ أليس قدحاً في عقليتك أن تعمل شيئاً عبثاً بدون حكمة؟ نعم. والمحال الأعظم أن يخلق الله هذا الكون وهذه العوالم، سماوات وأرض، وبحار، ونجوم، وجبال وشجر، ودوابٌ وأنعام، وليلٌ ونهار محال أن يخلقها الله عبثاً. يقول الله : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] تعالى وتقدس أن يخلق شيئاً عبثاً: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦] وقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الدخان:٣٨] ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٧ - ١٨]. ويقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧]. إن الله ما خلقك عبثاً، بل خلقك لحكمة، هذه الحكمة تعرفها من قول الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] هذه حكمة خلقك، وهذا سبب وجودك: أن تعمر هذه الحياة بعبادة الله: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]. الرزق مكفول، والعمر محدود، والإمكانات موفرة، والمنهج واضح، والطريق مستقيم، وأنت مأمورٌ أن تسير على هذا المنهج، وأن تواصل السير على هذا الطريق المستقيم، وألا تلتف أو تنحرف؛ فإنك إن انحرفت عن هدي الله وعن طريق الله، كان المصير دماراً وعذاباً في الدنيا، ودماراً وبواراً في النار: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] يعني: في الدنيا معيشة ضنكاً، والله ولو امتطى أحدث الموديلات، ولو امتلك ملايين الريالات، ولو نكح أجمل الزوجات، ولو سكن أرفع العمارات، ولو احتل أحلى وأعلى الرتب والمناصب، وقلبه بعيدٌ عن الله، فإن هذه كلها لا تزيده إلا عذاباً.

стр. 1228

السعادة في ظل الإيمان في ظل الإيمان بالله، وفي ظل الدين يعيش الإنسان سعيداً ولو سكن كوخاً، ولو أكل رغيفاً، ولو لم يتزوج زوجةً، ولو لم يحتل منصباً، ولو لم يملك ريالاً واحداً؛ لأن الله جعل السعادة في دينه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [مريم:٩٦] فالمنهج والحكمة التي خلقك الله من أجلها هي العبادة، والذي يعيش على غير هذه الحكمة، يعيش ضالاً ضائعاً منحرفاً. يقول شاعرهم: جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت كيف جئت؟ كيف سرت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري؟ ولماذا لست أدري؟ لست أدري؟ ووالله إن هذا لمنتهى العذاب، أن يعيش الإنسان وهو لا يدري لماذا يعيش، وهذا السبب هو الداء الذي تعاني منه البشرية اليوم، رغم أنها استطاعت أن تحقق من الإنجاز العلمي في المجال المادي ما يبهر العقول، ولكنها في الجانب الروحي والإيماني تعيش في فقرٍ روحيٍ وخواءٍ إيماني؛ فسبب لها هذا الشقاء، فتجدهم -الآن- في الغرب ينتحرون وتزعزعهم وتقلقهم الأمراض النفسية. والطب النفسي لم يكن موجوداً، والأمراض النفسية سببها عدم القرب من الله، سببها التفكير في هذه الحياة، يفكر الواحد يقول: أنا لماذا أعيش؟ فيقول: أعيش لآكل، فيقول: حسناً! وأنا آكل لماذا؟ فيكون الجواب إنك تأكل لتعيش، وتعيش لتأكل، وتأكل لتعيش، وهكذا تبقى في حلقة مفرغة، تأكل لتعيش، وتعيش لتأكل وبعد ذلك يجب أن تجيب بالجواب الحتمي: ثم أموت، تموت رغم أنفك، فلا يبقى لك منصب، ولا تبقى لك رتبة، إذ لو بقيت لغيرك ما وصلت إليك، ولا يبقى لك شباب إذ أن شباب هذه الدنيا إلى هرم، وعافيتها إلى سقم، وحياتها إلى موت، وقصورها إلى قبور، ونورها إلى ظلام.

стр. 1229

دعوة إلى المحاسبة والاستدراك قبل الرحيل هذه الأيام مطايا أين العدة قبل المنايا أين العزائم أرضيتم بالدنايا؟ إن بلية الهوى لا تشبه البلايا وإن خطيئة الأحرار لا كالخطايا قضية الزمان لا كالقضايا! ملك الموت لا يعرف الوساطة ولا يقبل الهدايا أيها الشاب! ستسأل عن شبابك أيها الكهل! تأهب لعتابك أيها الشيخ! تدبر أمرك قبل سد بابك يا مريض القلب قف بباب الطبيب يا منحوس الحظ اشك فوات النصيب لذ بالجناب ذليلاً وقف على الباب طويلاً فأنت بداء التفريط والتسويف عليلا يا من عليه نذر الموت تدور يا من هو مستأنسٌ في المنازل والدور لا بد من الرحيل إلى دار القبور والتخلي عما أنت به مغرور غرك والله الغرور بفنون الخداع والغرور يا مظلم القلب وما في القلب نور الباطن خراب والظاهر معمور إنما ينظر إلى البواطن لا إلى الظهور لو تفكرت في القبر المحفور وما فيه من الدواهي والأمور كانت عين العين منك تدور يا من يجول في المعاصي قلبه وهمه يا معتقداً صحته فيما هو سقمه يا من كلما زاد عمره زاد إثمه يا طويل الأمل وقد تيقن أن اللحد عما قليلٍ يضمه استدرك العمر قبل رحيله فكيف نعظ من قد نام قلبه لا عينه وجسمه قال الفضيل بن عياض ﵀: [إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار، فاعلم أنك محروم، كبلتك خطيئتك]. فيا عباد الله! الحكمة التي خلقكم الله من أجلها هي العبادة، والذي لا يسير في هذه الحكمة ولا يمشي في هذا الخط سيعيش في عذاب، شاء أم أبى، يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٦ - ٣٧]. بالإيمان تعيش سعيداً، وبالإيمان تموت سعيداً حينما يأتيك الطلب الذي لا يستطيع أن ينجو منه أحد الموت قاهر الجبابرة قاهر العظماء لا يمتنع منه أحدٌ لا ملك بملكه ولا أميرٌ بإمارته ولا تاجرٌ بتجارته ولا قوي بعضلاته ولا عالمٌ بمعارفه لكن الكل يموتون: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] وهذه القضية عبر الاستطراد والاستقراء للتاريخ ما علمنا أن أحداً شذ عنها، هل سمعتم بأن إنساناً استطاع أن ينجو من الموت؟ لا.

стр. 1230

البعث والنشور هذه قضية ثانية: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٦] فما دام أن الأولى حصلت وهي أن الموت سنة جارية على الكبير والصغير، فلابد أن تحصل الثانية وهي البعث، إذ لو تخلفت الأولى؛ لجاز أن نقول: تتخلف الثانية، وعندما يأتي الموت لا ينفع مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليم. عند الموت لا تحاسب ولا تعامل على ضوء منزلتك الاجتماعية، ولا رتبك الوظيفية، ولا أرصدتك المالية، ولا وضعك الرياضي، ولا شهاداتك العلمية، كل هذه نفعتك في الدنيا؛ لكن عند الموت يوجد مؤهلات أخرى إذا جئت بها نلت الكرامة وإذا لم تأت بها ليس لك عند الله قيمة. ما هي مؤهلاتك في الآخرة؟ التوحيد الخالص الصلاة الخاشعة في جماعة المسلمين الزكاة المدفوعة الصيام الزاكي الحج المبرور بر الوالدين صلة الأرحام الدعوة إلى الله الأمر بالمعروف النهي عن المنكر العيش لهذا الإسلام الدفاع عن هذا الدين الحب في الله البغض في الله هذه مؤهلات تنفعك عند الموت ولو كنت في أقل رتبة، ولو كنت لا تملك ريالاً واحداً، لكن لو عندك أعلى رتبة وأعظم مال ولا تملك هذه المؤهلات فليس لك عند الله قيمة: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف:١٠٥] هذه موازين الدنيا، لكن موازين الآخرة تختلف عن موازين الدنيا. مر رجلٌ على رسول الله ﷺ في طمرين -طمرين يعني: ملابس رثة- باليين، وحالة رثة، وهيئة ضعيفة، فقال الرسول ﷺ لأصحابه: (ما ترون في هذا -يعني: ما رأيكم في هذه الشخصية- قالوا: هذا رجل ضعيف، جدير إذا خطب ألا ينكح، وإذا تكلم ألا يسمع له، وإذا دخل ألا يقام له -يعني: ليس له قيمة في المجتمع- فهز ﷺ رأسه، ثم مر رجلٌ آخر على حصان -شخصية بارزة- عليه ثيابٌ عظيمة، وفي يده سيفٌ مصلت، يمتطي جواداً عظيماً، قال: وما رأيكم في هذا؟ قالوا: هذا حري إذا خطب أن يزوج - لا أحد يرده- وإذا تكلم أن يسمع له، وإذا دخل أن يقام له، فقال ﵊: والذي نفس محمدٍ بيده إن الأول أفضل عند الله من ملئ الأرض من مثل هذا) لماذا؟ لأن الموازين هي موازين ربانية، فعند الموت لا تعامل على ضوء شيء من هذه الماديات، فانتبه لنفسك؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤] جئت إلى الدنيا واستقبلوك في خرقة، وعشت على ظهر الدنيا حتى تموت، ثم يخرجونك منها في خرقة ثانية، وأنت لما بين الخرقتين. هل سمعتم أن إنساناً دفن في قبره ومعه دفتر الشيكات؟ أو دفن في قبره وعليه البدلة الرسمية ذات الرتب العالية؟ أو دخل في قبره ومعه أولاده أو أمواله أو أزواجه؟ لا والله ما سمعنا بهذا، بل يخرج الإنسان من الدنيا كما تخرج الشعرة من العجين، ويلف في الكفن، ويفرد في قبره، ويوضع معه العمل، فإن كان قد تعرف على العمل وعمل صالحاً؛ فأنعم به وأكرم، وإن كان غافلاً، ضالاً، تائهاً، يشبع بالشهوات ويلهو في المعاصي والمنكرات، ولا يؤدي الفرائض ولا الواجبات، لا يعرف مسجداً، ولا يقرأ قرآناً، ولا يحني رأسه لدين الله؛ فهذا إذا ضرب رأسه في القبر انتبه مثل النائم السكران، وقد أخبر الله عنه بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] لماذا؟ تقول له الملائكة لماذا ترجع؟ قال: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:١٠٠]. فلماذا لا تعمل من الآن؟ ما الذي غرك؟ تؤجل العمل حتى تدخل القبر ثم تقول ردوني أعمل صالحاً؟! كلا. لن يردوك، لم يعد هناك فرصة، فاعمل الآن قبل غد. ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:١٠٠]. قال الله: ﴿كَلَّا﴾ [المؤمنون:١٠٠] وكلا: أداة زجر وردع وتوبيخ: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون:١٠٠] هذا المتلاعب، هذا المهمل يريد الشيء على ما يريد، ومثله كمثل طالب في المدرسة أو في الجامعة، أخذ المقررات الدراسية، وعرف الواجبات، ولكنه أهمل ولم يحضر حصةً، ولم يصغ لدرسٍ، ولم يحل واجباً، ولم يحضر المدرسة، وفي آخر العام الدراسي عُلق جدول الامتحان وقال له زملاؤه: بقي معك فرصة الامتحان بعد عشرين يوماً، أو بعد خمسة عشر يوماً، فذاكر واجتهد. قال: بلا امتحانات بلا تعقيد، دعوني أعيش بلا هم، هذا الامتحان يُعَقدني، ولما جاءت الامتحانات دعاه أبوه وجاء به غصباً ليمتحن، فدخل قاعة الامتحان، ولما قدمت له أوراق الأسئلة نظر إليها، ورأى أنه لا يعرف منها حرفاً واحداً، فقام وقال: أريد رئيس لجنة الامتحان. فسألوه: ما بك؟ قال: أريد رئيس اللجنة، فلما حضر قال له: يا أستاذ! أرجو منك أن تعطيني خمس دقائق أو عشر دقائق لأخرج خارج القاعة أراجع هذه المواد ثم أعود وأختبر. ما رأيكم هل يعطونه ذلك؟ لا يعطونه ذلك أبداً، يقولون: اذهب يا دجال، أنت كذاب لعاب، طيلة العام جالس على اللعب وبعد ذلك تريد أن تنجح مثل هؤلاء المجتهدين؟ لا. فليس معك إلا الذي معك، فالذي في رأسك اكتبه، إن كان صواباً تنجح، وإن كان خطأ تسقط وترسب. أيها الأحبة: هذه امتحانات الدنيا، وكذلك امتحانات الآخرة فذاكر من الآن، لا تهمل أوامر الله، ليس لديك إلا فرصة واحدة، وليس لديك إلا دور واحد، جنةٌ أو نار، لا يوجد بعدها فرصة أخرى، أما الدنيا إذا سقطت في الدور الأول تنجح في الدور الثاني، وإذا لم تنجح هذه السنة تنجح في السنة الثانية، وإذا لم تدرس أصلاً تعيش ولو بغير وظيفة أو بغير دراسة، لكن ليس في الآخرة إلا الجنة أو النار، ومؤهلات الجنة هي الأعمال الصالحة، تنفعك في الدنيا، وتنفعك عند القبر وعلى الصراط، وتنفعك بين يدي الله . أما من يرفض الدين ويستمر سادراً في غيه، عبداً لشهواته؛ فهذا ما سنبين جزاءه في الخطبة الثانية. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
следующие страницы →