← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

كشف المرأة على إخوة الزوج السؤال أنا شاب -والحمد لله- محافظ على الصلاة، ولكن عندي مشكلة وهي: كشف الزوجة في أسرتنا على إخوان الزوج؛ لأن البيئة تجبرنا على ذلك؟ الجواب البيئات والعادات والتقاليد هذه إذا صادمت وعارضت السنة والدين وجب رفضها، وما حوربت أديان بأعظم من العادات، وكان كلما جاء نبي إلى قومه بدين: ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢] فعاداتنا في كشف الرجال على زوجات الأخ أو زوجة الأخ هذه عادة منكرة، وطريقة محرمة، ولا يحل للمسلم أن يكشف على زوجة أخيه، وهذه المشكلة ينبغي التغلب عليها بالصبر والمصابرة والمرابطة، ولو انزعج الأهل أو الأخ فإنك بهذا العمل ترضي الله، والذي يرضي الله لا بد أن يتعب، والجنة تحتاج إلى نوع من الصبر والتعب، والله يقول: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥].

стр. 1717

حكم صلاة المنفرد خلف الصف السؤال هل يجوز أن أصلي مفرداً في الصف خوفاً من فوات الركعة خصوصاً إذا لم يكن في الصف الذي قبلي فراغ؟ الجواب هذه المسألة أيها الإخوة: مما اختلف فيه أهل العلم، إذا دخلت المسجد والصف مملوء وليس هناك فرجة ولم تجد أحداً يصلي معك، فكيف تصلي؟ تصلي بمفردك، أو تنتظر مجيء شخص آخر، أو ماذا تصنع؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنك لا تصلي لحديث وابصة بن معبد ﵁ وهو في السنن قال: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) والشيخ ابن باز يرى هذا الرأي، ويقول: أنت بالخيار إما أن تقارب الناس وتجد لك فرجة، أو تنتظر حتى يأتي من يدخل معك، أو تستطيع أن تدخل مع الإمام إذا لم يكن في المحراب، أو تتخذ لك أي حيلة، فإذا لم تستطع فتبقى واقفاً إلى أن تكمل الصلاة ثم تصلي لوحدك، ولا تدخل في المسجد وتصلي وأنت منفرد للحديث: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) هذا رأي الشيخ عبد العزيز بن باز. الرأي الثاني: وهو لطائفة من أهل العلم، ويرجحه الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين وهو: أن تجتهد لتجد لك فرجة، فإن لم تجد فتصلي لوحدك، وجوابهم على حديث وابصة: (لا صلاة لمفرد خلف الصف) قالوا: هذا الحديث يحمل على من يجد فرجة، يعني: شخص أتى وفي الصف فرجة ثم ذهب يصلي هناك، فهذا ليس له صلاة، لكن من لم يجد فرجة ماذا يعمل؟ يسحب مصلياً من الصف، قالوا: هذا السحب والاختلاج لا دليل عليه؛ لأنه يعارض أدلة صحيحة، الدليل الأول: الأمر بإتمام الصفوف والذي يسحب ينقص الصفوف، الدليل الثاني: أنه أحرم صاحب الحق الأول من حق الذي اكتسبه بكونه من الصفوف الأولى، ولحديث: (خير صفوف الرجال أولها). الأمر الثالث: أنه أربك الصف كله وأوجد فيه حركة واضطراباً لأن كل واحد يقرب من الثاني، من غير دليل ولا مبرر، قالوا: فماذا نصنع؟ قالوا: يصلي بصائغ الاضطرار والله غفور رحيم. هذان هما الرأيان وكلاهما صحيح، والذي يعمل بأي رأي منهما فهو على حقٍ إن شاء الله.

стр. 1718

وجوب صلة الأرحام السؤال عمي يخاصمني كثيراً ولكني أذهب إلى بيته وأسلم عليه ولا يرد عليَّ ولا يكلمني، فهل بقي عليَّ إثم أم لا أذهب إليه؟ الجواب عمك صنو أبيك، أي: مثل أبيك، وإذا كنت قد أخطأت عليه حتى خاصمك -لأننا لا نتصور أن يخاصمك عمك من غير سبب- فعليك أن تعتذر وأن تسعى إلى الإصلاح، وأن تقدم له كافة المبررات التي ترضيه عنك، وإذا لم يرض فاستمر في استرضائه والسلام عليه وتقبيل رأسه حتى يرضى عنك، هذا إذا كان الخصام في الدنيا، أما إذا كان الخصام في الله، كأن أبغضته في الله، أو كان -والعياذ بالله- بعيداً عن الله، فإنه يجوز لك قطيعته إذا كان مستمراً على معصية الله.

стр. 1719

حكم ما يسمى بالأغاني الدينية السؤال ناقشت أحد الشباب في حكم الأغاني فقال: بعض الأغاني الدينية حلال، مثل أغنية أم كلثوم (حديث الروح)؟ الجواب الدين ليس فيه أغاني، غداً سوف يصنعون لنا زنا ديني، وربا ديني، وخمر ديني ثم يقولون: كفر ديني، ما معنى: غناء ديني؟! الغناء شيء والدين شيء فلا يصح أن نقول: أغاني دينية، هذا الكلام خطأ -يا إخواني- وهذه من المهزلة أن نسمي كلاماً يأتي عبر أصوات فاتنة وموسيقى صاخبة كلام ديني. وربما الكلام نفسه الذي قاله محمد إقبال في حديث الروح كلاماً جيداً، لكن عندما غنته شوهته، يقول: إذا الإيمان ضاع فلا أمانُ ولا دنيا لمن لم يحي دينا حسناً أين الدين؟ وأين دينكِ أنتِ؟ فهذا الكلام غلط وما في أغاني دينية، والأبيات إذا كانت سليمة ينبغي أن تبقى سليمة ولا تنجس ولا تلطخ بالمعازف والأشياء التي لا ترضي الله.

стр. 1720

خير المتخاصمين البادئ بالسلام السؤال لي صديق تخاصمت معه، وهو من بدأني بالخصام، فمن الذي يبدأ بمراضاة الآخر أنا أم هو؟ الجواب الذي فيه خير هو الذي يبدأ، في الحديث: (وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) إذا أردت أن يكون الخير فيك فاذهب أنت الأول، وإذا كنت لا تريد الخير فربما يسبقك هو، فأنت كن من أهل الخير واذهب إليه لتكسر رقبة الشيطان، ولا يأتيك الشيطان فيصرفك عن هذا الخير.

стр. 1721

حكم كشف الزوجة على أخي الزوج السؤال كثير من الناس يسكن معه في بيته أخوه، وزوجته لا تحتجب عنه، فما رأيك في هذا؟ الجواب أقول لك: حرام، (الحمو الموت)، ولا يجوز لك، وإذا كان أخوك معك فليس معنى هذا أنك تطرده من البيت، أخوك يسكن معك لكن لا يسكن مع زوجتك، يسكن معك في بيتك، خصص له غرفة وحماماً، ويجلس في البيت وليس بالضروري أن يجلس معك ويرى المرأة، أو تقول: يا أخي اخرج أو هو يقول: والله لا أسكن معه؛ لأنه غطى امرأته عليَّ، يعني عندما غطيت امرأتي لا تريد أن تقعد معي، أجل ربما من أجل المرأة تجلس عندي، وعندما غطيتها خرجت، جعلك الله ما ترضى، اذهب.

стр. 1722

صحة حديث المعراج المنسوب لابن عباس السؤال هناك كتاب يسمى الإسراء والمعراج فيه ثلاثون صفحة، وهو منسوب لـ ابن عباس، هل هذا صحيح؟ الجواب لا. ليس بصحيح، هذا الحديث الموجود فيه ليس بصحيح، لأنه جمع فيه الأحاديث ووضعها وقال: عن ابن عباس ﵁ قال قال ثم أتى بثلاثين صفحة، لا يوجد في الدنيا حديث مكون من ثلاثين صفحة، فهو مجمع من الحديث الصحيح والضعيف والموضوع ولا يعتمد له، ولا يرجع إليه، وليس له أصل.

стр. 1723

نصيحة لمن لا يغض بصره السؤال كنت شاباً أمشي مع شباب ملتزم، ثم سافرت إلى هذه المنطقة، وكنت أغض بصري قبل السفر، ولكني بعد أن تركتهم ووصلت هنا أصبحت في حرب مع الشيطان من أجل غض البصر، فقل لي قولاً يعينني؟ الجواب أقول لك يا أخي: اتق الله في نظرك، وكما قال الحسن: [اعلم بأن نظر الله إليك أسرع من نظرك إلى المرأة التي تنظر لها] تذكر وأنت تتلفت أن الله يراك في تلك اللحظة؛ لأنهم قالوا للحسن البصري: بم نستعين عل غض البصر؟ قال: [بعلمكم بأن نظر الله إليكم أسرع من نظركم إلى النساء] فاتق الله يا أخي! وحاول وأنت تصطاف أن تبحث عن رفقة طيبة.

стр. 1724

حكم الاختلاط بالنساء الأجنبيات السؤال نحن أهل بادية نجلس مع نساء جيراننا وجماعتنا على القهوة بدون حجاب، فهل علينا إثم؟ الجواب نعم عليك إثم، وما من نظرة تنظرها إلى امرأة لا تحل لك إلا سمَّر الله يوم القيامة في عينيك مسمارين من نار، وسمر الله في جسدها التي نظرت إليها مسمارين من نار، فلا تنظر لها ولا تنظر لك -يا أخي- فعليك أن تتقي الله؛ لأن الله قد أمر بالحجاب، وقال للصحابة: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣].

стр. 1725

حكم الخلوة في السيارة بالأجنبيات السؤال أنا في البادية، وأصادف أحياناً بعض النساء وما هن بمحارم لي ويطلبن مني إيصالهن إلى السوق أو إلى المستشفى، فهل يجوز لي أن أحملها في السيارة؟ الجواب لا. لا يجوز لك أن تحمل امرأة لا تحل لك في السيارة بغير محرم، إذا كان محرمها معها فلا مانع، أما امرأة لوحدها فلا يجوز (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما).

стр. 1726

سقوط الفاتحة عمن أدرك الركعة السؤال إذا دخلت والإمام في الركوع فهل يسقط عني دعاء الاستفتاح وقراءة الفاتحة؟ الجواب نعم. تسقط عنك قراءة الفاتحة ودعاء الاستفتاح ولا ينبغي لك أن تضع دعاء الاستفتاح مع قراءة الفاتحة في مرتبة واحدة، دعاء الاستفتاح سنة، وقراءة الفاتحة ركن، لكن تسقط للحديث في سنن أبي داود: (من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة) ولكن بعض أهل الحديث يتزعمهم الإمام البخاري يرى أن إدراك الركوع لا تتم به إدراك الركعة لحديث عبادة بن الصامت: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ولكن الصحيح الذي عليه أهل العلم والأئمة الأربعة كلهم أن: (من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة).

стр. 1727

حكم صب فضلات الأشربة في المجاري السؤال هل يجوز صب الشاي والقهوة وغيرها في المجاري والغسالات التي تذهب إلى البيارات والمجاري العامة؟ الجواب نعم لا شيء في هذا، ولا تشدد على نفسك -يا أخي- فيشدد الله عليك؛ لأن هذه الفضلات التي انتهت أصبحت بحكم الفضلة التي في يدك، أي لم يعد لها حرمة الطعام الطيب، أصبحت من الأشياء التي تتخلص منها من قدور أو من إناء، لكن بشرط ألا يكون طعاماً تراه بعينك، يعني لا تأتي المرأة بنصف قدر من أرز وتصبه في البيارة، لا يجوز هذا. لكن أقصد الفضلة التي تأتي في طرف القدر من غير أن يكون طعاماً بارزاً فهذا ليس فيه شيء إن شاء الله؛ لأننا لو قلنا للناس لا، معناه يلزمنا نعمل في مدينة أبها مجاري أخرى، وهذا ليس فيه دليل يحكم به.

стр. 1728

أحكام في لباس المرأة السؤال ما رأيكم في سحاب ثوب المرأة الذي من الظهر أو الجنب أو الأمام؟ الجواب على ما تراه من الظهر أو الأمام أو، بعض الناس يحمل نفسه ويقول: حرام أن تضع السحاب من الظهر، من الذي قال لك: بأنه حرام؟ ما دام أن هذا الظهر أو الصدر لا ينكشف على أجنبي، أما السحاب تضعه من الأمام أو من الخلف كله سواء.

стр. 1729

حكم ذبيحة من لا يصلي ولا يصوم السؤال لدي قريب لديه مسلخ دجاج في أبها، ويعمل فيه عاملان بأجر شهري، ولكنهم لا يصلون ولا يركعون لله ركعة، فهل يجوز أكل ما يذبحون من الدجاج، مع العلم أنهما يكبران ويتوجهان إلى القبلة، وقد يصيح يقول: الله أكبر! وهو لا يصلي؟ مع العلم أنهم لم يصوموا شهر رمضان؟ الجواب والله لو يكبر بميكرفون فإن ذبيحته حرام، بعض السلاخين يرائي، أقول له: هل أنت تصلي؟ قال: إن شاء الله، وإذا به يصيح الله أكبر، يظهر لك أنه يكبر ويصلي، لكن إذا كان لا يصلي فهو كافر ولا يجوز أكل ذبيحته وإذا كان صاحب مسلخ فأنت تطعم الناس حراماً، إذا علمت أن هذا العامل لا يصلي ينبغي أن تسفره الآن، ولا يذبح غداً دجاجة واحدة؛ لأن كل دجاجة تذبح من هذا الكافر فإنما تؤكل حراماً، لو أنه يهودي فإنه أفضل من هذا الذي لا يصلي، لو أتيت بيهودي أو نصراني. مع العلم أنه لا يجوز إدخاله الجزيرة العربية؛ لأن الرسول أمر ألا يبقى في الجزيرة العربية إلا دين واحد، فلا تأتي بيهودي ولا نصراني إلى الجزيرة لأنه لا يجوز، لكن لو أن يهودياً ذبح فذبيحته حلال، وذبيحة هذا الكافر الذي يترك الصلاة لا تحل.

стр. 1730

حكم إهمال صلاة الفجر السؤال أنا شاب في الثانوية أقيم الصلاة والحمد لله ولكني لا أصلي صلاة الفجر؟ الجواب وماذا تصلي؟ أجل تصلي الصلاة التي تكون مستيقظاً وقتها، إن صلاة الفجر هي المقياس، وهي ترمومتر الإيمان، يقول العلماء: إن الظهر والعصر والمغرب والعشاء مثل الامتحانات الفصلية، لكن هناك امتحان نهائي، ما رأيكم إذا حضر الفصلي كله، وعندما جاء الامتحان النهائي ما أتى، أينجح أو يرسب؟ يرسب ولو يأتي في امتحانات الفصل الدرجة كاملة، فالله جعل صلاة الفجر امتحان نهائي للمؤمنين، وقال فيها: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء:٧٨]. وقال فيها النبي في الصحيحين: (أثقل الصلوات على المنافقين صلاتي العشاء والفجر) فيا أخي! يا شاب! يا من وفقك الله للصلاة: إن كنت تريد أن تكون مؤمناً فأقم صلاة الفجر واحرص عليها، ومن لا يؤديها في المسجد باستمرار فهذه علامة النفاق، لا تسأل أنا منافق أو مؤمن، أنا من أهل الجنة أو من أهل النار؟ لكن اسأل نفسك في صلاة الفجر، فإن كنت من أهلها باستمرار فاعلم أنك مؤمن، وإن كان العبد لا يشهدها فاعلم أنه منافق، وليس بينه وبين عذاب الله إلا أن يموت، فهذا كلام الرسول يا إخواني، والحديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم يقول: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاتي العشاء والفجر). حسن أيها الشاب! يا صاحب السؤال، أسألك بالله -أنا لا أعرفك ولا تعرفني- لو صدر أمر هذه الليلة أن صلاة الفجر من حضرها يأخذ مائة ريال، فما رأيك أتقوم أم لا؟ والله إنك سترى هذا المسجد يمتلئ إلى الباب، وسوف يأتي الناس من قبل الصلاة؛ لأنه يقول: سوف يكون التسليم للصف الأول فالأول، فالذي يأتي بالصف الأول يستلم الأول، والذي يأتي هناك ينتظر إلى الساعة التاسعة، ما رأيك؟! إنهم سوف يتقاتلون (بالمشاعيب) على الصف الأول، بل بعضهم سيأتي بمخدته وينام هنا، يقول: لن يأتيني النوم في البيت أنا أخاف أن تفوتني الصلاة، ولو قام وما أيقظ أولاده فسوف يزعلون كلهم، ولو أيقظهم وذهب المسجد وأتى وهم نائمون لضربهم، إذا عندك ثلاثة أولاد ستربح ثلاثمائة ريال ستفضون بها وتتغدون وتتعشون وراتبك وراء ظهرك فمائة ريال أعظم أو الجنة؟! فاسأل نفسك الآن، إن كنت تريد الجنة صل الفجر بالمسجد، وإن كنت تخدع نفسك وتصلي صلاة وتدع صلاة الفجر في المسجد فاعلم أنك مخذول -والعياذ بالله- وعليك أن تتوب إلى الله .

стр. 1731

حكم استخدام الأدوات العامة لأغراض شخصية السؤال أنا أشتغل في مكتب فهل يجوز لي أن أستخدم الأوراق والأقلام التابعة للمكتب في عملي الخاص؟ الجواب لا يجوز، إن كان المكتب لإنسان صاحب عمل شخصي واستأذنت صاحبه وسمح لك فلا مانع، وإن كان المكتب رسمي للدولة فالدولة لا تسمح لك أن تستعمل مقدراتها في أغراضك الخاصة، لا دبوس ولا قلم ولا مسطرة، ولا ظرف، ولا ورقة: ومن أخذ فهو غلول ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١] ولو ظرف تأخذه من المكتب يأتي يوم القيامة وأنت تحمله على رقبتك، ولا تقل: الأمر هين؛ لأن موازين القيامة ترجح بالخردلة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾ [الزلزلة:٨] لا تلم إلا نفسك، قد تقول: إني قد فعلت في الماضي فنقول: رده، تقول: لا أعلم نقول: قدّر وزد على ما تقدره، إذا كنت أخذت أقلاماً ردها، أو مساطر أو دباسة أو أي شيء تعرف أنك قد أخذته أحضره، تحلل منه اليوم قبل أن تحمله يوم القيامة في رقبتك، قال الله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام:٣١] وفي الحديث يقول ﵊: (لا ألفين أحدكم يأتيني يوم القيامة وعلى رقبته بعير له رغاء فيقول: أغثني يا رسول الله! فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، ولا ألفين أحدكم يأتيني وعلى رقبته يوم القيامة بقرة أو شاة أو صامت أو رقاع) كلها تأتي بها وتأخذها من فوق ظهرك تحلل منها الآن قبل أن تموت.

стр. 1732

قبول توبة المريض بالمرض الخبيث السؤال هل توبة المريض بالمرض الخبيث كالسرطان والإيدز مقبولة؟ الجواب نعم. توبة المريض مقبولة ما لم يغرغر، إذا غرغر والروح في حلقه لا تنفع التوبة، أما إذا كان مريضاً فإن المريض يمرض وربما يعيش سنين عديدة، فإن توبته مقبولة بإذن الله .

стр. 1733

حكم مجالسة أهل المعاصي السؤال يعلم الله أني أحبك في الله وأرجو أن تساعدني على هذا السؤال، فإن عندي أصدقاء أجالسهم ولكن يعلم الله أني لا أعمل أي منكر يفعلونه، وكذلك لا أسمع الأغاني والحمد لله، وإني أسمع المحاضرات، فهل عليَّ إثم من جلوسي معهم؟ الجواب نعم. الأصدقاء الذين تجالسهم وهم ليسو من المؤمنين عليك منهم إثم، إلا أن تكون مجالستك لهم بقصد الدعوة، وغرض الهداية، فأنت كالطبيب تصبر عليهم، أما إذا كنت معهم وساكت فإن عليك خطر بأن تكون مثلهم في يوم من الأيام.

стр. 1734

حكم ترك العمل خوف الرياء السؤال شاب داعية إلى الله يثني عليه الناس، فترك الدعوة إلى الله خوفاً من ثناء الناس؟ الجواب هذا كمن يترك الصوم خوفاً من الناس، لا تترك الدعوة خوفاً من ثناء الناس؛ لأن الصحابة سألوا قالوا: (يا رسول الله! الناس يثنوون على الإنسان فيستبشر، هل هذا من الرياء؟ قال: لا. ذلك عاجل بشرى المؤمن) إذا عملت العمل لوجه الله، ثم أثنى عليك الناس بما أنت عليه من خير، ووجدت في نفسك اغتباطاً فهذا عاجل البشرى لك، مثلما أثنى الرسول ﷺ على عمر وقال: (ما سلكت وادياً إلا سلك الشيطان فجاً غيره) وأثنى على أبي بكر وقال: (إيه يا أبا بكر لو وزن إيمان العالمين بإيمان أبي بكر ما وزن بإيمان أبي بكر) وأثنى على عثمان وقال: (ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة) وأثنى على علي، وأثنى على كثير من الصحابة وفرحوا فهل في هذا رياء؟ لا. أبداً.

стр. 1735

البث المباشر ومخاطره السؤال ما صحة ما يقال عن البث المباشر، وما واجبنا نحوه؟ الجواب يا إخواني مسألة البث المباشر نحن نستبق الأحداث، وأنا أقول: إن الخوض في هذه الأمور من الخوض في الأمور التي لم يحن أوانها، فلكل حادثة حديث ونسأل الله أن يكفي المسلمين كل بلاء في الدنيا والآخرة.

стр. 1736

حكم زواج الشغار السؤال شابان يريد كل منهما أن يتزوج بأخت الآخر بغير شرط؟ الجواب لا يصح لا بشرط ولا بغيره؛ لأنه وإن لم يشترط الشرط فهو مشترط في القلب، وهذا يسمونه نكاح الشغار وهو حرام في الشرع، لكن إذا أتيت تتزوج من واحدة من غير أن يكون في ذمتك أو تواطئك أو أنكم اتفقتم أن هذه بهذه؛ لأن بعض الناس يتحايل وما على الله حيلة، لكن لو تزوجت ببنت واحد، وبعد ما تعارفتم تبين لك أن عندهم ولد وعندهم بنت وأردتم أن تتزوجوا فليس هناك شيء.

стр. 1737

حكم خروج الزوجة بدون إذن زوجها السؤال سمعنا أن المرأة التي تخرج بدون إذن زوجها عليها لعنة الله، فما رأيكم في المرأة التي تخرج من بيت زوجها في غيابه وبالملابس الجديدة؟ الجواب هذا محرم عليها، لا يجوز لها أن تخرج في غيبته سواءً كان موجوداً أو غائباً إلا بإذنه، وإذا خرجت فلا يجوز لها أن تخرج متبرجة.

стр. 1738

حكم الاستهزاء بالملتزمين السؤال كنت عاصياً في شبابي والآن تبت إلى الله، ولكن للأسف زملائي لا يزالون يستهزئون بي ويسخرون مني، خصوصاً عندما أطلقت لحيتي وهي سنة النبي ﷺ ، فماذا أصنع؟ الجواب اصبر على سنة النبي ﷺ ، واعلم بأن سنة الله جارية في أن المجرمين يستهزئون بالمؤمنين، هذه سنة والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٢٩] ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ﴾ [الحجر:٩٥] ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام:١١٢] فهؤلاء أعداء يحاولون زعزعة عقيدتك وأقل درجة أنك تثبت على الإيمان، كيف تريد أن تدخل الجنة وأنت لم تثبت على شيء من دينك مقابل استهزاء الناس، بعض الناس يقولون له: يا مطوع! قال: وأنا مالي في هذه الورطة، أنا عندما أطلق لحيتي أضع عليها لوحة أني مطوع، ويناديني الناس: يا مطوع يا مطوع، إذاً كن أحلس أملس وضع رأسك مع الرءوس وامشي، فهذا خطأ لحيتك في وجهك سنة وصيانة وحماية لك، لا تستطيع أن تعمل سوءاً وأنت صاحب لحية، تستحي، فجزاها الله خيراً لأنها تعينك على الخير. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 1739

آثار الصدق قبل أن يتحدث الشيخ في موضوع المحاضرة تحدث عن الدعاء وأهمية مرافقة العمل له، مبيناً أن من شروطه توخي الكسب الحلال، وقد أعقب ذلك بالحديث عن موضوع المحاضرة وهو الصدق، فذكر بعض الآيات التي فيها مدح للصدق وأهله، ثم تحدث عن الكذب بحجة الضرورة، ذاكراً قصة كعب بن مالك ﵁ في تخلفه عن غزوة تبوك ﵁، ومبيناً فيها النهاية الحميدة لقصته.

стр. 1740

أهمية مرافقة العمل للدعاء السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: أسعد الله أوقاتكم، وجمعنا الله وإياكم في الدنيا على الهداية، وفي الآخرة في دار الرحمة والغفران، وآباءنا وأمهاتنا وإخواننا المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وهذا الدعاء ينبغي أن يرافقه العمل؛ لأن العلماء يقولون: إن المؤمن يعيش دائماً بين الخوف والرجاء، الخوف من عذاب الله، والرجاء في رحمة الله. ومن الرجاء والخوف ما يكون رجاءً وخوفاً حقيقياً, ومنها ما يكون رجاءً وخوفاً صورياً كاذباً. والرجاء الحقيقي: هو الذي يكون مصحوباً بالعمل. والخوف الحقيقي: هو الذي يكون مصحوباً بالامتناع عن المحرمات، والقيام بالفرائض والواجبات. أما الذي يرجو رحمة الله دون أن يتعرض لها، ويخشى عقاب الله دون أن يهرب منه، فهذا رجاؤه كاذب، وخوفه كاذب. وقد ذكر الله في القرآن الكريم نماذجاً من الرجاء الصادق، فقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩]. عملوا المقدمات التي يبرهنون بها على أن رجاءهم صادق. وأضرب لكم على ذلك مثالاً لمن يرجو الرجاء الصادق، ومن يرجو الرجاء الكاذب: لو أن إنساناً يريد نعمة الولد؛ ونعني بالولد: الذكر والأنثى؛ لأنه إذا أُطلِق، فهو يُراد به الجنسَين، حتى لا يظن أحد أن المراد به الذكر دون الأنثى، يقول الله : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٣]، إلى غير ذلك من الآيات، فالذكورة والأنوثة تندرج تحت لفظ الولد، فإذا أراد رجل أن يُنعم الله عليه بنعمة الولد؛ لِمَا تحدثه هذه النعمة من زينة في هذه الحياة؛ فإن الله قد نص على هذا في القرآن فقال: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦]، ولا يستطيع الإنسان أن يعرف قدر هذه الزينة إلا إذا مارس أسبابها -إذا تزوج- ووجد أن قطعة من جسده وفلذة كبده تسير على الأرض أمامه؛ فإنه يحس بنوع من الجمال تضفيه هذه النعمة على حياته. فلو أراد إنسان هذه النعمة وجلس يدعو ويرجو الله أن يرزقه ولداً، دون أن يتزوج، فهل يُسمى هذا الرجاء رجاء صادقين؟! لا. إذا أردتَ أن تُرزق هذه النعمة فإنك لا بد أن تتزوج، ثم بعد ذلك تطلب من الله أن يرزقك الولد، ولكن إذا ظللت في الصباح والمساء تطلب من الله أن يرزقك بولد يملأ عليك الحياة سروراً وحبوراً دون أن تتزوج؛ فإن هذا يُسمى: رجاء الكاذبين؛ لأن لله سنناً في الكون، لا يُنَزِّل لك ولداً من السماء هكذا بدون زوجة، بل لا بد أن تتزوج. وكذلك لو أن عند إنسان مزرعة، وهذه المزرعة قابلة للحراثة، وقابلة للزراعة، ولكن الرجل كسلان، لا يستطيع أن يعمل فيها، ويزرعها، ويسقيها، ويتعهدها، فجاء إليها، وطلب من الله أن يزرع له هذه المزرعة، وأن ينبت فيها الأشجار، وأن يوجد فيها الثمار، وأن يشق فيها الآبار، وأن تكون خضراء صيفاً وشتاءً، ودعا بأدعية كثيرة، فهل يمكن أن يكون هذا؟! وطلب من الله وقال: اللهم أنزل لي (دَرَكْتَرات) من السماء و (حراثات) من عندك، يا رب العالمين، وعمالاً يعملون فيها بالليل، وآتي في النهار وهي مزروعة. هذا دعاء المغفلين! لا يمكن أن يحصل هذا! متى تكون راجياً وداعياً حقيقياً؟! إذا جئتَ على المزرعة، فنظَّفتَها، ثم حرثتَها، ثم بذرتَها، ثم أسقيتَها، وبعدما انتهى كل شيء مما عندك، بقي ما عند الله، وما هو؟ هو الإنبات، ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة:٦٤]، فتأتي فتقول: اللهم أنبت لنا الزرع، اللهم بارك لنا في ثمارنا، اللهم احفظها من الآفات. هنا يكون دعاؤك ورجاؤك دعاء الصادقين، الذين أخذوا بالأسباب وتعرضوا لها، واعتمدوا على مسببها وهو الله .

стр. 1741

أهمية الأكل الحلال في استجابة الدعاء لا نريد أن نسهب في هذا الموضوع؛ ولكني جئت إليه من باب أن دعاءنا ينبغي أن يكون مرافَقاً ومصاحَباً للعمل؛ فإذا دعا العبد ربه وعمل صالحاً كان حرياً أن يكون -إن شاء الله- من أهل الاستجابة، أما ذلك الرجل الذي تعرفونه في الحديث، والحديث في صحيح مسلم: (الرجل أشعث أغبر)، أي: جميع ملابسات ودواعي الاستجابة موجودة، أشعث، أغبر، وبعد ذلك، (يمد يديه إلى السماء) يرفعها، وبعد ذلك يقول: (يا رب! يا رب!) يدعو الله، ويكرر، هذه كلها وسائل إجابة؛ لكن: (مطعمه حرام، ومشربه حرام، وغُذِّي بالحرام) فهل يُستجاب له؟ قال: (فأنى يستجاب له؟!) ما أخذ بوسائل الدعاء الحقيقية من الكسب الحلال؛ لأن الكسب الحرام حاجز بين العبد وبين الله بالدعاء، لا يستجيب الله لجسد نُبِتَ على سُحت أو غُذِّي بالحرام، وكما جاء في الحديث، والحديث موجه لـ سعد بن أبي وقاص، خال النبي ﷺ ، قال: (يا سعد! أطِبْ مطعمك تُجَبْ دعوتُك) إذا أردت أن تكون مستجاب الدعوة ففكِّر في المال الذي تأكله، ولا يدخل بطنك إلا حلالٌ، وطبعاً هذا الحلال هو من الدخل الذي يأتيك، فراتبك إن كنت موظفاً، يجب أن تحرص كل الحرص على ألا يكون فيه ريالٌ من حرام، كيف؟! عن طريق الدوام المخلص المنضبط، من أول دقيقة إلى آخر دقيقة، وإذا تأخرت فيكون بعذر، ولدى صاحب الصلاحية علم ليأذن لك، أما التهرب والتسيُّب والتأخر، كأن تأتي في الساعة الثامنة ثم توقِّع على الساعة السابعة والنصف، فتتأخر كل يوم نصف ساعة، فهذه ستخرج منك يوم القيامة دماً، تخرج عذاباً من ظهرك، فإن حضرت في الساعة السابعة والنصف فوقع في الساعة السابعة والنصف، وإذا جئت في الساعة الثامنة إلا ربعاً فَضَعْ الساعة الثامنة إلا ربعاً، واذهب إلى المدير وقل له أنك تأخرت ربع ساعة، فإن أردت أن تحسبها احسبها؛ لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، لكن إذا كان هناك مدير جيد يريد أن يربي العاملين عنده على الجدية والإخلاص، وقام بهذا الأمر اتخذه كل الناس عدواً، وقالوا: فلان مشدِّد، هذا منفِّر. وذلك المتساهل المتسيب، الذي ليس عنده من عمل، يقولون عنه: هو طيب، الله يذكره بالخير، الله أكبر يا ذاك الرجل! ما أحسن منه! سبحان الله! انعكست المفاهيم! أصبح المتساهل هو الطيب، والجِدِّي هو الرديء، لماذا؟ لأن مفاهيمنا مغلوطة، ونظراتنا معكوسة، فإنا لله وإنا إليه راجعون! فلا بد من الأخذ بالأسباب.

стр. 1742

مدح الصدق وأهله في القرآن الكريم أيها الإخوة في الله! سبق أن قلنا: إن أسوأ الأخلاق وأقبحها وأشنعها في الدين والأخلاقيات عند الأمم هو: الكذب، وأن أفضلها وأرقاها وأعظمها هو: الصدق، والصدق فضيلة، حثت عليه الأديان، وأيضاً هو خلق كريم، تتخلق به الشعوب الراقية. فالأمم المتمدنة الناهضة ترى أن من العيب أن تكذب، حتى ولو لم تكن على دين؛ لأن الكذب يلغي شخصية الإنسان، والكذب يجعل الإنسان كأنه غير موجود، ليس له قيمة؛ لأن قيمتك في صدقك وثقة الناس فيك، فإذا كنتَ لستَ بصادق، ولست موضع ثقة للناس، فلا قيمة لك، بل قيمتك قيمة حيوانية، لا مفاهيم، ولا مبادئ وأخلاق. كان الصدق عند العرب شيء معروف، لا أحد يكذب أبداً. وقبل أن يبعث النبي ﷺ كان يُسمى: الصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه، وكان أبو بكر الصديق صِدِّيق هذه الأمة، وأيضاً أثنى الله في كتابه على إسماعيل، فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ [مريم:٥٤ - ٥٥]. ويقول وهو يمتدح صحابة رسول الله ﷺ ممن صدقوا حقيقة في إيمانهم فقال: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣]. وقال: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب:٨]. وقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣]. فالصدق: محمدة في الدنيا والآخرة.

стр. 1743

حكم الكذب بحجة الضرورة وبعد أن تكلمنا في الأسبوع الماضي عن الكذب وعاقبته، وأنه دمار وخسارة ووبال في الدنيا والآخرة، وأنه مادة الكفر والنفاق، فإن الكفر والنفاق بناء أساسه وأركانه وأعمدته وقواعده الكذب، وأي شيء يُبنى على الكذب هل تكون له خاتمة؟! لا والله، بعدها قُدِّمت أسئلة كثيرة، واتصل بي بعض الإخوة بعدما خرجت من المسجد يسألون قائلين: ما حكم من يلجأ إلى الكذب اضطراراً -أي: أنه لا يريد أن يكذب عن اختيار؛ لكنه مضطر- لأنه لو صدق لتعرض للضرر، ولعرَّض نفسه لشيء من العنت والحرج والمشقة، فما الحكم؟ نقول له: إن الصدق مطلوب، والكذب غير وارد أبداً، حتى ولو كان الصدق يعرضك لشيء من الأذى والمشقة؛ لأنك في هذا الموقف الذي تريد أن تصدق فيه أو تكذب وقعت بين فَكَّي (كمَّاشة)، بين عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، أنت إن كذبت سلمت من سخط الدنيا، أو ضيق الدنيا، أو مؤاخذة الدنيا، كأن تكذب على الأستاذ لكي تسلم من العصا، أو تكذب على أبيك كي تسلم من المؤاخذة، أو تكذب على زوجتك حتى تسلم من اللّوم، أو تكذب على جارك، أو تكذب على قريبك، وتقول في نفسك -مثلاً-: لو قلتُ له الصدق ربما يغضب عليَّ، فأنا أداري خاطره؛ لكي لا يغضب عليَّ، فكذبتَ هنا؛ لكن رتَّبت بكذبتك هذه عليك عقوبة من عقوبات الآخرة، تنتظرك، ولو أنك صدقت في الدنيا لرتَّبت على نفسك عقوبة من عقوبات الدنيا، تنتهي منك، فأنت وازن وقارن بين عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة، تجد أنه لا نِسْبة ولا تناسب، إذا كانت عقوبة الدنيا واحدة، فعقوبة الآخرة ملايين، دعهم يغضبوا، ماذا هناك؟! اصدق عند المرأة، ودعها تغضب؛ لأنك لو كذبتَ فليتَها ترضى، اصدق عند الجار، واصدق عند المدير، وبعد ذلك إذا صدقت باستمرار أرحتَ نفسك؛ لأن الصدق عُملة واحدة لها وجه واحد فقط، ليس عندك إلا الصدق؛ لكن الكذب فيه تلوُّن، ولهذا يقول الحكماء: إذا كنتَ كَذوباً فكن ذَكوراً. أي: اجعل ذاكرتك قوية لكي لا تقول كذبة الآن، وتأتي غداً تنقضها، وكم جهدك تتذكر كل ساعة، ودائماً الذي يكذب ينسى. وأذكر مرة من المرات، وأنا مسئول، جاءني أحد العاملين يطلب مني إجازة اضطرارية لمدة ثلاثة أيام، فقلتُ له: لِمَ؟ ماذا عندك من شُغل؟! فطبعاً لا بد أن أقتنع بالعذر حتى أعطيه الإجازة، فقال: عندي أختي مريضة، ومنوَّمة في المستشفى، وهو ليس لديه أخت، ولا معه مريضة، وإنما معه عمل آخر، قلتُ: لا مانع، فوقعت له على الإجازة، وذهب، وبعد فترة، أظنها حوالي بعد شهر، ونحن جالسون، وهو يصب الشاي، فكأنه أتى بقطعة خبز من حب جيد، فقلت له: والله هذا الحَب جيد، يا أخي! فقال: تريد أن أعطيك من هذا الحب؟ قلت: من أين؟ قال: معي في المنزل أتيت به من المزرعة، فقلتُ: متى؟ قال: يوم أخذت تلك الإجازة، فقلت له: أنت أخذت ثلاثة أيام؛ لأن أختك مريضة، أم لكي تسوِّي الزرع والجرجير، قال: الله أكبر على الكذب! فقلت له: كفى، عرفتُ الآن أنك كذاب. فكم تساوي هذه الكذبة؟! فلو أنه جاءني ذاك اليوم وقال لي: عندي (عَرْنة) في الزرع، وأريد أن (أدوسها)، وما عندي فرصة، فأنا أخرج من الدوام بعد العصر، فهل سأقول له: لا؟! بل أقول: نعم. لا مانع؛ لكن وضَعَها كذبة، ونسيها؛ لأنها ليست صدقاً. فالصدق هو الذي لا ينساه الإنسان، أما الكذب فينساه الإنسان. فيقول الحكماء: إذا كنتَ كَذوباً فكن ذَكوراً. أي: شغِّل (مخَّك) إلكترونياً، بحيث لا تنسى أبداً. ومرة من المرات، وكنا في الدوام، افتقدت أحد العمال، وما وجدتُه، وكان يوم ثلاثاء -وتعرفون أن يوم الثلاثاء أكثر الناس يخرجون دون إذن؛ لكي يتقضون من السوق- فبحثنا، أين فلان؟ أين فلان؟ فأجاب رجل آخر وقال: غير موجود، فجلست أبحث عنه حتى جاء بعد صلاة الظهر، فقلت له: أين أنت يا أخي؟! فقال: بل أين أنت؟ أنا بحثت عنك وما وجدتُك، فقلت له: أنا موجود وما خرجت، قال: جئتك إلى مكتبك وما وجدتُك، فظننتُك ذهبتَ هكذا أو هكذا، قلتُ: ماذا هناك؟ قال: جاءني اتصال هاتفي أن أختي توفيت في المستشفى -وهذا غير الأول وطبعاً يعرفون أننا لا نعرف أهاليهم؛ لأنهم من بلاد بعيدة- فقلت: توفيت؟ قال: نعم. توفيت، واستلمنا الجثة، ونتصل الآن على الجماعة، لكي يأتوا بعد العصر، ثم ظهر من بعد أن الرجل لديه ثلاثة رءوس من الغنم، ويريد بيعها في سوق الثلاثاء، وما لديه فرصة إلا اليوم، وما استطاع أن يعتذر، فجاء بهذه الكذبة، فقلت: جزاك الله خيراً، وأحسن الله عزاءكم، ما اسم الأخت الكريمة المتوفاة؟ قال: فلانة، قلت: تعال نسجلها، وفي أي قسم؟ قال: في قسم النساء، -فهنا يتضح أن الكذب لا يمكن أن يستمر- قال: قسم النساء، قلت: خيراً، ثم استدعيت أحد الموظفين وقلت له: اكتب كتاباً إلى إدارة المستشفى، واطلب منهم معلومات كافية عن المتوفاة فلانة بنت فلان؛ نظراً لأن أخاها يعمل عندنا، ونريد أن نمنحه إجازة من أجل العزاء، قال العامل: اكتب اكتب -أي: يريد أن يتحداني- قلت للموظف: اكتب، واذهب أنت، فذهب العامل، وإذا بالموظف يكتب فعلاً، والعامل قلق، يتتبع الخبر، هل سيكتب حقيقة أم مجرد تخويف؟ أخيراً: كُتب الكتاب، وجيء به إليَّ من أجل التوقيع، وعندما أردت التوقيع إذا بالعامل يدخل عليَّ، ويقول: حذار، الكذب ليس بجيد، أنا أتيت لكم بهذا العذر، أريد أن تعذرني فتورطني وتكتب للصحيَّة، وليس هناك من أحد، والله ما ماتت أختي، ولا معي أخت، فقلت: إذاً لماذا تكذب عليَّ؟! هل أنا مغفل؟! قال: لا. قلت: فماذا؟ قال: استحييتُ منك، قلت: سبحان الله! والله ما استحييت مني، لو أنك استحييت مني لصدقت معي؛ لكنك ظننتَ أنني (كرتون) جالس على الكرسي، وأن كذبتك ستنطلي عليَّ، أتدري؟ والله لأضاعِّفنَّ عليك العقوبة، فالعقوبة عندنا: (٥٠%)، ثم: يوم على الكذب، والإدلاء بمعلومات غير صحيحة، فأصُكُّه بيومين، قال: كفى تبت ولن أكذب إلى يوم القيامة. فالشاهد في الموضوع -أيها الإخوة- أنه لا يوجد داعٍ للكذب، ونحن نقول هذا -أيها الإخوة- ونؤكد عليه باستمرار: لا يوجد داعٍ للكذب، لكن أكثر الناس يكذبون من غير داعٍ ولا ضرورة، فكيف تكذب؟! لا. بل كن صادقاً في كل شيء، في كل تصرفاتك، وعوِّد أولادك على الصدق، واجعل لهم ثواباً، فلو دخلت المنزل ووجدتَ -مثلاً- (راديو) مكسوراً، أو (ثلاجة) مخلوعة، ثم جاء ولدك وقال: أنا فعلت ذلك يا أبي، فقل له: لا يهمك -إن شاء الله- لن تكررها، ولو أنك كذبتَ ثم اكتشفتُ بعد ذلك لعاقبتُك عقوبة مضاعفة؛ لكن ما دمتَ صادقاً فأنا أشكر فيك هذه الشجاعة الأدبية، وأشكر فيك هذا الصدق والوفاء، سامحك الله، فبهذه الطريقة! يحب الولد الصدق إلى يوم القيامة؛ لأن الصدق نجاة.

стр. 1744

قصة كعب بن مالك ﵁ وسوف أذكر لكم الآن القصة التي وعدتُكم بها؛ لنعيش في أجوائها، وكان بالإمكان أن آتي بها مما حفظت من الحديث، ولكني آثرتُ أن أنقل لكم الحديث بنصه، كما رواه الإمام البخاري في صحيحه، وهو من حديث كعب بن مالك، حديث الثلاثة الذين خُلِّفوا؛ لننتقل جميعاً إلى ذلك الجو العظيم، وتلك المشاهد التي مرت بهذا الصحابي الجليل وهو مشهد التخلف، ثم مشهد المعاناة بعد رحيل النبي ﷺ ، وذهابه إلى الغزو، ثم مشهد الألم الذي حصل له بعد أن رجع الرسول، ماذا يقول ويكذب، ثم مشهد الصدق، ثم مشهد المعاناة، وأخيراً مشهد الفرج الذي جاء بعد توبة الله على كعب بن مالك، وصاحبيه هلال بن أمية ومرارة بن الربيع ﵃ وأرضاهم.

стр. 1745

نبذة مختصرة عن راوي الحديث ابن شهاب الزهري الحديث يرويه الإمام البخاري في صحيحه، وهو من رواية ابن شهاب الزهري، الذي ذكرنا لكم طرفاً من سيرته، والسيرة ذكرها الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: [وهو أنه دخل هو وسليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك، فسأل هشامٌ سليمانَ بن يسار -وهذا الأخير إمام من أئمة الدين- قال له: من الذي تولى كِبْرَه؟] وذلك في قضية الإفك، التي دارت حول عرض عائشة ﵂، قال الله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:١١]، وبني أمية متعاطفين مع عائشة وضد علي ﵄. فقال: [من الذي تولى كِبْرَه؟ قال سليمان بن يسار: عبد الله بن أُبَي بن سلول -زعيم المنافقين- قال: كذبتَ، بل علي بن أبي طالب، فسكتَ سليمان، قال: أمير المؤمنين أعلم، ثم دخل الزهري قال له: يا زهري! من الذي تولى كِبْرَه في الإفك؟ قال: عبد الله بن أُبَي بن سلول، قال: كذبتَ، بل علي بن أبي طالب، قال: أنا أكذبُ -لا أبا لك-؟! بل كذبتَ أنتَ وأبوك وجدك، والله لو نادى منادٍ من السماء أن الكذب حلال ما كذبتُ] ابن شهاب هذا لا يعرف الكذب ﵁ وأرضاه، وهو إمام وعَلَم من أعلام الإسلام، وحافظ من حفاظ الأمة، وهو تابعي، أدركَ أبا هريرة، ولقي بعض الصحابة، مثل ابن مسعود، وأخذ عنهم. يقول هو عن نفسه؛ فهو حافظ، وعقليته عقلية كمبيوتر، لا ينسى شيئاً، فيقول: [والله ما استودعتُ قلبي شيئاً فنسيه قط] ولم يكن له في بيته كتاب واحد، كانت كتبه كلها في رأسه، وما عنده مرجع واحد إلا رأسه، وكانت تودع عنده الأمانات من العلم، إذا أراد الرجل أن يحج أو يغزو أو يسافر، وعنده عشرة أحاديث أو خمسين حديثاً أو ستين حديثاً فإنه يذهب إلى ابن شهاب الزهري ويستودعها عنده حتى يرجع؛ لأنه يخاف أن يسافر، وينساها من جراء أعمال السفر. وتذكر كتب العلم أن رجلاً غزا في سبيل الله، وكان معه مائة حديث، فجاء إلى ابن شهاب الزهري، وقال: [إن عندي مائة حديث، وإني أخشى أن تتفلت عليَّ، وإني ذاهب للغزو في سبيل الله، أريد أن أستودعها عندك، قال له: كثرت عندنا الأمانات؛ لكن هات ما عندك، فسمَّع ذاك، وهذا يسجل، من مرة واحدة فقط، فذهب الرجل، وبعد عشر سنوات من الجهاد استوطن، ثم حنَّ إلى بلاده ورجع، فلما رجع كان أول شيء يسأل عنه الحديث، يريد أحاديثه، فجاء إلى ابن شهاب، وقال له: يا إمام! إني كنتُ قد استودعتُ عندك مائة حديث قبل سفري إلى الغزو، وقد جئت اليوم، وأنا أريدها، قال: متى؟ قال: قبل عشر سنوات، قال: أبطأتَ علينا -أي: تأخرت علينا- لكن سجل، هات قلمك -ثم يُمليها عليه كاملة، مائة حديث، كأنها مكتوبة بين عينيه-] ويقول هو عن نفسه: [ترددتُ بين الحجاز والشام خمساً وأربعين سنة، والله ما استطرفت بها حديثاً واحداً -يقول: ما وجدتُ طريفاً، أي: جديداً في الشام ولا في الحجاز - إلا وهو في رأسي] كل الأحاديث الموجودة في الشام وفي الحجاز موجودة في رأسه، ﵁ وأرضاه. يقول الإمام مالك: [جلستُ إلى الزهري، فحدثني بمائة حديث ثم التفت إليَّ -ومالك لا يحتاج إلى تعريف؛ لأنه علاَّمة- فقال: يا مالك! كم حفظتَ من الأحاديث؟ -أي: التي قلتُها لك الآن؟ - قال: حفظتُ أربعين -ومن الذي يحفظ من مرة واحدة أربعين حديثاً؟ أي أن نسبة الحفظ عنده (٤٠%) - قال: حفظتُ أربعين، فوضع الزهري يده على جبهته، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! كيف نقص الحفظ] يقول: كيف نقص الحفظ؟ لم تعد تحفظ إلا (٤٠%)؟ أما الزهري فيحفظ (١٠٠%) كلها فلا ينقص، رحمة الله عليه. وكانت علومه كلها من رأسه، وكان يكثر من شرب العسل، ويقول: [إن شرب العسل يُقوي الذاكرة] وأنا لا أدري، هل هذا الكلام صحيح أم لا؟ لكن ذكره عنه العلماء، والذي أعرف أن شرب العسل شفاء من كثير من الأدواء، خصوصاً أدواء البطن والقرحة والتهابات القولون وأدواء الباطنية، فهذه كما نص القرآن: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس﴾ [النحل:٦٩]، ففيه شفاء؛ لكن أفادنا الإمام هذا أن شرب العسل يقوي الذاكرة، ويجعل الإنسان سريع الحفظ، وبالإمكان -والحمد لله- أن نشرب العسل باستمرار؛ ولأنه لا يضر؛ لأن بعض الشباب أو الناس يقول: أريد أن آكل عسلاً، فإذا أكلت ملعقة يضيمني ويحرقني، هذا بالطبع يحصل؛ لأنه يأكله، فلا تأكله بل اشربه، فهناك فرق بين من يأكل ويشرب؛ لأنك إذا أكلته هكذا ونزل إلى معدتك، فإنه يكون ثقيلاً وحاراً، أما إذا ذوَّبتَه في الماء الفاتر، ثم شربته، فإنه يسري مباشرة من الفم إلى المعدة، والمعدة لا تجري عليه إي إجراء، كل أطعمة الدنيا تحتاج إلى هضم إلا العسل فإنه مهضوم في بطن النحلة، ينزل مباشرة إلى الدم ويسري في الجسم مباشرة، فلا يحتاج إلى أي إجراءات داخلية؛ لأنه كان يكثر من شرب العسل. يحدث عنه عمرو بن دينار -وهذه عظيمة جداً- يقول: [ما رأيتُ أنَصُّ للحديث من الزهري -أي: أحْفَظَ لِنَصِّ الحديث- وما رأيتُ أحداً أهون عنده الدنيا منه، والله لقد كانت عنده الدراهم كالبَعَر -يقول: الدنيا هذه إذا رآها فما كأنه يقلب إلا بَعَراً- لا يحسب لها حساباً، ولا يعرف لها وزناً]. ويقول عنه عمر بن عبد العزيز ﵁: [عليكم بـ ابن شهاب، فإنكم لا تجدون أحداً أعلم بالسنة منه ﵁ وأرضاه]

стр. 1746

تخلف كعب ﵁ عن غزوة تبوك يحدِّث هذا الحديث الذي نحن بصدده، فيقول: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك -ولده الكبير- وكان الذي يقود أباه ويلازمه عندما كَبُر وعمي، يقول: سمعت كعب بن مالك -أي: أباه- يحدِّث حين تخلف عن غزوة تبوك، فيقول: لم أتخلف عن غزوة غزاها رسول الله ﷺ إلا في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفتُ بـ بدر، ولم يعاقب رسول الله ﷺ أحداً تخلف عنها؛ لأنه إنما خرج لاقتطاع عير قريش، حتى جمع الله بينه وبينهم على غير ميعاد، ما خرج الرسول ﷺ في بدر للقتال، بل خرج لاقتطاع القافلة؛ ولكن وقعت المعركة، ونصر الله فيها رسوله وحزبه، ولقد شهدتُ مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة - كان من النقباء الذين بايعوا في العقبة - يقول: وما أحب أن لي بها بدراً، -يقول: ما أحب أني شهدتُ بدراً ولا شهدتُ بيعة العقبة - إن كانت بدر أذكر في التاريخ منها -أي: أن بدراً مشهورة في تاريخ الإسلام أكثر من شهرة قصة ليلة العقبة -. ولقد كان من خبري: أنني لم أكن أقوى ولا أيسر حين تخلفتُ عن رسول الله ﷺ في تلك الغزوة ثم يقول: والله ما اجتمعت عندي راحلتان قط إلا في تلك الغزوة -يقول: ما كنت أقدَر ولا أيسر مني في تلك الغزوة- وما اجتمع عندي راحلتان -أي: جَمَلان في أي غزوة إلا تلك الغزوة- ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا وَرَّى بغيرها -وَرَّى، أي: أخفى جهة السير إلى هذه الجهة، وذكر أنه سيذهب إلى جهة أخرى- إلا هذه الغزوة، فقد غزاها رسول الله ﷺ وأخبر المسلمين بها -لم يقل لهم: نذهب إلى جهة معينة غير الجهة التي ذهب إليها لأنه كان في حر شديد، وفي سفر بعيد، وملاقاة عدو كثير-. فجلَّى للمسلمين أمرها، حتى يأخذوا الأُهبة، ويستعدوا لها كامل الاستعداد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ يومها كثير جداً، لا يجمعهم كتاب حافظ -أي: لا يوجد ديوان يستطيع أحدٌ أن يعدهم فيه؛ لأنهم كما ذُكِر في السنن أنهم بلغوا أربعين ألفاً، وقيل: ثلاثين ألفاً، وقيل: عشرة آلاف، والصحيح: أنهم ثلاثون ألفاً-. قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أنه سيخفى -أي: من كثرة الناس يعتقد أن أي شخص يريد أن يتأخر أنه لن يظهر- ما لم ينزل فيه وحي، وغزا رسول الله ﷺ حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله، وتجهز المسلمون، وطفقتُ أغدو لكي أتجهز، فأرجع ولم أقضِ شيئاً، فأقول في نفسي: إنني قادر. ولم يزل يُنادَى بي حتى اشتد بالناس السير، وخرج رسول الله ﷺ ولم أقضِ من جهازي شيئاً، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحق بهم، فغدوتُ بعد أن فصَلُوا لأتجهز، فرجعتُ ولم أقضِ شيئاً، ثم غدوتُ، ثم رجعتُ ولم أقضِ شيئاً، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممتُ بعدهم أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلتُ، فلم يُقدَّر لي ذلك -ما عنده أي عذر، إنما كان يُسَوِّف، ويقول: سأخرج، حتى ذهب عليه الوقت ولم يخرج- ثم كنتُ إذا خرجتُ إلى السوق بعد خروج النبي ﷺ فطفتُ في السوق أحزنني أنني لا أرى إلا رجلاً مغموساً في النفاق -يقول: المخلفون كلهم كانوا من المنافقين، وهو مؤمن- فيقول: ما من أحد أراه إلا منافقاً، فأحزن كثيراً، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء الذين اعتذروا وأعفاهم الله من الغزو -الأعمى والأعرج والمريض هؤلاء أعذرهم الله ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في تبوك: ما فعل كعب؟ فقام رجل من بني سلمة، وقال: يا رسول الله! حبسه بُرْداهُ، ونَظَرُه في عِطْفِه -البُرد: الثوب، ونَظَرُه، أي: تَلَفُّتِه في جنبه، أي: مشغول بشكله وجماله- فقام معاذ بن جبل ﵁ وأرضاه وقال: بئس ما قلتَ، والله يا رسول الله! ما علمنا عليه إلا خيراً. الله أكبر! ما أعظم الدفاع عن المؤمن بظهر الغيب، وهذا يجب أن يحيا في نفوس الناس، فإذا سمعتَ أن رجلاً ينال من مؤمن، وأنت تعرف البراءة في المؤمن أن تدافع عنه، وتقول الحق، وتقول: والله ما علمنا عليه إلا خيراً؛ لأن هذا الرجل أراد بها منزلة عند النبي ﷺ من أنه هو جاهد وغزا، وذلك جالس. قال: حبسه برداه، ونظره في عطفه، فقال معاذ: بئس ما قلتَ، والله ما علمنا عليه يا رسول الله إلا خيراً، فسكت النبي ﷺ ولم يقل شيئاً.

стр. 1747

مشهد الصدق من قصة كعب ﵁ قال كعب: فلما بلغني أنه قفل راجعاً من تبوك -جاءت الأزمة الشديدة الآن، ماذا يقول كعب لرسول الله ﷺ ؟ - حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غداًَ؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله قد أظل قادماً زاح عني الباطل، وعرفتُ أني لن أخرج منه أبداً بشيء من الكذب، فأجمعتُ وعزمتُ على صدقه مهما كانت النتائج، وأصبح رسول الله قادماً، وكان إذا قدم من سفرٍ بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل جاءه المخلفون من الأعراب -المنافقون الذين جاءوا يعتذرون- فطفقوا يقدمون الأعذار، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فقَبِل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، فسلموا من سخط الرسول ﷺ ، لكن ماذا حصل؟ نزل قول الله فيهم: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠]، هذه أول المصيبة، فما العمل الآن؟! ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ [التوبة:٩٤]. يقول: (أما أنا فلما سلمتُ عليه تَبَسَّم تَبَسُّم المُغْضَب -أي: المعاتب- لماذا يا كعب تتخلف عن الجهاد؟ -ثم قال: تعال، فجئتُ أمشي حتى جلستُ بين يديه، قال: ما خلَّفك يا كعب؟! ألم تكن قد ابتعت ظهراً؟ -اشتريت لك ظهراً، أي: جملاً- قلتُ: بلى. ثم قلت: إني والله لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا لرأيتُ أني سأخرج من سخطه بعذر -يقول: سألفق له، وهو رجل قدير على الكلام- ولقد أعطيت جدلاً -عندي إمكانية- ولكن والله لقد علمتُ لئن حدثتُك اليوم بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك عليَّ في الدنيا أو في الآخرة -يقول: لا أستطيع الكذب- والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفتُ عنك، فقال ﷺ : أما هذا فقد صدق، قم حتى يقضي الله فيك -لا يستطيع رسول الله أن يستغفر له؛ لأنه ليس له عذر، كيف يستغفر له؟! فقال: الحكم فيك لله ﵎ قال: فقمتُ وخرجتُ وقام رجال من بني سلمة واتبعوني، وقالوا: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا -لا يوجد لك أي ذنب- ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله بما اعتذر به المتخلفون، ولقد كان كافيك استغفار النبي ﷺ -فلو استغفر لك الرسول فقد انتهى عذرك وقُبِل، وما عليك شيء- يقول: فما زالوا بي يؤنبونني حتى أردتُ أن أرجع فأُكذب نفسي -فيقولون له: ارجع؛ لأنه الآن أصبح في مصيبة، فما دام أنه لم يستغفر له، لم يبقَ إلا سخط الله وعذاب الله-، يقول: هل بقي معي أحدٌ غيري؟ -أي: هل قال هذا الكلام أحدٌ غيري؟ - قالوا: نعم. رجلان، قلتُ: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع وهلال بن أمية، فذكروا لي رجلين قد شهدا بدراً -انظروا كيف يكون الزملاء الصالحون، يقول: ذكروا لي اثنين من أهل بدر، صادقين- فقلتُ: والله إنَّ لي فيهما أسوة -أنا معهم، مصيري مصيرهم- فمضيتُ حينما ذكروهما لي).

стр. 1748

مشهد المعاناة من قصة كعب ﵁ يقول كعب: (ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا نحن الثلاثة من بين من تخلَّف عنهم، فاجتنبنا الناس، وهجرونا، وتغيروا لنا، حتى تنكَّرت في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرفها، فلبثنا في ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي -يعني: هلال ومرارة - فقعدا في بيوتهما، واستكانا يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشَبَّ القوم وأجْلَدَهم، كنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني منهم أحد، وآتي رسول الله ﷺ ، فأسلم عليه وهو في مجلسه في الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرَّك شفتيه برد السلام، أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه، فأسارقه النظر -أتلفت إليه بعيني- فإذا أقبلتُ على صلاتي نظر إليَّ، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال عليَّ ذلك من جفوة الناس مشيت يوماً من الأيام، وتسوَّرتُ جدار حائط لـ أبي قتادة -ابن عمه- أحب الناس إليَّ، فسلمت عليه، فوالله ما رد عليَّ السلام). انظروا كيف تكون الاستجابة والانقياد والامتثال؟ ما دام أن الرسول نهى ولو أنه ابن عمه، ولو أنه أقرب الناس إليه، ما دام أنه منهي عنه فيجب الامتثال، من كان يراقبه وهو في الحائط لو أنه سلَّم عليه، وقال: لا عليك يا رجل! وإن شاء الله تفرج؟! ولكنهم يخافون الله، ويعملون العمل بمراقبة عظيمة، قال: (فوالله ما رد عليَّ السلام، فقلتُ له: يا أبا قتادة! أنشدك بالله، هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدتُ فنشدتُه، فسكت، فعدت فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم -فقط لم يرد عليه سوى بهذه الكلمة- ففاضت عيناي بالدمع، وبكيت، وتوليت، حتى تسورت الجدار، فبينما أنا أمشي في سوق المدينة، جاءت محنة جديدة، إذا بنبطي من أنباط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه في المدينة، يقول: من يدلني على كعب؟ فطفق الناس يشيرون له إليَّ، فجاءني ودفع إليَّ كتاباً من ملك غسان، فإذا فيه: يا كعب! أما بعد: فإنه بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك). يقول صاحب الفتح: رحم الله كعباً، فلقد ملئ إيماناً. لو كان ضعيف الإيمان لانهار أمام هذا الإغراء، ولقال مباشرة: ما دام أنهم هجروني فسأبدل بأرضهم أرضاً أخرى. لكن يقول: (فطفقت إلى التنور، ويَمَّمْتُه، وسجرت فيه الرسالة، وقلت: هذا البلاء. يقول: وبعد أن مضت علينا أربعون ليلة إذا برسول رسول الله ﷺ يأتيني ويقول: إن رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك -هذه مصيبة أكبر- قلت: أطلقها؟ قال: لا. بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبيَّ مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلكِ، فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية إلى رسول الله وقالت: يا رسول الله! إن هلالاً شيخ كبير ضائع، والله يا رسول الله! ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا ﵃ وأرضاهم- فأذن لي أن أجلس معه، قال كعب: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنتَ رسول الله كما استأذنت امرأة هلال، فقلتُ: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ ، وما يدريني ماذا يقول لي وأنا رجل شاب؟ -ربما لن يسمح لي- فلبثتُ بعد ذلك عشر ليالي -وذلك مع الأربعين ليلة، كم صارت؟ صارت خمسين ليلة- حتى كَمُلَت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله عن كلامنا).

стр. 1749

مشهد الفرج من قصة كعب ﵁ يقول: فلما صليتُ صلاة الفجر صُبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس أذكر الله في الحالة التي ذكر الله في القرآن، قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت عليَّ الأرض بما رحُبت، سمعتُ صوت صارخ يأتي من جهة جبل سَلْع، بأعلى صوته: يا كعب بن مالك! أبشِرْ -يُسْمِعُهُ في آخر الليل، أحد الصحابة يصيح ويبشره- قال: فخررتُ ساجداً، وعرفتُ أنه قد جاء الفرج، وآذَنَ رسولُ الله بتوبة الله علينا، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قِبَل صاحبيَّ مبشرون، وجاء إليَّ رجلٌ وهو راكب على فرسه، وسعى ساعٍ من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعتُ صوته يبشرني بتوبة الله عليَّ نزعتُ له ثوبيَّ، فكسوتُه إياهما ببُشراه، ووالله ما أملك غيرهما يومئذٍ. وهذا فيه جواز تبشير البشير، فإذا جاءك شخص يبشرك بمولود، أو يبشرك برُتبة، أو يبشرك بأي أمر تفرح به، ففيه جواز أن تعطيه بشارة؛ لأن هذا مما يوحد ويؤلف القلوب. قال: (فانطلقتُ إلى رسول الله ﷺ ، فتلقاني الناس فوجاً فوجاً، يهنئونني بالتوبة من الله، يقولون: لِتَهْنَكَ توبة الله عليك يا كعب! قال كعب: حتى دخلتُ المسجد، وإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس، فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله. -وهذا أيضاً مما ينبغي أن يكون عليه خلق المسلم يقول: فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله - يهرول، حتى صافحني وهنَّأني، والله ما قام إليَّ رجل غيره، ولا أنساها لـ طلحة أبداً، قال كعب: فلما سلَّمتُ على رسول الله ﷺ ووجُهه يبْرُق من السرور؛ لأن الرسول كان إذا أُعجِب وسُرَّ بشيء يُرَى ذلك في وجهه صلوات الله وسلامه عليه، يقول: فقال لي: أبشر يا كعب! بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمُّك، فقلتُ: أمِنْ عندك يا رسول الله، أم من الله؟ قال: بل من عند الله ، وكان إذا سُرَّ استنار وجهُه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك من وجهه صلوات الله وسلامه عليه، فلما جلستُ بين يديه قلتُ: يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال ﷺ : بل أمْسك عليك بعض مالك، فهو خير لك -أي: تصدَّق بشيء منه فقط، وأمسك على الباقي- قلت: فإني أُمْسك سهمي الذي بـ خيبر، فقلتُ: يا رسول الله! إن الله إنما نجَّاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدِّث إلا صدقاً ما بقيت، قال كعب: فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله بصدق الحديث منذ ذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مِمَّا أبلاني، ما تعمَّدتُ منذ ذكرتُ ذلك إلى يومي هذا كذباً، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي). وأنزل الله على رسوله توبة الثلاثة في قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٧ - ١١٨]، ثم أنزل الله في الذين كذَبوا واعتذروا بالأعذار الكاذبة، فقال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٩٥ - ٩٦]، ثم نزل قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]. هذه هي القصة، كما أوردها الإمام البخاري في صحيحه، ونستخرج منها العبر والعظات، ونقتدي به ﵁، ونتحمل آثار الصدق؛ فإنها مهما بلغت لن تصل إلى آثار الكذب التي فيها العذاب والدمار في الدنيا وفي الآخرة. أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلني وإياكم من الصادقين، وأن يحمينا وإياكم من الكذب، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، والله أعلم. أذكر لكم الآن بعض الإجابات المختصرة على بعض الأسئلة.

стр. 1750

الأسئلة

стр. 1751

حكم هجر الأخ لأخيه بسبب رفضه إعارته حاجة من حاجاته السؤال أحد الإخوة يقول: لديَّ سيارة، وطلبني أحد الإخوة في السيارة ذات مرة، فاعتذرتُ إليه؛ لظروف خاصة بي، فغضب عليَّ، ومن ساعة منعتُ أن أعطيه لا يكلمني ولا يرد عليَّ السلام. فهل أنا مخطئ في منع السيارة، أو لا؟ الجواب أولاً: لستَ بمخطئ في منعك السيارة، فأنت حرٌّ في حقك، إن شئتَ أعطيتَ، وإن شئتَ منعتَ، وهذا الرجل أو الأخ الذي طلبك ارتكب خطأً مركباً: أخطأ في السؤال، وأخطأ -أيضاً- في المؤاخذة بغير حق، والسيارة مما لا ينبغي للإنسان أن يعيرها، ولا ينبغي أيضاً للأخ أن يسألها؛ لأنها إلى جانب كونها وسيلة نقل فهي -أيضاً- وسيلة قتل، أليس كذلك؟ والحُكماء المعاصرون يقولون: ثلاث لا تُعار: الأول: المرأة، فلا أحَدَ يُعِيْر امرأتَه. الثاني: السلاح، فإذا كان لديك سلاح شخصي، وعليه ترخيص رسمي، وجاء رجل وقال: أنا أريد سلاحك، فقلتَ له: لماذا؟ قال: لديَّ ضيف، أريد استقباله بالبُنْدُق، فلا تعطه؛ لأنه لو قُتل به أحدٌ أو أخطأ به فمن المسئول؟ المسئول هو أنت، فلا تعر سلاحك. الثالثة: السيارة. لأنها وسيلة قتل، فلو أعطيت شخصاً سيارتك، وذهب ودهس بها شخصاً آخر، فعلى مَن ستقبض السلطات؟ ستقول لك السلطات: السيارة لمن؟ ستقول: لي، فتقول لك: لماذا إذاً تعطيه سيارتك؟! وأيضاً فهي من الوسائل التي يمكن أن يترتب على إعارتها ضرر فيها، وربما كان الضرر هذا والخراب من وجودها عند المستعير، فربما كان في سيارتك ضرر، فجاء شخص وأخذها منك، يريد بها مشواراً، وذهب بها في الطريق، ومن ساعة أن ذهب بها مشواره تعطل شيء في السيارة، وطبعاً لم يتعطل هذا الشيء من تلك اللحظة، وإنما كان نتيجة استعمال كثير، ولكنه أجْهَزَ عليه المستعير في آخر لحظة، فماذا سيفعل؟ هل سيأتي إلى صاحب السيارة ويقول له: خذ مفتاحك، شكراً، أم يذهب ليصلحها؟! طبعاً إذا كان صاحب مروءة، وإحساس، وهو الذي عطلها، فلا يردها إلا صالحة، رغم أنه لم يكن سبباً في تعطيلها بالكلية، وإنما العطل موجود منذ زمن، وكذلك ربما تؤدي إلى خراب فيها عن طريق حادث مروري، فيأخذها المستعير، ويذهب بها، فيصدم بها، ثم يأتي عند صاحبه صاحب السيارة، فيقول له: أخذتُها وصدمتُ بها، فماذا يكون موقفك منه؟! طبعاً السيارة لك، فيؤلمك قلبُك، وسيكون موقفك مؤلم، فيضطر إلى أن يستلف ويذهب لإصلاح السيارة، ويعطلها عن العمل شهراً أو عشرين يوماً في الورشة، فلماذا يُحرج المستعير نفسه هذه الإحراجات؟ فيا أخي! لا ينبغي أن تسأل زميلك السيارة إلا إذا كان الغرض للدعوة وللخير، وكان تطوعاً من صاحب السيارة، وقال لك: خذ سيارتي واذهب، أما أن تقول له: من فضلك، هات المفتاح، أقضي لازماً، أو أذهب مشواراً، فلا. لا تسأل أحداً شيئاً، وهذه وصية النبي ﷺ قالها لأحد الصحابة، قال: (لا تسألنَّ شيئاًَ، ولو سوطاً)، فسوطُك الذي يقع منك، لا تقل لآخر: من فضلك أعطني السوط، لا. بل خذه أنت، ولو كنتَ في المسجد وأنت جالس، وتريد مصحفاً، وقام رجلٌ من جانبك إلى رف المصاحف فلا تقل له: هات مصحفاً، لا. بل قم أنت وخذ المصحف، لماذا تتعب الناس؟ من هم الناس؟! هل الناس خدم لك؟! بعض الناس عندما يكون في المسجد ويريد القيام، يقول: من فضلك، هات العصا؛ لكي لا يمد بنفسه ويأخذ عصاه، أو يقول: من فضلك، أسندني، هذه إحراجات لا تنبغي، الإسلام يربي فينا الاستقلالية، ويربي فينا الاكتفاء، وعدم الإحراجات للناس، يقول أحد الحكماء: صبري على نفسي، ولا صبر الناس عليَّ. أليس كذلك؟ اصبر على نفسك، امشِ على رجلك، اذهب على سيارة أبيك، أو أخيك، أو لا داعي للمواعيد، أو يأتي صاحب السيارة الذي تريد أن تذهب على سيارته ويوصلك هو بنفسه ويسوق سيارته بنفسه، أما أن تحرجه وتضعه في موقف حرج، إما أن يعطيك وهو كاره، أو يعتذر منك فتغضب عليه، مثلما صنع أخونا المستعير، فهذا خطأ. فنحن نقول للأخ الذي سأل السيارة: أخطأت في هجرك لأخيك، وعليك من الآن، بمجرد أن تصلي إن كنت معنا -وأعتقد أن السائل ما سأل إلا وزميله هنا- فبمجرد ما تخرج من المسجد، أو الآن قبل الصلاة سلِّم عليه، وقل له: سامحك الله، وأنا أخطأت عليك، واعفُ عني؛ لأنه لم يخطئ عليك، وإنما منع سيارته، وسيارته من حقه، فهل تؤخذ غصباً؟! فلا تغصبه على حقه يا أخي! فعندما اعتذر تغضب عليه؟! (أحشفاً وسوء كيلة؟!)، ما يجوز لك يا أخي! هذه سيارته، لا يريد أن يعطيك، وكثَّر الله خيره، وربما منعك من شر، وربما لو أخذتَها حصل لك حادث أو دهستَ بها شخصاً أو انقلبتَ، فقد حال بينك وبين السوء. فلا ينبغي أيها الإخوة أن ننهي العلاقات بيننا بهذه الجزئيات البسيطة، لا تستعر يا أخي! من أحد شيئاً، وإذا استعرت من أحد مضطراً، واعتذر إليك، فلا تأخذ على خاطرك منه ولا تغضب عليه بأي حال من الأحوال.

стр. 1752

حكم حديث: (من سأل بوجه الله فهو ملعون) السؤال ما مدى صحة حديث: (من سأل بوجه الله فهو ملعون، ومَن لَمْ يُجِبْ فهو ملعون)؟ الجواب هذا الحديث حديث صحيح، والناس يتساهلون في هذا الأمر، فهو حديث صحيح رواه الطبراني، وذكره الإمام المنذري في الترغيب والترهيب، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، وورد في روايتين: رواية عن رفاعة، ورواية عن ابن مسعود ﵄، رواية ابن مسعود حسنة، ورواية رفاعة صحيحة، ونص الحديث عند ابن مسعود: (ملعون من سأل بوجه الله، وملعون مَن لَمْ يُجِبْهُ إلا أن يَسأل فُحْشاً) والفُحْش: هو الشيء الغلط، أن تسأل شخصاً أكثر مما يستطيع، كأن تقول له وهو واقف على بئر: أسألك بوجه الله إلا نزلت البئر. لا، لا يجوز الإرغام على النزول إلى البئر؛ لأن هذا مما لا يستطيعه، لكن الحديث الصحيح الذي عند الطبراني، وصححه عن رفاعة، قال: (ملعون من سأل بوجه الله، وملعون مَن لَمْ يُجِب) وفيه هنا محذوف، وتقديره: وهو يقدر، أي: إذا كان شيئاً بإمكانك فعله، وسئلت فيه بوجه الله، فالذي سأله ملعون، وأنت لا بد أن تجيب، وإلا كنتَ ملعوناً، ولهذا ما هو طريق السلامة؟ طريق السلامة: ألا تسأل بوجه الله إلا الجنة؛ لأن وجه الله عظيم يا إخواننا، كثير من الناس يقولون: عليك وجه الله أن تشرب القهوة، عليك وجه الله أن تقوم، عليك وجه الله أن تقعد، عليك وجه الله أن تخرج، لعبوا كثيراً بهذه الأيمان، لا تعرِّض وجه الله على شيء، وإذا أحدٌ عرَّض عليك وجه الله فالله يعينك، لا بد أن ترد إذا كان بإمكانك. ويُذكر أن الخضر ﵇ مرَّ على رجل فقير فقال له الفقير: أسألك بوجه الله أن تعطيني، وليس لدى الخضر شيء، فذهب إلى رجل، وباع نفسه عليه بثمن بخس، وقال: أنا رقيق آبق، أريد أن أبيع نفسي عليك، فأعطني شيئاً، فاشتراه منه، وأعطاه النقود، وأخذ النقود، وذهب بها وأعطاها الفقير، وأصبح رقيقاً، فكان رقيقاً عند رجل لديه أعمال كثيرة وصاحب سلطة وقهر على الأجراء والعمال عنده، فكان يكلفه كل يوم بتقطيع الجبال حجارة، ونقلها، فيعمل في اليوم الواحد ما تعجز عن عمله وحمله الرجال؛ لأن الله أعانه، فجاء الرجل في يوم من الأيام، وقد نحت جبلاًَ كاملاًَ، قَطَّعَه قِطْعة قِطْعة، فتعجب الرجل، وقال: هذا ليس من المعقول أن يكون شغل عامل واحد، لا بد أن هناك من يعينه، فقال له: أسألك بوجه الله إلا قلتَ لي من الذي صنع لك هذا العمل؟ قال: لا إله إلا الله! وقعتُ في الرق من أجل وجه الله، والآن تسألني بوجه الله؟ الذي أعانني هو الله ، قال: لماذا وقعتَ في الرق؟ فأخبره بالخبر، فأعتقه لوجه الله ، ورده حراً كما كان. فلا ينبغي لك يا أخي المسلم أن تسأل بوجه الله شيئاً مهما كانت الظروف. السائل: هل (أسألك بوجه الله) مثل (أسألك بالله)؟ الشيخ: لا. فالحديث صريح: (ملعونٌ من سأل بوجه الله) لأن الله يقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء:١]، أي: الذي تساءلون بالله به، فقد تسأل وتقول: أسأل بالله، هل مرَّ بك هذا؟ وذلك مثلما فعل الصحابي الذي كان في طريقه إلى المدينة، وبعد أن جاءه من السماء الرجل الذي أنجده، وقال له: أسأل بالله، أمَلَكٌ أنت، أم من الإنس، أم من الجن؟! فقال: أنا من سكان السماء الرابعة. والقصة ذكرها صاحب حياة الصحابة الشيخ محمد يوسف، وهي لـ أبي مَغْلَق ﵁، وهي في السنن أيضاً، وكمال القصة: أن الصحابي كان في طريقه من مكة إلى المدينة مهاجراً، فمرَّ في طريقه على رجل من قُطاع الطريق، قال له: إلى أين؟ قال: إلى المدينة، قال: هل أدلك على طريق أقصر وأقرب؟ قال: نعم. فأخذه، ولما أخرجه من الطريق، أخذ سيفه وأراد قتله، قال: لِمَ؟ قال: أريد قتلك. قال: خذ فرسي، وخذ ما معي من المال، واعتقني لوجه الله. قال: لا، انظر إلى العظام، وإذا بحوالي عشرين جثة، كلهم عظامهم قد بَلِيَت -وهذا قاطع طريق، يأخذ الرجل ويقتله- قال: أعزمتَ؟ قال: نعم. قال: دعني أصلي ركعتين. قال: صلِّ ما بدا لك، فتوضأ وصلى ركعتين، فلما كان بعد الانتهاء من السلام دعا ورفع يديه، وقال: يا غفور، يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعَّال لِما تريد، أغثني أغثني أغثني، فما أكمل الكلمة الثالثة إلا وذلك الفارس يخرج من غبرة الأرض، وفي يده الرمح، ويأتي ويضرب هذا الرجل بالرمح في صدره، ليخرج من ظهره وهو يلمع، فقال له الصحابي: أسألك بالله، من أين أنت؟ من أنتَ؟ أمِن الجن، أم من الإنس فقد أغاثني الله بك؟ قال: إن سألتني فأنا من سكان السماء الرابعة، دعوتَ بدعوتك الأولى، ففُتحت أبواب السماء، ودعوتَ بدعوتك الثانية، فسُمع لأبوابها قعقعة، أي: كل مصاريعها تفتحت، وهي دعوة المظلوم، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]، ودعوتَ بدعوتك الثالثة فسألتُ الله أن يجعل شرف إغاثتك على يدي، فأذن لي ثم بعد ذلك اختفى ومضى، فركب الصحابي هذا حصانه، ورجع إلى طريقه وسافر. فلا شيء إن شاء الله بالنسبة للسؤال بالله؛ لكن السؤال بوجه الله هو المحظور.

стр. 1753

قبول الله لتوبة الكاذب السؤال الذي يُكتب عند الله كذاباً، هل له توبة؟ وكيف يفعل الذي كذب على أحد؟ هل يقول: أنا كذبتُ عليك، ويخبره بالصدق، أم لا؟ الجواب نعم. الذي كذب وتحرَّى الكذب، حتى كُتب عند الله كذاباً، ثم تاب، يكتب الله له توبة، ويمحو الله عنه الخطايا كلها والسيئات، ولا يلزمه أن يذهب إلى الناس ليخبرهم أنه قد كذب عليهم؛ لأن التوبة تجب ما قبلها، والإسلام يهدم ما قبله، وليُحسِن فيما بقي. يا من أسا فيما مضى ثم اعترفْ كن محسناً فيما بقي تُعط الشرفْ أما سمعتَ الله في قرآنه إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ

стр. 1754

حكم استخدام كلمة: ليس موجوداً السؤال بخصوص الكذب: أنا أعمل بمكان تكثر فيه الاتصالات، وأحياناً يصادف أن يكون من المتصلين أناس لا أرغب مكالمتهم، تجنباً للإحراج فيما يطلبونه مني، والذي لا أستطيع تسهيله لهم، ولو حدث أن كلمتهم أو بُحتُ لهم بالصراحة لغضبوا، فهل يجوز أن أقول لمدير مكتبي أو سكرتيري: قل لهم: ليس موجوداً؟ الجواب لا يجوز؛ لأنك تربي هذا السكرتير أو مدير المكتب على الكذب، وأيضاً تتعوَّد أنت الكذب، ثم لماذا تكذب؟ الناس لم يتصلوا بك يا أخي إلا لأن الله جعل في يدك حاجتهم، وما دام الله ﵎ جعل حوائج العباد على يديك، لماذا تبخل على نفسك بفعل المعروف، فمن الناس من يضيق صدره إذا جاء أحدٌ يتوسط له أو يريده أن يصنع له جميلاً لدى إدارة أو نحوها، لا يا أخي، (خير الناس أنفعهم للناس) (واشفعوا تؤجروا) (من استطاع منكم أن يصنع لأخيه معروفاً فليصنع)، ومن استطاع أن يعمل خيراً فليعمل، واحرص على ما ينفعك، ما دام ذلك بإمكانك فاعمل، أما إذا كان ليس بإمكانك فاعتذر، ليس في ذلك شيء، والذي يغضب لأنك اعتذرت له بأنك لا تستطيع، فهذا مغفل، دعه يغضب إلى يوم الدين، فإذا قال لك: اصنع لي كذا، فقل له: يا أخي! والله أريد أن أصنع لك؛ لكن لا أملك شيئاً، لا أستطيع أن أفعل في موضوعك شيئاً، ولا لي أي دور في هذا الموضوع، أو فقل له: أبشِر، إن تيسر ذلك، سأحاول، وحاول إن كنتَ تستطيع، إنما كلمة: ليس موجوداً، فلا تجدي، فإن كنت لستَ موجوداً الآن، فسوف يأتي إليك بنفسه، بعض مدراء المكاتب إذا استعملوا كلمة: ليس موجوداً، قال المتصل: يبدو أن التليفون لا يُجدِي، لا بد أن أذهب إليه بنفسي، وأتاه إلى مكتبه، فإذا حصل هذا، كيف ستفعل؟ لو اعتذرت له بالتليفون عن عدم استطاعتك في موضوع المتصل أسهل لك من أن تعتذر وهو جالس أمامك، فأنت الذي ورطتَ نفسك. فلا يا أخي الكريم، لا ينبغي أن تقول هذا، وعليك أن تكون صادقاً.

стр. 1755

الواجب على من تكشف زوجة أخيه أمامه السؤال زوجة أخي تكشف عليَّ، ولا تتحجَّب مني، وكلمتُ أمي لكي تنصحها؛ ولكن أمي رفضتْ، فلم أنصحها مرة أخرى، فماذا أفعل؟ وما الحُكم؟ الجواب نقول: عليك أن تخبر أخاك أنه لا يحل له أن يكشف زوجتَه عليك، وتخبر زوجتَه بواسطة رسالة تكتبها لها أن هذا حرام، وتخبر أمك، فإن استجابوا فالحمد لله، وإن رفضوا فحجِّب نفسك أنت، كيف تحجِّب نفسك؟ بأن تديم النظر إلى الأسفل، فإذا كنت على العشاء فكُلْ وأنت شبه مغمض العينين، أو كل وأنت منزل رأسك إلى أسفل، فعندما تراك وعينُك في الأرض فإنها ستقوم وتقول في نفسها: والله هذا لا ينبغي أن نضايقه إلى هذه الدرجة. ويقول لي أحد الإخوة أنه صنع هذا فنفع، يقول: كلما دخلت إلى المنزل أجعل عيني إلى أسفل هكذا، فقالت المرأة: ما به لا يرفع رأسه؟ قالوا: يقول: إنه لا يجوز الكشف عليه، قال: فأفلح الصنيع، وذهبت، وكفَّه الله منها؛ لكنها إذا لم تحتجب، فإنك تظل تتلفَّت فيها، وإذا أخطأت هي تخطئ أنت، وهذا لا يصلح؛ لأن عينك في رأسك تستطيع التحكُّم فيها، فلا يوجد لديك عذر للنظر عندما تتكشف لك النساء.
следующие страницы →