Полный текст (2 982 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
حكم هجر الأخ لأخيه بسبب رفضه إعارته حاجة من حاجاته
السؤال
أحد الإخوة يقول: لديَّ سيارة، وطلبني أحد الإخوة في السيارة ذات مرة، فاعتذرتُ إليه؛ لظروف خاصة بي، فغضب عليَّ، ومن ساعة منعتُ أن أعطيه لا يكلمني ولا يرد عليَّ السلام.
فهل أنا مخطئ في منع السيارة، أو لا؟
الجواب
أولاً: لستَ بمخطئ في منعك السيارة، فأنت حرٌّ في حقك، إن شئتَ أعطيتَ، وإن شئتَ منعتَ، وهذا الرجل أو الأخ الذي طلبك ارتكب خطأً مركباً: أخطأ في السؤال، وأخطأ -أيضاً- في المؤاخذة بغير حق، والسيارة مما لا ينبغي للإنسان أن يعيرها، ولا ينبغي أيضاً للأخ أن يسألها؛ لأنها إلى جانب كونها وسيلة نقل فهي -أيضاً- وسيلة قتل، أليس كذلك؟ والحُكماء المعاصرون يقولون: ثلاث لا تُعار: الأول: المرأة، فلا أحَدَ يُعِيْر امرأتَه.
الثاني: السلاح، فإذا كان لديك سلاح شخصي، وعليه ترخيص رسمي، وجاء رجل وقال: أنا أريد سلاحك، فقلتَ له: لماذا؟ قال: لديَّ ضيف، أريد استقباله بالبُنْدُق، فلا تعطه؛ لأنه لو قُتل به أحدٌ أو أخطأ به فمن المسئول؟ المسئول هو أنت، فلا تعر سلاحك.
الثالثة: السيارة.
لأنها وسيلة قتل، فلو أعطيت شخصاً سيارتك، وذهب ودهس بها شخصاً آخر، فعلى مَن ستقبض السلطات؟ ستقول لك السلطات: السيارة لمن؟ ستقول: لي، فتقول لك: لماذا إذاً تعطيه سيارتك؟! وأيضاً فهي من الوسائل التي يمكن أن يترتب على إعارتها ضرر فيها، وربما كان الضرر هذا والخراب من وجودها عند المستعير، فربما كان في سيارتك ضرر، فجاء شخص وأخذها منك، يريد بها مشواراً، وذهب بها في الطريق، ومن ساعة أن ذهب بها مشواره تعطل شيء في السيارة، وطبعاً لم يتعطل هذا الشيء من تلك اللحظة، وإنما كان نتيجة استعمال كثير، ولكنه أجْهَزَ عليه المستعير في آخر لحظة، فماذا سيفعل؟ هل سيأتي إلى صاحب السيارة ويقول له: خذ مفتاحك، شكراً، أم يذهب ليصلحها؟! طبعاً إذا كان صاحب مروءة، وإحساس، وهو الذي عطلها، فلا يردها إلا صالحة، رغم أنه لم يكن سبباً في تعطيلها بالكلية، وإنما العطل موجود منذ زمن، وكذلك ربما تؤدي إلى خراب فيها عن طريق حادث مروري، فيأخذها المستعير، ويذهب بها، فيصدم بها، ثم يأتي عند صاحبه صاحب السيارة، فيقول له: أخذتُها وصدمتُ بها، فماذا يكون موقفك منه؟! طبعاً السيارة لك، فيؤلمك قلبُك، وسيكون موقفك مؤلم، فيضطر إلى أن يستلف ويذهب لإصلاح السيارة، ويعطلها عن العمل شهراً أو عشرين يوماً في الورشة، فلماذا يُحرج المستعير نفسه هذه الإحراجات؟ فيا أخي! لا ينبغي أن تسأل زميلك السيارة إلا إذا كان الغرض للدعوة وللخير، وكان تطوعاً من صاحب السيارة، وقال لك: خذ سيارتي واذهب، أما أن تقول له: من فضلك، هات المفتاح، أقضي لازماً، أو أذهب مشواراً، فلا.
لا تسأل أحداً شيئاً، وهذه وصية النبي ﷺ قالها لأحد الصحابة، قال: (لا تسألنَّ شيئاًَ، ولو سوطاً)، فسوطُك الذي يقع منك، لا تقل لآخر: من فضلك أعطني السوط، لا.
بل خذه أنت، ولو كنتَ في المسجد وأنت جالس، وتريد مصحفاً، وقام رجلٌ من جانبك إلى رف المصاحف فلا تقل له: هات مصحفاً، لا.
بل قم أنت وخذ المصحف، لماذا تتعب الناس؟ من هم الناس؟! هل الناس خدم لك؟! بعض الناس عندما يكون في المسجد ويريد القيام، يقول: من فضلك، هات العصا؛ لكي لا يمد بنفسه ويأخذ عصاه، أو يقول: من فضلك، أسندني، هذه إحراجات لا تنبغي، الإسلام يربي فينا الاستقلالية، ويربي فينا الاكتفاء، وعدم الإحراجات للناس، يقول أحد الحكماء: صبري على نفسي، ولا صبر الناس عليَّ.
أليس كذلك؟ اصبر على نفسك، امشِ على رجلك، اذهب على سيارة أبيك، أو أخيك، أو لا داعي للمواعيد، أو يأتي صاحب السيارة الذي تريد أن تذهب على سيارته ويوصلك هو بنفسه ويسوق سيارته بنفسه، أما أن تحرجه وتضعه في موقف حرج، إما أن يعطيك وهو كاره، أو يعتذر منك فتغضب عليه، مثلما صنع أخونا المستعير، فهذا خطأ.
فنحن نقول للأخ الذي سأل السيارة: أخطأت في هجرك لأخيك، وعليك من الآن، بمجرد أن تصلي إن كنت معنا -وأعتقد أن السائل ما سأل إلا وزميله هنا- فبمجرد ما تخرج من المسجد، أو الآن قبل الصلاة سلِّم عليه، وقل له: سامحك الله، وأنا أخطأت عليك، واعفُ عني؛ لأنه لم يخطئ عليك، وإنما منع سيارته، وسيارته من حقه، فهل تؤخذ غصباً؟! فلا تغصبه على حقه يا أخي! فعندما اعتذر تغضب عليه؟! (أحشفاً وسوء كيلة؟!)، ما يجوز لك يا أخي! هذه سيارته، لا يريد أن يعطيك، وكثَّر الله خيره، وربما منعك من شر، وربما لو أخذتَها حصل لك حادث أو دهستَ بها شخصاً أو انقلبتَ، فقد حال بينك وبين السوء.
فلا ينبغي أيها الإخوة أن ننهي العلاقات بيننا بهذه الجزئيات البسيطة، لا تستعر يا أخي! من أحد شيئاً، وإذا استعرت من أحد مضطراً، واعتذر إليك، فلا تأخذ على خاطرك منه ولا تغضب عليه بأي حال من الأحوال.
стр. 1752
حكم حديث: (من سأل بوجه الله فهو ملعون)
السؤال
ما مدى صحة حديث: (من سأل بوجه الله فهو ملعون، ومَن لَمْ يُجِبْ فهو ملعون)؟
الجواب
هذا الحديث حديث صحيح، والناس يتساهلون في هذا الأمر، فهو حديث صحيح رواه الطبراني، وذكره الإمام المنذري في الترغيب والترهيب، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، وورد في روايتين: رواية عن رفاعة، ورواية عن ابن مسعود ﵄، رواية ابن مسعود حسنة، ورواية رفاعة صحيحة، ونص الحديث عند ابن مسعود: (ملعون من سأل بوجه الله، وملعون مَن لَمْ يُجِبْهُ إلا أن يَسأل فُحْشاً) والفُحْش: هو الشيء الغلط، أن تسأل شخصاً أكثر مما يستطيع، كأن تقول له وهو واقف على بئر: أسألك بوجه الله إلا نزلت البئر.
لا، لا يجوز الإرغام على النزول إلى البئر؛ لأن هذا مما لا يستطيعه، لكن الحديث الصحيح الذي عند الطبراني، وصححه عن رفاعة، قال: (ملعون من سأل بوجه الله، وملعون مَن لَمْ يُجِب) وفيه هنا محذوف، وتقديره: وهو يقدر، أي: إذا كان شيئاً بإمكانك فعله، وسئلت فيه بوجه الله، فالذي سأله ملعون، وأنت لا بد أن تجيب، وإلا كنتَ ملعوناً، ولهذا ما هو طريق السلامة؟ طريق السلامة: ألا تسأل بوجه الله إلا الجنة؛ لأن وجه الله عظيم يا إخواننا، كثير من الناس يقولون: عليك وجه الله أن تشرب القهوة، عليك وجه الله أن تقوم، عليك وجه الله أن تقعد، عليك وجه الله أن تخرج، لعبوا كثيراً بهذه الأيمان، لا تعرِّض وجه الله على شيء، وإذا أحدٌ عرَّض عليك وجه الله فالله يعينك، لا بد أن ترد إذا كان بإمكانك.
ويُذكر أن الخضر ﵇ مرَّ على رجل فقير فقال له الفقير: أسألك بوجه الله أن تعطيني، وليس لدى الخضر شيء، فذهب إلى رجل، وباع نفسه عليه بثمن بخس، وقال: أنا رقيق آبق، أريد أن أبيع نفسي عليك، فأعطني شيئاً، فاشتراه منه، وأعطاه النقود، وأخذ النقود، وذهب بها وأعطاها الفقير، وأصبح رقيقاً، فكان رقيقاً عند رجل لديه أعمال كثيرة وصاحب سلطة وقهر على الأجراء والعمال عنده، فكان يكلفه كل يوم بتقطيع الجبال حجارة، ونقلها، فيعمل في اليوم الواحد ما تعجز عن عمله وحمله الرجال؛ لأن الله أعانه، فجاء الرجل في يوم من الأيام، وقد نحت جبلاًَ كاملاًَ، قَطَّعَه قِطْعة قِطْعة، فتعجب الرجل، وقال: هذا ليس من المعقول أن يكون شغل عامل واحد، لا بد أن هناك من يعينه، فقال له: أسألك بوجه الله إلا قلتَ لي من الذي صنع لك هذا العمل؟ قال: لا إله إلا الله! وقعتُ في الرق من أجل وجه الله، والآن تسألني بوجه الله؟ الذي أعانني هو الله ، قال: لماذا وقعتَ في الرق؟ فأخبره بالخبر، فأعتقه لوجه الله ، ورده حراً كما كان.
فلا ينبغي لك يا أخي المسلم أن تسأل بوجه الله شيئاً مهما كانت الظروف.
السائل: هل (أسألك بوجه الله) مثل (أسألك بالله)؟ الشيخ: لا.
فالحديث صريح: (ملعونٌ من سأل بوجه الله) لأن الله يقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء:١]، أي: الذي تساءلون بالله به، فقد تسأل وتقول: أسأل بالله، هل مرَّ بك هذا؟ وذلك مثلما فعل الصحابي الذي كان في طريقه إلى المدينة، وبعد أن جاءه من السماء الرجل الذي أنجده، وقال له: أسأل بالله، أمَلَكٌ أنت، أم من الإنس، أم من الجن؟! فقال: أنا من سكان السماء الرابعة.
والقصة ذكرها صاحب حياة الصحابة الشيخ محمد يوسف، وهي لـ أبي مَغْلَق ﵁، وهي في السنن أيضاً، وكمال القصة: أن الصحابي كان في طريقه من مكة إلى المدينة مهاجراً، فمرَّ في طريقه على رجل من قُطاع الطريق، قال له: إلى أين؟ قال: إلى المدينة، قال: هل أدلك على طريق أقصر وأقرب؟ قال: نعم.
فأخذه، ولما أخرجه من الطريق، أخذ سيفه وأراد قتله، قال: لِمَ؟ قال: أريد قتلك.
قال: خذ فرسي، وخذ ما معي من المال، واعتقني لوجه الله.
قال: لا، انظر إلى العظام، وإذا بحوالي عشرين جثة، كلهم عظامهم قد بَلِيَت -وهذا قاطع طريق، يأخذ الرجل ويقتله- قال: أعزمتَ؟ قال: نعم.
قال: دعني أصلي ركعتين.
قال: صلِّ ما بدا لك، فتوضأ وصلى ركعتين، فلما كان بعد الانتهاء من السلام دعا ورفع يديه، وقال: يا غفور، يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعَّال لِما تريد، أغثني أغثني أغثني، فما أكمل الكلمة الثالثة إلا وذلك الفارس يخرج من غبرة الأرض، وفي يده الرمح، ويأتي ويضرب هذا الرجل بالرمح في صدره، ليخرج من ظهره وهو يلمع، فقال له الصحابي: أسألك بالله، من أين أنت؟ من أنتَ؟ أمِن الجن، أم من الإنس فقد أغاثني الله بك؟ قال: إن سألتني فأنا من سكان السماء الرابعة، دعوتَ بدعوتك الأولى، ففُتحت أبواب السماء، ودعوتَ بدعوتك الثانية، فسُمع لأبوابها قعقعة، أي: كل مصاريعها تفتحت، وهي دعوة المظلوم، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]، ودعوتَ بدعوتك الثالثة فسألتُ الله أن يجعل شرف إغاثتك على يدي، فأذن لي ثم بعد ذلك اختفى ومضى، فركب الصحابي هذا حصانه، ورجع إلى طريقه وسافر.
فلا شيء إن شاء الله بالنسبة للسؤال بالله؛ لكن السؤال بوجه الله هو المحظور.
стр. 1753
قبول الله لتوبة الكاذب
السؤال
الذي يُكتب عند الله كذاباً، هل له توبة؟ وكيف يفعل الذي كذب على أحد؟ هل يقول: أنا كذبتُ عليك، ويخبره بالصدق، أم لا؟
الجواب
نعم.
الذي كذب وتحرَّى الكذب، حتى كُتب عند الله كذاباً، ثم تاب، يكتب الله له توبة، ويمحو الله عنه الخطايا كلها والسيئات، ولا يلزمه أن يذهب إلى الناس ليخبرهم أنه قد كذب عليهم؛ لأن التوبة تجب ما قبلها، والإسلام يهدم ما قبله، وليُحسِن فيما بقي.
يا من أسا فيما مضى ثم اعترفْ كن محسناً فيما بقي تُعط الشرفْ
أما سمعتَ الله في قرآنه إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ
стр. 1754
حكم استخدام كلمة: ليس موجوداً
السؤال
بخصوص الكذب: أنا أعمل بمكان تكثر فيه الاتصالات، وأحياناً يصادف أن يكون من المتصلين أناس لا أرغب مكالمتهم، تجنباً للإحراج فيما يطلبونه مني، والذي لا أستطيع تسهيله لهم، ولو حدث أن كلمتهم أو بُحتُ لهم بالصراحة لغضبوا، فهل يجوز أن أقول لمدير مكتبي أو سكرتيري: قل لهم: ليس موجوداً؟
الجواب
لا يجوز؛ لأنك تربي هذا السكرتير أو مدير المكتب على الكذب، وأيضاً تتعوَّد أنت الكذب، ثم لماذا تكذب؟ الناس لم يتصلوا بك يا أخي إلا لأن الله جعل في يدك حاجتهم، وما دام الله ﵎ جعل حوائج العباد على يديك، لماذا تبخل على نفسك بفعل المعروف، فمن الناس من يضيق صدره إذا جاء أحدٌ يتوسط له أو يريده أن يصنع له جميلاً لدى إدارة أو نحوها، لا يا أخي، (خير الناس أنفعهم للناس) (واشفعوا تؤجروا) (من استطاع منكم أن يصنع لأخيه معروفاً فليصنع)، ومن استطاع أن يعمل خيراً فليعمل، واحرص على ما ينفعك، ما دام ذلك بإمكانك فاعمل، أما إذا كان ليس بإمكانك فاعتذر، ليس في ذلك شيء، والذي يغضب لأنك اعتذرت له بأنك لا تستطيع، فهذا مغفل، دعه يغضب إلى يوم الدين، فإذا قال لك: اصنع لي كذا، فقل له: يا أخي! والله أريد أن أصنع لك؛ لكن لا أملك شيئاً، لا أستطيع أن أفعل في موضوعك شيئاً، ولا لي أي دور في هذا الموضوع، أو فقل له: أبشِر، إن تيسر ذلك، سأحاول، وحاول إن كنتَ تستطيع، إنما كلمة: ليس موجوداً، فلا تجدي، فإن كنت لستَ موجوداً الآن، فسوف يأتي إليك بنفسه، بعض مدراء المكاتب إذا استعملوا كلمة: ليس موجوداً، قال المتصل: يبدو أن التليفون لا يُجدِي، لا بد أن أذهب إليه بنفسي، وأتاه إلى مكتبه، فإذا حصل هذا، كيف ستفعل؟ لو اعتذرت له بالتليفون عن عدم استطاعتك في موضوع المتصل أسهل لك من أن تعتذر وهو جالس أمامك، فأنت الذي ورطتَ نفسك.
فلا يا أخي الكريم، لا ينبغي أن تقول هذا، وعليك أن تكون صادقاً.
стр. 1755
الواجب على من تكشف زوجة أخيه أمامه
السؤال
زوجة أخي تكشف عليَّ، ولا تتحجَّب مني، وكلمتُ أمي لكي تنصحها؛ ولكن أمي رفضتْ، فلم أنصحها مرة أخرى، فماذا أفعل؟ وما الحُكم؟
الجواب
نقول: عليك أن تخبر أخاك أنه لا يحل له أن يكشف زوجتَه عليك، وتخبر زوجتَه بواسطة رسالة تكتبها لها أن هذا حرام، وتخبر أمك، فإن استجابوا فالحمد لله، وإن رفضوا فحجِّب نفسك أنت، كيف تحجِّب نفسك؟ بأن تديم النظر إلى الأسفل، فإذا كنت على العشاء فكُلْ وأنت شبه مغمض العينين، أو كل وأنت منزل رأسك إلى أسفل، فعندما تراك وعينُك في الأرض فإنها ستقوم وتقول في نفسها: والله هذا لا ينبغي أن نضايقه إلى هذه الدرجة.
ويقول لي أحد الإخوة أنه صنع هذا فنفع، يقول: كلما دخلت إلى المنزل أجعل عيني إلى أسفل هكذا، فقالت المرأة: ما به لا يرفع رأسه؟ قالوا: يقول: إنه لا يجوز الكشف عليه، قال: فأفلح الصنيع، وذهبت، وكفَّه الله منها؛ لكنها إذا لم تحتجب، فإنك تظل تتلفَّت فيها، وإذا أخطأت هي تخطئ أنت، وهذا لا يصلح؛ لأن عينك في رأسك تستطيع التحكُّم فيها، فلا يوجد لديك عذر للنظر عندما تتكشف لك النساء.
стр. 1756
حكم دخول الطلاب في السكن الجامعي على بعضهم البعض دون إذن
السؤال
يدخل بعض الطلاب على بعضٍ في غرفهم بدون استئذان -كأن يكون الأخ في الجامعة، في السكن الجامعي- وربما يحتجُّون بأن آية الاستئذان في سورة النور خاصة بالأطفال والمملوكين؟
الجواب
لا.
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٧ - ٢٨]، هذه عامة؛ لأنه لا يجوز لمسلم أن يدخل على مسلم سواء في بيته، أو في غرفته الخاصة في السكن الجامعي، إلا بعد أمرين: الاستئناس، والاستئذان، ما الاستئناس؟ وما الاستئذان؟ الاستئناس: اختيار الوقت المناسب، أنك تختار الوقت الذي تعرف فيه أن أخاك قابل لزيارتك، هذا هو الاستئناس، ثم بعد ذلك تستأذن، هذا إذا كان بغير وعد، أما إذا كان بوعد، فلا يحتاج إلى استئناس، ولكن يحتاج إلى استئذان، فإن سمح لك فالحمد لله، وإن ردّك، فارجع وأنت مرتاح، لا ترجع وأنت تسبه، وتقول: هذا ما فيه خير، أدق على بابه فيطردني من عند الباب، لا.
لا تقل ذلك، فالله يقول: ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٨]، ألا تريد الأزكى؟ فالأزكى: أن ترجع.
ولهذا زرت أحد الإخوة زرتُه مرة من المرات وكانت ليلة باردة، وجئت -في الحقيقة- على غير وعد؛ لكن لي غرض منه، فلما استمع من عند تليفون البوابة، قلت: السلام عليكم، قال: وعليكم السلام، قلت: أأدخُل، قال: تريد الأزكى أو الذي ليس بأزكى؟ قلتُ: والله أريد الأزكى، قال: ارجع، قلت: جزاك الله خيراً، كأن الرجل قد رَقَد.
стр. 1757
كتب نافعة
السؤال
دلني على كتب تفيدني في أمور ديني؟
الجواب
طبعاً الكتب كثيرة؛ ولكن ندل الناس -خاصةً المبتدئين منهم- على بعضها.
فيا إخواننا! من الكتب التي ندل عليها -وبالطبع كتاب الله لا يقال له أنه من الكتب؛ لأنه لا يُقارن بغيره من كتب البشر-: أولاً: من كتب السنة: اقرأ: كتاب اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان وابدأ بحفظ أحاديثه؛ حتى تكون ثقافتك الحديثية صحيحة، فكل حديث تقرأه من هذا الكتاب كأنه من القرآن؛ لأنه اتفق عليه البخاري ومسلم، في صحيحيهما.
ثانياً: من كتب السلف: اقرأ كتب ابن تيمية ﵀.
واقرأ كتب ابن القيم ﵀، خصوصاً كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد، وكتابه إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، وكتابه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، وكتابه الوابل الصيِّب من الكَلِم الطيِّب، وكتابه طريق الهجرتين وباب السعادتين، وكتابه مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين، وكتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، وكتابه إعلام الموقعين عن رب العالمين، كل كتب ابن القيم قيمة، أي كتاب تلقاه لـ ابن القيم اقرأه.
ثالثاً: من كتب المعاصرين: اقرأ كتب سيد سابق، وكتب أبي الأعلى المودودي، وكتب أبي الحسن الندوي، وسيد قطب، ومحمد قطب، واقرأ كتب يوسف القرضاوي، والشيخ أبي بكر الجزائري، واقرأ كتب الشيخ عبد العزيز بن باز؛ فله رسائل كثيرة، وله كتاب اسمه الفتاوى بطبعتين: طبعة دار الدعوة، وفتاوى طبعته مجلة البحوث.
هذه الكتب جميعها موثوق في أهلها، فإذا اشتريت هذه الكتب وقرأتها -إن شاء الله- فستكون عندك ثقافة إسلامية كبيرة -بإذن الله-.
والله الموفق.
стр. 1758
توضيح قول القائل: بأن الناس يصلون خمس ركعات بعد صلاة العشاء
السؤال
ورد أن السنة الراتبة لصلاة العشاء ركعتين؛ ولكنني ألاحظ البعض من الناس يصلون خمس ركعات، أرجو بيان ذلك؟
الجواب
لا يوجد إشكال يا أخي المسلم! فإن الركعتين التي يؤديهما الناس عقب صلاة العشاء هي الراتبة التي وردت بها السنة؛ ولكن ما تلاحظه أنت من أن الناس يصلون خمس ركعات، هي أنهم يصلون ركعتي الراتبة، ثم يصلون ثلاث ركعات، فهذه الثلاث الركعات هي وتر، والوتر شيء خارج عن الركعتين الراتبة التي وردت بها السنة، فموضوع ركعتي الراتبة هذا ليس فيه كلام، لكن الوتر يأتي بعدها، وأقل الوتر واحدة، وأكثره ثلاث عشرة ركعة، أو إحدى عشرة ركعة، ومعظم الناس الآن يوترون بثلاث ركعات، ولو أوتر بواحدة لأجزأه، وإذا أوتر بثلاث أجزأه، وإذا أوتر بخمس أجزأ، وإذا أوتر بسبع أو تسع أو إحدى عشرة أو ثلاث عشرة أجزأه، وكلما كان الوتر أكثر كان الثواب أكثر، فلا إشكال -إن شاء الله- في الموضوع.
стр. 1759
حكم الطرف الكاذبة
السؤال
هناك كثير من الطُّرف الكاذبة التي ترِدُ في مجالسنا بكثرة ليضحك الناس، فما الحكم في ذلك؟
الجواب
يقصد الحكايات، الحكم في ذلك عدم الجواز، وقد كان ﷺ يمزح؛ ولكن لا يقول إلا حقاً، فيمكن لك أن تمزح؛ لكن بالصدق، أما أن تصنِّف لك أكاذيب لكي تضحك الناس فهذا هو المتَوَعَّد به في حديث سَمُرة بن جندُب في صحيح البخاري: (فإذا رجل جالس، ورجل قائم بيده كلوب من حديد، قال: إنه يدخل ذلك الكلوب في شدقه حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك، ويلتئم شدقه هذا، فيعود فيضع مثله ثم قالا له: أما الذي رأيته يشق شدقه فكذاب، يحدث بالكذبة، فتحمل عنه حتى يبلغ الآفاق)، فلا يصح أن تكذب، حتى لا تضحك الناس وتبكي يوم القيامة.
стр. 1760
حكم الكذب بحجة الضرورة
السؤال
عندي مشكلة تسبب لي مصائب كثيرة، ولا يمكن أن تُحل إلا بتغيير الحقيقة قليلاً؟
الجواب
لا تغير الحقيقة، وكن صادقاًَ؛ لأننا نريد من الناس أن يربوا أنفسهم على الصدق، ولا نريد أن نجعل لهم فرصاً أو مجالات، ونقول: هذا قليل، لا.
بل خذ نفسك بقوة من أول الأمر، لا تكذب مرة واحدة، ولو كان فيها قطع رأسك، حتى تتحرَّى الصدق باستمرار، ويكتبك الله صِدِّيقاً، فإذا كتبك صِدِّيقاً، فما عليك من شيء، ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء:٦٩]، لكن يحتاج منك إلى تضحيات، ومعاناة ومقاساة شديدة، وترويض وتدريب للنفس عليها، درِّب نفسك من الآن، وإذا رأيتَ في نفسك أنك تكذب فمباشرةً صحِّح الوضع، وحاول أن تصدُق، حتى تصير بعدها -بإذن الله- صِدِّيقاً، فلا تكذب، ودعِ المشكلة تحصل لك، وتصير لك المصاعب الكثيرة؛ لكي يكتبك الله صِِدِّيقاً، أما أن تتخلص من المصاعب بالكذب، ويكتبك الله كذاباً فإنك تقع في المصاعب الكثيرة، وفي الآلام العظيمة.
стр. 1761
حكم الكذب خوفاً من الرياء
السؤال
ألجأ أحياناً إلى الكذب اضطراراً، خصوصاًَ إذا سئلتُ: هل أنت صائم، أو لا؟ فأقول: لا.
وإذا سئلتُ: هل تقوم الليل، أو لا؟ فأقول: لا.
لأن عملي بيني وبين الله خير لي من العلانية، فهل هذا من الكذب؟
الجواب
نعم.
هذا من الكذب، لا يجوز لك أن تكذب، بل يجب أن تكون صادقاً، وأيضاً لا ينبغي للسائل أن يسأل، كما يقول العلماء: إذا رأيت شخصاً لا يأكل فلا تقل له: أأنت صائم؟ فإنك تلجئه إلى أمرين كلاهما مر، إما أن يقول لك: نعم.
فيظهر عمله، وتسبب له إحراجاً، وإما أن يقول لك: لا.
فيكذب، فالأولَى ألا تسأل، لكن إذا سئلتَ ووقعت في الأمر هذا فلا بد لك أن تُجيب، ليس في الأمر شيء، فكونك تقول: والله أنا عملي سوف يصبح رياءً، فلا مجال لحديث النفس هذا؛ لأن الله مطلع على قلبك وقت أن صمت في الصباح، هل كان للرياء، ومن أجل أن يرى الناس عملك، أم كان له تعالى، فالله يعاملك على أمور قلبك، وقلبك -إن شاء الله- سليم، وأيضاً كونه يخرج من السر إلى العلانية إذا خرج نتيجة صدقك، فإنه لا ذنب لك، بل سيبقى -إن شاء الله- سراً، ويكون فوق عملك السري أنك صادق، أما أن تسر عملك الصالح بالكذب، فهذه مصيبة، فكُن صادقاً في كل أمورك.
стр. 1762
حكم كتابة الخطبة من الشريط وإلقاءها على الناس
السؤال
هل على من أخذ الكلام من الشريط المسجل وكتبه في ورقة، وقرأها على المسلمين في خطبة أو درس من الدروس، هل عليه شيء؟
الجواب
ما عليه شيء، ولكن بشروط: أولاً: أن يكون الذي ينقل عنه ثقة، وموثوق في دينه.
ثانياً: أن يتثبت من صحة الأحاديث والآيات، فإنه وإن كان المنقول عنه ثقة؛ لكنه قد يورِد في كلامه آية ويخطئ فيها، أو يورد في كلامه حديثاًَ وهو غير صحيح، أو -مثلاً- يصححه وهو حسن، فعليك إذا نقلت الآية أو الحديث أن تتثبت بشأنهما من كتب العلم، أو ممن هو أعلم من الذي أخذت منه، أما كونك تنقل كلاماً لتستفيد من سبقه للموضوع، أو إخراجه للقضية، فلا شيء في ذلك -إن شاء الله-؛ لأن الشريط مثل الكتاب، فكما يجوز لك أن تنقل من كتاب، يجوز لك أن تنقل -أيضاً- من شريط؛ ولكن -أيضاً- من الإنصاف إذا اضطررتَ أن تقول -مثلاًَ-: وما أفضل، أو أحسن ما ذكر بعض طلبة العلم أو العلماء في شريطٍ له أو في كتابٍ له، حتى تنسب الفضل لأهله؛ ولا يسمع الناس الكلام هذا فيظنوا أنه من تأليفك، ثم بعد ذلك يسمعونه في الشريط من صاحبه، فيقولوا: والله إنه يكذب، هذا الذي سمعناه في الخطبة ظهر أنه من هذا الشريط.
فهذه تسمى سرقة أدبية، فكن صادقاً خير لك، والصدق يا إخواني! أساس كل أعمالنا، فدائماً الصدق في كل شيء له تأثير في حياة الإنسان.
стр. 1763
كفارة الكذب
السؤال
كنتُ أكذب كثيراً، فما هي الكفارة؟ وهل يجب عليَّ أن أبين الصدق لمن كذبتُ عليه؟
الجواب
الكفارة أن تتوب، ولا يجب عليك أن تذهب إلى كل شخص كذبت عليه، وتقول له: إني كذبت عليك ذاك اليوم، لا.
بل اكتمها، واستغفر الله، فإن الله غفور رحيم، والتوبة تجب ما قبلها.
стр. 1764
أقسام الأيمان
السؤال
متى تكون كفارة اليمين؟ ومتى لا تكون؟ أي: ما هي اليمين الجائزة التي لا يكون فيها كفارة؟ وما هي اليمين التي إذا وقعت من الإنسان وجبت فيها الكفارة؟
الجواب
الأيمان ثلاثة أقسام: القسم الأول: يمين معقدة: عقدها الإنسان في نفسه.
القسم الثاني: يمين لغو.
القسم الثالث: يمين غموس.
فأما اليمين الأولى: اليمين المعقدة: فهي التي يقصد الإنسان إلى الحلف عليها، وهو قاصد للإتيان باليمين، فهذا إذا حنث فيها وجبت عليه الكفارة، والكفارة على التخيير في ثلاثة بين: عتق، وإطعام، أو كسوة لعشرة مساكين، أو إذا لم يجد، فينتقل على الترتيب إلى صيام ثلاثة أيام؛ لأن من الناس من يصوم وهو قادر على الإطعام، فلا يصح هذا، لا يُنْتَقَل إلى الصيام إلا عند العجز عن الإطعام أو الكسوة أو العتق، هذه بالنسبة لليمين الأولى.
أما اليمين الثانية: يمين اللغو، فهي التي لا يقصد الإنسان بها يميناً، وإنما تندرج على لسانه كلمة والله، مثل: خذ والله، بلا والله، قالت عائشة والحديث في صحيح البخاري: [هو قول الرجل لأخيه: بلا والله، ولا والله] فهذه لم يقصدها الشخص يميناً، ولا يحلفها، وإن كان تنزيه اللسان أفضل من أن تعرض الله لهذه الأيمان، فلا كفارة فيها إلا التوبة، وعدم العودة إلى مثلها.
وأما اليمين الثالثة: وهي اليمين الغموس: وهي التي يحلف فيها صاحبها على أمر وهو يعلم أنه كاذب، فهذه كفارتها أن يُغمس صاحبها في النار، ما لم يتُب ويتوب الله عليه، إذا تاب في الدنيا توبة صحيحة، وتاب الله عليه؛ انتهى الأمر، أما إذا مات وهو حلاَّف -والعياذ بالله- فإنه يُغمس في النار، عن كل يمين يحلفها كاذباً يُغمس غمسة في النار، ولا يُدرى كم مدة الغمسة، أهي غمسة يوم، أم غمسة سنة، أم غمسة أبد؟ الله أعلم، وقد يقول أحدٌ: الغمسة بسيطة، ولكنه لا يصبر لحظة واحدةً على نار الدنيا، فكيف بنار الآخرة؟
стр. 1765
حكم أخذ الموظف لمال لا يستحقه
السؤال
أنا موظف، وفي كل شهر يكون لي انتداب، وأتقاضى عليه أجراً إضافياً، وفي آخر الأشهر آخذ إجازة شهر كاملة، ثم جئت بعد انقضاء إحدى الإجازات لأتقاضى راتبي فقط، فوجدتُ الانتداب أمامي مع الراتب، سجله زملائي معهم، على أنني في انتداب ولستُ في إجازة، فماذا أفعل؟
الجواب
الله أكبر من هذه الأخوة! ربما قالوا: والله بيننا رفقة ممتازة، الذي في الإجازة نسجله في الانتداب.
فهم جداً متكاتفون على الباطل، متكاتفون على أكل الحرام، الله أكبر على هذه الأخوة التي توردك إلى النار! لا والله، والله لو كانت هناك أخوة لحجزتك عن الحرام، إن أخاك من نصحك، (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، قالوا: يا رسول الله! عرفنا كيف ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟! قال: تحجزه عن الظلم) وأخذ المال من بيت مال المسلمين عن طريق الانتداب الكاذب، وعن طريق العمل الإضافي الكذب، هذا كله كذب وظلم، وعليك أن تمنعه، وتقول: لا يا أخي! وإن كنتم رضيتم لأنفسكم بالنار فأنا لا أرضى أن أكون معكم في النار، فعليك يا أخي! يا من وجدت الراتب موجوداً والانتداب معه، أن تستلم الراتب، وتَدَعْ الصندوق يُمْسك على أجر الانتداب، وتوجه خطاباً رسمياً، وتقول فيه: كنتُ في إجازة، وأخطأ زملائي في تسجيلي معهم في الانتداب، وأنا لستُ في الانتداب، واتركهم يسخطون عليك، لكي يرضى الله عنك.
стр. 1766
حكم أخذ الفقير للمال الربا
السؤال
إذا كنتُ فقيراً، وأعطاني رجل غني من ماله شيئاً، وأنا أعرف أن هذا المال من الربا، فهل آخذه منه أو لا؟
الجواب
نعم.
تأخذه منه؛ لأن المال لا يتجاوز ذمتَين، ولأن مال هذا المسلم لا يمكن أن يكون كله رِباً (١٠٠%)، فهو يسمى: مالاًَ مختلَطاً، فيه حلال وفيه حرام، وفيه راتب وفيه ربا، فأنت تأخذ هذا؛ لأنك فقير، ولعلَّ الله يجعله من المال المختلط من الحلال، وأما إثم الربا فهو عليه؛ لكن يقول العلماء: الذي ماله كله حرام محض، ففيه خلاف، هل تأخذ، أو لا تأخذ؟ والصحيح: أنك تأخذ؛ لأنك لستَ مسئولاً، هو الذي سوف يسأله الله عن ماله، أما أنت فهو رزق ساقه الله لك تنتفع به.
стр. 1767
بيان معنى الكذب الجائز والتورية
السؤال
ما هو الكذب الجائز؟ وما هي التَّورِية؟
الجواب
الكذب الجائز، كما روت أم كلثوم، والحديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم، قالت: [ليس الكذاب الذي يُصلح بين رجلين] فيجوز الكذب في الإصلاح، ويجوز الكذب في الحرب، ويجوز الكذب على المرأة فيما ليس له علاقة بحقوقها، فيكذب على المرأة، ويقول: أنا أحبك، وأنت عندي مثل الدنيا كلها، وطعامك جيد، ورائحة البيت ممتازة، والأولاد نظيفون، فهذا وإن كان كذباً إلا أن فيه مصلحة؛ لأن يدفعها ويشجعها، فالمرأة دائماً تحب المدح، ولا تحب الذم، فعندما تأتي على طعام ليس بجيد وتقول: ماذا فعلتِ حتى صار هكذا؟! كيف صنعتِ؟! متى تعلمت هذا؟! فسوف تأتي في الغد وتصنع أحسن طعام، أما إذا صنعتْ طعاماً ليس بجيد، وأظهرت لها أنك لا تستسيغ تذوقه، وقلت لها: لماذا هذا الطعام هكذا؟! فإنك تخرِّب في نفسها، ولن تجد منها شيئاً جيداً، فكذبك عليها في سبيل تقويمها وإصلاحها طيبٌ، أما أن تأكل حقها، أو تضيِّع حقوقها الواجبة، فتكذب عليها، فهذا لا يجوز في الشرع؛ لأن الكذب له حدود.
أما التَّورِية: أن يقول الإنسان كلاماً فيُفهم منه بغير ما أراد هو، فهو أراد شيئاً، وفُهم عنه شيء آخر؛ لكنه ما كذب، وذلك كما قلنا عن ذلك الرجل الذي كان عنده في بيته غرفة اسمها: دِمَشْق، فكان إذا جاء شخص ودق الباب عليه قال لزوجته: قولي له: هو في دمشق، وذهب إلى الغرفة، فيفهم الطارق أنه في دمشق، وهو في غرفة دمشق، فما كذب؛ لأنه في دمشق فعلاً، فقد سمى غرفته دمشق؛ لكنه ليس في دمشق التي فهمها ذاك الطارق، فهذه تسمى التَّورِية.
وفي المعاريض والتَّورِية مَنْدُوحة عن الكذب، ولكنها ليست على الإطلاق، إنما عند الضرورة، فإذا اضطر الإنسان فإنه يجوز له، أما إذا لم يضطر فلا ينبغي له.
стр. 1768
حكم من صدم حيواناً بغير قصد
السؤال
صدمت قطاً غير متعمِّد، فهل عليَّ كفارة؟
الجواب
لا.
إذا كنتَ تسوق السيارة، ودخل عليك قصداً كلبٌ أو قطٌّ أو قردٌ ولم تتعمد إصابته، ولم تستطع أن تتلافاه، ثم مات، فلا كفارة عليك؛ لأنك لم تتعمد، أما إن قصدت أن تتابع القطط والكلاب بالسيارة وتطاردها، فعليك -والعياذ بالله- من الله ما تستحق، لماذا تصنع هكذا؟! لأن الله فضلك وأعطاك سيارة؛ ولكي تتعجب بارتطام البهيمة ببطن سيارتك؟! لا يا أخي! لا يجوز لك أبداً، أما تعلم أن امرأة دخلت النار في هرَّة، وأن رجلاً دخل الجنة في كلب، أعطاه وأسقاه، فغفر الله له وشكر له، فلا يجوز لك أن تعبث.
أما إذا كان يأكل الأغنام، أو يؤذي في المزرعة، فإنه يجوز قتله، فهذه القطط والكلاب والقردة التي تأتي إلى المزارع، وتفسد (البرسيم) وتفسد (الخُضرة) وتقلع (الخَس) أو (الجرجير) وتأكل الكلاب صغار الضأن، وتدخل البيوت، أو تأكل الدجاج فهذه كلها مُفسِدة وصائلة، والصائل في الشرع يُقتل ويُتَخلَّص منه، أما بغير حاجة فلا.
стр. 1769
حكم الكذب خوفاً من عواقب الصدق
السؤال
إذا كذب الإنسان بشيء من باب خوفه من عواقب الصدق، فهل يجوز له؟
الجواب
هذا الذي نحن بصدده، لا.
بل اصدُق، ولو كان في الصدق ضرر عليك؛ لأن ضرر الكذب في الآخرة أعظم من ضرر الصدق في الدنيا، مهما كان ضرر الصدق عليك، فإنه ينتهي، لكن إذا متَّ وأنت كذاب، فإن ضرره لن ينتهي في الآخرة، ولا بد أن توازن بين الآخرة والدنيا يا أخي.
стр. 1770
حكم رد السلام بقول: هلا هلا
السؤال
ما حكم الذي ألقاه فأقول: السلام عليكم ورحمة الله، فيقول: هلا، هلا؟
الجواب
هذا -والعياذ بالله- مُهَلْهَل؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [النساء:٨٦]، فإن كنتم بخلاء، لا تريدون الأحسن فيقول الله: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦]، فمن قال لك: السلام عليكم، فماذا عليك أن تقول؟ قل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ذلك أفضل، فإذا كنتَ بخيلاً فقل: وعليكم السلام، بحيث ترد عليه تحيته، فالبعض من الناس تقول له: السلام عليكم، فيقول: هلا، هلا، أو تقول له: السلام عليكم، فيقول: مرحباً، أو تقول له: السلام عليكم، فيقول: هلا، مرحباً، ماذا تريد؟ فتقول في نفسك: الله أكبر عليك! ما الْهَلا هذه؟! سأظل أسلم عليك حتى تعرف، فتقول: السلام عليكم، فيقول: هلا، فتقول: السلام عليكم، فيقول: مرحباً، فتقول: السلام عليكم، فيقول: هلا، صباح الخير، فتقول: السلام عليكم، فيقول: وعليكم السلام، من الواضح أنك مُطَوِّع!، وكأن السلام للمطاوعة فحسب.
كذلك لا يجوز أن تبدأ المسلم إلا بالسلام، فلا تقل: مساء الخير، ولا تقل: صباح الخير، أما بعض الناس فقد أصبح متمدِّناً فيقول: ( good morning) الله أكبر! وكذلك إذا بدأك بمساء الخير، أو بصباح الخير، فلا يجوز أن ترد عليه، حتى يقول: السلام عليكم، قل له: قل: السلام عليكم، مره بذلك، وقل له: قل: السلام عليكم، حتى ينتصح مرة أخرى.
أسأل الله لي ولكم التوفيق في الدنيا والآخرة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1771
علاقة الروح بالجسد
علاقة الروح بالجسد تأتي على أربعة أوجه، فهي تبدأ بعلاقة الروح بالجسد في بطن الأم، ثم في الحياة الدنيا، ثم في حياة القبر والبرزخ، ثم بعد ذلك في الحياة الآخرة.
هذا ما تكلم عنه بالتفصيل فضيلة الشيخ حفظه الله.
стр. 1772
السنن الرواتب وأهميتها في الإسلام
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قبل البدء في الموضوع الذي سنتكلم فيه، أحب أن أشير إلى السنن الرواتب وأهميتها في الإسلام، ففي الحديث الصحيح يقول النبي ﷺ : (من صلى في يومٍ اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتاً في الجنة).
وهذه الاثنتي عشرة ركعة أخبر بها أهل العلم نقلاً من فعل النبي ﷺ ، هي: أربع ركعات قبل صلاة الظهر، واثنتين بعدها، واثنتين بعد صلاة المغرب، واثنتين بعد صلاة العشاء، واثنتين قبل صلاة الفجر، فيصبح المجموع اثنتي عشرة ركعة.
وابن القيم رحمه الله تعالى يقول في كتابه: زاد المعاد في هدي خير العباد: "إن من يطرق باب ربه في كل يوم أربعين مرة لجدير أن يفتح له".
المعروف أن عدد ركعات الفرائض الخمس هي: سبع عشر ركعة، اثنتين في الفجر، وأربع في الظهر، وأربع في العصر، وثلاث في المغرب، وأربع في العشاء: سبعة عشرة ركعة هذه ركعات الفريضة، وعلى فرض أن الإنسان أدى اثنتي عشرة ركعة يكون مجموعها مع الفرائض: تسعاً وعشرين ركعة، وثبت في صحيحي البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ أنها قالت: (ما كان رسول الله ﷺ يزيد في صلاة الليل في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة).
فإحدى عشرة ركعة لقيام الليل مع الوتر، واثنتا عشرة ركعة الرواتب، وسبع عشرة ركعة فرائض، فيكون المجموع: أربعين ركعة، وفي كل ركعة ركن من أركانها، وهي قراءة سورة الفاتحة.
стр. 1773
مكانة سورة الفاتحة من الصلاة
سورة الفاتحة هي الشاملة الجامعة الشافية الكافية التي تكفي عن القرآن كله ولا يكفي القرآن كله عنها، فلو أن إنساناً صلى وبدأ بسورة البقرة وختم بسورة الناس ولم يقرأ الفاتحة لكانت صلاته باطلة وغير صحيحة، ولو أن إنساناً افتتح بسورة الفاتحة فقط ولم يقرأ بعدها شيئاً من القرآن لكانت صلاته صحيحة، فالفاتحة تُغني عن القرآن ولا يغني عنها القرآن كله، يقول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧] فذكرها الله مقدمة لوحدها، وامتنَّ بها على رسوله ﷺ ، والقرآن العظيم أيضاً آتاه الله محمداً ﷺ .
في كل ركعة من ركعات الصلاة وفي كل آية من سور الفاتحة وأنت تناجي ربك، تقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] كما جاء في الحديث: (قال الله : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله : حمدني عبدي، فإذا قال العبد: الرحمن الرحيم، قال الله : مجدني عبدي، فإذا قال العبد: مالك يوم الدين، قال الله : عظمني عبدي -هذه ثلاث لله، وبقي أربع من السبع- قال: فإذا قال العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله : هذه بيني وبين عبدي) هذه مقسومة، فمنه العبادة ومني الإعانة، وفي قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، تقديم المفعول على الفعل وهو يفيد الاختصاص، ما قال: نستعينك، ولا قال: نعبدك، وإنما قال: إياك؛ أي: نختصك يا رب لوحدك عمن سواك بالعبادة، ونختصك أيضاً بالاستعانة فلا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك، فيقول الله : (هذه بيني وبين عبدي فمنه العبادة ومني الإعانة) فوالله لولا أن الله أعانك على العبادة ما عبدته.
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
والله يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] ومن لوازم العبادة أن تطلب من الله كل حوائجك وجميع شئونك، وأعظم حاجة لك وأعظم شأن أن تفوز به في الدنيا والآخرة: أن تطلب منه أن يعينك على العبادة كما تطلب منه أن يعينك على الرزق وأمور الحياة، واطلبه في كل حين ووقت على أن يعينك على عبادته، فتقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] فيقول الله: (هذه بيني وبين عبدي).
(فإذا قال العبد: اهدنا الصراط المستقيم) أي: دلنا وأرشدنا وأقمنا على الصراط المستقيم، وكأن سائلاً يقول: وأي صراط تعنون؟ وأي طريق تريدون؟ إنها طرق، وشعاب، وفجاج، ولكن هناك طريقاً واضحاً؛ طريقاً أبلج ليله كنهاره لا يزيغ عنه إلا هالك: عليه الأعلام والمعالم واللوحات الإرشادية، فلا يمكن أن يضل إنسان سار بهذا الطريق، ألا وهو طريق الرسول ﷺ ، كأن سائلاً يقول: أي طريق؟ فيقول الله : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] أي صراط؟ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] من هم الذين أنعم الله عليهم؟ هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحين؛ هؤلاء الذين أنعم الله عليهم: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء:٦٩] والنبيون لا شك أنهم صفوة أهل الأرض، فقد اختار الله هؤلاء الأنبياء والرسل ليكونوا سفراء بينه وبين خلقه؛ فهم صفوة خلق الله، وهم -أيضاً- بينهم درجات في التفاوت، يقول الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣] حتى الرسل فيهم تفاضل، وأفضلهم على الإطلاق رسول الله ﷺ ، سيد ولد آدم، يقول ﷺ : (أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، وأنا صاحب اللواء يوم العرض ولا فخر، وأن صاحب الشفاعة العظمى يوم القيامة ولا فخر) صلوات الله وسلامه عليه صلاة دائمة متتابعة ما تتابع الليل.
стр. 1774
موقف الأنبياء في يوم القيامة
أولو العزم من الأنبياء خمسة وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، ويوم القيامة هؤلاء الأنبياء يتخلون عن الشفاعة ويقولون: (إن ربنا اليوم قد غضب غضباً لم يغضب قبله مثله ولم يغضب بعده مثله: اذهبوا إلى غيري) يريد الناس وهم يقفون في عرصات القيامة من يشفع لهم إلى ربهم لفصل القضاء؛ لأنهم وقوف في اليوم العظيم الذي طوله خمسين ألف سنة للانتظار فقط، وقضية سنة، أو عشر، أو عشرين، أو مائة، أو ألف في التعداد الذهني سهلة لكنها في التطبيق صعبة جداً؛ لا يمر اليوم ولا الليلة على الإنسان إلا بصعوبة لولا أن الإنسان يغالط نفسه بكثرة الأعمال والمشاغل والالتزامات، ولو أنه جلس في مكان مثل المسجون فلن تمر عليه الليلة إلا كأنها سنة، فهؤلاء في يوم القيامة لا يمر عليهم اليوم بسهولة؛ لأنه ليس هناك شغل، ولا لعب، ولا أكل، ولا مباريات ولا تمشيات ولا وظائف؛ ليس هناك إلا عرصات حارة، وشمس تدنو من الرءوس تغلي منها أدمغة العباد، والقلوب فارغة، والأنظار شاخصة، والأهوال هائلة، وهم وقوف ينتظرون فصل القضاء، فيأتون إلى الأنبياء يطلبون منهم أن يشفعوا لهم، فكل نبي يقول: نفسي نفسي، لا أسألك اليوم إلا نفسي! اذهبوا إلى غيري.
ونحن الآن -ولله المثل الأعلى- إذا كان المدير غضبان وأراد رجل أن يقضي حاجةً من عند المدير، فإنه يختار أولاً لقضاء هذه الحاجة أحب الناس إلى المدير، يقول: يا فلان! أنا أريد حاجة وأريد منك أن تدخل معي إلى المدير، أو تيسرها عن طريقك، فالمدير لا يرد لك طلباً، فهذا الوسيط سواء كان موظفاً أو قريباً لهذا المسئول لا يأتي المدير إلا في أحسن أحواله النفسية، إذا جاء إلى السكرتير قال: لابد أن أدخل إلى المدير، ماذا يقول له السكرتير؟ يقول: لا.
أرجوك لا تأتي اليوم اذهب فالمسألة خطيرة المدير غضبان إلى أبعد درجة؛ إذا دخلت عليه فإنه سيصرخ في وجهك؛ فلا يمكن أن يدخل الإنسان، لكن إذا جاءه ودخل عليه وقال له: كيف الأجواء؟ قال: -أربعة وعشرون قيراطاً- المدير مبسوط! زار اليوم جميع المكاتب ورأى ما يسره، ورأى العمل يسير في الخط الصحيح، فهو مبسوط! ادخل الآن اطلب تجد فربنا يوم القيامة وله المثل الأعلى يغضب، ومن غضبه أنه يدمر الكون كله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الأنفطار:١ - ٤].
ويقول الله : ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير:١ - ٧].
أحداث هائلة جداً! تهز القلوب! وهذه تكون كلها يوم القيامة، فالقضية ليست قضية عادية، فيوم القيامة تكون الدنيا كلها على غير الوضع الأول: القبور بعثرت، والناس حشرت، والأمور كلها في غير وضعها الطبيعي، والله قد أذن بالجزاء -أذن بفصل القضاء- فلا يوجد أحد يستطيع أن يأتي إلى الله ليسأله الشفاعة، وكل إنسان يقول: نفسي نفسي: لا أسألك اليوم إلا نفسي، ففي هذه اللحظات يأتون إلى نوح فيقول: إن لي دعوة وقد استنفذتها ودعوت على قومي، وقلت: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ [نوح:٢٦] وانتهت دعوتي، ثم يأتون إلى إبراهيم ﵇، فيقولون له: يا إبراهيم: أنت خليل الله وأنت أبو الأنبياء اشفع لنا إلى ربنا، فيقول: إني قد كذبت ثلاث كذبات، وإن ربي قد غضب اليوم غضباً لا أستطيع على مواجهته.
أتدرون ما كذبات إبراهيم ﵇؟ يقول المفسرون: إن كذبته التي ظنها كذبة هي في الحقيقة ليست بكذبة، لكن موازين الأنبياء ومقاييسهم حساسة إلى أبعد الدرجات.
قال العلماء: الأولى لما خرجوا في يوم عيدهم ليذبحوا لأصنامهم ولآلهتهم، قالوا له: هيا معنا، هيا يا إبراهيم، ماذا قال؟ قال: إني سقيم؛ يقول: أنا مريض اليوم ولا أستطيع أن أخرج، وحق له أن يكون مريضاً! وقد كان مريضاً، أي: ذو كبدٍ مقروحة على الدين؛ لأنهم كانوا يعبدون غير الله، ففي قلبه لوعة وحرقة، وهذا شأن المؤمن الذي يتألم ويتقطع قلبه حينما يرى حدود الله تنتهك، وشريعة الله لا تحكم، وفرائض الله لا تؤتى، إنه يتقطع ويذوب قلبه في جوفه كما يذوب الملح في الماء، أما صاحب الإحساس البارد، والدم -والعياذ بالله- المتجمد؛ فإنه لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، ولا يتمعر وجهه في الله -لا يغار ولا يغضب لله- هذا قلبه متقطع، وقال: إني مريض في قلبي، أنا مقروح في كبدي! أنا لا أستطيع أن أخرج معكم في عيدكم، فظنها كذبة صلوات الله وسلامه عليه.
والثانية: أنه لما قدم إلى مصر وكانت معه زوجته سارة؛ وكانت امرأة ذات جمال، وقد عُرف ملك مصر بأنه رجل شهوانيٌُ خبيث يحب النساء، فلما أخبر عن زوجة إبراهيم طلبها من أجل -والعياذ بالله- أن يفعل بها الفاحشة، فلما جيء بها سأل إبراهيم، قال: ما هي لك؟ فكان إبراهيم ذكي: أي: لو قال: زوجتي لقتله وأخذها، لكن قال له: أختي؛ وهو يعني أنها أخته في الإسلام، إذ ليس على وجه الأرض مسلم إلا هي وهو، فقال: هاتها.
نريد أن نأخذها طبعاً يستطيع أن يأخذ أخت الشخص لكن لا يستطيع أن يأخذ زوجته، فأخذها وأُمر بإبراهيم إلى السجن، فبقي في قلب إبراهيم ألم شديد على زوجته وغيرة عظيمة على عرضه، ولكن الله حفظه؛ لأنه نبي، فكشف له الحجب بينه وبينها، فكان في السجن وهو يتابع حركاتها وينظر إليها في كل حركة، فلما أُخذت وأُدخلت إلى غرفة النمرود أراد أن يمد يده عليها، فكلما مد يده صلبه الله وجعله كالحديدة الواقفة، فإذا رجع عنها عادت له الحياة، فإذا مد يده تصلب، وإبراهيم يرصد الموقف وهو في السجن، ينظر العملية ليطمئن قلبه ويعلم أن الله حفظه في عرضه، وبعد أن مارس التجربة أكثر من مرة، قال: هذه جنية أخرجوها؛ فجاءوا وأخرجوها من عنده، ورجعت إليه.
هذا إبراهيم، يقول: لا أستطيع إني قد كذبت! اذهبوا إلى غيري.
فيأتون إلى موسى ويقولون: أنت كليم الله فيقول: إني قد قتلت نفساً بغير حق، وإني لا أستطيع، فيقول: اذهبوا إلى عيسى.
فيأتون إلى عيسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فيقول: اذهبوا إلى محمد.
ولا يذكر عيسى ذنباً، هكذا في الحديث: ما ذكر ذنباً، لكن قال: اذهبوا إلى محمد.
قال: (فيأتونني -صلوات الله وسلامه عليه- فأسجد تحت العرش وأثني على الله، ويفتح الله عليَّ من المحامد ما لم أكن أعرف، فيقال لي: ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: أمتي أمتي أمتي) يشفع صلوات الله وسلامه عليه لأمته، فالذي يريد أن يكون من أهل شفاعته هو من الذين أنعم الله عليهم، قال : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء:٦٩] النبيين: هذه أعلى درجات البشر، الصديقين: الدرجة الثانية بعد البشر وليسوا بأنبياء؛ لكنهم أقوام اصطفوا وتم اختيارهم، وهم: أتباع الرسل الذين صدقوه، مثل: عيسى، وأصحاب محمد ﷺ وبعدها: ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ [النساء:٦٩] الشهداء ولو كانوا ما عاصروا الأنبياء، فإنهم في المنزلة الثالثة، وبعدها: ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٩] ماذا بقي بعد هؤلاء الأربعة؟! لم يبق إلا العصاة والمجرمون واللوطة والزناة والسكارى والقتلة والمرابون -والعياذ بالله- وعاقو الوالدين المهم فاعل كل جريمة بقي بعد هؤلاء الأربعة.
стр. 1775
علاقة السنن الرواتب بالصراط المستقيم
أنت تقول: دلني يا رب وأرشدني وأقمني على صراطك المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، ثم تقول: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] أي: لا تدلني على طريق المغضوب عليهم ولا الضالين.
والمغضوب عليهم هم اليهود؛ لأن معهم علمٌ ولم يعملوا به فغضب الله عليهم.
والضالون: هم النصارى؛ لأنهم يعبدون الله على جهل وضلال -والعياذ بالله- فضلوا عن صراط الله المستقيم، فاليهود عندهم كتاب، وقد قال الله تعالى فيهم: إنهم يعرفون محمداً ﷺ ، قال: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦] يعرفون الرسول ﷺ -أي: صفاته كاملة عندهم- لكنهم -والعياذ بالله- غضب الله عليهم؛ لأنهم مكابرون -قوم بهت- يعرفون الحق ولكنهم يرفضونه، ولهذا يقول أحد السلف: (من عصى من علمائنا -أي: الذين يعرفون الدين- ففيه شبه من اليهود، ومن عبد الله على جهل وضلال من عبادنا ففيه شبه من النصارى) وطريق السلامة من اليهود والنصارى أن تعبد الله على علم وبصيرة.
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] فإذا قال العبد بعدها: آمين، أي: اللهم استجب، قال الله : (هذه لعبدي ولعبدي ما سأل).
نسأل الله وإياكم من فضله.
فأنت إذا حافظت على السنن الرواتب وأخذت أقل الوتر -وهي واحدة- فإنك بها تكون قد طرقت باب ربك في كل يومٍ ثلاثين مرة، فإن أخذت بأكثر أنواع الوتر وهو إحدى عشر ركعة تكون قد طرقت باب ربك أربعين مرة، وجدير أن يفتح لك، فإن باب الله واسع وهو كريم، ولا يرد من سأله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] ويقول ربنا ﵎: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦] وهذا الذي أؤكد عليه؛ لأن هناك بعض التساهل من بعض الشباب حفظهم الله وأصلحهم ووفقهم في أداء السنن الرواتب، فقد تجد كثيراً منهم يصلون الفريضة ثم يخرجون ولا يصلون النافلة، والذي يترك النافلة فإنه سيترك بعد ذلك الفريضة؛ لأن الشيطان وأنت تواجهه يجد عندك خطوط دفاعات، فيجب أن يكون عندك خط دفاع أول، وثانٍ، وثالث، بحيث إذا انهزمت في الخط الأول فعندك خط ثاني، وهذه خطط العسكريين الآن؛ يضعون خطوطاً في مواجهة الأعداء: الخط الأول يسمونه: الخط الحار أو الخط الشاغل أو خط النار، هذا المواجهة باستمرار، والخط الثاني أشد، والخط الثالث أشدها فليس وراءه إلا الموت.
فأنت في مواجهة الشيطان أمام صراعات، يجب أن يكون لك في العبادة خط ناري ساخن وهو الأول واسمه كثرة النوافل؛ ما إن تتاح لك فرصة حتى تصلي.
الخط الثاني الذي إذا هزمت وغلبت وشغلت ولم تستطع فلا تتخل عنه وهو خط الرواتب، إذ لا يمكن أن تترك الراتبة مهما كان عذرك، وشغلك، وكسلك وتعبك؛ لأن الرواتب هذه لا خيار فيها، ولا مساومة عليها، بل الحرص كل الحرص عليها.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: عن رجل يصلي الفريضة ولا يؤدي الراتبة؟ قال: ذاك رجل فاسق تُرد شهادته.
وأشكل هذا الكلام على بعض أهل العلم حينما سمعوا حديث رسول الله ﷺ والحديث في الصحيحين واللفظ للبخاري: (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت إن صليت المكتوبات ولم أزد على ذلك شيئاً، أأدخل الجنة؟ قال: نعم، وقال: من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا) قالوا: هذا الرجل يصلي الفريضة فقط، فكيف نحكم بفسقه، فتأوله ﵀ وهو من أئمة العلم الهداة الذين لديهم بصائر عظيمة في كشف الأسرار والأدلة من كتاب الله وسنة الرسول ﷺ ، قال: إن هذا الرجل صادق، والرسول ﷺ زكاه، وتزكية الرسول ﷺ له لا تكون إلا بوحي، وأنه سيحافظ على الفرائض حتى يموت، ولا شك أن من حافظ على الفرائض حتى يموت فهو مسلم يدخل الجنة، لكن الغالب أن من يحافظ على الفرائض فقط ولا يصلي النوافل أنه في نهاية الأمر يترك الفرائض.
وهذا مشاهد ومجرب؛ لأنه ليس عنده إلا خط دفاع واحد، فإذا جاءه الشيطان ليحاربه في الصلاة وتركها أين يرجع؟ ليس هناك إلا الكفر، وليس بعد ترك الصلاة إلا الكفر، ولكن إذا كسلت في النوافل فإنك ترجع إلى الخط الثاني، فإذا هزمك الشيطان وتغلب عليك في لحظة من اللحظات أو وقت من الأوقات وتركت الراتبة فإن معك الفريضة، لكن من يحرص على النافلة والراتبة والفريضة لا يمكن أبداً أن يضيع الفريضة، فهذه اسمها رءوس أموال، ويوجد أرباح سائلة دائماً وكثيرة، فرءوس الأموال: الفرائض، والأرباح الثابتة: هذه الرواتب، والأرباح الكثيرة في المواسم: بقية النوافل.
стр. 1776
أهمية السنن الرواتب يوم الحساب
أخي المسلم! إنك لا تعلم يوم القيامة هل تقبل منك فريضتك أم ترد؟ وكما جاء في الصحيح يقول النبي ﷺ : (أول ما يحاسب عليه العبد من عمله يوم القيامة الصلاة؛ فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن ردت رد سائر عمله) أيضاً: إذا حاسب الله العبد وردت عليه بعض فرائضه ونقصت عليه قال الله تعالى: (انظروا هل لعبدي من نوافل، فإن كان له نوافل أخذت ثم أكملت بها فرائضه، فإن لم يكن له نافلة طرح في النار) والعياذ بالله.
ومن منا يضمن أن يأتي بفريضته كاملة، هل أحد يضمن؟ أعطيكم مثالاً في يومنا هذا: صلينا المغرب ثلاث ركعات، من منا يضمن أنه صلى المغرب ثلاث ركعات ولم تخطر له خاطرة، أي: ولم يحصل له وسواس في شيء من أمور الدنيا؟
الجواب
لا أحد.
ليس هناك أحد أبداً مستحيل.
هل قال شخص: والله إني كبرت تكبيرة الإحرام وسلمت تسليمة الختام، وما خطر في قلبي من التكبيرة حتى التسليم شيء إلا الله والجنة والنار والدار الآخرة والقبر والعذاب، ولم أفكر في زوجة ولا عشاء ولا ولد ولا دراسة ولا سمرة ولا مباراة ولا لعبة ولا سهرة، هل يستطيع أحد أن يقول هذا؟ لا.
ولذا إذا أردنا أن نجري امتحاناً عملياً ونكتب في ورقة ونقسمها على الحاضرين في هذا المجلس -وأنتم الصفوة إن شاء الله- ونقول لكم: السؤال الأول: ماذا قرأ الإمام في الركعة الأولى؟ السؤال الثاني: ماذا قرأ الإمام في الركعة الثانية؟ كل واحد يجيب ويطبق الورقة ويأتي بها لنجري هذا الاستفتاء لنعرف من هم الذين عرفوا قراءة الإمام، وقد أكون وأنا الإمام نسيت ماذا قرأت؛ لأني ربما أقرأ وقلبي ليس معي، ولو سألنا هذا العمود الموجود في المسجد، وقلنا: يا عمود، يا مسلح، يا أسمنت، ماذا قرأ الإمام في الركعة الأولى؟ هل تظنه يرد؟ ماذا يقول العمود؟ يقول: لا أعلم، فلو أتينا بعمود ثان بشري من الموجودين وقلنا: يا عمود يا بشري يا متحرك: ماذا قرأ الإمام؟ وقال: لا أعلم، فما الفرق بين العمودين؟! هل يوجد فرق؟ الفرق هو: أن هذا ثابت وهذا متحرك، ولكن الثابت أكثر وجوداً من المتحرك في المسجد؛ فالمتحرك جلس ربع ساعة وهذا جلس أربعاً وعشرين ساعة، نعم.
فالعمود قد يكون أفضل، فالخشوع في الصلاة الآن مفقود عند كثير من الناس سواء المتكلم أو السامع إلا من رحم الله !! فإذا أتيت يوم القيامة وصليت المغرب ثلاث ركعات؛ لكن الله لم يكتب لي منها إلا ركعة واحدة؛ لأنه جاء في الحديث: (للعبد من صلاته ما حضر فيها قلبه، يكتب للعبد من صلاته: نصفها، ثلثها، ربعها، خمسها، سدسها، ثمنها تسعها، عشرها، وبعضهم لا يكتب له من صلاته شيء) فإذا جِئتُ يوم القيامة وقد كُتب لي -إذا كنت من الخاشعين- ثلثها أو ثلثين، أو ركعتين؟! قال: أين هي؟ قال: هذه ركعتين في العشاء، وركعتين في السمرة، وركعتين في العمارة، وركعتين مع الأولاد، والذي لله بقي لله وسجل لك، والذي ليس لله ذهب للناس، يقول الله تعالى: (انظروا هل له شيء؟)، أي: يكمل به صلاته فإذا جئت وما عندك ما ترقع به فمن أين ترقع يوم القيامة؟ لم يبق إلا النار، لا إله إلا الله! فالرواتب مهمة -يا إخواني- جداً جداً.
بعض الشباب يلعب عليهم الشيطان، ويأتيهم من باب ما يحبون، فعندما يشم في قلوبهم الرغبة في فعل الخير يقول لهم: قد سمعتم في الحديث الصحيح (إن أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة) فيقول للإنسان: أنت صليت الفريضة من أجل أن تصير صلاتك فضيلة فصل النافلة في البيت، فإذا دخل الإنسان البيت نسي الله، ونسي الصلاة، فأول ما يدخل والعشاء أمامه، هل سيفكر في صلاة والسفرة موجودة؟ وبعد أن يتعشى أو يتغدى إذا كان بعد صلاة الظهر يغسل يديه وبعدها يدخل غرفته ليسمع أو يقرأ جريدة أو كتاباً أو ينام وذهبت السنن! ويأتي الشيطان ليضحك عليه، يأتي إليه ويتلفت فيه وقد ضيع الصلاة وضيع الفريضة فيأتي إليه ويضحك عليه ويقول: مغفل! تريد الفضيلة؟! ضيعناك منها كلها، لا فضيلة ولا غيرها.
فإن كنت من أهل الحرص الشديد وتعرف أنك بمجرد أن تدخل البيت تصلي النافلة، أو عندك ترتيبات خاصة لا تنام إلا بعد أداء الراتبة فأمر حسن، وإلا فصلها في المسجد؛ لأن حفظها خير من ضياعها نريد الربح مثلما يقولون، نريد أن نذهب إلى البيت لنصلي صلاة النافلة لنحصل على فضيلة فنضيعها ولا نصليها أصلاً، فاحرص عليها في مسجدك وعود نفسك باستمرار عليها حتى تصبح شيئاً طبيعياً، انظروا الآن آبائنا وكبار السن فينا والعوام منا الذين لم يطلبوا العلم ولم يعرفوا كثيراً من الأحكام الشرعية، ولكنهم لما ألزموا أنفسهم بالرواتب، فهم من يوم أن خلقوا لا يستطيعون تركها، وكثير من كبار السن معنا في هذا المسجد وفي كثير من المساجد إذا صلى لا يمكن أبداً أن تقول له: هيا، يقول: لم أصل السنة، طيب هذه نافلة، قال: لا يا شيخ! هذه سنة الرسول صلى الله عليهم وسلم، فأصبحت جزءاً من صلاته التي يصليها، بينما شبابنا إلا من عصم الله يصلي الفرض ويخرج، ماذا بك؟ قال: هذه سنة يا شيخ! ماذا بالسنة، والرسول يقول: (من رغب عن سنتي فليس مني) السنة أي: الطريقة، هذه طريقة النبي ﷺ ! أسنها لك وأمرك بها لتتركها، وتفرط فيها؟! هذه مصيبة أيها الإخوة! أما موضوعنا فلا يزال امتداداً للمواضيع السابقة عن الروح ورحلتها العظيمة منذ أن تستقر في الإنسان وحتى تستقر في الجنة أو في النار.
стр. 1777
مراتب تعلق الروح بالجسد
الروح لها تعلقات بالجسد ذكر العلماء أنها أربع تعلقات:
стр. 1778
تعلق الروح بالجسد في بطن الأم
التعلق الأول: حين يكون الإنسان جنيناً في بطن أمه: فهناك للروح علاقة بالجسد تختلف عن علاقتها بالجسد في الأرض، فالروح هناك موجودة؛ تلمسون الطفل إذا نُفخ فيه الروح بعد (١٢٠) يوماً في أول الشهر الخامس تسمع أمه حركة، ويمكن أن تضع يدك على بطن زوجتك فتسمع ركضة، أو دقة! هذه حياة الطفل، الروح موجودة الآن فيه، لكن علاقتها بالجنين في البطن تختلف عن علاقتها بالإنسان في الأرض، فالجنين في البطن يأكل من غير فمه؛ يأكل من سرته، ويتنفس من غير أنفه، ويتغذى من غذاء أمه، وبعد ذلك يعيش بعينين وليس هناك نور، ويعيش بقدمين وليس هناك أرض يسير عليها، وله يدين لا يستعملها، عالم الجنين في البطن يختلف كل الاختلاف عن عالم الإنسان في الأرض، وبعد ذلك من يعلمه هناك في تلك الظلمات؟! ظلمات ثلاث: ظلمة الرحم، والمشيمة، والبطن، ظلمات ثلاث، قال الله: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر:٦] لكن الله يعلم حاله في تلك الظلمات: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم:٣٢] ألصق الناس بك هي أمك، تحملك في بطنها، وتتغذى على غذائها، وتعيش في أحشائها، وهي لا تعرف عنك شيئاً، ولو سألت الأم: الولد نائم أو يقظان؟ لقالت: لا أعلم، الولد شبعان أو جائع؟! لا تعلم، الولد ذكر أو أنثى؟! لا تعلم، الولد متعاف أو مريض؟! لا تعلم، ضعيف أو سمين؟! لا تعلم لا تعرف عنه شيئاً! لكن من الذي يعلم؟ الله.
لا إله إلا هو! يعلمك ويعرف حقيقة أمرك وأنت في تلك اللحظات، وقد أشكل بعض الأمر على بعض الناس فيما يتعلق بقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤] هذه خمس، وفي الحديث: (خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله: علم الساعة -لا يعرفها أحد- وتنزيل الغيث) وتنزيل الغيث، لا يعلم أحد متى ينزل الغيث، ولهذا التنبؤات الجوية التابعة للأرصاد التي تسمعونها كل يوم: هناك سحب عميقة جاءت ومنخفض جوي وارتفاع ولكن لا ينزل شيء، لماذا لم ينزل هذا المنخفض؟ تأتي السحب إلى أبها وتذهب وتنزل في الخميس، لو أن السحب على هواها لكانت كلما طلعت من البحر نزلت على أبها، لم لا؟ لماذا تذهب تنزل وتأخذ مشوار إلى هناك؟ من الذي يعطيها أجرة إلى الخميس؟ ماذا بها تترك أهل أبها بدون ماء وتذهب على أهل تهامة وتنزل لهم المطر؟ من ينزل هذا الغيث؟ إنه الله! يقول الله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٢٧] لا تنزل قطرة إلا بأمر من الله ، ولها ملك موكل بها -وظيفته هذه الأمطار- اسمه: ميكائيل، الموكل بتوزيع الأمطار على البشر، يحجب عن هؤلاء وينزل على هؤلاء، ينزل المطر رحمة وأحياناً عذاباً، ففي الحديث الصحيح: (أن رسول الله ﷺ كان في يوم الجمعة -وهذه من معجزاته- فلما كان في الخطبة دخل رجل من باب المسجد، فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله لنا، فرفع يديه ﷺ وقال: اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا) يقول راوي الحديث: والله ما في المدينة سحابة -والمدينة بعيدة عن السحب، وليست بجانب البحر- يقول: وإذا بتلك السحابة كالترس تأتي وتنتشر حتى تخيم على المدينة بأسرها، ثم تمطر، فوالله ما خرجنا من المسجد حتى سالت الشعاب والوديان، ثم استمرت هذه السحابة أسبوعاً كاملاً إلى الجمعة الآتية، ولما كان يخطب في الجمعة الثانية وإذا بذلك الرجل يقول: يا رسول الله! هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله أن يرفع عنا، فقال ﵊ -في أدب النبوة، وجمال العبارة-: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر) صلوات الله وسلامه عليه، هذا من إعجازه ﷺ أن استجاب الله له هذا الأمر، فالأمطار تنزل بأمر من الله ﵎، وهو الذي يعلمها ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤] فالإشكال حصل هنا عند الناس: القرآن يقول العلماء فيه: إنه قطعي الثبوت، القرآن في مجمله من ألفه إلى يائه -من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس- قطعي الثبوت؛ يعني: ليس فيه حرف زائد عما أنزل الله، ولا حرف ناقص على ما نزل على رسول الله ﷺ ، ولكن في آياته هذه دلالات قطعية وظنية أي: فيه آيات قطعية الثبوت وفيه قطعية الدلالة، وفيه آيات قطعية الثبوت لكنها ظنية الدلالة، من يعرف القطعي والظني في الدلالات؟ العلماء هم الذين يعلمونه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] فالعلماء العارفون بالله يعرفون دلالات الكتاب مما علمهم الله وعلمهم رسوله ﷺ ، هذه الآية يقول الله : ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤] حملوها الناس على غير مراد الله منها حملاً كاملاً، العلم هنا الذي قاله الله تعالى: علم كامل شامل، يعلم ما في الأرحام، ما قال الله: ويعلم نوعية الجنين الذي في الأرحام، حتى نقول: إذا ثبت بالعلم وبالأشعة أنهم عرفوا أنه ذكر أو أنثى، قلنا: والله قد قال: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤] لا.
العلم هنا ممكن، لماذا؟ قالوا: لأن الله تعالى يقول: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس:١٩ - ٢١] والفاء تفيد التعقيب الفوري، وثم: تفيد الترتيب على التراخي، تقول: دخل محمد فعلي، يعني: دخل علي بعد محمد مباشرة، لكن تقول: دخل محمد فعليّ ثم جاء سعيد، يعني: دخل محمد وجاء علي بعده وبعد ذلك جاء سعيد بعد ساعة أو ساعتين أو فترة من الزمن، فهنا يقول الله : ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس:١٩] يعني: بعد خلقه نطفة حصل له التقدير، في لحظة التقدير لا يستطيع أن يعرف نوعية هذا المولود أحد، حتى الملائكة لا تعرف، لكن بعد التقدير وبعد مضي (١٢٠) يوماً يؤمر الملك بنفخ الروح، وكتابة الأجل والرزق ونوعية الذكر والأنثى، وفي هذه اللحظات لم يعد العلم علماً خاصاً بالله، فقد انتقل من العلم الخاص بالله إلى علم تعلمه الملائكة، فالملائكة الآن أصبحت في البطن، أي: أن الملائكة التي أمرت بالنفخ في الروح تعرف أن هذا الجنين ذكراً أو أنثى، وبإمكان الناس بعد أن عرفت الملائكة أن يعرفوا أنه ذكر أو أنثى قبل أن يخرج من الرحم، فبالإمكان أن نطلع عليه عن طريق الأشعة، أو نجري عملية للمرأة أو نخرجه بعملية قيصرية ونعرف أولد أم أنثى هذا ممكن، لكن في اللحظة الأولى -لحظة التقدير- لا يمكن لأحد أن يعرفه إلا الله؛ لأن الإنسان يكون بكل صفاته الوراثية وجيناته موجود في رأس الحيوان المنوي؛ والحيوان المنوي: حيوان لا يرى بالعين المجردة، لا يرى إلا بالمجهر المكبر الإلكتروني، وإذا وضعت قطعة من المني على عدسة المجهر فسترى الملايين من الحيوانات المنوية، ويقول العلماء: إن ما يدفقه الرجل من حيوانات منوية في الدفقة الواحدة: أربعمائة مليون حيوان منوي، أي: إذا أتى الرجل زوجته؛ فإنه يدفق في كل دفقه من مائة إلى أربعمائة مليون حيوان منوي، تخرج هذه الحيوانات المنوية وتمر في الرحم ولا يصل إلى قناة فالوب في أعلى القناة التي فيها بويضة المرأة إلا حيوان واحد، ويموت الباقي، فالذي يسبق تحتضنه البويضة وتقفل على نفسها ويبقى الباقون يدورون يريدون طريقاً إلى البويضة فلا يجدون ثم يموتون والحياة هنا للأقوى! هذا الحيوان المنوي الصغير الذي لا يرى بالعين المجردة في رأسه جميع الجينات والخصائص الوراثية! الإنسان أنت وأنا في حيوان منوي صغير لا يرى بالعين المجردة، وما يجري بعد ذلك من مراحل ما هي إلا عملية تطويرية في كونك -أيها الإنسان- تكون بعد ذلك أطواراً، يقول الله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح:١٣] * ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ [نوح:١٤] أطواراً من الترتيبات؛ من نطفة إلى صاحب عضلات وقوة.
﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤] فالعلم المقصود هنا ليس علم نوعية وإنما علم كامل شامل في مرحلة التقدير، وإذا عرف الناس ذلك في هذا فليس بمعجز، أي: ليس بغريب؛ لأنه ليس مما اختص الله بعلمه.
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ [لقمان:٣٤] هذه لا تزال وستظل، ولن يعرف أحد ماذا يكسب غداً إلا الله، لا تعرف ماذا يصير لك غداً، لا تعلم أبداً ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤] تجد الرجل يعيش في أرضٍِ حتى آخر لحظة ثم يذهب إلى مكان ويموت فيه.
فالذي أعرف أن رجلاً كان يعيش معنا في أبها هنا رحمة الله تعالى عليه لا يحب السفر، ويكره الأسفار ولم يُعرف أنه خرج من أبها في حياته قط، حتى خميس مشيط لا يعرفها، وكان يبيع ويشتري في دكانه وكلما سافر تجار إلى أبها أرسل معهم طلباته ويكتب قوائم، يقول: أريد كذا وكذا وكذا تعال معنا، قال: لا أريد السفر، وبعدها جاءت فريضة الحج، قالوا له: حج، قال: الحج هذه السنة زحمة، والسنة الثانية قال: زحمة، المهم أنه بلغ من العمر عتياً -وبلغ الستين والسبعين سنة- ولم يحج، لا يستطيع أن يركب أو يسافر، وأ
стр. 1779
تعلق الروح بالجسد في الدنيا
فرحلة الروح وتعلقها بالجسد غير تعلقها بالجنين.
إذا خرج الإنسان إلى هذه الدنيا تعلقت به الروح تعلقاً جديداً يختلف عن التعلق الأول، فإذا مات الإنسان وخرجت روحه من جسده وانتقل جسده إلى عالم الآخرة نقلت روحه معه إلى عالم البرزخ، وتعلقت به تعلقاً آخر من جنس آخر، فالجسم تجده في القبر قد رَمَّ وتفتت وأكلته الأرض والروح تعذب أو تنعم.
هناك كلام لـ ابن القيم ﵀ عجيب جداً، يقول: إن الجسد والروح الآن في الدنيا متلازمان، وأي عذاب ينال الجسد يناله بالأصالة في الدنيا وينال الروح بالتبعية.
أي: عندما تأتي الآن بشخص تدقه بإبرة في بطنه ما الذي يتألم؟ الجسد؛ لأن مراكز الإحساس في الجلد، ولكن تبعاً لتألم الجسد تتألم الروح، إذ لو لم يكن له روح وطعنته، هل يحس؟ لا.
فالآن الضربة في الجسد والألم للجسد والتبعية للروح هذا في الدنيا، أما في القبر فبالعكس: الضربة في الروح والنعيم في الروح والتبعية على الجسد حتى ولو صار عظيماً وما بقي إلا الطين لكن الروح تعذب أو تنعم، يعني: البرزخ عكس الدنيا، في الآخرة -يوم القيامة- العذاب أو النعيم يسلط على الروح والجسد سواء بسواء، ليس هناك تبعية، بالأصالة كلا الاثنين.
وأضرب لكم على هذا مثالاً ضربه ابن القيم، قال: ترى رجلين ينامان على فراش واحد، ويريا في منامهما رؤية، الأول يرى أنه يقتتل مع رجل آخر -واحد أمامه ومعه سكين وذاك معه سكين ويتطاعنون وهذا يطعن، وهذا يطعن- والثاني نائم على فراشه ويرى أنه يتزوج بامرأة جميلة، وفي آخر الليل أتى شخص يوقظهم -أيقظ هذا وأيقظ هذا- ما وقع للأجساد شيء، لكن هذا إذا قام قال: لا إله إلا الله الحمد لله يتلفت إلى جسمه فلا يجد دماً، ولا طعناً ولا أي شيء، قال: الحمد لله، الله يجزيكم خيراً عندما أيقظتموني! أعوذ بالله من هذا الحلم، ما هذه الرؤيا؟ ما هذا الحلم؟ ماذا يوجد؟! قال: أعوذ بالله، شخص طعنني وما ترك في بطني مكاناً إلا مزقه الحمد لله الذي أيقظني، تنظر في بطنه فلا يجد شيئاً، وتجد الآخر الذي رأى أنه يتزوج وأنه يأخذ واحدة جميلة؛ فإذا أيقظته من النوم، وقام وتلفت والله ما في ولا شيء لا امرأة ولا أي شيء، يقول: الله أكبر! ليتكم ما أيقظتموني، ليت النومة هذه بقيت إلى يوم القيامة، لماذا؟ سعيد! كان مع زوجة جميلة، فهو سعيد معها، لكن ليس هناك شيء، لا يوجد زوجة حقيقية للجسد، ولا سكين هنا للجسد، لكن الزوجة مع من؟ مع الروح، والحديد هنا والطعن مع من؟ مع الروح، فتألم الجسد بالتبعية، والنوم هو صورة مصغرة من الموت، فإذا مات الشخص حصل ما حصل.
ولهذا ظاهر القبور تراب وباطنها نعيم أو عذاب، ظاهرها الآن تلفت وانظر لكن بين القبر والقبر مثل ما بين السماء والأرض، هذا في روضة من رياض الجنة؛ وآخر بجواره ما بينه وبينه إلا شبر أو نصف متر في حفرة من حفر النار.
هذا ينعم وذاك يعذب، لماذا؟ بأسباب العمل، فالروح في خروجها ورحلتها إلى الآخرة لها رحلة طويلة وبعيدة، ونبدأ بأرواح الأنبياء: الأنبياء حين يحضرهم الموت، يعاملون بطريقة تختلف عن معاملة بقية البشر، فإنهم يخيرون بين أن يموتوا وبين أن يبقوا على ظهر الحياة، بعد أن يروا ما أعد الله لهم من جزيل الثواب وعظيم الأجر عنده في الآخرة، ولا يوجد على الإطلاق رسول اختار البقاء؛ لأنهم عقلاء، فكل رسول لا يخير إلا ويقول: إلى الله، يختار جوار ربه ﵎؛ لأنهم آمنوا بقضايا الآخرة إيماناً حقيقياً لدرجة أنهم يفاضلون بينها وبين الدنيا كما يفاضلون بين العشة المتهدمة وبين العمارة العظيمة، فإذا قال لك شخص وأنت ساكن في عشة متهدمة تخرخر عليك، الحيات والعقارب في طرفها، والحمامات قذرة، والمياه فيها غير مرتبة، ويقال لك: تريد أن تقعد في العشة أو تأتي العمارة؟! في القصر العظيم فيه البساتين والحدائق، وبرك السباحة (وجراش) السيارات، والزوجات؟! ما رأيك؟! تقول: والله أريد العشة؟ أو تقول: الله يجزيكم خيراً أريد تلك، فالأنبياء عرفوا قيمة الدنيا وحقارتها، وعرفوا قيمة الآخرة؛ فهم دائماً يختارون الجنة، ولا شك أنهم يختارونها لعلمهم بها.
وقد حدث هذا لرسولنا ﷺ ، فقد خُير بين الموت والحياة فاختار جوار ربه، فقد روى البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يقول -يعني: قبل الموت-: لم يقبض نبيٍ قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير، تقول عائشة: فلما نُزل به -يعني: لما نزل به المرض- ورأسه على فخذي غُشي عليه ﷺ ساعة -من أجل سكرات الموت- ثم أفاق فأشخص بصره إلى السماء -فوق- ثم قال: اللهم إلى الرفيق الأعلى، قالت: فقلت: إذاً لا يختارنا، وعرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا به صلوات الله وسلامه عليه، ثم قالت: فكانت تلك آخر كلمة تكلم بها النبي ﷺ وهي قوله: اللهم إلى الرفيق الأعلى) وجاء في إحدى روايات البخاري، قالت: (فسمعت النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه يقول: وأخذته بحة وهو يقول: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، قالت: فعلمت أنه يخير يومئذٍ) فاختار مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، جعلنا الله وإياكم منهم.
стр. 1780
تعلق الروح بالجسد بعد الموت
والروح هي: مادة شفافة لا ترى ولا تمس ولا تُعلم لها كيفية، وليس لها صفة إلا صفة العلو والدخول والخروج، وقد ثبتت بالكتاب والسنة ولا يعلم كنهها إلا الله، ولما سأل اليهود النبي ﷺ عن الروح، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] ولو أن الروح شيء مادي يمكن الوصول إليه لما كان خافياً على البشر هذا اليوم، فقد استطاعوا أن يعرفوا كل شيء: استطاعوا أن يغوصوا في الأعماق، وأن يسبحوا في الفضاء، وأن يذهبوا إلى العوالم الأخرى ويرجعوا كما تسمعون الآن من الرحلة الأخيرة التي ذهبت ورجعت ونزلت يوم أمس، وكذلك استطاعوا أن يروا أدق شيء في الكون حتى الفيروس؛ والفيروس: نوع من الميكروبات والجراثيم؛ لكنه أدق من الجرثوم، فالجرثوم يمكن أن يرى بالعين المجردة، لكن الفيروس ربما لا يرى حتى بالمجهر؛ وقد لا يرى بأدق المجاهير؛ المجاهير الإلكترونية التي تكبر ملايين المرات، وبها يمكن أن يرى.
والروح لا ترى، وقد أجرى أحد العلماء الأمريكيين بحوثاً ودراسات على الروح، كيف تدخل، وكيف تخرج؟ وجاء برجل يحتضر ووضعه في صندوق وأجرى له جميع وسائل الحياة -صندوق زجاجي- وأخذ يرصد كل حركة وكل شيء يدخل هذا الروح، وبينما هو يرصد وإذا بالإنسان يموت، مات الإنسان داخل الصندوق دون أن يرى شيئاً دخل أو خرج! هذه الروح تخرج كما جاء في حديث مسلم أن النبي ﷺ قال: (إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها) فذكر من طيب ريحها، وذكر المسك قال: (ويقول أهل السماء: روح طيبة، جاءت من قبل الأرض صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق بها إلى ربها ، ثم يقول: انطلقوا به إلى آخر الأجل) والحديث في صحيح مسلم عن حماد قال ﷺ : (أما الكافر إذا خرجت روحه فذكر الراوي من نتنها) -والعياذ بالله- والنتن والطيب هنا شيء معنوي، يتحول عند الموت إلى شيء مادي، وهو الآن مادي فوالله إننا لنشم رائحة الإيمان ورائحة الطيب في الرجل الصالح، وإننا لنشم رائحة الخبث في الرجل الخبيث، ولو اغتسل بماء الأرض كله إنه لخبيث مثل الخنزير.
بعض المؤمنين تجده طبيعياً في اغتساله لكن فيه رائحة جميلة؛ وهذه الروائح عرفت الآن في الشهداء في الأفغان، ومن أراد أن يرى المزيد فليراجع كتاب: آيات الرحمن في جهاد الأفغان للشيخ الدكتور عبد الله عزام، وذكر من الآيات الكثيرة ومن ضمن ما ذكر: أن القتلى من المؤمنين تجد لهم ريحاً مثل ريح المسك، والدم مثل ريح المسك، وبعضهم إذا حمل الشهيد وجاءوا يغسلون أيديهم من الدماء تبقى الرائحة أياماً، بل بعضهم قال: بقيت الرائحة في يدي بعد أن غسلتها شهوراً، إنها رائحة المسك من دم هذا الشهيد.
قال: (فيخرج من نتنها وخبثها وقذرها، ويقول أهل السماء: روح خبيثة من قبل الأرض جاءت، فيقال: انطلقوا به إلى الأجل) وقد ذكر الرسول ﵊ في حديث البراء بن عازب وهو صحيح في سنن أبي داود وأخرجه أحمد في مسنده: ذكر التكريم الذي يكون لروح العبد الصالح عند خروج روحه من جسده حيث تصلي عليها الملائكة، وتفتح لها أبواب السماء، وتجعل في كفن من الجنة، وفي حنوط من الجنة، وتخرج منها روائح طيبة تفوق رائحة المسك، ثم تأخذها الملائكة في رحلة علوية كريمة مباركة، وتفتح لها أبواب السماء، أما الروح الخبيثة فتلعنها الملائكة -والعياذ بالله- عند عروجها، وتغلق أبواب السماء دونها، ويدعو كل فريق من الملائكة على باب ألا تعرج من عنده -يقول: اللهم لا تأت من عندي هذه الخبيثة- وتجعل تلك الروح الخبيثة في حنوط من النار ومسوح من النار، وتفوح منها الروائح الخبيثة التي تؤذي الملائكة، ويعرج بها إلى السماء فلا يفتح لها باباً، فتلقى روحه من السماء.
وفي حديث البراء يصف الرسول ﵊ هذه الرحلة من الموت إلى البرزخ، فيقول: (حتى إذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفُتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم، فإذا أخذها -يعني ملك الموت- لم يدعوها في يده طرفة عين -قال الله : ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١] ويخرج منها كأطيب ريح وجد على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: هذا فلان بن فلان؛ بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين - ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:١٩ - ٢١] أي: يحضر كتابته المقربون من الملائكة- فيكتب كتابه في عليين -نسأل الله وإياكم من فضله- ثم يقال: أعيدوه إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى).
أما الكافر والفاجر -والعياذ بالله- فقد تحدث عنه الرسول ﷺ في الحديث فقال: (إذا نزعت روحه من جسده لعنته الملائكة بين السماء والأرض، وتغلق دونه كل أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ألا تعرج روحه من قبلهم، فيأخذها ملك الموت، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في ذلك المسوح) والمسوح هو الشعر الغليظ الذي مثل المسحل أو المبرد، ليس فيه نوع من النعومة وإنما قاسٍ وشديد توضع فيه الروح فتتأذى الروح قبل أن تصل إلى الأذى العظيم في النار لا حول ولا قوة إلا بالله.
(ويخرج منها ريح جيفة كأنتن ريح على وجه الأرض؛ فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة، فيقولون: هذا فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى يُنتهى بها إلى السماء الدنيا فتستفتح أبواب السماء فلا تُفتح، ثم قرأ: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠]).
يقول المفسرون: إن تعليق دخولهم الجنة على دخول الجمل في خرق الإبرة تعليق على المستحيل، هل من المعقول أن يدخل البعير في خرق الإبرة؟! ليس معقولاً، وفيه تفسير آخر مشهور: إن الجمل ليس الجمل البعير، الجمل: الحبل الغليظ الذي تربط به السفن في مراسيها، ولعلكم رأيتم السفن في الموانئ إذا وقفت ألقت حبالاً غليظة، وربطت بها في طرف الميناء حتى لا تسحبها الأمواج، وقالوا: إن الدليل على أن المقصود أن الجمل هنا الحبل؛ لقول الله : ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات:٣٢] * ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات:٣٣] أي: كأنه حبال صفر طويلة، فالشرر إذا امتدت كأنه حبل طويل، والقول الأول أرجح، وهو أن المقصود: أنه إذا دخل الجمل، أي: البعير؛ إذا دخل البعير في خرق الإبرة دخلوا هؤلاء في الجنة وهذا مستحيل.
ثم يقول الله : (اكتبوا كتابه في سجين) هذا فاجر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين:٧] وما سجين؟ ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:٩] ما هذا المرقوم؟ ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المطففين:١٠] هذا المكتوب في هذا الكتاب.
(وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتطرح روحه من السماء إلى الأرض، ثم قرأ قول الله : ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]) أعاذنا الله وإياكم من ذلك! وروى ابن ماجة في سننه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن العبد الميت تحضره ملائكة، فإذا كان صالحاً قال: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء؛ فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: مرحباً بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، أدخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا يزالون كذلك، أما الرجل الفاجر -الرجل السوء- فإنه يقال لروحه: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة وأبشري بحميمٍ وغساق).
الحميم: الماء الذي بلغ درجة متناهية من الحرارة، والغساق: هو القيح والدم الذي أحمي حتى أصبح في درجة الغليان وهو خبيث، وإذا كان بارداً وهو قيح ودم ليس جيداً، فكيف إذا كان قيحاً ودماً وصديداً وهو يفور، إذ لابد أن يشرب، من أين يشرب؟ لا حول ولا قوة إلا بالله! ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [إبراهيم:١٧] (وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج؛ فإذا عرج بها إلى السماء؛ قفلت أبواب السماء، فيقال لها: لا مرحباً بالروح الخبيثة كانت في الجسد الخبيث) لأن الخبث والطيب -أيها الإخوة- إنما يكتسب من الدين، الخبث يكتسب من المعاصي، والطيب يكتسب من الطاعات، فالجسد الذي غذي بالحلال واستعين به في طاعة الله، وما رئي إلا في الأماكن الطيبة، فتجد عينه، وأذنه، ولسانه، ويده، ورجله، وفرجه كلها طاهرة، وسل
стр. 1781
الأسئلة
стр. 1782
المحارم الذين يجوز للمرأة الكشف عليهم، وحكم صوت المرأة
السؤال
مَنِ المحارم الذين يجوز للمرأة الكشف عليهم؟ وهل من حق المرأة رفع صوتها في البيت؟
الجواب
المحارم الذين يجوز للمرأة أن تكشف عليهم هم الذين يحرمون عليها على التأبيد، أي: لا يجوز لها أن تتزوجهم مطلقاً، وقد ذكر الله في سورة النور الرجال الذين يجوز لهم أن تكشف عليهم، وهم أحد عشر رجلاً، قال : ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا إلخ﴾ [النور:٣١] فيجوز الكشف لهؤلاء الذين استثناهم الله، وهذا الخطاب موجه للرسول ﷺ ، والأمر له: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور:٣١] والمؤمنة هي التي تستجيب، والتي لا تستجيب لله ولا لرسوله ﷺ ، وتعصي الله وترفض آية الحجاب؛ فقد ضلت ضلالاً مبيناً؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦] ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] فيجوز أن تكشف على البعل ما يحتاج ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أبوها ﴿أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أبو بعلها، أي: عمها أبو زوجها ﴿أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ولدها ﴿أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ولد بعلها من زوجة أخرى؛ لأنها عمته ولا يجوز له أن ينكحها بعد أبيه ﴿أَوْ إِخْوَانِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أخوها من الرضاعة أو من النسب ﴿أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أبناء أخوها وهي عمتهم ﴿أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] عيال أختها وهي خالتهم، ولا يجوز لها في غير هؤلاء، وأبناء الخال وأبناء العم وابن العم وابن العمة وابن الخالة كلهم لا يجوز.
والعم يجوز؛ لأنه مقيس على الأب، والخال مقيس على الأب، فيجوز للمرأة أن تكشف على عمها وخالها؛ لأنه لا يجوز أن يتزوج ابنة أخته؛ فهي تحرم عليه على التأبيد.
﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] هؤلاء ثمانية أصناف من الأقارب وأربعة من غير الأقارب فيصبح المجموع اثني عشر.
فمن غير الأقارب: النساء، فيجوز للمرأة أن تكشف على المرأة.
وأيضاً: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور:٣١] إذ يجوز للمرأة أن تكشف على العبد الرقيق الذي تملكه.
أي: عبد مملوك لها؛ فإنها تكشف عليه؛ لأنه لا يستطيع ولا يقدر على أن يكشف عورتها خشية عقابها.
ثم: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور:٣١] تابع الزوج الذي يخدم عند الزوج وهو: الراعي أو الخادم أو العامل أو السائق بشرط أن يكون هذا العامل أو الراعي أو الخادم أو السائق مخصياً، ليس له إربة، قال الله : ﴿أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ﴾ [النور:٣١] يعني: ليس فيه إربة للنساء، ولا فيه ما في الرجال: هذا يجوز، أما إذا كان السائق أو العامل غير مخصي فهذا أخطر شيء على المحارم.
﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور:٣١] الطفل الصغير الذي ما عرف الجميلة من القبيحة يجوز له أن يكشف.
هؤلاء الذين يجوز لهم، وينبغي للمرأة المسلمة التي تخشى الله وتخاف عقوبته وترجو ثوابه أن تحمي نفسها، وعرضها وعرض زوجها وأهلها؛ بأن تلتزم بالحجاب التزاماً كاملاً وأن تكون ممن يقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥] كما قالت عائشة ﵂: (رحم الله نساء الأنصار: ما إن نزلت آية الحجاب حتى غدا الرجال إلى النساء فأخبروهن بأمر الله، فشققن مروطهن واعتجرن بها، فكأني برءوسهن في الغد كالغربان السود) كل واحدة في اليوم الثاني كأنها غراب أسود، ماذا هناك؟ أمر الله بالحجاب.
لكن بعض النساء تقول: كيف أتحجب وهم يعرفونني من قبل؟ لماذا أغطي وهم يعرفونني كلهم؟ الجواب: ليست القضية أنهم يعرفونك أو لا يعرفونك؟! القضية أمر الله تعالى، فالله تعالى أمر أن تتحجبي فتحجبي، سواء عرفوك أم لم يعرفوك، كذلك الصحابة كانوا يعرفون الصحابيات قبل آية الحجاب؛ فلما نزل أمر الله غضوا وامتثلوا أمر الله ﵎.
وليس من حق المرأة أن ترفع صوتها في بيتها؛ لأن هذا من علامات سوء أدبها؛ ولأن الصوت عورة، فإذا سمعت صوت المرأة وهي تسب وتشتم وتلعن وتتكلم بعنف فهذا يدل على عدم أدبها، وعلى قلة دينها -والعياذ بالله- أما المرأة الخافظة لصوتها فهي الممتازة وهي من حسنات الدنيا.
стр. 1783
حكم قراءة القرآن والتسبيح الجماعي في العزاء
السؤال
هناك عادة موجودة بين بعض نساء إحدى البلاد العربية عند العزاء: يأتون بامرأة بأجرة في بيت العزاء تقرأ القرآن وتسبح وتهلل بصوت مرتفع والنساء يرددن خلفها، أو يفتحن شريطاً مسجلاً عليه هذه الأدعية وهذه الأذكار فيستمعن إليه، وهذه العادة موجودة إلى الآن عند البعض من النساء اللاتي قدمن إلى هذه البلاد وهنَّ يتداولن هذا الشريط بينهن في مناسبات العزاء.
والسؤال: ما حكم هذا العمل؟ وماذا يجب على من أتت إليهن عند العزاء؟ وهل تأثم من جلست معهن ولو لم تقر بهذا العمل؟
الجواب
أولاً: حكم هذا العمل أنه بدعة؛ فلا ينبغي أن نأتي بأي شيء إلا ما جاءت به السنة، ولو كان خيراً لسبقنا إليه السلف، فاجتماع النساء من أجل قراءة القرآن والتسبيح والتهليل والترديد ولم يأتِ به أمر، إنما هذا إحداث في دين الله بشيء لم يأذن به الله فهو بدعة، ويجب على من أتت إليهن عند العزاء ووجدتهن على هذا الوضع أن تحذرهن وأن تأمرهن بطاعة الله تعالى، وتقول: هذا الأمر حرام ولا يجوز وما أتى به الشرع، وإذا جلست معهن وهي قادرة على أن تخرج؛ فإنها آثمة حتى ولو لم تقره بقلبها، إذ لا بد من الإنكار: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء:١٤٠].
فلا يجوز لك أن تجلس في مكان فيه أمر يُسخط الله إلا أن تكون مضطراً، كيف تكون مضطراً؟ أي: مكره، وليس الإكراه من أجل أن تتعشى، فبعض الناس يذهب في وليمة وهم يطبلون ويلعبون ويرقصون، ويقول: إني مضطر، لماذا؟ قال: من أجل أن أملأ بطني رزاً الله أكبر على بطنك التي لم تمتلئ بالرز! اذهب واملأها بثلاثة ريال في أي مطعم يا أخي! وانفر بدينك، المكره أن تكون مسجوناً، أو مريضاً مقعداً ويوجد منكر ولا تستطيع أن تفلح وهو أمر خارج عن إرادتك هذا هو المكره.
أما أن تكون قادراً على أن تخرج فلا.
стр. 1784
حكم مس المحدث للمصحف
السؤال
هل يجوز قراءة القرآن أو مس المصحف من غير وضوء، أي: من حدث أصغر.
أرجو الإفادة؟
الجواب
لا يجوز قراءة القرآن على نية التعبد إلا والإنسان طاهر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٧ - ٧٩] وبعض الناس عنده تفسير سطحي لا أعلم من أين أتى به، يقول: إن المطهرين هنا هم الملائكة، والملائكة تمس المصحف! الملائكة لا تمس المصحف ولا تأتيه فأنت الذي تمسه: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩] فتجب الطهارة الكاملة من الحدث الأصغر والأكبر، وجوّز أهل العلم لطالب العلم ولمدرس القرآن أن يمس المصحف ولو كان محدثاً حدثاً أصغر لصعوبة الاحتراز من ذلك؛ ولأن فيه مشقة.
فمدرس القرآن أو طالب القرآن متعلق به من الصباح إلى الظهر ولا يستطيع أن يظل دائماً محتفظاً بطهارته، فإنه يعفى عنه أن يمس المصحف ولو كان محدثاً، أما حمل القرآن وقراءته على نية التعبد؛ فإنه لا بد أن تكون طاهراً؛ لأن القرآن جزء من الصلاة؛ فيقاس عليها: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩].
стр. 1785
حكم الرقص الشعبي
السؤال
ما حكم الرقصات الشعبية، مثل: العرضة وغيرها من الرقصات التي في أبها وقراها؟
الجواب
هذا السؤال يتكرر باستمرار، الرقصة -يا أخوان- اسمها: رقص، ومن اسمها يدل على أنها غير مطلوبة، والمسلم ما خلق ليرقص؛ ولكن قال بعض أهل العلم: إذا كانت العرضة أو الرقصة حربية، يعني: لظروف قتال، ومن أجل دعوة الناس واستلهاب عواطفهم واستنفارهم للقتال في سبيل الله؛ فقد جوزوا ذلك؛ لأن الرسول ﷺ رخص لـ عائشة أن ترى رقصة الأحباش -والحديث في صحيح البخاري - لما قدموا عليه وكانوا يرتجزون، وقد أتوا ليسلموا ويرجعوا بعد ذلك ليقاتلوا في سبيل الله ، فرآهم فأقرهم.
فإن كانت رقصة قتال فليس هناك مانع، وأما رقصة لغير قتال مثل رقصاتنا الآن فلا، فالمسلم ليس له رقصة إلا على ظهور الجياد في سبيل الله تعالى، أما أن يرقص مثل المرأة طول الليلة والقدس تحت أيدي اليهود والمسلمون في هذه الضائقة التي لا يعلمها إلا الله، ويقول: رقص شعبي أو غير شعبي، لا ترقص أبداً إلا في ساحات الجهاد، أما هناك فارقص؛ فإن النبي ﷺ لما رأى عكاشة بن محصن وقد أخذ السيف وجاء يرتجز بمشية فيها خيلاء وفيها كبرياء، قال: (إن هذه مشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن) أي: في مواطن القتال.
стр. 1786
حكم ترك قراءة الفاتحة في الصلاة عمداً
السؤال
إذا ترك إنسان قراءة الفاتحة عمداً في الركعة الأولى، فهل تبطل صلاته كلها؟ أم تبطل الركعة التي ترك فيها القراءة فقط؟ وهل ينطبق عليه حديث الرسول ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)؟
الجواب
يقول العلماء: إن من ترك ركناً عامداً أو ساهياً بطلت صلاته، فإن ترك قراءة الفاتحة عامداً وقرأها ثانيةً قبل أن ينتقل إلى ركن آخر فإن صلاته صحيحة، أي: كبر ويريد أن يقرأ ولم يقرأ، وقبل أن يركع تذكر أنها ركن فقرأها فصلاته صحيحة، أما إذا استمر في تركها حتى انتقل إلى ركن آخر وهو الركوع فقد بطلت صلاته وعليه أن يعيد الصلاة.
أما المأموم فقد اختلف أهل العلم في حكم قراءة الفاتحة للمأموم على ثلاثة أقوال: قول للإمام الشافعي وهو أرجحها وأقواها وأقربها إلى الدليل وهو: إن من ترك قراءة الفاتحة إماماً كان أو مأموماً فإن صلاته باطلة.
والدليل حديث عبادة بن الصامت في صحيح البخاري وصحيح مسلم، قال ﵊: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وفي حديث آخر في صحيح البخاري: أن النبي ﷺ كان يقرأ وكان بعده من الصحابة من يقرأ فقال لما انصرف من الصلاة: (من الذي ينازعني القرآن؟) فقال أحد الصحابة: أنا يا رسول الله، قال: (لا.
إلا بفاتحة الكتاب) أي: لا تنازعني، ولا تقرأ ورائي إلا بفاتحة الكتاب.
فدلت الأدلة هذه على أن قراءة الفاتحة ركن في حق المأموم والإمام والفرد.
والقول الثاني للإمام أحمد ومالك وهو: أن الفاتحة تجب على المأموم في القراءة السرية، وتسقط عنه في القراءة الجهرية؛ لأن قراءة الإمام قراءة له، فإذا سمعت قراءة الإمام وأنت في الجهرية فإنك لا تقرأ؛ لأنك سمعت، أما في السرية فإنك تقرأ، وهذا قول الإمام أحمد ورجحه ابن تيمية.
أما الأول رجحه الإمام البخاري وبوب عليه باباً وألف فيه كتاباً وانتصر له انتصاراً عظيماً، وقال: لا يمكن أبداً أن نضع -أو أن نضيع- حديثاً صحيحاً في صحيحي البخاري ومسلم لا تنهض لمقاومته الأحاديث التي في السنن والتي فيها قراءة الإمام قراءة للمأموم، لا.
هذا لا يقاوم ولا يعضد ولا يستطيع أن يصل إلى درجة صحيحي البخاري ومسلم.
القول الثالث: وهو من الأقوال التي لا دليل عليها، وهو قول الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه، قال: إن المأموم لا يقرأ؛ لا في السرية ولا الجهرية، أي: ابق واقفاً بعد الإمام، ولا دليل له غير أنه قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، ورد عليه بأنه يؤتم بالإمام في الحركات، أما في الأقوال فإنه مطلوب من المسلم أن يكبر ويقرأ الفاتحة ويقول أيضاً: سبحان ربي العظيم، والذي يرجحه أهل العلم أن تقرأها إماماً أو مأموماً، أين تقرأها؟ إن كانت سرية تقرأها في سرك، وإن كانت جهرية ففي سكتات الإمام، أي: إذا قال: ولا الضالين، آمين.
تقرأ، وإن كان لا يسكت، أي: بعض الأئمة يقول: ولا الضالين آمين ويقرأ مباشرة، عندئذٍ اقرأ وهو يقرأ؛ لأنه مطلوب منك؛ ولأن هذا لا ينافي قول الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤] لأن هذه الآية عامة وهذه لها دليل مخصص والمخصص مقدم على العام، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1787
لقاء مع الأحبة [١، ٢]
لقد أحدثت الحضارة المادية فساداً عريضاً في الحياة البشرية، وذلك بسبب فصلها الدين عن مناهج الحياة، وإقحامها للماديات في كافة المجالات؛ لذا لزم أن توضع وصايا يسير عليها كل محب للدين، يصل بها إلى الله والدار الآخرة.
стр. 1788
ظهور ثمرة الهداية، وآثار الكفر في الدنيا قبل الآخرة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فأسعد الله أوقاتكم، وجمعنا وإياكم على الهدى في هذه الدار، وعلى النعيم المقيم في الدار الآخرة.
أيها الأحبة في الله: يخطئ كثير من البسطاء أصحاب النظرة القصيرة الذين لا تتجاوز أبصارهم مواقع أقدامهم، والذين لم يعرفوا هذه الحياة ولا الدار الآخرة، ولا عرفوا ربهم، ولا دينهم، ولا حقيقة أنفسهم ووجودهم، وترتب على هذا الجهل المتراكم الأخطاء في النتائج؛ لأن النتائج تأتي وليدة المقدمات، فإذا كانت المقدمات خاطئة، فالنتائج تكون أيضاً خاطئة يخطئون حين يظنون أو يتصورون أن ثمرات الهداية ومعطيات الالتزام بالدين لا تظهر إلا في الدار الآخرة، وهم يحبون هذه الدنيا، ولذائذها، وشهواتها، ويرون أنها نقد في أيديهم، والآخرة نسيئة لا يستطيعون الحكم عليها، ويرون بعقولهم الضيقة وبنظراتهم الهابطة أن في المجازفة بالنقد على حساب الموعود به (النسيئة) نوع من عدم التعقل؛ فيستغرقون في شهوات الدنيا، ويقولون: الآخرة مستأخرة، و (يحلها حلاّل).
ويستجيبون لشهواتهم، ويعبون منها عباً، سواء شهوات المال المحرم، أو شهوات الجنس المحرم، أو شهوات المطاعم والمشارب والمآكل المحرمة، ويتعبون ويستمرون في تحقيق هذه المطالب الهابطة، ولكنهم يفاجئون في نهاية المطاف بأنهم لم يجدوا شيئاً، وما علم هؤلاء أن ثمرات الدين ونتائج الالتزام، ومعطيات الهداية لا تأتي في الآخرة فحسب، بل تأتي في الدنيا قبل الآخرة، وأن آثار الكفر وآثار العصيان والفجور والتمرد على أوامر الله لا يكون الجزاء عليها فقط في الآخرة، بل الجزاء قد يعجل في الدنيا قبل الآخرة، فما الحل إذاً؟ الحل هو الدين، إن كنت تريد أن تسعد في الدنيا فعليك بالدين، وإن كنت تريد أن تسعد في الآخرة فعليك بالدين، وإن كنت تريد الشقاوة في الدنيا فعليك بعدم الدين، وإن كنت تريد أن تشقى في الآخرة فعليك بعدم الدين.
إذاًً: السعادة كلها في الدين، والشقاوة كلها في ترك الإسلام والدين.
стр. 1789
الأمراض النفسية وتدمير الروح من ثمار الحضارة الكفرية
مشكلة المشاكل الآن، وعقدة العقد التي تعاني منها البشرية اليوم هي: العذاب الداخلي في النفس البشرية، ولذا طرأت الآن أمراض جديدة كانت غير معروفة في الماضي؛ يسمونها أمراض الحضارة، وبالأصح أمراض الحظيرة؛ لأن الحضارة في غير الدين تسمى حظيرة؛ لأنهم مجموعة حيوانات يتنافسون على المآكل والمطاعم والمشارب، لكن الحضارة الحقيقية حضارة الإيمان والقلوب والأرواح، الإنسان قد يكون متحضراً ولو كان يلبس رداء وإزاراً ويسكن في خيمة أو كوخ، ولكنه متحضر بمبادئه ومفاهيمه وأخلاقه وعقيدته، كما كانت البشرية تعيش مع المتحضرين الذين بسطوا النفوذ الإسلامي على شرق الأرض وغربها، ولكن بالحضارة الربانية وبالقرآن.
والناس اليوم في حظيرة، صحيح أنهم يسكنون ناطحات السحاب، ويطوعون المادة ويسخرونها في خدمتهم، ولكن
وأرواحهم في وحشة من جسومهم وأجسامهم قبل القبور قبور
هم الآن مدفونون في أجسادهم، علمت عن بعض الناس أنه يرفض أن يأكل مع أبيه أو أمه أو زوجته أو أخته أو ولده، ولكن يألف أن يأكل مع كلبه، بل رأيتهم في مطاعمهم يصنعون كراسي للكلاب في المطعم، وتشاهد الكلب جالساً على الكرسي، والكلب الثاني يناوله! هل هذه حضارة؟! هذه حضارة الكلاب!! يقول أبو الحسن الندوي -عالم هندي-: سافرت إلى أمريكا فوجدت ورأيت كل شيء إلا الإنسان، يقول: رأيت ناطحات السحاب، والميادين الفسيحة، والأماكن والشوارع العظيمة، وهدير المصانع، وأزيز الطائرات، ولكن بحثت عن إنسان فلم أجد إنساناً، بل وجدت مسخاً يمشي على قدمين كلبه في يده.
لو جئنا على كلب يعيش في مزبلة، وآخر يعيش في عمارة ويلبس (بنطلوناً) وبدلة (وكرفتة) (والكرفتة) هو الحبل الذي في الرقبة، ولا أدري ما سببه! لأن الذي يربط في رقبته حبل معروف أننا نقوده بحبله، فهذه من الحظيرة يضعون في رقابهم حبالاً، ينتظرون من يقودهم بحبالهم، فلو جئنا بكلب وألبسناه (بنطلوناً) و (كرفتة)، وأسكناه في الدور المائتين من ناطحات السحاب، هل يخرج عن كونه كلباً؟ ضعه في مزبلة أو عمارة رواح لا يخرجه هذا عن كلبيته شيئاً، ولهذا يقول الله فيهم وفي أمثالهم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] ويقول: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩].
في هذه الحظائر البشرية وفي ظل غياب الإيمان والدين تولدت المآسي والفظائع والعظائم، وما استطاعت المادة أن تحل إشكال النفوس؛ لأن المادة شيء والروح شيء آخر، المادة من الأرض والروح من السماء، فلما خربت الروح جاءوا بمفاتيح المادة يريدون إصلاحها أرادوا علاج الأرواح فدمروها، وظنوا أنهم يحققون لها السعادة، وما حققوا لها شيئاً، ونشأت العقد، وبدأت الأمراض النفسية تنتشر فيهم.
ويذهب المريض إلى الطبيب النفسي، يجلسه على كرسي، ويسأله، ما اسمك؟ ما اسم أبيك وأمك؟ أين درست؟ ويستمر يحادثه كل هذا كذب لا ينفعه، فقط تخدير، وإذا انتهى أعطاه حبوباً مخدرة، أي: نم على جهلك وضلالتك، فهذا ليس بطب، والأمراض النفسية تتولد باستمرار عن البعد عن الله، هذه نتيجة حتمية؛ لأن الشخص وهو يعيش في الدنيا وهو لا يدري لماذا يعيش تحصل عنده عقد.
стр. 1790
الجهل بحقيقة المصير يولد أمراضاً نفسية
أنت عندما تكون في غرفة ولا تدري أين تذهب بعد هذه الغرفة، هل تكون مطمئناً؟ لو جاء شخص وأخذك من بيتك، ووضعك في غرفة وأغلق عليك الأبواب، هل يأتيك النوم؟ لا تعلم من الذي أتى بك؟ ولا تدري أين أنت ذاهب؟ فتحصل عندك عقد، وتأتيك تصورات وأفكار، وكل شيء تسمعه تتصور أنه ما تنتظره، يدخل الشخص وتتصور أنه أسد يريد أن يأكلك، أو أنه شرطي يريد أن يقبض عليك، أو أنه إنسان يريد أن يقتلك، ليس عندك أمن؛ لأنك لا تعلم مصيرك.
وهنا نشأت الأمراض النفسية من جراء جهل البشر بما خلقوا له، وما أوجدوا من أجله في هذه الحياة؛ لأنهم يفكرون ويقول الواحد منهم: أنا الآن موجود وسأموت، ثم أين سأذهب؟ لا أدري! الأفكار البائدة، والنظريات الملحدة التي تقدم له، تقول: إنك ستموت وتذهب ولن يكون هناك شيء، وعقلك يقول لك: من قال لك إنه ليس هناك شيء، من الذي ذهب إلى الآخرة واكتشف أنه ليس هناك شيء، أو رجع وقال: إنه ليس هناك شيء، فالناس يذهبون ولا يرجعون، وتنقطع الأخبار بمجرد الموت، والموت يحصل ولا بد للموت من نتيجة.
следующие страницы →