Полный текст (2 982 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
حكم ترك قراءة الفاتحة في الصلاة عمداً
السؤال
إذا ترك إنسان قراءة الفاتحة عمداً في الركعة الأولى، فهل تبطل صلاته كلها؟ أم تبطل الركعة التي ترك فيها القراءة فقط؟ وهل ينطبق عليه حديث الرسول ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)؟
الجواب
يقول العلماء: إن من ترك ركناً عامداً أو ساهياً بطلت صلاته، فإن ترك قراءة الفاتحة عامداً وقرأها ثانيةً قبل أن ينتقل إلى ركن آخر فإن صلاته صحيحة، أي: كبر ويريد أن يقرأ ولم يقرأ، وقبل أن يركع تذكر أنها ركن فقرأها فصلاته صحيحة، أما إذا استمر في تركها حتى انتقل إلى ركن آخر وهو الركوع فقد بطلت صلاته وعليه أن يعيد الصلاة.
أما المأموم فقد اختلف أهل العلم في حكم قراءة الفاتحة للمأموم على ثلاثة أقوال: قول للإمام الشافعي وهو أرجحها وأقواها وأقربها إلى الدليل وهو: إن من ترك قراءة الفاتحة إماماً كان أو مأموماً فإن صلاته باطلة.
والدليل حديث عبادة بن الصامت في صحيح البخاري وصحيح مسلم، قال ﵊: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وفي حديث آخر في صحيح البخاري: أن النبي ﷺ كان يقرأ وكان بعده من الصحابة من يقرأ فقال لما انصرف من الصلاة: (من الذي ينازعني القرآن؟) فقال أحد الصحابة: أنا يا رسول الله، قال: (لا.
إلا بفاتحة الكتاب) أي: لا تنازعني، ولا تقرأ ورائي إلا بفاتحة الكتاب.
فدلت الأدلة هذه على أن قراءة الفاتحة ركن في حق المأموم والإمام والفرد.
والقول الثاني للإمام أحمد ومالك وهو: أن الفاتحة تجب على المأموم في القراءة السرية، وتسقط عنه في القراءة الجهرية؛ لأن قراءة الإمام قراءة له، فإذا سمعت قراءة الإمام وأنت في الجهرية فإنك لا تقرأ؛ لأنك سمعت، أما في السرية فإنك تقرأ، وهذا قول الإمام أحمد ورجحه ابن تيمية.
أما الأول رجحه الإمام البخاري وبوب عليه باباً وألف فيه كتاباً وانتصر له انتصاراً عظيماً، وقال: لا يمكن أبداً أن نضع -أو أن نضيع- حديثاً صحيحاً في صحيحي البخاري ومسلم لا تنهض لمقاومته الأحاديث التي في السنن والتي فيها قراءة الإمام قراءة للمأموم، لا.
هذا لا يقاوم ولا يعضد ولا يستطيع أن يصل إلى درجة صحيحي البخاري ومسلم.
القول الثالث: وهو من الأقوال التي لا دليل عليها، وهو قول الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه، قال: إن المأموم لا يقرأ؛ لا في السرية ولا الجهرية، أي: ابق واقفاً بعد الإمام، ولا دليل له غير أنه قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، ورد عليه بأنه يؤتم بالإمام في الحركات، أما في الأقوال فإنه مطلوب من المسلم أن يكبر ويقرأ الفاتحة ويقول أيضاً: سبحان ربي العظيم، والذي يرجحه أهل العلم أن تقرأها إماماً أو مأموماً، أين تقرأها؟ إن كانت سرية تقرأها في سرك، وإن كانت جهرية ففي سكتات الإمام، أي: إذا قال: ولا الضالين، آمين.
تقرأ، وإن كان لا يسكت، أي: بعض الأئمة يقول: ولا الضالين آمين ويقرأ مباشرة، عندئذٍ اقرأ وهو يقرأ؛ لأنه مطلوب منك؛ ولأن هذا لا ينافي قول الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤] لأن هذه الآية عامة وهذه لها دليل مخصص والمخصص مقدم على العام، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1787
لقاء مع الأحبة [١، ٢]
لقد أحدثت الحضارة المادية فساداً عريضاً في الحياة البشرية، وذلك بسبب فصلها الدين عن مناهج الحياة، وإقحامها للماديات في كافة المجالات؛ لذا لزم أن توضع وصايا يسير عليها كل محب للدين، يصل بها إلى الله والدار الآخرة.
стр. 1788
ظهور ثمرة الهداية، وآثار الكفر في الدنيا قبل الآخرة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فأسعد الله أوقاتكم، وجمعنا وإياكم على الهدى في هذه الدار، وعلى النعيم المقيم في الدار الآخرة.
أيها الأحبة في الله: يخطئ كثير من البسطاء أصحاب النظرة القصيرة الذين لا تتجاوز أبصارهم مواقع أقدامهم، والذين لم يعرفوا هذه الحياة ولا الدار الآخرة، ولا عرفوا ربهم، ولا دينهم، ولا حقيقة أنفسهم ووجودهم، وترتب على هذا الجهل المتراكم الأخطاء في النتائج؛ لأن النتائج تأتي وليدة المقدمات، فإذا كانت المقدمات خاطئة، فالنتائج تكون أيضاً خاطئة يخطئون حين يظنون أو يتصورون أن ثمرات الهداية ومعطيات الالتزام بالدين لا تظهر إلا في الدار الآخرة، وهم يحبون هذه الدنيا، ولذائذها، وشهواتها، ويرون أنها نقد في أيديهم، والآخرة نسيئة لا يستطيعون الحكم عليها، ويرون بعقولهم الضيقة وبنظراتهم الهابطة أن في المجازفة بالنقد على حساب الموعود به (النسيئة) نوع من عدم التعقل؛ فيستغرقون في شهوات الدنيا، ويقولون: الآخرة مستأخرة، و (يحلها حلاّل).
ويستجيبون لشهواتهم، ويعبون منها عباً، سواء شهوات المال المحرم، أو شهوات الجنس المحرم، أو شهوات المطاعم والمشارب والمآكل المحرمة، ويتعبون ويستمرون في تحقيق هذه المطالب الهابطة، ولكنهم يفاجئون في نهاية المطاف بأنهم لم يجدوا شيئاً، وما علم هؤلاء أن ثمرات الدين ونتائج الالتزام، ومعطيات الهداية لا تأتي في الآخرة فحسب، بل تأتي في الدنيا قبل الآخرة، وأن آثار الكفر وآثار العصيان والفجور والتمرد على أوامر الله لا يكون الجزاء عليها فقط في الآخرة، بل الجزاء قد يعجل في الدنيا قبل الآخرة، فما الحل إذاً؟ الحل هو الدين، إن كنت تريد أن تسعد في الدنيا فعليك بالدين، وإن كنت تريد أن تسعد في الآخرة فعليك بالدين، وإن كنت تريد الشقاوة في الدنيا فعليك بعدم الدين، وإن كنت تريد أن تشقى في الآخرة فعليك بعدم الدين.
إذاًً: السعادة كلها في الدين، والشقاوة كلها في ترك الإسلام والدين.
стр. 1789
الأمراض النفسية وتدمير الروح من ثمار الحضارة الكفرية
مشكلة المشاكل الآن، وعقدة العقد التي تعاني منها البشرية اليوم هي: العذاب الداخلي في النفس البشرية، ولذا طرأت الآن أمراض جديدة كانت غير معروفة في الماضي؛ يسمونها أمراض الحضارة، وبالأصح أمراض الحظيرة؛ لأن الحضارة في غير الدين تسمى حظيرة؛ لأنهم مجموعة حيوانات يتنافسون على المآكل والمطاعم والمشارب، لكن الحضارة الحقيقية حضارة الإيمان والقلوب والأرواح، الإنسان قد يكون متحضراً ولو كان يلبس رداء وإزاراً ويسكن في خيمة أو كوخ، ولكنه متحضر بمبادئه ومفاهيمه وأخلاقه وعقيدته، كما كانت البشرية تعيش مع المتحضرين الذين بسطوا النفوذ الإسلامي على شرق الأرض وغربها، ولكن بالحضارة الربانية وبالقرآن.
والناس اليوم في حظيرة، صحيح أنهم يسكنون ناطحات السحاب، ويطوعون المادة ويسخرونها في خدمتهم، ولكن
وأرواحهم في وحشة من جسومهم وأجسامهم قبل القبور قبور
هم الآن مدفونون في أجسادهم، علمت عن بعض الناس أنه يرفض أن يأكل مع أبيه أو أمه أو زوجته أو أخته أو ولده، ولكن يألف أن يأكل مع كلبه، بل رأيتهم في مطاعمهم يصنعون كراسي للكلاب في المطعم، وتشاهد الكلب جالساً على الكرسي، والكلب الثاني يناوله! هل هذه حضارة؟! هذه حضارة الكلاب!! يقول أبو الحسن الندوي -عالم هندي-: سافرت إلى أمريكا فوجدت ورأيت كل شيء إلا الإنسان، يقول: رأيت ناطحات السحاب، والميادين الفسيحة، والأماكن والشوارع العظيمة، وهدير المصانع، وأزيز الطائرات، ولكن بحثت عن إنسان فلم أجد إنساناً، بل وجدت مسخاً يمشي على قدمين كلبه في يده.
لو جئنا على كلب يعيش في مزبلة، وآخر يعيش في عمارة ويلبس (بنطلوناً) وبدلة (وكرفتة) (والكرفتة) هو الحبل الذي في الرقبة، ولا أدري ما سببه! لأن الذي يربط في رقبته حبل معروف أننا نقوده بحبله، فهذه من الحظيرة يضعون في رقابهم حبالاً، ينتظرون من يقودهم بحبالهم، فلو جئنا بكلب وألبسناه (بنطلوناً) و (كرفتة)، وأسكناه في الدور المائتين من ناطحات السحاب، هل يخرج عن كونه كلباً؟ ضعه في مزبلة أو عمارة رواح لا يخرجه هذا عن كلبيته شيئاً، ولهذا يقول الله فيهم وفي أمثالهم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] ويقول: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩].
في هذه الحظائر البشرية وفي ظل غياب الإيمان والدين تولدت المآسي والفظائع والعظائم، وما استطاعت المادة أن تحل إشكال النفوس؛ لأن المادة شيء والروح شيء آخر، المادة من الأرض والروح من السماء، فلما خربت الروح جاءوا بمفاتيح المادة يريدون إصلاحها أرادوا علاج الأرواح فدمروها، وظنوا أنهم يحققون لها السعادة، وما حققوا لها شيئاً، ونشأت العقد، وبدأت الأمراض النفسية تنتشر فيهم.
ويذهب المريض إلى الطبيب النفسي، يجلسه على كرسي، ويسأله، ما اسمك؟ ما اسم أبيك وأمك؟ أين درست؟ ويستمر يحادثه كل هذا كذب لا ينفعه، فقط تخدير، وإذا انتهى أعطاه حبوباً مخدرة، أي: نم على جهلك وضلالتك، فهذا ليس بطب، والأمراض النفسية تتولد باستمرار عن البعد عن الله، هذه نتيجة حتمية؛ لأن الشخص وهو يعيش في الدنيا وهو لا يدري لماذا يعيش تحصل عنده عقد.
стр. 1790
الجهل بحقيقة المصير يولد أمراضاً نفسية
أنت عندما تكون في غرفة ولا تدري أين تذهب بعد هذه الغرفة، هل تكون مطمئناً؟ لو جاء شخص وأخذك من بيتك، ووضعك في غرفة وأغلق عليك الأبواب، هل يأتيك النوم؟ لا تعلم من الذي أتى بك؟ ولا تدري أين أنت ذاهب؟ فتحصل عندك عقد، وتأتيك تصورات وأفكار، وكل شيء تسمعه تتصور أنه ما تنتظره، يدخل الشخص وتتصور أنه أسد يريد أن يأكلك، أو أنه شرطي يريد أن يقبض عليك، أو أنه إنسان يريد أن يقتلك، ليس عندك أمن؛ لأنك لا تعلم مصيرك.
وهنا نشأت الأمراض النفسية من جراء جهل البشر بما خلقوا له، وما أوجدوا من أجله في هذه الحياة؛ لأنهم يفكرون ويقول الواحد منهم: أنا الآن موجود وسأموت، ثم أين سأذهب؟ لا أدري! الأفكار البائدة، والنظريات الملحدة التي تقدم له، تقول: إنك ستموت وتذهب ولن يكون هناك شيء، وعقلك يقول لك: من قال لك إنه ليس هناك شيء، من الذي ذهب إلى الآخرة واكتشف أنه ليس هناك شيء، أو رجع وقال: إنه ليس هناك شيء، فالناس يذهبون ولا يرجعون، وتنقطع الأخبار بمجرد الموت، والموت يحصل ولا بد للموت من نتيجة.
стр. 1791
تقرير البعث نتيجة حتمية للموت
ذكر الله في القرآن الكريم حقيقتين متماثلتين، وقعت الأولى ولا بد أن تقع الثانية، ولو تخلفت الأولى لجاز أن تتخلف الثانية، لكن لا بد من تلازم الأمرين.
стр. 1792
الموت وحتمية وقوعه
قال الله لرسوله ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] هذه الأولى، هل يوجد أحد عنده شك في هذه؟ هل تستطيع البشرية أن تتخلص من الموت؟ والله لو أنهم استطاعوا لأوقفوا الموت من زمن، لكن لم يستطيعوا.
هناك عالم في مصر عنده أبحاث عن الحياة والروح، ويريد أن يعيد الروح إلى الجسد ولا تخرج منه، وتطور في أبحاثه وقطع أشواطاً، ومن ثم ماتت أمه قبل أن يصل إلى نتيجة، فوضعها في الثلاجة من أجل أن يكمل الأبحاث ويردها لتعيش، وبعد ثمان عشرة سنة من الأبحاث لم يراوح مكانه، لم يتقدم شبراً واحداً، لماذا؟ لأن أمامه مجاهيل لا يستطيع أن يدخل فيها ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] مات أبوه بعد ثمان عشرة سنة، فأدخل أباه إلى جانب أمه في الثلاجة وبعد شهر مات هو فأخرجوا أمه وأباه ووضعوه معهم في القبر.
الروح مادتها ومفاتيحها عند الله، ويوم أن تقصر على غير مادتها وغذائها تعذب، وإن عذبت حصل للإنسان مشاكل في هذه الحياة.
فالأولى حصلت ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] والله لو كانوا يستطيعون لكانوا قد فعلوا زمن بعيد؛ لأنهم لم يعجزوا عن شيء فيما مكنهم الله منه.
فَجَّرُوْا الذرة، والذرة هذه شيء رهيب لا تتصوره العقول، حتى الذي فجرها لا يدري عنها، الذرة في تعريفها العلمي هي: أصغر جزء في المادة.
وبمثال يسير: لو أحضرت على رأس الملعقة سكراً وطحنته حتى أصبح مثل البودرة، ثم أخذت على رأس إصبعك واحدة من هذه الذرات الدقيقة، وجعلتها في المجهر -يوجد الآن مجهر يسمونه مجهر (إلكتروني) يكبر المادة ثلاثة مليون مرة؛ أي: يجعل (الملي) الذي هو واحد من عشرة من السنتيمتر يجعله ثلاثة كيلو- إذا أتيت بهذه الهباءة وجعلتها على الشريحة الزجاجية وأدخلتها في المجهر ونظرت قد تراها وقد لا تراها، رغم أنه كُبِّر ثلاثة مليون مرة، إذا رأيت هذه الذرة تجد فيها عالماً، كل ذرة من ذرات الكون لها نظام مستقل، الحديد له ذرات، والخشب له ذرات، والتراب له ذرات، والألمنيوم له ذرات، واليورانيوم له ذرات، والنحاس له ذرات، والبلاستيك له ذرات، وتختلف مكونات كل ذرة من كل مادة عن الأخرى، ولكن تتحد في قضية التركيب، والذرة تتكون من جزأين: نواة وتسمى (النيترون) و (إليكترونات) تدور حول هذه النواة، وتحمل كل ذرة شحنتين: شحنة موجبة وشحنة سالبة، وهناك توازن وتعادل كهربائي بين الشحنة السالبة والموجبة في كل ذرات الكون، ومن يدبر هذا كله إلا الله الذي لا إله إلا هو.
وعندما كنا نسمع في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠] نقول: هي التي تمشي على الأرض، أي النملة أو هي التي نراها في ذرات الهواء، إذا جلست في غرفة يدخل من شباكها ضوء الشمس ترى غباراً وذرات معهم، والذرة فيها عالم آخر، وقد استطاع الإنسان أن يفجر هذه الذرة، وبحث عن أعظم مادة تتكون من أكثر عدد من (إلكترونات)؛ فوجد عنصراً من عناصر الحديد اسمه (اليورانيوم)، هذه موجود فيه أكثر من خمسين إليكترون، بينما هذا البلاستيك ذراته (الإليكترونات) فيها نصف (إلكترون)، أو واحد (إليكترون) أو اثنان، ولذلك غير موصل للكهرباء، ترون الآن (الكهرباء) تسير هنا، ويضعون عليها (البلاستيك)؛ لماذا؟ لأنه عازل، (الإلكترونات) الموجودة فيه قليلة جداً لا تستطيع أن تحمل الطاقة (الكهربائية) لكن (الإلكترونات) الأخرى التي تحمل هي الحديد والنحاس و (الألمونيوم)، أما (اليورانيوم) لما كان فيه مجموعة كبيرة من (الإلكترونات) كان قابلاً للانفجار.
جاءوا بمجموعة كبيرة من مادة (اليورانيوم) وجمعوا فيه الذرات، ومن ثم فجروها، كيف فجروها؟ خلخلوا التوازن والتعادل الكهربائي الموجود بين السالب والموجب فحصل الانفجار والدمار.
يا من فجر الذرة؟ لو كان يعرف كيف يموت وكيف يرد الروح لما عجز عن الرجوع، لكن عند الموت قف وارجع.
قال الله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] هذه الأولى أما حصلت؟! وهل فيها شك؟ من كان عنده شك فليرتقب حتى يأتيه الموت، والله إنك ستموت غصباً عنك ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
стр. 1793
حتمية البعث بعد الموت
ما دام أن الأولى وقعت، وهي: أننا نموت، فلابد أن تقع الثانية كنتيجة للأولى، وهي قوله : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٦] لو أن شخصاً جاءنا وقال: أنا لن أموت، نقول: أجل ما دام أنك تمتنع من الموت، يمكن أن تمتنع من البعث، لكن لا يوجد شخص استطاع أن يمتنع وأن يخرج على سنة الله الضاربة عبر قرون التاريخ، منذ آدم إلى يومنا هذا والناس يموتون، يموتون وهم ملوك وأمراء وأقوياء وأغنياء ولا يمتنع من الموت أحد أجل لا بد من البعث! ولذا يقول الله وهو يستغرب ويستبعد على الكفار حكمهم بأنه ليس هناك بعث، يقول: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١] من اعتقد أنهم سيكونون سواء فقد أخطأ، فالطيبون قد ملئوا الدنيا صلاحاً، والخبيثون قد ملئوا الدنيا فساداً، ثم يموت كلا الفريقين وتكون آخرتهم سواء، لا.
ما دام أنهم اختلفوا في الحياة في السلوك، فإنهم يختلفون في النتيجة في الآخرة في الجزاء، الذين اجترحوا السيئات تعالج جروحهم في النار، والذين آمنوا وعملوا الصالحات سيعطون الهبات في الجنات، والله عبر عن السيئة بأنها جرح في دين المسلم، بمعنى: أنه يجب ألا تجرح في دينك.
стр. 1794
ثمار الإيمان في الدنيا قبل الآخرة
آثار الإيمان في الدنيا قبل الآخرة، وأعظم أثر نحمد الله عليه هو نعمة الإيمان.
стр. 1795
الأمن والطمأنينة من ثمار الإيمان
الله يزرع في قلوب المؤمنين الأمن والطمأنينة، وينزع من قلوب المؤمنين القلق والحيرة والاضطراب والضلال، والله لو لم يكن في الدين إلا هذه لكانت كافية أنك تعيش آمناً مطمئناً عندك مؤهلات النجاة يوم القيامة، ترضي الله وتعمل له، هذه تولد في قلبك الأمن، لكن إذا لم يوجد لديك انقياد ولا استجابة ولا استسلام لله فأنت كما قال الله : ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر:٢٩] عبد مملوك وأسياده عشرة، والأسياد هؤلاء ليسوا متفقين بل متشاكسين، الواحد يقول: قم، والآخر: لا.
اقعد، قال ذاك: نم، قال الآخر: قم، وقال ذاك: أحضر ماء، وقال الآخر: لا تحضر ماء أحضر أكلاً، قال ذاك: اخرج، قال: بل اقعد، فما رأيك من يطيع هذا؟ وما رأيكم بهذا العبد هل هو مستريح أم غير مستريح؟ فيه شركاء متشاكسون، قال الله: ﴿وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ﴾ [الزمر:٢٩] عبد لشخص يتلقى التوجيه من واحد، هذا المثل ضربه الله للذي هو عبد لله، والذي هو عبد لغير الله.
فالذي هو عبد لله مستريح؛ لأنه يتلقى الأمر من الله، ولا توجد أوامر متضادة، أما الذي هو عبد لغير الله؛ فتتسلط عليه الأبالسة من كل جانب وتشتته؛ فتأمره بكل شيء، ولا يرضى عليه الله في شيء من هذه التصرفات؛ فيحصل له مثلما حصل للعبد الذي فيه شركاء متشاكسون، قلق وتبرم، ولذا تلمسون الآن ما تخترعه البشرية من منومات، أو مغالطات من أجل نقلهم من الواقع المرير، إذا اشترى الواحد الجريدة، أول ما يقرأ يقرأ الصفحة الضاحكة، لماذا؟ قال: أريد أن أضحك، من ماذا يضحك؟ يضحك من مرضه وضيق صدره، وإذا اشترى جريدة يرى آخر صفحة: نكتة اليوم، وإذا ضحك لا يضحك تبسماً، بل يضحك قهقة تسمعه على بعد مائة متر، كأنما في قلبه بركان انفجر من الضيق الداخلي، ومن ثم يريد باستمرار اللهو، إذا أعطيته كتاباً مفيداً أول ما يفتحه يقلبه، ليرى الصور، إن كان فيه صوراً حسناً، وإن كان كله كلام، قال: ما هذا الكتاب الله يهديك، من يقرأ الكلام هذا كله، أعطنا كتاباً جيداً ومجلة يوجد فيها شيء يلهي ويغري، من أين جاء هذا الكلام؟ من الضيق الداخلي والعذاب النفسي.
ومن ثم يقضي نهاره كله في اللهو، ويقضي ليله كله في المسارح، وألعاب (السيرك) إذا لم يوجد مسارح ولا ألعاب (سيرك) فيذهب ليشتري (أفلاماً) ويرى (فيلماً) بعد (فيلم) إلى أن ينام، يغطي نفسه ويقبرها ويدفنها، لا يريد أن يعيش على الواقع، وإذا جاء شخص يقول: يا أخي! اتق الله قال: اتركنا.
أنت تريد أن تميتنا قبل أن نموت، دعنا نلعب ونسهر، هات (الورق) و (البلوت) و (صن) (ودن) واضرب الأرض تراه رجلاً كبيراً، فتقول: مدير، وإذا به يخبط في الأرض، بعضهم تتكسر يديه وهو يخبط الأرض، على ماذا يخبط؟ يخبط على ورق (البلوت) -الله المستعان- ويجلسون من بعد المغرب إلى الفجر.
شخص سألته قلت له: لماذا -يا أخي- تسهر؟ قال: يا شيخ! نتسلى ليس عندنا عمل، أين نذهب؟ تريدنا أن نذهب في الغيبة والنميمة، قلت: تشرد من الغيبة والنميمة وتذهب في أخس منها، هل تحفظ شيئاً من كلام الله؟ قال: لا، قلت: هل تحفظ شيئاً من سنة رسول الله؟ قال: لا.
قلت: تعرف قول الله : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق:١ - ٣] ما هو الغاسق إذا وقب؟ قال: لا أعلم، أجهل من ثور أهله بالدين ويلعب (بلوت)، لماذا يغالط نفسه ويقضي سحابة ليله ونهاره في الألعاب والملهيات، هذه كلها نتيجة الضيق الداخلي، أما من عنده نور، وأضاءت الأنوار على هذه الحياة، فرأى الدنيا والآخرة، فهل يلعب؟ لا.
بل يعيش بجسده في الأرض وروحه في السماء، لا يقر له قرار في هذه الدار، ولا تنسيه جميع ملهياتها ولا ملذاتها عن الآخرة، يسكن في القصر ويتقلب على السرير وقلبه مع القبر، قلبه يقول: إذا وضعوني في الحفرة المظلمة، من أمامي تراب، ومن خلفي تراب، وتحت رأسي تراب، وقد أموت في ليلة باردة، وقد أوضع في ليلة مظلمة، وأوسد التراب، وتصفُ عليَّ الحجارة، ويكال عليّ التراب، ويذهب الناس عني، أين أنا في تلك الساعات؟ أين أنا في تلك اللحظات؟ والله لا أعمل إلا لذلك اليوم، أما الدنيا هذه كلها زائلة.
стр. 1796
من قصص السلف في العبادة
كان لـ ميمون بن مهران ﵁ في بيته قبر وكان كثير العبادة، فإذا فتر دخل في القبر، وقال لزوجته وأولاده: صفوا عليّ اللحود، وإذا أفلحوا منه قال: إذا سمعتموني أصرخ فافزعوا إليّ؛ فيصرخ يقول: رب ارجعون، رب ارجعون، رب ارجعون.
فيأتي أهله ويفتحون عليه؛ فيقول لنفسه: يا ميمون: قم واعمل صالحاً قبل أن تقول: رب ارجعون فلا تجاب.
فيقوم من قبره وهو أنشط ما يكون ليباشر عمله الصالح.
يقول الله في الحديث القدسي: (يا بن آدم! خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت لك برزقك فلا تتعب) ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦].
من ثمار الدين أن ينزع الله من قلبك القلق ويعطيك الطمأنينة؛ لأنك تعمل للآخرة، وعندك مؤهلات ترجو النجاة بها في الآخرة؛ فيحصل في قلبك الأمن، وهو الذي يقول الله فيه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النحل:٩٧] ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] ما هي الحياة الطيبة؟! يأكل برتقالاً أبو سرة، وتفاحاً أبو دمعة، وموزاً أبو نقطة، هذه ليست بحياة طيبة؛ هذه حياة الكلاب والحمير، أما إذا كان هناك دين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢] لكن إذا لم يكن هناك دين ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات:٤٦] ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥] الطريق يمر بمنكر ونكير ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٦].
فثمرة من ثمار الدين أن الله يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] اللهم إني أسألك من فضلك ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] يعني: في الآخرة.
стр. 1797
مثال لمن وجد حلاوة الإيمان في الدنيا
يقول ابن القيم ﵀ في كتابه الوابل الصيب من الكلم الطيب -اقرءوه فهو عظيم جداً- يقول: كنا إذا ضاقت بنا الدنيا وسبلها، ونحن طلقاء قمنا بزيارة الشيخ أحمد بن عبد السلام بن تيمية الحراني (شيخ الإسلام) وهو مسجون في سجن القلعة في دمشق، يقول: فوالله ما هو إلا أن نراه حتى يسرى ما بنا من هموم، وهو المسجون، لكنه مع الله، تجد المتروكين تأتي لهم الهموم، والذي مع الله وهو مسجون يعيش في آفاق واسعة من الراحة والأمن.
يقول: فإذا سلمنا عليه قال لنا: المسجون من سجن عن خالقه، والمأسور من أسره هواه وشيطانه، ويقول: ما يصنع بي أعدائي، ماذا يصنعون بي؟ أغلى ما عندهم هي أقصى أمنية عندي، يقول: إن سجني خلوة بربي، وإن ترحيلي وتسفيري سياحة في أرض ربي، وإن قتلي شهادة للقاء ربي, ويقول: ماذا يفعلون بي؟ هل عندهم أعظم من هذا، إما أن يكون سجناً، أو ترحيلاً، أو قتلاً، وكلها أمنيات للمؤمنين.
ويقول أحد السلف: مساكين أهل هذه الدنيا، جاءوا إليها وخرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: التلذذ بعبادة الله.
ويقول ابن تيمية ﵀: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
ما هي جنة الدنيا؟ التلذذ بالعبادة، وطاعة الله.
هذه -يا إخوان- لا تباع في الصيدليات ولا (السوبر ماركت) ولا يأخذها أهل العضلات والريالات، لا يأخذها إلا أهل الإيمان، في بقالات الإيمان ومستشفيات القلوب في المساجد، ومن كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، تريد هذه البضاعة ادخل وراجع العلماء واجلس عند أقدامهم، واقرأ كلام الله واقرأ سنة رسول الله ﷺ ، وداوم على المراجعة في المستشفيات، وامض في الطريق وسوف تجد طعم الإيمان.
له طعم ولذة ليست في الدنيا.
لذة الإيمان بالله والحب لله وفي الله لا توجد في ملذات الدنيا كلها، الحياة بغيره عذاب وجحيم، الذي لم يجرب فليجرب، التجربة كما يقولون: أكبر برهان، لو أنكم لا تعرفون التفاح، وجعلت أصف لكم التفاحة بكل أسلوب بياني فإنكم لا تفهمونها، لكن لو قطعتها وأعطيت كل واحد قطعة، وقلت: ذق طعمها، فإنه يعرف طعم التفاح بدون إجابات أو بيانات، وكذلك نقول للشباب: ذوقوا طعم الإيمان، سيروا في طريق الإيمان، تذوقوا طعم الحياة، طعم الحياة ليس في الأغاني، ولا النظر المحرم، ولا اللعب، ولا الزنا، ولا الغناء، ولا الربا، ولا الخمور، ولكن طعم ولذة الحياة في الإيمان بالله والعمل الصالح، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [مريم:٩٦].
стр. 1798
أثر الحب والبغض في تحصيل الإيمان
وأعظم شيء بعد ذلك الحب في الله والبغض في الله، وهو عنوان هذه الجلسة: "لقاء مع الأحبة" الحديث الصحيح يحدث به أنس بن مالك يقول: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ ، فقال: (يا رسول الله! متى الساعة؟ فأعرض عنه حتى انتهى من كلامه، ثم قال له: أين السائل عن الساعة؟ قال: هأنذا يا رسول الله! -فالرسول ﷺ مرب عظيم- قال: ما أعددت لها؟ فقال الرجل: -بتواضعه وبصفاء قلبه وبولائه الكامل لله ولرسوله-: لا شيء يا رسول الله! غير أني أحب الله ورسوله) ما قال الصلاة ولا الصوم، بالطبع هو يصلي ويصوم ويجاهد، لكن يقول: أعددت شيئاً يمكن أن ينفع، أما صلاتي وصومي فلا أعلم هل تقبل أو لا تقبل.
نحن الآن نعمل ولا ندري ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧] ولما نزل قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠] قالت عائشة كما في صحيح البخاري، قالت: (أهو الذي يزني ويسرق ويقتل ويخشى الله؟ قال: لا يابنة الصديق، إنه الذي يصوم ويصلي ويحج ويتصدق ويخشى ألا تقبل) فالرجل يقول: لا شيء عندي من مؤهلات للآخرة، لكن عندي شيء أستطيع أن أثق فيه وهو أني أحب الله ورسوله، فقال ﵊: (أنت مع من أحببت.
يقول أنس: فما فرحنا يومئذ بأعظم من ذلك) ونحن نشهد الله أننا نحب الله ورسوله.
ولكن لا بد أن نقيم على هذه المحبة أدلة، الذي يدعي أنه يملك عمارة لا بد أن يكون عنده حجة استحكام، صك شرعي، لكن لو ذهب أحد منا وهو مفلس إلى عمارة من العمارات الكبار التي تناطح السماء وقال: هذه لي، كيف لك؟ قال: لي والله لا يأخذها أحدٌ غيري، يقولون: أين الحجة؟ قال: ما عندي شيء، قالوا: اذهب هذه العمارة لا تأتي إلا بحجة، وبعضنا يريد الجنة بغير حجة، يريد الجنة وهو دجال ليس عنده من العمل الصالح شيء، ويريد محبة الله وهو عدو لله، يقول الشاعر:
تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب طيع
يقول ﵎: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] إذا كنت تحب الله ورسوله فإن آثار المحبة تظهر على تصرفاتك، لو أنك في البيت في الصباح جاءتك (المعزبة) أو المعذبة! أحد الإخوان يقول: المعذبة وليست (المعزبة)؛ لأن طلباتها لا تنتهي، وكلما حققت لها أمنية فطموحاتها أكثر من دخلك وإمكانياتك، كلما رأت شيئاً، قالت: نريد ذلك الشيء، فتقول: يا بنت الحلال! تريدين كل شيء وأنا ما عندي كل شيء، هذه اسمها معذبة، ولذا يقول العلماء: لا تنكح من النساء أنانة، ولا منانة، ولا حنانة، ولا شداقة، ولا حداقة، ولا براقة، ما هذه الطلاسم؟! الأولى: لا تنكح أنانة، ما هي الأنانة؟ هي كثيرة التشكي، كلما دخلت ترى رأسها مربوطاً، ماذا هناك؟ قالت: صداع -أعوذ بالله- هذا بيت أم مستشفى؛ لأن بعض النساء تأتي لك بالهمِّ أصنافاً، ولو لم يكن فيها مرض، تأتي بالمرض غصباً، المفروض أن المرأة إذا كانت مريضة تمرض قبل أن يأتي زوجها، إذا جاء زوجها تجعل المرض يذهب، تمرض من الصباح إلى الساعة الثانية والنصف، إذا جاء زوجها تدع المرض قليلاً وتقوم تستقبل زوجها، لكن هذه لا.
مثل (الجنية) طوال اليوم في المطبخ وتكنس، وإذا جاء زوجها قالت: آه، لا تنكح من النساء أنانة أي: كثيرة الأنين والتشكي.
الثانية: ولا منانة، والمنانة التي تمتلك أموالاً أو راتباً تصرف به عليك، تمن عليك كل يوم، إن اشترت شيئاً باستمرار تمن عليك.
الثالثة: لا تنكح حنانة، وهي التي تحن إلى زوج سابق، إذا ابتليت بواحدة قد تزوجت، فقل لها: الماضي ماضٍ، لا أريد أن أسمع ذكره، سواء كان جيداً أو غير جيد.
والرابعة: لا تنكح حداقة، وهذه هي الشاهد من القصة، وهي التي ترمي ببصرها في كل شيء وتقول: أعطني كذا وكذا، إذا مرت من مكان ورأت الأواني المنزلية قالت: نريد ذاك، أو رأت الفرش، قالت: نريد ذاك، رأت الكنبات، قالت: نريد ذاك، فلو عندي عشرة ملايين لقضت على الذي في السوق كله، فهذه اسمها حداقة.
الخامسة: ولا تنكح من النساء براقة، قالوا: البراقة: هي التي إذا كانت على الطعام تبرق بعينها في أيدي الناس، ترى من الذي يأخذ اللحمة الطيبة، ومن الذي لقمته كبيرة، ومن الذي يكثر ومن يقلل، هذه -والعياذ بالله- عينها مثل الرادار.
السادسة: ولا تنكح من النساء الشداقة، الشداقة التي أشداقها وسيعة بالكلام، لسانها مثل (الماطور) أربعة وعشرون ساعة وهي تتكلم، لا تخرج ولا تدخل إلا وهي تتكلم، هذه تعذبك في الدنيا قبل الآخرة.
إذا جاءتك الصباح بالكيس وقالت لك: هذه قائمة الطلبات، كان الأولون يخرج في الأسبوع مرة والآن كل يوم قائمة للطلبات، ويا ويلك إن أحضرت كل الأصناف إلا صنفاً واحداً، ومن ثم قلت لها: انظري يا فلانة! الله يبارك فيكِ نحن إخوان والمحبة في القلوب، ولا يوجد داعٍ لهذا الكيس كل يوم، أنا والله أحبك مثل عيني لكن لا أريد الكيس، ماذا تقول لك؟ أتصدقك؟ تقول: لا والله لو أنك تحبنا لملأت الكيس بالمصاريف.
وكذلك نحن نقول لمن يحب الله ورسوله: لا بد أن يملأ ميزانه عملاً صالحاً، أما أن يحب الله وهو يعصيه، يحب الله ورسوله والأغاني في السيارة والبيت، ويحب الله ورسوله ويحلق لحيته، ويقول له الحلاق: نعيماً -الله لا ينعم عليك- على ماذا نعيماً؟ تحلق لحيتي وتزيل معالم الرجولة من وجهي وتأخذ أموالي، وتقول: نعيماً، بل جحيماً وليست نعيماً، يقول: إنه يحب الله ورسوله وهو ينظر إلى الحرام، ويحب الله ورسوله وهو يأكل الربا، ويحب الله ورسوله وهو لا يصلي في المسجد الفجر ولا العشاء، وربما يصلي بعض الأوقات، يحب الله ورسوله وهو عاق لوالديه، ويحب الله ورسوله وهو قاطع لرحمه، يحب الله ورسوله وهو مؤذ لجيرانه، هذا كذاب وليس بصادق.
стр. 1799
علامة محبة الله ورسوله تقديم طاعتهما
إن الذي يحب الله ورسوله يحب أوامر الله ورسوله، ورد في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄، قال ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) أي: أن طاعة الله مقدمة ومحببة إليه قبل كل شيء، ولذا إذا تعارضت أوامر الله مع أوامر أي مخلوق كائناً من كان، يُقدم أمر الله، لا يوجد مفاضلة ولا مقارنة بين أمر الله وأمر أحد.
من الناس من يريد أن يحجب زوجته، فإذا قال لها: الحجاب هذا أمر الله، نحن سمعنا في المواعظ والندوات أنه يلزمك أن تحتجبي عن الرجال الأجانب، وأخص الأقارب الذين هم غير محارم: الحمو وابن العم وابن الخال وابن العمة وابن الخالة، والأقارب الذين ليسوا بمحارم؛ لأنهم الحمو وهم الموت، فالمرأة حينما تسمع الكلام هي أحد امرأتين: إما صالحة مؤمنة تخاف الله، وترجو ما عند الله، وتقول: جزاك الله خيراً، والله أنا لا أريد التكشف ولا التبرج، هذه جوهرة نفيسة.
أو قد تكون امرأة فاجرة لا تريدك لوحدك، تريد أن تتكشف لك ولغيرك، وأنت تريدها لك، وهي تقول: أريد أن أكون لك ولغيرك، ماذا تقول لك؟ تقول: ماذا فيك؟ من الذي أخبرك بهذا الكلام؟ تريد أن تتدين الآن، أنا بنت فلان لا أحد يقول عليَّ شيئاً، لو أمشي بين (الطوابير) فلا أحد يقول في عرضي شيئاً، وأنت تريد أن تضع العيب عليَّ، تريدني أن أغطي وجهي، فتحدث له المرأة بالكلام هذا هزة ورجة، إن كان ثقيلاً وصاحبَ إيمان ومن طلاب الآخرة، قال: ليس عندي لعب، إما الحجاب أو الباب، هذا إن كان مؤمناً من أهل الجنة ومن أهل الآخرة إن شاء الله.
وإن كان مهزوزاً ضعيفاً، هزته ورجته، قال: صدقتِ والله، الدين في القلوب، والله إنكِ صادقة، وأنتِ فيكِ خير يا بنة الحلال، فهذا مسكين، لماذا؟ لأنه قابل أمر الله بأمر المرأة، وتغلب أمر المرأة عليه، تغلب أمر المرأة على أمر الله فهذا عبد الزوجة (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميلة، تعيس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش).
ما هي العبودية؟ العبودية طاعة، إذا أطعت أحداً من دون الله فهذه عبودية في معصية الله، فلا يجوز لك أن تقابل أمر الله ﵎ مع أمر غيره، بل الأمر الأول والأخير لله ﵎.
(أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله) يبني علاقاته مع الآخرين على أساس من عقيدته ودينه، فلا تربطه بالناس رابطة نسب، ولا مال، ولا زمالة عمل، إنما رابطة عقيدة ودين، فصاحب الإيمان أخ له ولو كان من بلاد الهند، وصاحب الكفر عدوٌ له ولو كان أخوه من أمه وأبيه، لماذا؟ لأن جنسية المسلم عقيدته، وهويته إيمانه ودينه، هذا معنى المؤمن الذي يحب المرء لا يحبه إلا في الله.
ولكن احذر الشباب الملتزم الطيب، لأن من الناس من يلبس في قضية الحب في الله، ويجعل ظاهرها حباً في الله وباطنها حباً في الشيطان، يحب زميلاً له؛ لأنه معجب بصوته وبشكله؛ أو لأنه يأخذه بالسيارة يمشيه؛ أو لأنه يغديه ويعشيه، فيحبه، ويقول: أحبه في الله، لكن لو انقطع العشاء لم يعد يحبه في الله، ولو انقطعت التمشية لا يحبه، لا.
الحب في الله هدف، وهذه كلها حواشي جاءت أو ذهبت.
والثالثة قال: (وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار) وهذه تمثل قاعدة الثبات على دين الله، ليس عنده تراجعات، فيمشي للأمام ولا يعرف الخلف، لكن (المبنشر) ليس عنده إلا الخلف، الشيطان يسحبه ويرمي به في جنهم والعياذ بالله.
المحبة في الله (إكسير) الدنيا، وطعم الحياة؛ ولذا كان العنوان "لقاء مع الأحبة" وما دمنا في لقاء الأحبة، فإنه يحسن أن نضع بعض الوصايا التي ينبغي أن نوصي بها الأحبة:
стр. 1800
وصايا للأحبة
أول وصية أسوقها إلى إخوتي في الله الذين يسيرون في الطريق في البدايات؛ لأن البدايات هذه فيها الخطورة، ومن ثم إذا سلك الطريق وصل.
стр. 1801
الثبات على دين الله وأسبابه
أولها: الثبات على دين الله، وللثبات على دين الله أسباب كثيرة منها: أول وأعظم سبب: الاعتصام بكتاب الله، إذ لا يمكن أن يزيغ من كان مع الله في كتابه، والدليل قوله في سورة الفرقان: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان:٣٢] ماذا قال الله؟ قال: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان:٣٢] فالقرآن وسيلة عظيمة من وسائل التثبيت، ومما يحز في النفس أن نسمع أن من إخواننا الطيبين من يمر عليه الشهر دون أن يختم القرآن، وهذا يعتبر هجراً لكتاب الله، أقل ما يمكن أن تختم في كل ثلاثين يوماً مرة واحدة، أن يكون وردك اليومي جزءاً من كتاب الله، أقل شيء وهذا الحد الأدنى، بعده اختم في كل شهر ثلاث مرات، اختم في كل عشرة أيام مرة، اختم في كل أسبوع مرة، اختم في كل ثلاث أيام مرة، ولا تزد على ذلك؛ لأن من قرأه في أقل من ثلاث لا يفقهه، ومن مكث ثلاثين يوماً ولم يقرأه فيخشى عليه أن يكون ممن قال الله فيهم: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان:٣٠].
وطبيعي أن كل واحد منكم يعرف نفسه: هل هو يقرأ بمعدل جزء في اليوم أم لا؟ لا بد أن تقرأ في كل يوم جزءاً، كيف ذلك؟ أحد الإخوة عنده طريقة لطيفة جداً، فيبدأ التلاوة مع أول الشهر، مثلاً اليوم في الشهر أربعة عشر، فيقرأ في هذا اليوم الجزء الرابع عشر، غداً يقرأ الجزء الخامس عشر وهكذا، كل يوم من أيام الشهر يقرأ جزءاً من أجزاء القرآن، إذا كان الشهر ثلاثين أكمل الثلاثين مع الشهر، وإذا كان الشهر تسعة وعشرين ففي يوم تسعة وعشرين يقرأ جزأين التاسع والعشرين والثلاثين، ثم يبدأ أول يوم في الشهر وهو في الجزء الأول يحل ويرتحل مع الله، هذا أمان من الانحراف والضلال.
ويقرأ قراءة مع التدبر، قال ابن مسعود ﵁: [لا تقرءوا القرآن كقراءتكم للشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، ولكن قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب] فتقرأ القرآن بتدبر وترتيل وتفهم، وإذا أشكل عليك شيء من كلام الله وفهمه، من سبب نزول أو تفسير لآية فارجع إلى كتاب عظيم اسمه أيسر التفاسير للشيخ أبو بكر الجزائري؛ لأنه عالم اطلع على كل التفاسير وجمعها وأتاك بالزبدة ووضعها لك، فقط اقرأ وتمتع، لا تتعب أبداً، وهو عالم موثوق صاحب عقيدة وأخلاق وسلوك، ولا نزكي على الله أحداً، نحسبه كذلك والله حسيبه.
يكون معك مصحف في سيارتك ومكتبك ورأسك، وأنا أرى أن أحسن وقت للتلاوة بعد صلاة الفجر أو بعد صلاة العشاء عندما تريد أن تنام، أو في أوائل الصلوات، أي: تأتي قبل الظهر، والعصر، والمغرب بنصف ساعة فتصلي ركعتين ثم تقرأ القرآن وتستعد، فتقام الصلاة وأنت منشرح الصدر، لكن بعض الناس يجلس إلى أن تقام الصلاة ثم يأتيك وكأنه مطارد، أين أنت يا أخي؟! ماذا يمنعك؟! الشيطان يلعب بك ويلبس عليك ويقول: اصبر اصبر، لا.
الأصل أن تأتي قبل أن يؤذن المؤذن، يقول أحد السلف: لا تكن عبد سوء لا يأتي إلا حين يدعى.
كلنا الآن عبيد سوء إلا من رحم الله، لا نأتي إلا بالداعي، بينما سعيد بن المسيب ﵀ يقول: [منذ أربعين سنة ما سمعت النداء من خارج المسجد، ولا نظرت إلى ظهر مصلٍ] لا يعرف إلا الصف الأول، فهؤلاء عباد الله الصالحين، فلا بد أن تقرأ القرآن.
هذه واحدة.
الثانية من وسائل التثبيت: دراسة قصص الأنبياء، لأن قصص الأنبياء فيها عبرة: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان:٣٢] ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١] وأنت تأخذ دروساً عملية ليست من نسج الخيال، ولكن من واقع التطبيق العملي على يد أشرف فئة اختارهم الله من خلقه وهم الأنبياء، وتأخذ منهم القدوة، تأخذ القدوة في العصمة من يوسف، حينما قالت له امرأة العزيز: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف:٢٣] ماذا قال: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف:٢٣] فقط.
فإذا كان هناك امرأة أشارت لك أو اتصلت بك، قل: معاذ الله.
أن تصنع هذا الفعل الشنيع، أو أن تتصل بالكلام الباطل، أو أن تنظر إلى الحرام، تأخذ القدوة من كل الأنبياء، يقول الله : ﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود:١٢٠].
الثالثة من وسائل التثبيت: فعل أوامر الله وترك نواهيه، فلا تترك لله أمراً، ولا ترتكب لله نهياً، ما هو الدليل؟ قال : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ [النساء:٦٦] أعظم تثبيت لك على الإيمان أن تفعل ما وعظك الله به، من فعل طاعة وترك ومعصية، أما أن تترك الطاعات وترتكب المعاصي وتقول: أريد من الله أن يثبتني، فلا.
كيف يثبتك وأنت لم تثبت؟! اثبت يثبتك الله؛ لأن الله يقول: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم:٢٧] ما قال: يثبت الله الذين كفروا، أو الذين ضلوا، أو الذين زاغوا وانحرفوا، لا.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
الرابعة: الدعاء: وهذا هدي الرسول ﷺ ، كان يقول: (يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على طاعتك) فباستمرار اجعل هذا الدعاء في صلب دعائك، في الليل والنهار والسجود والسحر، وكل مناسبة، قل: يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على طاعتك، وقد ذكر الله هذا عن عباده المؤمنين الذين يقولون: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨].
стр. 1802
الالتفاف حول العلماء والرجوع إليهم
الوصية الثانية: الالتفاف حول العلماء.
حذار أن تسيروا في طريق ليس معكم فيه عالم يدلكم على الله؛ لأن العالم خبير بالطرق، يعرف كيف يفرق، لكن إذا مشيت وأنت غشيم أو طالب علم، يسهل على الشيطان إضلالك، ولذا لا بد من أن تلتف حول عالم رباني تثق فيه، وإذا أشكل عليك شيء فتقول له: الأمر كذا وكذا فما هو الحل، لا تتصرف من عندك، وإن قوماً شككوا في قدرة العلماء وزعزعوا قدرة المسلمين في العلماء، فكانت نهايتهم الهلاك، لماذا؟ لأن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في الذين ينالون منهم معلومة، العلماء واجهة الإسلام والدين، فالجأ إليهم وتعرَّف عليهم، العالم ينظر إلى المسألة من منظور واسع، ويعرف الدليل والمطلق والمقيد، والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ، ما صحة هذا الدليل؟ لكن طالب العلم يأخذ الدليل ويحدث منه الخطأ في فهمه فكان لا بد أن يتعلم العلم على يد عالم حتى لا يخطئ.
هل سمعتم بأن ممرضاً تخرج من معاهد التمريض يعمل عمليات؟ ما رأيكم؟ لا يعمل عملية، ما هي مهمة الممرض؟ يضرب إبرة، وإذا جاء على جرح صغير فقط يكشف عليه ويضع عليه مرهماً أو مطهراً فقط، لكن إذا كان الجرح عميقاً أو المرض خطيراً فماذا يقول؟ يقول: والله هذا ليس عملي؛ اذهب للطبيب! والطبيب العام يقول: هذه ليست لي اذهب للجراح، والجراح يقول: والله لا أستطيع اذهب للأخصائي، لماذا؟ لأن الجرح عميق.
هذا حماية لأجسادنا، لكن لديننا، لا.
كل واحد طبيب وجراح يشق البطون ويحدث ديناً، ولم نسمع من يقول: اذهب للشيخ أو للعالم؛ لأنه يخجل، لو قال: اذهب للشيخ معناه أنني لست بعالم، وأنا أريد أن أصير عالماً (مع الخيل يا شقراء) وهو أجهل من ثور أهله، فيضل الناس بغير علم.
أحد طلبة العلم سمع حديثاً عن رسول الله ﷺ وفهم منه غير مراد الرسول ﷺ منه وتوفي في القرية رجل ولما أراد الصلاة عليه جاءوا بهذا الشاب المؤمن، وقالوا له: صل صلاة الجنازة، فلما تقدم ليصلي قال لهم: هل عليه دين؟ قالوا: نعم.
قال: ولا يُصلى على مديون، ادفنوه بلا صلاة، فدفنوه بدون صلاة، وبعد ذلك أهل القرية قالوا: كلنا علينا ديون، أجل كلنا لا يصلى علينا، وجاءوا يسألون، قلت: أين الأخ؟ قالوا: هذا موجود معنا، قلت: كيف -يا أخي- قلت هذا؟ قال: ألم يقول الرسول ﷺ قال: (ما أنا بالذي أصلي على مدين) قلت: لكن ماذا قال في الحديث؟ قال: (صلوا على صاحبكم) أخذ نصف الحديث فقط، الحديث: أنه تقدم للصلاة على جنازة فقال: (هل عليه دين، قالوا: نعم.
قال: صلوا على صاحبكم ما أنا بالذي أصلي على مدين، فتقدم أبو قتادة، فقال: يا رسول الله! الدين عليَّ، فصلى عليه النبي ﷺ لأن صلاة الرسول شفاعة لا ترد، والدين مانع من دخول الجنة إلا بعد القضاء، فما أراد الرسول ﷺ أن يشفع في شخص عنده مانع من دخول الجنة، بعد فترة جاء أبو قتادة وقال الرسول له: (يا أبا قتادة! ما صنعت الدرهمان؟) يعني الدين.
قال: (يا رسول الله! ما مات إلا أمس، فسكت، لما جاء اليوم الثاني جاء، قال: ما صنعت الدرهمان؟ قال: قضيتها يا رسول الله! قال: والذي نفسي بيده الآن بردت عليه جلدته) فأخونا قال: لا تصلوا، وبعد ذلك قمنا كلنا وذهبنا نصلي عليه في المقبرة؛ لأن صلاة الجنازة تجوز على الميت في المقبرة، حتى لا يأتي شخص فيقول: لماذا.
الصلاة في القبور لا تجوز؟ الصلاة في القبور التي فيها ركوع وسجود لا تجوز، أما صلاة الجنازة فتجوز؛ لأن الرسول ﷺ صلى على المرأة التي كانت تقم المسجد في قبرها.
فنريد فهماً متكاملاً لدين الله، لا نريد أنصافاً ولا شذوذاً، ونريد مع هذا الفهم نوعاً من اللطف، وعدم الحدة، وبعد ذلك تعذُر الناس، إذا رأيت شخصاً معه دليل ويخالفك احمله على المحمل الحسن، ولا تقم معركة بينك وبينه، هو له رأيه وأنت لك رأيك ودليلك، ولا تلزمه ولا يلزمك، فهذه وصية -يا إخواني- (أن نلتف حول العلماء)، والحمد لله بلادنا مملوءة بالعلماء الصالحين، ولا نزكيهم على الله، فهم الذين تطمئن إليهم قلوبنا، ونأخذ كلامهم كالثلج على القلوب؛ لأن فيهم القدوة، والصلاح، والعلم والعمق في الدين.
هل تعلمون أن هناك بعض البلدان الإسلامية يفتقر فيها الشباب إلى العلماء القدوة؛ لأنه يريد أن يستفتي الشيخ وإذا بالشيخ يعمل المنكر، ويرى ابنة الشيخ تغني وترقص، ويجد الشيخ حالقاً للحيته، يقول لي أحد الشباب: ذهبت إلى عالم أريد أن أسأله في الدخان، ويوم أن دخلت وجلست عنده وقبل أن أتكلم قدم لي الدخان، يقول: تفضل، يقول: كيف أسأله وهو يرحب بي بالدخان؟! لكن -الحمد لله- في هذه البلاد لا تزال فيها علماء قدوة نقتدي بهم، لكن المهم أن تحتك.
стр. 1803
عدم العزلة عن الناس ودعوتهم
الوصية الثالثة: عدم العزلة عن الناس.
هناك شباب طيب يقول: الناس ليس فيهم خير، وينعزل ويجلس بعيداً عن الناس، وتؤدي هذه العزلة إلى أن تتولد لديه نظرة خاطئة عن المجتمع؛ لأنه كلما ازداد بعداً ازدادت رؤية الغلط عنده، وبالتالي كلما زاد ابتعاده فإنه ينظر إلى المجتمع على أنه ليس بمسلم، بينما المجتمع مسلم وبخير، والمنكرات والمعاصي موجودة في كل زمان ومكان، وليست طريقة أنك تبتعد، وما بعث الأنبياء في الصحاري والجبال والقفار، كل نبي بعث في قومه، يدعوهم ويصبر على أذاهم ويبلغهم دين الله، وأنت يجب أن تصبر بشرط أن يكون عندك عزلة واتصال، عزلة شعورية عملية عن المعاصي، فلا تجلس معهم فيها، واتصال معهم في الخير، تكون في اجتماعاتهم وجلساتهم وندواتهم وعزائمهم وسمراتهم وتبلغ الخير، لكن لا تشاركهم في المنكر.
أما أن تتخذ منهم جانب الانعزال؛ ونصبح في يوم من الأيام لنجد أن المجتمع انقسم إلى قسمين فهذا خطأ، لا يصح.
стр. 1804
دعوة الأقارب وغيرهم
الأمر الرابع: أن يبدأ الشاب الإصلاح من بيته، أي: يبدأ بأمه وأبيه؛ لأن من الشباب من إذا التزم واهتدى هجر بيته، ولا يأتي البيت إلا من الليل إلى الليل، يخرج مع الفجر ويرجع الساعة الثانية عشرة لينام، فترى الأم والأب أن في هذه الهداية ضرراً كونها خسرتهم ولدهم، وولدهم عندهم غالٍ، قالوا: والله الولد من يوم أن اهتدى لم نعد نراه، إذاً لا نريده يهتدي، نريده أن يجلس في البيت، المفروض بمجرد أن اهتديت والتزمت أن تعطي للبيت أكثر مما كنت تعطي في الماضي، وأن تشعر أمك وأباك وإخوتك بأنك إنسان جديد، أثرت فيك الهداية والالتزام وجعلتك أكثر عطاء وإنتاجاً واحتكاكاً واهتماماً بمشاكل الأسرة وخدمة البيت منك في الماضي، فتلازم البيت بالليل والنهار، ولا تخرج إلا للصلاة، أو لحضور جلسة علم، أو لزيارة أخ في الله وعلى فترات متباعدة: (زر غباً تزدد حباً) لأن بعض الشباب يكثر الزيارة لإخوانه، كل يوم وهو عند فلان، كل يوم وهو جالس معه، حتى إن أهله يقولون: جاءنا رفيقك، لكن لو جعلتها كل عشرة أيام، أو خمسة عشر يوماً وجئت تزوره مرة، جلست معه جلسة مفيدة على كتاب علم، أما كل يوم وهو في جلسة، (وسوالف) وضحك وكلام، ماذا قال فلان وماذا قال علان، وليس هناك مصلحة، فهذا غلط لا يصلح، اجلس في البيت باستمرار، بعد ذلك قدم خدمة للأب، إذا رأيت أن أباك يريد أن يباشر أي عمل من أعمال الأسرة قل: يا أبت! أنا أكفيك هذا العمل، يذهب ليقضي حاجة، يقول: ماذا تريدون؟ قالوا: نريد كذا وكذا وكذا، قل لهم: أنا آتي به، يقولون لك: لا تعرف، لا.
والله يا أبي لابد أن أعرف، أريد أن أعرف أنني رجل؟ سوف يقول لك: يا ولدي ترى أصحاب السوق هؤلاء يزيدون في الاسعار فانتبه، قل: حدد الأسعار وأنا آتي بالاجة بأقل سعر، يعطيك الكشف وتأخذ النقود، وتنزل إلى السوق ولا تشتري إلا بأقل سعر، وأجود بضاعة، وبعد ذلك ترجع إلى أبيك وتسلم البضاعة كلها، وتقول: يا أبي! أخذنا (برتقالاً) بخمسة عشر، وأخذنا (اليوسفي) بعشرة، وأخذنا (بطاطساً) بعشرة، المجموع: مائة وعشرون ريالاً وأنت أعطيتني مائة وخمسين بقيت ثلاثون تفضل، يقول أبوك: خذها لك، لا والله لا آخذها ماذا أعمل بها، يا أبي الذي في جيبك في جيبي، ما رأيك في أبيك هذا يحبك أم لا؟ لكن بعض الأولاد إذا أرسله أبوه قال: مشغول، عندي موعد، عندي التزام، يتهرب، فإذا ذهب مرة وأرسله أبوه أخذ النقود أعطاه أبوه مائتي ريال وذهب إلى السوق وما نزل من السيارة بل يدعي الحمال من هناك: يا ولد أعطني (كرتون) برتقال، أعطاه (كرتوناً) من أخس (الكراتين) وبكم؟ قال: بأربعين ريالاً، قال: تفضل، وأعطني صندوقاً من الطماط، قال: بكم؟ قال: بخمسين ريالاً، (خايس) ورجع البيت دخل على أبيه أين المقاضي؟ قال: تفضل، بكم؟ والله اشتريت بثلاثين وأربعين وعشرين والباقي أريده لي فإني محتاج إليه، ووضع الباقي في الجيب، النقود مائتان والمقاضي لا تسوى ثلاثين ريالاً، ما رأيك هل يرسله مرة ثانية؟ لا والله لا يرسله، يقول: (تعب الساق ولا تعب القلب) أنا سأذهب لأشتري الحاجيات بنفسي والله يعينني على هذا الولد، وبعد ذلك تأتي تقول له، وأنت قد أخذت النقود عليه، واشتريت له (برتقالاً) فاسداً (وطماطاً) فاسداً، تقول له: يا أبي الصلاة الدين الالتزام، يقول: اذهب يا كذاب، يا سارق النقود، اذهب أنت ودينك، لا أحد يعتمد عليك على شراء (طماط)، وتريد مني ديناً، اذهب يا دجال، وبعد ذلك يكرهه ويكره الدين؛ لأنك صورت الدين أن هذا خُلُقُ الدين، لكن لو أنك صادق في معاملتك، وخدوم لأبيك، إذا جاء رجل فإذا بك موجود تصب القهوة، إذا طرق الباب أحد فإذا بك موجود ترد، وتفتح الباب، وتخدم من في البيت.
وبعد ذلك جاء وقت المغرب قلت: يا أبي! قالوا هناك ندوة للشيخ الفلاني في المسجد الفلاني، فماذا يقول أبوك، يقول: صدقت جزاك الله خيراً، إي والله يا ولدي نذهب إليها، ما معنا إلا الله والآخرة؛ لأنك أعطيته خدمة، وأمانة، وبذلاً، ولا بد أن يعطيك هو، لأن التبادل في المصالح حاصل في البشر كلهم، لكن أنت تأخذ منه ولا تريد أن تعطيه، لا يقبل منك، واليوم الأول والثاني يأتي معك، ويصبح في يوم من الأيام وهو مهتد وكانت هدايته على يديك.
عظيم جداً -يا أخي- أن تأتي يوم القيامة بأبيك وأمك في ميزانك، أم أنك لا تريد؟ فما رأيك المسئولية على من؟ من تتصور أن يقوم بهذا الدور؟ ومن تتوقع منه أن يدخل على أمك ليهديها في البيت إذا أنت لم تقدر على هدايتها؟ وبعض الناس يأتي على أمه فلا يعاملها معاملة حسنة، بل يكون كلاً عليها في تغسيل ملابسه، وترتيب غرفته، وتنظيم كتبه، وبعد ذلك لا تجد منه منفعة أبداً إلا الأوامر، أما الأوامر ما شاء الله، فهو مثل ضابط في الجيش، قوموا اقعدوا هذا حرام هذا حلال لا تعملوا فكوا قولوا، والأوامر هذه لا تنفعك -يا أخي- لأنك أنت في موطن الضعف والقلة، لست الأب ولا صاحب الأسرة، فلا يسمع أحد أمرك؛ لأن من عرفك صغيراً حقرك كبيراً، فيرفضونك وبالتالي يرفضون الدين، وتتولد عندهم عقد ضد الإسلام وضد الدين، وأنت السبب.
أحد الشباب جاءني مرة يشكو أمه، يقول: إذا شاهدتني ودخلت رفعت صوت الأغاني، وإذا خرجت للسوق فإنها تتبرج كي تعاندني، يقول: وضدي، إذا قلت لإخواني صلوا تقول: لا تصلوا، قلت: كيف سلوكك معها؟ فإذا به من هذا الطراز الذي هو أوامر بس، قلت له أولاً: لا تقل لها من الآن ولا كلمة، أنت نفسك خذها بالكمال أما هي فلا، بعد ذلك قم بخدمتها، قال: كيف أعمل؟ قلت: إذا تغديتم وقامت لتأخذ الصحون، قل: والله لا يأخذها إلا أنا اليوم، دعيني أتعلم، ربما غداً أصير عزوبياً فلا أدري كيف أعمل، وخذ الصحون، قل لها: أنتِ عليك الطبيخ وأنا عليَّ الصحون باستمرار، وعند تغسيل القدر ضع ماءً حاراً وماءً بارداً وقليلاً من الصابون واغسله واغسل يديك وانتهيت، واسكت فقط اغسل الصحون باستمرار، وإذا رأيتها تكنس في غرفة، فادخل الغرفة الثانية قل: والله لا يكنس هذه الغرفة إلا أنا، والكنس آلة تدفعها أمامك لا يوجد تعب ولا شيء، إذا جاء الغسيل قل: المفروض أنا الذي أغسل ثيابكِ، ولا تغسلين ثيابي أنت، لا يغسل اليوم إلا أنا وأنت فقط علميني كيف؟ وبعد ذلك قم بالخدمة لها، وانظر ما ترى.
يقول: عملت العملية هذه، وبعد أسبوع أو عشرة أيام، وإذا بأمه تتغير نحوه، وإذا بها تقول: الحمد لله الذي هداك يا ولدي، (تعتبر الهداية تغسيل الصحون) قال: الحمد لله يا والدتي، قالت: يا ولدي ما رأيك في الأغاني هذه والله إني أكرهها؟ قال: ليس فيها شيء تريدين أن تسمعيها اسمعيها، أما أنا لا أحبها، قالت: والله لا أسمعها من أجل خاطرك.
وبعد ذلك قالت له: ما رأيك في السوق؟ أنا دائماً أخرج أقضي أغراضي، قال: والله ليس في ذلك شيء، المهم أن تتحجبي، قالت: أعوذ بالله من السوق هذا والله لا ينزله إلا الذين ليس فيهم خير، لو تشاهد يا ولدي! ما فيه من منكرات، والله يا ولدي! إن فيه منكرات تشيب منها الرءوس، ونعرف أنك كنت تتضايق ولكن والله لا أذهب إلى السوق، سبحان الله! من أجل غسيل الصحون، طيب هذه الإيجابية وهي أن تعطي أمك شيئاً من الطاعة والبر والخدمة والإحسان والمعاملة، تأخذ منها ماذا؟ هداية، وطاعة لله ورسوله، ومعاونة لك على الدين، بعض الشباب هجر أهله وسكن في صندقة أو في عزبة مسجد، ماذا بك؟ قال: أهله فيهم فاسد، والله أنت الفاسد، والله لو أن فيك خيراً لكان أول خيرك يأتي لأهلك، أهلك ليسوا كفاراً -يا أخي- صحيح لو أننا في وسط اجتماعي كافر، يعني كان أبوك كافراً لا يعرف الله، هناك له حكم، أما أن يكون أبوك مسلماً وأمك مسلمة لكن عندهم ذنوب ومعاصٍ، ولم تستطع أن تعالج الذنوب، بل زدتها، تريد أن تكحلها فعميتها.
فنقول للشباب: عودوا إلى مراكزكم، وبيوتكم وطاعة آبائكم وبر أمهاتكم، والإحسان إلى جيرانكم وأقاربكم، اذهب لرحمك وادخل عليه، أحد الناس يقول: إن له رحماً يشرب (الشيشة) يقول وكلما دخلت عليه ورأيت أنه قد خرج أخذت الشيشة ورميتها في الزبالة، يقول: وآتي فإذا هناك (شيشة) جديدة، يقول: وأرميها، وآتي يقول: ماذا أعمل؟ قلت: سبحان الله! أنت لم تعرف كيف تدعو إلى الله -يا أخي- القضية ليست قضية (الشيشة) (الشيشة) إذا ذهبت يأتي بعشر (شيش) وبعد ذلك هو عارف أنه لا يكسر (الشيشة) إلا أنت، ولذا يعاندك ولا يسمع كلامك، ولا يهتدي وأنت موجود، حتى لو أراد سماع موعظة في مسجد، وأراد أن يهتدي، قال الشيطان: والله سوف يقولون: فلان هو الذي أثر عليك، كثير من الناس الآن يرفض الهداية من أجل عناد شخص من أقاربه؛ لأن الداعية لم يستعمل الرفق واللين معه، قال: ماذا أعمل، قلت: يا أخي! ليس لك علاقة (بالشيشة) (شيشته) له، وما أنت عليه مسيطر ولا لك عليه سلطان، سيطرتك على نفسك، قدرتك على زوجتك وأولادك ومن في بيتك، أما أبوك وأمك وإخوانك وأرحامك وجيرانك وأقاربك ليس لك عليهم سبيل، لك عليهم الدعوة باللطف وبالتي هي أحسن: ببيان الحق، بالصبر على أذاهم، وبعد ذلك إذا غرس الإيمان في قلوبهم بدت آثاره على جوارحهم، أما أن تأتي وتأخذ (الشيشة) هو سيشتري شيشتين، فلا بد -يا أخي- من اللطف مع إخوانك وجيرانك؛ لأن هذا هو هدي النبي ﷺ ، الذي يريد أن يعالج الناس بغير الهدي النبوي يمرضهم، ويزيدهم مرضاً، يقول ﵊ والحديث صحيح: (بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا) الآن العكس، إذا دخل الشخص إلى بيته دخل ذئب على البيت، لا.
نقول: بشر برحمة الله، بشر بأمر الناس إلى طاعة الله، بعد ذلك يسر (ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً) أما إذا كان حراماً فلا.
أما إذا كان كله في دائرة المباح خذ أيسر شي على الناس، خذهم بلطف، أنت قبل أن تهتدي، لو جاءك شخص بالأسلوب الذي أنت عليه مع الناس الآن فإنك لا تهتدي، لو أتاك شخص بالأسلوب هذا وجاءك بالعناد بطريقتك هذه لرفضته، لكن يقول الله : ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْ
стр. 1805
الأسئلة
стр. 1806
حكم الضحك بشدة، وهدي الرسول في الضحك
السؤال
هل يجوز الضحك والقهقهة؟
الجواب
جزاك الله خيراً لا يجوز الضحك بين الأذان والإقامة، لكن الرسول ﷺ كان يتبسم في مجلسه حتى تبدو نواجذه صلوات الله وسلامه عليه، أما الضحك والقهقهة فلا، لكن التبسم مما يتبسم منه فلا حرج في ذلك، هذا هدي النبي ﷺ ، فلا نزيد من الضحك ولا نجمد أنفسنا، وهذا ثابت في الأحاديث الصحيحة.
فضحك حتى بدت نواجذه ﷺ ، (وكان ضحكه تبسماً).
стр. 1807
رفض الفتيات للزواج بحجة الدراسة وتأمين المستقبل
السؤال
أنا شاب مستقيم بفضل الله خطبت أكثر من ثلاث فتيات، ولكنهن رفضن بحجة إكمال الدراسة، فيا حبذا لو وجهتهن بكلمة قصيرة تحذرهن من هذا المنهج السيئ؟
الجواب
هذه لفتة طيبة نهمس بها في آذان النساء: أنه إذا جاء الكفء من الأزواج ألا ترده؛ لأن فيه تهديداً (إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته -وفي وراية: وخلقه- فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) وهناك فتيات جاء الخطاب أثناء الدراسة فقلن: لا.
نريد أن نؤمن المستقبل ونؤمن الدراسة، والدراسة والزواج ليس (شيكاً) في الجيب تخرجه متى شاءت، لا.
قد ينصرف الخطاب عنها حتى تصبح عانساً، والآن هي في سن الأربعين تتمنى أن يأتيها شخص ولو كان يمشي على أربع، ولو أنها تزوجت في بداية حياتها لسعدت ولكان أولادها الآن معها في المدارس يحققون لها مستقبلاً أفضل، لكن جعلت همها الدنيا تقول: أريد راتباً ووظيفة.
فأمهاتك -أيتها المؤمنة- من فاطمة بنت محمد وعائشة بنت أبي بكر الصديق إلى يومنا هذا لم يمتن جوعاً وما كن موظفات، بل الراتب في بعض الأحيان سبب الإشكال بين الزوج والزوجة؛ لأنها بذلك ترفع رأسها عليه، ليس ضرورياً إذا جاءك الزوج الذي ترضين دينه وأمانته فتتزوجين به، واشترطي لنفسك أن تواصلي تعليمك، فإن الزواج لا يمنعك من مواصلة التعليم، وأيضاً أنت -أيها الشاب- لا يمنعك الزواج من مواصلة التعليم، بل سيكون الزواج عوناً لك على مواصلة التعليم، وقد عرفنا بالتجارب أن الذين لديهم أزواج من الشباب هم أنجح الناس في الدراسة؛ لأن المخ موجود، وزوجته أمامه في غرفته، لكن ذاك الذي ليس عنده زوجُهُ مشتت ذهنه، تضيع الأفكار وتذهب في كل وادٍ، تزوج يجمع الله لك خير الدنيا والآخرة.
стр. 1808
الغيرة في النساء وسببها
السؤال
ما هو علاج الغيرة عند الزوجات، إنني أعاني من هذه الغيرة التي قد تحطم حياتي وحياة كل من يعاني منها؟
الجواب
الغيرة شيء طبيعي في النفس وهي متولدة عن الحب، فالمرأة إذا كانت تحب زوجها تغار عليه، ولكن العلاج بأمرين: أمر منك -أيها الزوج- وأمر منها، فالذي منك: أن تبعد نفسك عن مواطن الريبة، لا تكشف على امرأة ولا تتكلم مع امرأة، ولا تجلس مع امرأة، وبهذا تقضي على الغيرة من ماذا تغار؟ هي تغار عليك إذا صرت في مجلس واحد مشترك وشاهدتك تتلفت في امرأة، وتغار عليك إذا سمعتك تتكلم مع امرأة، وتغار عليك إذا رأت منك انحرافاً في السلوك، هذه الأولى.
والتي من المرأة المسلمة: أن ترشد هذه الغيرة، ويقول لها زوجها: أنا أخاف الله قبل أن أخافك، وأنا أراقب الله قبل أن أراقبك، والله لا تمتد عيني ولا أذني ولا يدي إلى حرام، فأنت اطمئني، لكن إذا كان في قلبها خوف منك؛ لأنها لا تضمن سلوكك، حينئذٍ تتولد عندها الغيرة، وإذا تولدت الغيرة، تتولد المشاكل، اضبط سلوكك تنضبط امرأتك، وحياتك، أما أن تنظر في النساء وتتكلم في الهاتف وتقول: يا امرأة لا تغاري، كيف لا تغار عليك؟! أنت لو شاهدت شخصاً يتكلم مع امرأتك أو ينظر إليها ألا تغار عليها، فهي إذاً إنسان مثلك.
أما إذا كان المقصود أن تكون المرأة معها ضرة -والضرة من الضرر- فليس هناك امرأة تحب أن يكون معها امرأة أخرى، لكن الذي شرع هو الله، والذي خلق هو الله، فهو الذي خلق المرأة وشرع الأمر، وأباح التعدد، وهو يعلم أن المرأة تطيقه وتتحمله، ولكن الشيطان يريد إزعاج المرأة وإفساد حياتها، فيأتي ويقول: شاهديه يجلس مع امرأته تلك أكثر، وإذا كنتم جلوساً جميعاً فإنه يضحك لها ولم يضحك لك، يتلفت إليها ولا يتلفت إليك، شاهدي كيف أسلوبه معها مثل العسل، ومعك ينهرك، هذا من الشيطان، فلا ينبغي لك أن تغاري عليه من زوجته الأخرى؛ لأنها حلال، ولا ينبغي للزوج أن يظهر من التصرف بما يوجد الغيرة من المرأة، حتى في النظر إذا كانوا سوياً في مجلس واحد، العين تكون هنا قليل وهنا قليل، وكذا نظرة وكذا نظرة، وكذا خطرة وكذا خطرة، وكذا ضحكة وكذا ضحكة، فالموازين عندك حساسة، أما الميل القلبي بالنسبة لك فهذا ليس في يدك، هذا بيد الله، لكن يلزمك أن تعدل: في المبيت، والنفقة، والتصرفات والتعاملات، أما في الميل القلبي فهذا لا تقدر عليه، فقد كان ﷺ يعدل، وهو أعظم الناس عدلاً بين نسائه وأمته ورعيته ويقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلومني فيما تملك ولا أملك).
وإذا أردت -أيتها المؤمنة- أن يميل الزوج إليك، فأكثري الخدمة، تنافسي أنت وزوجته الأخرى في تقديم أحسن خدمة، والرجل سوف يميل إلى التي يشاهد أنها طيبة، وتبذل كثيراً من البر والطاعة والرائحة الطيبة وهذا يكون له مردود، لكن بعض النساء لا تريد أن تعمل شيئاً وتريد زوجها يظل معها أبداً.
стр. 1809
كيفية التخلص من أشرطة الفيديو الخليعة
السؤال
لقد كتب الله لي الاستقامة ويوجد لدي عدد كبير من أشرطة الفيديو ولكنها غير صالحة، هل أبيعها وأتصدق بقيمتها، أم أحرقها؟ أرجو توجيهي جزاكم الله خيراً؟.
الجواب
خذوا قاعدة عامة: أي شيء من وسائل الحرام يمكن أن يستعمل في الخير ممكن أن تستعمله؛ لأن الشريط هذا إناء، مثل الكتاب إذا كتب فيه كفر صار كتاب كفر، وإذا كتب فيه إسلام يصير كتاب إسلام، والشريط كذلك مثل الكوب، هذا الكوب ما حكم استعماله؟ إذا كان فيه خمر يصبح حراماً، وإذا كان فيه عسل يصبح حلالاً، وكذلك شريط الفيديو أو الأغاني أو أي شريط، إذا كان فيه قرآن وذكر وكلام طيب فهو حلال، إذا كان فيه شيء محرم فاذهب به إلى الذي يمسح الأشرطة وقل له يسجل عليه الحق.
أما أن تذهب لتبيعه فلا؛ لأنه (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) كيف تكرهه لنفسك وتبيعه من أجل أن تتصدق به؟!
стр. 1810
حكم الحجاب الشرعي
السؤال
كثير من الأسئلة وردت من الأخوات يطلبن أن تتكلم عن الحجاب الشرعي بصورة مختصرة؟
الجواب
الحجاب الشرعي فريضة الله على المؤمنات، قال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٥٩] وقال في سورة النور: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١].
فالحجاب الشرعي فريضة، والتي تصلي يلزمها أن تحتجب؛ لأن آية الصلاة محكمة وآية الحجاب محكمة أيضاً، والتي تؤمن بآية الصلاة والزكاة والحج وترفض آية الحجاب يخشى عليها من الوعيد الكائن في كتاب الله : ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة:٨٥] نؤمن بآية الصلاة ونكفر بآية الحجاب، قال الله: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة:٨٥] وهذا الذي يحصل الآن من التكشف والتبرج يحصل به العذاب في النار ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:٨٥].
فيا أيتها الأخوات المؤمنات! التزمن بالحجاب على أنه دين لا أنه أمر الزوج، فقد تبتلى امرأة بأن لها زوجاً لا يريد أن تتحجب، لكن تتحجب رغم أنفه ولا تطيعه، وبعض النساء تتحجب بأمر زوجها، فإذا ذهبت عند أهلها قالوا لها: اخرجي بلا حجاب، فتتكشف، فهذه لم تطع الله، والحجاب الشرعي أن تلبس في بيتها لزوجها مما يحلو لها، وتتزين به له، أما إذا خرجت فيجب أن تستتر من مشاش رأسها إلى أخمص قدمها، ولا يبدو منها شعرة ولا ظفر واحد، والحجاب عبارة عن ثياب فضفاضة واسعة، لا تلبس الضيق انتبهوا الضيق المفصل هذا موت؛ لأنه يبدي ويكشف مفاتن المرأة، تلبس ثياباً فضفاضة وفوقها عباءة، وبعد ذلك في يدها (دسوس) إلى الكوع، (دسوس طويلة) وتلبس حجاباً على وجهها متين أسود لا يرى أحد ما وراءه وتلبس العباءة من فوق وتمشي، هذه المؤمنة التي تقيدت بقيد الشرع، وليس بينها وبين السعادة -إن شاء الله- إلا أن تموت، هذه جوهرة مصونة ودرة مكنونة، لا تنظر لها عين ولا تمد لها يد إلا عين ويد زوجها، أما الرخيصة المبتذلة البعرة التي تخرج للأسواق لتنظر لها العيون، وتمتد لها الأيدي، هذه رخيصة، والرخيص لا أحد يريده، الرخيص -كما يقال- بخيس، لا تكوني رخيصة فتخسري أهلك وبيتك ودنياك وآخرتك، لكن تحجبي والتزمي بدين الله، يرتفع قدرك وتعلو قيمتك، وتزداد منزلتك في الدنيا والآخرة.
أما بالنسبة لأبيها وأخيها والثمانية الأصناف الذين ذكرهم الله في سورة النور فتكشف وجهها وكفيها وما يظهر عادة للرجال من المحارم، لكن لا تكشف ثدييها، ولا ساقيها، ولا نحرها، ولا شعرها كله؛ لأن هذه أشياء خاصة بالزوج، أما الأخرى الوجه والجلسة والأيدي وجزء من الأقدام ليس فيه شيء، بالنسبة للمحارم الأقارب، وهم الذين في سورة النور ثمانية أصناف أما غيرهم فلا.
стр. 1811
حكم تفضيل الكافر على المسلم
السؤال
بعض ممن يأتون من أمريكا ومن دول الغرب نجدهم يمدحون أهل الغرب في صفاتهم مثل الصدق والأمانة وغير ذلك، ويذمون أهل الإسلام؛ لأنهم في نظرهم يكذبون وغير مؤتمنين، فنرجو من فضيلة الشيخ توضيح ذلك وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
كثير من الشباب عندما يذهب إلى أمريكا أو بريطانيا يأتي ويقول: إن هناك حياة، رأيت الإسلام ولم أجد المسلمين، قال: يصدقون في المواعيد، هو يصدق من أجل عائد نفعي، جربوا الصدق في حياتهم أنه ضبط لأمورهم فصدقوا، لكن هل يصدقون طاعة لله ورسوله؟ لا.
هؤلاء الذين في الغرب، هم أكذب ناس في هذه الأرض، فلا ينبغي أن نقول: إنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلا، لا والله، يكذبون على الله أعظم كذبة يقولون: إن المسيح ابن الله، ويكذبون على الله في أن يجعلوا معه آلهة، يكذبون بتكذيب رسوله ﷺ ، ثم إذا صدقوا في معاملتهم أو أمورهم الخاصة نقول لهم: أنتم صادقون، لا.
قال الله : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة:١١٣] كلهم لا هؤلاء على شيء ولا هؤلاء على شيء، فهم كاذبون ولا ينبغي أن ننقل أخلاقياتهم إلينا، بل إذا أردنا أن نسير على أرفع الأخلاقيات، فلنأخذها من هدي رسولنا ﷺ ففي صحيح البخاري وصحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (عليكم بالصدق) هذا الكلام لا تأخذه من أمريكا خذه من كلام محمد بن عبد الله (عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا) إذا كتبك الله صديقاً كنت ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء:٦٩] (وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) فنأخذ هذا من هذه الأحاديث، فإذا صدقنا صدقنا طاعة لله، أما أن نصدق من أجل أن نتشبه بالغرب في أخلاقياتهم الهابطة، فلا وألف لا، نحن أمة استقلالية رائدة، لسنا أمة ذيلية متبعة للشعوب، لا.
نحن للرأس، والغرب والناس كلهم وراءنا، لماذا؟ لأننا أمة شعارنا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، كتابنا أفضل كتاب، ورسولنا أفضل الرسل، وديننا خاتم الرسالات والأديان، الناس كلهم لنا تبع، أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة نبينا ﷺ ، وأول من يدخل الجنة أمة نبينا محمد ﷺ ، فنحن الآخرون لكننا يوم القيامة الأولون، نسأل الله من فضله.
стр. 1812
حكم مصافحة النساء
السؤال
ما حكم مصافحة النساء؟
الجواب
نار في يد الإنسان، إذا كانت المرأة أجنبية لا يجوز؛ لأن تمس يدك جمرة حمراء خير لك من أن تمس يد امرأة لا تحل لك، ومن مد يده إلى امرأة لا تحل له جاء يوم القيامة ويده مغلولة إلى عنقه، ولما بايع الرسول ﷺ النساء قال: (إني لا أمد يدي ولا أصافح النساء) فلا يجوز مصافحة الأجنبية.
стр. 1813
الرفق واللين في دعوة الوالدة
السؤال
إنني أوقظ والدتي في صلاة الفجر ولكنها تغضب؛ لأنها نائمة، ولكنني أواصل إيقاظها كل فجر وهي تغضب، فهل هذا يعتبر من عقوق الوالدين، وهي تقول: كلنا سندخل النار مهما صليت وصمت وعبدت الله.
أفيدوني جزاكم الله خيراً؟
الجواب
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة الله على كل مسلم تجاه كل مسلم ومسلمة، وأولى الناس بأن تأمرها وتنهاها أمك، ولكن بالتي هي أحسن، إذا قمت تصلي قل: يا أمي الله يوفقك صلي الصلاة، الله يبارك فيك، فإذا غضبت رضي الله عليك، أما هي جعلها لا ترضى؛ لأنه لا طاعة لها في هذا الموضع، بل عليك أن تأمرها وتنهاها، فلا يتصور بعض الناس أن طاعة الأم طاعة في كل الأحوال، بل طاعتها في المعروف، أما في المعاصي فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
стр. 1814
حكم بول الصبي
السؤال
الطفل عندما توضئه ويأتيها شيء من بوله، هل هذا ينقض الوضوء، وهل هو كالجنابة أم لا؟
الجواب
لا.
ليس كالجنابة، إذا غسلت المرأة طفلها ومست عورته بيدها انتقض وضوؤها ولزم أن تتوضأ من جديد؛ لأن مس الفرج باليد ينقض الوضوء، قبلاً كان أو دبراً، للإنسان نفسه أو لغيره، أما إذا وقع بول الغلام الذكر على ثوب المرأة، وكان هذا الغلام رضيعاً لا يأكل الطعام فإنه يكفي فيه النضح، أما إذا أكل الطعام فلا بد من غسله، أما بول الجارية (البنت الصغيرة) فإنه لا بد من غسله سواء كانت رضيعة أو أكلت الطعام.
стр. 1815
حكم من أتى بسائق غير مسلم، وحكم صده عن دين الله
السؤال
يوجد مواطن استقدم سائقاً غير مسلم، وعندما أراد هذا السائق أن يدخل في دين الإسلام رفض كفيله دخوله في الإسلام فما رأيكم في ذلك؟
الجواب
أولاً: الإتيان به خطأ، أنت عندما تأتي بسائق، فهو يسوق امرأتك، مَنْ توكل على امرأتك، وبناتك؟ أين عقلك؟!! وبعد ذلك تأتي بكافر، هذه المصيبة، وبعد ذلك لما أراد أن يسلم ترفض، كلها مصائب والعياذ بالله.
لا يجوز استخدام السائقين الكفار، وإذا اضطر الإنسان إلى سائق كأن يكون هو غير سائق، فليأت بمسلم شايب، ومعه امرأته.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1816
اتق الله حيثما كنت
إن تقوى الله تؤدي إلى نيل أعلى درجات الإيمان، إذ لا يعظم إيمان المرء إلا بهذه الخصلة.
ومن عظمت تقواه لله تعالى حجبته عن المحرمات وقربته من الطاعات وبها يحصل العبد على معية الله في الدنيا والآخرة.
ولما كانت التقوى بهذه المنزلة كانت وصية الله بها للأولين والآخرين، وعليها كانت وصية الصالحين لبعضهم البعض.
وكانت خير وصية يوصي بها النبي ﷺ أصحابه وأمته في كل وقت وحين.
стр. 1817
عظم أهمية التقوى
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم أغث قلوبنا بالإيمان والتقوى كما أغثت أرضنا بالمطر والخير، نحن الآن نسمع هطول المطر في هذه الساعة المباركة، وهي ساعة استجابة، فنسأل الله الذي لا إله إلا هو كما أغاث أرضنا أن يغيث قلوبنا! فوالله الذي لا إله إلا هو إن قلوبنا لهي أحوج إلى غيث الإيمان من الأرض إلى غيث المطر! فلقد أقفرت القلوب وقست، وتحجرت العيون، وأصبحنا في وضع يشكى فيه إلى الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون! إن الخير في هذه الأمة إلى قيام الساعة، ولكنا نطمع بالمزيد، ففي هذه الساعة ندعو الله ونبتهل إليه أن يغيث قلوبنا بالإيمان، وأطلب من الإخوة الكرام الذين هم الآن في المسجد وفي ساحة المسجد المغطاة أن يتقاربوا حتى يدخل إخوانهم من المطر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحْ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة:١١] بإمكان المسجد أن يستوعب إن شاء الله كل من حضر، فتقاربوا حتى لا يبقى مكان، وفي صلاة العشاء إن شاء الله يكون الخير.
أيها الإخوة في الله: التقوى والخشية والخوف والمراقبة لله هي المجالات التي تسابق فيها الصالحون من عباد الله، والتي تباين فيها الناس، فعاش أقوام في القمم من التقوى؛ فأصبحوا عند الله أفضل من الملائكة، وحرم منها أقوام فعاشوا -والعياذ بالله- عند الله أسوأ من البهائم والحيوانات.
стр. 1818
التقوى ميدان التفاضل بين العباد
التقوى هي النسب الرباني الذي جعله الله ميداناً للتفاضل بين العباد، يقول الله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ولم يقل: أكثركم مالاً ولا جاهاً ولا سلطة، ولا طولاً ولا عرضاً ولا نسباً، فهذه كلها مقاييس أرضية، ولكن يوجد مقياس سماوي وميزان رباني يوزن به الناس في الدنيا، والقبر، والحشر، وفي عرصات القيامة، ثم ينجح أصحابه بجنة عرضها السماوات والأرض: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
يقول الله : ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١] وقبلها يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] يقول الله يوم القيامة يوم ينادي بالناس: (إني قد وضعت نسباً ووضعتم أنساباً، فرفعتم أنسابكم ووضعتم نسبي، اليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم، ليقم أهل التقوى، فيقومون وهم قليل) اللهم اجعلنا منهم.
стр. 1819
التقوى عنوان السعادة في الدنيا والآخرة
أيها الإخوة: التقوى عنوان السعادة في الدنيا والآخرة، فقد رتب الله عليها كل خير في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا معية الله، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨].
وكذلك في الرزق، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] وكذلك التيسير، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:٤] والتكفير للسيئات: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ [الطلاق:٥].
ويوم القيامة ينجي الله تعالى أهل التقوى فقط، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾ [مريم:٧١] أي: النار ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] لا نجاة من النار إلا الأهل التقوى فقط، ففتش نفسك هل أنت منهم، أم أن لك حسابات أخرى؟! وفي يوم القيامة يقول الله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥] ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:٥١ - ٥٦] والموت هو الذي يهدم كل شيء! هذا هو الموت! الذي لا يمنع منه ملك، ولا صاحب مال أو عضلات!
لهوت وغرتك الأماني وعندما أتمت لك الأفراح فوجئت بالقبر
الموت لا يمتنع منه أحد إلا أهل الجنة، كما قال الله : ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الدخان:٥٦ - ٥٧]، ويقول : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ * وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور:١٧ - ٢٤] فالغلمان والخدم مثل اللؤلؤ المكنون، فكيف بالمخدومين؟!! ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور:٢٤].
وبعد ذلك من نهاية الأُنس والتفكه أنهم أيضاً يتحادثون ويتنادمون، وأخبر الله تعالى عن هذا في أكثر من سورة، يقول تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٥ - ٢٦] الله أكبر! كانوا خائفين وجلين، كأن النار ما خلقت إلا لهم، كأنهم أشقى خلق الله وأفضل الناس عند الله ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦] فماذا حصل؟ مع الإشفاق؟ هنا حصل الأمن هناك، قال الله : ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٧ - ٢٨].
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العليا في هذه الساعة -فلعلها ساعة استجابة- أن تجعلنا من هؤلاء، اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين، اللهم اجعلنا من هؤلاء الذين دعوا فاستجبت لهم إنك أنت البر الرحيم، ولا تحرمنا من فضلك يا أرحم الراحمين.
ويقول : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات:١٥ - ٢٠].
ويقول : ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [القلم:٣٤] ويقول : ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً * حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً * وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً * وَكَأْساً دِهَاقاً﴾ [النبأ:٣١ - ٣٤] المهم أن كل خير في الدنيا والآخرة مسجل في حساب المتقين، لماذا? لأنهم استنزلوا هذه المنزلة ووصلوا إلى هذه الدرجة بتقوى الله ﵎.
هذه التقوى من ينزل ويجلس فيها تشرق عليه إشراقات السعادة، وتتوجه إليه الخيرات، وتقبل عليه الأنوار من كل جانب، والذي يحرم التقوى ويعيش بعيداً عنها -والعياذ بالله- تشرق عليه الظلمات، وتحل عليه النكبات، ويعيش في الجهل والبعد عن الله، حتى يشقى في الدنيا والآخرة أعاذنا الله وإياكم من ذلك.
стр. 1820
التقوى سبب تفريج الشدائد
كلمة (اتق الله) كلمة تهز نياط القلوب إذا ما وجهت إلى أهل الإيمان، فإذا سمعها المؤمن ارتجف؛ لأنه لا يستطيع أن يتحمل أن عصيان الله إذا قيل له: اتق الله.
بل هذه علامة خطر، هذه لوحة ممنوع الوقوف (اتق الله).
ارجع إلى الله.
اهرب من معصية الله.
احذر بأس الله وشدته، وعظمته، هؤلاء هم أهل الإيمان الذين إذا سمعوا كلمة: (اتق الله ارتعدت فرائصهم، واضطربت قلوبهم، وقامت جوارحهم، ولا يمكن أن تستمر المعصية، لماذا? لأنه قيل له: اتق الله.
جاء في الصحيحين أن رسول الله ﷺ حدث عن ثلاثة كانوا في سفر، ونزل عليهم المطر في ليل بارد؛ فدخلوا في غار، وفي أثناء جلوسهم في الغار انحدرت عليهم صخرة من الجبل وسدت عليهم باب الغار، وهم في الصحراء لا يوجد تليفوناً يتصلون بالدفاع المدني، ولو صرخوا وصاحوا فلا أحد يسمعهم، وإن دفعوها بأيديهم وأقدامهم لا يستطيعون؛ لأنها صخرة كبيرة.
فقال أحدهم: إنه لا ينجيكم مما أنتم فيه إلا الله -يقول: أسباب الأرض انقطعت وما بقي إلا أسباب السماء- فادعوا الله بصالح أعمالكم، تعرفوا على الله بصالح الأعمال ليعرفكم في هذه الشدة؛ لأن من تعرف على الله في الرخاء عرفه في الشدة، ومن نسي الله في الرخاء نسيه الله في الرخاء والشدة، فقام كل واحد منهم وبدأ يذكر صالح عمله، وهم من خيار الناس، ووالله يا إخوان -كما قلت هذا في مناسبة سابقة- أني إذا ذكرت هذا الحديث يتقطع قلبي من الألم، وأقول: لو كنت أنا معهم بم أدعو الله؟ وماذا أقول؟ لا يوجد عندي شيء.
فتبقى الصخرة إلى أن يتقطع جلدي وأموت ويفنى عظمي ولحمي، لماذا? لأنه لا يوجد مؤهلات تزيل الجبال.
أما هؤلاء الثلاثة العظماء الأتقياء فقام كل واحد منهم يقدم عملاً، ويسأل الله أن يخفف عنهم ما هم فيه من الكرب، وأن يفرج عنهم ما هم فيه من الغم، فيتحرك الحجر، ومن ضمنهم واحد قال: اللهم إنه كانت لي ابنة عم، وكنت أحبها كأعظم وأشد ما يحب الرجال النساء، وراودتها عن نفسها مراراً فأبت -إنها امرأة شريفة طاهرة نقية عفيفة- يقول: وفي يوم من الأيام ألجأتها الظروف والحاجة والضرورة إلى أن تأتي وتستقرض مني مالاً، فرفضت أن أقرضها إلا أن تخلي بيني وبين نفسها، فأطاعت تحت وطأت الاضطرار، يقول: فلما جلست منها مجلس الرجل من المرأة قالت لي: يا هذا! اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، إنها كلمة! لكنها وقعت في قلب مؤمن، قال: فتركتها من أجلك وقمت، قال: فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون.
كلمةٌ هزت قلب الرجل وأنقذته من هذا المكان الخطر، وهذه الكلمة لا تؤثر إلا فيمن إيمانه مثل الجبال، قد يقولها المرء في الذهن، لكن في تلك الأماكن يعمى البصر وتطغى الشهوة، وينسى الإنسان ربه والنار والعار والشنار والدمار، ويفرغ شهوته ولا يبالي بأحد، لكن هذا لما قالت له: اتق الله، قام فزعاً خائفاً.
هذا هو المؤمن، ولكن هناك من لا يتقي الله إن قيل له: اتق الله بل بعضهم إذا قيل له: اتق الله يزيد في المعصية، كأنك تقول له: لا تتق الله، وقد بين الله هذا في القرآن فقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة:٢٠٦] ما معنى أخذته العزة بالإثم؟ أي: لا يخاف الله، ولا تأخذه العزة بالله ولا بتقوى وخوف ومراقبة الله، ولكن تأخذه العزة بأن يمارس الإثم! ويعتز بأن يزني ويرابي ويعصي الله ، ولا يعتز بالله، فهذا أخذته العزة بأن يمارس الإثم ويقع في الخطيئة، قال الله : ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦] فهذا تكفيه جهنم، نعم.
تكفيه جهنم؛ نار أوقد الله عليها ثلاثة آلاف سنة! ما ظنكم بنار أوقدها الجبار! إذا كنا الآن لا نتحمل ناراً أوقدها الفران، تعال إلى الفرن وأنت تشتري خبزاً وضع يدك في رأس الفرن فقط ولا تمدها إلى الداخل، واصبر قليلاً وانظر لا بد من التجربة، هل تصبر على النار؟! والله لا تصبر، فكيف إذا أخذك شخص وطوى رأسك ويديك ورجليك وأدخلك في النار دقيقة واحدة فقط ستين ثانية، هل تتحمل؟! كيف نخرجك؟! لو أخرجناك بعد دقيقة واحدة لخرجت مشوياً، لا إله إلا الله -يا إخواني- ما أقسى قلوبنا!! والله إن الذي يرى أعمالنا يقول: هؤلاء ضد النار، أو لا تأكلهم النار، أو لا يعرفون النار، إن أقدامكم على النار لا تقوى.
فالمؤمن إذا قلت له: اتق الله، فإنه لا يقدم ولا يمشي في معصية الله، قال الله تعالى: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦].
стр. 1821
حال المتقين في الحشر
التقوى وصية الله للأولين والآخرين، وما من أمة بعث فيهم نبي إلا وتقوى الله من أول وصاياه، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] وهي وصية الله تعالى للناس أجمعين، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢].
يقول الله تعالى: اتقوا هذا اليوم، وضعوا بينكم وبين عذاب الله تعالى في هذا اليوم وقاية؛ لأنكم لن تستطيعوا تحمله، فالمرضعات يذهلن عمن يرضعنهم، والحوامل يضعن حملهن، والأطفال تشيب رءوسهم: ﴿يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ [المزمل:١٧ - ١٨] الملائكة تحضر كلها من السماء ﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلاً﴾ [الفرقان:٢٥] ﴿فَإِذَا انشَقَّتْ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن:٣٧] أي: معالم الكون كلها تتغير ونحن واقفون في ذلك اليوم حفاة عراة غرلاً غير مختونين، لا مال ولا أولاد وإنما قلوبنا معلقة، وأبصارنا شاخصة، وننتظر ما يأتي، يقول الله : ﴿وَعَنَتْ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ [طه:١١١] وقال تعالى: ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً﴾ [طه:١٠٨] وقال تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ:٣٣] وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر:١٨] القلب لا يبقى مكانه ولكن يرتفع إلى الحنجرة فيسدها ولا يستطيع أن يتنفس: ﴿إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٨ - ١٩].
الله يوصي الناس ويقول لهم اتقوا ربكم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ [لقمان:٣٣] التكافل والتكاتف والتعاون وبذل الجاه والسلطة أكبر ما يكون بين الولد والوالد، سواء كانت أمه أو أباه؛ لأن الوالد يشمل الأم والأب، والمولود يشمل الذكر والأنثى، والتكافل معناه: أن الوالد يود أن يفدي ولده بدمه، ويود الولد أن يفدي أباه بدمه، لكن يوم القيامة كل واحد يهرب من الآخر، أي: إذا لقي الولد أباه يفر، لماذا? لأنه سيقول له: أعطني، ولا أحد يريد أن يقال له: أعطني.
أنت الآن إذا كنت مغترباً في أرض بعيدة، ومعك خيرات وأموال، ورأيت واحداً من جماعتك، ما إن تراه حتى تفرح به، وتحييه وترحب به وتقول: مرحباً وحياك الله، والغداء عندنا، والعشاء عندنا، لماذا? لأنك تملك مالاً وتستطيع أن تضيفه، لكن إذا لقيته وليس معك نقود، فإنك مباشرة تحاول التخلص منه، لماذا? لأنك لو قلت: تفضل، لأجاب فمن أين تأتي بالغداء والعشاء؟ فيوم القيامة كل واحد يفر من الآخر؛ لأنه لا يوجد إلا حسنات، وقد ورد في الحديث: (إن الأب يأتي ولده يوم القيامة فيقول له: أسألك بحق أبوتي عليك حسنة أثقل بها ميزاني، فيقول: نعم.
يا أبت! لقد والله أحسنت تربيتي وغذيتني وأعطيتني، ولكن أسألك أنا بحق بنوتي لك بأن تكمل الجميل وتعطيني حسنة أثقل بها ميزاني) وكل واحد يريد حسنات من الآخر، فقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦] لماذا? لأنه: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧].
فالنداء جاء للناس كافة بتقوى الله، ثم ضيق الله تعالى الدائرة، ونادى أهل الإيمان خاصة بلفظ التقوى، وكثير من الآيات في القرآن، فيها نداء للمؤمنين ودعوتهم بأن يتقوا الله؛ لأن المؤمنين هم خاصة البشر وصفوة الناس؛ ولأنهم آمنوا بالله تعالى، وصدقوا المرسلين، يقول الله تعالى فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨] أي: حاسب نفسك: ماذا صنعت لغد؟ ماذا تعمل لو مت الآن؟ لو جاءك ملك الموت ومت الآن، ماذا عندك من المؤهلات التي تنفعك يوم القيامة؟ كيف صلاتك وعقيدتك وزكاتك؟ وبرك وصلتك لرحمك، وتلاوتك لكتاب ربك وحبك وبغضك؟ وعينك في الحلال؟ وأذنك في الحلال؟ وكل حياتك؟ ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].
стр. 1822
جزاء المتقين في الدنيا والآخرة
يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ [الحديد:٢٨] فماذا يحصل لكم بعد هذا؟ قال: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد:٢٨] أي: يعطكم نصيبين من رحمته، قال العلماء: نصيب في الدنيا ونصيب في الآخرة.
فيعطيك الله نصيباً في الدنيا والآخرة فيرحمك؛ يرحمك في الدنيا فيبقيك على الصراط المستقيم، وينور بصيرتك، ويحبب إليك الإيمان، ويكره إليك الكفر والفسوق والعصيان، ويوفقك ويسددك ويهديك ويشرح صدرك للإيمان، وبعد ذلك يرحمك في الآخرة فيجيرك من النيران ويجعلك من أهل الجنان: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد:٢٨] قال العلماء: نوراً هنا: نكرة، أي: يجعل لكم نوراً شاملاً في الدنيا، والقبر، وعلى الصراط، كما قال : ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمْ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً﴾ [الحديد:١٢ - ١٣].
والنور في القبر كما قال ﷺ والحديث في صحيح مسلم: (والصلاة نور) فالصلاة نور في القبر؛ إذا أردت أن تنور القبر فبالصلاة، بحيث إذا دخلت لا يوجد إلا الأنوار، فحافظ على الصلاة من الآن، حتى تكون الصلاة لك نوراً يوم الظلمات، يوم تترك نور الدنيا، ويضعونك في العمارة النهائية المصيرية، في قبر موحش مظلم، مساحته ضيقة وليست متسعة، ثم لحد، ثم ظلام وليس معك شيء إلا عملك وصلاتك، والصلاة نور ليوم القيامة، إلى آخر الأمر، قال الله : ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٢٨] لأنه وقد تقع من الإنسان هفوات فلا أحد معصوم، وكلكم خطاءون ولكن من غير إصرار ولا مداومة.
ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال:٢٩] قال العلماء: (فرقاناً) يجعله الله لك بالتقوى؛ وهو نور يقذفه الله في قلبك وبين عينيك فترى به طريق الخير فتتبعه، وطريق الشر فتجتنبه، وهذا معنى الفرقان الذي تفرق به بين الحق والباطل، والخير والشر، والهداية والضلالة، وطريق الله وطريق الشيطان، لماذا؟ لأن عندك نوراً وفرقاناً، لكن إذا لم يوجد نور ولا فرقان فربما يسير الإنسان في الغواية والضلال -والعياذ بالله- لأنه لا يدري فهو أعمى؛ والأعمى تسهل قيادته إلى المهالك والعياذ بالله.
هذه التقوى -أيها الإخوة- وجهت للمؤمنين.
стр. 1823
أمر الله للنبي بالتقوى لعظمها
آخر ما وجه الأمر بالتقوى إلى أفضل خلق الله أجمعين وهو: رسول الله ﷺ سيد ولد آدم، وخير من سار على الأرض، وصاحب اللواء يوم العرض، وأول من تنشق عنه الأرض، وصاحب الشفاعة العظمى يوم القيامة، وأول من يدخل الجنة، صلوات الله وسلامه عليه، فله المنزلة الرفيعة عند الله، وله المقام العظيم، وهو صاحب الحوض المورود، والمقام المحمود، واللواء المعقود، هذا الرجل ﷺ بأبي هو وأمي، سيد الخلق أجمعين، نادى الله الأنبياء كلهم بأسمائهم إلا هو: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥] ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦] ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ﴾ [القصص:٣١] ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة:١١٦] كل نبي باسمه، أما محمد ﷺ فلا يوجد في القرآن يا محمد، إلا ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال:٦٤] ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة:٤١].
وذلك لعظمه ﷺ ، هذا العظيم يقول الله تعالى له في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١] أتقى خلق الله، وأعلم الناس بالله، والله تعالى يقول له: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١] ما معنى هذا؟ قال المفسرون: ليس معنى هذا أن النبي ﷺ ليس متقياً لله، ولكن لتأكيد الأمر بالتقوى؛ لعظم منزلة المتقين عند الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١] وكان أتقى خلق الله، يقول: (إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ومع هذا فأنا أصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني) هكذا قال ﷺ .
стр. 1824
ترجمة رواة حديث: (اتق الله حيثما كنت)
عنوان الدرس في هذه الليلة (اتق الله حيثما كنت) وهذه الجملة جزء من حديث رواه الترمذي في السنن وقال عنه: بأنه حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحيح، وهذا الحديث من رواية أبي هريرة وأبي ذر الغفاري جندب بن جنادة ومعاذ بن جبل ﵃.
стр. 1825
ترجمة أبي هريرة ﵁
أبو هريرة ﵁ راوي أكبر قدر من أحاديث النبي ﷺ .
واسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي؛ من دوس من بلاد زهران، أسلم في السنة السابعة، وأدرك النبي ﷺ أربع سنوات فقط، لكنها كانت أربع سنوات مملوءة علماً، فروى أكثر السنة، وكان متخصصاً في حفظ وفهم سنة النبي ﷺ ، وعاش فقيراً في الصفة، فلم يكن له بيت ولا مزرعة ولا غنم ولا جمال، وإنما عنده حديث النبي ﷺ ، وكان يجلس في الصفة يتعلم العلم، ويدخل بيت النبي ﷺ بغير استئذان.
هذا الرجل العظيم يقول: (خرجت يوماً من المسجد وأنا جائع، ووالله إني كنت أتقلب على الأرض وأتلوى وكأن بي مساً من الجن، ووالله ما بي مس من الجن وما بي إلا مس الجوع، فمر أبو بكر من عندي فسألته عن آية، ووالله إني لأعرف معناها، ولكن أردت منه أن يستتبعني -أي: يقول: تفضل- قال: فأخبرني بمعنى الآية ولم يستتبعن) يقول: ما قال: تفضل، وليس أبو بكر بخيلاً ﵁، ولكنه ما كان لديه شيء فكل ماله ينفقه في سبيل الله، وكل شيء يأتيه يحوله إلى الآخرة.
قال: (ثم خرج عمر ﵁، فتبعته وسألته عن الآية لكي يستتبعني، فأعطاني علم الآية ولم يستتبعن، قال: ثم خرج رسول الله ﷺ ، فسألته عن الآية فأخبرني، ثم قال: اتبعن يا أبا هريرة -صلوات الله وسلامه عليه، وهذا نبي وليس في بيته شيء- فلما دخل البيت قال: أعندكم شيء؟ قالت: لا.
ثم ذهب إلى الأخرى، قال: أعندكم شيء؟ قالت: لا.
ثم الأخرى: أعندكم شيء؟ قالت: لا.
حتى دخل على واحدة من نسائه صلوات الله وسلامه عليه، قالت: نعم.
عندنا قليل من اللبن أهداه لنا رجل من الأنصار -جفنة صغيرة من اللبن جاءت هدية إلى النبي من بيت أحد الأنصار- قال: أحضريه؛ فأخذه.
ولما رآه أبو هريرة فرح وقال: سأشرب منه حتى أشبع، ولكن النبي ﷺ قال: يا أبا هريرة: اذهب إلى أهل الصفة وائتني بهم، قال أبو هريرة: فحزنت حزناً كبيراً، وقلت: ما تصنع هذه الجفنة في أهل الصفة وأنا ساقيهم لن تبقى لي شربة واحدة منها، قال: فجاء أهل الصفة وهو سبعون رجلاً، وجلسوا صفاً واحداً في مجلس النبي ﷺ ، قال: وقام رسول الله ﷺ وأخذ الجفنة وقال: يا أبا هريرة: أدر الجفنة واسق القوم، قال: فأعطيت الأول فشرب حتى شبع، ثم نقلتها إلى الثاني ووالله ما نقصت قطرة واحدة -يشربون منها وهي مكانها لا ينقص منها شيء، وهذه من معجزات النبي ﷺ قال: فشرب السبعون كلهم، حتى انتهوا ولم يبق إلا أنا والنبي ﷺ ، قال ﷺ : بقيت أنا وأنت يا أبا هريرة! قلت: نعم يا رسول الله! قال: اشرب يا أبا هريرة! قال: فشربت حتى شبعت ثم تركت الإناء، قال: اشرب يا أبا هريرة! قال: فشربت حتى شبعت ثم تركت الإناء، قال: اشرب يا أبا هريرة -وهذه المرة الثالثة وهو لا يعصي الرسول- قال: يا رسول الله! والله لا أجد له مسلكاً -يقول: عبأت المسالك كلها والآن لا أجد له مكاناً، فأين أذهب به؟ - فضحك صلوات الله وسلامه عليه حتى بدت أسنانه ﷺ هذا الرجل العظيم يحدث بهذا الحديث.
следующие страницы →