← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

حال المتقين في الحشر التقوى وصية الله للأولين والآخرين، وما من أمة بعث فيهم نبي إلا وتقوى الله من أول وصاياه، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] وهي وصية الله تعالى للناس أجمعين، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢]. يقول الله تعالى: اتقوا هذا اليوم، وضعوا بينكم وبين عذاب الله تعالى في هذا اليوم وقاية؛ لأنكم لن تستطيعوا تحمله، فالمرضعات يذهلن عمن يرضعنهم، والحوامل يضعن حملهن، والأطفال تشيب رءوسهم: ﴿يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً * السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ [المزمل:١٧ - ١٨] الملائكة تحضر كلها من السماء ﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلاً﴾ [الفرقان:٢٥] ﴿فَإِذَا انشَقَّتْ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن:٣٧] أي: معالم الكون كلها تتغير ونحن واقفون في ذلك اليوم حفاة عراة غرلاً غير مختونين، لا مال ولا أولاد وإنما قلوبنا معلقة، وأبصارنا شاخصة، وننتظر ما يأتي، يقول الله : ﴿وَعَنَتْ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾ [طه:١١١] وقال تعالى: ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً﴾ [طه:١٠٨] وقال تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ:٣٣] وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر:١٨] القلب لا يبقى مكانه ولكن يرتفع إلى الحنجرة فيسدها ولا يستطيع أن يتنفس: ﴿إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٨ - ١٩]. الله يوصي الناس ويقول لهم اتقوا ربكم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ [لقمان:٣٣] التكافل والتكاتف والتعاون وبذل الجاه والسلطة أكبر ما يكون بين الولد والوالد، سواء كانت أمه أو أباه؛ لأن الوالد يشمل الأم والأب، والمولود يشمل الذكر والأنثى، والتكافل معناه: أن الوالد يود أن يفدي ولده بدمه، ويود الولد أن يفدي أباه بدمه، لكن يوم القيامة كل واحد يهرب من الآخر، أي: إذا لقي الولد أباه يفر، لماذا? لأنه سيقول له: أعطني، ولا أحد يريد أن يقال له: أعطني. أنت الآن إذا كنت مغترباً في أرض بعيدة، ومعك خيرات وأموال، ورأيت واحداً من جماعتك، ما إن تراه حتى تفرح به، وتحييه وترحب به وتقول: مرحباً وحياك الله، والغداء عندنا، والعشاء عندنا، لماذا? لأنك تملك مالاً وتستطيع أن تضيفه، لكن إذا لقيته وليس معك نقود، فإنك مباشرة تحاول التخلص منه، لماذا? لأنك لو قلت: تفضل، لأجاب فمن أين تأتي بالغداء والعشاء؟ فيوم القيامة كل واحد يفر من الآخر؛ لأنه لا يوجد إلا حسنات، وقد ورد في الحديث: (إن الأب يأتي ولده يوم القيامة فيقول له: أسألك بحق أبوتي عليك حسنة أثقل بها ميزاني، فيقول: نعم. يا أبت! لقد والله أحسنت تربيتي وغذيتني وأعطيتني، ولكن أسألك أنا بحق بنوتي لك بأن تكمل الجميل وتعطيني حسنة أثقل بها ميزاني) وكل واحد يريد حسنات من الآخر، فقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦] لماذا? لأنه: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧]. فالنداء جاء للناس كافة بتقوى الله، ثم ضيق الله تعالى الدائرة، ونادى أهل الإيمان خاصة بلفظ التقوى، وكثير من الآيات في القرآن، فيها نداء للمؤمنين ودعوتهم بأن يتقوا الله؛ لأن المؤمنين هم خاصة البشر وصفوة الناس؛ ولأنهم آمنوا بالله تعالى، وصدقوا المرسلين، يقول الله تعالى فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨] أي: حاسب نفسك: ماذا صنعت لغد؟ ماذا تعمل لو مت الآن؟ لو جاءك ملك الموت ومت الآن، ماذا عندك من المؤهلات التي تنفعك يوم القيامة؟ كيف صلاتك وعقيدتك وزكاتك؟ وبرك وصلتك لرحمك، وتلاوتك لكتاب ربك وحبك وبغضك؟ وعينك في الحلال؟ وأذنك في الحلال؟ وكل حياتك؟ ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨].

стр. 1822

جزاء المتقين في الدنيا والآخرة يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ [الحديد:٢٨] فماذا يحصل لكم بعد هذا؟ قال: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد:٢٨] أي: يعطكم نصيبين من رحمته، قال العلماء: نصيب في الدنيا ونصيب في الآخرة. فيعطيك الله نصيباً في الدنيا والآخرة فيرحمك؛ يرحمك في الدنيا فيبقيك على الصراط المستقيم، وينور بصيرتك، ويحبب إليك الإيمان، ويكره إليك الكفر والفسوق والعصيان، ويوفقك ويسددك ويهديك ويشرح صدرك للإيمان، وبعد ذلك يرحمك في الآخرة فيجيرك من النيران ويجعلك من أهل الجنان: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد:٢٨] قال العلماء: نوراً هنا: نكرة، أي: يجعل لكم نوراً شاملاً في الدنيا، والقبر، وعلى الصراط، كما قال : ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمْ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً﴾ [الحديد:١٢ - ١٣]. والنور في القبر كما قال ﷺ والحديث في صحيح مسلم: (والصلاة نور) فالصلاة نور في القبر؛ إذا أردت أن تنور القبر فبالصلاة، بحيث إذا دخلت لا يوجد إلا الأنوار، فحافظ على الصلاة من الآن، حتى تكون الصلاة لك نوراً يوم الظلمات، يوم تترك نور الدنيا، ويضعونك في العمارة النهائية المصيرية، في قبر موحش مظلم، مساحته ضيقة وليست متسعة، ثم لحد، ثم ظلام وليس معك شيء إلا عملك وصلاتك، والصلاة نور ليوم القيامة، إلى آخر الأمر، قال الله : ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٢٨] لأنه وقد تقع من الإنسان هفوات فلا أحد معصوم، وكلكم خطاءون ولكن من غير إصرار ولا مداومة. ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال:٢٩] قال العلماء: (فرقاناً) يجعله الله لك بالتقوى؛ وهو نور يقذفه الله في قلبك وبين عينيك فترى به طريق الخير فتتبعه، وطريق الشر فتجتنبه، وهذا معنى الفرقان الذي تفرق به بين الحق والباطل، والخير والشر، والهداية والضلالة، وطريق الله وطريق الشيطان، لماذا؟ لأن عندك نوراً وفرقاناً، لكن إذا لم يوجد نور ولا فرقان فربما يسير الإنسان في الغواية والضلال -والعياذ بالله- لأنه لا يدري فهو أعمى؛ والأعمى تسهل قيادته إلى المهالك والعياذ بالله. هذه التقوى -أيها الإخوة- وجهت للمؤمنين.

стр. 1823

أمر الله للنبي بالتقوى لعظمها آخر ما وجه الأمر بالتقوى إلى أفضل خلق الله أجمعين وهو: رسول الله ﷺ سيد ولد آدم، وخير من سار على الأرض، وصاحب اللواء يوم العرض، وأول من تنشق عنه الأرض، وصاحب الشفاعة العظمى يوم القيامة، وأول من يدخل الجنة، صلوات الله وسلامه عليه، فله المنزلة الرفيعة عند الله، وله المقام العظيم، وهو صاحب الحوض المورود، والمقام المحمود، واللواء المعقود، هذا الرجل ﷺ بأبي هو وأمي، سيد الخلق أجمعين، نادى الله الأنبياء كلهم بأسمائهم إلا هو: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥] ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦] ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ﴾ [القصص:٣١] ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة:١١٦] كل نبي باسمه، أما محمد ﷺ فلا يوجد في القرآن يا محمد، إلا ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال:٦٤] ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة:٤١]. وذلك لعظمه ﷺ ، هذا العظيم يقول الله تعالى له في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١] أتقى خلق الله، وأعلم الناس بالله، والله تعالى يقول له: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١] ما معنى هذا؟ قال المفسرون: ليس معنى هذا أن النبي ﷺ ليس متقياً لله، ولكن لتأكيد الأمر بالتقوى؛ لعظم منزلة المتقين عند الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١] وكان أتقى خلق الله، يقول: (إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ومع هذا فأنا أصوم وأفطر، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني) هكذا قال ﷺ .

стр. 1824

ترجمة رواة حديث: (اتق الله حيثما كنت) عنوان الدرس في هذه الليلة (اتق الله حيثما كنت) وهذه الجملة جزء من حديث رواه الترمذي في السنن وقال عنه: بأنه حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحيح، وهذا الحديث من رواية أبي هريرة وأبي ذر الغفاري جندب بن جنادة ومعاذ بن جبل ﵃.

стр. 1825

ترجمة أبي هريرة ﵁ أبو هريرة ﵁ راوي أكبر قدر من أحاديث النبي ﷺ . واسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي؛ من دوس من بلاد زهران، أسلم في السنة السابعة، وأدرك النبي ﷺ أربع سنوات فقط، لكنها كانت أربع سنوات مملوءة علماً، فروى أكثر السنة، وكان متخصصاً في حفظ وفهم سنة النبي ﷺ ، وعاش فقيراً في الصفة، فلم يكن له بيت ولا مزرعة ولا غنم ولا جمال، وإنما عنده حديث النبي ﷺ ، وكان يجلس في الصفة يتعلم العلم، ويدخل بيت النبي ﷺ بغير استئذان. هذا الرجل العظيم يقول: (خرجت يوماً من المسجد وأنا جائع، ووالله إني كنت أتقلب على الأرض وأتلوى وكأن بي مساً من الجن، ووالله ما بي مس من الجن وما بي إلا مس الجوع، فمر أبو بكر من عندي فسألته عن آية، ووالله إني لأعرف معناها، ولكن أردت منه أن يستتبعني -أي: يقول: تفضل- قال: فأخبرني بمعنى الآية ولم يستتبعن) يقول: ما قال: تفضل، وليس أبو بكر بخيلاً ﵁، ولكنه ما كان لديه شيء فكل ماله ينفقه في سبيل الله، وكل شيء يأتيه يحوله إلى الآخرة. قال: (ثم خرج عمر ﵁، فتبعته وسألته عن الآية لكي يستتبعني، فأعطاني علم الآية ولم يستتبعن، قال: ثم خرج رسول الله ﷺ ، فسألته عن الآية فأخبرني، ثم قال: اتبعن يا أبا هريرة -صلوات الله وسلامه عليه، وهذا نبي وليس في بيته شيء- فلما دخل البيت قال: أعندكم شيء؟ قالت: لا. ثم ذهب إلى الأخرى، قال: أعندكم شيء؟ قالت: لا. ثم الأخرى: أعندكم شيء؟ قالت: لا. حتى دخل على واحدة من نسائه صلوات الله وسلامه عليه، قالت: نعم. عندنا قليل من اللبن أهداه لنا رجل من الأنصار -جفنة صغيرة من اللبن جاءت هدية إلى النبي من بيت أحد الأنصار- قال: أحضريه؛ فأخذه. ولما رآه أبو هريرة فرح وقال: سأشرب منه حتى أشبع، ولكن النبي ﷺ قال: يا أبا هريرة: اذهب إلى أهل الصفة وائتني بهم، قال أبو هريرة: فحزنت حزناً كبيراً، وقلت: ما تصنع هذه الجفنة في أهل الصفة وأنا ساقيهم لن تبقى لي شربة واحدة منها، قال: فجاء أهل الصفة وهو سبعون رجلاً، وجلسوا صفاً واحداً في مجلس النبي ﷺ ، قال: وقام رسول الله ﷺ وأخذ الجفنة وقال: يا أبا هريرة: أدر الجفنة واسق القوم، قال: فأعطيت الأول فشرب حتى شبع، ثم نقلتها إلى الثاني ووالله ما نقصت قطرة واحدة -يشربون منها وهي مكانها لا ينقص منها شيء، وهذه من معجزات النبي ﷺ قال: فشرب السبعون كلهم، حتى انتهوا ولم يبق إلا أنا والنبي ﷺ ، قال ﷺ : بقيت أنا وأنت يا أبا هريرة! قلت: نعم يا رسول الله! قال: اشرب يا أبا هريرة! قال: فشربت حتى شبعت ثم تركت الإناء، قال: اشرب يا أبا هريرة! قال: فشربت حتى شبعت ثم تركت الإناء، قال: اشرب يا أبا هريرة -وهذه المرة الثالثة وهو لا يعصي الرسول- قال: يا رسول الله! والله لا أجد له مسلكاً -يقول: عبأت المسالك كلها والآن لا أجد له مكاناً، فأين أذهب به؟ - فضحك صلوات الله وسلامه عليه حتى بدت أسنانه ﷺ هذا الرجل العظيم يحدث بهذا الحديث.

стр. 1826

ترجمة أبي ذر الغفاري ومعاذ بن جبل ﵄ وأيضاً يحدث به أبو ذر الغفاري؛ وهو من السابقين إلى الإسلام، وهو من قبيلة غفار، واسمه جندب بن جنادة، يقول فيه النبي ﷺ : (ما أظلت الخضراء ولا أقلَّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر) وهذه شهادة من النبي ﷺ ، والخضراء السماء، والغبراء الأرض. وقال النبي ﷺ : (يرحم الله أبا ذر! يموت وحده، ويبعث وحده، ويأتي وحده). ويروي الحديث أيضاً معاذ بن جبل ﵁؛ وهو إمام العلماء يوم القيامة، فجميع علماء الأرض يأتون خلفه، وبينهم وبينه رتوة، يقدمهم ﵁ وأرضاه وهو من فقهاء الأنصار، أرسله النبي ﷺ إلى اليمن، وهذا الرجل كان يحب مجالس العلم، ولما حضرته الوفاة بكى، وكانت عنده بنت صغيرة، فقالت: يا أبتاه! ما يبكيك؟ أما تعلم أن ما لك عند الله خير من الدنيا، قال: [بلى والله! إني لا أبكي من الدنيا من أجل جني الثمار، ولا غرس الأشجار، ولكن لمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر، ولظمأ الهواجر، وسهر الليالي].

стр. 1827

تقوى الله وحسن الخلق من طرق الجنة يقول: أريد الدنيا من أجل هذه الأمور الثلاثة: ظمأ الهواجر بالصيام، وسهر الليالي بالقيام، ومزاحمة العلماء بالركب في مجالس الذكر، أما غير هذه فلا أريدها، ﵃ وأرضاهم. قال رسول الله ﷺ لـ معاذ: (اتق الله حيثما كنت -وهو عنوان الدرس- وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وفي بعض النسخ: حديث حسن صحيح. هذا الحديث -أيها الإخوة- يدخل في معناه أيضاً حديث آخر لـ أبي هريرة: (أن رسول الله ﷺ سئل: ما أكثر ما يدخل الناس النار؟ وما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال ﷺ : أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق، وأكثر ما يدخل الناس النار: الفم والفرج). فمن طرق النار الفم والفرج، ومن طرق الجنة تقوى الله وخشيته ومراقبته، وحسن الخلق. وهذا المعنى اشتمل تنظيم العلاقة بين العبد وبين الله عن طريق التقوى، وبين العبد وبين الناس عن طريق الخلق؛ لأن الأخلاق الحسنة هي التي تستطيع أن تستوعب الناس بها، يقول ﷺ : (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن تسعوهم بأخلاقكم) فلو أن عندك ملايين الدنيا فالناس أكثر منك، ولا يسع الناس إلا من خلق الناس، ولا يكفل الناس إلا رب الناس، أما أنت فتستطيع أن تسع الناس كلهم بالأخلاق الحسنة، فتبتسم لهذا، وترد السلام على هذا، وتعطي هذا، وتعفو عن هذا، وتحلم على هذا، فيحبك الناس كلهم، قال ﷺ : (إن أقربكم مني منزلة يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون، وكاد حسن الخلق أن يذهب بخيري الدنيا والآخرة) فأكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق، وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند وابن ماجة والترمذي. وهذه وصية النبي ﷺ بتقوى الله: (اتق الله حيثما كنت) وصية جامعة عظيمة شاملة لحقوق الله والعباد، فإنَّ حق الله أن يتقى حق تقاته. والتقوى وصية الله للأولين والآخرين. وأصل التقوى وحقيقة التقوى: أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره من عذاب الله وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من العذاب في النار وقاية تقيه من ذلك بفعل طاعته وترك معصيته، هذه هي التقوى: فعل طاعة الله وترك معصيته، وتستطيع أن تعرض نفسك وتزنها وتعرف: هل أنت من المتقين أم أنك من الفجرة الأشقياء، وذلك عن طريق معرفة أوامر الله، وعرضك لنفسك على الطاعات، هل أنت منفذ لها؟ واعرض نفسك على المعاصي، هل أنت واقع فيها، فإذا وجدت أنك منفذ لأوامر الله، مبتعد عن مناهي الله، فاعلم أنك في أعلى درجات المتقين، وإن تكن الأخرى فلا حول ولا قوة إلا بالله!

стр. 1828

إضافات التقوى في القرآن وتعريفها تقوى الله تضاف أحياناً إلى الله، وأحياناً إلى النار، وأحياناً إلى يوم القيامة، بحسب سياق الوضع في القرآن الكريم، فإذا قيل: اتقوا الله كان معناها: اتقوا عذاب وبطش ونقمة وشدة الله ، يقول : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المجادلة:٩] ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨]. وتارة تضاف إلى النار كما قال الله : ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤]. وتارة تضاف إلى يوم القيامة كما قال : ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١] لأن يوم القيامة هو زمان العذاب، والنار هي مكان العذاب، فإذا وعد الله وقال: (اتقوا النار) فإنها المكان الذي يعذب فيه المجرمون، وإذا قال: (اتقوا يوم القيامة) فإنها الزمن الذي يعذب فيه المجرمون. وعن خوف الله وتقوى الله تنشأ حياة القلب، ومن عدم التقوى تنشأ عقوبة الدنيا والآخرة، يقول الله : ﴿وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠] ويقول : ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر:٥٦] فهو أهلٌ لأن يتقى ويحذر ويخاف منه، وهو أهل لأن يغفر لمن تاب ورجع وخشي عذاب الله وشدة الله وبأسه.

стр. 1829

تعريفات التقوى التقوى تشمل جميع درجات الدين: فتشمل فعل الواجبات وترك المحرمات، ويدخل فيها أيضاً فعل المندوبات والمستحبات، وترك المكروهات وهي أعلى درجات الدين، يقول الله : ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢] أي: القرآن هدى للمتقين، ثم: ما هي صفاتهم؟: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٣ - ٥]. وينادي يوم القيامة كما قال معاذ بن جبل -وهذا له حكم الرفع-: (ينادي منادٍ يوم القيامة: أين المتقون؟ فيقومون -وهم قليل- في كنف الرحمن لا يحتجب منهم ربنا ولا يستتر). التعريف الأول: قال ابن عباس: [المتقون الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى]. التعريف الثاني: قال الحسن البصري: [المتقون اتقوا ما حرم الله، وأتوا ما افترض الله]. التعريف الثالث: قال عمر بن عبد العزيز: [ليس تقوى الله بصيام النهار وقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله، وأداء ما فرض الله، فمن رزق بعد ذلك شيئاً فهو خير إلى خير] يقول: ليست التقوى أن تصلي وتصوم، ثم تذهب وتغني، وتشرب الدخان، وتحلق اللحية، وترى الأفلام والنساء وأنت تصلي وتصوم، فهذه ليست تقوى، فتقوى الله أن تقوم بطاعة الله، وتترك معصية الله، وتزيد خيراً على خير، هذا كلام عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه. التعريف الرابع: قال طلق بن حبيب، وتعريفه كما قال العلماء هو أشمل تعريف للتقوى، قال: [التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخشى عقاب الله] فقد يعمل الإنسان من الطاعة ولكن على جهل، فقد يصلي صلاة ولكن بدون خشوع أو طهارة أو إخلاص، إذ لا بد أن يعمل العمل على نور، وأن يكون هدفك من هذا العمل الصالح أن ترجو ثواب الله، وهذا هو إخلاص، فلا ترجو ثواب الدنيا ولا الرياء ولا السمعة، ولا أن يقال: فلان دين، بل ترجو ثواب الله، وتخشى عقاب الله، أي: لا تخش العار؛ لأن بعض الناس لا يزني لأنه خائف على الوظيفة والسمعة، ولو مكن من الزنا لوقع فيه، ولكن يخاف على سمعته ومكانته، لا. بل تخشى عقاب الله قبل كل شيء. هذا معنى التقوى. التعريف الخامس: قيل: التقوى، وهذا القول ينسب إلى علي ﵁: [التقوى أربعة أشياء: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل] فإذا وجدت معك هذه الأربع فأنت متقٍ، فالخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل -أي: القرآن المنزل- والرضا بالقليل مما رزقك الله؛ لأن المقسم هو الله، والاستعداد ليوم الرحيل، فإذا عملت بهذه الأربع فأنت من خيار المتقين. ويقول أبو الدرداء ﵁ وهو صحابي جليل -وأنا أحب أن أعرج بكم دائماً على سير الصحابة لنكون على علم بهؤلاء الرجال العظماء- أبو الدرداء هذا الصحابي العظيم يقول: [ثلاث أحبهن ويكرههن الناس، قالوا: ما هن يرحمك الله؟ قال: الفقر والمرض والموت، قالوا: وكيف تحبها والناس يكرهونها، قال: أما الفقر فأحبه تواضعاً لربي، وأما المرض فأحبه تكفيراً لخطيئتي، وأما الموت فأحبه للقاء ربي] وكان يقول: [من كان له كنز فليكنزه في السماء؛ فإن القلب معلق بالمال، فإذا كنزت مالك عند الله، تعلق قلبك بالله، وإذا كنزت المال في الأرض تعلق قلبك بالأرض] التعريف السادس: يقول أبو الدرداء ﵁: [كمال التقوى: أن يتقي الله حتى يتقيه من مثقال ذرة] يتقي الله من مثقال ذرة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه﴾ [الزلزلة:٧] فلتتق الله أيها العبد ولا تضع مثقال ذرة من العمل الصالح! أو من لحظات عمرك إلا في طاعة الله، ولتتق الله في مثقال الذرة من المعاصي، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه﴾ [الزلزلة:٨]. التعريف السابع: قال سفيان الثوري وهو من التابعين: إنما سموا متقين؛ لأنهم اتقوا ما لا يتقى. وقال موسى عن المتقين: إنهم الذين تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في شيء من الحرام، فسماهم الله متقين. وفي الحديث قال ﷺ : (لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به مخافة أن يقع فيما به بأس) وهذا هو معنى ترك الشبهات: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) والعياذ بالله.

стр. 1830

ترجمة ابن مسعود ﵁ وتعريفه للتقوى سئل ابن مسعود عن معنى تقوى الله ﵁ وأرضاه، وابن مسعود هو عبد الله بن أم عبد الهذلي، كان قصير القامة؛ إذا وقف والناس جلوس كان في مثل طولهم، وكان دقيق الساقين، ولكن يحدثنا رسول الله ﷺ عنه فيقول: (من أراد أن يقرأ القرآن غضاً طرياً كأنما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد) أي: ابن مسعود، ويقول فيه: (ملئ إيماناً من مشاش رأسه إلى أخمص قدميه). ويقول وقد طلع يوماً من الأيام في نخلة يريد أن يجني منها ثمراً، فكشفت الريح عن ساقيه؛ فضحك بعض الصحابة لدقة ساقيه، فقال ﷺ : (أتعجبون من دقة ساقي ابن مسعود، والذي نفسي بيده! لهما أثقل عند الله في الميزان من جبل أحد) فهما ساقان دقيقتان ولكنها أعظم عند الله من جبل أحد؛ لأنها حملت رجلاً من أعظم الرجال، فمن الناس من سيقانه مثل سيقان الفيل ولكنها إلى النار -والعياذ بالله- لأنه لا يقف عليها بين يدي الله، ولا دخل بها بيتاً من بيوت الله، بل يصول بها ويجول في الملاعب والمنتزهات والشواطئ، ولكن أماكن الخير ومواطن الرضا لا يأتيها، هذه إن كانت سمينة، لكنها سمينة وإلى النار. لكن السيقان الدقيقة لم تحمل هذا الصحابي إلا في الخير، وفي يوم بدر، فـ ابن مسعود لما أسلم كان داعياً لبعض أهل مكة، وهو من قبيلة هذيل وهي قبيلة بجانب مكة، فلما أسلم علم به أبو جهل فلقيه في بعض طرقات مكة، وأمسك أذنه وكان يعركها، وقال له: أصبأت يا رويعي الغنم! قال: فسكت؛ لأنه لا يستطيع أن يتكلم فلو تكلم فإنه سيذبحه، قال: فأمسكني من أذني حتى ألصقني بالجدار ثم أخرج مسماراً من جيبه ودق إصبعي بالمسمار في الجدار، يقول: وبقيت معلقاً بالمسمار طوال يومي، حتى مر أبو بكر ﵁ ففك المسمار والدم يسيل إلى الأرض، قال: فنسيتها. وجاءت الأيام ودارت الأعوام إلى أن جاءت غزوة بدر، وقتل أبو جهل، قتل بضربتين مختلفتين من معاذ ومعوذ ابني عفراء من الأنصار، ولكنه لم يمت، ولا يزال يلفظ أنفاسه، فقام ابن مسعود يتفقد القتلى، فمر على أبي جهل وهو يكاد يموت، قال ابن مسعود: فصعدت على صدره -وصدر أبي جهل كصدر البعير- وأخذت سيفي وحززت عنقه، فقال لي: لقد ارتقيت مرتقىً صعباً يا رويعي الغنم! إذا قطعت رأسي فأطل عنقي فإن العنق مع الرأس! حتى يبقى رأسي طويلاً وكبيراً، عزة حتى في الموت، الله أكبر! ما أشد عناد هذا الخبيث! يقول: فحززت عنقه -أي: قطعت رأسه- فلم أستطع حمله -فرأسه كرأس الثور كبير لا يُحمل -وابن مسعود صغير، فقد يكون رأسه أكبر من ابن مسعود، قال ابن مسعود: (فحاولت أن أحمل رأسه فلم أستطع، فأخرجت سيفي وخرمت في مسمعه، ثم أتيت بحبل وربطته في مسمعه وسحبت رأسه، حتى قدمت به إلى النبي ﷺ ، قال: فلما رآني الرسول تذكر ما حدث في مكة وقال: إيه يا ابن مسعود الأذن بالأذن والرأس زيادة) أذن في مكة بأذن هنا، ولكن معك مكسب؛ وهو الرأس، ﵁ وأرضاه. وهو الذي يقول: [والله ما من آية في كتاب الله إلا وأنا أعرف أين نزلت، ومتى نزلت على رسول الله ﷺ ، في ليل أو نهار، وفي حضر أو سفر، في حرب أو سلم] عنده تخصص في معرفة كتاب الله، ومعرفة سنة النبي ﷺ . قال: [تقوى الله أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر] أن تطيع الله فلا تعصيه، وأن تذكره، وكيف تنسى ربك الذي خلقك؟!! وما أعظم نعم الله على الإنسان، نعمة الخلق والإيجاد، والرزق والإمداد، والإيمان والإسعاد، ونعم لا تعد ولا تحصى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤] وأن يشكر فلا يكفر. وهذا معنى تقوى الله حق تقاته.

стр. 1831

التقوى ومواطنها يغلب استعمال التقوى عند التحذير من المعاصي، أي: إذا وجدت أحداً يريد أن يعمل معصية، تقول له: اتق الله، أي: خف الله خصوصاً الصغائر؛ لأن الصغائر يقع فيها الإنسان وهو لا يشعر.

стр. 1832

تقوى الله في مواطن العصيان يقول أبو هريرة وقد سئل عن التقوى قال: [هل سلكت وادياً كثير الشوك؟ قال: نعم. قال: كيف صنعت؟ قال: رأيت الشوك وشمرت وعزمت حتى جاوزته، قال: ذلك التقوى] وأخذ هذا المعنى ابن المعتمر في أبيات له يقول: خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى والناظم الآخر يقول: لا تحقرن من الذنوب صغيراً إن الصغير غداً يصير كبيرا إن الصغير وإن تقادم عهده عند الإله مسطر تسطيرا والنبي ﷺ يحذر من محقرات الذنوب، يقول: (إياكم ومحقرات الذنوب، فإنها تجتمع على المرء حتى تهلكه) وضرب بهذا مثلاً والحديث في مسند أحمد، قال: (كقوم نزلوا في فلاة فلم يجدوا حطباً، فقال لهم كبيرهم: كل واحد يأتي بعود، فانبثوا كلهم، وجاء كل واحد بعود، وأوقدوا النار وصنعوا الطعام واحتملوا منه) وكذلك المعاصي تأتي من كل طريق هذه بسيطة وهذه بسيطة ثم تأتي عليها وهي مثل الجبال الراسيات، والله تعالى يقول: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥]. أما أصل التقوى -أيها الإخوة- فهو: أن يعرف العبد ما يتقى حتى يتقيه؛ لأنك لو لم تعرف الربا أو الزنا لم تتقه، وإذا لم تعرف النظر الحرام لم تتق النظر الحرام، فلا بد من العلم بطاعة الله والعلم بالمعاصي، حتى تتقي هذه الذنوب.

стр. 1833

وجوب تقوى الله في السر والعلن كان النبي ﷺ يوصي أمته بتقوى الله في كل مناسبة، وإذا بعث أميراً على سرية أو غزوة يقول له: اتق الله، ويوصيه بالمسلمين خيراً، ولما خطب النبي ﷺ في حجة الوداع؛ الخطبة النهائية التي ليس بعدها إلا موته ﷺ وصى الناس بتقوى الله وقال: (أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة لأئمتكم). ولما وعظهم الموعظة المؤثرة التي يرويها العرباض بن سارية ﵁ قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة عظيمة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودعٍ فأوصنا، فقال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة). فكان يوصي ﷺ بتقوى الله ، وأيضاً روى الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن سعد بن مالك ﵁ لما قال: أوصني يا رسول الله! قال: (أوصيك بتقوى الله، فإن تقوى الله رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام). وفي الترمذي أيضاً من حديث أبي سلمة أنه سأل النبي ﷺ ، قال: (يا رسول الله! إني سمعت منك حديثاً كثيراً فأخاف أن ينسيني أوله آخره -يقول: سمعت كلاماً كثير وأخشى أن يأتي الكلام الأخير فينسيني الكلام الأول- فحدثني بكلمة جامعة لكل شيء، فقال ﷺ : اتق الله فيما تعلم).

стр. 1834

التقوى وصية الصالحين لم يزل السلف ﵃ من الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة يتواصون بها. فقد كان أبو بكر الصديق ﵁ يقول في خطبته: [أما بعد: فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو أهله، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، وأن تجمعوا الإلحاح بالمسألة، فإن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]] وعمر لما حضرته الوفاة كان يقول لأولاده: [اتقوا الله]. وكان علي إذا استعمل سرية أو رجلاً على سرية قال له: [أوصيك بتقوى الله، واجعل تقوى الله نصب عينيك، فإنه من اتقاه وقاه، ومن أقرضه جازاه، ومن شكره زاده] فاجعل تقوى الله بين عينيك. وكتب عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه الخليفة الخامس إلى رجل، فقال: [أوصيك بتقوى الله الذي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل]. إي والله أيها الإخوة في الله! إن القائمين والواعظين بهذه الكلمة كثير، ولكن الواقفين عندها والعاملين بها قليل إلا من عصم الله، فالله المستعان! يقول الناظم: شقيت بما جمعت فليت شعري ورائي من يكون به سعيدا أي: هذا المال الذي أخلفه من سيكون به سعيداً من بعدي؟ أعاين حسرة أهلي ومالي إذا ما النفس جاوزت الوريدا يقول: أرى أهلي وعمارتي ومالي إذا النفس جاوزت الوريدا: أُعدِّ الزاد من تقوى فإني رأيت منيتي سفراً بعيدا تبدل صاحبي في اللحد مني وهال على مناكبي الصعيدا فلو أبصرتني من بعد عشرٍ رأيت محاسني قد صرن دودا وحيداً مفرداً يا رب لطفاً بعبدك حين تتركه وحيدا الله المستعان! ولا إله إلا الله! لا إله إلا الله من تلك المواقف التي سنمر بها في يوم القيامة! لا إله إلا الله من تلك المواقف التي سنمر بها في عرصات القيامة! ولا إله إلا الله من ذلك الضيق وتلك الظلمات التي سوف نعيشها في القبور! يقول ابن قدامة، لما رأى شيبة في رأسه: أبعد بياض الشعر أعمر مسكناً سوى القبر إني إن فعلت لأحمق يخبرني شيبي بأني ميت وشيكاً وينعاني إليَّ فيصدق تخرق عمري كل يوم وليلة فهل مستطيع رقع ما يتخرق يقول: هل أحد يرقع ما يخرقه الزمان؟ لا والله! يقول: كأني بجسمي فوق نعشي ممداً فمن ساكن أو معول يتحرق إذا سئلوا عني أجابوا وأعولوا وأدمعهم تنهل هذا الموفق يعني: الموفق بن قدامة: وغيبت في صدع من الأرض ضيق وأودعت لحداً فوقه الصخر مطبق ويحثو عليَّ الترب أوثق صاحب ويسلبني للقبر من هو مشفق فيا رب كن لي مؤنساً يوم وحشتي فإني لما أنزلته لمصدق وما ضرني أني إلى الله سائر ومن هو من أهلي أبر وأرفق فيقول عمر ﵁: [إن الواعظين بها كثير، وإن العاملين بها قليل]. وخطب يوماً ﵁ وأرضاه فقال: [أوصيكم بتقوى الله، فإن تقوى الله خلف من كل شيء، وليس من تقوى الله خلف]. ويقول يونس بن عبيد: أوصيك بتقوى الله والإحسان؛ فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. وكتب رجل إلى أخٍ له: أوصيك بتقوى الله، فإنها أكرم ما أسررت، وأزين ما أظهرت، وأفضل ما ادخرت، أوصيك بتقوى الله، أعاننا الله وإياكم على طاعته وتقواه. وكتب يقول: أوصيك وأنفسنا بتقوى الله فإنها خير الزاد، والله يقول: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧] ولما سأل شعبة رجل وكان يريد سفراً قال له: أوصني، قال: أوصيك بتقوى الله فإنها وصية رسول الله ﷺ .

стр. 1835

طرق تحصيل التقوى كان النبي ﷺ يطلب من الله أن يرزقه التقى والعفاف والغنى. وطريق ذلك -أيها الإخوة- الشعور بأن الله مطلع على الإنسان في هذه الدنيا، فهذه ثمرة وأصل التقوى. ومنهاج التقوى؛ إذا شعرت بأن الله مطلع عليك، ويعلم سرك ونجواك، ومطلع على ظاهرك وباطنك، واستحضرت ذلك في خلواتك وجلواتك، كان هذا حاجزاً لك عن المعاصي والذنوب. وإلى هذا يشير معنى قول الله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ويقول الشافعي: أندر الأشياء في الدنيا ثلاثة قيل له: ما هي؟ قال: الجود من قلة، أي: كريم وليس عنده شيء، والورع من خلوة، أي: يخاف الله وحده في الليل وهو نائم، ويمر بغرفة نومه على أغنية من الأغاني التي كان يحبها في أيام جاهليته فيتقطع قلبه شوقاً إليها، ولكنه يعلم أن الله يعلم مكانه ويسمعه ويراه فيدير المؤشر ويبعدها خوفاً من الله، هذا هو المتقي حقيقة. المتقين لله حق تقاته والعارفون مكائد الشيطان خافوا الإله فخافهم كل الورى حتى ضرار الأسد في الغيران التقوى هي: إذا خفت الله واتقيت الله ﵎، يقول الشافعي: وكلمة الحق عند من يرجى أو يخاف. وكتب ابن السماك يعظ أخاً له فقال: أوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في سريرتك، ورقيبك في علانيتك، واجعل الله من ذلك على كل حال في ليلك ونهارك، وخف الله بقدر قربك منه، وقدرته عليك، واعلم أنك بعينه لست تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره، ولا من ملكه إلى ملك غيره، فليعظم منه حذرك وليكثر منه خوفك ووجلك والسلام. وقال أبو الجلد: أوحى الله إلى نبي من الأنبياء أن يقول لقومه: ما بالكم تستترون بالذنوب من الخلق، وتبارزون بها الخالق. يقول: لماذا إذا أراد الشخص أن يعصي الله ينظر في الأبواب والنوافذ والناس، ثم لا يطالع في السماء، يقول: قل لقومك: ما بالهم يستترون بالذنوب عن الخلق ولا يستترون عن الخالق، إن كنتم تعتقدون أنني لا أراكم فقد كفرتم. فالذي يمارس المعصية ويعتقد أن الله لا يراه، ما حكمه? الجواب كافر؛ لأن الله يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة:٧] يسمع دبيب النملة السوداء، في الليلة الظلماء، على الصخرة الصماء. : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [المجادلة:٧] فإذا كنتم تعتقدون أن الله لا يراكم وأنتم على المعصية فقد كفرتم، وإن كنتم تعتقدون أن الله يراكم فقد تجرأتم على مولاكم لما جعلتموه أهون الناظرين إليكم، فهل يستطيع أحد أن يرتكب المعصية وهو يعلم أن أحداً يراه؟ إذا خلا الرجل بامرأة ونظر ذات اليمين وذات الشمال فلم ير أحداً، ثم خلال قيامه عليها رأى طفلاً رضيعاً، هل يستطيع أن يزني والطفل يراه؟ لا. يخاف من طفل صغير، فكيف لا يخاف من الله؟!! دخل رجل على امرأة وأغلق الأبواب باباً تلو باب، حتى إذا وصل إليها قالت له: أغلقت الأبواب؟ قال: أغلقتها، قالت: بقي باب، قال: أين هو؟ قالت: الذي بينك وبين الله. الأبواب التي بينك وبين الخلق أغلقتها ولكن بقي بينك وبين الله باب لم تغلقه، فقام الرجل خائفاً. وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني وأنا أقول دائما لإخواني الشباب: ضعوا هذا المعيار أمام أعينكم، إذا خلوت بنفسك في الليل في أي مكان؛ في السماء أو الأرض، أو تحت أي سماء أو فوق أي أرض، وأردت أن تعصي الله، فتذكر هذين الأمرين: إن كنت تعتقد أن الله يراك فكيف تبارز الله، وتتجرأ عليه، ولا تعظمه؟!! وإن كنت تعتقد أن الله لا يراك؛ فقد كفرت والعياذ بالله!! ليس لك خيار: إما أن تقول: لا والله. أنا أعتقد أن الله يراني، فنقول: قم من المعاصي! ولا تعصه وهو يراك، أو تقول: الله لا يراني، نقول: أحسن الله عزاءك في إسلامك.

стр. 1836

تقوى الله في الخلوات والجلوات جاء رجل إلى شقيق البلخي وقال له: إن ذنوبي كثيرة، وقلبي قاسٍ، وعيني متحجرة، ولا أبكي من خشية الله، وأقع في المعاصي فعظني، قال له: إذا أردت أن تعصي الله فاخرج من أرض الله قال: أين أذهب والأرض كلها لله؟ قال: إذا أردت أن تعصي الله فلا تأكل من رزق الله. قال: ومن أين آكل إلا من رزق الله؟ قال: إذا أردت أن تعصي الله وأنت تسكن في أرضه وتأكل من رزقه، فاذهب إلى مكان لا يراك فيه أحد. قال: وأين أذهب والله يراني في كل مكان؟ قال: إذا أردت أن تعصي الله وأنت تسكن في أرض الله وتأكل من رزقه وهو يراك، فإذا جاء ملك الموت يقول لك: قد حان موتك، فقل له: لا. لن أذهب معك، أنا رجل لا أحب القبور، أنا أحب القصور والزوجات، أما القبور فليس فيها إلا وحشة، أنا لا أستطيع أن أنام في غرفة أو عمارة لوحدي، قال: لن يطيعني ملك الموت فيما أريد. قال: إن أردت أن تعصي الله وأنت تسكن في أرضه وتأكل من رزقه وهو يراك، وتعرف أنه سيدعوك بالموت، فإذا أمر الله الملائكة يوم القيامة أن يأخذوك إلى النار فارفض أن تذهب معهم! وقل: والله لا أدخل النار، أنا رجل أريد الجنة، هل يطيعونك يوم القيامة؟ قال: لا؛ لأن الله يقول: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم:٦] قال العلماء: غلاظ في الخلقة، شداد في الأخلاق. قال ﷺ : (والذي نفسي بيده! يؤتى بجهنم يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، وإن الملك الواحد ليأخذ بيده هكذا فيلقي سبعين ألفاً في النار). راود أعرابي امرأة في الصحراء وقال لها: لا يرانا إلا الكواكب، وهي تمتنع وتقول: لا. قال: لا أحد يرانا إلا الكواكب والنجوم، قالت له: فأين مكوكبها؟! أي: أين الله الذي يراك، إن كان لا يراك إلا النجوم والكواكب فإن الله الذي خلقها وكوكبها يراك؟ وكان عمر بن الخطاب ﵁ يسير في طريق ومعه الأحنف بن قيس، فمروا على راعي غنم فقال له عمر: يا راعي الغنم! بعنا شاة من هذه الغنم، فقال الراعي: إنني والغنم مملوكين لسيدي ولا أملك شيئاً، فقال: بعنا شاة وقل: أكلها الذئب، فرفع الغلام بصره إلى السماء وقال: وأين الله؟ فبكى عمر ﵁ حتى اخضلت لحيته، وذهب إلى سيد هذا الراعي واشتراه وأعتقه، وقال: كلمة أعتقتك في الدنيا وأرجو الله أن تعتقك من النار يوم القيامة. والناظم يقول: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تخفي عليه يغيب لهونا لعمر الله حتى تتابعت ذنوب على آثارهن ذنوب فيا ليت أن الله يغفر ما مضى ويأذن في توباتنا فنتوب وقال الآخر: أقول إذا ضاقت عليَّ مذاهبي وحل بقلبي للهموم ذنوب لطول جنايتي وعظم خطيئتي هلكت وما ليَّ في المتاب نصيب يذكرني عفو الكريم عن الورى فأحيا وأرجو عفوه وأنيب فأخضع في قولي وأرغب سائلاً عسى كاشف البلوى عليَّ يتوب يا مدمن الذنب أما تستحي والله في الخلوة ثانيكا غرك من ربك إمهاله وستره طول مساويكا المقصود أيها الإخوة: أنه ﷺ لما أوصى معاذاً بهذه الوصية العظيمة، أمره بتقوى الله سراً وعلانية، قال: (اتق الله حيثما كنت) في الليل والنهار، والسر والجهار، والخلوة والجلوة، والسماء والأرض، وكل مكان. اتق الله في نظرك فلا تطلقه فيما حرم الله، واتق الله في أذنك فلا تسمع بها ما حرم الله، واتق الله في لسانك فلا تتكلم به فيما حرم الله، واتق الله في فرجك فلا تطأ به ما حرم الله، واتق الله في قدمك فلا تسر بها إلى ما حرم الله، واتق الله في يدك فلا تمدها إلى ما حرم الله، واتق الله في زوجتك فلا تأمرها بمعصية الله، واتق الله في ولدك فلا تربه على معصية الله، واتق الله في بيتك فلا تملأه بمعصية الله، واتق الله في عملك، وأخلص فيه حتى يكون دخلك حلالاً، واتق الله في كل شيء اتق الله حيثما كنت. ونقول أيضاً للمرأة المسلمة، لعلها تسمع في هذا المسجد أو في خارج المسجد من خلال الشريط: اتقي الله أيتها المرأة المسلمة في صلاتك فلا تضيعيها، وحجابك؛ فإن الحجاب دين، وليس موضة ولا تقليداً ولا عرفاً ولا عادة، الحجاب دين الله وشريعته، الحجاب الساتر هو ما يستر المرأة من رأسها إلى أخمص قدميها، اتقي الله في حجابك، اتقي الله في عباد الله ولا تؤثمي العباد، ولا تعرضين العباد للمعصية؛ لأن المرأة إذا تبرجت وخرجت ورآها الناس عرضتهم لمعصية الله، فقد كانت سبباً في معصية الله، ما من عين تنظر بها إلا سمر الله في كل عين وجسد مسماراً من نار يوم القيامة. اتقي الله في أولادك وربيهم على طاعة الله، واتقي الله في زوجك في طاعته، وحفظ عرضه وماله وولده، اتقي الله أيتها المؤمنة في كل شئونك، حتى تدخلي الجنة وتكوني من المتقين لله .

стр. 1837

التقوى مطلوبة في كل شيء المقصود أيها الإخوة: أنه ﷺ لما أوصى معاذاً بهذه الوصية العظيمة، أمره بتقوى الله سراً وعلانية، قال: (اتق الله حيثما كنت) في الليل والنهار، والسر والجهار، والخلوة والجلوة، والسماء والأرض، وكل مكان. اتق الله في نظرك فلا تطلقه فيما حرم الله، واتق الله في أذنك فلا تسمع به ما حرم الله، واتق الله في لسانك فلا تتكلم به فيما حرم الله، واتق الله في فرجك فلا تطأ به ما حرم الله، واتق الله في قدمك فلا تسر بها إلى ما حرم الله، واتق الله في يدك فلا تمدها إلى ما حرم الله، واتق الله في زوجتك فلا تأمرها بمعصية الله، واتق الله في ولدك فلا تربه على معصية الله، واتق الله في بيتك فلا تملأه بمعصية الله، واتق الله في عملك، وأخلص فيه حتى يكون دخلك حلالاً، واتق الله في كل شيء اتق الله حيثما كنت. ونقول أيضاً للمرأة المسلمة، لعلها تسمع في هذا المسجد أو في خارج المسجد من خلال الشريط: اتقي الله أيتها المرأة المسلمة في صلاتك فلا تضيعيها وحجابك؛ فإن الحجاب دين، وليس موضة ولا تقليداً ولا عرفاً ولا عادة، الحجاب دين الله وشريعته، الحجاب الساتر هو ما يستر المرأة من رأسها إلى أخمص قدميها، اتقي الله في حجابك، اتقي الله في عباد الله ولا تؤثمي العباد، ولا تعرضين العباد للمعصية؛ لأن المرأة إذا تبرجت وخرجت ورآها الناس عرضتهم لمعصية الله، فقد كانت سبباً في معصية الله، ما من عين تنظر بها إلا سمر الله في كل عين وجسد مسماراً من نار يوم القيامة. اتقي الله في أولادك وربيهم على طاعة الله، واتقي الله في زوجك في طاعته، وحفظ عرضه وماله وولده، اتقي الله أيتها المؤمنة في كل شئونك، حتى تدخلي الجنة وتكوني من المتقين لله .

стр. 1838

آثار التقوى تقوى الله -أيها الإخوة- هي جماع كل شيء، وهي في السر كما هي في العلن، ولها تأثير على قلوب الناس؛ لأن من أضمر التقوى وأظهرها وعمل بها؛ قذف الله له النور في الأرض، وألقى الله له الحب والقبول في الأرض. وما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها سراً أو علانية. وما من شيء تخفيه إلا والله يظهره، يقول أبو الدرداء: [ليتق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر، قيل: كيف؟ قال: يخلو بالمعاصي فيلقي الله له البغض في قلوب الناس] فانتبه من معاصي الخلوة، فإنها مصيبة تنعكس مباشرة على الناس فيعرفونها فيك، ويقول الرسول عليه السلاة والسلام كما في حديث ثوبان والحديث في مسند أحمد، قال: (يؤتى برجال يوم القيامة معهم حسنات كأمثال جبال تهامة، فيقول الله لها: كوني هباءً. قالوا: لم يا رسول الله؟! قال: كانوا إذا خلوا بالله بارزوه بالعظائم) أي: هذه مصيبتهم أنهم يصلون ويصومون، ولكنهم إذا انفردوا ووقع بينهم وبين الناس حجاب، فإنهم لا يذكرون أن الله يراهم. أما المؤمن التقي لو كان في البحر وليس معه أحد فلا يمكن أن يقع في معصية الله؛ لأنه يستشعر مخافة الله، ويضع مراقبة الله بين عينيه! هذه هي التقوى، وإذا عمل الإنسان هذا ألقى الله له القبول والحب. يقول أحد السلف: [إن العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبين الله، ثم يجيء إلى إخوانه فيعرفون أثر ذلك] وهذا من أعظم الأدلة على وجود البارئ ﵎، وقال أحد السلف: [إني لأعصي الله فأرى ذلك في سلوك زوجتي وخلق دابتي] يقول: الدابة والمرأة تعصيني، لماذا؟ لأني عصيت الله، لكن إذا لم تعصِ الله فإنك تجد كل شيء طيب، حتى ضرار الأسد في الغيران، كما يقول: خافوا الإله فخافهم كل الورى حتى ضرار الأسد في الغيران كان صلة بن أشيم العدوي ﵁ من خيار المتقين، فهو شهيد وأبوه شهيد، كان يصلي في الليل في الغابات؛ وكان يقاتل في النهار وفي الليل يصلي، وفي ليلة من الليالي جاء يصلي فجاء أسد فشم الأسد رائحة الرجل وقرر أن يفترسه، فاقترب منه فكان يحطم الأشجار حتى وقف عنده، فما استطاع أن يتحرك أو يتقدم، فانتهى من الصلاة ونظر إلى الأسد وقال: أيها الكلب امض لما أمرك الله به، لا تشغلنا عن صلاتنا، ثم رجع وكبر، فقام الأسد يلوي ذيله ويزأر زئيراً يحطم الجبال، وتركه وذهب. ولكن بعض الناس عندما يصلي وينظر بعوضة، يرميها بيده ولا يستطيع أن يترك البعوضة، فكيف بهذا الذي ما أشغله أسد أتاه ثائراً. يقول هذا الرجل: [إني لأعصي الله فأرى أثر ذلك في سلوك زوجتي، وخلق دابتي]. ومن أغرب وأعجب ما روي: عن أبي جعفر السائح، قال: كان حبيب أبو محمد تاجراً، فمر ذات يوم بصبيان وهم يلعبون، فقال بعضهم: جاء آكل الربا -تاجر صيرفي، فمر على أطفال صغار وهم يعرفونه لكن أحدهم نظر بنور الله فقال: هذا يأكل الربا- قال: فرجعت وقلت: يا رب! أفشيت سري إلى الصبيان، فرجع هذا الرجل يبكي وقال: سري الذي لا يعرف به أحد أفشيته حتى عرفه الأطفال! كيف عرفوا أني أرابي؟!! ثم جمع ماله وقال: يا رب! إني أسير وإني أفتدي وأشتري نفسي منك بهذا المال، فأعتقني يا مولاي، ثم أصبح وتصدق بالمال الذي عنده كله، ثم مر في اليوم الثاني على الصبيان وهم يلعبون، فلما رآهم قال أحد الصبيان: اسكتوا. جاء العابد، فبكى وقال: يا رب! أنت تذم مرة وتحمد مرة وكل ذلك عندك. فيا أخي! عليك أن تراقب الله حتى يمدحك الله، وإياك أن تراقب الناس وتبارز الله بالمعاصي، وتستخفي من الناس ولا تستخفي من الله، فإذا ذمك الله فلا ينفعك مدح العالمين، وإذا مدحك الله فلا يضرك ذم العالمين، فإن الحياة والموت، والضر والنفع، والإعطاء والمنع، والخفض والرفع بيد الله، والناس لا يملكون لأنفسهم موتاً ولا حياةً، ولا بعثاً ولا نشوراً، بل كل شيء بيد الله، فراقب الله واتق الله حيثما كنت، أقولها بدءاً وختاماً، وأسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقنا تقواه. اللهم ارزقنا تقواك واجعل تقواك بين أعيننا يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. وأشكر باسمكم جميعاً مركز الدعوة والإرشاد بمنطقة جدة، وفي مقدمة العاملين به فضيلة أخي الشيخ الداعية علي الحكمي على هذه الجهود المباركة المشكورة التي يبذلونها في سبيل دعوة المسلمين، والتي من أبرزها تنظيم هذا البرنامج الشتوي الطيب المناسب الذي غطى كامل الليالي، واستمتع به المؤمنون الذين جاءوا إلى جدة من أجل أن يقضوا فترة الشتاء في هذا الجو الدافئ، فيجدوا هذا البرنامج الإيماني الذي يشغل أوقاتهم في محاضرات ليلية، ولقاءات إيمانية بالعلماء والدعاة والمشايخ، وأيضاً لذلك المكان الطيب الذي عملوه على شاطئ البحر؛ ذلك المخيم الإسلامي الذي أقامه مركز الدعوة بإذن من المسئولين على ذلك العمل. وهذا المكان يلتقي فيه الشباب المؤمن من أجل المذاكرة والمدارسة واللقاءات الإيمانية، فأنا أشكرهم على هذا، وأدعو إخواني الشباب أن يشجعوا هذا اللقاء وهذا المخيم، وأن يأتوا إليه ويقضوا أوقاتهم فيه من بعد صلاة العصر أو المغرب أو العشاء، ففيه يلتقي أهل الإيمان في رياض الإيمان مع العلماء والدعاة في حلقات ولقاءات إيمانية، أرجو الله أن يبارك في هذا العمل. وأيضاً ألفت أنظاركم في كل وقت ومناسبة وحين إلى ضرورة دعم مشروع الزواج الخيري في مدينة جدة؛ لأن هذا المشروع الدعم فيه ليس مرة واحدة، بل الدعم متواصل في كل مناسبة ووقت، وإذا مررت بصندوق أدخل ريالاً، ليكون لك بهذا الريال لبنة في بناء أسرة تعيش على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ؛ لأن هذا المشروع يشترط فيمن يدفع له إعانة الزواج أن يكون من الصالحين ليبني أسرة ويلتصق بامرأة مؤمنة، وينجب منها أولاداً صالحين، فتنشأ الخلايا الإيمانية في المجتمع، فأحثكم على التبرع، كما أحثكم على التبرع أيضاً لإخوانكم المجاهدين الأفغان، الذين ينتظرون دعمكم في كل وقت وحين، وبالأبواب صناديق لهيئة التبرعات، سواء من جمعية رعاية المتزوجين، أو من جمعية إغاثة المجاهدين الأفغان. أسأل الله أن يعينني وإياكم، ولا نبالي بالقليل ولو أنفقتم ريالاً أو خمسة أو عشرة ريالات: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩]. وإلى بعض الأسئلة باختصار؛ لأن الوقت قد ضاق عليكم. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1839

الأسئلة

стр. 1840

نصيحة إلى مرتكبي المنكرات السؤال تكلمتم عن التقوى في مطلع حديث رسول الله ﷺ : (اتق الله حيثما كنت) وأجدتم جزاكم الله خيراً، ولكن أحب أن تذكر بعض إخواننا هدانا الله وإياهم فقد جاءوا إلى هذه المدينة، وعندما يرى أحدهم المنكرات تضعف عنده التقوى، ويفعل بعض المنكرات فيسمح لنسائه بالتبرج وكشف الوجه وغير ذلك، فهل من نصيحة لهم? الجواب نعم. نحن ننصح وبملء أفواهنا من يأتي من بلاده من أجل قضاء عطلة الصيف أو نصف العام الدراسي؛ يأتي إلى المدن ويترك الحرم الشريف والحرم النبوي الشريف ولا يقوم بعمرة ولا يؤدي زيارة ولا يقوم بطاعة، إنما ينصب خيمته على الشاطئ ويبرج زوجاته، ويرفع أجهزة الشر بالأغاني والأفلام والمسلسلات، ويأكل من نعم الله ويمارس معاصيه، فنقول له: اتق الله ، اتق الله في النعم التي تتمتع بها، وفي الأمن الذي تنعم به، والعافية التي أنت فيها، والخيرات التي بين يديك، وزوجتك التي معك، وأولادك الذين في عنقك، والمجتمع الذي تعيش فيه، إذا كنت مسلماً ومؤمناً وفيك الخير إن شاء الله فاتق الله ﵎، ولا مانع من أن يأتي الإنسان إلى أخذ عمرة ثم يذهب إلى جدة من أجل أن يتمشى أو يمارس شيئاً من النزهة فلا مانع ولكن بشروط شرعية: منها: ألا يدخل إلى أماكن الحرام والتبرج والاختلاط، وما يكثر فيه النساء والأسواق التي فيها تكشف، ولا يأخذ أهله معه ولا يسمح لزوجاته وبناته أن يمارسن المعصية أبداً، بل عليه أن يذهب بهم إلى الأماكن الطاهرة النظيفة التي فيها خير والتي لا تمارس فيها المعاصي، أما أن يأتي إلى هذا فهو يخسر خسارة كبيرة.

стр. 1841

نصيحة لمن لا يعمل بما سمعه من وعظ وتذكير السؤال فضيلة الشيخ: ما أحوجنا إلى العمل، فأكثر الناس يسمعون الكلام، ولكن لنا ولهم موقف إيجابي ينعكس على حياتهم، فهناك من يسمع ولا يطبق، فهل من نصيحة? الجواب أخشى ما نخشاه -أيها الإخوة- أن يصبح الناس مدمنين على المحاضرات، ويكون الهم الأول والأخير أن يحضر من أول الوقت إلى آخره، ثم يخرج إما أن يثني أو يذم، ولا يكون لهذه المحاضرة أثر في حياته، وهذا ليس فيه مصلحة، بل هذه حجج عليه، والصحيح أن تكون هذه المحاضرة بمثابة الوصفة الطبية التي تعرض نفسك عليها، وكلما سمعت شيئاً تسأل نفسك: فإذا سمعت أمراً بالصلاة تسأل نفسك، وإذا سمعت أمراً بطاعة الله تسأل نفسك، وإذا سمعت النهي عن المعاصي تسأل نفسك: أين أنت منه؟! ثم تحاسب نفسك في كل لحظة وتعود إلى الله وتغير حالك إلى الأحسن، فإذا اتبعت هذا الأسلوب فإن كل محاضرة تحضرها تزيدك إيماناً وصلاحاً وتقوى عند الله عز جل، أما إذا اكتفيت من الحضور بالسماع فهذا لا يكفي، أي: قبل المحاضرة تغني وبعد المحاضرة تذهب لتغني، وقبل المحاضرة أنت مدخن وتشعل السيجارة عند باب المسجد، وقبل المحاضرة أنت على الأفلام وبعد المحاضرة تسهر على الأفلام، وقبل المحاضرة كنت تمشي في الشارع وتنظر إلى النساء وتمتع نظرك بالحرام، وبعد المحاضرة مستعد أن تنظر في الحرام، نعم. ما قيمة هذا الحضور؟ إن مثل هذا كمن يأتي إلى الطبيب فيأخذ الأدوية كلها ثم يرميها في القمامة ولا ينتفع بها. لا. نحن نأتي إلى هنا؛ لأن هذه المحلات مستشفيات القلوب، والعلماء هم أطباء القلوب، والدواء من القرآن والسنة، ومن صيدلية الرحمن نأخذ هذا العلاج ونتناول هذه الجرعات من أجل أن تصح قلوبنا وجوارحنا وأجسادنا فنعيش حياة الإيمان.

стр. 1842

حكم تخويف الأطفال بالخرافات السؤال هل حكاية النمنم صحيحة، أم إشاعة? الجواب أعيد لكم السؤال لأن البعض منكم ما سمع السؤال، شخص رأى أناساً يضربون رجلاً فجاء يضربه معهم، قالوا: لماذا تضربه؟ قال: مثلكم أتقرب إلى الله. فبعضكم ربما ضحك وهو لم يسمع السؤال، يقول السؤال: هل حكاية النمنم صحيحة، أم إشاعة؟ النمنم شيء يخوف النساء به الأطفال ويقولون: إنه يأكل الناس، هذه أسطورة وخرافة ولا حقيقة لها، ولا يوجد نمنم يأكل الناس؛ لأن البشر لا يأكل إلا اللحم والرز والفاكهة والبرتقال والتفاح، أما أن هناك بشراً يأكل البشر فهذا غير صحيح، وهذه من أسوأ الطرق لتربية الأولاد، فلا تخوف الولد أبداً؛ لأنك إذا خوفته وهو صغير صدقك، وهو لا يصدق إلا أباه وأمه. ومن الخرافات أيضاً قولهم: (اسكت من السعلية) هذا كله تخويف بالباطل ولا يجوز، فلا تخوف ولدك وتحضر له العقد النفسية، وإذا خرج ورأى ظله خاف، لا تخوفه إلا من الله ، وما يدور كله كذب. وهذه مصيبة! فإذا كان الكبار يخافون من النمنم، حتى لو أن إنساناً يريد أن يأكلك كله، أو يريد أن يعضك عضه، أي: أنت مثله وليس أسداً أو أي شيء. والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1843

حقيقة الإيمان [١، ٢] كل إنسان في هذه الحياة تطرأ عليه تساؤلات تتعلق بحياته من حيث: نشأته، ومصيره، وتساؤلات تتعلق بالكون والخلائق من حوله. وهذه التساؤلات وإن كانت تفيد الإنسان في إدراكه بأن لكل هذه المنظومة خالقاً ومصرفاً، إلا أن هذا الإدراك لا يمثل حقيقة الإيمان التي يجب أن يصل إليها الإنسان ليسعد في أولاه وأخراه.

стр. 1844

حقيقة الإيمان علم لابد له من معلم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: ما هذه الحياة؟ وما حقيقتها؟ ومن أين أتى إليها هذا الإنسان؟ ولماذا جاء إليها؟ وإلى أين سينتقل بعد أن يؤدي دوره على مسرحها؟ أسئلة تتردد في ذهن كل إنسان، أسئلة محيرة، وقد عجزت كل الفلسفات والمذاهب في القديم والحديث عن الإجابة على هذه التساؤلات؛ لأن الذكاء والعبقرية والعقل لوحده لا يستطيع أن يجيب على هذه الأسئلة؛ لأن العلم بالشيء لا بد أن يكون من معلم، فلو جئت -مثلاً- بشابٍ يعيش في أغوار تهامة أو في الصحراء، ودرجة الذكاء عنده متوقدة، أي: ذكي جداً لدرجة العبقرية، ولكنه لم يدرس في المدارس وأعطيته مسألة رياضية أو فك أقواس وقلت له: فك لي هذه الأقواس. وهو لم يدرس شيئاً حتى الحروف الأبجدية، فهل يستطيع ذلك بذكائه وعبقريته وفطرته فقط أو لا بد من أستاذ الرياضيات ليعلمه؟ كذلك لو جئت إلى أستاذ (الإنجليزي) الذي يقرأ اللغة (الإنجليزية) والذي ننظر إليه بإعجاب وهو كالبلبل يترنم بها، لو جئناه برسالة باللغة (الأردية) -لغة الباكستانيين- وقلنا: يا أستاذ (الإنجليزي) اقرأ هذه الرسالة. قال: لا أدري. ثم قلنا له: تعرف (الإنجليزي) وما تعرف هذه؟! قال: نعم. اللغة (الإنجليزية) أعرفها؛ لأني درست حروفها وأبجدياتها وكلماتها وتركيباتها وقواعدها وكل ما فيها عرفته، لكن هذه لغة تختلف عن هذه اللغة فلا أعرف منها حرفاً واحداً. لكن أنت ذكي؟! - أنا ذكي في مجال تخصصي، لكن شيئاً لم أدرسه لا أعرفه. وكذلك قس على هذا في كل العلوم، لا يمكن بالعقل لوحده أو بالذكاء أن تدرك علماً من العلوم إلا بالمعلم، أليست هذه قاعدة؟

стр. 1845

وسائل إدراك الغيبيات علم الآخرة، ولماذا جئنا، وما الهدف من مجيئنا، وأين سنكون بعد أن نموت، هل يمكن أن نتعلم ذلك من رءوسنا بدون معلم؟ لا يمكن، وإذا قمنا ووضعنا علوماً من رءوسنا حول هذه المواضيع تكون علومنا غير سليمة مثل البَدَوِي الذي تعطيه مسألة رياضية وتقول له: حلها لي، يحلها خطأً؛ لأنه لا يعرف يفك الأقواس، ولا المعادلة (س تربيع مع س ص)، فإذا قلت له: والله إما أن تحل المسألة هذه وإلا أذبحك، ماذا يصنع؟ يحلها خطأ، وإذا حلَّها خطأً تصبح النتائج خطأ، وتستمر سلسلة الأخطاء؛ لأنه ليس عنده معلم، وما تعلم ممن يملك العلم في هذا المجال، والبشرية لما أرادت أن تدخل نفسها في علوم لا تعرفها، ولا عندها أهلية العلم بها وقعت في الخطأ، فعندما تسأل نفسها: لماذا جئنا؟ لا تدري بالجواب؛ لأنه ليس هناك معلم يعلمها (لماذا جاء) فما اهتدوا إلى شيء إلا أن قالوا: جئنا لنعيش. إذاً: تعيشون لماذا؟ قال: نعيش لنأكل. وتأكل لماذا؟ قال: آكل لكي أعيش. وأعيش لآكل، وفي حلقة مغلقة ودائرة مستديرة، يأكل ليعيش ويعيش ليأكل. وبعد ذلك والنهاية؟! قال: والنهاية الموت. إذاًَ: أنت كنت من قبل ميتاً في العدم أفتخلق من أجل أن تموت؟! لو كان الغرض أن الله خلقك من أجل أن تموت، فقد كنت ميتاً ولم يكن هناك داع لأن تأتي، فلا داعي لأن تحمل بك أمك تسعة أشهر وتضعك كرهاً وتحملك وتربيك، ثم أنت تعاني ثم تتعب ثم تدرس، ثم تعيش ستين أو سبعين سنة، وبعد ذلك تموت، تعيش كل هذه المراحل الصعبة ثم تموت، لا، خطأ، لماذا الجواب خطأ؟ لأنهم لا يعرفون، لماذا جاءوا؟ مثل ما قيل: أين تكونون بعد هذه الحياة؟ قالوا: لا يوجد شيء بعد هذه الحياة، عدم. من قال لكم لا توجد؟ قالوا: عقولنا. عقولكم أخطأت؛ لأنكم لا تستطيعون حل المسألة الرياضية مثل ما قلنا، ولا قراءة الرسالة (بالأردية) لأنكم ما تعلمتم من معلم، ولهذا حاولتم أن تحلوا المسائل بعقولكم من غير معلم، ووقعتم في الخطأ. وقلتم أيضاً: ليس هناك شيء بعد هذه الحياة، ومن قال لكم: إنه لا يوجد شيء بعد هذه الحياة؟ من الذي مات من الناس منذ خلق آدم إلى يومنا هذا وذهب إلى الآخرة واكتشف أنه ليس هناك شيء، ثم بعث ورجع وقال للناس: لا تتعبوا أنفسكم فلا يوجد هناك شيء؟ هل هناك أحد وقع منه هذا الأمر؟ لا أحد، كل من يموت لا يرجع، ولا يعطينا حقائق عما حصل له في القبر من النعيم، أو العذاب، نحن لا ندري، فهل عدم علمنا يؤهلنا إلى أن نقول: لا يوجد شيء، هل أرى أبها الآن وأنا جالس عندكم؟ لا أراها، هل من حقي أن أقول: إنَّ أبها ليست موجودة؟ هل أنا فككت الذرة؟ لم أفكّ الذرة ولا أعرف عنها شيئاً، ولكن درسناها أنها (نيترون) مع (بروتون) وما أدري ما هو، وأنها تتفتت، إذاً هل قمتم بذلك أنتم أو أنا؟ ومدرس العلوم هل فتت الذرة؟ بل ما رآها بعينه، لكنه مؤمن بها ونحن كلنا مؤمنون بها، حسناً هل منكم من زار أمريكا؟ يمكن لا يوجد منا أحد زارها لكننا مؤمنون بها، فمعنى عدم رؤية الإنسان للشيء لا يؤهله ذلك إلى أن يقول: إن هذا الشيء ليس موجوداً. قصة الجاذبية معروفة، إسحاق نيوتن كان جالساً تحت شجرة يستظل بظلها، فسقطت حبة تفاح من الشجرة فنزلت إلى الأرض، فهو فكر، لأن عنده عقلاً كبيراً، قال: لماذا الحبة عندما انقطعت ما صعدت إلى فوق؟ أو لماذا ما ذهبت شرقاً أو غرباً، أو شمالاً أو جنوباً؟ أو لماذا ما بقيت في مكانها عندما انفكت من غصنها؟ لماذا نزلت؟ عقله سأله، قال: ثقلها. حسناً، لماذا لم يؤهلها ثقلها لتصعد إلى الأعلى؟ هناك شيء سحبها إلى الأسفل، وبعد تفكير وجد أنها الجاذبية، والجاذبية هذه خاصية من خواص الحياة، فكل شيء على وجه الأرض مربوط بحبال الجذب إليها، هل رأيتم الجاذبية؟ الآن لما انفك (الميكرفون) من يد المدير وسقط على الأرض، من الذي أسقطه؟ الجاذبية، حتى أنتم ضحكتم على تلك السقطة: هل أنتم رأيتم حبال الجذب لما جذبته؟ مثال آخر: القارورة هذه لو أني أفكها الآن أين تسير؟ تسقط، من الذي سحبها إلى تحت؟ الجاذبية، أين حبال الجاذبية، هل ترون شيئاً؟ إذاً: الجاذبية موجودة أو ليست موجودة؟ موجودة. لو أن شخصاً قال: لا توجد جاذبية ماذا نقول له؟ نقول: هذا أحمق. يا أخي! عينك لا ترى كل شيء، الجاذبية موجودة لكن عينك لا تراها. الموجات الصوتية الآن عندما نأتي المذياع ونشغله يعطينا إذاعة القرآن وإذاعة جدة وإذاعة لندن، وكل الإذاعات نسمعها، أغلق المذياع فلن تجد شيئاً، أين كانت كل هذه الأصوات التي أظهرها لنا هذا الجهاز؟ كانت موجودة في الهواء، لكن هل أراها أنا؟ هل أرى الموجة ثلاثمائة وخمسة وعشرين من جدة، وأرى الموجة ثلاثمائة وخمسة عشر من الرياض، وأرى الموجة الآتية من أمريكا ولندن ومن كل مكان؟ لا أرى شيئاً، لكن من الذي يلتقطها؟ المذياع، إذا فتحنا المذياع هربت الموجات، إذا فتحنا المذياع التقطها، هل عدم رؤيتي للموجات يدعوني للتكذيب بهذه الموجات؟ وإذا كذبت وقلت: والله لا توجد موجة في هذه الصالة لماذا؟ لأني لم أرها. يقول لي: أنت ما رأيت الموجات لكن المس أثر الموجات بالجهاز. فليس كل شيء لا تدركه ولا تراه بعينك غير موجود، ولو عملنا بهذه القاعدة في حياتنا لما تعلمنا العلوم، الآن كلكم تدرسون ويأتي أستاذ الجغرافيا بخريطة العالم، ويضع الخريطة هكذا كوسيلة إيضاح، ويأتي بالمؤشر ويقول: هذا البحر الأبيض وهذا البحر الأحمر، وهذا المحيط الهادي، وهذه أمريكا، وهذه كندا بجانبها، وهذه أمريكا الجنوبية، لو قام أحد الطلاب وقال: لا تلعب علينا أرجوك، ولا تضيع أدمغتنا، أين أمريكا؟ لا يوجد هنا إلا ورقة مصبوغة، والله لا وجود لـ أمريكا ولا روسيا ولا يوجد نهر ولا بحر ولا شيء، وكذَّب بهذا الموضوع، ما رأيكم هل تنتشر العلوم؟ وهل يمكن أن تقوم حضارة للأمم؟ نقول لهذا: يا مغفل! لا نستطيع أن نذهب بك لتنظر إلى العالم كله، ونركبك طيارة لتنظر إلى كل دولة بعينك، فليس كل شيء يجب أن تراه العين، وإلا أيضاً بالمنطق هذا نفسه لو سألتكم وقلت لكم: أنا عاقل. تقولون لي أنتم: ما تعقل به؟ أقول: أعقل بعقلي، وهذا العقل هنا في المخ. وتقولون أنتم لي: لا ليست بعاقل. لماذا؟ أنا عاقل أتصرف وأتكلم تصرف العقلاء وكلام العقلاء، تقولون: أين عقلك؟ خذ فأساً واضرب به رأسك وأرنا إياه حتى ننظر، وإلا لحكمنا عليك بالجنون لأنا ما رأينا عقلك. أجل، العين ليست وسيلة الإدراك، وإنما هناك وسائل مسعفة لتدرك بها الأشياء ولتطل منها على عالم الأشياء، وهي ما يسمى بالحواس الخمس، العطر مثلاً إذا أردت أن تعرف نوعيته: عودي أو وردي أو أي نوعية، تضعه عند عينك أو عند أنفك؟ تضعه عند أنفك، لكن لو وضعته عند عينك، هل تشم عينك رائحة العطر؟ لا. وكذلك إذا أردت أن تعرف طعم التفاحة أين تضعها عند أنفك أو في فمك؟ في فمك؛ لأن لسانك عنده قدرة على معرفة عالم الأطعمة، والأنف عنده قدرة على الإطلال على عالم الروائح، والعين عندها قدرة الإطلال على عالم الأشكال والألوان، اليد عندها قدرة وإدراك للإطلال على عالم الأجسام تحس، وما ليس بجسم تلمسه ولا لون تراه، ولا رائحة تشمه، ولا طعم تذوقه، ما تدركه بالحواس الخمس، فماذا تفعل؟ ترفضه؟ لا، قبل التخيل هناك وسيلة اسمها وسيلة الأثر.

стр. 1846

قاعدة: الأثر يدل على المؤثر فالأثر يدل على المؤثر، البدوي الأعرابي الذكي يقول: سماءٌ ذات أبراج، وأرضٌ ذات فجاج، وبحارٌ تزخر، ونجومٌ تزحف -هذه كلها عوالم تلفت النظر، ويقول- الأثر يدل على المسير، والبعر يدل على البعير، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، أفلا يدل ذلك على السميع البصير؟!! فأنت بالأثر تستطيع أن تصل إلى الإيمان بحقيقة المؤثر، ولذا هذه الغرفة الآن مليئة بهواء (الأكسجين) ولو أخرجت ورقة من جيبي الآن أمامكم فأنفخها هكذا فتتحرك، لكنكم لا ترون شيئاً خرج من فمي، مدفع حركها، أو عصا خرجت من فمي وقالت لها هكذا، شيء تحرك، هل رأيتم شيئاً خرج من فمي؟ خرج هواء، هناك تيار هوائي لكن لا ترونه بالعين، كيف رأيتموه؟ رأيتموه بأثر حركته على الورقة، نأخذ من هذا قاعدة: أن كل شيء لا ندركه بأعيننا لا ينبغي لنا أن نكذِّب بوجوده، وإذا قلنا: إنه غير موجود فقد ألغينا عقولنا. الآن يوجد جبل ظمك، وفي زاوية من زوايا هذا الجبل وتحت صخرة من الصخرات هناك مجموعة من النمل، أو لا يمكن هذا؟ لكن لما قلت لكم ذلك: قام واحد من الإخوة الآن وجاء وفتح الستار وتلفت، هل نظرت جبل ظمك؟ قال: نعم. قلت: سوف ترى ذرة تحت حجر هناك. قال: كذاب. لا يوجد، أين الذرة؟ أين النملة هذه؟ يا أخي! أنت لا تراها من هنا، إن كنت تريد أن تراها فاركب سيارة واطلع الجبل وانظرها. قال: أريد أن أراها من هنا. نقول: لعينك البصرية مجال وقدوة الرؤية عندها محدودة؛ لأن الله خلق الإنسان وأعطى لكل عضو وجارحة قدرة معينة، فمثلاً: بطنك له قدرة في الأكل، إذا وردت على الطعام فإنك تأكل حتى تشبع، لكن إذا شبعت والطعام جيد وبقيت أصناف من الطعام ما قد عممت عليها ونفسك تقول لك: لا تفوتك، لكن بطنك امتلأت، ماذا تفعل؟ غصباً، تضغط على بطنك، وإذا فعلت ذلك وضغطت على بطنك غصباً، يحصل عندك عسر هضم، وتقعد مريضاً شهراً وأنت تدور على المستشفيات تشتكي من بطنك، لماذا؟ لأنك أنت الذي خربت بطنك؛ لأن لبطنك قدرة معينة على الأكل، عندما أطعمتها فوق طاقتها لم تقدر. كذلك عضلة رجلك لها قدرة على أن تقف وقتاً معيناً، لكن إذا أوقفتها أربعين ساعة سقطت، كذلك أعضاؤك، سمعك هذا له قدرة على السماع من مسافة، لكن عندما تمر وهناك شخص يصيح على مسافة ٢ أو ٣كيلو فينقطع صوته فإن أذنك لا تسمع؛ لأن مجال قدرة أذنك على السماع محدودة، عينك كذلك محدودة. كل جارحة فيك لا تستطيع أن تلم بكل شيء، وإذا لم تر بعينك هذا الشيء؛ لضعف في إمكانات عينك وقدراتك أنت، فلا يعني هذا أن هذا الشيء غير موجود. ولذا فالذي يقول: إنه ليس هناك شيء بعد هذه الحياة، نقول له: ما أدراك أنه ليس هناك شيء؟ قال: لأني لم أنظر إلى شيء، نقول له: حسناً، والذي لا تنظر إليه ما تؤمن به. قال: أجل. قلت: كذاب، عقليتك فاسدة، وهناك شيء يسألنا بنفس السؤال يقول: لماذا جئنا؟ ومن أين؟ وإلى أين؟ هذه الثلاثة الأسئلة المحيرة لا يمكن أن تجيب عليها البشرية من عند أنفسها، لا بد أن تكون الإجابة من قوة خارجة عن الإنسانية، والبشرية هي التي جاءت بالإنسان، وهي التي تتوفى الإنسان، وهي التي تقلب الإنسان إلى عالم آخر.

стр. 1847

الإنسان أمام التسيير والتخيير المكتوب عليه الآن الناس يموتون بغير اختيار، ولو أن الموت بالاختيار هل هناك أحد يموت؟ كل شخص لا يريد أن يموت، حسناً حينما يُخلقون يخلقون باختيار أم بغير اختيار؟ من الذي جيء إليه وهو في بطن أمه وقالوا له: ما رأيك تريد أن تخلق أم لا؟ إن الإنسان يخلق رغم أنفه وبغير اختياره، كذلك التحديد في النوعيات ذكر أو أنثى ليس باختياره. بعد ذلك اللون الطول العرض الذكاء المواهب الزمن العمر كل هذه بغير اختيار، أنت أتيت ولم يؤخذ رأيك في كل قضاياك، وبعد ذلك تعيش فترة الحياة وأنت باختيار، لكن تموت بغير اختيار. وهنا يبدو جواب على الناس الذين يقولون: الإنسان مسير أم مخير؟ نقول: هو مسير ومخير. كيف؟ مثل الراكب الآن في الطائرة؛ عندما تركب من هنا إلى الرياض أو من هنا إلى جدة، أنت في عموم الرحلة مسير، هل تستطيع أن تنزل في الطائف؟ أو عندما تنظر إلى وادٍ وأنت فوق الطائرة تقول له: قف قف لأجل أن نقيل في هذا المكان، أو: متعب نريد أن نجلس هنا، لا، رحلة مصممة من أبها إلى جدة، لا تذهب إلا من هذا الخط فقط ولا يمكن أن تمر إلى غيرها، فأنت مسير، ولكن يمكنك أن ترقد على كرسيك، ويمكنك أن تقرأ جريدة أو قرآناً، وتقدر أن تأكل، أو لا تأكل، فأنت مخير في حدود كرسيك، لكن مع العموم مسير مع الناس كلهم، وكذلك أنت أيها الإنسان! مسير يوم خلقت، ومسير يوم تموت، ومخير بين الحياة والموت؟!! بإمكانك أن تهتدي، ومن يمنعك من الهداية؟ وبإمكانك أن تضل، ومن يمنعك من الضلال؟ إذا أذن المؤذن وأنت جالس في البيت فهل هناك قوة -إذا أردت أن تقوم وتصلي- تستطيع أن تأتي وتضغط على أرجلك وتشد عضلاتك وتضع (قف) على إمكاناتك ولا تقوم لتصلي؟ لا شيء يمنعك، لكن أنت لا تريد أن تقوم. وآخر يريد أن يقوم ليصلي، هل هناك من جاء وسحبه بأنفه وقال: قم فصلِّ؟ لا. ذهب إلى الصلاة باختياره، وذاك ترك الصلاة باختياره. وآخران قُدِمَ لهما شرابان حليب وخمر، فأحدهما قال: أنا أشرب الحليب فقط، لماذا؟ باختياره، والثاني قال: أريد الخمر، لماذا؟ باختياره، هل هذا أجبر على الحليب، وهذا أجبر على الخمر؟ لا، بالاختيار، فأنت بين الموت والحياة بين البقاء وبين الإجلاء بين الوجود والعدم في فترة اختيار، ولذا كانت هذه الفترة فترة اختيار وفترة تكليف وتبعة ومسئولية؛ لأنه لو لم يكن لديك الاختيار لم يكن عليك مسئولية، والله منزه عن الظلم، كيف يخلقك ويعطيك الاختيار ولا يجازيك؟ أو كيف يخلقك ولا يعطيك القدرة على الاختيار ويجازيك؟ أمعقول هذا؟! ولذا ترون أن المجنون الذي سلب العقل مرفوع عنه القلم؛ لأن التكليف منوط بالعقل، فإذا لم يعط إنساناً عقلاً فهل يعرف كيف يتصرف؟ هل يعرف متى يدخل الوقت فيقوم ويصلي؟ هل يعرف حلالاً وحراماً، هل يعرف واجباً وفرضاً؟ لا يعرف شيئاً فهو مجنون، فالله لعدله رفع عنه التكليف: (رفع القلم عن ثلاثة -يعني: المسئولية والعهدة- المجنون حتى يعقل، والصغير حتى يبلغ، والنائم حتى يستيقظ)، فلما لم يكن هناك عقل فليس هناك تكليف، لكن إذا وجد العقل ووجد الاختيار والقدرة على سلك سبيل الخير أو سلك سبيل الشر ثبت الاختيار، وثبتت معه العهدة والمسئولية؛ لأنك تعصي الله باختيارك فتحل النتيجة باختيارك، وتطيع الله باختيارك فتجد ثمرة اختيارك. ولا يقل أحد الناس: لا، أنا مكتوب عليَّ أن أعصي، ولهذا لا أستطيع إلا أن أعصي، لماذا تزني؟ كان مكتوباً. حسناً تعال إلى هذا الإنسان الذي يقول: مكتوب واضربه على وجهه بكفك، وإذا قال: لماذا ضربتني على وجهي؟ فقل له: مكتوب، والله كتب في الأجل أني سأضربك على وجهك، هل يرضى بالكتاب عليه بالصفعة هذه؟ ما رأيكم يرضى ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، جزاك الله خيراً، والله إنك صادق وأنه مكتوب علي. ويومه الثاني يرضى؟ لا، أبداً لا يرضى. حسناً هذا الرجل إذا استلم الراتب ووضعه في جيبه فقفزت وأخذت راتبه كله، وبعد ذلك يمسكونك ويقولون: ماذا بك؟ فتقول: الله كتب عليَّ أن أسرقه! هل هذا عذر يقبله الناس ويقبله هذا الذي أخذت عليه ماله؟ لا يقبل القضاء والقدر في ما يتعلق به، لكن في ما يتعلق بربه يقبله، يزني ويقول: إن الله كتب عليَّ ذلك، ويسرق ويقول: إن الله كتب عليَّ ذلك، ويشرب الخمر ويقول: إن الله كتب عليَّ ذلك سبحان الله!

стр. 1848

معنى الكتابة في الأزل ما معنى الكتابة في الأزل؟ هذا سؤال مهم جداً أرجو أن تنتبهوا إلى الإجابة عليه؛ لأن سوء الفهم للحديث الذي ورد عن رسول الله ﷺ يؤدي بالإنسان إلى الهلاك والضلال. إن الله كتب حينما وُلِدَ الإنسان في بطن أمه، ومرت أربعة أشهر -مائة وعشرون يوماً- وبدأ الشهر الخامس ينزل الملك ويبدأ يحدد النوع ويكتب أجله ورزقه وشقي أم سعيد، ما معناه؟ معنى الكتابة أولاً: يقول العلماء: إنها سابقة لا سائقة، الكتابة سابقة عند الله ولكنها ليست سائقة، أي: أنها ليست ملزمة ومجبرة للإنسان كيف؟ الآن إذا أراد إنسان أن يبني عمارة ما الذي يلزمه في أول مراحل البناء؟ أن يعمل مخططاً، ثم يذهب إلى المكتب الهندسي ويقول: أنا عندي أرض مساحتها عشرون متراً في عشرين متراً، على شارع عام، أريد أن أعمل فيها عمارة، ويعطيه كل التصورات التي يريدها؛ الدور الأول محلات تجارية، والبدروم مستودعات، والدور الثاني شقق سكنية، والدور الثالث أريده سكن لي أنا وعائلتي، المبنى يتكون من ثلاثة أدوار: المجلس أريده أن يكون عشرة في خمسة، (والمبلط) بجانبه سبعة في ثلاثة؛ لأني كريم وصاحب ولائم وعندي أقارب ومناسبات كثيرة، وأيضاً أريد غرفة للنوم والحمام بداخلها، يعطيه كل هذه المواصفات ويقوم المهندس فيترجم هذه المعلومات كلها في مخطط كامل، وبعد ذلك يعرضه عليه ويجري عليه تعديلات سهلة على الورق، فإذا استقر الرأي قال: يا (مهندس) نفذ! فتقوم العمارة سليمة. لكن ما رأيكم في صاحب العمارة لو جاء وأتى باليمنيين من السوق والمقاولين وبدون مخطط وقال: ابدءوا في بناء العمارة. قالوا: كيف نفعل العمارة؟ قال: ابدءوا على كيفكم افعلوا العمارة المهم (البلك والإسمنت) والحديد موجود، حسناً وأين نجعل المجلس؟ اجعلوه هنا على اليمين، على أساس الناس إذا دخلوا على اليمين. (والمقلة؟) قال: ضعوه بجانبه. كيف نعمله؟ قال: قدروا وانظروا. وبعد العصر جاء واحد وقال: لماذا وضعتم المجلس على اليمين؟ هذا خطأ الشمس لا تدخل هنا، اجعل المجلس في الشمال، فدعا العمال: وضع المجلس هنا خطأ، انقلوا المجلس هنا، بعد قليل المهم ما رأيكم في عمارة هذا الإنسان؟ هل هي سليمة أو تنهدم رأساً؟ وبعد ذلك الأساس كم هو؟ قال: ضعوا القواعد هنا متر في متر، أي: الأرض صلبة، جاء واحد قال: لا، ثلاثة أدوار يا شيخ! ولعل الله أن يمد في عمرك ويضع لك أولادك أيضاً دورين أو ثلاثة لا، ضع القاعدة مترين في مترين، فدعاهم وقال: انقضوه، خذوا (الصبة) هذه واجعلوها مترين في مترين، جاء شخص بعد ذلك قال: يا شيخ أنت مخطئ كيف تضع مترين في مترين؟ أنت على شارع عام يا شيخ، والدنيا تتطور كل يوم، هل تريد أن تهد عمارتك بعد ذلك؟ اجعلها ثلاثة في ثلاثة يا شيخ، لا تبخل على نفسك، وإلا ندمت بعد ذلك. بالله ما رأيك في هذا المسكين؟ هل عمارته هذه سليمة، أم أنها خطأ في خطأ؟ لماذا؟ لأنه مرتجل، ودائماً الارتجال نتيجته الفشل باستمرار. أليس المدرسون عندكم في المدرسة يضعون خطة للدراسة في أول العام، ويقسمون المنهج على أشهر السنة، بحيث يطالب كل مدرس الشهر الأول بأن ينجز من وإلى، وفي الشهر الثاني من وإلى، هذا في العرف؟ لكن يمكن في الشهر الأول يزيد قبل الحل، ويمكن في الشهر الثاني لظروف معينة يمد عليه المنهج لصعوبة بعض بالمواد، لكنه في هذا الإطار، لكن لو جاء في أول السنة وقام المدير وقسم المنهج على أشهر السنة قال: لا داعي للتقسيم هل تريدني أن أمر على الطلاب مرور الكرام؟ أم تريدني أن آخذ المنهج والطلاب لا يفهمونه؟ ماذا يفعل المدير لهذا المدرس؟ يقول المدير له: أنت مدرس فوضوي، ولا تصلح لعملية التعليم؛ لأنك لم تنظم المادة ولا قسمت المنهج، الآن كيف أسير الطلاب هؤلاء؟ أنجحهم إلى سنة ثانية وهم لم يدرسوا المنهج، أو أسقطهم سنة وأعطل مستقبلهم؟ إذاً: أنت الفاشل وسوف أبعدك من هنا. فالتخطيط مطلوب لكل عمل، وإذا كان هناك ارتجال فكيف يصير العمل؟ خطأ في خطأ، وقفنا عند هذه الناحية، ولله المثل الأعلى. الله ﵎ حينما أراد أن يخلق الكون والحياة لم يرتجل وإنما عمل -نحن نسميه في عرفنا مخططاً- القضاء والقدر، أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب في اللوح المحفوظ. قال له: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة -عمل المخطط- كل ما هو كائن مكتوب في اللوح والمخطط عند الله، والتنفيذ في الميدان. ومعنى الكتابة: سبق العلم، وهو أن الله علم في الأزل أنَّ زيداً وعمراً من الناس، وهذين الشخصين سوف يوجدان ويخلقان ويبلغان سن التكليف، ويعلمان بأوامر الشرع، وتكون لديهما القدرة على اختيار سبيل الخير أو الشر، ولكن زيداً من الناس رجل عاقل استقام واستجاب لأوامر الله وقام على الدين حتى مات، فعلم الله أنه نتيجة استقامة زيد على دينه أن يكون سعيداً، فكتبه سعيداً وهو في بطن أمه، وأن عمراً هذا سيبلغ سن التكليف وسوف يكون رجلاً، وسوف تبلغه الشريعة، ولكنه لن يستجيب لأمر الله ولا لداعي الله، وإنما سيستجيب لداعي الشيطان والهوى والشهوات والمعاصي؛ فكتبه الله شقياً. أفنريد على الله ألا يعلم ماذا سيكون غداً؟ إذا كنا أنا وأنتم لا نعلم ماذا سيصير غداً أليس كذلك؟ أنريد ألا يعلم الله ماذا سيصير غداً أيضاً؟!! إذا كان الله لا يعلم ماذا سيصير غداً فهو مثلنا، فعلم الله مثل علمنا، لكن ما دام أن الله عليم فوجب أن يكون علم الله أقدر وأنفذ من علمنا، فهو يعلم ماذا سيكون غداً.

стр. 1849

موقف الإنسان من علم الله الأزلي إن علم الله الأزلي ليس معناه أنه ملزم لنا، وأضرب لكم على هذا مثالاً من واقع المدرسين: لو أتينا إلى أحد المدرسين وليكن في التوجيه، وجاء المدير فدخل عليه في الفصل وقال: يا أستاذ كم تتوقع نسبة النجاح عندك في الفصل في نهاية السنة؟ فالمدرس شغَّل عينه كذا في الطلاب، وراجع دفتر المكتب، ورأى العلامات والذين يتجاوبون معه في الدراسة والمجتهدين، والذين يحلون الواجبات وينتبهون للشرح، والذي عنده تفاعل مع الدرس، فذهب إلى المدير وقدم له بياناً، فقال له: الفصل فيه (٢٠) طالباً، (١٨) طالباً أتوقع نجاحهم، أما (٢) فأشك في نجاحهما؛ لأنهما مهملان؛ أولاً: كثيرو الغياب، ثانياً: أنهما ينامان بكثرة في الفصل، من حين أن يدخل يضع يده على الماسة ونام نومة إلى أن يأتي الأستاذ فيوقظه: ولد أين أنت؟ قم. قال: سهران البارحة. سهران في ماذا؟ أفي الجهاد؟ لا سهران على المسلسل والورقة و (البلوت) والقهوة، ويأتي في الصباح نائماً، صارت المدرسة للنوم، يأتي ليحصل التعليم فيحصل النوم. حسناً هل أديت الواجب؟ قال: نسيت الدفتر. حسناً والمسألة؟ قال: الامتحان بعيد يا أستاذ، لا تشدد علينا، الله يبارك فيك، يسروا ولا تعسروا. ويستشهد بالأحاديث. فجاء الأستاذ إلى المدير وقال: أما فلان وفلان فإنهم ساقطان، إلا إن غيرا من وضعهما. فالمدير وضع الورقة عنده في الماسة، وبعد ذلك مرت السنة، وفي آخر السنة طلعت النتائج وجاء الأستاذ الذكي الذي يعرف طلابه معرفة دقيقة وقد تحققت نبوءته في الطلاب وظهرت النتيجة: نجح (١٨) طالباً، والطالبان ساقطان. وبعد ذلك سألوهم الطلاب: لماذا سقطتم؟ قالا: بسبب الأستاذ فهو في أول السنة كتب ورقة للمدير وقال: نحن سنسقط. بالله ما رأيكم في هذا العذر أهو مقبول؟! يعتمدون على ذكاء الأستاذ، هؤلاء الطلاب قالوا: إن الأستاذ في أول السنة لما سأله المدير من الذي سينجح، ومن الذي سيسقط؟ فقال: هناك طالبان سيسقطان، فنحن توقعنا أننا نحن، ولهذا لا تلومونا نرجوكم، أليس الأستاذ قد قال ذلك تلك الأيام، وقد كتب علينا في أول السنة. هل عذرهم مقبول يا إخوان؟!! وهكذا الذي يزني ويسرق ويعصي، ولا يصوم ولا يصلي، ويعق ويرتكب المعاصي، تقول له: يا أخي! لماذا؟ قال: يمكن أن الله كتب عليَّ هذا. مثل ذاك الذي يقول: يمكن أن الأستاذ قد سجلني مع الذين سيسقطون. وأنا يمكن أن الله قد كتبني في الأزل أني شقي، ولهذا يمكن يا أخي أن تذبح نفسك على مذبحة (يمكن)؟ فهذه (يمكن) للاحتمالات. الآن لو أن شخصاً دعوته وقلت له: العشاء الليلة عندنا، فقال لك: يمكن آتيك، تقبل منه، (يمكن) هذه أو تقول له: بلا يمكن، هل ستأتي؟ قل لي من أجل أن أجهز العشاء، أو لا تأتي لكي أستريح، لكن قال لك: والله لا آتي، إذاً قل: إنك لن تأتي. لكن لو قال لك: يمكن أن آتي. وذهبت إلى البيت، وبعد ذلك جاءتك الأفكار يمكن أن يأتي، وبعد ذلك ذهبت وأخذت الذبيحة وتريد أن تذبحها من أجل الضيف، وحين أوشكت على أن تذبح الذبيحة جاءك شعور ثانٍ يمكن ما يأتي، وما ذنب التيس الضعيف؟ دعه يعيش، ولماذا أخسر تيساً وأكلف المرأة وأتعبها بطبخ الذبيحة ويمكن أن لا يأتي، والله لا أضحي بالتيس على (يمكن) هذه. سبحان الله! التيس غالٍ عندك لا تضحي به على (يمكن)، وتضحي برقبتك على (يمكن)؟ وتجازف بحياتك ومصيرك من أجل (يمكن)؟ وبعد ذلك ذهبت إلى الله وقدمت عليه وهلكت هلاكاً ليس بعده هلاك، فالله يقول: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] كل ما خطر في بالك فالنار بخلاف ذلك، فالنار اسمها نار، نحن نعرف النار والله ما توعدنا بشيء لا نعرفه، بل توعدنا بشيء وأعطانا منه نموذجاً حياً، قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة:٧١ - ٧٣] ما معنى تذكرة؟ أي: موعظة تذكركم بالنار الكبيرة، أم هذه ﴿وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة:٧٣] أي: لكي تطبخوا عليها الطعام، وتستدفئوا بها في البرد، لكن الهدف منها حقيقة تذكرة، لكن الذي يرى أعمالنا يقول: هؤلاء لا يعرفون النار أو ضد النار، فإما أننا لا نعرف النار -وكلنا نعرف النار- وإما أنا ضد النار، ولسنا ضد النار، والذي ضد النار لا يأخذ له جمرة من الجمرات بل يأخذ له عود كبريت يولعه ويصبر عليه، فإذا وصلت النار إلى العود مما يلي إصبعه وأحرقته فلا يفكها، دعها تؤلمه قليلاً، يصبر ويتصبر ويتصبر، يرى إلى أي مدى يتحمل النار، والله ما يتحمل النار، لكن يهلك نفسه بالذنوب والمعاصي وترك الطاعات والواجبات ويكون مصيره الدخول في نار الآخرة التي يقول فيها النبي ﷺ : (إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، ولولا أنها أطفئت في الماء مرتين ما استمتعتم بها) هي جذوة أصلها من النار ثم أطفئت حتى خمدت، ثم بقي فيها نار تحرق فأطفأها الله حتى خمدت، ثم بقيتها النار هذه التي عندنا! ولذا ورد في بعض الآثار: [لو خرج أهل النار من النار ووجدوا نار الدنيا مشتعلة لقالوا فيها قِيلة، ولعاينوا فيها نوماً] نار الدنيا يعاينوا فيها نوماً، لماذا؟ لأن نار الآخرة يقول الله فيها: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً﴾ [النبأ:٢٤] يقول: البرد هنا هو النوم، فلا يوجد نوم، كيف تنام وأنت في عذاب؟ أيضاً أهل الجنة لا يذوقون النوم، لماذا؟ لأن النوم يفوت عليهم النعيم، كيف ينام وهو في نعيم، فالنوم جعل في الدنيا لغرض: من أجل إعادة نشاط الجسم، فالإنسان إذا تعب ينام قليلاً فيقوم وهو نشيط، لكن في الآخرة لا يوجد تجديد ولا تعب، كلها نعيم في نعيم، فإذا نام فاته جزء من النعيم؛ فاته الحور والقصور، والحبور والسرور، فهل ينام؟ لا، لا نوم فيها، لكنَّ الذي في النار لماذا ينام؟ إذا نام استراح من العذاب، ولهذا المريض الذي أصبح متعباً ونام قليلاً قال: والله إني وجدت قليلاً من الراحة، رقدت، وتخلصت من ألم، ولكن هذا إذا رقد فاته العذاب، فلا يرقد ولا ينام ليزداد عذابه، ولا ينام هذا في الجنة ليزداد نعيمه.

стр. 1850

من حكم الله في الإنسان لقد علمنا الله ﵎ لماذا جئنا، وعلمنا من أين جئنا، وعلمنا أين سنذهب بعد أن نفارق هذه الحياة. أما: لماذا جئنا؟ فإنه لا بد لكل شيء من حكمة في خلقه، أنا أحمل هذا الجهاز الآن في يدي لحكمة، ما هي حكمته؟ تكبير الصوت، لكن لو انقطع التيار (الكهربائي) هل سأظل أمسكه؟ لا. لأنه لم يعد هناك تيار (كهربائي) يكبر الصوت ولهذا سأضعه، لكن لو واصلت أتكلم ولا يوجد تكبير، ماذا تقولون لي أنتم؟ تقولون: اترك الجهاز فإن (الكهرباء) مقطوعة؛ لأن الغرض من الجهاز تكبير الصوت؛ فما دام أنه ليس هناك تكبير للصوت فضعه. وأنت تحمل القلم في جيبك لحكمة ماهي؟ الكتابة، فإذا انتهى الحبر الذي في القلم فماذا تصنع بالقلم؟ تتركه معلقاً في جيبك أم ترميه؟ ترميه، أو كلما انتهى عليك مداد قمت بتعليق القلب في جيبك إلى أن تصبح عشرة أقلام؟ وإذا جاء إليك أحد الناس وقال لك: من فضلك القلم. قلت: والله هذا ليس فيه حبر. حسناً أعطني الثاني. وتقول: وهذا والله ليس فيه حبر أيضاً منذ زمن. حسناً والثالث؟ قال: كلها ليس فيها حبر، ماذا يقول لك هذا؟ يقول: يا مجنون! ظللت تصفُّ أقلاماً في جيبك وليس فيها حبر، إذاً لماذا تحملها؟ ما دام أنه ليس لها حكمة وليس لها أي غرض إذاً هذا خبل، أنت تضع شيئاً بلا غرض. وهكذا كل شيء، وهذا اسمه منطق العقلاء أن كل شيء له حكمة فإذاًَ هو مفيد، وما ليس له حكمة فإنه غير مفيد.

стр. 1851

الحكمة من خلق العين والأذن عينك في رأسك لها حكمة وحكمتها الرؤية، ولذا فالعين مفيدة، ولذا هناك كليات للطب، وهناك أقسام متخصصة في طب العيون، لماذا؟ لحكمة هي علاج عينك، فإذا مرضت عينك أو تعطلت عالجوها، لكن أن تأتي عندهم في كلية الطب وتقول لهم: لا، أنتم مخطئون، كلية الطب هذه خطأ، أموال تذهب هدراً، لا داعي لها، يقولون لك: لا. هذه كلية الطب مهمة وضرورية وليست بالعبث؛ لأن هناك أعيناً تخدمها هذه الكلية. حسناً، الأذن كذلك لها حكمة، حكمتها: سماع الصوت، ومن حكمة الله يا إخواني! -الذي هو حكيم في كل شيء، من صفاته أنه العزيز الحكيم- لا يضع شيئاً إلا في موضعه ﵎. فمن حكمة الله في خلق الإنسان أنه جعل كل عضو وجارحة في مكانها المناسب، ولو تغير هذا الوضع لاختل الإنسان ونظامه. فالعين الآن هي بمنزلة سرايا استطلاع بالنسبة للجيوش، ودائماً سرية الاستطلاع تكون في المقدمة، لكن لو جعلنا السرية في المؤخرة ما أدراهم؟ قد تعطينا الأخبار خطأ، فالله جعل العينين في مقدمة الرأس وفي أعلى الجسم؛ من أجل أن تستطلع دائماً وتنظر إلى الأشياء، وبعد ذلك ركب العين في الرأس، وجعل الرأس مركباً على الرقبة، والرقبة جعل لها قدرة لولبية على التحرك، لماذا؟ لكي يسهل عليك أن تنظر إلى الأجسام الغريبة، سواءً كانت أمامك أو خلفك، أو عن يمينك أو شمالك، دون أن تتحرك أنت، لكن لو أن الله جعل رقبتك من العظم وأردت أن تنظر إلى اليمين فكيف تعمل؟ تدور بجسمك كله، وإذا دعاك واحد من الوراء تلف جسمك كله، وكانت العملية صعبة جداً. ولهذا عندما يكون الأستاذ في الفصل، هنا الأستاذ كذا والطلاب كلهم منتشرون في الفصل يريدون أن يروه لكي يسمعوا كلامه، لو أن رقابهم ليست متحركة لكان كل واحد عينه إلى الجدر، والأستاذ هناك لا أحد عينه فيه، لكن كل واحد من الطلاب قال كذا، وذاك هكذا من الزاوية التي له، وكلهم متجهون إلى الأستاذ بدون تعب. أين جعل الله الأذنين؟ جعلها في الجنب، لماذا العينان في الأمام؟ لأنها استطلاعية فتكون في الأمام، وأما الأذنان فلأنها تجلب الأصوات والأصوات لا تأتي من جهة معينة بل تأتي من كل جهة، يمكن أن أسمع الصوت من أمامي وورائي، وعن يميني وشمالي بنفس القدرة بحسب المسافة، لأن مسافة سرعة الصوت معروفة، فإذا جاءتني السرعة من ثلاثمائة وثلاثين متراً من الأمام أو الخلف، أو من اليمين أو الشمال تأتي السرعة واضحة، ليست مؤسسة على أساس الجهة ولكن مؤسسة على أساس المسافة، فأين جعل الله الأذن؟ جعلها في الجنب مع القدرة على الحركة بالنسبة للرقبة، فيمكن أن أسمع من أي مكان.

стр. 1852

الحكمة من خلق الأنف وجعل الله في رأس الإنسان الأنف ووظيفته الشم، والسماح بدخول (الأكسجين) والهواء إلى الجسم، ولكن حتى يبقى مفتوحاً باستمرار جعله الله من غضروف؛ لأنه لو كان لحمة لانطبقت، وإذا كنت تريد أن تتنفس فعليك أن تفتحها لكن لو وضعت عودين في أنفك، وانسد لمت، فالله جعلها غضروفية مفتوحة، ولم يجعلها عظماً؛ لأنه لو جعلها عظماً وأتيت لتمتخط كيف تفعل؟ فجعلها غضروفاً وعليها لحم مقوى قليلاً فتعتصر ويعتصر معها المخاط ويخرج منك الأذى، لكن لو كانت عظمة فإنك لا تقدر أن تعصر العظم وتخرج المخاط منه، فتضطر أن تأخذ عوداً وتدخله إلى أنفك لتخرج الأوساخ التي فيه. وبعد ذلك جعل الله تعالى في هذه الأنف شعيرات وخلايا دموية مكثفة، من أجل أن تقوم بعملية تكثيف وتغيير وتحسين درجة حرارة الجو الخارجي ليتناسب مع درجة حرارة الجسم، ولذا ترون في أيام البرد درجة حرارة الهواء الخارجي مثلاً (٢٠ أو ١٥ أو ١٦) درجة، وأحياناً في الليل تكون (١٠) ويمكن أن تكون (٨ أو ٧) درجات، لكن درجة حرارة الجسم ثابتة (٣٧) درجة في الظروف العادية، وفي حالة المرض ترتفع إلى (٣٨) أو (٤٠)، وإذا وصلت إلى (٤٢) درجة قد يموت فيها الإنسان، فإذا كانت درجة حرارة الجسم (٣٧) درجة، ودرجة حرارة الهواء الخارجي (١٥) درجة واستنشقت الهواء حتى يدخل إلى رئتك، يجب أن يكون موازياً وقريباًَ من درجة حرارة جسمك وإلا أصبت بنزلة مثل المروحة، فماذا يصنع الجسم؟ يقوم الأنف هذا بتدفئة الهواء البارد، ولهذا تشتغل الشعيرات الدموية وتتحرك أكثر من اللازم، ولذا ترون الإنسان في الليالي والأيام الباردة يحمر أنفه؛ لاشتغال الدم فيها، فالشعيرات الدموية عندها حركة قوية لتدفئة الهواء الخارجي حتى لا يتعارض مع الهواء الداخلي فيحصل لك مصيبة بهذا، ولهذا بعض الناس عندما يجلس في غرفة البيت وقت العشاء أو في سمرة مع أهله والجو دافئ جداً قد تكون درجة حرارة الغرفة أربعين، الدفاية من هنا والنار من هنا وهو ملتحف بالشملة، ثم يدعوه فيقوم ويرمي بالشملة ويخرج، فيصيبه الهواء، فماذا يحصل له؟ مرض، ما سببه؟ أن الهواء دخل إلى جسمه بأقل من ذلك، وبسرعة مفاجئة لم يتمكن الأنف من التدفئة فحصل للإنسان نزلة، يسمونها نزلة شعبية، أو نزلة هواء، أو نزلة حادة. فهل تريد أن يجعل لك الله كل يوم مرضاً، على أساس أنه ليس هناك شعيرات؟ لا، ركبَّ الله لك أنفاً من الغضروف وعليها لحم مكثف وفيها شعيرات دموية؛ لأجل أي هواء تشمه أو تستنشقه وهو بارد تدفئه هذه الشعيرات ويدخل جسدك وهو موازٍ وقريب من درجة حرارة جسدك فلا يحصل لك المرض. هذه حكمة، أم ليست بحكمة؟ من فعل هذه الحكمة بالضبط؟ يقولون: الطبيعة. من الطبيعة؟ ابنة من هي هذه الطبيعة؟ ما شكلها؟ قالوا: الطبيعة، الطبيعة عندنا هي الأرض، طبيعة الأرض التي نركلها بأرجلنا، الصماء البكماء العمياء، هل يمكن للطبيعة هذه أن تخلق هذا الشيء؟ وبعد ذلك أتخلق هذا الإنسان الغريب الأطوار، الغريب المراحل؟ وبعد ذلك أتخلق كل إنسان له شكل مختلف عن الآخرين؟ الآن العدد السكاني للأرض والعالم بأكمله تقريباً (٤ مليار) لكن هل يمكن أن تجد في (٤ مليار) اثنين سواء؟ لا تجد، يمكن أن تجد متشابهين في الشكل لكن تعال واختبرهم في الذكاء، ترى أن نسبة الذكاء عند هذا غير نسبة الذكاء عند هذا، تجد هذا آماله غير آمال هذا، وآلام هذا غير آلام هذا، ومشاعره غير مشاعر هذا، كل شخص من الناس له عالم مستقل بذاته، فمن يستطيع أن يشكل ويصور ويعمل كل هذه؟ وبعد ذلك هؤلاء (٤ مليار) بعد مائة سنة يستبدلون بجدد، فبعد مائة سنة لن يكون على وجه الأرض واحد من هؤلاء الموجودين الآن، أي: الذي ولد اليوم بعد مائة سنة ليس موجوداً فضلاً عن الذي هو موجود من قبل سنتين أو ثلاث أو أربع أو عشر أو ثلاثين أو خمسين أو أربعين مثلي، بمعنى: أنه يصير تبديل للناس كل مائة سنة، والنادر لا حكم له، يمكن أن يعمر شخص في القبائل كلها فيصير عمره مائة وخمس سنوات أو مائة وعشر سنوات، وهذا شاذ، والشاذ لا حكم له.

стр. 1853

الحكمة من خلق الأسنان حكمة الله تلحظها أنت في خلق أسنانك، فعندما يولد الإنسان يولد وكل الحواس موجودة فيه، حتى الرأس فيه شعر؛ لكي لا يبرد في الليل إذا خرج، الله أعطاه شعراً يسمونه شعر البطن، لكن الله لم يعطه أسناناً، لماذا؟ لأن طعامه سوائل، هل يحتاج لأن يكسر بأسنانه؟ معدته لا تهضم إلا السوائل، ولو أعطيناه طعاماً ناشفاً، ولو فتحنا فم الصبي الذي ولد وأعطيناه أرزاً وقطعة لحم وحبة برتقال، ما رأيكم بهذا الصبي المسكين؟ يموت رأساً، معدته ضعيفة جداً جداً، ولا تستطيع أن تهضم السوائل إلا بصعوبة، ولذا لماذا يعطيه الله أسناناً وهو غير محتاج لها في هذا السن؟ فهل هناك مخلوق في الدنيا منذ خلق الله آدم إلى يومنا هذا خلق وله أسنان؟ لا يوجد، فلو أعطاه الله أسناناً، وطعامه سوائل، والطفل هذا لا يعقل، وقامت أمه وأعطته الثدي وهو يريد أن تعطيه طعاماً، ومن حين يمسكه يعض بأسنانه، من يفكه؟ تقرصه أمه تفتح فمه، لكنه لا يعرف، مسكين، فحتى لا يعض أمه، ولأنه لا توجد حاجة للأسنان، فإن الله خلقه بدون أسنان. وبعد سبعة أو ثمانية أشهر أصبح قوياً وعنده قدرة على الطعام، بدأ التمرين على الطعام الخشن، فأنبت الله له اثنتين فوق واثنتين تحت، لماذا؟ لكي يقطع بها الحلاوة (والبسكويت) والموز، لكن ما أعطاه الله ضروساً؛ لأن الضروس لا يطحن عليها شيئاً الآن، هو الآن يريد حاجة لينة قد أصبحت جاهزة يفصلها فقط لكن يطحنها فليس بمحتاج، بعد فترة أعطاه الله بجوار الثنايا هذه أنياباً لكي يخرق بها، وبعد ذلك وضع الله فوق الثنية ثنية، وفوق الناب ناباً، لكن لو وضع الله فوق الثنية ناباً لما قطعت، ولو وضع الله تحت الثنايا ضروساً لما طحنت، ولكن لأجل أن يصير الطحن مضبوطاً وضع الله فوق الضرس ضرساً، مثل الرحى التي لها واحدة فوق وواحدة تحت، ووضع الله فوق الثنية ثنية مثل المقص الذي جلب من فوق ومن تحت، وضع الله فوق الناب ناباً مثل (المخدر) الذي فوق وتحت لكي (يخدر)، وبعد ذلك استمر اكتمال الأسنان، تنمو السن إلى مستوى معين وتقف، لماذا لم يستمر نمو السن هذه إلى أن تصل إلى سرتك؟ ولماذا لم تطلع سنك هذه حتى تصل إلى رأسك؟ من علم السن في كل البشر أن يقف عند هذا المستوى، ولا يطول ولا ينقص ولا يقصر؟ الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. ثم بعد فترة أربع أو خمس أو ست سنوات يبدل الله لك أسنانك، فتلك أسنان ضعيفة أعطاها الله لك لأنك صغير، لكنك الآن تريد أسناناً قوية تعيش معك حتى تموت فييسر لك قلعها، تأخذ السن وترميه ويبدلك الله سناً غيره، والناس عندهم خرافة -لا أدري هل ما زالت موجودة، أم قد انتهت؟!! - إذا انقلع سنه أخذ السن وأبقاه معه. ما بك؟ قال: غداً عندما تطلع الشمس. وإذا كان اليوم فيه غيوم ولا توجد شمس فتراه يربطه في منديل أو يضعه في (غترته) أو في جيبه ويأتي في الصباح يأخذ سنه ويقول: يا عين الشمس! (خذي سن الحمار) يعني سنه هو كيف أصبحت سن الحمار وهي سنك؟ تعترف بأنها سن حمار، وأنت رجل؟ (وأعطيني سن الغزال!!) والله إن هذا الكلام كنا نعمله ونحن صغار، وما أدري هل العلم حرر الناس من هذه الخرافات أم أن بعض الناس لا زالوا يعملونها؟ وبعض المدرسين يفعلونها، أو بعض الثانويين؛ لأنه يخاف أن تأتيه سن حمار، سبحان الله! هناك شخص أراد أن يأتي بشيخ ليعظ الناس وهم كلهم فهماء وعقلاء، وبعضهم مدرسون وبعضهم جامعيون في قرية من القرى، فقال هذا الشخص: تعال يا شيخ ذكرهم بالله، قال: كيف أذكر البقر؟ فقال: هؤلاء بشر. قال: أنا لا أذكر البقر. قال: اتق الله، وأحسن الظن بالناس، هؤلاء بشر يفهمون وهم مثقفون. قال: هل أعطيك دليلاً على أنهم بقر؟ قال: نعم. فجمعهم وقام في المسجد يحدثهم. وأتى بحديث -هو كذب- وقال: ورد في الآثار في بعض الكتب: أن من استطاع أن يمس أرنبة أنفه بلسانه أدخله الله الجنة. فقام كل واحد يفعل ذلك، وكل واحد مد لسانه يريد أن يصل، يقول لهم: هل تقدرون الآن أن تفعلوها؟ ثم قال لصاحبه أرأيت أنهم بقر؟ أول شيء ليس من المعقول أن الواحد يمس أرنبة أنفه بلسانه؛ لأنه توجد مسافة بعيدة، وحتى لو كان أحدهم لسانه طويلاً فلماذا يدخله ربي الجنة؟ على أساس أن لسانه وصل إلى أنفه؟ يعني أن هذا العمل معجز بحيث إنه يستحق الجنة على هذا؟ فوقف الرجل بعد أن مدوا ألسنتهم قال: يا جماعة! أرأيتم أنكم بقر؟ وأعطاهم درساً ووعظهم وقال: شغلوا عقولكم. فنحن من قبل لم نكن نشغل عقولنا، نرى الناس يأخذون السن ويقولون: سن حمار ويرجم بها في عين الشمس، وبعد ذلك تنتهي السن عليه، أنا والله قد عملتها وانتهت السن عليَّ، أي: أن الشمس لم تمد يدها وأخذتها وإنما رميت بها هكذا وعادت السن، فتركته مكانه ولم آخذه. فحكمة الخلق في الإنسان ظاهرة في كل شيء في الفم ورشة متكاملة عبارة عن قواطع وطواحن و (كريك) هو هذا اللسان، وهناك أنابيب لإفراز اللعاب لكي يخلط الطعام، وبعد ذلك يمضغ ويطحن ويجهزه، وأنت الآن عندما تأخذ الطعام وتمضغه وتخرجه تراه قد أصبح جاهزاً للهضم، فينزل على المعدة، والمعدة دورها ليس المضغ؛ لأنه ليس فيها عظام، المعدة دورها الهضم، والهضم هو عملية تحليل الطعام، فهي تفرز حمضيات قلوية شديدة وحامضة أيضاً، ولهذا عندما يصاب بعضهم بقيء فإنه يخرج منه شيء أصفر حامض جداً، هذا هو المادة الموجودة في بطن كل إنسان، إذا أفرزت هذه المادة على الطعام حللته، وبعد التحليل مرة واحدة يذهب ينتقل إلى الأمعاء، ومن الأمعاء يذهب ويتوزع على الدم، ومن ثم إلى الجسم. فبعض الناس يستعجل على الأكل فما يمضغ الطعام جيداً، بل يأكله بسرعة، ويأخذ اللقمة، وبدلاً من أن يمررها على الأسنان لكي تمضغها وعلى اللسان، لا، رأساً من فمه على بوابة البطن، وعندما ينزل إلى المعدة تأتي المعدة المسكينة ليست قادرة على هضمه؛ لأنه طعام ليس مطحوناً، وليس جاهزاً، فتضطر أنها تفرز مواد أكثر حتى تهضمه وتتغلب على هذه المشكلة، وهذا التغلب يحدث لها أمراضاً في المستقبل وهو ما يسمونه بقرحة المعدة، وعسر الهضم، وسوء الهضم، ومشاكل المعدة كلها بأسباب أن الإنسان يأكل الطعام ولا يمضغه جيداً، ويستعجل في بلعه قبل مضغه وقبل تحسينه.

стр. 1854

كيفية إنزال الطعام وحكمة الله في ذلك كيف ينزل الطعام؟ للإنسان قصبة اسمها المريء، وله قصبة ثانية اسمها: القصبة الهوائية، وقد جعلها ربي من غضروف؛ لتكون مفتوحة باستمرار لدخول الهواء، إذ لو كانت مثل المريء من لحمة لغلقت، فكيف يدخل الهواء؟ وجعل الله الأنف غضروفياً ليكون المجال مفتوحاً، فالأنبوبة التي تستقبل الهواء من بداية الفم إلى الرئتين غضروفية، مفتوحة وأنت نائم ومستيقظ وتشتغل وجالس مفتوحة باستمرار لكي توصل لك مادة الحياة باستمرار؛ لأنك لا تستطيع أن تعيش من غير الهواء لحظة واحدة. أما المريء الخاص بالطعام فلو جعله الله غضروفياً مفتوحاً باستمرار فبمجرد أن تعمل حركة رياضية وتنتكس، ماذا يصير؟ ينصبَّ الذي في بطنك كله، ولهذا جعل الله هذه القصبة لحمية، وبعد ذلك جعلها ذات عضلات تقبل إدخال الطعام ولا تقبل إخراجه، بمعنى: أنك إذا أخذت اللقمة ومضغتها وبلعتها لا تنزل إلى المعدة مباشرة، بل تدخل الطعام فيها إلى العضلات التي تعصره عصراً، ولو أن هذه الخاصية -خاصية العصر- ليست موجودة لوقفت اللقمة في الحلق، ولو وقفت اللقمة في الحلق فمن ينزلها؟ تشرب ماء اللقمة أكبر من الماء، لا يوجد إلا أن تستعين (بالمرياز) الخاص بالبنادق، فتفتح فمك؟ ويأتي شخص ويضع (مرياز) ويدق ويدق حتى يدخل اللقمة، وبعد ذلك تأتي باللقمة الثانية ويدق، وهل يمكن هذا العمل يا إخوان؟!! انظروا نحن لا نتفكر والله، أشياء كثيرة من حكم الله فينا، لكن لا يقبلان أن ينفتحا معاً، فتقفل البلعوم الخاص بالهواء إذا كنت تأكل، فإذا كنت تأكل تقوم اللحمة هذه فتقف على قصبة الهواء، حتى تمضغه فإذا مضغت وبلعت انفتح البلعوم لأجل أن يسمح للهواء، ولهذا لا يستطيع الواحد أن يتكلم وهو يأكل؛ لأن الكلام عبارة عن استغلال لثاني أكسيد الكربون الذي يخرج من جسدك. يدخل الأكسجين نقياً فتأخذه الرئتان، وبعد ذلك يرجع وقد أصبح ثاني أكسيد الكربون وهو لم يعد فيه مصلحة؛ فحتى لا يخرج ثاني أكسيد الكربون بدون مصلحة شغَّل الله حبالاً صوتية في الرقبة والفم من أجل أن تأخذ هذا الهواء، ويترجم إلى كلام؛ لكي لا يضيع شيء من الإنسان، فما يستطيع أن يتكلم وهو يأكل في نفس الوقت. وإلا أصابته الشرقة وهي أن اللسان جاءه أمر من الدماغ أن يدخل الطعام، ثم جاءه أمر من الدماغ أنه يطلع هواء من أجل أن يتكلم الرجل، فعنده أمر مضطرب، أن يفتح الاثنين، ففتح الاثنين فدخلت لقمة في قصبة الهواء فاشترق الإنسان، فما هي الشرقة؟ هي أن تدخل حبة أرز أو قطعة طعام في المريء، ولو دخلت في البلعوم واستمرت فسيموت الإنسان مباشرة، لكن أيموت الإنسان بسبب هذه الشرقة البسيطة؟ لا. إذا حصلت هذه الشرقة تصدر إشارة من المخ لقوات الطوارئ الموجودة في الرئة أن هناك جسماً غريباً، فتقوم الرئة بطرده: كح كح كح ماذا بك؟ قال: شرقت. ويأتي بعض الناس يدقونه في ظهره، وهذه الدقة تساعد على الطرش فتخرج، إذا ما خرجت هذه يقعد الواحد (يكحكح) قال: والله ما زالت الشرقة. والشرقة: هي نقطة ماء أو حبة أرز أو قطعة طعام كادت تودي بحياة الإنسان، بل البعض يقول: كنت سأموت. ما بك؟ قال: والله إني شرقت، لكن الله رحمني وإلا كنت سأموت؛ لأنك ضعيف لا تتحمل نقطة أو حبة أرز في بلعومك، فالله حفظك ولا يضيعك؛ لأنه حكيم أوجد فيك هذا الخلق.

стр. 1855

من حكم الله تعالى في الرأس هذا الرأس الذي فيه كل هذه الحكم فيه أربعة أنهار؛ نهر يمد العين بماء مالح، ونهر يمد اللسان بماء ولعاب، ونهر يمد الأذن بمادة صمغية مرة، ونهر يمد الأنف بمادة مخاطية ليس لها طعم، لماذا كل هذه الأنهار؟ لأن العين شحمة، وهذه العين لو تركت بغير الدمع الملحي لتعطلت ولنشأ فيها الدود، الآن نأتي باللحمة ماذا نضع فيها؟ ملحاً؛ لكي لا يعفن، وهذه العين قطعة شحم وحتى لا تعفن فقد خلق الله فيها الدمع المالح. ووضع الله في فمك اللعاب الحلو؛ لكي تهضم الطعام، ووضع في أذنك المادة الصمغية المرة؛ لكي تمنع الحشرات من دخول أذنك، وإذا شمتها الحشرات من بعيد فإنها تهرب، وإلا لو أن هذه المادة ليست موجودة لقمت في الصباح ولقيت أذنك قد امتلأت جرذان وحشرات وذر ونمل، لكن لا يدخل أذنك شيء، فهذه حكمة الحكيم ﵎!

стр. 1856

الحكمة من جعل اليد في أعلى الجسم كل شيء فيك أنت أيها الإنسان خلق لحكمة، فموقع يديك لحكمة، ومن حكمة الله أن جعل يديك في أعلى جسمك، لماذا؟ لتنفعك في حاجة جسمك، لكن ما ظنكم لو أن اليدين وضعت مكان الرجلين، وأردت أن أحك رأسي ماذا أفعل؟ فلابد أن أحني رأسي إلى عند يدي وأحك، لكن الله جعل اليدين في أعلى الجسم فبإمكاني أن أحك رأسي وبإمكاني أن أحك رجلي وأنا جالس. وبعد ذلك فصَّل الله يديك مفاصل، أول المفاصل في الإصبع الصغيرة، ومفاصل بعدها، لماذا؟ لتكون سهلة الحركة، لأنه كلما كانت المفاصل أكثر كلما كانت القدرة على الاستفادة من العضو أكثر، لكن ما ظنكم لو أن الله خلق لك يداً كالعصا، كيف تحك رأسك؟ كيف تفعل؟ كيف تربط؟ كيف تحمل؟ كيف تشد المسامير ويدك هكذا؟ ولو أن يدك مستقيمة لتعطلت كل الحضارات التي نعيش فيها الآن، ووالله ما طارت طائرة وما تحركت (مكينة) ولا عرف أحد يشد مسماراً على شيء؛ لأنه كيف أشد ويده هكذا؟ (الصميل) في المضاربة ينفع، لكن هل الله خلقني لأضارب فقط؟ لا، الله ما خلقني للمضاربة، بل للعبادة، ولهذا فصل الله جسدي للعبادة تفصيلاً، بمعنى: أنه من أسفل إصبع في الرجل إلى أعلى رأسك كلك مفصل على قدر، ولهذا في الإنسان (٣٦٠) مفصلاً مربوطة بـ (٣٦٠) عضلة مربوطة مع (٣٦٠) عظماً، مع أوردة، وجسم، وعضلات ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]. تأتي إلى أسفل وترى الجهاز الهضمي والتنفسي والدموي والعصبي والعظمي، أجهزة عجيبة خلقها الله كلها لحكمة لا تطغى عليها. أيها الإخوة! أليست العين -كما قلنا- والأذن واليد والرجل وجدت لحكم؟ والقلم والورقة والحذاء في رجلك لحكم؟ ما رأيكم لو رأينا من يلبس الأحذية في يده؟! ذهب وأخذ له أحذية إيطالي بمائة ريال ووضع واحدة هنا وواحدة هنا، وإذا به ماش في الشارع، فإن الناس يمسكون به، ما بك؟ قال: ما بي؟ أنتم تضعونه في أرجلكم وأنا أضعه في يدي فماذا يحكم الناس عليه بالعقل أم بالجنون؟ والله يكتفونه فوراً، ويذهبون به إلى المستشفى العام، لماذا؟ لأن الأحذية لا تستعمل إلا في الأقدام، أما اليد لماذا لا نضع عليها أحذية؟! لأننا نضع فيها كفوفاً من أجل أن تقينا البرد، فحكمة الحذاء السير بها، إذا وضعنا الحذاء في غير مكانه فهذا خطأ.

стр. 1857

عقول قاصرة عن فهم الحكمة من خلق الإنسان كل شيء في الإنسان وجد لحكمة، نعم أنت كلك وجدت لحكمة، هل تدرون ماذا يقولون في الغرب؟ يقولون: أنت كلك من غير حكمة. تجد البروفيسور، والمخترع والدكتور والمهندس العظيم في أوروبا أو أمريكا أو روسيا رغم أنهم غاصوا في أعماق البحار والمحيطات وسبحوا في الفضاء واخترعوا اختراعات عجيبة؛ لكن تأتي إليه وتقول له: لماذا يا بروفيسور أنت موجود؟ يقول: والله لا أدري. لماذا خلقك الله؟ لماذا أنت موجود هنا؟ لأي حكمة؟ قال: لا توجد حكمة من خلقي. حسناً هل لحذائك حكمة؟ قال: نعم. إذاً: أنت أقل قدراً من حذائك الذي في قدمك؛ لأن حذاءك صنع لحكمة وأنت لست موجوداً لحكمة، الذي ليس له حكمة ليس له قيمة عندما يكون لديك (ثلاجة) في البيت، ما الحكمة منها؟ تبريد، فإذا ذهب منها (الفريون) ولم تعد تبرد، هل بقي لها حكمة؟ تأخذها وترميها، يقول الناس: لماذا ترميها تقول: قد تعطلت وكذلك الإنسان إذا لم يكن من وجوده حكمة إذاً لماذا يبقى في الوجود؟ ولهذا -حقيقة- الإنسان اليوم في فساد إلا المسلم، وما ترون الآن من صراع بين الدول الشرقية والغربية من أجل تدمير الإنسان، فهذا ناتج عن أن هذا الإنسان فاسد، واليوم هناك اجتماع لمسئولين من روسيا وأمريكا لمعاهدة بنزع السلاح الذري من الصواريخ المتوسطة والقريبة المدى، أما الكبار الطويلة، فلا، هذه ما نقدر أن نبعدها؛ لأنها تقوم من روسيا فتدمر أمريكا، وتقوم من أمريكا فتدمر روسيا. أنا سمعت الأخبار تقول: إن روسيا عندها (٢٢٠) صاروخاً الواحد يدمر نيويورك، التي فيها عشرة ملايين، وفي أوروبا أيضاً هذه الصواريخ من هذا النوع موجودة، وعندها (١١٠) صواريخ من سي سي تو، وعندها (١١٠) صواريخ من (سي سي ثري) يعني عندها (٤٤٠) صاروخاً الواحد يدمر الدنيا كلها، لماذا صنعت هذه؟ لأن الإنسان فاسد، لو أن الإنسان صالح ما كان سيصنع هذه. ولذا لما رأوا أن هذا التدمير سيعم وسيؤدي بالتالي إلى تدمير أنفسهم راجعوا عقولهم قالوا: تعالوا نتعاهد على أن ننزعها ونتركها، قد خسروا فيها ملايين الملايين، إن الصاروخ الواحد الذي ينتجونه يستطيع أن يقوت العالم سنين، لكن العالم يموت من الجوع وترمى الأغذية في البحار ويموت الناس في أفريقيا وأمريكا، وهناك من هم مصابون (بالإيدز) والأمراض الفتاكة بدون علاج، وهم يخترعون هذه لتدمير الإنسان؛ لأن الإنسان نفسه فاسد؛ ولأنه ما تعلم من الله الذي خلقه، فلم يهتد بهداية الله الذي خلقه فهو فاسد، ولو كان الدين والإسلام هو المسيطر على البشرية، وهو الحاكم لتصرفاتها ما كنت لترى هذا الفساد، والله يقول: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١]، يقول: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦]. أنت أيها الإنسان لك حكمة، وإذا قال إنسان بأنه ليس له حكمة، فهو يلغي وجوده، وكأنه أحقر من حذائه الذي في قدمه، لأن حذاءه له حكمة، ما هذه الحكمة؟ لا يعرف الحكمة من خلقك إلا الذي خلقك؛ لأنه هو الذي أتى بك، ويعرف من أتى بك؟ ولماذا أتى بك، فأخبرك الله بالحكمة فقال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] هذه هي الحكمة وهي واضحة ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٧ - ٥٨] فالحكمة من خلقك أن تعبد الله. والعبادة التي طلبها الله منك عبادة شاملة لا عبادة جزئية، عبادة متكاملة متوازنة تلبي مطالب الروح، وتستجيب لمطالب الجسد، وتعمر الدنيا والآخرة، ليست العبادة بمفهومها الضيق الذي عند بعض الناس: هي فقط مجرد الشعائر الدينية، إن الشعائر الدينية هي جزء من العبادة، ولكنها ليست العبادة كلها، إن العبادة بمفهومها الشرعي ما سبق أن تعلمناه في الابتدائي: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. كل شيء عبادة، أنت في الشارع تسير وتغض بصرك؛ بهذا تعبد الله، وأنت في المتجر تبيع وتتصدق ولا تغش ولا تكذب ولا تحلف كاذباً؛ تعبد الله، وأنت تأكل وتذكر الله وتسميه وتحمده عند النهاية؛ تعبد الله، وأنت تأتي زوجتك وتسمي الله وتحمده الذي غض بصرك ورزقك الزوجة الحلال، وأنت تنام على فراشك وتستقبل القبلة وأنت متوضئ وتذكر الله بالأذكار، وأنت تأتي إلى المسجد وتصلي وتقرأ القرآن تعبد الله، وتدرس في المدرسة وتعتبر التدريس رسالة لا وظيفة -فرق بين من يعتبر التعليم وسيلة رزق وارتزاق، وبين من يعتبره رسالة حياة ومهمة ومسئولية- إن من يمارس عمل التعليم وهو يتصور أنه يرتزق لا يجعل الله في تعليمه بركة، أما الذي يمارس التعليم على أنه رسالة ومهمة إنسانية وإسلامية؛ أربي فيها أولاد المسلمين على الإيمان والدين، وأستغل مادتي، حتى ولو كانت مادة بعيدة عن المنهج الديني لكني أطوعها وأجعلها إسلامية، أنا مدرس علوم لكني أسخر المادة لخدمة العقيدة، فلما آتي لشرح النظرية أو الحقيقة العلمية أو أي شيء من مظاهر الكون أرجعه إلى الله، لكن لا أقول: إن الأرض كانت جزءاً من الشمس وأنها انفصلت عنها بسبب أنها تضايقت منها، وبعد ذلك انفصلت، ويوم أن ذهبت هناك وبقيت مليوني سنة، وبعد ذلك اتحد اثنان (هيدروجين) مع واحد (أكسجين) وصارا ماء، وبعد ذلك ذهب هذا الماء في المنخفضات فصارت بحاراً والمرتفعات بقت جبالاً، وبعد ذلك انتهت. إذاً من فصلها وخلقها وركبها؟ هذا ما لا يبينه أكثر المدرسين إلا من رحم الله؛ فينشأ عند الطفل أو عند الطالب تصور إلحادي أن الكون خلق نفسه، لكن في الإسلام يقول: لا. إن الله هو الذي خلق السماوات والأرض ويقرأ عليهم القرآن ويقول: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت:٩ - ١٢]، هذا خلق الله الذي خلق وأخبرنا. أما الذي يقول: إنها كانت جزءاً من الشمس وأنها انفصلت، نقول: من أين كنت تراقب العملية في ذلك اليوم؟ يقول: والله ما أدري. فعلاً هو لا يدري ولا يدري أبوه ولا أمه، إن ذلك كان قبل خلق الإنسان، والله يقول: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الكهف:٥١] يعني: ما حضروا يوم خلق السماوات والأرض ﴿وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ [الكهف:٥١] فمدرس العلوم والرياضيات والاجتماع وعلم النفس، أي مدرس يستطيع أن يسخر المادة لخدمة العقيدة الإسلامية، ومدرس الدين بطبيعة الحال والتربية الرياضية والفنية أيضاً يستطيع أنه يخرج من هذه المادة إلى الإسلام، فإذا مارس هذا العمل كان عمله عبادة، وهو موظف ويأخذ أجراً، لكنه ينال عليه أجراً من الله . فالحكمة التي من أجلها خلقك الله أيها الإنسان هي العبادة، والعبادة يجب أن نأخذها بالمفهوم الشرعي المتكامل، وأيضاً أن نكون واقعيين مع أنفسنا في المفهوم الشرعي، يعني: لو سألت واحداً منكم وقلت له: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ﴾ [الذاريات:٥٦] كلكم تقولون: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] هكذا، أو لا؟ ليس هناك واحد يقول: إلا ليأكلوا أو ليلعبوا، أو ليدرسوا، أو ليذهبوا إلى النادي ليلعبوا كرة، أو للسمر والنزهة، هل هناك من يقول هذا الكلام؟ لا، لكن الحقيقة أنا نعمل كل هذه الأشياء ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] لكنا لا نعبد الله، نلعب ونأكل ونسمر ونضيع حياتنا في غير ما خلقنا الله له، أجل نغالط أنفسنا نحن ما خلقنا: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٦٥] ونأتي وننظر: هل نعبد الله حقيقة، أم لا؟ بالمفهوم الكامل ما معنى: "نعبد الله" إننا نظل نعبد الله طوال حياتنا في المساجد، لا، وإنما أعبد الله في المسجد، وإذا انتهيت من الصلاة أذهب إلى المدرسة، وفي المدرسة أعبد الله، كيف؟ أولاً: أحرص على الوقت، ثانياً: أحرص على وقت الأستاذ، ثالثاً: أركز ذهني لكي لا أضيع يوماً من حياتي، رابعاً: أكون واقعياً صادقاً مع أستاذي، خامساً: أنوي بدروسي هذه أني عندما أتخرج أكون داعية إلى الله، وأن أنصر دين الله، وأستعين بما رزقني الله على خدمة هذا الدين، فأكون بهذه الدراسة في عبادة. لكن لما أدرس ونيتي الدنيا فقط؛ أدرس لكي آخذ الثانوية العامة وأدخل الكلية وأنجح من الجامعة، أو آتي بنجمة من كلية الأمن أو الكلية العسكرية، وبعد ذلك أبني لي عمارة وأشتري لي سيارة، وأتزوج زوجة، وأستريح، وأتمشى، وأسمر، وآكل، وأشرب، هل هذا هدف؟ لو سألت كافراً يهودياً أو نصرانياً وقلت: تعال يا (جيمس) أو أو: ماذا تفعل في الثانوية؟ قال: أدرس الثانوية. وبعد ذلك؟ الجامعة، وبعد ذلك؟ أتخرج من الجامعة، وبعد ذلك؟ قال: أبني لي عمارة، وأشتري لي سيارة، وأنكح زوجة، وأتوظف، حسناً! ما الفرق بين هذا وبين (جيمس)؟ كلهم سواء، النية واحدة، فقط هذا اسمه محمد وهذا اسمه (جيمس)، وهل الأسماء تغير من الحقائق شيئاً؟ ل

стр. 1858

دعوة إلى المبادرة بالتوبة النصوح إذا كانت العبادة بمفهومها الكامل في وادٍ ونحن في وادٍ آخر فلنراجع أنفسنا، ولنصحح المسار مع ربنا قبل أن نفرط ونجازف بأنفسنا ونذبحها في قضية المصير الخطيرة؛ لأنك قد تجازف في كل أمر وتصحح الخطأ إلا مجازفتك مع الله، فإنك إن مت وقدمت على الله وقابلك الله وهو غضبان عليك، وقد خسر البعيد الخسارة التي لا تعوض، ولم يعد هناك فرصة -أيها الإخوان- للتصحيح، إذا سقطت في الدور الأول تنجح في الدور الثاني، وإذا لم تنجح في هذه السنة قد تنجح في السنة القادمة، وإذا لم توجد لك وسيلة في الدراسة تبحث لك عن وسيلة في الوظيفة، وإذا لم تنجح في الوظيفة هذه تبحث لك عن وظيفة ثانية، وإذا تزوجت زوجة ولم تنجح معها تتزوج بأخرى غيرها، لكن إذا مت ولقيت الله وعرفت أنك خسران -أيها الإنسان- مع الله هل هناك فرصة أن ترجع إلى الدنيا لكي تصحح الخطأ مع الله؟ هل هناك إمكانية إن الله يخبرنا ويقول: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] لماذا ترجع؟ ما قال: لعلي أرى أولادي، أو عمارتي، أو مزرعتي، أو دكاني أو تجارتي، بل قال: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:١٠٠] عرف أنه لا ينفعه في الآخرة إلا العمل الصالح، حسناً لماذا لا تعمل -من الآن- صالحاً؟ من الذي منعك من أن تعمل الصالحات من الآن؟ لماذا تؤخر العمل الصالح؟ أتريد أن تؤخره حتى تموت ثم تطلب أن ترجع لتعمل الصالحات فلا تلبى ولا تجاب؟ رأى أحد السلف جنازة محمولة على الأعناق ومعه أحد تلامذته فقال له: يا بني! ما ظنك لو ردت الروح لهذا الميت؟ قال: يطيع الله فلا يعصيه أبداً -وفعلاً لو أن واحداً من الأموات رجع والله لا يعصي الله أبداً- قال: فكن أنت هو. يقول: كن أنت كأنك أنت الذي مات موتة وأرجعك الله ، خذ من موته عبرة، وأنتم كل يوم ترون أمواتاً، هؤلاء الأموات أمنيتهم أنهم يعودون مثلكم يصلون ويصومون، فخذوا من أمنيتهم درساً لكم، ولا تفوتوا على أنفسكم الفرصة، ولا تفرطوا في المجالس فالفرصة ما زالت سانحة لكم؛ لأنكم مهددون بالموت في كل لحظة، فقد يأتي الشيطان فيقول للواحد: أنت ما زلت صغيراً، وأنت الآن عمرك (١٥) أو (١٦) أو (١٨) سنة، يا أخي! عندما تتزوج وتكبر فإنك سوف تتوب، حسناً هل عندك ضمان بأنني سأعيش (٢٠) أو (٣٠) سنة؟ إذا كان عندي ضمان فسأطمئن، لكن ما دام أنني مهدد بالموت فيمكن أن أموت الآن، من يضمن منا ومنكم أن يعيش ويصلي الظهر؟ هل أحد يضمن ذلك؟ والله لا أحد يضمن ذلك. وأذكر مرة من المرات أن مجموعة من الشباب كانوا يدرسون في كلية الطب في أبها زاروني في البيت، فجلست معهم جلسة مثل هذه الجلسة الإيمانية، وكان في آخر الكلام أنني قلت لهم: يا إخوان! ما عندنا ضمان بالحياة فلا بد أن نسارع بالتوبة، فإن مد الله في أعمارنا؛ لأننا كل يوم نقضيه في طاعة الله، كل يوم نصلي فيه خمس صلوات، وكل سنة نصوم فيها شهراً، وكل سنة نزكي فيها، نحج فيها ونعتمر فيها، ونتصدق فيها، ونعمل خيراً، فمعنى هذا: أن الزيادة في أعمارنا ونحن على العمل الصالح في زيادة خير ورفع الدرجات فأتوب من الآن وأحسن النية وأصحح الوضع مع الله، وأجزم أني لا أعصي الله ، وأبدأ في الهداية ثم يأتيني القدر غداً، وإذا بي لا أندم، لكن الذي لا يتوب إن جاءه الموت ندم، وإن لم يأته الموت فهو في خسران كل يوم، كل يوم يضيع خمس صلوات، فلو مات اليوم أحسن من أن يموت غداً، لو مات اليوم يكون ذنبه معيناً، لكن لو مات غداً فعليه ذنبه ذاك وعليه ذنب خمس صلوات، لو مات اليوم أحسن من غدٍ؛ لأنه لو مات غداً يكون عليه ذنب الليل الذي سمر فيه على الأغاني، والمسلسلات، ونظر إلى النساء في السوق، ولعن وشتم وسب وسخط وعمل، فسجلت كل هذه السيئات عليه، ولهذا ذنوبه غداً أكثر من ذنوبه اليوم، فموته اليوم أفضل من غد، وموته غداً أفضل من بعد غد، وكلما زاد عمره زاد إثمه. فقلت لهم هذا الكلام فتأثروا، وكان من فضل الله لهم أن عندهم استجابة وتأثر ثم تابوا، طبعاً المجموعة هم خمسة أنفار منهم واحد صالح والأربعة عاديون، لكنهم جاءوا إلى زيارتي وهو جلبهم، فكلهم أعلنوا التوبة وقالوا: كيف نفعل؟ فقلت لهم: أولاً: الأمر سهل، الماضي كله ما يكلف محو ذنوبه إلا أن تقولوا: أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، هل فيها تعب يا إخواني؟ الماضي كله مهما عصيت، ومهما أجرمت، تمحوه كله بكلمة: أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، وهذه ليس فيها جهد، بل إن الله يغفر ذنبك كله ويبدله حسنات، ويسجل السيئات كلها كم؟ مليون سيئة، الله يقول: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠]. هذا الماضي، وأما المستقبل الذي في علم الله ولا ندري عنه، نصلح كل المستقبل بأن ننوي فيه النية الحسنة، فننوي ألا نعصي الله أبداً، وهل في النية تعب؟ بعض الناس تقول له: يا أخي! انوِ خيراً وقل إن شاء الله، قال: والله لا أنوي، سبحان الله! لا تنوي حتى الخير؟! الآن لا يوجد تعب في النية، لا يوجد سوف أقوم أصلي أو سأجاهد أو سأعمل أي شيء، إنما أنوي بقلبي أني لا أعصي الله ولا أضيع فرائض الله في المستقبل، وهذه ليس فيها تعب، فالمستقبل والماضي ليس فيه تعب، وما الذي بقي؟ الحاضر، أجتهد فيه بأن لا أضيع فريضة الله ولا أقع في معصية الله، وهذه ليس فيها تعب، فإذا أذن قمت وأصلي، وإذا رأيت امرأة مسلمة فأغض بصري عنها، وإذا سمعت أغنية تسخط الله أغلقها أو أقوم من المكان الذي فيه هذا المنكر، إذا عرض علي الحرام لا آخذه، إذا قيل لي: امش في الباطل، لا أمشي فيه فهل في هذه الأعمال تعب؟ والله إنها سهلة يا إخواني! والرسول ﷺ يقول: (وإنها ليسيرة على من يسرها الله عليه). فقلت لهم هذا الكلام ومن فضل الله قالوا: دلنا على كتاب. فدللتهم على كتاب الكبائر للإمام الذهبي، وكتاب آخر اسمه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لـ ابن القيم، وقيمته قيمة كيلو من العنب، الكيلو العنب بثمانية ريالات والكتاب بستة ريالات، ويمكن شراء هذا الكتاب في نزهة اليوم، بدلاً من أن تتنزه كل يوم بخمسة ريال أو بعشرة. يمكن أن تصوم هذا اليوم وتأخذ بهذا المبلغ كتاباً، وهذا أول كتاب -حقيقة- اقتنيته في حياتي، وهو الكتاب الذي قلب حياتي رأساً على عقب، كتاب الكبائر، لكن اقرأه بقلب مفتوح وبنية العمل، فيه (٦٧) كبيرة، والكبيرة الأولى: الشرك بالله، والثانية: السحر، والثالثة: قتل النفس، والرابعة: ترك الصلاة، وكل كبيرة تمر عليها تتوب إلى الله منها، فما تنتهي من آخر الكتاب إلا وأنت مسلم حقاً إن شاء الله. فهؤلاء الشباب أعطيت لهم كتباً وخرجوا من عندي تائبين، وبعد ثلاثة أيام ذهبوا إلى مكة ووقع لهم حادث ومات أحدهم وقد أخبروني بعد ذلك لما جاءوا وهم يبكون، يقولون: والله الذي لا إله إلا هو -كان هذا بعد العمرة، فهم ذهبوا للعمرة ورجعوا- إن صاحبنا كان يطوف بالبيت وهو يقول: أستغفر الله ويبكي من خشية الله، وكان آخر حياته أنه مات إن شاء الله شهيداً، نسأل الله أن يسكنه فسيح جناته. حسناً ماذا خسر هذا؟ يا إخواني! الإيمان والهداية هي البديل الصالح لهذه الحياة، وهي الخيار الأنسب، أما الكفر والضلال فليس بخيار ولا بديل صالح، فالكفر خسارة، إنك بالإيمان تكسب كل شيء ولا تخسر شيئاً، وإنك بالضلال والكفر تخسر كل شيء ولا تكسب شيئاً. بالله والدين والإيمان والهداية ماذا تخسر؟ تخسر الزنا! وهل الزنا مكسب؟ تخسر الربا! وهل الربا مكسب؟ تخسر العقوق! وهل العقوق مكسب؟ تخسر الفجور والكذب والغش والمماطلة وكل رذيلة، وخسارتك للرذائل كرامة، لكن تكسب ماذا؟ تكسب العزة والصدق والوفاء والأمانة والمروءة والشهامة والعفة، وتكسب كل شيء؛ لأن الدين يبني فيك كل هذه الفضائل، فأنت بالإيمان والهداية تكسب كل شيء ولا تخسر شيئاً مهماً، ولكنك بالضلال والكفر تخسر كل شيء ولا تكسب شيئاً مهماً، ماذا تكسب؟ هؤلاء العصاة والفسقة ماذا يكسبون؟ يذهب الواحد منهم (يعربد) شكله مقلوب، (غترته) على رقبته مثل المجنون، وله أحذية لا يدخلها في رجله بل يدخل فقط رأس أصابعه ويخبط الشارع مثل المجنون، يأتي إلي بيته ويرمي بنفسه على سريره أو على فراشه مثل الثور أو الحمار فهل هذه حياة؟ هل هذه إنسانية؟ لا يعرف الله، ولا كتاب الله، ولا بيوت الله، ولا فرائض الله، بل يعرف المقاهي والزنا والنساء والغناء والفجور والدعارة هل هذه حياة كريمة يا عباد الله؟ والله هذه حياة لا تقبلها حتى الحيوانات، والله إن الحمير لتأنفها ولا ترضاها، فكيف بالإنسانية المكرمة؟ أحدهم اسمه باسكال -فيلسوف غربي- يقول: إنك بالإيمان رابح في كل حال. وأبو العلاء المعري يقول: زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأجساد قلت إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما (إن صح قولكما) يقول: إن صح قولكم أنه ما هناك بعث (فلست بخاسر) ماذا خسرت بالدين؟ ولا شيء، بل كسبت كل شيء (أو صح قولي) الذي بعد (فالخسار عليكما). يقول الله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات:٤٦] ويقول: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف:٨٣] ويقول ﵎: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥] من الذي يقول: لا والله لا إياب إلى الله؟ هل هناك أحد يستطيع أن يمتنع عن الله؟ فإذا كان هناك أحد فلا مانع له من أن يعصي الله؛ لأن الله لا يقدر عليه، لكن من الذي يستطيع أن يفلت من قبضة الله؟ لا ملك ولا أمير، ولا قوي عضلات ولا تاجر ثري بالأموال يستطيع الأمير والمأمور، والملك والمملوك، والغني والفقير، والقوي والضعيف، والكبير وال

стр. 1859

وصايا للثبات على الاستقامة يا إخوتي في الله! وصيتي لنفسي ولكم بتقوى الله والعودة إلى الله والرجعة بالتوبة النصوح من الذنوب كبيرها وصغيرها، والاستقامة على الدين، وأوصيكم بأربع وصايا تحفظ لكم الدين: أولاً: اجعلوا لكم وقتاً مع كتاب الله لأنه الشفاء لما في الصدور، ومفهوم هذا الدرس أنه لا بد أن يكون لك في كل يوم ورد معين وحزب من القرآن الكريم تقرأه، كما لك ورد في طعام الفطور والغذاء والعشاء، يجب أن يكون لك ورد من القرآن تغذي به قلبك، تقرأه وتفهمه وتعرف تفسيره. ثانياً: يجب أن يكون لك درس معين من سنة النبي ﷺ ، وليكن في كل يوم حديث واحد، وأحسن كتاب أدلكم على قراءته رياض الصالحين. ثالثاً: يجب أن يكون لك رفيق صالح، فتعرَّف على رفيق صالح وارتبط به ارتباطاً إيمانياً من أجل أن يعينك على السير في هذا الطريق. رابعاً: يجب أن تحرص كل الحرص على الابتعاد من قرين السوء؛ لأن قرين السوء مريض، ولو رأيت شخصاً عنده (جدري) فهل تجلس معه؟ ولو رأيت شخصاً عنده (سل) فهل تأكل معه؟ أو شخصاً عنده (إيدز) أو (سرطان) فهل تشرد منه؟ وهذا صحيح، لكن إن كان عنده (كوليرا) في عقيدته أو (سرطان) في دينه أو (إيدز) في إيمانه، فهذا والله أولى أن تبتعد منه؛ لأنه يهلكك في الدنيا والآخرة، الذي يزين لك المعصية ويشوه لك الطاعة، لك رفيق يمشي معك فأذن المؤذن فقلت: يا أخي! دعنا نصلي. قال: يا رجل ليس الآن وقت الصلاة، يقول المطاوعة: إن تأخير العشاء أفضل. في هذه الفتوى أفتاه إبليس، يقول: يقولون: إنه كلما تأخرت العشاء كان أفضل، دعنا نسمر الآن، وبعد ذلك إذا جاء آخر الليل صلينا فهذا شيطان رجيم فابتعد منه. مررت أنت وهو في الشارع وأخذ ينظر إلى امرأة لا تحل له وعندما قلت له: يا أخي اتق الله، (من ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من جمر جهنم)، قال: يا شيخ! لا تعقد نفسك إنهم يسمون الدين تعقيداً! فالذي ليس متدين متروكاً، والذي يسمونه معقداً أحسن من المتروك، الإنسان المعقد -الذي عنده عقدة- أحسن من ذلك المتروك السائب، الذي ما له دين ولا مبدأ ولا اتجاه إلا أنه عبد لهواه وشهواته وشيطانه، قال: هذا تعقيد، قل: لا والله يا أخي، أنا لا أعقد نفسي، ولكني أصونها وأحفظها، وأغض طرفي خوفاً من ربي، وابتغاء ما عند الله ، أنا لست عبد شهوتي، ولست عبد هواي، وأحقر شيء عندي هو الجنس. إن من الرجال من هو عبد لجنسه، تراه فقط مثل الكلب يتلصص على محارم الناس، لماذا؟ لأن الجنس سيطر عليه، أي: أهلكه؛ فهو يتصرف في مجال الجنس فقط، مثل الحمار إذا رأى حمارة، هل الحمار عنده عقل حتى يغض بصره، ألا تراه يحرك مسامعه هكذا ويحرك ذيله وينهق وراء الحمارة؟ هذا مثل ذاك، لا يعرف خلقاً ولا يعرف ديناً ولا مروءة، إذا نظر إليها لحق وراءها، ومن دكان إلى دكان، ومن معرض إلى معرض، مثل الحمار هذا على اثنتين وذاك على أربع، ولا حول ولا قوة إلا بالله!! فاحذر يا أخي، هذه أربع أعيدها: اجعل لك من القرآن ورداً، ومن الحديث حديثاً واحداً، واحرص على رفيق الخير، وابتعد عن رفيق الشر. أسأل الله ﵎ أن يجعلني وإياكم من عباد الله الصالحين. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد. وأشكر أولاً أسرة المدرسة مديراً مدرسين، وأشكركم كأبناء وإخوة وزملاء على إتاحة هذه الفرصة، وأسأل الله ﵎ أن ينفعني وإياكم بما قلنا وما سمعنا، وأن يكون ما قلت أنا وما سمعتم أنتم حجة لنا يوم القيامة لا حجة علينا؛ لأن هذا الكلام عهدة عليَّ أنا، فالله سيسألني هل أنا أعمل بما أقول، وعهدة عليكم فالله سيسألكم يوم القيامة هل عملتم بما سمعتم، أو يدخل الكلام من هنا ويخرج من هنا ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] (يا عبادي إنما هي أعمالكم -كما يقول الله أحصيها عليكم بالليل والنهار، ثم أوفيكم إياها يوم القيامة، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بارك الله فيكم، وجزاكم الله خير الجزاء.

стр. 1860

الأسئلة
следующие страницы →