Полный текст (2 982 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
الحكمة من جعل اليد في أعلى الجسم
كل شيء فيك أنت أيها الإنسان خلق لحكمة، فموقع يديك لحكمة، ومن حكمة الله أن جعل يديك في أعلى جسمك، لماذا؟ لتنفعك في حاجة جسمك، لكن ما ظنكم لو أن اليدين وضعت مكان الرجلين، وأردت أن أحك رأسي ماذا أفعل؟ فلابد أن أحني رأسي إلى عند يدي وأحك، لكن الله جعل اليدين في أعلى الجسم فبإمكاني أن أحك رأسي وبإمكاني أن أحك رجلي وأنا جالس.
وبعد ذلك فصَّل الله يديك مفاصل، أول المفاصل في الإصبع الصغيرة، ومفاصل بعدها، لماذا؟ لتكون سهلة الحركة، لأنه كلما كانت المفاصل أكثر كلما كانت القدرة على الاستفادة من العضو أكثر، لكن ما ظنكم لو أن الله خلق لك يداً كالعصا، كيف تحك رأسك؟ كيف تفعل؟ كيف تربط؟ كيف تحمل؟ كيف تشد المسامير ويدك هكذا؟ ولو أن يدك مستقيمة لتعطلت كل الحضارات التي نعيش فيها الآن، ووالله ما طارت طائرة وما تحركت (مكينة) ولا عرف أحد يشد مسماراً على شيء؛ لأنه كيف أشد ويده هكذا؟ (الصميل) في المضاربة ينفع، لكن هل الله خلقني لأضارب فقط؟ لا، الله ما خلقني للمضاربة، بل للعبادة، ولهذا فصل الله جسدي للعبادة تفصيلاً، بمعنى: أنه من أسفل إصبع في الرجل إلى أعلى رأسك كلك مفصل على قدر، ولهذا في الإنسان (٣٦٠) مفصلاً مربوطة بـ (٣٦٠) عضلة مربوطة مع (٣٦٠) عظماً، مع أوردة، وجسم، وعضلات ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤].
تأتي إلى أسفل وترى الجهاز الهضمي والتنفسي والدموي والعصبي والعظمي، أجهزة عجيبة خلقها الله كلها لحكمة لا تطغى عليها.
أيها الإخوة! أليست العين -كما قلنا- والأذن واليد والرجل وجدت لحكم؟ والقلم والورقة والحذاء في رجلك لحكم؟ ما رأيكم لو رأينا من يلبس الأحذية في يده؟! ذهب وأخذ له أحذية إيطالي بمائة ريال ووضع واحدة هنا وواحدة هنا، وإذا به ماش في الشارع، فإن الناس يمسكون به، ما بك؟ قال: ما بي؟ أنتم تضعونه في أرجلكم وأنا أضعه في يدي فماذا يحكم الناس عليه بالعقل أم بالجنون؟ والله يكتفونه فوراً، ويذهبون به إلى المستشفى العام، لماذا؟ لأن الأحذية لا تستعمل إلا في الأقدام، أما اليد لماذا لا نضع عليها أحذية؟! لأننا نضع فيها كفوفاً من أجل أن تقينا البرد، فحكمة الحذاء السير بها، إذا وضعنا الحذاء في غير مكانه فهذا خطأ.
стр. 1857
عقول قاصرة عن فهم الحكمة من خلق الإنسان
كل شيء في الإنسان وجد لحكمة، نعم أنت كلك وجدت لحكمة، هل تدرون ماذا يقولون في الغرب؟ يقولون: أنت كلك من غير حكمة.
تجد البروفيسور، والمخترع والدكتور والمهندس العظيم في أوروبا أو أمريكا أو روسيا رغم أنهم غاصوا في أعماق البحار والمحيطات وسبحوا في الفضاء واخترعوا اختراعات عجيبة؛ لكن تأتي إليه وتقول له: لماذا يا بروفيسور أنت موجود؟ يقول: والله لا أدري.
لماذا خلقك الله؟ لماذا أنت موجود هنا؟ لأي حكمة؟ قال: لا توجد حكمة من خلقي.
حسناً هل لحذائك حكمة؟ قال: نعم.
إذاً: أنت أقل قدراً من حذائك الذي في قدمك؛ لأن حذاءك صنع لحكمة وأنت لست موجوداً لحكمة، الذي ليس له حكمة ليس له قيمة عندما يكون لديك (ثلاجة) في البيت، ما الحكمة منها؟ تبريد، فإذا ذهب منها (الفريون) ولم تعد تبرد، هل بقي لها حكمة؟ تأخذها وترميها، يقول الناس: لماذا ترميها تقول: قد تعطلت وكذلك الإنسان إذا لم يكن من وجوده حكمة إذاً لماذا يبقى في الوجود؟ ولهذا -حقيقة- الإنسان اليوم في فساد إلا المسلم، وما ترون الآن من صراع بين الدول الشرقية والغربية من أجل تدمير الإنسان، فهذا ناتج عن أن هذا الإنسان فاسد، واليوم هناك اجتماع لمسئولين من روسيا وأمريكا لمعاهدة بنزع السلاح الذري من الصواريخ المتوسطة والقريبة المدى، أما الكبار الطويلة، فلا، هذه ما نقدر أن نبعدها؛ لأنها تقوم من روسيا فتدمر أمريكا، وتقوم من أمريكا فتدمر روسيا.
أنا سمعت الأخبار تقول: إن روسيا عندها (٢٢٠) صاروخاً الواحد يدمر نيويورك، التي فيها عشرة ملايين، وفي أوروبا أيضاً هذه الصواريخ من هذا النوع موجودة، وعندها (١١٠) صواريخ من سي سي تو، وعندها (١١٠) صواريخ من (سي سي ثري) يعني عندها (٤٤٠) صاروخاً الواحد يدمر الدنيا كلها، لماذا صنعت هذه؟ لأن الإنسان فاسد، لو أن الإنسان صالح ما كان سيصنع هذه.
ولذا لما رأوا أن هذا التدمير سيعم وسيؤدي بالتالي إلى تدمير أنفسهم راجعوا عقولهم قالوا: تعالوا نتعاهد على أن ننزعها ونتركها، قد خسروا فيها ملايين الملايين، إن الصاروخ الواحد الذي ينتجونه يستطيع أن يقوت العالم سنين، لكن العالم يموت من الجوع وترمى الأغذية في البحار ويموت الناس في أفريقيا وأمريكا، وهناك من هم مصابون (بالإيدز) والأمراض الفتاكة بدون علاج، وهم يخترعون هذه لتدمير الإنسان؛ لأن الإنسان نفسه فاسد؛ ولأنه ما تعلم من الله الذي خلقه، فلم يهتد بهداية الله الذي خلقه فهو فاسد، ولو كان الدين والإسلام هو المسيطر على البشرية، وهو الحاكم لتصرفاتها ما كنت لترى هذا الفساد، والله يقول: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١]، يقول: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦].
أنت أيها الإنسان لك حكمة، وإذا قال إنسان بأنه ليس له حكمة، فهو يلغي وجوده، وكأنه أحقر من حذائه الذي في قدمه، لأن حذاءه له حكمة، ما هذه الحكمة؟ لا يعرف الحكمة من خلقك إلا الذي خلقك؛ لأنه هو الذي أتى بك، ويعرف من أتى بك؟ ولماذا أتى بك، فأخبرك الله بالحكمة فقال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] هذه هي الحكمة وهي واضحة ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٧ - ٥٨] فالحكمة من خلقك أن تعبد الله.
والعبادة التي طلبها الله منك عبادة شاملة لا عبادة جزئية، عبادة متكاملة متوازنة تلبي مطالب الروح، وتستجيب لمطالب الجسد، وتعمر الدنيا والآخرة، ليست العبادة بمفهومها الضيق الذي عند بعض الناس: هي فقط مجرد الشعائر الدينية، إن الشعائر الدينية هي جزء من العبادة، ولكنها ليست العبادة كلها، إن العبادة بمفهومها الشرعي ما سبق أن تعلمناه في الابتدائي: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
كل شيء عبادة، أنت في الشارع تسير وتغض بصرك؛ بهذا تعبد الله، وأنت في المتجر تبيع وتتصدق ولا تغش ولا تكذب ولا تحلف كاذباً؛ تعبد الله، وأنت تأكل وتذكر الله وتسميه وتحمده عند النهاية؛ تعبد الله، وأنت تأتي زوجتك وتسمي الله وتحمده الذي غض بصرك ورزقك الزوجة الحلال، وأنت تنام على فراشك وتستقبل القبلة وأنت متوضئ وتذكر الله بالأذكار، وأنت تأتي إلى المسجد وتصلي وتقرأ القرآن تعبد الله، وتدرس في المدرسة وتعتبر التدريس رسالة لا وظيفة -فرق بين من يعتبر التعليم وسيلة رزق وارتزاق، وبين من يعتبره رسالة حياة ومهمة ومسئولية- إن من يمارس عمل التعليم وهو يتصور أنه يرتزق لا يجعل الله في تعليمه بركة، أما الذي يمارس التعليم على أنه رسالة ومهمة إنسانية وإسلامية؛ أربي فيها أولاد المسلمين على الإيمان والدين، وأستغل مادتي، حتى ولو كانت مادة بعيدة عن المنهج الديني لكني أطوعها وأجعلها إسلامية، أنا مدرس علوم لكني أسخر المادة لخدمة العقيدة، فلما آتي لشرح النظرية أو الحقيقة العلمية أو أي شيء من مظاهر الكون أرجعه إلى الله، لكن لا أقول: إن الأرض كانت جزءاً من الشمس وأنها انفصلت عنها بسبب أنها تضايقت منها، وبعد ذلك انفصلت، ويوم أن ذهبت هناك وبقيت مليوني سنة، وبعد ذلك اتحد اثنان (هيدروجين) مع واحد (أكسجين) وصارا ماء، وبعد ذلك ذهب هذا الماء في المنخفضات فصارت بحاراً والمرتفعات بقت جبالاً، وبعد ذلك انتهت.
إذاً من فصلها وخلقها وركبها؟ هذا ما لا يبينه أكثر المدرسين إلا من رحم الله؛ فينشأ عند الطفل أو عند الطالب تصور إلحادي أن الكون خلق نفسه، لكن في الإسلام يقول: لا.
إن الله هو الذي خلق السماوات والأرض ويقرأ عليهم القرآن ويقول: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت:٩ - ١٢]، هذا خلق الله الذي خلق وأخبرنا.
أما الذي يقول: إنها كانت جزءاً من الشمس وأنها انفصلت، نقول: من أين كنت تراقب العملية في ذلك اليوم؟ يقول: والله ما أدري.
فعلاً هو لا يدري ولا يدري أبوه ولا أمه، إن ذلك كان قبل خلق الإنسان، والله يقول: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الكهف:٥١] يعني: ما حضروا يوم خلق السماوات والأرض ﴿وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ [الكهف:٥١] فمدرس العلوم والرياضيات والاجتماع وعلم النفس، أي مدرس يستطيع أن يسخر المادة لخدمة العقيدة الإسلامية، ومدرس الدين بطبيعة الحال والتربية الرياضية والفنية أيضاً يستطيع أنه يخرج من هذه المادة إلى الإسلام، فإذا مارس هذا العمل كان عمله عبادة، وهو موظف ويأخذ أجراً، لكنه ينال عليه أجراً من الله .
فالحكمة التي من أجلها خلقك الله أيها الإنسان هي العبادة، والعبادة يجب أن نأخذها بالمفهوم الشرعي المتكامل، وأيضاً أن نكون واقعيين مع أنفسنا في المفهوم الشرعي، يعني: لو سألت واحداً منكم وقلت له: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ﴾ [الذاريات:٥٦] كلكم تقولون: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] هكذا، أو لا؟ ليس هناك واحد يقول: إلا ليأكلوا أو ليلعبوا، أو ليدرسوا، أو ليذهبوا إلى النادي ليلعبوا كرة، أو للسمر والنزهة، هل هناك من يقول هذا الكلام؟ لا، لكن الحقيقة أنا نعمل كل هذه الأشياء ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] لكنا لا نعبد الله، نلعب ونأكل ونسمر ونضيع حياتنا في غير ما خلقنا الله له، أجل نغالط أنفسنا نحن ما خلقنا: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٦٥] ونأتي وننظر: هل نعبد الله حقيقة، أم لا؟ بالمفهوم الكامل ما معنى: "نعبد الله" إننا نظل نعبد الله طوال حياتنا في المساجد، لا، وإنما أعبد الله في المسجد، وإذا انتهيت من الصلاة أذهب إلى المدرسة، وفي المدرسة أعبد الله، كيف؟ أولاً: أحرص على الوقت، ثانياً: أحرص على وقت الأستاذ، ثالثاً: أركز ذهني لكي لا أضيع يوماً من حياتي، رابعاً: أكون واقعياً صادقاً مع أستاذي، خامساً: أنوي بدروسي هذه أني عندما أتخرج أكون داعية إلى الله، وأن أنصر دين الله، وأستعين بما رزقني الله على خدمة هذا الدين، فأكون بهذه الدراسة في عبادة.
لكن لما أدرس ونيتي الدنيا فقط؛ أدرس لكي آخذ الثانوية العامة وأدخل الكلية وأنجح من الجامعة، أو آتي بنجمة من كلية الأمن أو الكلية العسكرية، وبعد ذلك أبني لي عمارة وأشتري لي سيارة، وأتزوج زوجة، وأستريح، وأتمشى، وأسمر، وآكل، وأشرب، هل هذا هدف؟ لو سألت كافراً يهودياً أو نصرانياً وقلت: تعال يا (جيمس) أو أو: ماذا تفعل في الثانوية؟ قال: أدرس الثانوية.
وبعد ذلك؟ الجامعة، وبعد ذلك؟ أتخرج من الجامعة، وبعد ذلك؟ قال: أبني لي عمارة، وأشتري لي سيارة، وأنكح زوجة، وأتوظف، حسناً! ما الفرق بين هذا وبين (جيمس)؟ كلهم سواء، النية واحدة، فقط هذا اسمه محمد وهذا اسمه (جيمس)، وهل الأسماء تغير من الحقائق شيئاً؟ ل
стр. 1858
دعوة إلى المبادرة بالتوبة النصوح
إذا كانت العبادة بمفهومها الكامل في وادٍ ونحن في وادٍ آخر فلنراجع أنفسنا، ولنصحح المسار مع ربنا قبل أن نفرط ونجازف بأنفسنا ونذبحها في قضية المصير الخطيرة؛ لأنك قد تجازف في كل أمر وتصحح الخطأ إلا مجازفتك مع الله، فإنك إن مت وقدمت على الله وقابلك الله وهو غضبان عليك، وقد خسر البعيد الخسارة التي لا تعوض، ولم يعد هناك فرصة -أيها الإخوان- للتصحيح، إذا سقطت في الدور الأول تنجح في الدور الثاني، وإذا لم تنجح في هذه السنة قد تنجح في السنة القادمة، وإذا لم توجد لك وسيلة في الدراسة تبحث لك عن وسيلة في الوظيفة، وإذا لم تنجح في الوظيفة هذه تبحث لك عن وظيفة ثانية، وإذا تزوجت زوجة ولم تنجح معها تتزوج بأخرى غيرها، لكن إذا مت ولقيت الله وعرفت أنك خسران -أيها الإنسان- مع الله هل هناك فرصة أن ترجع إلى الدنيا لكي تصحح الخطأ مع الله؟ هل هناك إمكانية إن الله يخبرنا ويقول: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] لماذا ترجع؟ ما قال: لعلي أرى أولادي، أو عمارتي، أو مزرعتي، أو دكاني أو تجارتي، بل قال: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:١٠٠] عرف أنه لا ينفعه في الآخرة إلا العمل الصالح، حسناً لماذا لا تعمل -من الآن- صالحاً؟ من الذي منعك من أن تعمل الصالحات من الآن؟ لماذا تؤخر العمل الصالح؟ أتريد أن تؤخره حتى تموت ثم تطلب أن ترجع لتعمل الصالحات فلا تلبى ولا تجاب؟ رأى أحد السلف جنازة محمولة على الأعناق ومعه أحد تلامذته فقال له: يا بني! ما ظنك لو ردت الروح لهذا الميت؟ قال: يطيع الله فلا يعصيه أبداً -وفعلاً لو أن واحداً من الأموات رجع والله لا يعصي الله أبداً- قال: فكن أنت هو.
يقول: كن أنت كأنك أنت الذي مات موتة وأرجعك الله ، خذ من موته عبرة، وأنتم كل يوم ترون أمواتاً، هؤلاء الأموات أمنيتهم أنهم يعودون مثلكم يصلون ويصومون، فخذوا من أمنيتهم درساً لكم، ولا تفوتوا على أنفسكم الفرصة، ولا تفرطوا في المجالس فالفرصة ما زالت سانحة لكم؛ لأنكم مهددون بالموت في كل لحظة، فقد يأتي الشيطان فيقول للواحد: أنت ما زلت صغيراً، وأنت الآن عمرك (١٥) أو (١٦) أو (١٨) سنة، يا أخي! عندما تتزوج وتكبر فإنك سوف تتوب، حسناً هل عندك ضمان بأنني سأعيش (٢٠) أو (٣٠) سنة؟ إذا كان عندي ضمان فسأطمئن، لكن ما دام أنني مهدد بالموت فيمكن أن أموت الآن، من يضمن منا ومنكم أن يعيش ويصلي الظهر؟ هل أحد يضمن ذلك؟ والله لا أحد يضمن ذلك.
وأذكر مرة من المرات أن مجموعة من الشباب كانوا يدرسون في كلية الطب في أبها زاروني في البيت، فجلست معهم جلسة مثل هذه الجلسة الإيمانية، وكان في آخر الكلام أنني قلت لهم: يا إخوان! ما عندنا ضمان بالحياة فلا بد أن نسارع بالتوبة، فإن مد الله في أعمارنا؛ لأننا كل يوم نقضيه في طاعة الله، كل يوم نصلي فيه خمس صلوات، وكل سنة نصوم فيها شهراً، وكل سنة نزكي فيها، نحج فيها ونعتمر فيها، ونتصدق فيها، ونعمل خيراً، فمعنى هذا: أن الزيادة في أعمارنا ونحن على العمل الصالح في زيادة خير ورفع الدرجات فأتوب من الآن وأحسن النية وأصحح الوضع مع الله، وأجزم أني لا أعصي الله ، وأبدأ في الهداية ثم يأتيني القدر غداً، وإذا بي لا أندم، لكن الذي لا يتوب إن جاءه الموت ندم، وإن لم يأته الموت فهو في خسران كل يوم، كل يوم يضيع خمس صلوات، فلو مات اليوم أحسن من أن يموت غداً، لو مات اليوم يكون ذنبه معيناً، لكن لو مات غداً فعليه ذنبه ذاك وعليه ذنب خمس صلوات، لو مات اليوم أحسن من غدٍ؛ لأنه لو مات غداً يكون عليه ذنب الليل الذي سمر فيه على الأغاني، والمسلسلات، ونظر إلى النساء في السوق، ولعن وشتم وسب وسخط وعمل، فسجلت كل هذه السيئات عليه، ولهذا ذنوبه غداً أكثر من ذنوبه اليوم، فموته اليوم أفضل من غد، وموته غداً أفضل من بعد غد، وكلما زاد عمره زاد إثمه.
فقلت لهم هذا الكلام فتأثروا، وكان من فضل الله لهم أن عندهم استجابة وتأثر ثم تابوا، طبعاً المجموعة هم خمسة أنفار منهم واحد صالح والأربعة عاديون، لكنهم جاءوا إلى زيارتي وهو جلبهم، فكلهم أعلنوا التوبة وقالوا: كيف نفعل؟ فقلت لهم: أولاً: الأمر سهل، الماضي كله ما يكلف محو ذنوبه إلا أن تقولوا: أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، هل فيها تعب يا إخواني؟ الماضي كله مهما عصيت، ومهما أجرمت، تمحوه كله بكلمة: أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، وهذه ليس فيها جهد، بل إن الله يغفر ذنبك كله ويبدله حسنات، ويسجل السيئات كلها كم؟ مليون سيئة، الله يقول: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠].
هذا الماضي، وأما المستقبل الذي في علم الله ولا ندري عنه، نصلح كل المستقبل بأن ننوي فيه النية الحسنة، فننوي ألا نعصي الله أبداً، وهل في النية تعب؟ بعض الناس تقول له: يا أخي! انوِ خيراً وقل إن شاء الله، قال: والله لا أنوي، سبحان الله! لا تنوي حتى الخير؟! الآن لا يوجد تعب في النية، لا يوجد سوف أقوم أصلي أو سأجاهد أو سأعمل أي شيء، إنما أنوي بقلبي أني لا أعصي الله ولا أضيع فرائض الله في المستقبل، وهذه ليس فيها تعب، فالمستقبل والماضي ليس فيه تعب، وما الذي بقي؟ الحاضر، أجتهد فيه بأن لا أضيع فريضة الله ولا أقع في معصية الله، وهذه ليس فيها تعب، فإذا أذن قمت وأصلي، وإذا رأيت امرأة مسلمة فأغض بصري عنها، وإذا سمعت أغنية تسخط الله أغلقها أو أقوم من المكان الذي فيه هذا المنكر، إذا عرض علي الحرام لا آخذه، إذا قيل لي: امش في الباطل، لا أمشي فيه فهل في هذه الأعمال تعب؟ والله إنها سهلة يا إخواني! والرسول ﷺ يقول: (وإنها ليسيرة على من يسرها الله عليه).
فقلت لهم هذا الكلام ومن فضل الله قالوا: دلنا على كتاب.
فدللتهم على كتاب الكبائر للإمام الذهبي، وكتاب آخر اسمه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لـ ابن القيم، وقيمته قيمة كيلو من العنب، الكيلو العنب بثمانية ريالات والكتاب بستة ريالات، ويمكن شراء هذا الكتاب في نزهة اليوم، بدلاً من أن تتنزه كل يوم بخمسة ريال أو بعشرة.
يمكن أن تصوم هذا اليوم وتأخذ بهذا المبلغ كتاباً، وهذا أول كتاب -حقيقة- اقتنيته في حياتي، وهو الكتاب الذي قلب حياتي رأساً على عقب، كتاب الكبائر، لكن اقرأه بقلب مفتوح وبنية العمل، فيه (٦٧) كبيرة، والكبيرة الأولى: الشرك بالله، والثانية: السحر، والثالثة: قتل النفس، والرابعة: ترك الصلاة، وكل كبيرة تمر عليها تتوب إلى الله منها، فما تنتهي من آخر الكتاب إلا وأنت مسلم حقاً إن شاء الله.
فهؤلاء الشباب أعطيت لهم كتباً وخرجوا من عندي تائبين، وبعد ثلاثة أيام ذهبوا إلى مكة ووقع لهم حادث ومات أحدهم وقد أخبروني بعد ذلك لما جاءوا وهم يبكون، يقولون: والله الذي لا إله إلا هو -كان هذا بعد العمرة، فهم ذهبوا للعمرة ورجعوا- إن صاحبنا كان يطوف بالبيت وهو يقول: أستغفر الله ويبكي من خشية الله، وكان آخر حياته أنه مات إن شاء الله شهيداً، نسأل الله أن يسكنه فسيح جناته.
حسناً ماذا خسر هذا؟ يا إخواني! الإيمان والهداية هي البديل الصالح لهذه الحياة، وهي الخيار الأنسب، أما الكفر والضلال فليس بخيار ولا بديل صالح، فالكفر خسارة، إنك بالإيمان تكسب كل شيء ولا تخسر شيئاً، وإنك بالضلال والكفر تخسر كل شيء ولا تكسب شيئاً.
بالله والدين والإيمان والهداية ماذا تخسر؟ تخسر الزنا! وهل الزنا مكسب؟ تخسر الربا! وهل الربا مكسب؟ تخسر العقوق! وهل العقوق مكسب؟ تخسر الفجور والكذب والغش والمماطلة وكل رذيلة، وخسارتك للرذائل كرامة، لكن تكسب ماذا؟ تكسب العزة والصدق والوفاء والأمانة والمروءة والشهامة والعفة، وتكسب كل شيء؛ لأن الدين يبني فيك كل هذه الفضائل، فأنت بالإيمان والهداية تكسب كل شيء ولا تخسر شيئاً مهماً، ولكنك بالضلال والكفر تخسر كل شيء ولا تكسب شيئاً مهماً، ماذا تكسب؟ هؤلاء العصاة والفسقة ماذا يكسبون؟ يذهب الواحد منهم (يعربد) شكله مقلوب، (غترته) على رقبته مثل المجنون، وله أحذية لا يدخلها في رجله بل يدخل فقط رأس أصابعه ويخبط الشارع مثل المجنون، يأتي إلي بيته ويرمي بنفسه على سريره أو على فراشه مثل الثور أو الحمار فهل هذه حياة؟ هل هذه إنسانية؟ لا يعرف الله، ولا كتاب الله، ولا بيوت الله، ولا فرائض الله، بل يعرف المقاهي والزنا والنساء والغناء والفجور والدعارة هل هذه حياة كريمة يا عباد الله؟ والله هذه حياة لا تقبلها حتى الحيوانات، والله إن الحمير لتأنفها ولا ترضاها، فكيف بالإنسانية المكرمة؟ أحدهم اسمه باسكال -فيلسوف غربي- يقول: إنك بالإيمان رابح في كل حال.
وأبو العلاء المعري يقول:
زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأجساد قلت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما
(إن صح قولكما) يقول: إن صح قولكم أنه ما هناك بعث (فلست بخاسر) ماذا خسرت بالدين؟ ولا شيء، بل كسبت كل شيء (أو صح قولي) الذي بعد (فالخسار عليكما).
يقول الله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات:٤٦] ويقول: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف:٨٣] ويقول ﵎: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥] من الذي يقول: لا والله لا إياب إلى الله؟ هل هناك أحد يستطيع أن يمتنع عن الله؟ فإذا كان هناك أحد فلا مانع له من أن يعصي الله؛ لأن الله لا يقدر عليه، لكن من الذي يستطيع أن يفلت من قبضة الله؟ لا ملك ولا أمير، ولا قوي عضلات ولا تاجر ثري بالأموال يستطيع الأمير والمأمور، والملك والمملوك، والغني والفقير، والقوي والضعيف، والكبير وال
стр. 1859
وصايا للثبات على الاستقامة
يا إخوتي في الله! وصيتي لنفسي ولكم بتقوى الله والعودة إلى الله والرجعة بالتوبة النصوح من الذنوب كبيرها وصغيرها، والاستقامة على الدين، وأوصيكم بأربع وصايا تحفظ لكم الدين: أولاً: اجعلوا لكم وقتاً مع كتاب الله لأنه الشفاء لما في الصدور، ومفهوم هذا الدرس أنه لا بد أن يكون لك في كل يوم ورد معين وحزب من القرآن الكريم تقرأه، كما لك ورد في طعام الفطور والغذاء والعشاء، يجب أن يكون لك ورد من القرآن تغذي به قلبك، تقرأه وتفهمه وتعرف تفسيره.
ثانياً: يجب أن يكون لك درس معين من سنة النبي ﷺ ، وليكن في كل يوم حديث واحد، وأحسن كتاب أدلكم على قراءته رياض الصالحين.
ثالثاً: يجب أن يكون لك رفيق صالح، فتعرَّف على رفيق صالح وارتبط به ارتباطاً إيمانياً من أجل أن يعينك على السير في هذا الطريق.
رابعاً: يجب أن تحرص كل الحرص على الابتعاد من قرين السوء؛ لأن قرين السوء مريض، ولو رأيت شخصاً عنده (جدري) فهل تجلس معه؟ ولو رأيت شخصاً عنده (سل) فهل تأكل معه؟ أو شخصاً عنده (إيدز) أو (سرطان) فهل تشرد منه؟ وهذا صحيح، لكن إن كان عنده (كوليرا) في عقيدته أو (سرطان) في دينه أو (إيدز) في إيمانه، فهذا والله أولى أن تبتعد منه؛ لأنه يهلكك في الدنيا والآخرة، الذي يزين لك المعصية ويشوه لك الطاعة، لك رفيق يمشي معك فأذن المؤذن فقلت: يا أخي! دعنا نصلي.
قال: يا رجل ليس الآن وقت الصلاة، يقول المطاوعة: إن تأخير العشاء أفضل.
في هذه الفتوى أفتاه إبليس، يقول: يقولون: إنه كلما تأخرت العشاء كان أفضل، دعنا نسمر الآن، وبعد ذلك إذا جاء آخر الليل صلينا فهذا شيطان رجيم فابتعد منه.
مررت أنت وهو في الشارع وأخذ ينظر إلى امرأة لا تحل له وعندما قلت له: يا أخي اتق الله، (من ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من جمر جهنم)، قال: يا شيخ! لا تعقد نفسك إنهم يسمون الدين تعقيداً! فالذي ليس متدين متروكاً، والذي يسمونه معقداً أحسن من المتروك، الإنسان المعقد -الذي عنده عقدة- أحسن من ذلك المتروك السائب، الذي ما له دين ولا مبدأ ولا اتجاه إلا أنه عبد لهواه وشهواته وشيطانه، قال: هذا تعقيد، قل: لا والله يا أخي، أنا لا أعقد نفسي، ولكني أصونها وأحفظها، وأغض طرفي خوفاً من ربي، وابتغاء ما عند الله ، أنا لست عبد شهوتي، ولست عبد هواي، وأحقر شيء عندي هو الجنس.
إن من الرجال من هو عبد لجنسه، تراه فقط مثل الكلب يتلصص على محارم الناس، لماذا؟ لأن الجنس سيطر عليه، أي: أهلكه؛ فهو يتصرف في مجال الجنس فقط، مثل الحمار إذا رأى حمارة، هل الحمار عنده عقل حتى يغض بصره، ألا تراه يحرك مسامعه هكذا ويحرك ذيله وينهق وراء الحمارة؟ هذا مثل ذاك، لا يعرف خلقاً ولا يعرف ديناً ولا مروءة، إذا نظر إليها لحق وراءها، ومن دكان إلى دكان، ومن معرض إلى معرض، مثل الحمار هذا على اثنتين وذاك على أربع، ولا حول ولا قوة إلا بالله!! فاحذر يا أخي، هذه أربع أعيدها: اجعل لك من القرآن ورداً، ومن الحديث حديثاً واحداً، واحرص على رفيق الخير، وابتعد عن رفيق الشر.
أسأل الله ﵎ أن يجعلني وإياكم من عباد الله الصالحين.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.
وأشكر أولاً أسرة المدرسة مديراً مدرسين، وأشكركم كأبناء وإخوة وزملاء على إتاحة هذه الفرصة، وأسأل الله ﵎ أن ينفعني وإياكم بما قلنا وما سمعنا، وأن يكون ما قلت أنا وما سمعتم أنتم حجة لنا يوم القيامة لا حجة علينا؛ لأن هذا الكلام عهدة عليَّ أنا، فالله سيسألني هل أنا أعمل بما أقول، وعهدة عليكم فالله سيسألكم يوم القيامة هل عملتم بما سمعتم، أو يدخل الكلام من هنا ويخرج من هنا ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] (يا عبادي إنما هي أعمالكم -كما يقول الله أحصيها عليكم بالليل والنهار، ثم أوفيكم إياها يوم القيامة، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بارك الله فيكم، وجزاكم الله خير الجزاء.
стр. 1860
الأسئلة
стр. 1861
أدلة إثبات وجود الله
السؤال
أراد رجل نصراني أن يؤمن بالله مقابل أن تثبت له -كمسلم- أن الله موجود، فكيف يتم إثبات وجوده سبحانه؟
الجواب
هذا السؤال مهم وسأجيب عليه، أما الباقي فأظن أن الوقت يطول.
وسأحكي لكم مناظرة بين مسلم وملحد، فافهموا وركزوا قليلاً، فأنتم على باب الجامعة، ويجب أن تدركوا هذا، فكثير من الشباب في الثانوية يكثر من الهزل والضحك والمزاح، ويعيش بعقلية المتوسط، ومرحلة المتوسط يسمونها في التربية: مرحلة المراهقة، والمراهقة تعني: الخبال، والسفه، لكن لم يعد هنا مراهقة، فأنت الآن في مرحلة الرجولة فيجب عليك أن تودع تلك المرحلة المتوسطة بمرحلتها، وتدخل الثانوية بعقلية الرجال، وبحياة الرجال، ولا تدع للهزل ولا للمزاح واللعب ولا الفوضى مجالاً في حياتك، وابق مجداً دائماً، صادقاً.
أريدكم أن تفكروا معي في هذا الموضوع وأن تركزوا بعقلية الرجال.
تناظر اثنان: ملحد ومسلم.
فقال المسلم للملحد: لماذا لا تؤمن بالله؟ قال: لأنه غير موجود.
قال: وكيف عرفت أنه غير موجود؟ قال: لأنني لم أره.
قال: حسناً.
وكان أمامهم كوب زجاجي فيه ماء، فسكب الماء.
ثم قال: من سكب الماء هذا؟ قال: أنت.
قال: ألا يمكن أن يكون الماء انسكب بنفسه؟ قال: لا، مستحيل.
قال: حسناً، من صنع هذه الزجاجة؟ قال: المصنع.
قال: ألا يمكن أن تصنع الزجاجة نفسها بنفسها؟ قال: مستحيل، لا بد أن يكون لها صانع.
قال: حسناً، فمن صنعني وصنعك؟ ألا يمكن أن نصنع أنفسنا بأنفسنا؟ قال: مستحيل، لا بدلنا من خالق.
قال: حسناً، الخالق هو الله.
قال: قلت لك: إنني لا أراه، فالعقدة عنده الرؤية.
فقال هذا المسلم -واسمه حسن: يا فلان -ينادي الكافر واسمه قبيح -! أنا أمامك الآن، لو حصل لي حادث مروري وترتب على هذا الحادث أن بترت يدي، ماذا أبقى في نظرك؟ حسن أو أصير عمر؟ قال: لا، تبقى حسن.
قال: إذاً بعدما ذهبت يدي وركبت السيارة مع أحد زملائي -ولم أعد أسوق السيارة - ثم حدث لي حادث آخر وبترت قدماي الاثنتين فماذا تنظر إلي؟ هل أنا حسن، أم أصير شخصاً آخر؟ قال: لا، ستبقى حسناً.
قال: وبعد فترة درست وكنت آتي إلى السيارة بالمقعد وأنا ذاهب مع زميل لي فحدث لي حادث، وترتب على هذا الحادث أن بترت يدي الثانية وانكسر ظهري، وفقدت حاسة السمع وحاسة الشم، وما بقي عندي شيء إلا الروح تصعد وتنزل، فماذا يسميني الناس: حسناً أو عمر أو علي، رغم أني فقدت كل حواسي وكل إمكاناتي؟ قال: لا، ستبقى حسناً رغم ذلك.
قال: فأنا حسن لشيء في ذاتي ليس ليدي ولا لرجلي ولا لحاستي ولا لسمعي ولا لبصري، وإنما لشيء داخلي.
قال: نعم، أنت حسن، اسمك حسن بشيء في داخلك.
قال: ما هو هذا الشيء الذي بداخلي؟ قال: الروح.
قال: نعم، أنا حسن ما دامت الروح فيَّ، فإذا خرجت الروح ماذا أصير؟ لم أبق حسناً، ماذا يسموني؟ يسموني جنازة فيقولون: مرت الجنازة ولا يقولون: مر حسن، لو مشى برجله يقولون: مر حسن، لكن إذا مر وهو محمول قالوا: مرت جنازة فلان، المرحوم، أو الهالك، أو الميت، أو الجنازة، وبعد ذلك أنا حسن وأنا في بيتي لي قيمة، ولكن عندما تخرج روحي في تلك الليلة، ولا يستطيع أهلي أن يدفنوني في الليل، هل يستطيع منهم واحد أن ينام معي في الغرفة التي وضعت فيها وأنا ميت؟ لا يستطيعون.
لماذا؟ فيها وحشة، قال: والله لا أقدر أن أرقد بجانب الميت، من يستطيع أن يرقد مع الأموات؟ حسناً: أنا أبوكم، أنا أخوكم، أنا منكم! لكنك ميت، إذاً: لو رد الله عليَّ روحي بعد قليل من الموت وناديتهم: يا جماعة أبشركم أني عشت.
ماذا يصنعون؟ هل يذهبون بي ليدفنونني؟ أم يحتفلون بي، ويفرحون؟ لماذا؟ لأن حسناً جاء، أين هو حسن؟ هل حسن هو الهيكل أم الروح؟ بل الروح، إذاً أنا حسن ولي قيمة بالروح.
قال: نعم.
قال: إذاً أين الروح؟ وهنا الشاهد، أين روحك؟ هل تراها؟ قال: لا.
قال: أهي موجودة فيك؟ قال: نعم موجودة.
قال: أريد أن أراها وإلا فأنت لست موجوداً، أحد أمرين: إما أن تثبت أن فيك روحاً وأنك موجود، أو أنه ليس فيك روح وأنك لست موجوداً، ثم إذا لم تكن موجوداً فأنت عدم، وإذا كنت عدماً فكيف أتكلم مع العدم؟ فقال ذاك: نعم، الروح موجودة وأنا لا أراها.
قال: إذاً وجود الروح وأنت لا تراها دليل على وجود الله وأنت لا تراه، ولهذا يقول الله : ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] يعني: أن الروح دليل على أمر الله، ولو كانت الروح شيئاً مادياً لا كتشفوها.
في أمريكا باحث علمي أتى برجل أوشك أن يفارق الحياة ووضعه في صندوق زجاجي، وأجرى له وسائل الحياة من هواء وغيرها، وجعل يرصد كل الأجسام التي تدخل عليه، وبعد ذلك مات الإنسان دون أن يرى شيئاً داخل الصندوق ولا حتى كسر الصندوق.
لقد استطاعوا في الطب الحديث أن ينقلوا أعضاءً من إنسان إلى إنسان إذا مات، الآن عملية نقل القلوب، رجل عنده قلب فاسد، لا يصلح، وسوف يموت، فأتوا بشخص آخر على وشك الموت فأخذوا قلبه، وهو صالح لماذا لم يشتغل في ذلك؟ لأن الروح ليست موجودة، أجل الحياة ليست في القلب بل في الروح، فلما ذهبت الروح لم يعد القلب يشتغل، أتينا بهذا القلب الذي لا يشتغل هناك وركبناه في واحد فيه روح فاشتغل قلبه.
نأتي إلى الكلية، بمجرد أن يموت الإنسان تقف الكلية، نقوم بأخذ الكلية من هذا الذي سوف يموت ونشغلها فنضعها فيمن فيه روح فتشتغل، لماذا وقفت هناك واشتغلت هنا؟ وقفت هنا؛ لأن الذي كانت تشتغل فيه خرجت روحه فتوقفت.
الآن عندما ينام الواحد تأتي بالأجسام أمام عينه، تفتح عينه وتضع أمامه لوناً أحمر وأصفر وأخضر لا يرى، تتكلم عند أذنه بصوت خفيف لا يسمع، تضع الطيب عند أنفه لا يشم؛ رغم أن حاسة الشم موجودة عنده، وحاسة العين موجودة، وحاسة الأذن موجودة لكنه لا يسمع ولا يشم ولا يرى، لماذا؟ لأنه نائم، وليس الأنف هو الذي يشم في حقيقة الأمر فالذي يشم هو الروح، أين الروح؟ الروح ليست موجودة بجسمه الآن، هي في إجازة قريبة، تريدها أن ترجع أيقظه: فلان، فلان! استيقظ، أين كان هذا؟ كان نائماً، عندما استيقظ أصبح يميز الرائحة واللون والصوت! وعندما كان نائماً لم يميز شيئاً؛ لأن روحه غير موجودة.
والروح لها خروجان من الجسم، خروج مؤقت تحت الاستدعاء وهو النوم، وخروج نهائي -فصل من الوظيفة- وهو الموت، وبعد ذلك هناك إعادة، متى الإعادة؟ بعد الموت، تأتي الروح فترجع إلى الجسد للحساب، سؤال وجواب ماذا فعلت؟ وماذا عملت؟ إن نجحت فجنة، وإن سقطت فنار.
فوجود هذا النصراني ووجود الروح فيه دليل على وجود الله، مفهوم هذا الكلام يا إخوان؟ فإذا قال هو: لا.
الروح فيَّ وأنا لا أراها، فأنا لست مؤمناً بوجودي.
إذاً ما دام أنك غير موجود فأنا لا أتناقش مع العدم، هل تناقش عدماً؟ فإما أن تؤمن بأنك موجود وأن الروح موجودة فيك، وأن إيمانك بوجود الروح يلزمك بالإيمان بالله وإلا فلا نقاش معك.
стр. 1862
التوبة الصادقة تحول بينك وبين المعاصي
السؤال
شخص يريد التوبة والجنة، ويشكو أنه يرتكب العادة السرية، وعند الانتهاء منها يشعر بالذنب ويريد التوبة، ولكن ما يلبث أن يقع في ذنب العادة السرية فماذا يفعل ليتخلص منها بارك الله فيكم؟
الجواب
اسم العادة السرية هذا اسم حديث، لتغيير حقائق الأشياء القبيحة في حياة الأمة، وهذه من علامات الساعة: أن تمارس المحرمات بأسماء مستحدثة، فيسمون الزنا علاقات جنسية، ويسمون الربا فوائد بنكية، ويسمون الخمور مشروبات روحية، ويسمون السحر ألعاباً (بهلوانية) (والبهلوان) هذا يضع السيخ في عينه، وهو ساحر كذاب، والله لو آخذ عوداً فقط لأخرجت به عينه، لكنه يضع سيخاً من حبل ويضع السيخ وهو حبل في عينه وهو في الحقيقة رجل وتمشي السيارة من فوق ظهره ولا شيء فوق ظهره، دجال كذاب، لكي يعطيه الناس أموالهم.
تجد السيارة تمشي من على الحجر وتفتتها، وهذا الذي صدره من عظم ولحم تمشي من فوقه؟! ما هذا الكلام؟! ولهذا شخص من الناس جاء إليه شخص -من الموحدين- وهو يأخذ السيخ ويضعه على عينه؛ فينعوج السيخ فقال له: تعال أدخل إصبعي فقط -ولا داعي للسيخ- قال: لا، قال: أرأيت أنك كذاب.
لا تتحمل إصبعي وتتحمل السيخ؟!! فتراهم يغيرون الأسماء لكي تلتبس على الناس، هذه اسمها -العادة السرية- في الشرع ناكح يده، وناكح يده ملعون، لعن رسول الله ﷺ سبعة من ضمنهم: (ولعن الله ناكح يده)، وفي أثر: [أنه يأتي يوم القيامة ويده حبلى له فيها ثلاثمائة ولد] يسحبها ويده حبلى، الناس مستورون، أيديهم بيض ويد هذا زانية، مليئة، فيها أولاد وبنات وقد كبروا، وكيف يسحبها يوم القيامة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله! والطب الحديث يقرر أنها مرض، وتفتك بالإنسان فتكاً عنيفاً؛ لعدة أسباب منها: أولاً: ترهقه؛ لأنها تيسر له عملية ممارسة الجنس في كل لحظة، وليس لها ثمرة، ولا بجانبه امرأة ولا أموال ولا شيء إلا يده شغال ليل نهار.
ثانياً: أنها ترهق العضو التناسلي وتؤدي إلى تمزيق خلاياه.
ثالثاً: أنها تسبب للإنسان أمراضاً في البروستات والجهاز التناسلي، وتجعله غير قادر على مباشرة الحياة الجنسية إذا تزوج.
وأيضاً تسبب له العقم؛ لأن الحيوانات المنوية التي يفرزها باستمرار أيام اكتمال بنوته وشبابه تقلل من رصيده من الإمكانات وبالتالي إذا تزوج -ربما- لا ينجب؛ لأنه قد أنجب في يده.
نعم.
فالعادة السرية حرام في الشرع، وهناك فتوى من هيئة كبار العلماء بحرمتها، وأنها أخت الزنا، وعلى المسلم أن يتوب إلى الله منها.
وهذا الأخ الذي عنده دافع للتوبة ويريد أن يتوب لكنه بعدما يتوب تغلبه نفسه فيعملها، ثم يشعر بالندم شعوره بالندم بعد ذلك دليل على أن قلبه لا يزال حياً، وكلما زلت به القدم فعليه أن يتوب، لكن يجب أن يتوب توبة الصادقين الرجال، أما أن يتوب وفي نيته أن يعود فهذا يكذب على نفسه، فالتائب من الذنب والعائد له كالمستهزئ بالله ، لكن لو تبت وصبرت وجالدت ثم في لحظة من اللحظات ضعفت وغلبتك نفسك ووقعت في خطيئة من الخطايا، فإنه يلزمك فوراً التوبة، ويلزمك التوبة بقوة، أقوى من التوبة الأولى؛ لأن توبتك الأولى ضعيفة لم تمنعك من المعصية، فيجب أن تكون توبتك الثانية قوية تستطيع أن تحول بينك وبين المعصية، وليس لك وسيلة إلا التوبة، وتوبة الصادقين.
стр. 1863
شروط التوبة النصوح
السؤال
ما هي شروط التوبة النصوح؟
الجواب
أما شروط التوبة فهي أربعة: أولاً: الإقلاع عن الذنب.
أي: أن تترك الذنب، لا أن تتوب وأنت ما زلت تسمع الأغاني، بل تقلع.
ثانياً: الندم على ما فات، فلا تتمدح بالماضي، والله أنا كنت عازفاً وكنت هاوياً -هاوي: يعني منتكس- قال: والله فلان هوى، الآن ركن الهواة، الهالك مع الهالك، فأنت لا تتمدح بالماضي تقول: كنت أغني أو كنت أعزف.
لا، قل: الحمد لله الذي عافاني, الندم على ما فات.
ثالثاً: العزم أي: التصميم على عدم العودة مستقبلاً بأي حال من الأحوال، هذه اسمها التوبة النصوح، لأنه توجد توبة نصوحة وتوبة كذب، فالتوبة النصوح هي التي تتوفر فيها أربعة شروط، الثلاثة الأولى: أن يقلع، ويندم، ويعزم على ألا يعود.
وإذا كانت التوبة من حق متعلق بآدمي، فالرابع: أن ترد الحق إلى صاحبه، فإذا سرقت مالاً على شخص فترجعه له، أو أخذت عليه شيئاً فترده عليه، تستسمح منه، أما إذا كان الذنب متعلقاً بالله فالثلاثة الأولى: أن تقلع، وتندم، وتعزم على ألا تعود إن شاء الله.
стр. 1864
أمور تعين على الخشوع في الصلاة
السؤال
كيف يخشع المصلي في صلاته؟
الجواب
أذكر لكم قصة أحد السلف واسمه حاتم الأصم؛ من خيار السلف، كان أخشع عباد الله، ولما سئل عن الخشوع: كيف تخشع في صلاتك؟ فأجاب إذا أردت أن أصلي وسمعت نداء ربي، قمت إلى وضوئي، ثم أقبلت على مصلاي -يعني المسجد- فأكبر في تحقيق، وأقرأ بترتيل، وأركع في خضوع، وأسجد في خشوع، وأتشهد في يقين، وأجلس في طمأنينة، وأتصور أن الجنة عن يميني، وأن النار عن يساري، وأن ملك الموت خلف ظهري، وأن الصراط تحت قدمي، وأن الكعبة أمامي، ثم لا أدري بعد ذلك أقبلت صلاتي، أم ردت عليَّ.
انظروا كيفية صلاته: أول شيء يقول: أتهيأ لصلاتي، وأتوضأ، وآتي إلى مصلاي، ثم أقف بين يدي ربي فأتصور أن الكعبة أمامي، وأن الجنة عن يميني، وأن النار عن شمالي، وأن ملك الموت خلف ظهري -فقد تكون آخر صلاة أصليها- وأن الصراط تحت قدمي، ثم أكبر في تحقيق، وأقرأ في ترتيل، وأركع في خضوع، وأسجد في خشوع، وأتشهد في يقين، وأجلس في طمأنينة، ثم أسلم في رجاء -يعني: رجاء أن الله يتقبل صلاتي- ولا أدري أقبلت صلاتي بعد هذا، أم ردت عليَّ.
هذا هو الخشوع، أن تستحضر عظمة الله، وتظن وأنت في الصلاة أنها آخر صلاة تؤديها.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 1865
وسائل الثبات على دين الله [١،٢]
الثبات على دين الله موضوع مهم وخطير؛ وذلك لأنه متعلق بحسن الخاتمة، ومتعلق بالقلوب التي هي الأساس، ولأنه منَّة يمتن الله بها على من يشاء من عباده، ولكثرة الفتن والمغريات السائدة في عصرنا الحاضر كان المسلم بحاجة إلى ما يثبته على دين الله والاستقامة عليه، ومن أعظم ما يثبت العبد في هذه الدنيا الوسائل المستقاة من كتاب الله وسنة رسوله، وكلام أهل العلم: كتلاوة القرآن وتطبيقه، ولزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتدبر قصص الأنبياء والمرسلين وغير ذلك من الوسائل.
стр. 1866
أسباب التذبذب في دين الله وعدم الثبات
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الإخوة في الله: إن ظاهرة التذبذب وعدم الثبات والاستقرار عند حد معين من الالتزام بالدين، والبقاء في صعود وهبوط، وفي ارتفاع وانخفاض، وفي مد وجزر، ظاهرةٌ ملاحَظَةٌ في هذا الزمان، إذْ نرى البعض من الناس يهتدي وتُلاحَظ عليه علامات الهداية من حرصه على الفرائض، وتمسكه بالسنة، وابتعاده عن قرناء السوء، وعن مقارفة الآثام، ثم ما يلبث أن تمر عليه فترة طالت أو قصُرت حتى يبرد في إيمانه، وينهزم في استقامته، ويعود إلى ما كان عليه، بل يعود بعضهم إلى أسوأ مما كان عليه.
هذه الظاهرة هي ظاهرة مَرَضية، وهي خطيرة جداً، ينبغي للإنسان أن يحذرها، وأن يتجنب الوقوع فيها لعدة أسباب:
стр. 1867
تعلق ظاهرة التذبذب بحسن الخاتمة
السبب الأول: أنها متعلقة بحسن الخاتمة: فإن الإنسان لا يدري متى يموت، وقد يهتدي ويلتزم ثم ينهزم، فيموت في ساعة الانهزام، قد يعيش طول حياته متمسكاً بطاعة الله، ثم في لحظة من لحظات السيطرة النفسية والغلبة الشيطانية يرجع -والعياذ بالله- فتأتيه مَنِيَّته في هذه اللحظة فيُخْتم له بسوء الخاتمة فيخسر دنياه وآخرته، وهذه خطيرة جداً، إذ أن حسن الخاتمة عليه المعوَّل في استقامتك -أيها الإنسان- وكان من دعاء النبي ﷺ أنه يقول: (اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة).
وهذا معنى حديث النبي ﷺ الذي يُفْهَم عند كثير من الجهلة -الذين يصطادون في الماء العكر- فهماً مغلوطاً، الحديث الصحيح يقول فيه ﵊: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذارع، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) وفي روايات كثيرة: (فيسبق عليه الكتاب) وفي رواية: (فيما يظهر للناس) وفيه عدة روايات، لكن هذا مضمون الحديث.
هذا الحديث فيه حث وتحفيز شديد من النبي ﷺ لمن يعمل بعمل أهل الجنة أن يتمسك، وأن يثبت عليه حتى يموت، إذ ربما تركه وعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، ولا ينتفع بما عمل من عمل صالح طول حياته.
وفيه حث لمن يعمل بعمل أهل النار، أن يسارع في التوبة والرجوع إلى الله ؛ إذْ ربما يتوب هذه اللحظة ويرجع إلى الله في هذه الساعة، فيموت بعد أن عمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة.
هذا هو المفهوم الصحيح لهذا الحديث.
وليس مفهومه كما يود المنهزمون أن يبقوا عبيداً لشهواتهم، منهزمين أمام نزواتهم، يلبُّون رغباتهم، ويتركون طاعة الله ويقولون: ربَّما أنا أعمل بعمل أهل النار حتى ما يبقى بيني وبينها إلا ذراع وبعد ذلك أدخل الجنة.
لا.
هذا كلام فارغ، حسن الخاتمة أمر هام، وقضية الثبات متعلقة بحسن الخاتمة.
стр. 1868
تعلق ظاهرة التذبذب بالقلوب التي هي ميدان السباق
السبب الثاني: أن ميدان الثبات وحَلَبة السباق فيه: القلوب: والقلوب أمرها بيد الله، وهي حساسة وكثيرة التأثُّر، وسريعة التغيُّر، بحسب العوامل والمؤثرات التي ترد عليها.
وما سُمِّي الإنسانُ إلا لنسيهِ ولا القلبُ إلا أنه يتقلبُ
فالقلب ينتابه حالات كثيرة جداً من التغيرات، فالإنسان الميدان الحقيقي وحَلَبة الصراع هي داخل قلبه وليس شيئاً مادياً ينفقه.
فلو كانت القضية معلقة بالعين لكان في إمكان الإنسان أن يغمضها، أو في اليد لكان في إمكانه أن يكفها، أو في الأذن لكان في إمكانه أن يحفظها، أو في الرِّجل، أو في أي جارحة، لكن القضية في القلب، والقلب كيف تدخل عليه؟ صعب، فالقضية معلقة بالقلب؛ ولصعوبة الأمر ولأن الجوارح كلها تنطلق بتصرفاتها من توجيهات القلب -إما بالإيجاب أو بالسلب وإما بالخير أو بالشر- كان من الضروريات أن تحرص باستمرار على ثبات قلبك على دين الله.
فمتى ثبت القلب على الدين ثبتت كل الجوارح، ومتى انصرف القلب وزاغ عن الدين انصرفت كل الجوارح؛ لأنها تابعة له وهو الموجه والمسيِّر لها، إما بالحسن أو بالسيئ.
стр. 1869
كثرة الثقافات والأفكار الغربية الهدامة
السبب الثالث: أننا نعيش في زمن زالت فيه الحواجز بين الأمم وبين الشعوب واختلطت الثقافات، وأصبح العالم مكشوفاً كأنه في غرفة أو في شاشة، يستطيع الإنسان وهو في غرفته وعلى سرير نومه أن يجول ويصول حول العالم، إما بمؤشر راديو، أو بقناة تلفاز، أو بأزرار وأرقام هاتف، أو بقراءة مجلة، أو باستعراض جريدة وأخبار، المهم أن الثقافات والأفكار التي تدور والتي تنتشر في العالم كله ما أصبحت حكراً على أصحابها، بل متداولة في العالم كله، تجد الإنسان يستمع إلى إذاعة القرآن، فيسمع برنامجاً إسلامياً يثبِّت العقيدة ويقوي الدين في قلبه، وبإمكانه أن يغيره فيجد إذاعة كافرة، إما إذاعة موسكو، أو لندن، أو صوت أمريكا تدعو إلى الكفر والضلال؛ فأصبح الإنسان الآن بين مؤثرات متعددة متناقضة ومتضاربة ومتصارعة، مما يجعل مهمة الثبات عنده صعبة جداً.
كان الناس في الماضي الأثر فقط للأم والأب، وللإمام في المسجد، والمدرس في المدرسة، والزميل في الشارع، بل بعضهم يحيا ويموت وهو لا يعرف القرية المجاورة له، يخبرني كثير من كبار السن يقولون: والله إن الأوائل لا يعرفون خميس مشيط، يعيشون في أبها وفي قرى الحجاز أو الشعوف ويموتون وهم ما انتقلوا إلى خميس مشيط أو إلى أبها! لماذا؟ ليست هناك حاجة، لا وظيفة يتبعها، ولا سوق يذهب إليه، وإنما مع غنمه وأبقاره وفلاحته وأولاده بمزرعته في الليل والنهار حتى يموت.
لكن الآن أصبحت الحياة كلها مُتَغَيِّرٌ وجهها، وأصبح الإنسان ترد عليه كل أفكار الأرض، مما يجعل الثبات على دين الله عنده من أصعب المهمات وأشق المشاق، وهذا تحقيقٌ لقول النبي ﷺ : (يأتي على الناس زمان -أي: في آخر الزمان- يصبح الرجل من أمتي مؤمناً، ويمسي كافراً، ويصبح كافراً، ويمسي مؤمناً) أي: يسهل عملية تغيير العقائد؛ لأن العقائد ليست ملابس تغيرها، وليست بدلة، ولا زِي، وإنما العقيدة شيء تعقِّد القلب عليه، ولا يمكن أن تبدله، ولكن مع المؤثرات القوية والخلخلة الإيمانية التي تحصل في قلوب الناس يحصل التساهل؛ حتى ينقلب المسلم كافراً، والكافر مسلماً بجلسة واحدة.
ولذا كثير من دعاة الضلال يجلس مع بعض المؤمنين جلسة واحدة، يهزه هزاً، وينزل وهو يقول: والله غسلت مُخَّه، يعني: غسل مُخَّه من الإيمان.
تراه في اليوم الثاني لا يصلي رغم أنه كان في الصف الأول! والثاني ينطلق إلى الشهوات! وفي اليوم التالي يعُبُّ من النزوات، لماذا؟! غَسَلَ مُخُّه بكلمة أو بفكرة أو بنظرية أو بشبهة أو بشهوة يوردها على قلبه، فيتخلخل إيمانه ويسقط والعياذ بالله.
الثبات على دين الله نعمة يَمُنُّ الله بها على من يشاء من عباده، امتَنَّ الله بها على رسوله ﷺ فقال: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ [الإسراء:٧٤ - ٧٥].
لمن يوجه هذا الكلام؟ هذا الكلام يوجه لسيد البشرية، والذي أرسله ليثبت الأمة، يقول الله له: لولا أنك مُثَبَّتٌ من الله لقد كِدْتَ تركن -شارفت على الركون والميل إليهم- شيئاً قليلاً، وإذا فعلت الشيء هذا من الركون والميل إليهم فالعذاب عليك، ليس العذاب على غيرك، ﴿إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ [الإسراء:٧٥].
وذكر الله في كتابه العزيز، أنه يثبت طائفة من الناس؛ لأن المثبِّت هو الله -لا تظنن أنك أنت الذي تُثَبِّتُ نفسك، فإنه المثبت على الدين- ولأن الهادي هو الله، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وإذا هدى أيضاً يثبت أو يضل، لكن له سنن في الكون ﵎، أنه يثبت طائفة استحقوا التثبيت بمبادرات من عندهم، ويضل طائفة استحقوا الإضلال بمبادرات من عند أنفسهم؛ لأن ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٠].
стр. 1870
أقسام الظلم
يقول الله في سورة إبراهيم: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم:٢٧] هذه المبادرة والإيمان تأتي من العبد، فهو الذي يؤمن ويخضع لمولاه، وهو الذي يعمل الصالحات، فعندما يحصل منه الإيمان والإقبال على الله والتصديق والجزم بقضايا الإيمان يحصل من الله له التثبيت، يقول الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم:٢٧] القول الثابت هو: الإيمان القوي: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم:٢٧] يعني: في الدنيا على دين الله: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] يعني: عند الموت، وفي القبر، وفي عرصات القيامة حتى يدخل الجنة، هؤلاء ثبتهم الله لَمَّا آمنوا، والآخَرين قال عنهم: ﴿ويضل الله الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] فالإضلال حصل على طائفة معينة من البشر اسمهم: الظالمون، والظلم هو: وضع الشيء في غير موضعه، هذا هو الظلم.
والعدل هو: وضع الشيء في موضعه، إذا وُضِع الشيء في موضعه قالوا: والله عدل وحق، وإذا وُضِع الشيء في غير موضعه يصير ظلماً.
فالظالم هو: الذي يضع الشيء في غير موضعه، ولما ظلموا أُضِلُّوا.
قد يتصور بعض الناس أن الظلم فقط هو ظلم الناس الآخرين، لا.
هو هذا وغيره.
فالظلم ثلاثة أقسام: ١/ ظلم العبد لنفسه.
٢/ وظلم العبد لغيره.
٣/ وظلم العبد لربه.
стр. 1871
ظلم العبد لنفسه
فظلم العبد لنفسه: أن يوردها موارد الهَلَكَة: لا يأخذها بالكمال، وإنما يذهب بها -والعياذ بالله- إلى مواطن الزيغ والضلال من الانحرافات، والمعاصي، والذنوب، والزنا، والخمور، واللواط، وقطع الصلاة، وإتيان المعاصي والمنكرات، هذا ظالم؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:١] لأن الله حد حدوداً، فهناك حدود للنظر: محصورة في الحلال، وفي التأمل في ملكوت السماوات والأرض، وحدود للأذن: فيُسْمَع شيء معين، وحدود لليد: فيُبْطَش بها شيء معين، وحدود للرِّجل: فيُمْشَي بها في شيء معين، وحدود للفرج: فيَقَع في شيء معين، وحدود للبطن: فيُؤْكَل شيء معين، وحدود للزواج: فيتْرَك الزنا، وحدود للطيبات من عسل وغيره، فتُتْرَك الخمور والخبائث، فهذه هي الحدود (وحد الله حدوداً، فلا تنتهكوها).
ليس هناك شيء إلا وقد جعل الله له حداً، فمن يتعدَّ حدود الله فقد تجاوز هذه الحدود.
مثل أنظمة المرور في الشوارع العامة لها حدود، تجد إضاءات في الإشارة صفراء وحمراء وخضراء، الضوء الأحمر يعني: قِفْ، الضوء الأصفر يعني: هدئ السرعة، الضوء الأخضر يعني: تفضل.
هذه حدودٌ أم لا؟! لا أحَدَ يأتي ويتعدى الحدود، فعندما يراها حمراء يمشي، هذا ماذا فعل؟ ظَلَم النظام، وظُلْم النظام يترتب عليه عقوبة، بأن جندي المرور يلاحقه، ويأخذ رقمه، ويجازيه؛ لأنه اعتدى على الحق العام بقطع نظام المرور، وتعريض حياة الناس للخطر، وإذا لم توجد إشارات والناس هكذا يتسابقون فستصبح فوضى، وتكون الحياة فيها للأشجع، ولذا إذا لم توجد إشارة ترى الخائف واقفاً طوال يومه، لكن عندما يكون هناك نظام فإن الشجاع والجبان كلاهما وقوفان حتى تأتي الإشارة الخضراء ويمشيان.
فالله حد نُظُماًَ في هذا الكون، ضوء أحمر، وضوء أخضر، وضوء أصفر يعني: قِفْ، لا تقرب من هذا الشيء، هذه النظم هي حرمات الله ﵎، فالمؤمن وقَّاف عندها، يخاف من العقوبة، ومن القسيمة الأخروية في النار، وأما المنافق والكذاب والكافر فإنه لا يقف عند حدود الله، بل يقف إلى حد الزنا ويتخطاه، رغم أنه مؤشر أحمر: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] لأن (لا) هذه ناهية، و (اعمل) علامة الأمر، والقرآن بين (لا) وبين (اعمل) وبين خبر من الله ﵎، فموقفك من (لا) الابتعاد، وموقفك من (اعمل) الامتثال، وموقفك من الخبر التصديق، لا يوجد في القرآن إلا ثلاثة أشياء: إما أوامر، أو نواهٍ، أو أخبار.
وأنت عليك التصديق بخبر الله، والامتثال لأمر الله، والابتعاد عن نهي الله ﵎، فهنا المؤمن وقاف عند حدود الله ، ولا يتجاوزها إلى شيء مما حرم الله ﵎.
فظلم العبد لنفسه أن يتعدى حدود الله.
стр. 1872
ظلم العبد لغيره
وظلم العبد لغيره: أن يعتدي على شيء معصوم للمسلم بدين الله: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا) هذا قاله النبي ﷺ في حجة الوداع، يوم عرفة، كان يخاطب الناس ويقول: (اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، ألا هل بلغت؟!) فدم المسلم وماله وعرضه معصوم، وهل في الدنيا غير دمه، وماله، وعرضه؟! لا شيء لك في الدنيا إلا هذه الأشياء الثلاثة.
فلا يجوز لك -أيها المسلم- أن تعتدي على شيء من هذا بغير حق، وإذا اعتديت فقد ظلمت، وديوان الظلم بين العبد وبين أخيه المسلم ديوان حساس لا يتجاوز الله عنه بشيء؛ لأن حقوق العباد قائمة على المشاحَّة، وحقوق الرب قائمة على المسامحة.
стр. 1873
ظلم العبد لربه
والثالث: ظلم العبد لربه وهو أن يشرك به؛ لأن حقُّ الله على العبد أن يوحده، وألا يعبد معه غيره؛ لأن الله هو المستحق للعبادة وهو الخالق وحده: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] فكما أنه الخالق لوحده فإنه المعبود لوحده، فإذا عبدتَ معه غيره فقد ظلمته، ولهذا قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] فالله يضل الظالمين؛ لأنهم ظلموا أنفسهم، أو ظلموا غيرهم، أو أشركوا بربهم؛ فيحصل لهم الإضلال بناء على المبادرات السيئة منهم بارتكاب الظلم، وهؤلاء يحصل لهم التسديد بناء على المبادرات الإيجابية الحسنة منهم بالإيمان والعمل الصالح.
стр. 1874
من وسائل الثبات على دين الله: تلاوة القرآن الكريم والعمل به
وقد يقول قائل: ما هي وسائل التثبيت؟ أريد أن أثبت على الدين ما دام أن مسألة الثبات بهذا القدر من الأهمية يترتب عليها حسن الخاتمة؛ وهي نعمة يمن الله بها على من يشاء من عباده.
إذاً كيف أثبت؟ ما هي وسيلة الثبات على دين الله؟! أريد من الإخوة الشباب حفظهم الله وبارك فيهم، أن يأخذوا هذه الوسائل مأخذ المنهج الذي يسيرون عليه في حياتهم، لا نريد من المواعظ والخطب والمحاضرات والدروس أن تكون فقط للاستهلاك، يعني: نصبح مُدْمِنِي مواعظ، يدخل الشخص إلى الموعظة، ويجلس يتابع الألفاظ، والاستشهادات والآيات والأحاديث، ثم يخرج مثلما دخل، لا تغير الموعظة في حياته شيئاً، هذا لا ينفع أبداً بأي حال من الأحوال، وبعد ذلك -وهذا من أخطر الأشياء على الإنسان- يصبح همه فقط السماع، والنقد، ويخرج لا يتغير ولا يتأثر بأي شيء، وهذا صعب، لماذا؟ لأنه يصبح مدمن مواعظ، لا يستطيع أن يعيش إلا إذا سمع موعظة؛ لكن ما الذي تغيَّر منه؟ ما استفاد من الموعظة شيئاً، فنريد سماعاً وتطبيقاً.
فسأذكر اثنتي عشرة وسيلة من وسائل ثبات القلب على دين الله : أول وسيلة وأعظم وسيلة للثبات على دين الله -وهي وسيلة ممكنة وسهلة وميسرة- هي: تلاوة كتاب الله : تلاوة القرآن العظيم الذي أنزله الله نوراً وهدىً للعالمين من أعظم وسائل التثبيت، لِمَ؟
стр. 1875
القرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه
أولاً: لأنه ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢] وما دام أن الباطل لا يَرِد عليك أثناء قراءتك للقرآن الكريم، فأنت بالتلاوة محفوظ ومحصَّن: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢].
стр. 1876
تلاوة القرآن الكريم أعظم وسائل الثبات على دين الله
ثانياً: أن الله نص في القرآن على أن أعظم وسيلة للتثبيت هي تلاوة القرآن، فقال ﵎ في سورة الفرقان: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان:٣٢] قال الله: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان:٣٢] نثبت بهذا القرآن قلبك، نثبت إيمانك ودينك في قلبك: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان:٣٢] ثم قال: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان:٣٣] يعني: بالقرآن ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان:٣٣].
ما من شبهة ولا باطل ولا زيغ ولا انحراف إلا وقد جاء التفسير والدحض والتكذيب والرد له في كتاب الله ﵎، حججهم كلها باهتة وداحضة ومردودة بأنوار القرآن؛ لأنه نور، وهؤلاء الذين يوردون هذه الشبهات أو هذه الضلالات كمن يريد أن يطفئ نور الشمس بفمه، ولهذا يقول الله : ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف:٨] بماذا؟! ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف:٨] والتعبير (بأفواههم) فيه مزيد من التهكم، والسخرية، والاستصغار، والاستهزاء بهم، فإن الذي يطفئ نور الشمس بفمه هل يستطيع؟ لا يستطيع، لو أراد أن يطفئ نور الشمس بكل ما في الأرض من وسائل وليس بفمه فقط لا يستطيع، فكيف وهو يريد أن يطفئ بوسيلة إطفاء بسيطة لا تستطيع أن تطفئ شمعة على بُعْد مترين؟! الآن لو أن شمعة بسيطة على بعد مترين تريد أن تنفخها من هنا، هل ستطفئها وهي هناك؟! لا تنطفئ؛ لأنها بعيدة، وإذا قربت منها على بعد متر، وقمت لتنفخ فلن تستطيع، إلا إذا قربت منها على بُعد [١٠] سنتيمترات ونفختها ربما تنطفئ، وهي شمعة، فكيف بنور الله ﵎ الذي أنار به العالمين وهو القرآن الكريم!! يقول الله : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة:١٥].
ويقول: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣].
فالقرآن نور، وأيضاً مثبت؛ لأنه لا يأتيه الباطل.
وبالاستقراء -أيها الإخوة- وبالمشاهَدة في حياة الناس ما علمنا والله أن رجلاً اعتصم بكتاب الله، وداوم على تلاوته ولاذَ بِجَناب الله عن طريق التقرب إلى الله بالقرآن، أنه ضل أو انحرف.
وبالاستقراء أيضاً علمنا ولَمَسنا وشاهدنا كثيراً ممن كان قد اهتدى، ما إن أعرض عن القرآن وهجره ونسيه حتى أضله الله، ولو أنه بقي معتصماً بكتاب الله مستمسكاً به لحفظه الله وثبَّته؛ لأن الله يقول: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [الزخرف:٤٣] و (استمسك) فعل سداسي ما قال: (امسك) من الرباعي، لا والله، ما أرسل الله رسولاً إلا وأمَرَه بدعوة الناس إلى توحيد الله ﵎، فالقرآن هو خير وسيلة للثبات على دين الله، ومن رحمة الله ﵎ أن دلنا على هذه الوسيلة العظيمة وهي من أيسر الوسائل، فالقرآن الكريم يقول الله تعالى فيه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١] لو خوطبت الجبالُ الرواسي الشُّمُّ بالقرآن، لخشعت وتصدعت، لكن الله خاطبنا بالقرآن ويسَّره لنا، حتى أننا أصبحنا نقرؤه وهو كلام المولى ﵎، يقول الله فيه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]؟! هل من معتبر؟! هل من مقدر لهذه النعمة؟! أي شيء أعظم -يا أخي المسلم- من أن يجعل الله كلامه يجري على لسانك، فتتكلم بكلام الله أي تكريم أعظم من هذا التكريم؟! لا إله إلا الله! والله ما بعده تكريم، أن يُنزل الله عليك كلاماً من كلامه، تتحدث به أنت بلسانك، فهذه إمكانية سهلة ويسيرة، ونتائجها عظيمة من أن الله يثبتك.
لكن يوم أن تعرض عن الله وعن كلامه، ولا تريد أن تقرأ كلام الله، فهذا دليل على عدم محبتك لله ؛ لأن من أحب شيئاً أكثر من ذكره، فهذه خير وسيلة.
стр. 1877
القرآن الكريم شفاء ودواء للقلوب
ثالثاً: ولأن القرآن شفاء ودواء للقلوب، فالقلوب حرجة، وحساسة، وخطيرة، ولا علاج لها غيره، فليس لها حبوب تشربها، أو إبرة تعطيها، أو شراب، أو عمليات تفتحها، ونعني بالقلوب: القلوب الإيمانية، الواعية، الفاهمة، لا القلوب المادية، القلب المادي هو: عبارة عن عضلة تضخ الدم في العروق وتوصله إلى الرئة وترجعه لكي تكرره، هذا معك، ومع الحمار قلب مثله، ومع الثور مثل الدلو، أنا رأيت قلب ثور مثل الدلو، ومع ذلك لا يفهم، ورغم أن الثور والحمار أبلد الحيوانات لكن قلوبها أكبر القلوب؛ لأن عملية الضخ فيها أكثر للجسم الحيواني.
فالقلب الذي نعنيه: القلب الفاهم الواعي عن الله، وإلا فإن الله يقول: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩].
فما دام أن القلب هو الميدان فلا بد أن تبحث له عن شفاء وعلاج، وعلاجه من القرآن، يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس:٥٧] ما هي التي في الصدور؟ القلوب وماذا أيضاً؟! توجد في الصدور أشياء أخرى، فهناك الرئة وغيرها، لكن كيف عرفنا أن القرآن شفاء لما في الصدور المراد به أنها القلوب؟! ففي القرآن نفسه قال الله: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
فدلت هذه الآية على أن المعنى ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس:٥٧] يعني: القلوب، وليس شفاءً للرئة، ولا شفاءً للكبد، ولا شفاءً للبنكرياس، لا.
بل شفاءٌ للقلوب التي تفهم وتعي، قال الله: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٧ - ٥٨].
أيها الإخوة! هل وسيلة تلاوة كتاب الله مُمْكنة أم غير مُمْكنة؟ ممكنة، وقد أقام الله الحجة على العباد كلهم؛ لأنهم أصبحوا يقرءون كلام الله.
ولكن هل مجرد القراءة ووجود القدرة على نطق الحروف هو وسيلة القرآن التثبيتية؟ لا.
ورد في بعض علامات الساعة أنه يظهر في الناس القلم، أي: من علامات الساعة أن ينتشر العلم ويظهر في الناس فيقرأ القرآن الرجل والمرأة، والكبير والصغير، وكل الناس يقرءون القرآن، لكن هل بمجرد قدرتهم على القراءة، أو قراءتهم للقرآن بالمزاج الذي يريدون يحصل لهم التثبيت؟ لا.
كما جاء في بعض الآثار: (رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه) (وإذا قرأ القرآن ظالم لنفسه، ناده القرآن من جوفه، يقول له: يا ظالم! أين زواجري؟! أين قوارعي؟! أين آياتي؟!).
إذا ارتكب الإنسان محرمات وهو يقرأ القرآن، يصيح القرآن في جوفه.
стр. 1878
مآخذ تحقيق وسيلة الثبات بالقرآن الكريم
تكمن وسيلة التثبيت بالقرآن إذا أُخِذ مأخذان:
стр. 1879
المأخذ الأول: التلقي الصحيح على أيدي أهل العلم
المأخذ الأول: التلقي الشرعي الصحيح على أيدي علماء القرآن؛ لأنه كلام الله، لا تقرؤه مثلما تقرأ جريدة، أو مجلة، أو مثلما تقرأ كتاباً، لا.
كلام الله له أداء معين، له هيئة معينة، هو وعبادة تؤديها، الله يقول: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل:٤].
ولما سئل علي بن أبي طالب عن الترتيل قال: [هو معرفة الوقوف، ومعرفة مخارج الحروف] هذا معنى الترتيل، أن تعرف كيف تخرج الحرف وأين تقف، وهذا كله لا بد أن يكون عن طريق التلقي من عالم يعرف القرآن وأسراره، فتدرس على يديه؛ لأن التجويد لا يأتي بالقراءة في كتب التجويد، وقد كنا نقرأ -من قبل أن ندرس القرآن على المشايخ- القرآن ونعرف أحكام التجويد، أحكام النون الساكنة والتنوين أربعة: الحكم الأول: الإدغام: وحروفه ستة، مجموعة في قولك: (يرملون) وهو ينقسم على إلى قسمين: القسم الأول: إدغام بغنة: وحروفها أربعة، وهي مجموعة في قولك: (ينمو) الياء والنون والميم والواو.
القسم الثاني: بغير غنة وله حرفان هما: اللام والراء.
هذا الحكم الأول.
فوالله أني كنت أحفظه مثلما أعطيكم الآن في السنة الرابعة أو الخامسة الابتدائي، ولا أدري ما هو الإدغام، وما هو الإقلاب، لكن فقط أحفظه هكذا.
وحروف الإخفاء خمسة عشر حرفاً، مجموعة في أوائل هذه الأبيات:
صف ذا ثنا كم جاد شخص قد سما دُم طيباً زد في تقى ضع ظالما
لا أدري ما معنى: ضع ظالماً، وما معنى: دُم طيباً، أقرؤه فقط، وإذا جئت عند الأستاذ قال: كم حروف الإخفاء؟ قلت: خمسة عشر حرفاً، مجموعة في أوائل هذه الأبيات، وأذْكُرُه.
فقال: تفضل، أنت مُجَوِّد، لكن اقرأ القرآن فما أجود، مثل الذي يعرف نظام السير لكن لا يعرف كيف يقود السيارة، ما رأيكم في شخص يعرف أن الاتجاه يكون إلى اليمين، وأنه لا بد أن يقف عند الأحمر، وأنه لا بد إذا وقف أن يشير بشِماله، وأنه إذا أراد أن يأخذ يميناً يؤشر إلى اليمين، وإذا أراد أن يأخذ شِمالاً يؤشر إلى الشِّمال، لكن إذا قلت له: قد السيارة، قال: والله لا أعرف، أريد رخصة بالكلام فقط! فهذا هو الذي يعرف التجويد، ولا يعرف التطبيق، يريد رخصة في التجويد وهو لا يعرف أن يطبق التجويد، ولكن شخص آخر يعرف قيادة السيارة، ويطبق تعليمات السير كلها مضبوطة، لكن عندما تسأله لا يعرف، يعرف عملياً، ما رأيكم أيهما الأحسن العملي أو ذاك؟! العملي، وإذا وجدنا شخصاً عملياً ونظرياً، يعرف أحكام السير العملية، والنظرية، فهذا نور على نور.
وكذلك القرآن، لا بد فيه من التلقي على يد عالم، يقول ابن الجزري في قصيدته:
والأخذ بالتجويد حتمٌ لازمُ مَن لَمْ يُجَودِ القرآنَ آثمُ
لأنه به الإله أنزلا وهكذا منه إلينا وصلا
وهو أيضاً حلية التلاوةِ وزينة الأداء والقراءةِ
وليس بينه وبين دَرْكِهِ إلا رياضة امرئ بفَكِّهِ
يعني: ما بينك وبين إدراك التجويد إلا ترويض وتعويد الفم، هذا تأخذه من الكتاب؟! تأخذه من عالم تراه أمامك يقرأ، يقول: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس:١ - ٢] هذه غُنَّة، أين؟ في النون المشددة، أيُّ نونٍ في القرآن عليها شدة أصلها نونان، تحتاج إلى غُنَّة من أين تأخذها؟! لا تأخذها إلا من التجويد، والتجويد مأخوذ من: جوَّد الشيء يعني: أحسنه وأتقنه، عندما تقول لشخص: بالله افعل لي هذه الفِعْلة لكن جودها، يعني ماذا؟! يعني: أحسنها، ودائماً الناس إذا رأوا شخصاً حَسَناً قالوا: فلان والله جيد، يعني: لا يوجد أحد أحسن منه! فالتجويد مأخوذ من الإحسان وأداء القرآن في أحسن هيئته، فالأخذ به حتم لازم، من لم يجوِّد القرآن وهو قادر على التجويد آثم، لا سيما -من فضل الله- بعد أن توفر مدرسو القرآن في أغلب المساجد في هذه المدينة، وفي غيرها من مدن المملكة الطيبة، كثيراً ما تجد مسجداً والعالم جالس هناك من بعد المغرب إلى العشاء، ولكنه جالس وليس عنده أحد.
كأن الأمة قد حفظت التجويد من أوله إلى آخره، وأصبحت مستغنية عن علماء التجويد، ولو وقفت على الشارع، أو زرت الدكاكين، ولقيت اثنين أو ثلاثة جالسين في الدكاكين، فتقول له: تعال يا أخي! أنت تجود القرآن؟ قال: لا والله، لا أعرف فيه كلمة.
فتقول: إذاً لماذا أنت جالسٌ هنا؟! تعال اجلس مع الشيخ، تلقَّ التجويد عن العالم.
قال: لكن لا يوجد اهتمام.
يضيع وقته وحياته، ورغم أن الفرصة متاحة أمامه، وكذلك بعض طلبة العلم لا يهتم بهذا.
فأول وسيلة للتثبيت بالقرآن: أن تحرص على قراءة القرآن كما أنزله الله ﵎؛ لأنه فرق كبير بين من يقرأ القرآن دون مراعاة لأحكام التجويد، وبين من يجوِّد! أنت لو جلست بجانب رجلين، واحدٌ عن يمينك، وآخر عن يسارك! فالأول يقرأ القرآن بسرعة يهذه هذاً، والآخر يقرؤه بترتيل وتؤدة.
فهما قرأا القرآن، لكن فرقٌ بين هذا وذاك مثل ما بين السماء والأرض، مثل شخص -ولله المثل الأعلى- أحب أن يدعوك إلى وليمة، ويحضر لك طعاماً من أحسن الأطعمة منوعاً، وكل نوع في صحن ومجملاً، فتأتي على السفرة فتجد شيئاً منمَّقاً.
وشخص آخر يدعوك، ولكنه مستعجل، يريدك أن تتعشى وتمشي، فوضع الأرز على السلطة و (العصيدة) والمرق والفاكهة، و (المهلبية) وخلطها كلها، وفتح فمك بقوة وأخذ يدخل فيه الطعام، ويقول: أسرع، تعشَّ.
بالله ما رأيك في هذا الإنسان؟! هذا مسكين، طَبَخَ ونَفَخَ وتَعِبَ واشترى من السوق، لكن ما قدم لك السفرة بشكل لائق، فتقول: الله أكبر عليك! دعني آكل على راحتي يا أخي! ماذا بك؟! تريد أن تغذيني أم تريد أن تذبحني؟! هذا بذاك سواءًَ بسواء.
هذا الذي يسرع بالآيات القرآنية ويقرؤها عليك بسرعة ما أفادك ولا استفاد، فلا بد من تلاوة القرآن كما أنزله الله ﵎.
стр. 1880
المأخذ الثاني: أخذ القرآن بنية العمل
المأخذ الثاني -وهو مهم جداً-: أن تأخذه بنية العمل: تقرأ القرآن كما يقول ابن مسعود: [لا تهذُّوا القرآن هَذَّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدَّقَل، ولكن قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب].
والله يقول: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩].
ويقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]؟! نعم والله عليها أقفالها، ونسأل من بيده مقاليد الأمور أن يفتح قلوبنا للقرآن.
ويقول في آية أخرى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢]؟! أحد الإخوة يقول لي: يا أخي! هناك شخص يقرأ القرآن من يوم عرفته، ولكن ما تغير في شيء.
قلت: كيف يقرأ؟ قال: والله إني أجلس عنده بجانبه أقرأ، وهو يقرأ ثلاث أو أربع صفحات، وأنا لم أكمل نصف صفحة، مثل (الماكينة).
قلت: مسكين، اسأله: ماذا قرأ بعد أن يكمل قراءته؟ قل: يا أخي المسلم! ماذا قرأت؟! أيُّ أمر تلقيت؟! أيُّ نهي ورد عليك؟! ما هي الأخبار التي سمعتَها في القرآن؟! فسيقول لك: لا أدري.
وهي قراءة الكثير من الناس؛ إلا من ندر.
فإذا أردت أن يثبتك الله بالقرآن الكريم، فالذي ينبغي عليك أن تسعى أولاً إلى تجريد القرآن وليس بالضرورة أن يكون غيباً؛ لأن بعض الشباب يقول: والله لا أستطيع أن أقرأ غيباً، ليس من داعٍ لهذا، الغيب هذا هبة من الله، إذا قدرت عليه فأنت ممن يأتي يوم القيامة وأناجيلهم في صدروهم كما جاء في الحديث: (أن موسى يقول: إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم، اجعلهم أمتي يا رب! قال: هؤلاء أمة محمد ﷺ .
والله أثنى على الحفظة فقال: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩].
وفي الحديث أيضاً يقول ﵊: (من أوتي القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه، غير أنه لا يوحى إليه) لم يعد يأتي الوحي، لكن النبوة كلها في صدره، وأخبر ﵊ أن أشراف هذه الأمة هم حَمَلَة القرآن الكريم، يعني: حَفَظَته.
فالذي يحفظ القرآن هذا له فضل كبير من الله ﵎، والذي يحفظ منه نصفه عظيم، والذي يحفظ ثلثه عظيم، والذي يحفظ ربعه طيب، والذي يحفظ منه أربعة أجزاء، أو ثلاثة أجزاء، أو جزئين، المهم احفظ ما تستطيع، ولكن ليس لك عذر في تجريد القرآن كله بالنظر، ماذا معك من عذر؟! لا عذر، إلا أنك مشغول عن القرآن، لا بد من تجريد القرآن أقل شيء برواية واحدة، رواية الإمام حفص عن الإمام عاصم؛ لأن عاصماً له روايتان: حفص.
وشعبة.
المشهورة عندنا الآن رواية حفص، إذا استطعت أن تأتي بالروايتين، وتعرف الفوارق بينهما عن الإمام عاصم بن أبي النجود فعظيم جداً، وإذا لم تستطع فأقل شيء أن تعرف كيف تجرد القرآن من أوله إلى آخره بالتجويد على رواية الإمام حفص، وهذه مشهورة وموجودة، وفي هذا المسجد عالِم -من فضل الله- يدرس القرآن، وفي مسجد اليحيى عالِم متفرغ أربعاً وعشرين ساعة في تعليم القرآن، وفي كل مسجد من مساجد المنطقة هذه، في أبها لوحدها أكثر من ثلاثين عالماً متفرغون لكتاب الله، ولكنهم والله يشكون إلينا وقلوبهم تتقطع، وأعينهم تدمع، يقولون: والله نكون جالسين من المغرب إلى العشاء وما يأتينا أحد، الناس معرضون لا يريدون القرآن، لا حول ولا قوة إلا بالله! هذه مصيبة! فلا بد -أيها الشاب- أن تجلس وتبرمج وقتك من الآن، الشيخ الأفغاني موجود -من فضل الله- في مسجده، والشيخ الأفغاني الآخر موجود في مسجد اليحيى، والشيخ محمد بشير الباكستاني في هذا المسجد، كثير من العلماء، اجلس عندهم وسجل اسمك، وادرس على الترتيب، اقرأ كل يوم ربعاً، أو صفحة، أو صفحتين، ستجد صعوبةً في أول الأمر حينما تمارس التجويد، لكن ما إن تأخذ فيه جزءاً أو جزئين إلا وينطبع لسانك على أحكام التجويد، حتى تقرأ القرآن كله بالتجويد بيُسر وسهولة إن شاء الله.
ثم بعد ذلك أثناء القراءة تفهَّم المعاني، وتعرَّف على أسرار القرآن، ثم ناقش نفسك على الأوامر والنواهي، والأخبار.
فالأخبار صدِّق بها، والأوامر نفِّذها، والنواهي انتهِ منها.
إذا سمعت الله يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] فاسأل نفسك، أين أنت من الصلاة والزكاة؟! إذا سمعت الله يقول: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام:١٥٢] ولا ولا ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] هذه الأوامر في القرآن ينبغي لك أن تقف عندها، وأن تنفذها حتى يكون القرآن لك موطن ثبات، ووسيلة ثبات حتى تلقى الله ﵎.
أسأل الله أن يثبتني وإياكم على القول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
стр. 1881
من وسائل الثبات فعل أوامر الله واجتناب نواهيه
الوسيلة الثانية هي: فعل الأوامر، واجتناب النواهي: فمن وسائل الثبات على دين الله: الحرص كل الحرص على فعل أوامر الله والابتعاد عن نواهيه؛ لأن الله يقول في القرآن الكريم: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [النساء:٦٦] وماذا؟! ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ [النساء:٦٦].
هذا منطوق الآية، بمعنى: لو أن الناس فعلوا ما يوعظون به، يعني: لو أن الناس التزموا بالأوامر، وابتعدوا عن النواهي، وصدقوا بالأخبار، وتمسكوا بالقرآن، وعملوا بالسنة: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ [النساء:٦٦] أي: ما يوجه إليهم من توجيه إلهي القرآن أو عن طريق السنة المطهرة: ﴿لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ [النساء:٦٦] أي: ثباتاً على دين الله.
لكن الذي لا يفعل ما أمره الله به، ولا ما وعظه الله سيكون في شر، ولن يكون مُثبتاً، وهذا واقِعٌ ومشاهَدٌ ومُجَرَّبٌ.
فالقضية -أيها الإخوة- تحتاج إلى دور بارز منك في الموضوع، بعض الشباب يقول: والله أنا أريد أن أهتدي، ولو اهتديت أسير في الطريق أسبوعاً أو أسبوعين أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة، ثم لا أدري ما الذي يُرجعني! ماذا بك؟! أنت الذي رجعت! من الذي جاء وسَدَّ الطريق عليك؟! الشيطان، انهزمتَ أنت أمام شهوة من شهوات نفسك، أمام شبهة من شبهات الشيطان.
أذَّن المؤذن وأنت على الفراش دافئ ومبسوط وتعبان وسهران وتريد أن تنام، فنمت، لكن لو أنك استعذت بالله من الشيطان الرجيم، واستعنت بالله، وقمت لأعانك الله، أم أنك تريد شخصاً يأتي ويأخذك من الفراش ويضعك في المسجد؟! لا أحد يستطيع أن يقوم بدورك إلا أنت بالهداية؛ لأن دورك هذا تريد منه نتيجة وثمرة، تريد منه جنة عرضها السماوات والأرض، أيعطيك ربي جنة وأنت ليس لك دور؟! أيعطيك ربي جنة وأنت منهزم؟! لا.
لا بد من التعب، الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
فلا بد من المبادرة والدور الإيجابي الذي تشعر فيه بأنك مسئول عن تنفيذ كل ما أمر الله، وعن الابتعاد عن كل ما نهى الله عنه؛ لأنك بهذا تعمل على تثبيت قدمك على دين الله، أما إذا تخلخلت في الأمر، كلما جاءك أمر وإذا بك تعمل عليه حيلة، هذا بداية الانهزام.
أحد الشباب كان في أول حياته مؤمناً ملتزماً، كان يصلي معنا الفجر في المسجد، أمه وأبوه غير ملتزمَين ومع ذلك واقفَان ضده، وهو بِحُكْمِ كَوْنِه شاباً ينام ولا يستيقظ، ولا أمه توقظه للصلاة، ولا أبوه يصلي في المسجد، ويضع الساعة عند رأسه فيضرب الجرس حتى تسكت ولا يقوم، فمسكين مِن حرصه على الصلاة والله ما كان ينام إلا في هذا المسجد! كان يسمر في البيت فإذا جاء وقت النوم أخذ المخدة والبطانية وجاء ونام في طرف المسجد هناك، بحيث عندما يدخل أول شخص إلى المسجد يوقظه، فيقوم ليصلي، وبعد الصلاة يجلس ويقرأ القرآن إلى الإشراق، ويصلي ركعتين ويذهب إلى البيت، إن كان معه عمل ذهب إليه، وإن كان ليس عنده عمل جلس في بيته.
فهذا الشاب كانت له استقامة تعتبر مثالية، ولن نستطيع أن نصفها؛ لكن بسبب الزعزعة وعدم الثبات على دين الله -والعياذ بالله- وبسبب الإيحاءات الشيطانية وقرناء السوء، والذين يردُّونه عن وسائل التثبيت، فشخص من قرناء السوء ركب معه في سيارته، وشغل له شريطاً من الأغاني، فقال له: أغلقه يا شيخ! هذا حرام.
قال: ماذا؟ قال: حرام.
قال: من الذي قال لك: أنه حرام؟ قال: سمعنا العلماء يقولون: إن الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل، وإنه لا يجتمع حب القرآن وحب الغناء في قلب عبد مؤمن، والله ﵎ يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان:٦] وبدأ الرجل يعطيه الأدلة.
قال: يا شيخ! لا، أبداً أبداً، الأغاني حلال (١٠٠ %) ما دخل الأغاني في الدين؟! -انظر كيف يضله الشيطان الرجيم هذا- الدين أنك تصلي وتصوم، أما الأغاني هذه فليس فيها علاقة بالدين.
وهو مسكين يحب الأغاني قبل الهداية! ولما سمع فتوى شيطانية من شيطان تتيح له فرصة الأغاني، قال: صحيح.
قال: نعم.
تعال أُرِيْك.
وذهب وأخذه إلى البيت، وأظهر له كتاباً أو نسخةً من فتاوى بعض المغفلين الذين يصطادون في الماء العكر، والذين يضلون عباد الله ، وبدأ يبين له أن هناك خلافاً بين أهل العلم في مسألة حكم الغناء.
والخلاف الذي بين أهل العلم في مسألة التغني بالألفاظ فقط، أما الآلات الموسيقية؛ كالعود، و (الكمان) و (الناي)، والطنبور، وهذه الأجهزة كلها فالأمة مُجْمِعة بجميع فئاتها على أنها حرام، كل آلة من آلات الموسيقى فهي محرمة في الشرع، وكل الأمة تعتقد بهذا، ولكن هناك خلاف بين أهل العلم بين طائفة بسيطة في حكم التغني بالألفاظ، يعني: شخص يأتي ببيت من الشعر بطريقة سليمة، فيقول:
ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيبُ
وشخص آخر يقول: لا تقل هكذا يا شيخ! ائت به بطريقة تتغنى بها
ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب
وشخص يقول: لا.
هذا ليس جميلاً، هذا يُفتن.
وآخر يقول: لا.
ليس فيه شيء.
هذا هو الخلاف فقط، فأخذ الرجل هذا الخلاف وحمله على الأغاني كلها، وقال: أسمع أغاني فقط.
فبدأ الرجل يستمع إلى الأغاني، كان في البداية يأخذ بالملعقة، لكن يوم أن عاد أصبح يأخذ (بالكُرَيْك) وبدأ يسمعها، وقد أصبح قلبه مفتوحاً لها، وفجأة وإذا به ينزل وينزل وينزل، بدأ نزوله بترك الصلوات في المسجد، ثم نزوله الآخر بتركه الصلوات في البيت، ثم بالردة عن دين الله والكفر والعياذ بالله.
كيف بدأ؟! بالانهزام، ما فعل ما وعظه الله به: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ [النساء:٦٦].
فلا تتوقع -يا أخي الشاب- أن يأتي أبوك أو أمك أو شيخك أو أستاذك أو زميلك، أو أن يأتي الداعية أو العالم ليقول لك: لا بد أن تفعل هكذا، ويشد على قلبك بمسمار، ويقول: خلاص! اثبت، لا.
بل أنت المسئول، هذا واقع ضمن دائرة اختصاصك، في أن تأخذ نفسك بالكمال وتبتعد بها عما حرم الله، وتجبرها على أوامر الله، حتى يثبتك الله ﵎.
أما أن تنهزم وتقع وتضعف أمام الشهوات والشبهات، ثم تقول: والله أنا ما هداني الله، لا.
لقد شاء الله لك الهداية، ولكنك أنت الذي لم تُرد لنفسك النجاة في الدنيا والآخرة.
فهاتان وسيلتان من وسائل التثبيت على دين الله ﵎.
стр. 1882
من وسائل الثبات: دراسة في قصص الأنبياء
الوسيلة الثالثة من وسائل التثبيت: التمعُّن ودراسة قصص الأنبياء الذين وردوا في القرآن الكريم، ليس مجرد المتعة القصصية، فالقرآن ليس كتاب أحاجي ولا قصص، لا.
بل القصص التي وردت في القرآن وردت لحكمة: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً﴾ [طه:٩٩] ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣] ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ [يوسف:١١١] ﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ [هود:١٢٠] ماذا؟! ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود:١٢٠].
القصص القرآنية أوردها الله دروساً عملية، ونماذج حية يتعلم منها الإنسان كيف يثبت على دين الله، فما تمر قصة من قصص الأنبياء مِن أولهم إلى آخرهم إلا وهي تؤثر في قلبك، وتسكب في يقينك شيئاً مما يثبتك على دين الله، وهذا معنى قول الله : ﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:١٢٠] الهدف من قصص القرآن وما أوردنا فيه من قصص الرسل والأنبياء هو: ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ [هود:١٢٠] أي: جاءك في القرآن الحق ﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود:١٢٠].
وميادين البلاء والافتتان وعدم الثبات كثيرة جداً، مِن الناس مَن يُفْتَتن ولا يثبت في ميدان المال، ومِنهم مَن لا يثبت في ميدان شهوة النساء، ومِنهم مَن لا يثبت في ميدان الجاه والمنصب، ومنهم مَن لا يثبت في ميدان الابتلاء والامتحان والضرب والسجن والقتل، ومِنهم مَن يمتحن ولا يثبت في ميدان الأولاد وكثرتهم والبنين والعشيرة، ومِنهم مَن يُفْتَتن في ميدان السلطة والمنصب، هذه كلها ميادين للبلاء والفتنة، وهناك: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم:٢٧].
وإذا درستَ سير وقصص الأنبياء وجدتَ أن كل موضوع ورد في القرآن يعطيك معنىً يجب أن تستفيد منه في حياتك العملية.
стр. 1883
أخذ العظة والعبرة من قصة يوسف ﵇
هذا يوسف ﵇ ابتُلِي واختُبِر بفتنة من فتن الناس في هذا الزمان وهي: فتنة الشهوة، شاب غريب، وطبعاً الغريب ليس مثل المقيم في بلده، دائماً الغريب عندما يقيم في بلده يخشى من الفضيحة ويحرص على السمعة، وعلى ألا يلوِّث عرضَه أو عرض أهله أو قبيلته، لكن الغريب لا يفكر في هذه الأمور، يقول: أنا غريب، ماذا عليَّ؟! لا أحد يعلم أني هنا، لكن بالإيمان وباستشعار عظمة الله يشعر المسلم بأنه تحت النظَّارة، وتحت المراقبة الربانية في كل مكان، وتحت أي سماء، وفوق أي أرض، في الليل والنهار، في الظلام والنور، مع الناس وفي الخلوة، لماذا؟! لأنه يراقب الله ﵎.
وإذا خلوت بريبة في ظلمةٍ والنفس داعية إلى الطغيانِ
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
هذا يوسف ﵇ كان شاباً، غريباً، وجميلاً، وأعزباً، وكان يعيش في بيت مُلْك في بيت امرأة العزيز التي دعته وهي ذات منصب، لا أحد يستطيع أن يقول لها أي كلمة، وكانت ذات جمال، ومن الطبيعي ألا يتزوج عزيز مصر إلا أجمل نساء مصر، وأيضاً تراوده يعني: ما عرض هو الموضوع عليها، لا.
بل هي التي تراوده وتطلبه، وبعد ذلك أمَّنَتْه: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ [يوسف:٢٣] غَلَّقَت، ما قال: أَغْلَقَت، بل قال: غَلَّقَت، هنا صيغة مبالغة، عندما تقول: أنا أَغْلَقْتُ الباب ربما يحتمل أنك أجفيته؛ لكن عندما تقول: أنا غَلَّقْتُ الباب، يعني: أحَكمْتُه بقوة ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ وبعد ذلك دَعَتْه وقالت: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ تقول له: إلى أين أنت ذاهب؟! أين تريد؟! ولكن لما كان مُثَبَّتاً من عند الله ثبَّته الله: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣] يقول: هذا العمل الخبيث والسلوك المشين ليس لنا، ولا من طبعنا، إنه فعل الساقطين وعُبَّاد الشهوات، الزناة الذين يسقطون من عين الله في الدنيا والآخرة: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف:٢٣] يقول: لا يمكن، ثم إنها تراوده، وتطارده، وتضاربه.
ويهم أن يضربها، كما يقول علماء التفسير، لأن بعض الإخوة يغلط في قضية تفسير قول الله : ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤].
أنا قرأتُ التفسير في هذه الآية، وسمعتُ كلاماً كثيراً، ولكن الذي اطمأن إليه قلبي، والذي يليق بمقام النبوة -لأن يوسف ﵇ نبي معصوم عصمه الله ﴿واللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]- أنها هي هَمَّت به بأن يزني بها، والهَمُّ في اللغة هو: العزم على فعل الشيء، بحسب الحالة التي تحيط به وتلابسه، الله يقول في القرآن: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ [آل عمران:١٢٢] ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيكُمْ﴾ [المائدة:١١] ما معنى: ﴿هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا﴾ [المائدة:١١]؟! يعني: هموا أن يزنوا؟! لا.
بل الهم على فعل الشيء يعني: العزم على فعله، فهو هَمَّ بشيء، وهي هَمَّت بشيء، فهَمُّها منطلق من موقفها، وهَمُّه منطلق من موقفه، فهَمُّه منطلق من موقفه الرافض، وهَمُّها منطلق من موقفها الراغب، لو أنه هَمَّ بها فما الذي يمنعه؟ كلمة: ﴿لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] عائدة على هَمِّه هو، يقول المفسرون: إنها هَمَّت به ليزني، وهَمَّ بها ليضربها، ما يمنعها من هذا إلا الضرب، ولكنه قبل أن يضربها رأى برهان ربه، قال المفسرون: قذف الله في قلبه أنه لو ضربها لازدادت الشبهة تأكداً أنه أرادها، إذ أنها اتَّهمته أنه أرادها ولم يضربها، ولكن لو ضربها ضربة وبقي أثرها، لكانت شبهتين: هذا راودني، وضربني، لازدادت شبهة أنه يريدها تأكيداً، فالله منعه: ﴿لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] فلم يضربها حتى لا تتأكد الشبهة ضده، إذ أن الله يعلم أنها سوف تتهمه بالزنا.
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف:٢٤] ودليل هذا أنها هي في آخر الأمر لما اعترفت قالت:! ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف:٥١] لم تقل: فأرادني، تقول: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف:٣٢] فاستعصم، أو فهَمَّ بي وأرادني؟! لا.
بل استعصم، اعترافها في آخر الأمر -كما في التفسير- أنها قالت: اعتصم بالله .
فيوسف ﵇ موقفه الإيماني العظيم الذي لا يقف فيه إلا من وفقه الله.
القضية يا إخواني! في الذهن والتصور والخيال سهلة، يقول الشخص: والله يمكنه أن يثبت، لكن في ميدان الاعتبار لا يثبت إلا من وفقه الله، ولذا كان عملها سبباً من أسباب نجاة أحد الثلاثة الذين أخبر النبي ﷺ فيمن كان قبلنا، والحديث في الصحيحين عند البخاري ومسلم: (أن ثلاثة كانوا في سفر، فآواهم المبيت إلى غار، فوقعت عليهم صخرة سدت عليهم باب الغار حتى لا يستطيعون منها خروجاً) وهذه أزمة ما لها من فارج إلا الله، لا يوجد هاتف يتصلون بالنجدة، ولا بالدفاع المدني، ولا توجد جماعة قريبة يفتحون لهم الغار، ولا عندهم جرافة تأتي فتأخذ الحجر، ولكن من معهم؟ معهم الله الذي لا إله إلا هو، فأحدهم قال: إنه لا يفسح ما بكم إلا الله، فادعوا الله بصالح أعمالكم -تعرفوا إلى الله في الشدة، الآن كما سبق أن تعرفتم إليه في الرخاء يعرفكم في الشدة ادعوا الله- فقام الأول ودعا بدعوة: أنه كان له أبوان، ودعا الثاني أنه كان له أجير، والثالث -الذي نستشهد به في هذا الحديث- أنه كانت له ابنة عم يحبها كأشد ما يحب الرجل المرأة، ثم راودها يوماً من الأيام عن نفسها فرفضت، وراودها فرفضت، وراودها فرفضت، ثم بعد ذلك حصلت عندها حاجة ماسة وفقر مدقع، فلم تجد لها فرصة إلا أن تأتي لتستلف من ابن عمها، فجاءت إليه تستلف منه، وقالت: أعطني مبلغاً من المال قرضة أرده لك، قال: لا -استغل نقطة الضعف ليلبي نزوته ورغبته- قال لها: لا.
أنا لا أعطيك شيئاً، إلا أن تفعلي، واتركيني وأنا سأعمل ما تعلمين، فقالت: له حسناً فوافقت وهي مكرهة، ولا تريد هذا الشيء؛ لأنها مؤمنة وتخاف الله، فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته -لم يعد هناك أحد أبداً يستطيع أن يمنعه إلا الله في تلك اللحظات- قالت له المرأة: اتقِ الله يا هذا! -خَف من الله! راقب الله! اشعر بأن الله يراك! - ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام الرجل -والله هذا عنده من الإيمان مثل الجبال- قام الرجل عنها، ثم قال: اللهم إن كنتَ تعلم أنني إنما تركتها وقمتُ منها من أجلك وخوفاً من عقابك فافرج عنا ما نحن فيه، قال: فتحركت الصخرة؛ فخرجوا يمشون من رحمة الله ﵎ بهم.
فيوسف ﵇ في درسه العملي هذا تثبيتٌ لك -أيها المسلم- يا من تواجه مثل هذه المواقف! في هذه الديار أو في غيرها من ديار المسلمين، ربما لا تجد هذا الموقف في هذه الديار، لكن ربما تجد هذا الموقف في بعض بلاد المسلمين أن تعرض عليك امرأة نفسها في حكم الحاجة، أو الرغبة الجنسية، أو أنك شاب، لكن هناك: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧].
في تلك اللحظات تَذَكَّرْ يوسفَ ومواقفَه من امرأة العزيز، وقل: معاذ الله، لماذا تقولها؟! لأنك سبق أن درست في القرآن الكريم قصة يوسف، وانقدحت في نفسك آثار هذه القصة، عصمة على دين الله، وتمسكاً بطاعة الله، وعدم انهزام في معصية الله ، هذا معنى القصص القرآني الذي يقول الله فيها: ﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود:١٢٠] هذا معنى هذه الآية.
стр. 1884
أخذ العظة والعبرة من قصة نوح ﵇
وعندما تأتي على قصص نوح ﵇، ففي قصصه عبرة عظيمة جداً وعبر كثيرة، آخذ منها عبرتين: الأولى: عندما أمره الله أن يصنع الفلك: كان يعيش في بلاد فلسطين في الطور في الصحراء، لا بحر ولا ماء، فكان يصنع الفلك، الله قال له: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود:٣٧].
فكان يصنع الفلك أي: سفينة، فمر عليه مجموعةٌ من قومه، قالوا: ما هذا يا نوح؟! قال: هذه السفينة أصنعها؛ لأن الله سينجيني أنا ومن آمن معي، ويُغْرِق أهل الأرض كلهم.
قالوا: انظروا الغباء! انظروا هذا النبي الذي يقول: إنه نبي! أين البحر إذاً؟! تصنع سفينة في الصحراء؟! الذي يصنع السفن يجب أن يكون على المرفأ بجانب الشاطئ من أجل أن يصنعها ويركب فيها في البحر حتى لا يغرق، أنت الآن تصنع سفينة في وسط الصحراء، قال الله: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود:٣٨].
لكن ما عنده انهزام، ولا ضعف في عقيدته وإيمانه، لا.
بل معتز، رغم أن الواقع في الحقيقة يجعلهم يسخرون لأن سفينة في الصحراء ما لها داعٍ: ﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود:٣٨] هذه تبين وتوضح مبدأ الاعتزاز والثقة، وأيضاً اليقين على أنك على الحق.
بعض الشباب عندما يطيل لحيته ويمشي في الشارع، ويسمع بعض الناس يتكلمون فيه: انظروا فلاناً! ذقن ذقن، فيخجل من لحيته التي في وجهه، بينما هم ما أحد منهم يعفي لحيته.
أحد الشباب يقول: إنه ناقشَ أحد الحلِّيقِين الذي قال له: يا أخي! أنت لماذا تعفي لحيتك؟! فقال: وأنت لماذا تحلق لحيتك؟! بنفس المنطق، يعني: واحدة بواحدة.
قال: أنا حر.
قال: وأنا لستُ بعبد، مثلما أنك حر في حلقها أنا حر في إبقائها، لماذا تطلب الحرية في حلقها، وأنا لا أطلب الحرية في إعفائها؟! فقال الرجل: الشعر لا يُحلق كله في الجسد، ولا يُترك كله.
قال: ماذا تعني؟! قال: أعني أن الشعر يُترك في الرأس ويحلق في أماكن ثانية.
قال: أنا أريد لحيتي مثل رأسي، وأنت اجعل لحيتك مثل الشيء الآخر عندك.
فخجل الرجل وصمت، ولم يتكلم بكلمة واحدة.
فهذا مثال على أنك إنسان تعتز بعقيدتك، المسألة ليست مسألة شعر -يا إخواني- إنما هي مسألة اقتداء برسول الله ﷺ الذي قال: (قصوا الشوارب، وأعفوا اللحى) (أكرموا اللحى) (أرخوا اللحى) (أسبلوا اللحى) ليست مسألة شعر، فالشعر نحن مأمورون بحلقه في أماكن، ونتفه في أماكن، وإعفائه في أماكن، المسألة هوية، المسألة عنوان لظرف معين، ظرفك أنت ماذا؟! الدين وسنة محمد ﷺ ، ودائماً الذي معه الظرف المجهول وبداخله شيء فلا أحد يعلم عنه، لو جاءك ظرف من البريد ما عليه اسم، ولا مرسل، ولا عنوان، فما يدريك أن بداخله شيء؟ بعض الناس يحولنا على قلبه يقول: الدين في القلوب والصدور، ما أدرانا يا أخي؟! تريدنا أن نأخذ الفأس ونكشف على صدرك، ونرى ما بداخله؟! لا نستطيع، الله يحاسبك يوم القيامة على ما في قلبك، نحن الآن نتعامل معك على ضوءِ ظاهرِك، فإذا كان متمسكاً بسنة النبي ﷺ حكمنا على ذلك بأنك -إن شاء الله- ممن يحب الرسول ﷺ ويتمسك بسنته.
فيجب عليك -يا أخي المسلم! - يا من تريد أن يثبتك الله على الإيمان! أن إذا مر بك موقف من مواقف السخرية أو الاستهزاء أو الطعن أو النَّيْل منك ألا تهتز، ولا تضعف وتنام، لا.
بل اثبت، إنك على الحق، وخذ من موقف نوح ﵇ موقفاً يثبتك على دين الله، وقل: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود:٣٨].
الثانية: موقف آخر من نوح ﵇، وهي: حينما ركب وقومُه في السفينة، وطلب من ابنه الكافر أن يركب، ورفض الولد وقال: ﴿سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود:٤٣].
فنوح ﵇ كان قد فهم مِن وعد الله حينما قال له: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [المؤمنون:٢٧] فَهِم من هذا أنه مسموح له بأن يركب مع مَن آمن به ومع جميع الأهل، والمقصود بكلمة (أهلك) أي: أهله الذين آمنوا به وصدقوه، وأن من ليس من أهل الإيمان فإنه ليس من أهله ولو كان ولده، فقال نوح: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٥ - ٤٦].
هنا وقف نوح ﵇ الموقف العظيم، موقف الأنبياء: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٧ - ٤٩].
فنوح ﵇ تبرأ واستعاذ بالله أن يسأله ما ليس له به علم في وساطة أو شفاعة في شيء لا يحبه الله ولا يرضاه.
وهذا الموقف نتعلم منه أن الرابطة الإيمانية هي الرابطة الوثيقة التي نتعامل مع الناس على ضوئها، وأن نحب ونعادي ونبغض من أجلها؛ لأن الله يقول: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢].
ثم قطع الله الخط على أي شخص يقول: ولدي يا رب! أبي يا رب! نسبي فقال الله: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢].
وسوف نتكلم -بإذن الله- عن بعض المواقف التي نستفيدها من القصص القرآني في مناسبات قادمة بإذن الله ونكتفي بذكر هذه الثلاث التي هي وسائل التثبيت: الوسيلة الأولى: الإقبال على الله وعلى كتاب الله بالتلاوة الشرعية عن طريق تطبيق قواعد التجويد والقراءة بالطريقة الصحيحة، والعمل بالقرآن.
الوسيلة الثانية: فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه.
الوسيلة الثالثة: التمعن والتدبر في قصص الأنبياء.
وبعض الإخوة يسألني ويقول: اذكرها لنا كلها الآن ولو ما تكلمت عليها كلها، لكن أذكرها كلها على سبيل السرد.
стр. 1885
من وسائل الثبات: الحرص على التربية الإسلامية العملية الجادة
الوسيلة الرابعة: الحرص على أن تكون تربية الإنسان تربية إسلامية عملية تبلغ عمق وجذور النفس البشرية، لا تربية سطحية؛ لأن التربية السطحية ما إن يأتيها أقل هزة حتى تذوب وتنمحي، لكن لما تكون عميقة داخل النفس، مثلما ربى النبي ﷺ أصحابه في مكة، لما كانت تربيتهم عميقة وعملية وصحيحة ثبتوا على دين الله إلى آخر لحظة.
لكن الذين تربوا في ظل الحياة المدنية من المنافقين أو بعد الفتح لا تأتي أية هزة إلا تكشفهم، لماذا؟ لأن تربيتهم ليست سليمة وعميقة، وضاربة في جذور قلوبهم، وإنما في السطح فقط، فهذه الوسيلة الرابعة.
стр. 1886
من وسائل الثبات: الحرص على سلوك منهج أهل السنة والجماعة
الوسيلة الخامسة: الحرص على أن تسلك في سيبل هدايتك مسلك أهل السنة والجماعة، فلا تسلك سبيلاً غير سبيل أهل السنة والجماعة، كـ الصوفية، والشيعة، وأهل الإلحاد، أي وسيلة من الوسائل التي ليست من وسائل مذهب أهل السنة والجماعة هذه لا يستقر عليها الإنسان.
وترون الآن حالة كثير من الناس كـ ابن عربي، وابن الفارض فهؤلاء ضلوا؛ لأنهم ما سلكوا الطريق الصحيح، فدائماً الذي لا يسلك الطريق الصحيح لا يثبت عليه، وهذا يحتاج إلى كلام كثير؛ لكن ليس موضوعه الآن.
стр. 1887
من وسائل الثبات: كثرة ذكر الله
الوسيلة السادسة: كثرة ذكر الله : لأن ذكر الله سبب عظيم من أسباب التثبيت، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأنفال:٤٥] فيأتي الثبات من شدة الذكر، يعني: ذكر الله ﵎ يثبت الإنسان في كل المواقف، ومن أحرج المواقف: الثبات في قتال أعداء الله.
стр. 1888
من وسائل الثبات: كثرة الدعاء والابتهال إلى الله
الوسيلة السابعة: كثرة الدعاء والابتهال إلى الله أن يثبتك: لأن الله يقول في القرآن: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨] ينبغي أن تجعل هذه الآية ضمن الأدعية الخاصة التي تدعو بها في الصباح والمساء، وفي كل أوقات الاستجابة، وفي السجود: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨].
ولقد رُوِي عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح أنه كان يقول: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك، اللهم يا مصرف القلوب والأبصار صرف قلوبنا على دينك وطاعتك) إذا كان سيد الهداة صلوات الله وسلامه عليه يطلب من الله التثبيت فنحن أولى بالسؤال منه، فعليك أن تسأل من الله الثبات؛ لأنه هو الذي يثبتك، فعليك أن تسأل المثبت أن يثبتك مع الأخذ بدواعي التثبيت.
стр. 1889
من وسائل الثبات: الثقة الكاملة المطلقة بأنك على الطريق الصحيح
الوسيلة الثامنة: الثقة الكاملة المطلقة بأنك على الطريق الصحيح، وأن من عداك على الطريق الضال، فالذي ليس على مثلما أنت عليه فهو ضال، وهذه تبين مبدأ الثبات على العقيدة والدين، وأيضاً هي ثمرة ونتيجة لمعرفة الطريق، فالذي يعرف أنه على حق لا يمكن أن يتزعزع عنه، أعطيك مثالاً: الآن أنتم تعرفون أن هذه طريق الخميس، أليس كذلك؟! هل عندكم شك في أن هذه طريق الخميس؟! ولو قلتُ: أنا ذاهب إلى الخميس، ولقيني شخص وأوقفني وقال لي: إلى أين أنت ذاهب؟ قلت: أريد الخميس.
فقال: هذه ليست طريق الخميس، ارجع من هنا واسلك طريق السودة.
أأصدقه أم أكذبه؟! ما أصدقه، بل أقول: لا.
هذه هي طريق الخميس.
يقول: لا يا شيخ أنت مخطئ، أنت مجنون، أحْلِفُ لك، أُقْسِمُ لك.
والله لو يحلف ما يحلف فإني لن أصدقه، وبعد ذلك تركني ولقيني شخص وقال لي: إلى أين أنت ذاهب؟ قلت: أريد الخميس.
فيقول: يا شيخ! هذه ليست طريق الخميس.
ويأتي آخر ويقول: بلى، هذه ليست طريق الخميس، فتقول: بل هي طريق الخميس، أنت مخطئ، وأنت أيضاً مخطئ، قالا: لا.
أبداً لسنا مخطئين، وأنت لست مخطئاً؟! هذه الطريق ليست طريق الخميس.
يقول: لا.
فيأتي ثالث ورابع ومائة، ووالله لو يجتمع أمامي أهل الأرض كلهم ويقولون لي: إن هذه ليست الطريق.
أقول لهم: لا.
لماذا؟! هذا نتيجة ماذا؟! نتيجة علم أن هذه طريق الخميس؛ لأني ذهبت إلى الخميس ألف مرة من هنا.
لكن لو أنني لا أعرف طريق الخميس أو جئتها مرة ونسيتها منذ زمن، ومشيت فيها، ولقيني شخص وقال: إلى أين أنت ذاهب؟ تقول: أريد الخميس.
يقول: أخطأت، هذه ليست طريق الخميس، بل طريقها من السودة، فتقول: لا.
يا شيخ! أنا أغلب ظني أن الطريق هي هذه، أنا أعرف يا أخي! أن الخميس شرق أبها، أتريد أن ترجعني إلى الغرب، ليس معقولاً يا أخي! فيقول: يا شيخ! لا شرق ولا غرب أنت مخطئ، نحن نعرف الطريق، نحن أهل البلد.
تقول: لا.
مخطئ أنت.
ومشيتُ قليلاً، ولقيني شخص وقال لي: إلى أين أنت ذاهب؟! تقول: ذاهب إلى الخميس.
قال: لا.
هذه ليست طريق الخميس.
فهنا تبدأ الثقة تهتز، فأقول: والله الاثنان ليس من المعقول أن يكونا كاذبَين وأنا الصادق، وبعد قليل أدوِّر السيارة وأرجع؛ لأني لا أعرف طريق الخميس أصلاًَ.
ولذا أنا أدعو الناس وإخواني في الله أن يعرفوا الدين حقيقةً، الله يقول: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد:١٩] الذي يعلم دينه الحقيقي بالدليل من الكتاب والسنة لا يَضِل، والله لو اجتمع أهل الأرض كلهم ليضلوه فلن يستطيعوا، ولهذا كان شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في أول الرسائل يقول: اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلُّم أربع مسائل: الأولى: معرفة الله.
الثانية: معرفة رسوله.
الثالثة: معرفة دينه.
الرابعة: معرفة الأدلة.
هذا معناه في علم الدين.
فعليك -أيها المسلم- أن تتعلم الدين، فإذا تعلمته وثقت فيه، وإذا وثقت فيه لا أحد يضلك أبداً، فالثقة بدين الله مسألة من مسائل الثبات؛ لأنك من عندما تتزعزع عندك الثقة بأنك على الدين الصحيح أو لا فمباشرة تهتز، لكن إذا عرفت أنك أنت على الدين الصحيح، وأن أهل الأرض لو كانوا كلهم على الباطل لا تتزعزع، ولا ترجع عن دين الله، وتثبت حتى تلقى الله .
стр. 1890
من وسائل الثبات الالتفاف والمجالسة والاحتكاك بالمثبتين على دين الله
الوسيلة التاسعة: الالتفاف والمجالسة والاحتكاك بالمثبِّتين على دين الله: لا المثبِّطين عن دين الله، فانظروا كلمة واحدة ليس فيها إلا حرف فقط، مثبِّت، مثبِّط، بل الحرفان مخرجهما واحد، لكن التاء مرقق والطاء مفخم.
المثبتون على دين الله هم العلماء العاملون الثابتون على الدين، أكْثِرِ الاحتكاك بهم، جالسهم، تابعهم حتى تثبت معهم، ولا تتابع ولا تجالس المثبِّطين الخاملين المنحرفين فيردّونك عن دين الله ، واعلم أن النصر لهذا الدين، وأن المستقبل لهذا الإسلام، مهما كان، ومهما أظلم الليل، ومهما انتفش الباطل، ومهما كثر الكفر، ومهما كثرت المعصية، إنه كله زبد، ولو جاء السيل من رأس الوادي ترون الزبد كيف يكون في أوله؟! ما هو الزبد هذا؟! لو أخذت قطعة من الزبد وأردت أن تعاينه فقط لوجدت بَعَراً وخشباً وحشرات وذباباً فقط، فهو زبد يذهب وينخلع، لكن الله يقول: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧].
стр. 1891
من وسائل الثبات الثقة بأن النصر والعاقبة لدين الله وعباده المتقين
الوسيلة العاشرة: كن على ثقة بأن النصر لدين الله، وأن العاقبة للمتقين: عندما لحق سراقة بن مالك بالنبي ﷺ في يوم الهجرة أدركه؛ لأن قريشاً جعلت مائة بعير لمن يأتي به حياً أو ميتاً، فكل شخص يريد مائة بعير -البعير مثل السيارة الآن، أي: مائة سيارة (مرسيدس) - سفينة الصحراء، فقام سراقة -وكان من أشرس وأشجع الرجال من العرب في الجاهلية والإسلام- قام يدور ويصول ويجول حتى لحقه، فلما لحقه قال الرسول ﷺ لَمَّا رآه: (اللهم اكفناه بما شئت، فساخت قدما فرسه ويداه إلى الأرض -غُرِست في الأرض- فقال: ادعُ لي، ودعني أخرج، قال: وما تُعْلِم أحداً؟ قال: ولا أُعْلِم أحداً عليك، قال: كيف بك يا سراقة! إذا لبست سوارَي كسرى؟).
أمعقول أن يصدق هذا؟! أنه يأتي بعد أيام وهو جالس على كرسي كسرى دون أن يسعى إليه! لن يصدق، يقول: هذا لا يعقل! هذا رجل من الأعراب في وسط الصحراء، وكسرى زعيم الفرس كلهم، لا إله إلا الله! وهذا يؤمل إلى ذلك! ولكن كانت عنده ثقة، وفعلاً حقق الله نبوءة النبي ﷺ .
وفي عهد عمر، لما جيء بالغنائم كان من ضمنها سواري كسرى وكان ملبوساً في يدي سراقة بن مالك ﵁ وأرضاه.
فيجب أن تثق، فثق، وسيجعلك الله ﵎ ممن آمن وعمل صالحاً.
стр. 1892
من وسائل الثبات: معرفة الباطل
الوسيلة الحادية عشرة: معرفة الباطل؛ لأن الله يقول: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥] وكان حذيفة بن اليمان متخصصاً في معرفة الشر، يقول: [كان الناس يسألون الرسول ﷺ عن الخير وكنتُ أسأله عن الشر] لماذا؟! [مخافة أن أقع فيه] بعض الناس يسأل عن الشر من أجل أن يدخل فيه، أول ما ينزل يسأل: أين مكان كذا؟ أين السمرات؟ أين الجلسات؟ أين المنتديات؟ أما هذا فيسأل عن الشر حتى لا أحد يجره إليه.
فعليك يا مسلم! أن تكون عارفاً بالشرور كلها؛ لئلا تقع فيها؛ لأنك إذا عرفت مرض السِّل، فقد عرفت أعراضَه ونتائجَه فلا تقع فيه، وإذا عرفت الفشل الكلوي و (الكوليرا) و (الإيدز) فهو كذلك، لكن الذي لا يعرف الأمراض والشرور ربما يقع فيها بغير علم، فعليك إذا كنت تريد أن تثبت على الدين أن تتعرف على الشرور والمفاسد حتى لا تقع فيها، وألا تغتر بدولة الباطل؛ لأن الله يقول: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران:١٩٦ - ١٩٧].
ويقول: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر:٤] لا يغرك أن ترى الباطل منتفشاً أو منتفخاً وترى أهل الحق ضعفاء! ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم:٤٧].
стр. 1893
من وسائل الثبات الصبر
الوسيلة الثانية عشرة: الصبر.
الصبر هو: أنك تعاني من شيء لا تقدر عليه يعني: الشخص منا يصبر على أكل الأرز، أيسمى صابراً وهو يأكل أرزاً؟! لا.
اللذات والشهوات والمباحات لا يحتاج لها إلى صبر، هذه لذات.
وإنما الصبر لغة هو: حبس النفس على ما تكره.
تصبِّرها على طاعة الله، وتصبِّرها عن معاصي الله، وتصبِّرها على أقدار الله المؤلمة، ولذا قال الله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠].
هذه اثنتا عشرة، وسوف نتحدث عنها بإذن الله بشيء من التفصيل في المستقبل، وقد تحدثنا عن ثلاث فقط منها.
стр. 1894
الأسئلة
стр. 1895
أهمية التربية الجادة
السؤال
ما هي أهمية وثمرة التربية الجادة الصحيحة؟
الجواب
مُسْلِمَة الفتح الذين أسلموا بعد الفتح هم مسلمون دخلوا في دين الله، ومنهم من نصر الله فيما بعد؛ لكنهم في درجة الإيمان ليسوا كمُسْلِمَة مكة الذين أسلموا مع النبي ﷺ ، ولذا في غزوة حنين لما بدأت المعركة انكشف ظهر المسلمين لأول لحظة؛ لأنهم أُعْجِبوا وقالوا: لن نُغْلب اليوم من قلة، ورجعوا ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٢٦] فما ثبت مع النبي ﷺ إلا أصحاب بيعة العقبة، وأصحاب الشجرة، وأصحاب سورة البقرة؛ لأنهم أهل تربية من طراز خاص، مع أن البقية الذين أسلموا مسلمون، ومنهم من نصر الله، وكُتِبَت لهم -إن شاء الله- الحسنى في الدنيا والآخرة بإذن الله .
следующие страницы →