← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

من وسائل الثبات الثقة بأن النصر والعاقبة لدين الله وعباده المتقين الوسيلة العاشرة: كن على ثقة بأن النصر لدين الله، وأن العاقبة للمتقين: عندما لحق سراقة بن مالك بالنبي ﷺ في يوم الهجرة أدركه؛ لأن قريشاً جعلت مائة بعير لمن يأتي به حياً أو ميتاً، فكل شخص يريد مائة بعير -البعير مثل السيارة الآن، أي: مائة سيارة (مرسيدس) - سفينة الصحراء، فقام سراقة -وكان من أشرس وأشجع الرجال من العرب في الجاهلية والإسلام- قام يدور ويصول ويجول حتى لحقه، فلما لحقه قال الرسول ﷺ لَمَّا رآه: (اللهم اكفناه بما شئت، فساخت قدما فرسه ويداه إلى الأرض -غُرِست في الأرض- فقال: ادعُ لي، ودعني أخرج، قال: وما تُعْلِم أحداً؟ قال: ولا أُعْلِم أحداً عليك، قال: كيف بك يا سراقة! إذا لبست سوارَي كسرى؟). أمعقول أن يصدق هذا؟! أنه يأتي بعد أيام وهو جالس على كرسي كسرى دون أن يسعى إليه! لن يصدق، يقول: هذا لا يعقل! هذا رجل من الأعراب في وسط الصحراء، وكسرى زعيم الفرس كلهم، لا إله إلا الله! وهذا يؤمل إلى ذلك! ولكن كانت عنده ثقة، وفعلاً حقق الله نبوءة النبي ﷺ . وفي عهد عمر، لما جيء بالغنائم كان من ضمنها سواري كسرى وكان ملبوساً في يدي سراقة بن مالك ﵁ وأرضاه. فيجب أن تثق، فثق، وسيجعلك الله ﵎ ممن آمن وعمل صالحاً.

стр. 1892

من وسائل الثبات: معرفة الباطل الوسيلة الحادية عشرة: معرفة الباطل؛ لأن الله يقول: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥] وكان حذيفة بن اليمان متخصصاً في معرفة الشر، يقول: [كان الناس يسألون الرسول ﷺ عن الخير وكنتُ أسأله عن الشر] لماذا؟! [مخافة أن أقع فيه] بعض الناس يسأل عن الشر من أجل أن يدخل فيه، أول ما ينزل يسأل: أين مكان كذا؟ أين السمرات؟ أين الجلسات؟ أين المنتديات؟ أما هذا فيسأل عن الشر حتى لا أحد يجره إليه. فعليك يا مسلم! أن تكون عارفاً بالشرور كلها؛ لئلا تقع فيها؛ لأنك إذا عرفت مرض السِّل، فقد عرفت أعراضَه ونتائجَه فلا تقع فيه، وإذا عرفت الفشل الكلوي و (الكوليرا) و (الإيدز) فهو كذلك، لكن الذي لا يعرف الأمراض والشرور ربما يقع فيها بغير علم، فعليك إذا كنت تريد أن تثبت على الدين أن تتعرف على الشرور والمفاسد حتى لا تقع فيها، وألا تغتر بدولة الباطل؛ لأن الله يقول: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران:١٩٦ - ١٩٧]. ويقول: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر:٤] لا يغرك أن ترى الباطل منتفشاً أو منتفخاً وترى أهل الحق ضعفاء! ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم:٤٧].

стр. 1893

من وسائل الثبات الصبر الوسيلة الثانية عشرة: الصبر. الصبر هو: أنك تعاني من شيء لا تقدر عليه يعني: الشخص منا يصبر على أكل الأرز، أيسمى صابراً وهو يأكل أرزاً؟! لا. اللذات والشهوات والمباحات لا يحتاج لها إلى صبر، هذه لذات. وإنما الصبر لغة هو: حبس النفس على ما تكره. تصبِّرها على طاعة الله، وتصبِّرها عن معاصي الله، وتصبِّرها على أقدار الله المؤلمة، ولذا قال الله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]. هذه اثنتا عشرة، وسوف نتحدث عنها بإذن الله بشيء من التفصيل في المستقبل، وقد تحدثنا عن ثلاث فقط منها.

стр. 1894

الأسئلة

стр. 1895

أهمية التربية الجادة السؤال ما هي أهمية وثمرة التربية الجادة الصحيحة؟ الجواب مُسْلِمَة الفتح الذين أسلموا بعد الفتح هم مسلمون دخلوا في دين الله، ومنهم من نصر الله فيما بعد؛ لكنهم في درجة الإيمان ليسوا كمُسْلِمَة مكة الذين أسلموا مع النبي ﷺ ، ولذا في غزوة حنين لما بدأت المعركة انكشف ظهر المسلمين لأول لحظة؛ لأنهم أُعْجِبوا وقالوا: لن نُغْلب اليوم من قلة، ورجعوا ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٢٦] فما ثبت مع النبي ﷺ إلا أصحاب بيعة العقبة، وأصحاب الشجرة، وأصحاب سورة البقرة؛ لأنهم أهل تربية من طراز خاص، مع أن البقية الذين أسلموا مسلمون، ومنهم من نصر الله، وكُتِبَت لهم -إن شاء الله- الحسنى في الدنيا والآخرة بإذن الله .

стр. 1896

حكم الاستمناء باليد وطرق التخلص منه السؤال ما حكم العادة السرية؟ وما هي طرق التخلص منها؟ الجواب هذه العادة السرية اسمها في الشرع: نكاح اليد، وسميت بالعادة السرية؛ لتخفيفها ولإمضائها على الناس بسهولة، وإلا فاسمها: نكاح اليد، وقد ورد في الأثر لعن صاحبها، قال: (لعن الله ناكح يده). وجاء في الأثر أيضاً: (أن ناكح يده يبعث يوم القيامة ويده حُبْلى منه) أي: ما من حيوان منوي يخرج عن طريق الاستمناء باليد إلا ويده تحمل منه، ولكن آثار الحمل لا تظهر الآن، تظهر يوم القيامة إذا بُعث الإنسان وقام من قبره، وإذا به يجد يده مثل الجبل، لها ستون سنة، فمن يحاسب في ذاك اليوم على الحفائظ وعلى الرضاعات؟! وكيف يخارج نفسه في ذلك اليوم لا حول ولا قوة إلا بالله؟! وما موقفه إذا جاء أهل الإيمان يأخذون كتبهم بأيمانهم، وإذا قالوا: خذ كتابك وإذا بها مشغولة بشهوته والعياذ بالله والله إنها سفاهة وسفالة وخسة ونذالة، أن تستعمل يدك في هذا الأمر. إن الله يقول وهو يصف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٥ - ٦] أي: الأمة، الجارية التي تملكها؛ لأن أحد الشباب يقول: إلا ما ملكت أيماننا، يحسب أنها يده اليمين، لا. بل ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٦] أي: الأمة، القَيْنَة التي يملكها الإنسان وهي رقيقة عنده، فيجوز له أن ينكحها ويتسرَّى بها: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٦] ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون:٧] ابتغى وراء الزوجة أو ملك اليمين المتسرِّي بها: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٧] أي: المعتدون على حرمات الله. والنبي ﵊ يقول: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) وجاء أي: حاجز وحصن. فالصوم يقطع منك الشهوة، ولا تأتيك بإذن الله. كيف تصوم؟ تصوم الإثنين والخميس، وتصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وتستعين بالله، وعليك أن تتقي الله . ثم إن هناك فتوى من هيئة كبار العلماء بإجماع الهيئة: أنها محرمة تحريماً قطعياً، وأنه لا يجوز أبداً أن يقع فيها المسلم بأي حال من الأحوال. ثم إن هناك فتاوى طبية من منظمة الصحة العالمية، يقولون: إن مزاولة هذه العادة مضر بالجسد وبالعقل وبالنفس: أولاً: تضعف الأنسجة الموجودة في عضو الإنسان؛ مما يجعله غير قادر على مباشرة زوجته إذا تزوج. ثانياً: تضعف الحيوانات المنوية؛ لأنه يستهلك في الاستمناء باليد طاقة كبيرة من القوة والشباب والحيوية، مما يجعله إذا تزوج غير قادر على الإنجاب، فلا يرمي إلا حيوانات منوية تموت قبل أن تصل إلى رحم المرأة، فلا ينجب، ويعيش عقيماً والعياذ بالله. ثالثاً: يقول العلماء والأطباء: إن الإنسان الذي يزاول هذه العادة تشعره دائماً بالإحباط وبالضمور، وتجعله دنيء الهمة، خفيف القصد؛ لأنه كلما بدرت عنده هذه النزوة وَجَدَ زوجةً قريبة، فقام على يده، يعني: امرأته يده -والعياذ بالله- فيتحول من إنسان كريم إلى إنسان سافل هابط. فاتقِ الله يا مسلم! واستعصم به. ثم هناك وسائل: لا تسمع الغناء، ولا تقرأ القصص الخليعة الغرامية، ولا تنظر إلى الحرام، ولا تتابع الأفلام؛ لأن هذه تُذْكي فيك نار الشهوة وتشعله، وإذا اشتعلت نار الشهوة فما يبرِّدها إلا خروج هذه الحيوانات المنوية عن طريق الحلال بالزوجة، أو طريق الحرام إما بالزنا أو بالاستمناء. فلا يجوز لك يا مسلم! أن تشعل هذه الشهوة، وإذا زادت عندك فعليك بالصوم، فإن الصوم وجاء، وأيضاً من رحمة الله أنه إذا زادت عندك نسبة الحيوانات المنوية أن الله يصرفها لك بطريق الاحتلام، تنام وتخرج منك في النوم، فلا يأتيك أي ضرر، وذلك من فضل الله ﵎. فعليك أن تعتصم بالله، وأن تتوب، وألا تقع في هذه المعصية الكبيرة والعياذ بالله.

стр. 1897

نصيحة لمن وجد في نفسه زيغ وصدود وعدم قبول للنصيحة السؤال أشهد الله على حبكم ومن حضر في هذا المجلس، ثم إنني شاب ملتزم، ومحب للخير في طاعة الله؛ ولكنني أجد في نفسي بعض الأحيان زيغاً وصدوداً وعدمُ قبول للنصيحة، فما العمل؟ الجواب أحبك الله الذي أحببتنا فيه، ونسأل الله أن يظلنا في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، فإن من ضمن الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: (رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وافترقا عليه). والعمل: من نفسك، ماذا تريدني أن أقول لك؟! أقول: ركِّب لك (قفل) في نفسك، لا. بل اعمل أنت، واستعن بالله، وتمسك بطاعة الله، واقبل النصيحة، دُم على الطاعة، ابتعد عن المعصية، هذه مسئولياتك، هذه واجباتك، هذه دائرة اختصاصك، لا أحد يستطيع أن ينفعك في هذا إلا أنت إذا كنت عاقلاً، أنت الآن طالب في المدرسة، إذا جئت تقوم في الصباح لتذهب إلى المدرسة وشعرت بالنوم والثقل والسهر، وتريد أن تنام، من الذي يستطيع أن يوقظك؟ لولا حرصك على الدراسة والمصلحة والشهادة، وخوفك من المدرسين، لا أحد يستطيع أن يوقظك، هذا من ضمن مسئولياتك، فقم إلى طاعة الله وابتعد عن معصية الله كما تقوم إلى المدرسة وإلى الواجبات الدنيوية.

стр. 1898

نصيحة لمن لا يقرأ القرآن السؤال أنا لا أقرأ القرآن، وفي بعض الأوقات لمدة أسبوع، نظراً لظروفي الخاصة، فما العمل؟ الجواب اقرأ القرآن، وإن كنت مشغولاً والذي لا يعرف القراءة مثل الأميين فقد يسر الله من الوسائل والإمكانيات ما يستطيع المسلم به أن يكون تالياً للقرآن عن طريق أخذ القرآن المجوَّد للشيخ علي جابر، أو الشيخ المنشاوي، أو للشيخ عبد الرحمن السديس، أو أي قارئ من القراء الطيبين الذين لهم قراءة ندية عذبة طرية، تتلذذ بها، عليك أن تُشغل القرآن في غرفتك، وفي سيارتك، وفي مكان جلوسك، اجعل القرآن معك، وأيضاً هناك إذاعة اسمها: إذاعة القرآن الكريم، تبث ثماني عشرة ساعة، تبدأ الساعة السادسة صباحاً، وتغلق الساعة الثانية عشرة مساءً، هذه الإذاعة تعتبر مدرسة وجامعة، مَن عَكَف عليها ففيها الأسئلة، والبرامج الإسلامية، والتاريخ، والسيرة، والقصص، والتوحيد، والمحاضرات، والندوات، واللقاءات، فمن لزم هذه الإذاعة فسينوِّر الله بصيرته وقلبه إن شاء الله. أما أنت إذا كنت تقرأ القرآن بالنظر فلا بد أن تجعل لك ورداً معيناً، تجعل المصحف عند رأسك عندما تنام تقرأ، وحينما ترجع من صلاة الفجر قبل أن تنام تقرأ، ثم يكون المصحف في جيبك تقرأ فيه في المكتب، تقرأ فيه في المسجد، ومصحف في منضدتك، إذا كنت في المكتب، وانتهى عملك وأنت جالس فاقرأ القرآن، ومصحف في السيارة إذا خرجت للتمشية، أو للنزهة، وليس هناك شغل فاقرأ، اجعل المصحف معك، كن رفيقاً لكتاب الله ، حتى يثبتك الله على الإيمان. أما أن تهجر القرآن فلا، بعضهم لا يعرف المصحف إلا في رمضان، ويريد أن يثبته الله!

стр. 1899

علاج الرياء والغرور السؤال أنا شاب ثابت إن شاء الله على دين الله، ولكني أخشى من الرياء والغرور، فما علاج ذلك؟ الجواب علاج ذلك أن تدحر الشيطان، وتستعيذ بالله من وساوسه، فإن الشيطان حريص على الإضلال من كل جانب، فإذا وَجَدَ أنه سينالك من جانب الإقعاد قَدَر عليك، وإن رآك متمسكاً جاءك من باب الغرور وقال: لا. أنت مرائي، لا تعمل شيئاً، اترك الصلاة في المسجد؛ لأنك إذا صليت في المسجد صرت مرائياً، اقعدْ وصلِّ في البيت. يقول العلماء: إن ترك العمل من أجل الرياء شرك، وفعل العمل من أجل الرياء رياء. وطريق السلامة: أن تجعل العمل خالصاً لوجه الله، وتسأل نفسك لِمَ هذا العمل؟ إنه من أجل الله، لا أحدٌ يعطيك عليه فلوساً، ثم تدحر وساوس الشيطان بالاستعاذة بالله منه.

стр. 1900

حكم الجلوس عند أناس يستمعون الأغاني السؤال أنا شاب أركب مع شباب يستمعون للأغاني، ولا أستطيع أن أنهاهم فما الحكم؟ الجواب لا تركب معهم، لا تركب مع شاب يستمع الغناء وأنت لا تستطيع أن تغلق (الراديو) بأي حال من الأحوال، والله خير لك أن تمشي على وجهك وليس على رجليك من البيت إلى المدرسة. قد يقول أحد من الزملاء: والله بيتنا بعيد عن المدرسة، وما عندي سيارة وأبونا ليس عنده سيارة، وإذا ركبت مع زملائي هؤلاء فسَيُسْمِعُوني الغناء، فأنا بين خيارين: إما أن أمشي على رجلي، أو أركب معهم وأسمع الأغاني. نقول لك: امشِ على رجلك، أو لا تدرس، أو اركب مع الزملاء الطيبين، أما أن تركب مع شباب يسمعون الأغاني وأنت ساكت، فاعلم أن البداية هكذا، والنهاية سوف تضل معهم، إما أن تقفل (الراديو) أو لا تركب معهم، والله يقول: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ [النساء:١٤٠]. فلا تجلس في مجلس يُعْصَى الله فيه وأنت جالس. بعض الناس يقول: جلستُ في مجلس في وليمة زواج، وكانت الأغاني شغَّالة، يقول: دخلت أريد أن أتعشى، وإذا بهم مُشَغِّلين الأغاني. قلت: وماذا فعلت؟ قال: والله إني جلست ولم أستطع أن أقول شيئاً، فهذا زواج. قلت: وأنت لماذا جلستَ؟! لِمَ لَمْ تخرج؟! قال: أريد أن أتعشى. قلت: الله أكبر على بطنك هذه التي لا تمتلئ، لو أنك عملت احتجاجاً يا أخي! أليس الناس يحتجون على بعض الأعمال؟ إذا أحد أغضبهم يحتجون ويخرجون، إذاً: فأنت جالس في مجلس عُصِي الله فيه، إذا كنت تستطيع أن تغير المنكر فالحمد لله، وإذا كنت لا تقدر فقل: أستأذن. وإذا قيل: لماذا؟! قل: معاصٍ، لا أقدر أن أجلس. والله هذا يؤدبهم أكبر أدب، يؤدب صاحب البيت، والجالسين. وقد أخبرني من أثق فيه، يقول: كنت مدعواً في مناسبة زواج، ولما دخلتُ وإذا بالصور قد أُلْصِقت، والأغاني، وإذا بالمغرِّدين يصيحون بالوَلْوَلَة هذه، فدعيت صاحب البيت قلت: يا أخي! أنت دعوتني لأتعشى أم دعوتني لأعصي الله ؟! قال: والله يا أخي! لا نقدر، لكن استرح أنت. قلت: لا. والله لا أستريح. قلبه أصبح مثل النار، قلبه حي يخاف الله. يقول: فخرجت، فرآني بعض الناس الذين يعرفونني، فنادوا: أين الشيخ فلان؟! أين الشيخ فلان؟! قال صاحب البيت: والله دخل وسمع الأغاني هذه وأبى أن يجلس، يقول: إنها حرام! يقول: فالجميع كلهم تأثروا، وقالوا: أقفلوها، جزاه الله خيراً. أقفلوها لأنه خرج، لكن لو أنه جلس وبقي مثل الشاة الرابضة من أجل لقمة أرز يملأ بها بطنه والعياذ بالله؟! أعتقد أن فيما حصل كفاية. وأسأل الله ﵎ لي ولكم التوفيق. والله أعلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1901

وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً يقدم المرء على ربه وحيداً فريداً كما خلقه أول مرة، ليس معه شيء غير عمله الصالح أو السيئ، وفي ذلك اليوم يتفاضل الصالحون بأعمالهم الصالحة في درجات الجنة، ويتهاوى المذنبون في دركات النار والعياذ بالله. وللإنسان هيئات وأحوال يقدم بها على ربه كل بحسب طاعته وعصيانه، وقد ذكر الشيخ أربع هيئات لقدوم الإنسان على الله يوم القيامة.

стр. 1902

معنى قوله تعالى: (وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً) الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أيها الأحبة في الله! عنوان درسنا هو: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٥] هذه الآية الكريمة، تقرر مرجعية الناس كلهم إلى الله بعد أن يتخلوا عن كل إمكانياتهم وقدراتهم، وما كانوا يظنون أنه يمكن أن ينفعهم ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٥] بدون مال، وجاه، ومنصب، وولد، وبلا حول، ولا قوة، بل كما قال الله : ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:٩٤] يُخلق الإنسان ويأتي إلى الدنيا فرداً، ويستقبل في خرقة، ويعيش فترة من العمر إلى أن يموت، ثم يموت ويرجع إلى الله فرداً مودعاً في خرقة أخرى وهي خرقة الكفن، وهو بين الخرقتين حياته تتوقف ومصيره في الآخرة على ضوء سلوكه وعمله فيما بين الخرقتين: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام:٩٤] ما خولكم الله من المال والأولاد والزوجات والدور والقصور والجاه والمكانة والمنصب والرتب كلها تركتموها وراء ظهوركم وجاء الإنسان إلى الله، يخرج من الدنيا كما تخرج الشعرة من العجين، جاء بالعمل: إما حسنات وإما سيئات؛ حسنات اكتسبها من سيره في طريق الله، والتزامه بكتاب الله، وتمسكه بسنة رسول الله ﷺ فاكتسب الحسنات. أو سيئات حملها على ظهره نتيجة وقوعه فيما حرم الله، أو تركه لما أمر الله، وأما تصديقه لما أخبر الله فيحمل إما سيئات أو حسنات يقول الله : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٨٩ - ٩٠] ما هو إلا ما كنتم تجمعون وتحتلون من الدنيا ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٩٠] القضية قضية عمل، عندك عمل تنجو وتفلح، ليس عندك عمل تسقط ولو كنت من كنت، إن الله لا ينظر إلى الصور والأجسام والأشكال، ولكن ينظر فقط إلى القلوب وأعمال القلوب الحية السليمة المطمئنة الرقيقة، المنيبة المخبتة الخاشعة التي تخشع لعظمة الله. فهذه القلوب الله يرفع بها أصحابها يوم القيامة بالعمل الصالح، من جاء بالحسنة العملة الدارجة يوم القيامة ليست الريال ولا الدرهم ولا الدينار ولا الدولار وإنما الحسنات فقط. بعض الناس في الدنيا فقير المال لكنه مليونير حسنات، وبعض الناس في الدنيا غني في المال لكن ليس عنده حسنة، فقير في الآخرة -والعياذ بالله- ولهذا يقال: إذا رأيت أحداً ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة، إذا نافسك في الدنيا يبني بجوارحك أربعة خمسة أدوار، ابن أنت في الجنة واشتغل في القرآن، احفظ كتاب الله، حفظ زوجتك وأولادك وبناتك كتاب الله، اذهب كل يوم إلى المسجد، كل يوم أنت وأهلك، زوجتك مع الأمهات، وبناتك مع التلميذات، وأولادك مع الأولاد، وأنت مع الكبار في المسجد من بعد العصر إلى بعد العشاء في الحلقات؛ تخرجون وعندكم مثل الجبال من الحسنات، لماذا؟ لأن بكل حرفٍ من القرآن تقرءونه عشر حسنات (لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) ما هذه التجارة يا إخواني؟! ولكن ما بال الناس يزهدون فيها؛ لأنهم لا يعرفون قيمة الحسنات، ولا يعرف قيمة الحسنات إلا العالم بالله، مثل الذهب لا يعرفه إلا صاحب الخبرة، ولو أتيت بالذهب عند الفحام، فسوف يرميه لأنه يريد فحماً فقط، وأيضاً لو أتيت عند الذي يجمع البعر والروث كي يفعل به سماداً لرماه لا يعلم أنه ذهب، وكذلك الذي يعرف الله ويعرف دين الله وحقيقة الحياة يعرف قيمة الحسنات، ولهذا يجمع فيها ويحصل منها ويسابق إليها ولا يشبع من خيرٍ حتى تكون نهايته الجنة. قال تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٥] جاءت الآيات الكريمات في القرآن الكريم لتبين لنا في مواضع ثانية كيف الإتيان على الله؟ وكيف القدوم عليه؟

стр. 1903

هيئة قدوم المجرم على ربه ذكر ربنا هيئات للقدوم عليه : الهيئة الأولى: أن تأتي إلى الله مؤمناً يقول : ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه:٧٥] أي: في الجنة. الهيئة الثانية: أن تأتي إلى الله مجرماً يقول الله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ [طه:٧٤ - ٧٥] لا يوجد إلا إتيانين على هيئتين، إما إيمان وعمل صالح، أو إجرام، وكلمة إجرام عامة، يدخل فيها الكافر، والمنافق، والفاسق، كل من ليس عنده إيمان وعمل صالح يصنف مع الفريق هذا الذي يدخل النار. ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ﴾ [طه:٧٥] وفي كلمة (ربه) هنا نوع من الإشارة إلى أنه ما دام ربك فلماذا تأتي إليه وأنت مجرم؟! ربك الذي خلقك وأوجدك من العدم، ربك الذي رباك بالنعم وفضله وإنعامه عليك كيف تعصيه؟ كيف تقدم عليه وأنت مجرم؟! ربك صاحب الفضل عليك الذي خلقك من العدم ويخلقك في بطن أمك خلقاً من بعد خلقٍ في ظلمات ثلاث، فأبوك يضعك نطفة وأمك تستقبلك شهوة، ثم يخلط الله بين ماء الرجل وماء المرأة، ثم يتعهد الله هذه النطفة بتلك المراحل من الأطوار الخلقية أربعين يوماً نطفة، ثم أربعين يوماً علقة، ثم أربعين يوماً مضغة، ثم بعد المضغة تصير عظاماً، ثم يكسو الله العظام لحماً، ثم ينشأه الله خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين! فأنت في بطن أمك لا أحد يعلم عنك إلا الله: (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم:٣٢] يجري لك الله في بطن أمك الغذاء، والهواء، وجميع الإمكانات التي تريدها، ويزودك بكل الأعضاء التي تحتاجها، يجعل لك أقداماً في البطن وأنت لا تسير في البطن لكن من أجل أنك عندما تخرج إلى دنيا تحتاج فيها إلى الأقدام، ويجعل الله في رأسك عيوناً وأنت لا ترى في البطن؛ لكن لأن الله يعلم أنك سوف تخرج إلى الدنيا وتحتاج إلى البصر، يجعل الله لك أيدي، وبعد ذلك إذا جئت إلى الدنيا، الله يربيك ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] فما دام هو الخالق والمربي والمنعم فكيف تأتيه وأنت مجرم؟ ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ [طه:٧٤] كلمة مجرم مفهومها عند الناس مفهوم محدود، بينما هي في الشرع لها مفهوم أوسع، مفهوم الإجرام عند الناس أنها القتل، والسرقة، والزنا، وترويج المخدرات، وقطع السبل، وهذا لا شك إجرام.

стр. 1904

هيئة قدوم قاتل النفس على ربه إن من يقتل النفس بغير حق مجرم؛ لأنه ارتكب معصية كبيرة وهي قتل النفس بغير حق، وسفك الدم الحرام، يقول ﵊: (لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) وأول ما يقضى يوم القيامة في الدماء، والله يقول في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء:٩٣] ويأتي المقتول يوم القيامة يحمل رأسه على يده، ويمسك بيده الأخرى في تلابيب قاتله وأوداجه تشجب دماً يقول: يا رب! سل هذا فيما قتلني بغير حق؟! وإذا قتل نفساً معصومة فكأنما قتل الناس جميعاً، كما قال الله في قصة ابني آدم في المائدة: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً﴾ [المائدة:٢٧] إلى آخر الآيات، وقال الله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ [المائدة:٣٢] أي: من أجل هذه الجريمة؛ ولأن هابيل هو الذي سَنَّ سنة القتل وقتل أخاه، رغم أن أخاه كان قادراً على أن يقتله، لكن منعه خوف الله ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة:٢٨] لماذا؟ ماذا الذي حدث؟ ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٢٨ - ٣٠]. وبعد ذلك قال الله في آخر الآيات: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ [المائدة:٣٢] أي: من أجل هذه السنة السيئة، ومن أجل هذه الجريمة الشنعاء ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة:٣٢] فإذا قتلت شخصاً في الدنيا تأتي يوم القيامة وفي رقبتك بعدد كل من خلق الله من آدم إلى يوم القيامة، كأنك قتلتهم كلهم يعني: كأنك قتلت العالم كله، ليس العالم في هذا الزمن فقط، بل العالم منذ خلق الله الأرض إلى يوم القيامة، أجل. جريمة كبيرة، وفاحشة منكرة أن تقتل، ولهذا لا تقتل، ولا تفكر في القتل، ولا تحمل سلاحاً، إلا في معركة، أو مواجهة أعداء، هناك تذهب تقاتل أعداء الله، أما أنك تحمل سلاحاً فإن حملك للسلاح يؤدي إلى استخدامه لأتفه الأسباب، مثل شخص حمل السلاح، لماذا؟ قال: هذا سلاح شخصي، وبعد ذلك يحصل بينه وبين زميله شجار أو مشكلة بسيطة، ولكن الشيطان يشحنه ويصعب المشكلة حتى يستعمل السلاح ثم يهلك، لكن لو أنه ليس عنده سلاح ما كان يعمل هذا العمل. ولهذا لما سمع عبد الله بن عمر ﵁ من النبي ﷺ ما أخبر به من القتل في آخر الزمان قال: (يا رسول الله! إن أنا أدركت ذلك الزمان فماذا أصنع؟ قال: اعمد إلى سيفك واضرب به في حجر -يقول: اكسره لا تستخدمه- قال: فإن جاء يقتلني؟ قال: فادخل في بيتك لا تقاتله، قال: فإن دخل علي البيت؟ قال: فخمر وجهك حتى لا ترى بارقة السيف وكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل)، لأنك بمجرد أن قتلت فأنت مقتول، وبعد ذلك مقتول مليون قتلة، هذا الذي قتلته قتلته مرة واحدة وأخذها فجأة ومن غير توقع، لكن أنت منذ أن يقبض عليك وأنت مقتول، وكلما دعيت إلى التحقيق أنت مقتول، وكل يوم أنت مقتول، وكلما تسمع أقدام عسكري يدخل تقول لك نفسك: أتوك الآن. وإذا جاء يوم القتل لا إله إلا الله! كيف تكون نفسية المقتول إذا دعوه وقالوا: تعال اكتب وصيتك الآن ينفذ فيك الحكم، كيف تكون نفسيته يا إخوان؟ لو استطعنا أن نصل إلى نفسيته ونأخذ شريحة كي نحللها سنجد أنه أشقى إنسان على وجه الأرض، بعد ذلك يحمل ثم ينزل إلى الساحة ثم يجلس ثم يسمع الإعلان، وهو: أقدم فلان بن فلان على قتل فلان بن فلان، وبعد ذلك يضرب رأسه إما بالسيف لتقطع رقبته، أو بالبندقية لتنفض ظهره، كم قتل الآن؟ يسمونه قتل الصبر، لا يأتي القتل إلا وقد مات، بعضهم يموت قبل أن يأتي السيف في رأسه، وهل تنتهي المسألة هنا؟ لا. هذا حق الدنيا وبقي حق الآخرة. فهل تنفع التوبة؟ للعلماء كلام كثير في هذا. قال العلماء: إن القاتل يرتكب ثلاث جنايات، واحدة في حق الله، وواحدة في حق الورثة، وواحدة في حق المقتول. فأما التي في حق الله: فتسقط بالتوبة إذا تاب قَبِل الله توبته. وأما التي في حق الورثة: فتسقط بالقود أو بالعفو أو بالعوض أي: الدية، القود يعني: القصاص، أو العفو يعفون عنه، أو الدية يستلمون مالاً. وأما التي في حق المقتول: فهذه يؤجل النظر فيها إلى الحضور بين يدي الله يوم القيامة؛ لأن المقتول ما استفاد من القتل، لما قتلنا القاتل هل استفاد المقتول؟ لا. استفاد الورثة وبردت قلوبهم؛ لأنهم اقتصوا من قاتل أبيهم، لكن ذاك قتل بغير حق، أما هذا فقتل بحق، ولذا ترفع القضية ويعاد النظر فيها يوم الوقوف بين يدي الله، إذاً: لماذا تقتل يا أخي؟! لا تمارس القتل في أي حالٍ من الأحوال، فالقتل جريمة.

стр. 1905

هيئة قدوم الزاني على ربه إن الزنا جريمة لاشك فيها، وفي الحديث يقول ﵊: (ما عصي الله بذنب بعد الشرك أعظم من نطفة يضعها الرجل في فرجٍ لا يحل له)، (ومن زنى بامرأة في الدنيا كان عليه وعليها في القبر نصف عذاب هذه الأمة)، (والذي نفس محمدٍ بيده إن ريح فروج الزناة والزواني في النار ليؤذي أهل النار) أهل النار كل واحد يسد أنفه ماذا هناك؟ قال: ريح، من أين يأتي الريح؟ من فرج الزاني والزانية، من العذاب والإحراق. (والذي نفس محمدٍ بيده إن فروج الزناة والزواني لتشتعل ناراً يوم القيامة) تتحول إلى براكين من لهب؛ لأنها كانت موطن لذة محرمة. وفي حديث سمرة بن جندب في البخاري، حديث الرؤيا الطويل قال: (ثم أتينا على تنورٍ أعلاه ضيق وأسفله واسع فيه رجالٌ ونساء عراة، يأتيهم لهبٌ من تحتهم فيرتفعون وينخفضون قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الزواني والزناة من أمتك) ولهذا شرع الله للزاني المحصن أشنع قتلة، القاتل يقتل، لكن الزاني المحصن؟ يرجم. كيف يرجم؟ حتى يموت بالتقسيط، وينال كل جزء من جسمه جزءاً من العذاب؛ لأنه تلذذ بالجسم كله، قتلة الرمي من أشنع ما يمكن، وأنا حضرت مرة في حياتي إقامة حد على زاني يرجم، ورجم بالحجارة حتى تغطى بالحجارة وما رأيناه، وكان كلما أتى حجر صاح، حجر يقع في رأسه وظهره حتى تغطى بالحجارة، وبعد ذلك قالوا: خلاص، أتوا بعد رمي الحجارة وكشفوا عليه وإذا به حي، قالوا: زيدوه، تصور هذه القتلة، هل تسوى هذه لذة الزنا؟ يا إخواني! أين عقول الناس، لا حول ولا قوة إلا بالله! بعضهم يقول: يمكن أعملها في الدنيا ولا يرجموني، حسناً وإذا ما رجمت في الدنيا فرجم الآخرة أشد. رجم الدنيا ربما يكون كفارة إذا تبت ورجمت في الدنيا فإن شاء الله أن الله يتوب عليك كما تاب على ماعز والغامدية اللذين قال فيهما النبي ﷺ : (إنهم الآن لينغمسون في أنهار الجنة مع التوبة) لكن من لم يقم عليه الحد ويزني في الدنيا لا يلزمه أن يذهب إلى الحاكم من أجل أن يجلد، لا. عليه أن يتوب، والله يتوب عليه، لكن الموت على من يأتيه وهو على الزنا، هذه المصيبة ولا حول ولا قوة إلا بالله! كذلك السرقة جريمة تأخذ مال المعصوم لماذا؟ (إن أموالكم ودماءكم وأعراضكم حرام عليكم) لا تمد يدك ولو على مسواك، لا تمد يدك ولو على هللة، إلا مالك، أما مال الناس فلا؛ لأنك إن تأخذ شيئاً تأخذ حراماً، والحرام يوم القيامة مأخوذ منك، فأنت مجرم إذا سرقت. إذا روجت المخدرات فأنت مجرم؛ لأن المخدرات آفة الشعوب وعلة الأمم جميع دول الأرض أجمعت على محاربتها لماذا؟ لأنها تعني لا إنسان، هذه معادلة دولية (مخدرات + إنسان=لا إنسان) يبيع الإنسان دينه وعرضه ووطنه وكل شيء في حياته مقابل جرعة مخدرات؛ لأنه لا يتحكم ولا يستطيع التحكم بنفسه، المخدر يتحكم في مخه ويسير في دمائه، فإذا تناوله راق وجلس، وإذا انتهى المخدر يأتيه مثل الجنون في رأسه، يتشنج ويفتح عيونه ويصيح يريد جرعة بأي وسيلة. أتسمح بهذا وأنت تروجها وتتعاطاها وتهربها وتتستر على صاحبها؟ لو كان ولدك من صلبك بلغ عنه، يجب أن نكون عيوناً ساهرة على المخدرات، ليس فقط إدارة مكافحة المخدرات؛ إدارة مكافحة المخدرات جهة مسئولة أمام الله أن نبلغ، والذي لا يبلغ فهو متستر، وخائن لله ولرسوله ولأمانته، وسوف يبتلى هو ويمكن أن تصير البلية بعد ذلك فيهم؛ لأن الراضي الذي يرضى بهذا المنكر للناس فهو كالفاعل -والعياذ بالله- هذا مفهوم الإجرام عند الناس.

стр. 1906

هيئة قدوم السارق ومروج المخدرات على ربه إن الزنا جريمة لاشك فيها، وفي الحديث يقول ﵊: (ما عصي الله بذنب بعد الشرك أعظم من نطفة يضعها الرجل في فرجٍ لا يحل له)، (ومن زنى بامرأة في الدنيا كان عليه وعليها في القبر نصف عذاب هذه الأمة)، (والذي نفس محمدٍ بيده إن ريح فروج الزناة والزواني في النار ليؤذي أهل النار) أهل النار كل واحد يسد أنفه ماذا هناك؟ قال: ريح، من أين يأتي الريح؟ من فرج الزاني والزانية، من العذاب والإحراق. (والذي نفس محمدٍ بيده إن فروج الزناة والزواني لتشتعل ناراً يوم القيامة) تتحول إلى براكين من لهب؛ لأنها كانت موطن لذة محرمة. وفي حديث سمرة بن جندب في البخاري، حديث الرؤيا الطويل قال: (ثم أتينا على تنورٍ أعلاه ضيق وأسفله واسع فيه رجالٌ ونساء عراة، يأتيهم لهبٌ من تحتهم فيرتفعون وينخفضون قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الزواني والزناة من أمتك) ولهذا شرع الله للزاني المحصن أشنع قتلة، القاتل يقتل، لكن الزاني المحصن؟ يرجم. كيف يرجم؟ حتى يموت بالتقسيط، وينال كل جزء من جسمه جزءاً من العذاب؛ لأنه تلذذ بالجسم كله، قتلة الرمي من أشنع ما يمكن، وأنا حضرت مرة في حياتي إقامة حد على زاني يرجم، ورجم بالحجارة حتى تغطى بالحجارة وما رأيناه، وكان كلما أتى حجر صاح، حجر يقع في رأسه وظهره حتى تغطى بالحجارة، وبعد ذلك قالوا: خلاص، أتوا بعد رمي الحجارة وكشفوا عليه وإذا به حي، قالوا: زيدوه، تصور هذه القتلة، هل تسوى هذه لذة الزنا؟ يا إخواني! أين عقول الناس، لا حول ولا قوة إلا بالله! بعضهم يقول: يمكن أعملها في الدنيا ولا يرجموني، حسناً وإذا ما رجمت في الدنيا فرجم الآخرة أشد. رجم الدنيا ربما يكون كفارة إذا تبت ورجمت في الدنيا فإن شاء الله أن الله يتوب عليك كما تاب على ماعز والغامدية اللذين قال فيهما النبي ﷺ : (إنهم الآن لينغمسون في أنهار الجنة مع التوبة) لكن من لم يقم عليه الحد ويزني في الدنيا لا يلزمه أن يذهب إلى الحاكم من أجل أن يجلد، لا. عليه أن يتوب، والله يتوب عليه، لكن الموت على من يأتيه وهو على الزنا، هذه المصيبة ولا حول ولا قوة إلا بالله! كذلك السرقة جريمة تأخذ مال المعصوم لماذا؟ (إن أموالكم ودماءكم وأعراضكم حرام عليكم) لا تمد يدك ولو على مسواك، لا تمد يدك ولو على هللة، إلا مالك، أما مال الناس فلا؛ لأنك إن تأخذ شيئاً تأخذ حراماً، والحرام يوم القيامة مأخوذ منك، فأنت مجرم إذا سرقت. إذا روجت المخدرات فأنت مجرم؛ لأن المخدرات آفة الشعوب وعلة الأمم جميع دول الأرض أجمعت على محاربتها لماذا؟ لأنها تعني لا إنسان، هذه معادلة دولية (مخدرات + إنسان=لا إنسان) يبيع الإنسان دينه وعرضه ووطنه وكل شيء في حياته مقابل جرعة مخدرات؛ لأنه لا يتحكم ولا يستطيع التحكم بنفسه، المخدر يتحكم في مخه ويسير في دمائه، فإذا تناوله راق وجلس، وإذا انتهى المخدر يأتيه مثل الجنون في رأسه، يتشنج ويفتح عيونه ويصيح يريد جرعة بأي وسيلة. أتسمح بهذا وأنت تروجها وتتعاطاها وتهربها وتتستر على صاحبها؟ لو كان ولدك من صلبك بلغ عنه، يجب أن نكون عيوناً ساهرة على المخدرات، ليس فقط إدارة مكافحة المخدرات؛ إدارة مكافحة المخدرات جهة مسئولة أمام الله أن نبلغ، والذي لا يبلغ فهو متستر، وخائن لله ولرسوله ولأمانته، وسوف يبتلى هو ويمكن أن تصير البلية بعد ذلك فيهم؛ لأن الراضي الذي يرضى بهذا المنكر للناس فهو كالفاعل -والعياذ بالله- هذا مفهوم الإجرام عند الناس.

стр. 1907

هيئة قدوم تارك الصلاة على ربه هناك مفاهيم أخرى للإجرام، فمن لا يصلي مجرم، وهذه جريمة من طراز قوي جداً أعظم من جريمة القاتل والزاني والسارق وترويج المخدرات، لماذا؟ لأن القاتل إذا قتلناه نصلي عليه، لماذا؟ لأنه مسلم، القاتل ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب ونصلي عليه ونغسله ونكفنه ونقبره مع المسلمين، ويرجى له عند الله المغفرة، لكن تارك الصلاة إذا مات مات مرتداً، لا يُآكل، ولا يشارب، ولا يجالس، ولا يسلم عليه، ولا يزار إذا مرض، ولا تتبع جنازته، ولا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مدافن المسلمين، لماذا؟ لأنه مرتد كافر -والعياذ بالله- تارك الصلاة مجرم. قد يقول شخص منكم: ما يدرينا أنه مجرم؟ أقول لك: مجرم بنص القرآن، ليس من رأسي، قال الله : (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨] يعني: يوم القيامة، كل واحد مرتهن بكسبه، كل نفس أنا وأنت وكل من على وجه الأرض وكل من سيأتي وكل من مات إلى يوم القيامة ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [المدثر:٣٨] أي: بما عملت ﴿رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨] لا تلم أحداً، لا تلم إلا نفسك، والله لا تأخذ حسنات غيرك ولا يأخذ أحد من سيئاتك شيئاً، والله إنها لك إن هي خير أو شر ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨] * ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر:٣٩]-اللهم اجعلنا جميعاً منهم- أين هم هؤلاء؟ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المدثر:٤٠]. من ضمن النعيم الذي يعطي الله لأهل الجنة أنهم وهم على الأسرة والأرائك، والنعيم، والقصور، يشرفون والأنهار تجري من تحتهم، والحور والولدان يخدمونهم وهم في نعمة يتساءلون يتحادثون، وقد ذكر الله هذا في القرآن في أكثر من مرة ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [المدثر:٣٨ - ٤١] وهم في النار؟ ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:٤٢] ماذا أتى بكم إلى هنا؟ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٣] نعم. يعني: الذي لا يصلي ماذا يصبح؟ مجرم. ولا يجوز له -أيها الإخوة- أن يتزوج بمسلمة؛ لأنه مرتد ومن شروط زواج المسلمة ألا تتزوج إلا مسلماً: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١١٤] (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠] لا تحل المسلمة للكافر بأي حالٍ من الأحوال، فلا يجوز أن تزوج شخصاً لا يصلي، وإذا تزوج وهو يصلي ثم ترك الصلاة فيما بعد، انفسخ العقد وبطل النكاح وحرمت الزوجة عليه، وحرم على وليها أن يبقيها في بيته، وحرم عليها أن تبقى ويعاشرها، وإذا جامعها فإنما يجامعها زنا، وأولادها بعد ذلك أولاد سفاح، ولا يحتاج الأمر إلى طلاق، فلا طلاق للكافر، يفسخ العقد عند القاضي فسخاً بالقوة، وهذا يقام عليه الحد، تارك الصلاة مرتد، كافر، مجرم، هل يفهم الناس هذا في هذا الزمان؟ ما أكثر المجرمين -الله المستعان- بل في بيوت بعض الناس تجده يعرف أن أولاده لا يصلون وساكت، لماذا؟ قال: الولد موظف، لا نريد نقول له: صلِّ بعد ذلك يخرج ويذهب بالراتب، ونحن نريده يصرف علينا، يصرف عليك وهو مجرم! من الذي رزقك قبل الولد؟ من الذي خلقك؟ من الذي رزقك بالولد نفسه؟ تحول اعتمادك من الله على هذا؟! لا إله إلا الله! والله يقول: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢].

стр. 1908

هيئة قدوم المستهزئ بأولياء الله على ربه الذي يستهزئ بأهل الإيمان مجرم ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٢٩] هذه جريمة بعض الناس لا ينتبه لها، يقول: نمزح نضحك، لا. كل شيء في دين الله لا تضحك به، كل شيء له علاقة بالله والرسول والأئمة والخطباء والعلماء والدعاة والمؤمنين، انتبه، هؤلاء لهم حصانة اسمها حصانة شرعية، الذي يستهزئ بهم يستهزئ بالله. وكلكم تعرفون حديث الذين كانوا في الغزوة وجلسوا تحت شجرة، فقال واحد منهم: [ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً -يعني: يأكلون كثير- وأجبن عند اللقاء]، وهو يعرف أنه كذاب، بل كانوا أعف الناس بطوناً وأشجع الناس، وهو يقصد بكلامه رسول الله وأصحابه، فسمعه أحد المؤمنين فقال: كذبت يا عدو الله! والله إنك منافق لأخبرن رسول الله ﷺ ، فركب حصانه وجاء إلى الرسول يخبره فوجد الخبر قد سبق من السماء، أنزل الله قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، أثبت الله كفر هذا الرجل بعد أن أثبت إيمانه، وجعل الاستهزاء بالرسول استهزاء بالله وآياته، قال : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة:٦٥] يعني: نتكلم، نضحك، نمزح ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ﴾ [التوبة:٦٥] الرجل ما استهزأ بالله أو بالرسول وأصحابه لكن اعتبر هذا الاستهزاء استهزاء بالله ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] كلمة كفرته وأخرجته من الدين والإيمان، فجاء إلى النبي ﷺ لما سمع القرآن، وجاء يتوب، يقول راوي الحديث: [كأني به وهو متعلق بنسعة ناقة النبي ﷺ والحجارة تركض رجليه، وهو متعلق بالرسول ﷺ ويقول: يا رسول الله! والله ما أعنيها، يا رسول الله! والله ما أصدق فيها، يا رسول الله! إنما كنا نتحدث حديث الركب، يا رسول الله أأدخل النار وأنت بين ظهرانينا، توبةً يا رسول الله! كلما قال كلمة قال: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]] ولذا أمسك لسانك، شُدَّ عليه لا تطلقه في أعراض المؤمنين. ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٢] سبحان الله! كيف تنعكس الفطر وتنقلب الموازين إذا رأوا الطيبين قالوا: هؤلاء ضالون، وفي بلادنا الحمد لله ليس هذا موجود والحمد لله في هذه البلاد، المؤمن مقدر وموقر ويحترم ويثق الناس فيه، لكن عند غيرنا من بلاد المسلمين إذا رأوا المسلم المتدين يقولون: انظروا المجنون، يسمونه مجنون، أو إرهابي، أو متطرف، أو إنسان في عقله شيء ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين:٣٢] قال الله : ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ [المطففين:٣٣] أي: ما لهم منهم شغلة، ما هم بحافظين عليهم ﴿فَالْيَوْمَ﴾ [المطففين:٣٤] يوم القيامة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المطففين:٣٤] وهم في درجات الجنات ﴿مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٣٤] ضحكة بضحكة لكن ليست سوء، ضحكة في الدنيا بضحكة في الجنة والنار هناك ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين:٣٦] نعم. هل جاءهم الجزاء والثواب؟ نعم. كما ضحكوا ضُحِك عليهم، لا حول ولا قوة إلا بالله! ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ [طه:٧٤] فصور الإجرام -أيها الإخوة- كثيرة، فلا تكن مجرماً فيما بينك وبين الله، ولا تكن مجرماً فيما بينك وبين نفسك، ولا تكن مجرماً فيما بينك وبين الناس، بل عليك أن تكون مؤمناً.

стр. 1909

صفة جهنم وما أعد الله فيها للمجرمين ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾ [طه:٧٤]. ثم جاء توضيح جهنم، ماذا فيها؟ قال : ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ [طه:٧٤] كيف لا يموت ولا يحيا؟ قالوا: لا يموت فيستريح ولا يعيش حياة كريمة وإنما يحيا حياة عذاب ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧] أكبر أمنية عند أهل النار الموت ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ﴾ [الزخرف:٧٧] يعني يميتنا ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] فيرد عليهم مالك بعد زمن، ورد في التفسير بعد قدر عمر الدنيا، بعد إذ خلقها الله حتى يفنيها مرتين، ولا يوجد جواب، وبعد ذلك يقول لهم: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] يعني: مكانكم جيد، لماذا؟ قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٧٨ - ٨٠] ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ [طه:٧٤]. بالله يا إخوة! كيف يحيا من طعامه النار؟ أنت الآن هل تستطيع تعيش عيشة معقولة في درجات الحر الشديد وما عندك مكيف؟ لا. وما عندك مروحة؟ لا. وما عندك ماء بارد؟ لا تستطيع بل تموت، طيب كيف من فراشه نار ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف:٤١] بعد ذلك الطعام زقوم ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية:٦] ضريع: شجر من شجر جهنم، لا ينزل إلا الزقوم ثم ينشف في الحلق ويلصق مثل الغراء، فيكاد الشخص يموت ويريد أن يموت فلا يموت، ليته يموت! فيذكر أنه كان في الدنيا يجيز الغصة هذه بالماء، فيطلب ماء ويقول: أعطوني ماء، قال الله: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً﴾ [محمد:١٥] الحميم: هو الذي بلغ درجة متناهية في الغليان ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن:٤٤] يعني: حار جداً ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً﴾ [محمد:١٥] ماذا يفعل هذا الماء؟ لا ينزل فقط، لا. ينزل وينزل معه الأمعاء ﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥] ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥] تخرج أمعاؤهم من أدبارهم، الماء الحار الذي أحرقها كواها، وبعد ذلك في شراب آخر في جهنم اسمه الغسلين، وهذا الغسلين الذي يخرج من فروج الزناة، هذا شراب أهل الخمر في الدنيا، يقول ﵊: (من شرب الخمرة في الدنيا ومات ولم يتب؛ سقاه الله من ردغة الخبال، قالوا: وما ردغة الخبال يا رسول الله؟! قال: عصارة أهل النار) العرق والدم والقيح والصديد الذي يسري من أهل النار يجمع في أواني من نار ويقدم لهم (ومن شرب الخمرة في الدنيا ومات ولم يتب؛ سقاه الله من نهر الغوطة قيل: ما نهر الغوطة يا رسول الله؟! قال: نهر يجري في جهنم من فروج المومسات) المومسات يعني: الزانيات يتحول فرجها إلى نهر يجري بالدم والقيح والصديد، ويقول في قضية الشرب: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم:١٥ - ١٧] لا يستطيع أن يبلعه؟ وأنا ضربت لهذا مرة بمثال: لو جيء برجل وجيء له بكوب مملوء بالقيح والصديد وقيل له: اشرب وإلا ضربت بالسيف، طبعاً هو يريد الحياة وسيشرب، فإذا بلغ إلى هذا المكان، ثم ذاقه لا يستطيع فيرى السيف فيقول: من أجل السيف اشرب، فإذا شرب شربة واحدة ونزلها إلى بطنه ماذا يحصل له؟ تخرج أمعاؤه كلها وكبده ولهذا يقول: اضربني بالسيف؛ لأن السيف حاصل، الموت موت بالسيف ولا بخروج كبده، لا يتحمل، يقول الله ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [إبراهيم:١٧] يأتيه الموت من الطعام الذي يأكله، والشراب الذي يشربه، والفراش الذي يفرش له، وكل شيء. وبعد ذلك وفوق هذا، هناك حيّات، يقول ﷺ : (إن في جهنم حيات كالجمال، وعقارب كالبغال) الحية مثل الجمل والعقرب مثل البغل، تلسع تارك الصلاة على ترك الصلاة، وبعد ذلك السلاسل والأغلال والأنكال والقيود، وبعد ذلك ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٦ - ٣٧]. بعد ذلك يصيحون يطلبون الله؛ لأنهم لا يرون الله، ومن الذي يرى الله؟ يرونه أهل الجنة، أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم. أما هؤلاء فما يرون إلا الملائكة الغلاظ الشداد، والزبانية ينقلونهم من غرفة إلى غرفة، ومن طبقة إلى طبقة ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن:٤٤] مرة في جهنم، ومرة في لظى، ومرة في سقر، ومرة في زمهرير، والعياذ بالله. جهنم ولظى من بعدها حطمة ثم السعير وكل الهول في سقر وبعد ذاك جحيم ثم هاوية تهوي بهم أبداً في حرٍ مستعر جهنم سبع دركات: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر:٤٤] كل واحد يأتي ويدخل منها، فالمتخصص في النظر الحرام يدخل على دركة الحرام؛ لأن بعض الناس شغلته منذ أن يخرج إلى أن يرجع وهو ينظر في أعراض الناس، والمتخصص في سماع الحرام أيضاً كذلك، والمتخصص في أكل الحرام كذلك، والمتخصص في الزنا كذلك: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر:٤٤] ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ [طه:٧٤] وقدم الموت؛ لأنه أمنية لأهل النار، الآن وهو في العذاب هذا يتمنى الموت، ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] لكن لا يوجد موت ولا حياة، فهو ليس بحي، كيف يحيا وهو يعيش هذه الحياة! العذاب من فوقه ومن تحته ويأتيه من كل مكان، هل يحق لك بعد هذا أن تأتي مجرماً؟! تضيّع صلاتك، وترتكب مساخط ربك، لا والله يا أخي! قد تقول: إن الصلاة متعبة، صحيح أن الصلاة متعبة لكن الأتعب منها هذا العذاب، قد تقول: إن التوبة متعبة، صحيح متعبة لكن الأشد تعباً منها هذا العذاب، أجل. قارن بين تعب العبادات وترك المعاصي وبين عقوبات المعاصي، تجد أن لا نسبة ولا تناسب في أي حالٍ من الأحوال، يتمنى الشخص من أهل الأرض أن يرجع إلى الدنيا ليعبد الله ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام:٢٧] ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢] لكن لا توجد رجعة، لماذا لا نفعل الآن العمل الصالح؟! لماذا لا نتوب الآن قبل الغد؟ كما نستقيم على خطا الحياة ودرب الإيمان حتى نلقى الله. هذا المجيء الأول.

стр. 1910

هيئة قدوم المرء المؤمن على الله المجيء الثاني: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً﴾ [طه:٧٥] اللهم اجعلنا يا رب ممن يأتي مؤمناً، وأبشركم -أيها الإخوة- إن شاء الله بالإيمان؛ لأن للإيمان علامات ومن علامات أهل الإيمان حبهم لهذه المجالس، كونك تترك عملك وشغلتك وأولادك ومصالحك وتأتي من أجل مجالس الذكر، لا يقودك إليها إلا الله، ليس هناك أي دافع يدفعك، لأنه ليس عندنا نقود نقسمها، ولا عندنا عشاء نعشيكم في هذه المحاضرة، وإنما عندنا هذه الجلسة، وعندنا مائدة الله ، في آخر الجلسة ينادي منادٍ من السماء: أن قوموا مغفوراً لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات، ويباهي بكم الله في الملأ الأعلى، ويقول للملائكة وهم يصعدون إلى الله وهو أعلم: (كيف وجدتم عبادي؟ قالوا: وجدناهم يسبحونك ويهللونك ويقدسونك، فيقول: ماذا يسألونني؟ قالوا: يسألونك الجنة! قال: وهل رأوها؟ قالوا: لا. قال: كيف لو رأوها؟ قالوا: لازدادوا حرصاً عليها وطلباً لها، فيقول الله: وبم يستعيذون؟ قالوا: يستعيذون بك من النار - اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار- فيقول الله: وهل رأوها؟ قالوا: لا. فيقول الله : فكيف لو رأوها؟ قالوا: لازدادوا منها هرباً وبُعداً، فيقول الله : أشهدكم أني قد غفرت لهم) اللهم إنا نسألك من فضلك يا رب العالمين، والحديث في الصحيحين، يقول أحد الملائكة: (يا رب! إن فيهم فلان بن فلان ليس منهم، ليس من أهل الذكر ولكن أتى لحاجة فجلس -مر من عند المسجد ورأى الناس مجتمعين وقال: لنر ماذا هناك، ما هو من أهل الذكر حتى تغفر له يا رب- قال الله: وله قد غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم).

стр. 1911

حقائق الإيمان عند أهل السنة يقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً﴾ [طه:٧٤ - ٧٥] يقتضي الأمر أن نعرف الإيمان عند أهل السنة والجماعة الذي له ثلاث حقائق لابد منها، وإلا ليس بالإيمان: حقيقة في اللسان، وحقيقة في القلب، وحقيقة في الجوارح. فالإيمان هو: قول باللسان (إعلان وإظهار)، واعتقاد بالجنان، (إقرار)، وتطبيق وعملٌ بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، هذا تعريف أهل السنة والجماعة؛ لأن هناك تعريفات أخرى لأهل البدعة، وأهل الهوى، وهناك تعريف مشابه لهذا التعريف لطائفة من أهل الهوى والضلال -والعياذ بالله- وهم المعتزلة، حتى لا يشتبه على طلبة العلم؟ المعتزلة يقولون: الإيمان هو: قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، لكن يختلفون عن أهل السنة في أنهم يجعلون العمل شرطاً في صحة الإيمان، أما أهل السنة والجماعة فيجعلون العمل شرطاً في كماله الواجب، هذا وجه الخلاف، الأشاعرة يقولون: التصديق، وغيرهم من أصحاب النحل الضالة. أما أهل السنة والجماعة فتعريفهم للإيمان هو التعريف الذي يتفق مع الكتاب والسنة والذي أخبر به النبي ﷺ ، قولٌ باللسان: لابد تظهر لا إله إلا الله؛ لأنه أول واجب. واعتقاد بالجنان: إذ قول باللسان بدون عقيدة ماذا يسمى؟ نفاق؛ لأن المنافقين في عهد الرسول ﷺ قالوا: لا إله إلا الله، قال الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] فكلام باللسان بدون عقيدة هذا يصير نفاقاً، وأيضاً كلام باللسان واعتقاد بالقلب دون أن يكون عملاً هذا أيضاً نفاق، ولهذا رب العالمين قيدها بما بعدها، قال: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ [طه:٧٥] مؤمناً استقرت حقيقة الإيمان في قلبه، وهي حقيقة تبلغ في أعماق النفس البشرية، حقيقة الإيمان وتغطي ثلاثة أشياء: الإدراك، والمعارف، والوجدان. إدراك يبلغ حد القطع واليقين. معارف تبلغ درجة اليقين. وجدان حي على الإيمان، يتوقد قلبه إيماناً، هذا هو الإيمان الصحيح، قول باللسان، اعتقاد بالجنان عمل وتطبيق بالجوارح والأركان.

стр. 1912

مقتضيات العمل الصالح ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ [طه:٧٥] ما هي الصالحات؟ الصالحات تنقسم إلى قسمين: إما فعل طاعة، أو ترك معصية. إذا دعيت إلى معصية وتركتها فأنت عملت الصالحات بترك المعصية، إذا مررت على مؤشر الراديو وأنت في الليل تسمع أخباراً ومرت يدك على أغنية وتركتها هذا الترك للأغنية يسمى عملاً صالحاً، لكن إذا استقرت يدك على الأغنية وقعدت تسمعها وصرفتها من القرآن، هذا عمل سيئ فاسد منكر، وأنت ينبغي لك أن تعمل الصالحات؛ لأنك إذا عملت السيئات فالسيئات على نفسك: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]. فحتى نعطي العمل الصالح الشمول الكامل؛ لابد أن نفهم أن العمل الصالح يقتضي ثلاثة أمور: فعل أوامر الله من الاعتقاد الجازم، والمتابعة للرسول ﷺ الخالصة، والصلاة الخاشعة، والزكاة الكاملة، والصيام الزكي، والحج المبرور، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، وقراءة القرآن، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحب في الله، والبغض في الله، وتعليم الناس الخير هذه كلها أعمال صالحة، وغيرها كثير كما جاء في الصحيحين: (الإيمان بضع وسبعون شعبة) وفي رواية: (الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) إذا جئت زوجتك، أو أبعدت الأذى عن الطريق عمل صالح، أو لقيت أخاك المسلم بابتسامة وتسلم عليه وتبتسم في وجهه، وأعنت ملهوفاً، أو أعطيت مسكيناً عمل صالح، المهم الأعمال الصالحة هي كل ما أمر الله به، هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: أن تترك كل ما نهى الله عنه، من أجل أن يصبح عملك صالحاً، فتحفظ سبع جوارح، تحفظ العين فلا تنظر بها إلى ما حرم الله، وتحفظ الأذن فلا تسمع بها ما حرم الله، وتحفظ اللسان فلا تنطق به أو تتكلم فيما حرم الله، وتحفظ اليد فلا تمدها أو تبطش بها فيما حرم الله، وتحفظ القدم فلا تخطو بها خطوة لا ترضي الله، وتحفظ البطن فلا تأكل به شيئاً مما حرمه الله، وتحفظ الفرج فلا تطأ به شيئاً حرمه الله، هذه سبعة أبواب اسمها أبواب المعاصي، لا يعصى الله إلا بواحدة منها، إذا أغلقت عينك وسمعك عن الحرام، وكففت لسانك ويدك ورجلك عن الحرام وحفظت فرجك وبطنك من الحرام، فمن أين تعصي الله؟ فليس معك شيء، غلقت الأبواب كلها، ما معك إلا الطاعات. فهذه الجوارح تجرح في الدين ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية:٢١] سمى الله السيئات جرحاً؛ لأن الدين ستر والمعاصي عورة وكشف لهذا الستر، وجرح لهذا اللباس الذي ألبسك الله، يقول: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦] يأتي الشيطان يريد يعريك، ويكشف عورتك، ويجرح دينك، بعينك أو بأذنك أو بلسانك أو بأي جارحة من جوارحك، فإذا حفظت هذه الجوارح فأنت تعمل الصالحات. الأمر الثالث من العمل الصالح: تصديق الأخبار، ما أخبر الله به في كتابه أو أخبر به رسوله ﷺ في سنته فإننا نصدق به تصديقاً يبلغ حد الجزم واليقين والاعتقاد الذي لا يساوره أدنى شك؛ لأنه لا أحد أصدق من الله ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:١٢] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء:٨٧] وليس أحد في البشر أصدق من رسول الله ﷺ ، ما دام المخبر هو الله والناقل الخبر رسول الله، سلسلة ذهبية من الصدق، من ستصدق إذا لم تصدق ربك ورسولك ﷺ ، فيجب أن تصدق الأخبار التي جاءت من الله ومن رسوله ﷺ .

стр. 1913

صفة الجنة وما أعد الله فيها لعباده ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه:٧٥] الدرجات العلى هي المنازل العالية والأماكن الرفيعة في الجنات، أخبر الله عنها بأن فيها (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) ويقول : ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] كل ما خطر في بالك فالجنة بخلاف ذلك، اذهب بالخيال كل مذهب، وتصور بتصوراتك كل شيء، ثم ستنتهي جميع خيالاتك وتصوراتك عند حدٍ لا يبلغ ما أعد الله لك في الجنة؛ لأن الله يقول: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ [السجدة:١٧] كيف تتصور إذا كان كل شخص في الجنة عنده قصر، والقصر من درة مجوفة طولها ستون ميلاً في السماء -طول الدرة فقط- له فيها اثنتين وسبعين زوجة، يمكث عند الزوجة كل واحدة نصف نهار الذي يساوي خمسمائة سنة؛ لأن أيام الآخرة اليوم بألف سنة، خمسمائة سنة وأنت عند زوجة واحدة، بعد خمسمائة سنة يضيء في الجنة مثل البرق، برق يراه أهل الجنة ماذا هناك؟ قالوا: هذه حورية تبتسم في وجه زوجها، فإذا رفع رأسه شاهد حورية ثانية قالت: يا ولي الله! أما لنا فيك نصيب، تقول: أنت عندها خمسمائة سنة ما لنا دور، فينتقل من هذه ويذهب إلى الثانية، ويتنقل مثل الشمس في البروج، ماذا هذا النعيم؟ أربعة أنهار تحت بيتك وأنت في القصر، نهر من عسل مصفى، الآن ما وجدنا العسل نغمس فيه فقط، كيف في الجنة أنهار، ونهر من لبن لم يتغير طعمه، لا تنتهي صلاحيته بأسبوع، إذا تأتي تشتريه الآن تنظر متى أصدره، اليوم أو غداً أو بعده متى ينتهي، لكن في الجنة لم يتغير طعمه، دائماً صالح، ونهر ثالث من خمرٍ ليس مثل خمر الدنيا، لذة للشاربين، ونهر رابع من ماء غير آسنٍ؛ لأن آفة الماء إذا ركد أن يأسن ويفسد ويتغير لونه وطعمه وريحه، لكن ماء الجنة غير آسن. ورد في الحديث عند قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف:٧١] قال ﷺ : (في الجنة يقف على رأس كل واحد عشرة آلاف خادم مع كل خادم صحفتان، صحفة من ذهب وصحفة من فضة، في كل صحفة لون من الطعام ليس في الأخرى مثله -يعني: عشرون ألف لون من الطعام في الليلة الواحدة- يأكل من أول صحفة ويأكل من آخر صحفة ويجد في آخر لقمة لذة كما في أول لقمة) أنت الآن لما تأخذ في الدنيا أول لقمة لذيذة؛ لأنك جائع وآخر لقمة ليس لها طعم، إذا غصبوك تقول: والله لا أستطيع، وما أذوقها، لا تريدها، لكن لماذا في الجنة؟ لأن الجنة دار نعيم، نعيم في نعيم. أسأل الله أن يجعلنا جميعاً من أهلها وآباءنا وأمهاتنا وإخواننا المسلمين، وأن يوفقنا للإيمان والعمل الصالح الذي يؤهلنا لها.

стр. 1914

لا يدخل أحد الجنة بعمله الجنة -يا إخواني- لا تنال بالعمل فقط، ولكن العمل ليس إلا سبب فقط، أما هي فتنال بالرحمة، ولهذا قال ﵊: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! -لأنهم يعلمون أن عمل الرسول عمل عظيم- قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) ولهذا ورد في الأثر يقول الله: (ادخلوا الجنة برحمتي، واكتسبوها بأعمالكم) الدرجات داخل الجنة بالأعمال، وأما دخول الباب برحمة الله؛ لأن الله لو آخذنا على أعمالنا وقال: عليها الجزاء، لضاعت أعمالنا قبل أن تضيع النعم علينا، عملك هذا كله لا يساوي نعمة البصر عندك، الآن تصور أن ليس عندك بصر عافاك الله، أغلق عينيك قليلاً، ما رأيك لو تجعل هذه التغميضة ثابتة لا تفتحها؟ كيف تتحول الحياة بالنسبة لنا؟ من يسوق السيارات الآن إلى البيوت؟ سنكون مثل القطط العمي كلنا، كل واحد يقول: يا ولد أمسكني، أين أذهب؟ أين بيتنا؟ كلنا عمي لا نشاهد شيئاً، فمن الذي أعطاك البصر؟ أمك ركبته في رأسك!! أنت اشتريته من البقالة أو الورشة؟! ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد:٨] من الذي ركبها لك؟ (وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً﴾ [الأحقاف:٢٦] لماذا أعطاك الله العين؟! لكي تنظر بها إلى الفيديو، وتركب دشاً وطول الليل تقفز من قناة إلى قناة، لا. بعضهم يأخذ (الريموت كنترول) ويتنقل في السماء المليئة بالشر، وتراه يبحث، يطاردها من قناة إلى قناة، كلما غلق مسلسل ينتقل إلى مسلسل، وكلما غلق شر انتقل إلى آخر حتى تيبس عيونه، شخص تركه وتاب إلى الله يقول: والله إني آتي أنام وعيوني لا تغمض، تتعب عيونه فهي يابسة، يقول: فأعود أغصبها إلى أن تنام يقول: فإذا نمت شفت الدش من داخل يقول: وأنا نائم وهناك دش من داخل، مناظر داخلية قد خزنها دش داخلي والعياذ بالله، أصبح دشاً مدشوشاً نعوذ بالله من هذه الحياة. فالله يعطيك عيوناً -يا أخي- من أجل أن تقرأ بها كتابه، وتنظر بها مصالحك، فتخصصها للشر!! هذه نعمة -يا أخي- نعمة البصر لو سلبها الله كيف تعيش؟ ولهذا يقول الله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٦٦] من يعرف الطريق الآن لو طمست أبصارنا الآن، عافانا الله جميعاً؟! نعمة السمع -يا أخي- هذه، وتصور أن ليس عندك أذن الآن، ما تسمع وتذهب البيت، كيف تعيش مع الناس؟! تقول لك امرأتك: أريد أشياء، فلا تسمع كلامها، السمع هذا نعمة من نعم الله، ولهذا الله قدمه، وهو وسيلة التعليم الأولى، وإذا لم يكن موجوداً فلن تعرف شيئاً: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً﴾ [الأحقاف:٢٦] يمكن للإنسان الأعمى أن يتعلم؛ لأنه يسمع، لكن واحد ليس عنده سمع ما يتعلم، وإذا تعلم معلومات بسيطة تكون عن طريق الإشارة. من أعطاك اللسان؟ لا إله إلا الله تتكلم باللسان ترجمان عما في قلبك، لو ما عندك لسان تصبح مثل الكرتون جالس في البيت لا تتكلم ولا بكلمة واحدة، لكن تحدث الناس وتتكلم معهم، تعبر عما في قلبك بلسانك ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد:٨ - ٩] هاتان الشفتان من أعظم نعم الله على الإنسان، لو قطعت لما عرفت أن تتكلم كلمة واحدة، ولأصبح شكلك مفجعاً، لا إله إلا الله!! اليد الرجل الجوارح كلها هذه، فلو حاسبك ربي على أعمالك من يوم خلقت إلى الآن ووزنها مع نعمة البصر، تضيع صلاتك كلها، ويضيع صيامك، وجهادك ما قد غلقنا حتى البصر لماذا؟ لأنك عبدت الله ببصر من الله، وبجسد من الله، وبأرجل من الله، كل شيء من ربي ماذا عندك أنت؟ أصلاً ما عندك شيء، أجل: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يتغمدنا جميعاً برحمته، وأن يجعلنا من أهل جنته، وأن يعيذنا جميعاً من ناره. هذه هيئة وقد قلت لكم: إني سأحدثكم عن هيئات للناس وهم يمشون إلى الله ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٥]. الهيئة الأولى: يأتون فرادى. الهيئة الثانية: يأتون مؤمنين أو مجرمين.

стр. 1915

هيئة قدوم صاحب القلب السليم الهيئة الثالثة: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩] هذه الآية تدل بالمعنى والمفهوم أن أناساً يأتون بقلوبٍ غير سليمة، إما قلب سليم أو قلب غير سليم، أصحاب القلب السليم يدخلون الجنة؛ لأن الجنة لا يدخلها إلا صاحب قلب سليم مائة في المائة. آدم ﵇ أكل في الجنة فبدت له سوءته وأخرجه الله من الجنة؛ لأنه غير سليم، وإبليس كان طاوس الملائكة، الله أمر الملائكة بالسجود فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس، أجل. فليس سليماً بالمعصية، قال الله: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص:٧٧ - ٧٨] فلا يدخل الجنة إلا من جاء بقلب سليم، يقول الله إن إبراهيم يقول: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ [الشعراء:٨٧ - ٩١] فتزلف الجنة للمتقين أصحاب القلوب السليمة.

стр. 1916

كيفية سلامة القلب وعلاماته كيف يكون قلبك سليماً؟ بثلاثة أشياء: سليم من الشبهات المتعلقة بالعقائد: لا يكون عندك شكوك. سليم من الشهوات المحرمة: شهوة الجنس بالزنا، والسرقة في المال وأي شهوة محرمة. سليم من الغفلة التي تصدك عن ذكر الله. يقول ابن القيم ﵀: سليم من شبهة تورد شكاً في دين الله، أو شهوةٍ تورد تقديم الهوى على أمر الله، أو غفلة توجب نسيان العبد لأمر الله. كثير من الناس الآن غافل عن الله، كل شيء له في برنامجه مسافة ومساحة وموعد إلا الله، تجده يحدد للدوام وقتاً، وللغداء وقتاً، وللتمشية بعد العصر وقتاً، وللتسوق بعد المغرب وقتاً، وللسهرة بعد العشاء وقتاً، وللنوم وقتاً، وفي الصباح فطور يعني: هذا برنامج أكثر الناس، لكن لا يحدد وقتاً للعلم، ولجلسة الأسرة، أو لمحاسبة النفس، أو للذهاب إلى الفقراء وتفقد المساكين والمحتاجين، أو للإنفاق، للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في الدعوة إلى الله، مشغول. أشغل نفسه بما لم يشغله الله به، بل بعضهم صلته بالحمام أكثر من صلته ببيت الله، يدخل الحمام في اليوم والليلة أربع خمس مرات، وإذا جاء يستأجر شقة أول ما يشير على الحمام لا يسأل عن المسجد، كم في الشقة حمامات؟ فإذا قالوا له: واحد، قال: لا يكفي، نريد ثلاثة أو أربعة، يريد حماماً له، وواحد للمرأة، وواحد للضيف، وواحد للأسرة، ما هذا؟! أعوذ بالله من هذه الحياة، وإذا تورط وسكن في شقة بجانب مسجد انزعج قال: لا. دوروا لنا عن مكان بعيد لا نسمع به إزعاجاً، يزعجه الله أكبر، يريد أن تستحوذ عليه الشياطين، فتنسيه ذكر الله، كما قال الله: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة:١٩]. فيا أخي في الله! لا يكن قلبك سليماً إلا بهذه الثلاثة الأمور، أن يكون سليماً من شبهة وشهوة وغفلة. فما علامة سلامة قلبك؟ قال العلماء: ثلاثة علامات: العلامة الأولى: الإقبال على الطاعة: مثل إقبال الإنسان المتعافي على الطعام. العلامة الثانية: النفرة من المعاصي: صاحب القلب السليم لا يحدث معاصي. العلامة الثالثة: حب مجالس الخير، وكراهية مجالس الشر. هذا الذي قلبه سليم مائة في المائة، إذا وجدت في نفسك حباً للمعاصي وكراهية للطاعات ففي قلبك مرض، عالجه قبل أن يكون العلاج في النار؛ لأنه في الآخرة لمن يأتي وقلبه ميت أو مريض لا مستشفى إلا النار، يخلطون في جهنم من أجل أن يعالجوا، فالذي مرضه مستعصي مشرك بالله يخلد في النار ليس له خروج، والذي مرضه معاصي تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له، هذه الهيئة الثالثة أن يأتي سليم القلب.

стр. 1917

هيئة قدوم أهل الغلول على الله الهيئة الرابعة: وهي مختصة بالذين غلوا شيئاً من بيت مال المسلمين، يقول الله : ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١].

стр. 1918

ماهية الغلول ما هو الغلول؟ الغلول هو: أن تأخذ شيئاً من الحق العام، حق المسلمين كاملاً، وهو المعبر عنه في كتب الفقه ببيت مال المسلمين، يعني: أنت موظف ومعتمد على عمل، ووظيفتك مأمور مستودع، أو مأمور إعاشة، أو كاتب، ويصرف لك أدوات مكتبية أو أدوات منزلية أو رياضية، أو أي شيء، فإنه يحرم عليك شرعاً أن تأخذ شيئاً من هذا، لا تأخذ قلماً ولا ورقة ولا ظرفاً ولا دبوساً ولا شيئاً، لماذا؟ لأنه غلول، قد تقول: هذا شيء بسيط، طيب شيء بسيط لكن الله يحاسب عليه. في إحدى الغزوات غلام من الأنصار صغير جاءه سهمٌ لا يعرف من أرسله، فوقع في صدره فمات، فقال واحد من الصحابة: هنيئاً له الجنة؛ لأنهم في المعركة، فقال ﵊: (كلا والذي نفسي بيده! إن الشملة التي غلها لتشتعل على ظهره في النار) قال أهل العلم: كان ثمن الشملة هذه درهمين، وجاء رجل في المعركة فقال: يا رسول الله أخذت شراكين قال: (شراكين من نار) انتبه لا تأخذ شيئاً من بيت مال المسلمين، ومن يستغن يغنه الله. وفي الحديث الصحيح يقول ﵊: (لا ألفين أحدكم يوم القيامة وعلى رقبته بعيرٌ له رغاء) لماذا بعير؟ لأنه أخذه من بيت مال المسلمين، فيأتي به يوم القيامة؛ لأن الله يقول: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام:٣١] ما تأخذ من هنا إلا تأتي به يوم القيامة، كيف تأتي به؟ من أين لك وليس معك شيء إلا في النار؟ تنزل تأتي به من النار وتسقط في النار، فأنت إن لم تخلص من الآن فإنك ستموت وتتركها كلها (فيقول: أغثني يا رسول الله! فأقول: لا أملك من الله شيئاً قد أبلغتك، ولا ألفين أحدكم يوم القيامة وعلى رقبته بقرة لها خوار، فيقول: أغثني يا رسول الله! فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، ولا ألفين أحدكم يوم القيامة وعلى رقبته شاة تجعر، فيقول: أغثني يا رسول الله! فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، ولا ألفين أحدكم يوم القيامة وعلى رقبته رقاع تخفق) هذه تشمل كل ما يؤخذ من بيت مال المسلمين من الملبوسات والمفروشات والخيام والحنابل والشراشف والفنايل والبدلات والكبابيس والبريهات كل شيء مخصص لبيت مال المسلمين وأنت تأخذه تأتي به يوم القيامة. آخر الحديث: (ولا ألفين أحدكم يأتيني يوم القيامة وعلى رقبته صامت) صامت: يدخل فيها كل شيء من الدبوس إلى السيارة، فهذا الغلول، يقول الله : ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١].

стр. 1919

صور من الغلول المغلف ويدخل في الغلول هدايا المسئولين؛ الهدايا التي تقدم لمن يلي مسئولية، مدير أو رئيس من أجل العمل، هذا يهدون له إما الموظفين عنده أو مراجعين له، ورد في الحديث: (هدايا العمال -يعني: المسئولين- غلول) لأنها هدية وهي في الحقيقة رشوة، لكنها تلبس ثوب الهدية، والدليل على حرمتها حديث عبد الله بن اللتبية الذي استعمله النبي ﷺ على الزكاة فجاء بعد الزكاة ومعه شملة، وقال: (هذه أهديت لي، فغضب النبي ﷺ غضباً عظيماً حتى لكأنه يفقع في وجهه حب الرمان، ثم نادى بالصلاة ولم تكن وقت صلاة، وقال وهو يخطب في خطبته المشهورة: ما بال أقومٍ نستعملهم على الزكاة فيعودون ويقولون: هذا لبيت مال المسلمين وهذا أهدي لنا، أفلا قعدوا في بيوت أمهاتهم أكان يأتيهم شيء) قال العلماء: فلا يجوز قبول الهدية ممن يهدي لك من أجل الوظيفة إلا أن يكون بينك وبين هذا الرجل الذي يهدي لك صلة قبل الوظيفة وأنت وهو تتهادون قبلها، أما هدية فقط من أجل الوظيفة فهذه رشوة، وهي محرمة، وعلى المسلم أن يكون طاهراً نظيف البطن لا يدخل في بطنه ولا في بيته شيء، لماذا؟ لأن الدولة جزاها الله خيراً ما جعلت لأحد حاجة، كل مسئول يستلم رواتب ضخمة تكفيه إذا كان عفيفاً وشريفاً يريد الحلال. هذه -أيها الإخوة- بعض المشاهد والصور التي يأتي بها الإنسان إلى الله يوم القيامة، بقي أشياء لكن ضاق الوقت عنها، وأسأل الله أن يمد في العمر والأجل حتى نكملها في فرصة أخرى، وأسأل الله أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل التفرق من بعده تفرقاً معصوماً، وأن لا يبقى فينا ولا معنا ولا منا ولا إلينا شقياً ولا محروماً. اللهم احفظ لنا ديننا وأمننا ونعمتنا واستقرارنا، اللهم من أرادنا في هذه الديار أو غيرها من ديار المسلمين بسوء أو شرٍ أو كيد أو مكرٍ فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، وأنزل عليه بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. اللهم وفق ولاة أمورنا وعلمائنا ودعاتنا ومشايخنا إلى خدمة هذا الدين، وانصرهم برحمتك يا أرحم الراحمين، ووفقنا لما تحبه وترضاه إنك ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 1920

الأسئلة .

стр. 1921

مذهب أهل السنة في أهل الكبائر السؤال ما مذهب أهل السنة والجماعة في صاحب الكبيرة، وهل هو مخلد في النار إذا لم يتب؟ الجواب لا. إذا لم يتب صاحب الكبيرة فمذهب أهل السنة والجماعة أنه تحت مشيئة الله في الدار الآخرة، إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] خلافاً لمذهب المعتزلة والخوارج، فـ الخوارج يقولون: إن صاحب الكبيرة كافر في الدنيا ومخلد في النار يوم القيامة، والمعتزلة يقولون: إن صاحب الكبيرة في النار في الآخرة لكنه في الدنيا ليس بكافر ولا مسلم وإنما في منزلة بين المنزلتين يعني: لا هو كافر ولا هو مسلم، وهذا ضلال وباطل. والحق ما عليه أهل السنة والجماعة؛ لأن صاحب الكبيرة مسلم بإيمانه، فاسق بمعصيته، تحت مشيئة الله في الدار الآخرة إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، إذا لم يتب، أما إذا تاب فمن تاب تاب الله عليه. صاحب الذنب لو كان مثل الجبل وتاب يبدل الله له السيئات حسنات ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠].

стр. 1922

الاستمرار في النصيحة لأهل الصغائر والكبائر السؤال لي بعض الجيران لا يصلون في المسجد خصوصاً الفجر والعصر ونصحناهم فلم يستجيبوا، وبعضهم يقول: أنا أصلي في البيت، وقد كررنا عليهم النصح فماذا نفعل معهم بعد ذلك، أأتركهم أم ماذا أعمل؟ الجواب لا يا أخي الكريم! كرر النصح عليهم، وأيضاً هناك وسيلة مفيدة أن تربط معهم علاقة إذا أمكنك علاقة طيبة، بالزيارة أو بالعزيمة وإهداء الشريط والكتيب الإسلامي، إذا قبلوه الحمد لله وانتظر وادع الله لهم، إذا حددوا موقفاً وقالوا: لا. لا تدخل علينا ولا نريد شريطك ولا نريد كتابك، ولا نصلي، هناك لا تبرأ ذمتك إلا بإبلاغ الهيئة بأن ترفع خبرهم إلى المسئولين وتبرأ ذمتك، والهيئة تتصرف معهم.

стр. 1923

مجاهدة النفس والشيطان في ترك المعاصي السؤال ليتك تعيد الكرة بعد الأخرى حتى تنير الطريق لنا ولغيرنا من الشباب، وأنا شاب أحب الخير والمحاضرات لكنني مبتلى ببعض المعاصي وأريد أن أتوب، وكلما أردت أن أترك بعض المعاصي غلبني الشيطان عليها؟ الجواب أولاً جزاك الله خيراً بدعوتك لي في أن أعيد الكرة بعد الكرة، وإن شاء الله كلما أجد فرصة فسآتي بإذن الله. وكونك شاب تحب الخير والمحاضرات هذا طيب، وأسأل الله أن يتقبل منا ومنك ويثبتنا وإياك على الإيمان. أما حبك للمعاصي وعدم تركك لها فهذه صفة نقص فيك فعليك أن تجاهد نفسك؛ لأن من الشباب من يريد أن يترك المعاصي دون أن يبذل جهداً، لا يمكن، فالمعاصي محببة إلى النفس، وما لم يكن لديك رصيد قوي من الإيمان والجهاد وإلا لا تنفع، والله يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] تحتاج إلى إيمان قوي؛ لأن الشهوة غالبة، والنزوة مسيطرة، والنفوس ضعيفة، والشيطان والهوى غلاب، فإذا ما عندك إيمان قوي ينزعك بقوة وإلا سوف تهلك يا أخي! فما ينفعك حبك للمحاضرات وحبك للخير وأنت لا تعمل الصالحات؟ هذا حب صوري، الحب الحقيقي هو الذي ينتج منه التوبة من الذنوب والمعاصي، ولهذا جاء في الحديث: (اتق المحارم تكن أعبد الناس) ليس العابد الذي يصلي، الأعبد منه هو الذي يتقي المحارم، أما الاستمرار على المعاصي، وكلما رأيت معصية وقعت فيها، ولا يعني هذا أنك سوف تكون معصوماً، لا. المعصية تقع والعبد خطاء، لكن المعصية في حياة المؤمن عارضة، وفي حياة العاصي والمنافق والفاسق لازمة، فإذا مرت عليك معصية عارضة تب إلى الله طيب، أما كل يوم وعلى رأسك المعاصي وتقول: أحب المحاضرات، ما الفائدة من حب المحاضرات ما دمت لا تعمل الصالحات؟ فاتق الله يا أخي! وجاهد نفسك، وأسأل الله أن يعينك وأن يتوب علي وعليك وعلى جميع المسلمين.

стр. 1924

أثر المعاصي في الإيمان السؤال هل النظر إلى المسلسلات الخبيثة خاصة في شاشة الدش والاستمرار عليها ينقص الإيمان؟ الجواب نعم. هذا معتقد أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، أنت لما دخلت المسجد وجلست هذه الساعة هل إيمانك الآن مثل إيمانك يوم دخلت في المغرب؟ لا. زاد إيمانك لماذا؟ لأنه تليت عليك آيات الله ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [الأنفال:٢] لكن تذهب في مجلس آخر ويكون فيه غناء وطرب وأغاني وألحان وصور ومشاهد خبيثة وعري، كيف يكون إيمانك إذا خرجت؟ يذوب إيمانك ويضعف، أجل. أنت معني بأن يزيد إيمانك دائماً ولا ينقص، يعني: زود الطاعات ولا تعمل المعاصي حتى لا ينقص إيمانك.

стр. 1925

حكم نداء الشخص الملتزم بلقب (مطوع) السؤال أنا شاب ملتزم والحمد لله، ولكن في المدرسة أصدقائي يستهزءون بي، ويقولون: مطوع؟ الجواب يا مطوع! هل هذا سبة؟ الحمد لله أنك مطوع، ما قالوا: يا عاصي؛ لأنه لا يوجد إلا مطوع أو عاصي، الحمد لله أنت مطوع إذا قالوا: يا مطوع، قل: نعم. حاضر، وبعض الإخوة يقول: كل الناس مطاوعة لكن هناك مطاوعة لله وهناك مطاوعة للشيطان، فإذا قال لك: يا مطوع! قل: وأنت يا مطوع! إذا قال: ما أنا مطوع قل: لا. أنت مطوع لإبليس، أي نعم؛ لأن الله أمرني فأطعته، والشيطان أمرك فأطعته، فأنت مطوع وأنا مطوع، أنا مطوع لله وأنت مطوع للشيطان، أو الناس كلهم مطاوعة، أي نعم. ولهذا يقول الله في القرآن الكريم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٠ - ٦٢].

стр. 1926

خطر السحر والسحرة وضرورة الرقى الشرعية السؤال أرجو التنبيه إلى خطر السحر والذهاب إلى السحرة، وكيف يفرق بين الراقي والساحر؟ الجواب السحر كفر وليس بسهل، أنا أسمع أنه ينتشر عند كثيرٍ من الناس، السحر كفر تعاطيه أو تعلمه أو الإتيان إلى أصحابه، والله يقول في القرآن الكريم: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢] انتبه! لا تعمله ولا تذهب إلى صاحبه، بل لو وقع لك سحر فإن حل السحر بالسحر كفر في أرجح أقوال العلماء ولا يجوز، وكيف تحله؟ تحله بالرقية الشرعية من كتاب الله، وقد تقول: كيف الرقية؟ الرقية تقرأ القرآن، وقد يقول شخص: قرأت ولم يذهب، أجل عجيب! إما أن تقرأ ويذهب السحر أو تذهب تشرك، فتجعل ربي مجال اختبار لك، لا. الله قادر أن يحل سحرك، الله يقول: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١] ولكن يبتليك الله ويختبرك هل أنت مؤمن؟ وقد يستمر معك أسبوعاً أو أسبوعين أو شهراً أو شهرين، وبعضهم سنين، ولكن اصبر على الرقية الشرعية. أما كيف يفرق بين الساحر والراقي؛ فالراقي أولاً رجل معروف بسلامة المعتقد، يقرأ القرآن أمامك، ليس عنده طلاسم ولا همهمات ولا تعويذات ولا شيء، ولا يأخذ على عمله أجراً إلا من الله ، وإن أخذ شيئاً من غير سبب أو من غير طلب منك فلا بأس؛ لأنه يجوز، أما الساحر فمعروف بفسقه وبالطلاسم التي يكتبها والتعاويذ والشعوذات، ومعروف بالهمهمة، وبعد ذلك يتكلم بكلام لا تسمعه، ويكتب لك كتاباً يقول: لا تقرؤه، ولا تفتحه يقول: كيف؟ يقول: يبطل مفعوله؛ لأنك إذا قرأته لا ترى شيئاً، أنا فتحت كتاباً لواحد والله ما فيه حرف -يا إخواني- إلا شخاميط قلم من أوله إلى آخره، وقال: خذه وعلقه، يقول للناس: لا تفتحوه؛ لأنهم يعلمون أنك إذا فتحته لا تجد شيئاً، لا تلقى إلا كلاماً فارغاً، هذه كلها من السحر فلا يجوز، ولا يجوز للمرأة كذلك؛ لأننا نسمع أن بعض النساء تذهب إلى بعض الساحرات أو السحرة لتصرف قلب زوجها؛ خاصة إذا كان زوجها متزوج بأخرى، فتقول: والله أجعله لا يطالع فيها ولا يراها، فتذهب عند الساحر تعطيه مائة أو ألفاً تقول: أريده، فماذا يحصل لها؟ يعاقبها الله بنقيض قصدها فيكرهها ويحب الأخرى؛ لأن الله يقول: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس:٢٣] فلما بغت على المؤمنة بالله صرف قلبه عنها؛ لأن قلوب العباد بيد من؟ بيد الساحر أم بيد الله؟ بيد الله، أي نعم. فلما أرادت أن تسحر وتصرف قلبه عن زوجته الحلال؛ الله عاقبها بنقيض قصدها فجعلها مكروهة عنده، وجعل زوجها يحبها مائة في المائة، وهي ما عاد يريدها، فالسحر باطل ولا يجوز فعله. وإذا أردت أن يحفظك الله من السحر فعليك بالاستعاذة والتحصن بأذكار الصباح والمساء، إذا أصبحت في الصباح تقرأ آية الكرسي وأذكار الصباح، وإذا أمسيت تقرأ آية الكرسي وأذكار المساء، هذه لا يستطيع أي شيطان ولا أي ساحر في الدنيا أن يضرك بأي شيء بإذن الله. ونكتفي بهذا، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 1927

أسباب المشكلات الزوجية وطرق علاجها إن من سنن الله تعالى في خلقه الزواج، بل هو آية من آيات الله ، لكن قد تحدث بعض المشكلات أثناء الزواج، والتي قد تؤدي في النهاية إلى الفراق بين الزوجين. ولهذه المشاكل أسباب كثيرة، بمعرفتها ومعرفة علاجها تحل بإذن الله كلها.

стр. 1928

أسباب المشكلات الزوجية كلام الشيخ حامد المصلح: الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، نحمده ﷻ ، وأثني عليه الخير كله بما هو أهله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وإمامنا محمداً عبد الله ورسوله، فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين. أهلاً بهذه الوجوه الطيبة المباركة، والوجوه المتوضئة الراكعة الساجدة التي أسأل الله جعل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن وفقهم الله وهداهم لما فيه صلاحهم وفلاحهم إنه على ذلك قدير. ثم أحيي على وجه الخصوص فضيلة الشيخين الكريمين: فضيلة الدكتور جابر بن علي الطيب أثابه الله. وفضيلة الشيخ سعيد بن مسفر حفظه الله، الذي لا يخفى على الجميع. وأسأل الله جل وعلا أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه. ونحن أيها الأحبة! نتحدث حول هذا الأمر، العظيم الذي ربما لا يكاد يوجد بيت لا يخلو من هذا الأمر، ألا وهو أسباب المشكلات الزوجية، ثم يكون العلاج إن شاء الله في الأخير، وأسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن وفقهم الله وهداهم. أيها الأحبة! فليتحدث أولاً: فضيلة الدكتور جابر حفظه الله عن أسباب هذه المشكلات التي تحدث وتقع. وهذه المشكلات في الحقيقة إذ أنها كثيرة، فمن أبرزها وأهمها: المخالفات الشرعية، ثم الغيرة التي تحصل من الطرفين، أو من أحدهما، ومن هذه الأمور الكثيرة التي تكون أسباباً وهي في الحقيقة كثيرة، العيوب الزوجية من الزوجين أو من أحدهما، وكذلك الزواج من الأقارب، وغلاء المهور، ففضيلة الدكتور جابر حفظه الله نود أن يحدثنا حول هذه الأمور وجزاه الله خيراً. كلمة الشيخ جابر الطيب: الحمد الله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أحمده سبحانه وأشكره، وأستغفره وأتوب إليه، وأسأله التوفيق والهداية، والسداد والرشاد في الدنيا والآخرة، ثم أصلي وأسلم على نبينا محمد بن عبد الله، نبي الرحمة والهدى والصلاح، صاحب الحوض المورود، والمقام المحمود، والشفاعة العظمى، فصلوات الله وسلامه عليه على آله وأصحابه أجمعين. وبعد: فقد سمعتم ما ذكره الشيخ جزاه الله عنا وعن الجميع خير الجزاء في الدنيا والآخرة، وذكر أن هناك مشاكل قد تحصل بين الزوجين، وقد تكون هذه المشاكل ظاهرة، وقد تكون باطنة لا يطلع عليها إلا الله ، وأحب أن أقدم بكلمة عن الزواج، وأن الله قد شرعه لبني الإنسان، لكي يحفظوا أنفسهم، ولكي يعمروا هذه الدنيا، كما اختارهم الله لعمارتها، وللقيمومة فيها، فالشباب في حاجة ماسة إلى الزواج. ولكن هناك من الموانع ما يحول بين الشاب وما يشتهي: منها: أنه إذا بلغ الشاب الحلم وأصبح رجلاً يصح أن يكن زوجاً يقول في نفسه أو يقول له أهله: ما زلت في عنفوان الشباب وفي ريعان الصبا، فاصبر حتى تكمل رجولتك ونزوجك إن شاء الله، وهذا عندي أنه خطأ فيما أعتقد، وأن هذا من الأخطاء الشائعة بين الناس، فزواج الصغير يحفظه من المعاصي إذا كان عند أهله من المال ما يجعلهم يزوجوه، أما إذا كانوا فقراء فهم معذورون، ولكن إذا كان الله سبحانه قد وسع عليهم، فخيراً لهم أن يبادروا إلى تزويجه ممن يرضون دينها وأهلها وأمانتها وتقواها، وبعضهم يسوِّف ويقول: سوف أتزوج إن شاء الله إذا انتهت دراستي وأمنت مستقبلي، حتى أعيش أنا وزوجتي في أمن واستقرار وحياة سعيدة مملوءة بالخيرات والأرزاق. وإذا توظف هذا الخريج بعد أن يبلغ من العمر خمساً وعشرين عاماً ونحو ذلك، فإن وظيفته قد تكون بسيطة، وقد يكون مرتبه الذي يتلقاه من ولي الأمر لا يقوم بشئون حياته كاملة، فقد يعول أبويه أو أيتاماً خلفهم أبوه -مثلاً- أو نحو ذلك، فإذا قدرنا راتبه خمسة آلاف ريال أو أربعة آلاف ريال، فقد يكون إيجار الشقة في الشهر ألف ريال -مثلاً- ولا بد أن يأخذ أشياء بالتقسيط، هذه السيارة يدفع عنها كل شهر ألفين أو نحو ذلك، ويبقى له ألفان أو نحو ذلك، فإذا بقي الألفان هل يدخل بها بيته أم ماذا؟ فإذا قلنا: إنه سيوفر في كل شهر خمسمائة ريال، والمهر لا يقل عن مائة ألف ريال، إلا أن يشاء الله، وهو لا بد له من قصر أفراح ومما يفعله الناس في زماننا هذا من المباهات والمبالغة في الذهب وغير ذلك، فإذا قدرنا أن تكلفة زواجه مائة وخمسين ألف ريال، فينبغي عليه أن يمون ذلك ثلاثمائة شهر، وهو عمر طويل، معناه يوفر مائة وخمسين ألف ريال في ثلاثمائة شهر، كل شهر خمسمائة ريال، وإذا قلنا: ألف ريال ويفرفها في أقل من ذلك بقليل، فإذا كان ألف ريال، وهكذا، مائة وخمسين شهر، فهذا قد يصعب عليه، ولا يبلغ حد الزوج إلا وقد عُمِّر طويلاً؟ ولهذا فإن غلاء المهور من الأسباب الشائكة التي تحول بين المرء وبين الزواج. العنصر الثاني: قد يكون الشاب لا يبالي بالزوجة، يقول: إذا تزوجت كتَّفت نفسي، وحبست حريتي وأصبحت مسئولاً مسئولية كاملة عن الزوجة وأولادها وأنا حر طليق، أنطلق في أرض الله الواسعة فلا أشغل نفسي، فإذا تزوجت وأنا في هذا السن فسوف أصبح أسيراً للمرأة، تحبس حريتي، وتمنعني من الإنطلاق في هذه الحياة، إذا تأخرت في الليل قالت: أين كنت؟ ومن أين أتيت؟ وإذا ما أعجبها شيء تقول: ما هذا الذي أتيت به؟ وهكذا، فأصبح مغلول اليدين والرجلين، فلهذا لا أتزوج. العنصر الثالث: يكون زواجاً مطلقاً قد يكون وسع الله عليه وأغناه، وأكثر ماله، لهذا يتزوج في السنة مرة أو مرتين، كما علمنا أن أناساً من هذا النوع وسع الله عليهم بالمال، فأصبح ديدنهم وهمهم أن يتزوجوا باستمرار؛ لكي يتمتعوا بالنساء، ثم يطلقوهن بعد حين، بعد سنة، أو أقل من سنة، وهذا لا يجوز، ولا ينبغي له أن يفعله أبداً إذا كان في قلبه إيمان، إمساك أو تسريح بإحسان، إما أن يمسك الزوجة الصالحة، وإما أن لا يأتي إليهم، فكثير من الأغنياء من الذين وسع الله عليهم، يتزوج من هنا ومن هناك ومن كل مكان؛ ليمتع نفسه بهذه الحياة، وهذا لا ينبغي. وبعضهم يكون ممن أضله الشيطان من الشباب، فهو كلما جمع شيئاً من النقود، سافر بها إلى القارات، مرة هنا ومرة هناك، يتتبع الحرام، ينام في أحضان المومسات -والعياذ بالله- ويبحث عن الزنا أينما كان، يعجبه ذلك ويطربه، ولهذا لا يقر له قرار ولا يقوم مقام في وطنه، وإنما جل همه أن يذهب إلى القارة الفلانية، فيها من النساء كذا وكذا، وفيها من المومسات كذا وكذا، ويعلم أن ذلك يغضب الله أولاً قبل كل شيء، ثانياً: عنده من الأمراض الخبيثة كالإيدز -والعياذ بالله- وكقمل العانة، وكالسيلان، ونحو ذلك -والعياذ بالله- يظلم نفسه بالإثم العظيم، الذي حرمه الله ورسوله، حرمه الله في القرآن عندما ذكر صفات المؤمنين، قال في آخر سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠] فمن تاب ورجع إلى الله فهو على خير، هذه هي بعض الأشياء يفعلها الشباب ويبتعدون عنها ويأبون أن يتزوجوا من هذا النوع. أما العيوب فهي كثيرة، إما أن تكون في المرأة وإما أن تكون في الرجل. أما عيوب المرأة: فهي العفق والقرن والرتق، فهذا يكون في المرأة، أما العفق: فهو لحم يكون في الفرج يمنع من التمتع بها من زوجها، وهذا في حق المرأة -ولا حياء في الدين إذا قلت هذا الكلام وهذا شيء لا بد أن نوضحه- فالعفق: هو لحم يأتي في فرج المرأة فيمنع سلوك الذكر في الفرج، وهذا عيب من العيوب، وللزوج أن يفسخ النكاح، إذا لم يكن يعلم به قبل عقد النكاح، أما إذا علم بعد عقد النكاح وقد اختلى بها، فإن لها بعض المهر، وأما إذا علم به قبل الزواج وأقدم عليها بطوعه واختياره فقد لا يكون هذا في حقه عيباً. أما القرن: فقد يظهر في فرج المرأة، مثل قرن الشاة يسمى القرن. أما الرتق: فقد تكون المرأة رتقاء، أي: أن فرجها لا مسلك فيه للذكر، أي: كالمخيط، أو نحو ذلك، هذا في عيوب المرأة. ومن العيوب التي تكون عند الرجل والمرأة الجذام، والبرص والغائط أثناء الجماع، أو نحو ذلك، وهذه العيوب يشترك فيها الرجل والمرأة أما عيوب الرجل فهي: العنة، أن يكون عنيناً أي: لا ينتشر ذكره والعنة يستحق بها فسخ النكاح، إذا كان هناك قاضٍ يحكم عليهم ويمهلهم سنة كاملة من تاريخ المحاكمة، إذا تحاكمت المرأة إلى القاضي هي وزوجها، وقالت: يا شيخ: إن هذا لا يفعل شيئاً مما يفعله الرجال، فإذا اعترف الرجل أمهله سنة كاملة من تاريخ المحاكمة، يمر على الفصول الأربعة: الشتاء والصيف والخريف والربيع، حتى إذا ما وفق في هذا الفصل، فالفصل الذي يأتي يكون أحسن من الأول. حتى إذا انتهت السنة ولم يفعل شيئاً، يفسخ النكاح بدون مقابل، وليس له شيء من حقه الذي دفعه لها. ثانياً: أن يكون مجبوباً، إنسان اُعتدي عليه وجب ذكره، أو خصاه، هذا أيضاً عيبه شرعي، والثالث: العاق، كان طيباً معافىً سليماً لا عيب فيه، وفي أثناء الزواج جاءه العيب حتى أصبح ذكره لا ينتشر فهذا يسمى العاق، وهو مرض عرض له، كذلك هو بالخيار، إن جلست معه فلها ذلك، وإن طلبت الفسخ يفسخ نكاحها بدون أي شيء، هذه هي عيوب الرجل وعيوب المرأة. كذلك الجذام إذا رأيت امرأة فيها جذام -عافانا الله وإياكم- أو في الرجل فإن كلاً منهما له أن يفسخ نكاح الآخر خوفاً من العدوى لا سمح الله، يقول النبي ﷺ : (لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر). لكن الرسول لما جاءه وفد ثقيف وكان معهم أجذم، فأرسل إليه النبي ﷺ فقال: (ارجع إلى وطنك فقد بايعناك) معناه: لا يرغب في مقابلته ﵊، وفي الأثر: (فر من المجذوم فرارك من الأسد).

стр. 1929

الحياة الطيبة السعيدة بين الزوجين كلام الشيخ حامد المصلح: شكر الله لكم وأثابكم ووفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه. نعم في الحقيقة أن أسباب المشكلات كثيرة بلا شك، فلكثرتها أخذ الشيخ حفظه الله بعضها، وكذلك منها المخالفات الشرعية التي تكون سبباً أيضاً لهذه المشكلات، فمنها: أن تخرج المرأة من بيت زوجها من غير إذنه، كما لا يخفى بأن هذا الأمر محظور ولا يحل لها ذلك، فحينئذ يكون الخلاف بين الزوجين، ولا شك أن الذي ينبغي بل يجب على الجميع أن يمتثلوا أمر الله ﵎ في كل شيء، فلو حكموا كتاب الله جل وعلا، وسنة النبي ﷺ لذهبت تلك الأمور. والآن ننتقل إلى فضيلة الشيخ سعيد حفظه الله، ويحدثنا أثابه الله عن الحياة الطيبة السعيدة بين الزوجين، وأهمية قيامها على التفاهم والمودة والرحمة، فليتفضل مشكوراً مثاباً جزاه الله خيراً. كلام الشيخ سعيد بن مسفر: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أيها الأحبة في الله! الزواج سنة من سنن الأنبياء والمرسلين، جعله الله آية من آياته الدالة عليه، يقول في سياق عرض الآيات والدلالات التي تدل على الله في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١]. وجعله النبي ﷺ سنة، وعمل بها، وحث عليها، ونادى وأمر بها، يقول ﵊ في الصحيحين: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج -الباءة: النفقة- فإنه أغض للبصر) أغض هنا من أفعل التفضيل، أي: أفضل ما تغض به طرفك هو الزواج (وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) وفي الصحيحين أيضاً: أن النبي ﷺ دعا أصحابه حينما ذهب بعضهم إلى أزواج النبي ﷺ وسألوا عن عبادته، فكأنهم تقالوها، لما أُخبروا عن عبادة النبي ﷺ ، قالوا: وأين نحن من رسول الله ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فكأنهم رأوا أن يزيدون، ليس كما يفعل بعض الناس الآن، يضيع الدين وإذا قلت: هذه سنة رسول الله ﷺ قالوا: أين نحن من رسول الله ﷺ ، تريد أن أكون مثل الرسول ﷺ ، أولئك لهم نظر أبعد، يقولون: نحن نزيد على ما كان يتعبد له النبي ﷺ ؛ لأن الرسول ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ونحن لم يغفر لنا، أجل سوف نزيد، وهذه الزيادة خطأ؛ لأن أكمل الهدي هديه، وخير الدين دينه، وهو أعبد الناس وأعرف الناس بربه، فقال واحد منهم: أما أنا فلا أفطر أبداً -أي: يصوم الدهر- والآخر قال: وأنا لا أنام أبداً -أي: يقوم الليل- والثالث قال: وأنا لا أتزوج النساء أبداً -أتبتل وأنقطع في العبادة ولا أنشغل عن ربي بشيء من الدنيا وشهواتها، ومن أعظم مشاغلها النساء- فلما سمع النبي ﷺ بهذه المقالة نادى أصحابه وقال: (ما بال أقوام يقولون ويقولون، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له وأعلمكم به، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد.

стр. 1930

تنظيم العلاقة الزوجية إن الله شرع الزواج لتنظيم العلاقة الزوجية، حتى يستمر النسل البشري؛ لأن الله أراد أن يعمر الكون بالإنسان ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] وهذا الإنسان مهمته العبادة، ولا يمكن أن يكون الإنسان إلا عن طريق التوالد، والتوالد يأتي عن طريق لقاء الرجل بالمرأة، وهذا اللقاء إن لم يكن لقاءً منظماً بالزواج أصبح لقاءً فوضوياً همجياً -مثل بعض الحيوانات والبهائم- فشرع الله الزواج، وركب في الرجل ميلاً إلى المرأة وركب في المرأة ميلاً إلى الرجل، قال : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران:١٤] إلى آخر الآيات، ثم جعل هذا العمل رغم أنه شهوة جعله عبادة، يقول ﵊: (وفي بضع أحدكم صدقة) فاستغرب الصحابة، وكانوا يظنون كما نظن أن العبادة والحسنات إنما تأتي عن طريق العمل الصالح، مثل: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، والدعوة، والأمر بالمعروف، وسائر الطاعات، أما أن يأتي الرجل زوجته ويكون له أجر! وهو شي من المباحات والعادات! قالوا: (يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه؟ قالوا: نعم. قال: فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر). فإتيان الرجل لزوجته رغم أنه يمارس معها عملاً شهوانياً بحتاً، إلا أنه إذا أحسن النية أصبح عبادة، كأنه يصلي ويصوم ويتصدق.
следующие страницы →