Полный текст (2 982 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
الأسئلة
.
стр. 2102
حدود مسئولية الأب في حماية الأسرة من مشاهدة الأفلام
السؤال
لدي رغبة في إقناع أهلي وأبنائي وبناتي بأضرار الأفلام؛ ولكن يوجد عند جيراني وأقاربي تلك الأفلام، وربما يذهب من أريد إقناعهم إلى أولئك الجيران فيشاهدون تلك الأفلام، فيذهب ما وصلتُ إليه من إقناع، فما هو الحل؟
الجواب
إذا حصل الإقناع للأولاد وللزوجة، فمعناه: الرفض لهذه الأفلام سواءً كانت في بيتك، أو في بيت جيرانك أو في بيت أقاربك؛ لكن يبدو أن الذي حصل عندك الأمر فقط، فالأمر شيء والإقناع شيء آخر، قد يأمر الإنسان بإبعاد هذه الأشياء مع بقاء الرغبة في نفوس أهل البيت فيها، فمطلوب منك أن تمنعها سواءً رغبوا أم لم يرغبوا، لكن إذا حصلت القناعة فهي أفضل، وإذا لم تحصل القناعة عندهم وقد حُلت بينهم وبين الفساد، ثم ذهبوا إلى الجيران أو إلى الأقارب وسمعوها وأنت لا تعلم فقد برئت ذمتك، ولستَ بمسئول؛ لأن مسئوليتك في حدود بيتك، أما بيوت الناس فالناس هم المسئولون عنها، ولكن ينبغي أن تنصحهم أيضاً، وأن تقلل الزيارة لمثل هذه البيوت، أو تمنعها بالكلية إذا كان ذلك ممكناً، لكن إذا كان لا بد من زيارة الأقارب، ولا شك أنه لا أحد يستطيع أن يقطع أهله ولا أقاربه، فلتكن في أوقات لا يكون فيها أفلام، كبعد العصر، أو في الصباح، ولمدة بسيطة، كربع ساعة أو نصف ساعة، ثم تأخذ أهلك وعيالك ثم تركب سيارتك وتمشي؛ حتى لا يؤدي بقاؤهم إلى شيء من التعارض مع ما سبق أن وجهتهم به.
стр. 2103
مشاهدة المرأة للرجل في أفلام المصارعة خطر عليها
السؤال
لو قلنا للشباب: إن هناك مصارعة للنساء في التليفزيون، فماذا يكون موقف الشباب وهم ينظرون إلى النساء وهن عاريات؟ إذاً: ما موقف النساء وهن ينظرن إلى الرجال في المصارعة الحرة وهم عراة، وقد سُئلَتْ إحدى الفتيات عن المصارعة، فقالت: إن أكثر النساء يحرصن عليها، ويتمتعن بالنظر إليها؟
الجواب
حقيقة، هذه من الأشياء التي ينبغي أن يحول الإنسان بين أهله وبينها، أن تنظر المرأة إلى الرجال؛ لأن المصارع إنسان ذو قوة في جسده، وذو عضلات مفتولة، وذو جسم صحيح، فإذا رأتْه المرأة وكانت قليلة إيمان ودين، فإنها تفتتن به؛ لأنها ربما تنظر بعده إلى زوجها، وإذا به مثل المشمشان، لا عضلات، ولا جسم، ولا شيء، ثم تجري مقارنة بينه وبين ذاك، وتقول: أين هذا من ذاك؟! فتكره زوجها؛ لأنها تظن الرجال كلهم مثل هذا المصارع، فما ينبغي لك أن تسمح لزوجتك بأن تنظر إلى المصارعة الحرة، ولا ينبغي أيضاً -إن شاء الله- أن تكون هناك مصارعة للنساء، فهذه آخر الموديلات، أن يكون هناك مصارعة نساء والعياذ بالله.
стр. 2104
حكم الغناء
السؤال
ما حكم الغناء، مع العلم أنه يكثر في مجالس المسلمين، وفي سياراتهم، وفي بيوتهم؟
الجواب
حكم الغناء كما وضَّح أهل العلم من الأدلة الشرعية في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ هو التحريم، وهناك مؤلفات كثيرة، وأشرطة منتشرة تسوق الأدلة الواضحة من الكتاب والسنة، ومن أقوال السلف، ومن أقوال الأئمة -أئمة العلم- على أن الغناء حرام.
أما من القرآن: فيقول الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً﴾ [لقمان:٦] وأقسم عبد الله بن مسعود وقال: [والله الذي لا إله إلا هو أن لهو الحديث في هذه الآية هو الغناء].
ويقول الله عن الشيطان: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء:٦٤] قال العلماء: صوت الشيطان هو المزامير والأغاني.
والله يقول: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٥٩ - ٦٢] سامدون، أي: مُغَنُّون، فالسمود في لغة العرب يعني: الغناء، يقول الرجل لجاريته: اسمدي لنا يا جارية.
أيضاً: وردت الأحاديث الصحيحة في سنة النبي ﷺ ، منها حديث في صحيح البخاري، يقول ﵊: (ليكونن من أمتي أقوام في آخر الزمان يستحلُّون الحِرَ، والحرير، والخمر، والمعازف).
وحديث صحيح في السنن: (أن النبي ﷺ كان يسير مع ابن عمر في طريق، فسمع مزماراً لراعٍ، فأمره، فوضع يديه في أذنيه، وما زال يقول لـ ابن عمر: أتسمع؟ أتسمع؟ حتى إذا قال: لا أسمع، أبعد يديه ﷺ عن أذنيه).
ووردت أحاديث ليست في الصحاح، وإنما هي في السنن، وفي الضعفاء ولكنه يُحتج بها، منها: ما روى الترمذي والحديث ضعيف أنه ﷺ قال: (إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء، فلينتظروا ريحاً حمراء، وزلزلة وخسفاً ومسخاً منها: إذا كان المغنم دولاً، والأمانة مغرماً، والزكاة مغنماًَ، وأطاع الرجل زوجته وعقَّ أمه، وأدنى صديقه وأقصى أباه، وتُعلَِّم العلم لغير الدين، وارتفعت الأصوات في المساجد، وظهرت القينات والمعازف، وأُكرم الرجل مخافة شره، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فلينتظروا عند ذلك ريحاً حمراء وزلزلة وخسفاً ومسخاً).
ومنها أيضاً: حديث ضعيف ولكنه يُحتج به؛ لأنه يؤيده من الأحاديث القوية ما يسنده، منها: قوله ﷺ : (من استمع إلى مغنٍّ أو مغنية صب الله في أذنيه الآنك يوم القيامة) أي: الرصاص المذاب.
هذه وغيرها من الأدلة الكثيرة كلها تحرم الأغاني والمزامير؛ لأنها من اللهو المحرم، الذي يصد عن ذكر الله، والذي يحرض على الزنا، والذي يدعو إلى الفساد.
أما كونه منتشراً في كثير من بيوت المسلمين: فلا يُستغرَب ذلك؛ فإن الخير والشر موجود إلى يوم القيامة، ولكن -والحمد لله- نلمس ونسمع الآن أن الشر هذا بدأ يتلاشى في كثيرٍ من الأسر، وأنتم تسمعون الآن في السيارات عندما تقفون عند الإشارات، بعد أن كنتم تسمعون كل الإذاعات في السيارات تشتغل على الأغاني، تسمعون الآن -من فضل الله- سيارة فيها قرآن، أو سيارة فيها شريط إسلامي، وربما تسمع سيارة أو سيارتين فيها أغاني؛ لكن صاحب الأغاني تجده يرخيها، ويتستر بها، ويخجل منها، أما صاحب القرآن فيرفعه معتزاً، وفخوراً بأنه يسمع كلام الله، وكلام رسول الله ﷺ .
ونسأل الله أن يزيد المسلمين تبصيراً، وهداية في أمور دينهم، وأن يتركوا هذا الشر، وهذه الأمور التي جربها الناس كثيراً فلم يجنوا منها شيئاً، يقولون: هي دقدقة فقط لا غير، فبعض الناس يظل يغني حتى يؤلمه رأسه، ثم ماذا بعد ذلك؟ والله لا شيء، أولها: سخط الله، وآخرها: جهنم -والعياذ بالله- بدؤها من الشيطان، وعاقبتها سخط الرحمن، يقول ابن القيم:
برئنا إلى الله من معشر بهم مرض من سماع الغنا
فعشنا على سنة المصطفى وعاشوا على دَنْدَنا دَنْدَنا
والله أعلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2105
نعمة الإيمان
إن نعم الله كثيرة لا تحصى، ومن أهم النعم التي أنعم الله بها علينا نعمة الإيمان، الإيمان الذي به ننال مرضاة الله ، وبه ندخل الجنة، وبه النجاة من النار وقد تحدث الشيخ عن الإيمان مبيناً ثمراته وآثاره، ثم تكلم عن حقيقة الإيمان، وأنه اعتقاد وقول وعمل، ذاكراً بعد ذلك وسائل تقوية الإيمان والحصول عليه.
стр. 2106
حقيقة النعمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، سيدنا وحبيبنا وإمامنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثره وسار على دربه واتبع شريعته ودعا إلى ملته.
أما بعد: فسلام الله عليكم -أيها الأحبة- ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله جميع أوقاتكم، وأسأل الله كما جمعنا في هذا المكان الطاهر، وفي هذه الليلة المباركة، وبعد أداء هذه الفريضة، وجمعنا على ذكره وعبادته بمنه وكرمه ورحمته، أسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجمعنا في جناته جنات النعيم، وآباءنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا وزوجاتنا وذرياتنا، وجميع إخواننا المسلمين برحمته إنه أرحم الراحمين.
أيها الأحبة: كلمة النعمة أخذت مفهوماً مغلوطاً وخاطئاً، إذ أنها إذا ذكرت لم يتبادر إلى أذهان الناس إلا النعم المادية؛ نعمة المال، والعافية في الأبدان، والزوجة والأولاد، والوظيفة، والعمارة، والمزرعة، والأموال، هذا هو مفهوم النعمة عند الناس، وهذا المفهوم غير صحيح، إذ أن هذه الأشياء التي نظنها نِعَمٌ هي في مفهوم الشرع متاع، يقول الله : ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ [غافر:٣٩]، ويقول عن الكفار: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات:٤٦]، ويقول عنهم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢]، ويقول : ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً﴾ [لقمان:٢٤] أي: في هذه الدار المحدودة القليلة ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان:٢٤].
أما النعمة في نظر الشرع فليست هذه الأشياء، إنما هي نعمة الإيمان والدين والقرآن والهداية، من أنعم الله عليه بهذه الأشياء فقد أنعم عليه بأعظم نعمة في الدنيا والآخرة، ولو لم يملك مالاً، ولو لم يحتل منصباً، ولو تعسرت عليه جميع أمور الدنيا؛ لأن هذه الدنيا ليست بشيء
فليست هذه الدنيا بشيء تسرك حقبة وتسوء وقتا
وغايتها إذا فكرت فيها كفيئك أو كحلمك إن حلمتا
وتطعمك الطعام وعن قليلٍ ستطعم منك ما منها طعمتا
تفر من الهجير وتتقيه فهلا من جهنم قد فررتا
ولست تطيق أهونها عذاباً ولو كنت الحديد بها لذبتا
هذه الدنيا نسبتها إلى الآخرة ضئيلة جداً، جاء ذلك في حديث صحيح عن النبي ﷺ يقول فيه: (ما الدنيا في الآخرة -أي: ما نسبة الدنيا إلى الآخرة- إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم -أي: في البحر- ثم ينزعها) أدخل إصبعك في البحر وانزعها، وضع تحتها صحناً وانظر بم ترجع، إنها سترجع بقطرات، هذه القطرات هي نسبة الدنيا، وذاك المحيط هو نسبة الآخرة، أجل ليست شيئاً وأهل النار إذا دخلوا النار يخبر الله عنهم أنهم يقسمون يقول : ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم:٥٥] وتسألهم الملائكة: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٣] ليسوا متأكدين، ﴿فاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:١١٣ - ١١٤].
إذاً: النعمة الحقيقية نعمة الدين، يقول في آيات كثيرة في القرآن: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦٩]، هذا هو الذي أنعم الله عليه، من هو؟ الذي أطاع الله وأطاع رسوله ﷺ ، ومن هم الذين أنعم الله عليهم؟ إنهم أربعة أصناف: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٩ - ٧٠]، أي: هذه النعمة والفضل أن يجعلك طائعاً وعابداً له، وينعم عليك كما أنعم على هؤلاء الأصناف الأربعة: النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، ومَنْ غير هؤلاء؟ بقي اليهود، والنصارى، والفسقة، والعصاة، والمجرمون، والمنافقون، والكفار، والمشركون، ولماذا لم ينعم الله على هؤلاء؟ لأن هؤلاء مغضوب عليهم، ولهذا أمرنا الله وفرض علينا في كل صلاة من صلواتنا بل في كل ركعة أن نسأله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط مَنْ؟ قال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧]، اللهم اسلك بنا صراطهم يا رب العالمين ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] انتبه! فإنك في كل صلاة تقول: يا رب لا تسلك بي طريق المغضوب عليهم، وهم اليهود ومن شابههم ممن علم ولم يعمل، يقول سفيان بن عيينة ﵀: من تشبه من العلماء باليهود ولم يعمل ففيه شبه من المغضوب عليهم، أي شخص يعرف دين الله ولا يعمل به فإن الله يغضب عليه كما غضب على اليهود؛ لأنهم كانوا يعرفون هذا الدين كما قال : ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ [الأنعام:٢٠]، ويقول الله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ [البقرة:٨٩] الدين معروف عندهم، ﴿كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩]، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩] فغضب الله عليهم.
﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] من هم الضالون؟ هم الذين يعبدون الله على جهل وضلال، وعلى غير هدى من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهؤلاء كثيرون جداً، أصحاب الطرق الصوفية يعبدون الله، تجد مع الواحد منهم مسبحة يسميها الألفية، وبعض المسابح الحبة فيها كبيرة ويطقطق بها ما هذا؟ قال: أسبح، من قال لك أن هذا تسبيح؟ وقد كنت وأنا أبحث في هذه المسألة في رسالتي (الدكتوراه) وكانت عن التصوف، فقرأت كلاماً لواحد منهم وهو يقول: لقد منَّ الله عليَّ بأن ذكرت ربي في جلسة واحدة مائة ألف مرة بذكر خاصة الخاصة لأن عندهم تصنيفاً للناس، هناك عوام العوام، أنا وأنت ذكرنا ليس شيئاً، لا إله إلا الله، أما هم فيقولون: لنا ذكر خاص ذكر الخاصة، وهو ذكر الله باللفظ المفرد: الله الله الله الله، الله كلمة فقط، لكن أين الصفة التي معها؟ هذه لا تفيد ذماً ولا مدحاً، وليس في الدين كله ذكر الله ﷻ بالاسم المفرد، لا يوجد إلا سبحان الله، الحمد لله، الله أكبر، لا إله إلا الله، إنا لله وإنا إليه راجعون، لابد من شيء مع الكلمة، هم يقولون: لا، الله فقط، لا نقول شيئاً غير هذا، لماذا؟ قالوا: هذا ذكر الخاصة.
أما خاصة الخاصة، وهم: الناس الذين يقولون عنهم: وَصَلَ، أي: وصلوا إلى جهنم، فهم مستعجلون عليها! قالوا: هؤلاء ذكرهم فقط هو ذكر الضمير، يقول: أنا لن أقول مثل قول العوام: لا إله إلا الله، ولا الخاصة الذين يقولون: الله، أنا أقول: هو هو هو هو، مائة ألف مرة، فقلت: أجرب كم سأستطيع أن أقولها، فقلتها تقريباً عشر مرات وإذا بي صرت أنبح مثل الكلب، من الذي يقول: هو هو هو؟ إنه الكلب، هذا ذكرهم، زين لهم سوء أعمالهم فرأوه حسناً، هؤلاء يعبدون الله على جهل وضلال، ولا يقبل الله منهم عبادة إلا بشرطين: الشرط الأول: الإخلاص؛ أن يكون العمل خالصاً، وهذه متوفرة عندهم، نعرف أنهم مخلصون ليس عندهم رياء.
لكن الشرط الثاني معدوم عندهم، وهو: المتابعة لرسول الله ﷺ .
وهذان الشرطان مأخوذان من كلمة التوحيد.
стр. 2107
أهل الإيمان هم أهل النعمة
أيها الإخوة: الذين أنعم الله عليهم هم أهل الإيمان والدين، وقد أنعم الله على رسوله ﷺ بأعظم نعمة وقال له: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح:١ - ٢]، ما هي النعمة التي أتمها على نبيه؟ أهي نعمة الأكل؟ لا، فقد مات ولم يشبع من طعام البر، اللهم صلِّ وسلم عليه، بل مات ودرعه مرهون في ثلاثين صاعاً من شعير عند يهودي، الشعير الذي نجعله الآن علفاً للبهائم، هذا الذي كان يأكله ﷺ ، ولم يكن موجوداً بكثرة إنما بالدين، وكان يدخل الهلال والهلال والهلال شهران وثلاثة أشهر، ستون يوماً، ولا يوقد في بيوت آل محمد نار، نحن الآن بيوتنا تشتعل ناراً، كل بيت فيه موقد وفيه ست عيون، وكل عين تلتهب بالقدور، لكن هل هذه نعمة؟ لا! بيت محمد لا يوجد فيه نار لكن فيه نور وهدى، من بيت محمد ﷺ انطلقت معالم الإنسانية والهدى والنور على العالم كله.
((وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ)) [الفتح:٢].
بماذا؟ بالملابس؟ بالفرش والكنبات؟ لا.
إنه ﷺ كان ينام على الحصير، حتى قام يوماً وقد أثر الحصير -هذا الحصير الذي من سعف النخل- أثر في جنبه، فرآه عمر فبكى، وقال: (يا رسول الله! ذكرت ملوك العرب والعجم وما هم فيه من النعم، وأنت أعظم خلق الله وأفضل خلق الله، ليس عندك فراش يا رسول الله! قال: يا عمر! ما لي وللدنيا، ما أنا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها، ألا يرضيك يا عمر أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟) ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً﴾ [القصص:٨٣].
أما قصوره ﷺ (وفلله)، وغرف نومه، ومساكنه ومجالسه، فكانت حجرات ضيقة تحددها الأحاديث في صحيح البخاري، تقول عائشة: (كان ﷺ يقوم الليل، فإذا سجد كففت قدمي وإذا وقف مددتهما)، لا تكفي الغرفة لشخص واحد يصلي وآخر راقد، أما غرفنا نحن اليوم فإنها غرف طويلة عريضة، شخص من أقاربي أدخلني في (فيلة) بناها، وذهب يريني غرفة النوم فإذا بها عشرة في عشرة، قلت: ما هذه؟ قال: هذه غرفة نوم، قلت: لماذا هل عندك سباق؟ أنت لست بحاجة إلى غرفة بهذا الحجم، أنت تريد أن ترقد أو تطارد؟ قال: أنا أريد أن أتوسع، قلت: والقبر ماذا عملت له؟ هل وسعته؟ قال: يا شيخ! تلك لم يأت وقتها بعد.
والله إنها مصيبة في ذلك اليوم، إذا أخرجوك من بيتك وأنت منكوس رأسك إلى تحت، ووضعوك في الحفرة عندها ماذا ستقول؟ هل ستقول: لم يأت وقتها بعد؟! النبي ﷺ كانت نظرته أبعد من هذه الحياة، ولذا أنعم عليه، يقول الله : ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:٦ - ١١] أي: بدين الله وهداه.
وأنعم الله على الصحابة، يقف رسول الله ﷺ بـ عرفة في حجة الوداع فينزل عليه قوله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣]، ما هي النعم التي أتمها على الصحابة؟ إنها نعمة الدين ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]، ويقول للصحابة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٧ - ٨] فضل ونعمة أن الله يجعل قلبك مشروحاً للدين، مفتوحاً للإيمان، يحب الإيمان والصلاة والصوم والذكر والعبادة؛ لأن هناك أناساً حُرِمُوا هذه النعمة، فأسوأ شيء عندهم طاعة الله، وأكره صوت عندهم الأذان، وأسوأ منظر عندهم أن يروا عالماً أو داعية أو مسجداً، وإذا دخل المسجد ضاق؛ لأنه كره إليه الإيمان، محروم من نعمة الهدى والنور.
أجل يا أخي! النعمة الحقيقية نعمة الإيمان، قد يقول قائل من الناس: لماذا؟ قال العلماء: إنما تعرف النعم بآثارها، الناس اليوم يسمون المال نعمة، قالوا: لأن الذي عنده مال يستريح، يستطيع أن يشتري سيارة، ويعمر عمارة، ويتزوج بزوجة، ويأكل من كل ما لذ وطاب، ويكتسي ويفرش، هو مستريح أربعة وعشرين ساعة، أجل أنا في نعمة بالمال والمال نعمة في الدنيا، هذا صحيح، لكن إذا مت هل ينفعك المال؟ لا.
لا ينفع الإنسان في قبره إلا التقى والعمل الصالح
يا من بدنياه اشتغل وغره طول الأمل
وقد مضى في غفلة حتى دنى منه الأجل
الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل
ما الذي ينفع في القبر؟ الإيمان والعمل الصالح، مثل الذي بنى هذا المسجد ينفعه بعد الموت، أسأل الله أن يجعل لمن بناه بيتاً في الجنة، والله هذا هو العمل الصالح وهذه هي التجارة الرابحة مع الله، لكن القصر الذي أبنيه أو البيت لن ينفعني إلا إذا عمرته بذكر الله، ولم أدخل فيه معصية لله، وكان مملوءاً بالطاعات، وإذا عمرته بالمعاصي وأدخلت آلات المعاصي، كانت العمارة والبيت وبالاً عليَّ في الدنيا والآخرة.
стр. 2108
ثمرات الإيمان وآثاره
أيها الإخوة: إن نعمة الإيمان أعظم نعمة؛ لأن أثرها بعيد المال ينفعك في الدنيا لكن لا ينفعك بعد الموت المنصب ينفعك في الدنيا لكن إذا مت لن تدخل بمنصبك الأولاد والزوجات ينفعون في الدنيا لكن لن ينفعوك عند الموت، وإنما يتركونك ويذهبون، فالذي ينفعك في الدنيا والآخرة هو الإيمان والعمل الصالح.
ويظن بعض الناس أن الإيمان ينفع فقط في الآخرة، وأن الإيمان والدين يضيق على الإنسان، ويحرم الإنسان من لذائذ الحياة، ولذا تجد الواحد منهم يقول: الآن أشبع وبعدها الأمر سهل.
لا، إن الإيمان -يا أخي- لا ينفعك في الآخرة فقط، وإنما تسعد به في الدنيا والآخرة، وقد يقول قائل: كيف أسعد بالإيمان في الدنيا؟ اسمع آثار الإيمان عليك في الدنيا:
стр. 2109
معرفة الهدف والغاية من وجود الإنسان
إن الإيمان يقدم لك -أيها الإنسان- التفسير الحقيقي لهذه الحياة، هذه الحياة -أيها الإخوة- لغز محير حارت في فهمه العقول، وعجزت كل النظريات والفلسفات أن تعرفه، وعاش الإنسان في عذاب وشقاء، وهو لا يدري من أين جاء؟ ولا يدري لماذا جاء؟ ولا يدري إلى أين بعد أن يموت؟ حتى قال شاعر الكفار:
جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت
وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت كيف جئت؟ كيف سرت؟
كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري ولماذا؟ لست أدري لست أدري!!
تصوروا شخصاً يقطع رحلة العمر كلها وهو لا يدري لماذا يعيش! أنت الآن لو كنت مسئولاً في الأمن أو في المرور ورأيت سيارة على طريق الدمام، وأوقفت السائق وقلت له: من أين أتيت؟ قال: لا أدري، قلت: أين أنت ذاهب؟ قال: والله لا أدري، لماذا تمشي؟ قال: والله يا أخي لا أدري، ما هو رأيك هل تسمح له بالمشي؟ لا.
وإنما تقول له: توقف، فإن هذا أحد رجلين: إما مجنون، أو سكران، وهل يسمح للمجنون والسكران أن يسير في الطريق العام؟ لا، لماذا؟ لأنه سيسبب كارثة للناس، هذه رحلة ثلاث ساعات إلى الدمام، يمنع أن يمشي الشخص فيها وهو لا يدري أين يمشي، فقولوا لي بربكم: من يقطع رحلة العمر ستين سنة أو سبعين سنة وهو لا يدري لماذا يعيش! ولا يعرف من الدنيا إلا كما يعرف الحمار! لو سألنا الحمار وحققنا معه وقلنا: يا حمار! لماذا تعيش هنا؟ لقال: لآكل وأشرب وأرقد، وإذا رأى الأنثى رفع أذنيه وأسرع نحوها، هذه حياة البهائم، بعض البشر الآن يعيش بعقلية الحمار، يأكل ويشرب وينام وإذا رأى الأنثى أسرع، ما رأيكم هل هذا إنسان؟! ما الفرق بين الاثنين؟ ليس هناك فرق، ولهذا الله يقول: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] ليته كالأنعام بل هو أضل من الأنعام، هذا كلام الله يا إخواني.
فالإيمان يقدم لك التفسير ويعلمك من أنت؟
دواؤك فيك وما تبصر وداؤك منك وما تشعر
وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
أنت أكرم مخلوقات الله، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأمرك بطاعته ونهاك عن معصيته، وأنزل عليك كتبه، وبعث إليك رسله، وهيأ لك جنته، وحذرك ناره، أي تكريم أعظم من هذا التكريم؟! وتترك هذا كله وتذهب إلى الشيطان وتعبده وتطيعه، إنها والله خسارة كبيرة.
فأول شيء من آثار الإيمان أن الإيمان يعلمك لماذا جئت.
стр. 2110
حصول الأمن والطمأنينة
بالإيمان يحصل لك الأمن والطمأنينة، والله لا يسكن القلب ولا تستريح النفس في الدنيا، ولو تمتعت بجميع متعها ولذائذها، والله لا تستريح إلا بالإيمان، والذي لم يجرب فليجرب؛ لأن الله يقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] فلا تطمئن القلوب بالأموال، ولا بالأكل، ولا بالزوجات، ولا بالسيارات، ولا بالعمارات، انظروا إليهم في أوروبا الآن، الكفار يعيشون قمة الحياة في الأمور المادية، لكن هل حققت لهم المادة سعادة؟ يعيشون أسوأ عيشة؛ الانتحار الأمراض النفسية التفكك الأسري التحلل الاجتماعي الجنون المسرحي والتمثيلي والكروي، الفساد العام، بسبب ماذا؟ بسبب بعدهم عن الإيمان؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] معيشة ضنكاً ولو عنده (مليارات) لماذا؟ لأن الأموال ترفه عن الجسد، أما القلب فماذا سيضع له؟ يدخل له (شيكاً)، أو يجعله في (فيلة) أو يعطيه طعاماً خاصاً؟ لا، القلب له طعام آخر، من السماء، إنه الإيمان، دخل إلى القلب فاطمئن ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:٢٨].
стр. 2111
ضبط المسار وتحديد الاتجاه
بعد ذلك الدين يضبط مسارك ويحدد اتجاهك في الحق؛ في الصلاة والزكاة والصوم، في العمل الصالح، في وظيفتك ومصلحتك وشئونك، وإذا دعيت إلى منكر فإنك تقول: لا، من الذي جعلك تقول لا؟ إنه الإيمان، ولو لم يكن عندك إيمان لعصيت، ولذا نرى الذين وقعوا في الجرائم لو ذهبت إليهم في السجون وقلت للواحد منهم: ماذا عملت؟ لقال: أنا قاتل، لماذا قتلت؟ قال: الشيطان، يجعلها على إبليس ولا يلوم نفسه، والثاني روج للمخدرات لماذا تروج هذا الداء الوبيل الذي يفتك بالأُسَرِ، ويقضي على الإنسانية؟ قال: الشيطان، والثالث يسرق لماذا تسرق؟ قال: الشيطان، وذاك زنى لماذا تزني؟ قال: الشيطان، متى تسلط عليهم الشيطان؟ عندما ابتعدوا عن الإيمان؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النحل:٩٩] الشيطان لا يتسلط على المؤمن أبداً؛ لأن المؤمن ينظر بنور الله، وإذا جاءه الشيطان عرض أمر الشيطان على الإيمان فرأى أنه باطل، فلا يأتيه أبداً حتى ولو دعي، لكن الأعمى الذي ليس عنده إيمان يلعب عليه الشيطان، ويقوده حتى يوقعه، أوقعه في المعصية تخلى عنه.
أجل إن أعظم شيء يسعدك في الدنيا هو الدين والإيمان؛ لأنه يحميك.
стр. 2112
ولاية الله للعبد
من آثار الإيمان: أن الله يتولاك في جميع شئونك، يقول الله : ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢٥٧] أما ترضى -يا أخي- أن يكون الله وليك؟! يرزقك من حيث لا تحتسب، يجعل لك من كل عسر يسراً، ومن كل ضيق فرجاً، ومن كل همّ مخرجاً، يتولاك الله ، يقول في الحديث القدسي، والحديث ذكره ابن القيم في الجواب الكافي، يقول الله: (وعزتي وجلالي ما اعتصم عبد من عبادي بي فكادته السماوات والأرض إلا جعلت له منها مخرجاً، وعزتي وجلالي ما اعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني إلا أسخت الأرض من تحت قدميه، وقطعت عنه أسباب السماء ثم لا أبالي في أي وادٍ هلك) أترضى هذه العيشة؟!
стр. 2113
التثبيت بالقول الثابت في الدنيا والآخرة
تأتيك آثار الإيمان بعد الموت، إذا كنت في سكرات الموت فإن الدنيا كلها ترفضك، والإيمان يقول: أنا معك، ويثبتك الله بالقول الثابت ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم:٢٧] لم يقل: يثبت التجار أو العظماء أو الأثرياء، وإنما يثبت الله الذين آمنوا في تلك اللحظات الحرجة، التي تزيغ فيها الأبصار من هول الموقف، والإنسان يرى ملائكة العذاب أو النعيم، وهو يعالج سكرات الموت فيثبته الله فيقول: لا إله إلا الله، هذه الكلمة، وقد جاء في الحديث الذي في سنن النسائي وابن ماجة وأبي داود والترمذي بسند صحيح: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) من يقولها عند الموت؟ الذي ثبته الله عليها في الحياة، وبعد ذلك تدخل القبر فيجعل الله قبرك روضة من رياض الجنة، ويثبتك ويلهمك حجتك، إذا سئلت: من ربك؟ قلت: ربي الله ما دينك؟ ديني الإسلام من نبيك؟ نبيي محمد ﷺ ، من الذي ثبتك وأنت في القبر؟ إنه الله ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم:٢٧] اللهم ثبتنا يا مولانا بالقول الثابت في الدنيا والآخرة.
يوم القيامة يخرج الناس من قبورهم، والمعالم الكونية قد تغيرت السماء انفطرت والكواكب انتثرت، والبحار فجرت، والنجوم بعثرت، والشمس كورت، كل شيء متغير، يخرج الإنسان عارياً حافياً، حتى القطعة التي قطعت منه يوم ختن تعود له يوم القيامة، يبعثون عراة حفاة غرلاً بهماً غير مختونين، قد تعلقت قلوبهم بالله ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر:١٨]، القلب ليس ثابتاً قد ارتفع من مكانه ﴿كَاظِمِينَ﴾ [غافر:١٨] مكظوم من قلبه، انظر عندما تدخل الطائرة في مطب هوائي ثم تنزل، كيف سيكون حالك؟ تقول: هه هه! يرتفع قلبك من مكانه من الخوف، فهؤلاء ليس للحظة واحدة، بل طوال وقتهم في الموقف وقلوبهم مرتفعة، يقول الله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨].
في ذلك اليوم إن كنت من أهل الإيمان يظلك الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وتأخذ كتابك بيمينك؛ لأنك من أهل اليمين، وتوزن فترجح موازينك؛ لأن لك وزناً ولك قيمة، عندك توحيد وصلاة وزكاة وعمل، بعد ذلك ترد الحوض فتشرب شربة لا تظمأ بعدها أبداً، وبعد ذلك يقال لك ولأمثالك: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٠ - ٧٢].
هذه آثار الإيمان يا إخواني! ما رأيكم هل هي مفيدة وجيدة أم لا؟ هل إذا آمنت تخسر؟ والله لن تخسر شيئاً، ماذا خسرت؟! خسرت الزنا، وهل الزنا خسارة؟! لا والله، بل تركه كرامة، هل خسرت الخمر، وقلة الدين، وقطع الصلاة، وعقوق الوالدين، والمخدرات؟ هذه كلها محرمة؛ لأن الله لم يحرم شيئاً إلا وفيه ضرر، ولم يبح شيئاً إلا وفيه نفع، الخير كله في دين الله، والشر كله ليس في دين الله، فأنت رابح في الدنيا، ورابح عند الموت وفي القبر والحشر، ورابح يوم تدخل الجنة، لكن عندما تترك الدين أو تضيع من الدين ماذا ستربح؟ تغني، حسناً غني، وماذا بعد ذلك؟ أدخلوك النار، قم واترك الغناء، واعلم أنه ليس بديلاً يا أخي اتق الله! النعمة الحقيقية نعمة الإيمان.
стр. 2114
حقيقة الإيمان
ما هو الإيمان؟ ما دام أن هذا الإيمان له آثار طيبة، فما هو الإيمان؟ الإيمان -أيها الإخوة- ليس كلمة تقال باللسان، ولكنها حقيقة ذات أعباء وتكاليف، كلمة لها قيمتها ووزنها وثمنها، الإيمان عند أهل السنة والجماعة يتكون من ثلاث حقائق: حقيقة لفظية، وحقيقة قلبية، وحقيقة عملية.
الحقيقة الأولى اللفظية هي: الإظهار والإشعار بكلمة الإخلاص وكلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، هذه أول شيء، قبل أن يصلي الإنسان يجب أن يشهد أن لا إله إلا الله، لو صلى بغير (لا إله إلا الله) لم تنفع؛ لأن شروط الصلاة تسعة أولها: الإسلام، وهذا لم يسلم حتى الآن، ولما بعث النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن، قال له: (ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وإذا أراد أي إنسان أن يدخل في الدين، فإن أول شيء أن يعلن كلمة التوحيد، قال العلماء: لأنها عقد يوقعه العبد مع ربه على ألا يعبد إلا الله ولا يتبع إلا رسوله، هذه اتفاقية إذا طبقها طوال عمره فإنه عند الموت سيقول: لا إله إلا الله؛ لأنه طبق الاتفاقية، وإذا كان عند الموت ولم يقل (لا إله إلا الله) فمعنى ذلك أنه لم يطبق الاتفاقية بل نقض العقد.
وقد ذكر ابن القيم قصصاً كثيرة عن أناس ماتوا ولم يقولوا لا إله إلا الله، وفي هذا العصر يخبرنا الثقات عن أقوام قيل لهم قولوا: لا إله إلا الله، فلم يقولوها شخص كان يدخن فلما جاءه الموت قال له الذين كانوا عنده: قل (لا إله إلا الله) وهو يلفظ الروح، قال: هبوا لي دخاناً، يريد أن يشرب الدخان قبل أن يوضع في القبر، قالوا: لا يوجد دخان، سوف تموت، قل (لا إله إلا الله) قال: والله لا أقولها، أنا بريء منها، ثقلت على لسانه هذه الكلمة.
وشاب آخر كان يقود سيارته بسرعة جنونية، ووقع له حادث مروري وقطع (الدركسون) بطنه، وأتوا عليه وهو يلفظ أنفاسه فلقنوه وقالوا: قل (لا إله إلا الله) فقال: هل رأى الحب سكارى مثلنا؛ لأن الشريط كان يغني، وكان طوال الطريق يستمع إلى المغنية وهي تقول: هل رأى الحب سكارى مثلنا، قالوا: قل (لا إله إلا الله) سوف تموت، قال: أعطني حريتي أطلق يدي، ومات على هذه الكلمة؛ لأن من عاش على شيء مات عليه.
إذاً: الحقيقة الأولى اللفظية هي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، تقولها.
الثانية: حقيقة قلبية، وهي أن تعتقد بقلبك بصدق، أن تصدق ما نطق به لسانك؛ لأن من قال: (لا إله إلا الله) وقلبه لم يعتقدها بصدق فهؤلاء هم المنافقون، فالمنافقون قالوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة:٨]، قال الله : ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] إنهم كذابون ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٩] فلا بد أن يتواطأ القلب واللسان، تقول (لا إله إلا الله) بصدق من قلبك أنه لا إله إلا الله، و (لا إله إلا الله) ينتظم فيها التوحيد بفروعه الثلاثة، أي: لا خالق ولا رازق ولا محيي ولا معطي ولا مميت إلا الله، وأيضاً لا معبود بحق إلا الله، فلا تدعو، ولا تذبح، ولا تخشى، ولا ترجو، ولا تستغيث، ولا تستعين، ولا تتوكل، ولا تخاف إلا من الله، و (لا إله إلا الله) تقتضي أيضاً توحيد الأسماء والصفات؛ لأنها متلازمة، أن تثبت الأسماء والصفات لله كما أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله ﷺ كما يليق بجلاله، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تأويل ولا تعطيل، وإنما على حد قوله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
وبعد ذلك محمد رسول الله، الكلمة الثانية هذه لا تتبع أحداً في العبادة إلا رسول الله ﷺ ، ولا تعبد الله إلا بالدليل، لا بالاستحسان، ولا بالهوى ولا بالعادات، ولا باتباع آبائنا ومشايخنا وأوليائنا، إنما قال الله وقال رسوله، هذا هو الدين، والذي ليس عنده قال الله وقال رسوله فليس عنده دين.
الحقيقة الثالثة: حقيقة عملية؛ وهي تأتي برهاناً ودليلاً على صدق ما نطق به اللسان، واعتقده القلب، وهي أعمال الشرع، وذلك مثل الصلاة، فإنها حقيقة لفظية وقلبية وعملية، شخص يقول: (لا إله إلا الله) ولكن لا يصلي هذا نقض إسلامه وإيمانه، وأصبح في نظر الشرع كافراً؛ لأن ترك الصلاة كفر (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)، لا بد من العمل، والعمل جزء من الإيمان، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، بخلاف المرجئة، فإنهم يقولون: العمل ليس له علاقة بالإيمان، لا يضر مع الإيمان ذنب، ولا ينفع مع الكفر عمل، وضيعوا دين الله، وكثير من الناس الآن عقيدته عقيدة المرجئة وهو لا يدري، تجده لا يعمل أي عمل، وإذا قلت له: لماذا لا تعمل؟ قال: يا شيخ! والله أنا قلبي مؤمن بالله.
كنت مرة في زيارة لبعض الدول، وحينما دخلت الفندق سمعت موسيقى صاخبة مؤذية، فنظرت وأنا في المصعد وإذا بالذي يغني في الفندق وعنده أجهزة كثيرة، رجل رأسه أصلع كبير وطويل وعريض وهو يحرك يديه، فذهبت غرفتي وجلست، ولما جاءت الصلاة نزلت لأصلي في مصلى الفندق، ورجعت وإذا بالرجل واقفاً، فدعاني أحد المسئولين الذين استضافوني وأعطيته التذاكر، وإذا بهذا الشخص يسلم عليَّ، فقلت له: أنت الذي كنت تغني بالليل؟ قال: نعم، هل أعجبك؟ قلت له: أنت مسلم؟ قال: نعم أنا مسلم، قلت: هذا الغناء الذي تغنيه هل ينفعك بين يدي الله إذا مت غداً؟ قال: لا والله لا ينفع، اعترف وعلم أن الغناء لا ينفع، قلت: كيف تعيش على حياة تعرف أنها لا تنفعك إذا مت؟ قال: والله يا شيخ أنا قلبي نظيف، قلت: قلبك نظيف فقط، ليس عندك غير القلب النظيف؟ قال: نعم، قلت: أنا وأنت الآن لو مكثنا في الفندق عدة أيام، وأردنا أن نخرج من الفندق بعد ذلك وقالوا: ادفعوا الأجرة، قلنا: لا، قلوبنا مؤمنة بأن هذا فندق، والله أنا مؤمن إيماناً جازماً أن هذا الفندق ممتاز وخمسة نجوم، لكن لن أدفع الأجرة، ما رأيكم هل ينفع هذا؟ سوف يقولون: هات الأجرة أو السجن، وهذا يريد الجنة بقلب نظيف ولم يصل لله ركعة، فانتقلت معه إلى سؤال آخر، قلت: أنت تصلي؟ قال: لا والله لن أكذب عليك، قلت: لماذا؟ قال: إن أمي تصلي، أمه تصلي بالنيابة، قلت: إذا ماتت أمك هل سيضعونها معك في قبرك، أو أنت معها في قبرها؟ قال: لا، كل واحد له قبر، قلت: وكل واحد صلاته له، أم أنه ستخرج أمك من القبر إذا سألوك وتقول: إني أُصلي بدلاً عنه؟ قال: ادع لي يا شيخ، قلت: أسأل الله أن يهديك، وتركته ومشيت، وانقطع الصوت، ولم أعد أسمعه ثلاثة أيام وأنا في الفندق، والرجل جالس ولم يعد يغني، وعندما أردت أن أمشي وأنا أستلم أغراضي من عند موظف الاستقبال، قال لي الموظف: متى تمشي يا شيخ؟ قلت: الآن إن شاء الله، قال: حسناً، قلت: لماذا؟ قال: هذا المغني يا شيخ كل فترة يقول: متى يمشي الشيخ؟ متى يمشي الشيخ؟ إنه مسكين محصور من أجل وجودي، يريدني أن أمشي من أجل أن يرجع للغناء.
هذه هي عقيدة المرجئة، لكن عقيدة الإسلام عند أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.
هذا هو التعريف الصحيح للإيمان.
وإذا نقص من العمل شيء فما هو الحكم؟ هذه مسألة مهمة ينتبه لها طلبة العلم، إذا أنقص شخص من العمل شيئاً، فإن أهل السنة والجماعة يقولون: ننظر إلى الشيء الناقص، فإن كان تركه كفراً مثل الصلاة انتقض إيمانه، وإن كان تركه ذنباً ومعصية -كبيرة كانت أو صغيرة- فهو فاسق بمعصيته مؤمن بإيمانه، داخل الدائرة، لا يصير كافراً، تحت مشيئة الله في الدار الآخرة، وهذا يسمونه في العقيدة: الفاسق الملي، أو صاحب الكبيرة، بخلاف الخوارج والمعتزلة، فإن الخوارج يقولون: إذا ترك الإنسان أي شيء من العمل كفر، وهو في النار في الآخرة، والمعتزلة يقولون: إذا ترك شيئاً من العمل فلا يكفر ولا يبقى مسلماً، إذاً ماذا يصير؟ قالوا: يبقى في منزلة بين المنزلتين، معلق لا كافر ولا مؤمن، أين هو في الآخرة؟ قالوا: في الآخرة هو في النار.
وهذا باطل، والحق ما كان عليه الدليل من كتاب الله ومن سنة رسوله، وهو عقيدة أهل السنة والجماعة؛ لأن الذين وقعوا في الكبائر في عهد النبي ﷺ أقام النبي ﷺ الحدود لتطهرهم، وأخبر أنهم في الجنة، فهذا ماعز جاء إلى النبي ﷺ ؛ بشر مسكين وقع في الغلط، لكن إيمانه مثل الجبال، جاء وقال: (يا رسول الله! إني زنيت فطهرني) لم تأت به الهيئة ولا الشرطة، وإنما جاءت به الشرطة الداخلية؛ القلب الحي المعمور بالإيمان (طهرني يا رسول الله! قال: أبك جنون؟! قال: لا يا رسول الله! قال: لعلك قبلت، لعلك كذا قال: لا والله يا رسول الله! قال: ارجموه.
فقال واحد من الصحابة: لعنه الله! يستره الله ويفضح نفسه، قال: لا تقول هذا، فوالذي نفسي بيده إنه لينغمس الآن في أنهار الجنة).
والمرأة التي جاءت إلى النبي ﷺ فاعترفت بالزنا فرجمها، قال عنها: (لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم).
فمعنى هذا: أن الذي يقع في الذنب لا يكفر، لكن يصير عاصياً صاحب كبيرة وصاحب ذنب، وهو تحت مشيئة الله في الدار الآخرة إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له.
والإيمان يزيد وينقص، وذلك بالعمل، فهل عمل الناس كلهم سواء؟ ليس عمل الناس سواء، أنتم الآن قبل المغرب وجئتم وجلستم في المسجد، في روضة من رياض الجنة، ومجلسكم تحفه الملائكة، وتسمعون كلام الله، فإنه يزداد إيمانكم، أليس كذلك؟ لكن لو أنكم -عافاكم الله وحاشاكم- جلستم في مجلس آخر فيه ضرب عود وطرب، فهل يزيد الإيمان أم ينقص؟ بل ينقص، يخرج كل واحد منكم يبحث ل
стр. 2115
وسائل تقوية الإيمان
بقيت مسألة أخيرة يقول فيها أهل العلم: كيف نحصل على الإيمان؟ ما هي وسيلة الحصول على الإيمان؟ أين يباع؟ في أي سوق؟ في أي صيدلية؟ نقول: الإيمان بضاعة الله يهبه من يشاء اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا لكن له أسباب، فأنت الآن في البيت تقول: اللهم ارزقني يا رب، لكن هل تظل راقداً أم تخرج لتشتغل؟ لو جلست في البيت وقلت: اللهم أنت الله لا إله إلا أنت أعطني قرص خبز وصحن فول هذه الليلة يا رب العالمين، وجلست في البيت، فهل سيأتيك قرص خبز من السماء وصحن فول؟ لا، لا بد أن تتحرك وتذهب إلى صاحب الفول وتعطيه ريالين، وصاحب الخبز تعطيه ريالاً وتأخذ منه، لا بد من الأسباب، بعض الناس تجده على المعاصي وإذا قلت له: يا أخي! اتق الله، قال: يا شيخ! سيهدينا الله يهديك الله وأنت شارد! بعض الآباء الآن يترك ولده نائماً، ولا يوقظه لصلاة الفجر في المسجد، وإذا جاء وقت المدرسة أيقظه، لماذا لا توقظه للصلاة؟ قال: الله يهديه والمدرسة؟ قال: تهديه العصا، لماذا أصبحت المدرسة مهمة أما الصلاة فليست مهمة عنده؟ لماذا لا تتركه بالنسبة للمدرسة وتقول: الله يهديه، يدرس أو لا يدرس؟ لا، المدرسة لها مستقبل وعلم، حسناً والصلاة أليس لها مستقبل ونور وهدى؟ قال: لا، هذا لا زال صغيراً، لا زال صغيراً والرسول ﷺ يقول: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع) وأنت لم تأمره، وصار ابن عشر سنين ولم تضربه إذا لم يصل، وحينها يصير رجلاً وهو لا يصلي، ويأتي الأب يشكو ويقول: ولدي لا يصلي؛ نعم لا يصلي لأنك لم تعلمه وهو صغير، ولم تؤدبه وهو صغير.
أيها الإخوة: الإيمان له عشرة أسباب أذكرها باختصار:
стр. 2116
تلاوة القرآن وحفظه
أول سبب وأعظم سبب تحصل به على أعلى مستوى وأعظم قدر من الإيمان: تلاوة القرآن وحفظه لأن الله جعل القرآن مادة الإيمان، يقول : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]، والقرآن نور، يقول الله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً﴾ [النساء:١٧٤]، ويقول : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة:١٥ - ١٦] أي: طرق الفلاح في الدنيا والآخرة، وما ترون اليوم في عالم الناس من جفاف في القلوب، ومن جمود وتحجر في العيون، ومن جُرأة على المعاصي، ومن كسل في العبادة، سببه الأول والأخير بُعد الناس عن القرآن، بعض البيوت يدخل الشهر ويخرج ولم تقرأ فيه آية أين الأسر التي تجتمع على القرآن؟ أين هم أيها الإخوة؟! يدخل الشخص بيته ويقول: هات القرآن يا امرأة! تعال يا ولد! تعال اقرأ آيتين من القرآن الكريم، وبعد ذلك تأخذ التفسير، لكن الآن يدخل الواحد إلى داره وإذا بشخص ينظر إلى المسلسل، وآخر يستمع إلى الأخبار، وآخر إلى الأغاني والشر نازل من القناة فاتحة الذراعين هكذا، ترحب بالشرور التي تلتقطها وتستقبلها، ويشتريها الواحد منا بعشرة آلاف من أجل أن يفسد أهله بما يسمونه (الدش)، صدقوا! إنه دش مليء بالشر والفضيحة أين القرآن؟ كيف يأتي الإيمان بهذا الأسلوب؟ أول شيء تلاوة القرآن وليست التلاوة هي القراءة التي نقرؤها نحن الآن، التلاوة هي أن تقرأ القرآن كما أنزله الله، تقرأ القرآن على شيخ، تبحث عن معلم للقرآن في أي مسجد، وتجلس عنده وتقول: يا شيخ! أريد أن أقرأ القرآن، والقرآن ليس صحيفة أو كتاباً بل هو كتاب ربك، الله يقول: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل:٤] وترتيل القرآن: هو معرفة مخارج الحروف ومواضع الوقوف، يقول ابن الجزري:
والأخذ بالتجويد حتم لازم من لم يجود القرآن آثم
لأنه به الإله أنزل وهكذا منه إلينا وصلا
وهو أيضاً حلية التلاوة وزينة الأداء والقراءة
وهو إعطاء الحروف حقها من صفة لها ومستحقها
إلى آخر الجزرية فعليك أن تعرف تلاوة القرآن حتى تتلذذ بكلام الله، وبعد ذلك تدبر، كل آية تفكر فيها، ماذا يريد الله؟ وبعد ذلك تحفظ، تبدأ الحفظ من سورة (ق) إلى الناس، هذا اسمه المفصل، وبعدها احفظ البقرة وآل عمران؛ لأن حفظهما -أي: البقرة وآل عمران- بركة يقول ﵊: (البقرة أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة) أي: السحرة لا يقدرون على البقرة، والبيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان، (إن البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كغمامتين أو كغيايتين يستظل بهما صاحبهما يوم القيامة)، فاحفظ البقرة وآل عمران -أقل شيء- والمفصل، وما استطعت عليه من السور، حتى يجعل الله في قلبك الإيمان.
أما إذا لم تحفظ القرآن فمن أين يأتيك الإيمان؟ ما الذي تريده أنت؟ ألست ترجو النجاة؟ يقول الشاعر:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس
فالذي يريد الإيمان يبحث عنه يا إخواني! الآن الذي يريد أن يشتري أرضاً ماذا يعمل؟ تراه يرابط في مكاتب العقار كل عشر دقائق ينتظر، وإذا نظر إلى الجريدة ينظر الإعلانات التي تخص الأراضي، وعمله وهمته الأرض حتى يجد أرضاً، وإذا أراد أن يبني فتراه في الأماكن والعمارات التي لا زالت تبنى، يدخل العمارة هذه وينظر كيف المخطط، وكيف المجلس والغرف، وكيف التفصيل والتشطيب، ويسأل هذا، وأين المهندس الجيد؟ وأين المنفذ الجيد؟ ومن الذي عنده أدوات؟ عمله هذا لأنه يريد عمارة، والذي يريد زوجة تراه يفكر في الزواج، ويسأل ويرسل أمه عند المناسبات والزواج، لتبحث له عن زوجة جميلة، ويقول: دعونا نتزوج والذي يريد الإيمان ما هو رأيكم؟ هل يبحث عنه أم لا؟ يبحث عنه، لكن كيف تحصل على الإيمان؟ عن طريق القرآن أولاً.
стр. 2117
معرفة أسماء الله وصفاته
ثانياً: عن طريق معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى فإن الله عرف نفسه عند خلقه بأسمائه وصفاته وأوضحها في القرآن الكريم، وجعلها تذييلاً مناسباً في أغلب آيات القرآن، والحديث في صحيح البخاري يقول ﵊: (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة)، ما معنى: من أحصاها؟ هل هو من أحصاها عند الجهلة يقول: هو الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ؟ فقط هذا الإحصاء؟ ليس هذا هو الإحصاء، لكن قالوا: من أحصاها أي: من فهمها وعمل بمقتضاها وحققها، هذا هو الذي أحصاها ولو لم يحفظها، وما هو مقتضاها؟ أن ينطبع فيك أثر لكل صفة لله، إذا عرفت أن الله رزاق: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ [الذاريات:٥٨] آمنت بأن رزقك على الرزاق، لكن إذا ذهبت لتبيع الدخان في دكانك، وجاءك شخص وقال لك: الدخان لا يجوز بيعه يا أخي فلا تبعه، وقد تكون ممن يشرب الدخان، يقول بعضهم: لا يا شيخ! الدخان مضر وأنا لا أشربه، لكن والله لا نبيعه إلا لأنه يجلب المشتري؛ بمعنى أنه يرزق، إن الذي يجلب المشتري هو الله، الآن عقيدتك هذه فاسدة، تعتقد أن الدخان هو الذي يأتي بالمشتري، إذاً راجع توحيدك وإيمانك، لا يجلب المشتري إلا الله ، ولا تبع الدخان فإن الذي حرمه حرم ثمنه، ولو أنك ممن تشرب الدخان لكان ذنبك واحداً، لكن عندما تبيع الدخان فما من (سيجارة) تباع من دكانك إلا وعليك إثمها إلى يوم القيامة، تأتي (والكراتين) على ظهرك -والعياذ بالله-، فلا بد من تحقيق الأسماء والصفات.
стр. 2118
دراسة السنة النبوية
الثالث من الأسباب: دراسة سنة النبي ﷺ فإن السنة المطهرة هي الشارحة للقرآن والموضحة له، والمطلقة لما قيد القرآن، والموضحة لما أبهم، يقول ﵊: (أوتيت القرآن ومثله معه) أي: السنة.
وتبدأ بالصحيح حتى تكون ثقافتك الحديثية موثوقة، ولا تكلف نفسك قضية كل حديث ومن أخرجه، ابدأ بكتاب اسمه اللؤلؤ والمرجان في ما اتفق عليه الشيخان؛ هذا الكتاب اكتفى فيه المؤلف بجمع ما في الصحيحين المتفق عليه، الحديث الصحيح الذي لا شك في صحته، وعند حفظك لهذا الكتاب تصبح أحاديثك كلها صحيحة، وإذا سألك أحد: أين هذا الحديث؟ تقول: في البخاري ومسلم، متفق عليه، دون أن تشغل ذهنك؛ لأن قضية معرفة الحديث كله ومن أخرجه هذه ليست عملية سهلة، لا يستطيعها إلا أفراد من الأمة ومن كبار العلماء، لأن كل حديث له سند، وكل حديث له راوٍ، وكل حديث له مخرج، فأنت في بداية الطلب وطن نفسك على حفظ البخاري ومسلم، وبعد ذلك إذا أردت الصحيح في غير البخاري ومسلم فلا مانع.
стр. 2119
دراسة السيرة النبوية
الرابع: دراسة سيرة النبي ﷺ فإن سيرته وأحواله وشمائله وأخلاقه ترجمة عملية للإسلام، تقول عائشة وقد سئلت عن أخلاق الرسول ﷺ ، قالت: (كان خلقه القرآن).
فإذا أردت أخلاق الرسول فاقرأ القرآن، فإنه ﷺ كان متمثلاً القرآن في كل حركته؛ في بيعه وشرائه، وسلمه وحربه، ونومه ويقظته، وأكله وشربه، وسفره وإقامته، وتعامله مع نفسه وأولاده وزوجاته، وقد جمع الله له جميع الكمالات البشرية حتى شهد الله له وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] الكمالات موزعة في الأنبياء وفي البشر، لكن هي عند محمد مكتملة، يقول الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [الأنعام:٩٠] أي: الأنبياء ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] الذي تراه عندهم اقتد به كله يا محمد ﷺ .
وأذكر لكم حديثاً في البخاري، يقف الإنسان عنده موقف المتعجب: كان عنده ﷺ بعض نسائه، فأرسلت زوجة له أخرى طعاماً في إناء مع غلام لها، ففتحت الذي عندها الرسول ﷺ وإذا بالغلام ومعه الطعام، فقالت: ما هذا؟ قال: هذا طعام من فلانة -ضرتها- لرسول الله ﷺ ، فغضبت وضربت يد الغلام، فسقط الإناء وانكسر وانتثر الطعام، والرسول ﷺ ينظر الوضع، فماذا فعل ﷺ ؟ انظروا إلى الإنسان العظيم، لو أنه واحد منا لأخذ العصا وقام بضربها، وقد يطلقها وتحدث مشكلة، لكن لم يغضب وإنما قال: (غارت أمكم، غارت أمكم، غارت أمكم) قدر لها صلوات الله وسلامه عليه هذا الموقف؛ لأن الباعث عليه هو الحب والغيرة، وأيضاً الأحقية، تقول: هذا اليوم لي، فليس من حق أي شخص أن يطعم الرسول في بيتي، أنا أطعم الرسول ﷺ وتلك تلاحقني بالطعام حتى في بيتي! ثم قام الرسول ﷺ وأخذ إناءً من بيتها وجعل فيه طعاماً غير الذي جاء به الغلام، فأرسله إلى صاحبة الطعام الأول وقال: (طعام بطعام، وإناء بإناء) رده إلى صاحبته وانتهت المشكلة.
بعض البيوت -أيها الإخوة- تحترق وتدمر، ويحصل الطلاق، وتشتت الأسرة بكلمة واحدة تقولها المرأة، أو بتصرف يعمله الولد، فيرتكب الرجل حماقة ويغضب، فتراه يضرب ويطلق ويعتدي على امرأته المسكينة، ويجعل نفسه بطلاً وهو في الخارج دجاجة لا يساوي شيئاً، لكن عند المرأة أسد، فلا تستأسد على امرأتك، لا يكرم امرأته إلا كريم ولا يهينها إلا لئيم (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) ولا تتصور أنك عندما تكون طيباً في بيتك ستصبح ممتهناً أو ذليلاً، لا والله! بل هذا من أعظم معاني الرجولة، لكن بشرط: ألا تضيع وتذوب شخصيتك فيحصل الخطأ في بيتك وأنت لا تستطيع أن تغيره، كن متوازناً، هناك بعض الرجال يُطلق الحبل للمرأة حتى أنه لم يعد يأمرها بشيء، فتخرج متى أرادت، وتأتي بالذي تريد، تركها تفعل ما تشاء فهي سائبة، وبعضهم تجده شديداً، والشرع وسط في التعامل، تعطيها حقها وتكرمها، ولكن يجب أن تكون صاحب القرار في الأسرة، ولك الأمر فيها، لا يحدث شيء إلا بأمرك؛ لأنك صاحب الأسرة وربها ووليها.
هذا هو الرابع وهو دراسة سيرته ﷺ ، وأحسن ما ندل الناس عليه هو كتاب اسمه: مختصر سيرة الرسول ﷺ ، للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمة الله تعالى عليه.
стр. 2120
ذكر الله تعالى
الخامس: ذكر الله فإن ذكر الله أعظم وسيلة من وسائل قوة الإيمان، وإن من أحب شيئاً أكثر ذكره، إن الذي يحب أي شيء ما يريد أن يذكر إلا هو، والذي لا يريد الشيء لا يريد ذكره، لو أن شخصاً تبغضه وتكرهه وذكره آخر ماذا ستقول؟ اسكت، اتركنا منه، لا تذكره لي، لكن إذا ذكر لك شيئاً تحبه سوف تقول: نعم، ماذا حدث؟ تريد منه أن يذكره، يقول الشاعر:
إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر أحياناً فننتكس
مجنون ليلى قيس بن الملوح كان يمشي في الصحراء وليس معه أحد في الليل الأسود، وليلى عند أهلها وهو لوحده في أرض وتجده يقول: ليلى ليلى ليلى، فيحس براحة عندما يذكرها لأنه يحبها.
وأنت أما تحب ربك؟! إذا كنت تحب ربك فاذكره، ولهذا جاء في الحديث: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت) والفرق بين المؤمن والمنافق الذكر؛ لأن المنافق لا يذكر الله إلا قليلاً، والمؤمن يقول الله فيه: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
ذكر الله -أيها الإخوة- من أعظم وسائل تقوية الإيمان؛ وذلك بالمحافظة عليه؛ بأن تتعلم أذكار الأحوال والمناسبات، وتشتري كتاباً وتحفظ أذكار الصباح والمساء، والنوم واليقظة، ودخول المنزل والخروج منه، والأكل بداءة ونهاية، ولبس الثوب كل شيء في حياتك له ذكر في السنة تحفظه وتتعلمه وتحافظ عليه؛ لأن هذا يزيد إيمانك بالله، ويجعلك دائماً مع الله، يقول الله في حديث قدسي: (وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه).
стр. 2121
التفكر والتأمل في مخلوقات الله
السادس من وسائل تقوية الإيمان: النظر والتدبر والتأمل في مخلوقات الله في الكون.
فإنك بها تزداد إيماناً، كما قال : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٦ - ٨].
التأمل في مخلوقات الله في الكون يؤسس ويقوي الإيمان؛ لأنك ترى عظمة الله في مخلوقاته، ولو فكرت في جزئياتك أنت أيها الإنسان في نفسك وما أودع الله فيك من الآيات؛ لرأيت العجب في كل ذرة من ذراتك أو خلية من خلاياك ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١].
стр. 2122
الحرص على الطاعات
السابع من وسائل تقوية الإيمان: الحرص والاجتهاد في طاعة الله لأنه وكما قلنا: إن الإيمان يزيد بالطاعات، فالطاعات زاد، اجعل نفسك الأول دائماً، في الصلاة الأول من حين يؤذن وأنت في الصف الأول، وفي الدروس العلمية فاجعل نفسك الأول، والزكاة إذا كان لديك مال فكن الأول، والحج والعمرة إذا أتيح لك فكن الأول، والصوم كذلك، كل عمل صالح تجد أن فيه إيماناً سارع إليه، من أجل أن يزيد إيمانك، فهذا من أعظم الوسائل.
стр. 2123
الحذر من المعاصي والذنوب
الثامن من وسائل تقوية الإيمان: الحذر من جميع الذنوب والمعاصي؛ لأنها تحرق الإيمان، فهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعاصي، فإذا سمعت أغنية نقص إيمانك شئت أم أبيت، وإذا نظرت إلى امرأة لا تحل لك نقص إيمانك، وملأ الله عينيك ناراً يوم القيامة: (من ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من جمر جهنم) إذا تكلمت بالغيبة والنميمة نقص إيمانك، إذا وقع الشخص في الزنا -أعاذنا الله وإياكم (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) - ينسلخ من الإيمان، وإذا تاب ونزع يرجع.
فاحذر ثم احذر من المعاصي، وأبواب المعاصي سبعة: العين لا تنظر بها إلى الحرام، والأذن لا تسمع بها الأغاني والحرام، واللسان لا تتكلم به في الحرام، واليد لا تمدها على حرام، والرجْل لا تمشي بها في حرام، والبطن لا تدخل فيها حراماً من دخان أو جراك أو خمر أو حشيش أو مخدرات أو ربا أو أي حرام، فإن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً، والجنة دار الطيبين، فلا تكن خبيثاً، بعض الناس -والعياذ بالله- يعيش على الخبث ويشمه ويأكله، وأيضاً يوقع نفسه في الخبث! بعد ذلك فرجك لا تطأ به إلا الحلال؛ لأن الحرام ليس لك، أنت مسلم مؤمن والله يقول لك: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢]، (ومن زنا بامرأة في الدنيا كان عليه وعليها في القبر نصف عذاب هذه الأمة) (وما عصي الله بذنب بعد الشرك أعظم من نطفة يضعها الرجل في فرج لا يحل له) (والذي نفس محمد بيده إن ريح فروج الزناة ليؤذي أهل النار) (والذي نفس محمد بيده إن فروج الزناة والزواني لتشتعل عليهم ناراً يوم القيامة) تتحول فروج الزناة والزواني إلى براكين من نار تشتعل من أجل لذة محرمة، فلا تفعل ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] ولم يقل الله: لا تزنوا، بل قال: لا تقربوا، أي: كل ما يوصل إلى الزنا لا تقترب منه، فلا تنظر؛ لأن النظر بريد الزنا، ولا تسمع الغناء؛ لأن الغناء رقية الزنا، ولا تتكلم مع النساء؛ لأن الكلام مع النساء في الباطل أولاً: لا يجوز للمرأة أن تكلم الأجنبي إلا عند الضرورة، وإذا تكلمت عند الضرورة فبصوت معروف، يقول الله: ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [الأحزاب:٣٢] ولا تخضع في العبارة، لأن الله يقول: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] لأن بعض النساء صوتها يفتن أكثر من مظهرها.
والأذن تعشق قبل العين أحياناً
فإذا جاءت مكالمة وأنت في البيت فرد أنت، لكن بعضهم جالس وتجده يقول: ردي يا امرأة! وأنت يا كرتون ماذا تعمل؟! تجعل الرجال يتحدثون مع امرأتك، تكلمهم امرأتك وأنت قاعد! فترد المرأة، فإذا ردت: (ألو) فلان، وقالت: لحظة، فهذه طعنة؛ لأن الرجل يتأثر بالصوت يا إخواني! فلا ترد امرأتك أبداً وأنت موجود وإنما ترد أنت، وإذا كنت غير موجود فيرد الولد الصغير، الولد غير موجود ترد الطفلة، لا يوجد أحد في البيت إلا المرأة فترد؛ لأن بعض الرجال يقول: لا تردي أبداً، لا، ليس هناك شيء، لأن الله يقول: ﴿وَقُلْنَ﴾ [الأحزاب:٣٢] أمر الله أن تقول لكن ترد بالمعروف: من؟ السلام عليكم، وعليكم السلام، فلان موجود؟ لا، أين ذهب؟ لا أدري، انتهى، ماذا سيقول ذاك الذي يسمع الصوت، سيقول: الله أكبر عليها لكن إذا ردت وقالت له: من؟ وأين ذهب؟ وغير موجود، ومن أنت؟ ومن تكون؟ وفتحت تحقيقاً صحفياً، وجاء الشيطان إليه وقال: انظر الناس الطيبين، انظر المرأة الممتازة، انظر الزوجة، ويمكن أن زوجها مسكين يراها طيبة لكن صوتها ضعيف، يمكن صوتها مثل (شكمان المرسديس)، فإذا سمع صوتاً لهذه وصوتاً لتلك فهذه فتنه الشيطان.
أجل.
لا تخضع المرأة في القول، تحفظ لسانها إلا بالمعروف، فالله حرم الزنا وحرم كل شيء يوصل إليه، حرم الزنا وحرم التبرج، فما هو التبرج؟ هو أن تحمل المرأة زينة وتتبرج بها أمام الناس من أجل أن تلفت أنظارهم، إما في لباس، أو كحول، أو ذهب، أو عطر، أو حذاء عالٍ، أو شعر، أو غطاء خفيف، أو برقع، تطعن بعيونها في عيون الناس -والعياذ بالله- وتقول: أنا متحجبة، ليس هذا حجاباً وإنما هذا كذب، الحجاب أن يحجب كل شيء، أما أن تغطي بعضاً وتبدي عينيك فإن أجمل ما في المرأة عيناها، ولو كشفت وجهها لكان أسهل في الأثر من كشف عينيها، والشعراء لم يتغنوا إلا بالعيون، لم يتغنوا بالخشم أو بالأذن، يقول أحدهم:
إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
والناس يقولون: والله إن عيونها تذبح، نعم، والشاعر الغنائي يقول:
عيونك قطعت قلبي كما حبحب على السكين
صدق! لماذا قطعت قلبك؟ لأنك نظرت إليها، والله يقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] وأنت إذا رأيت إلى المرأة نظرت بعيونك وتعصي ربك، ربك يقول لك: غض وأنت تفتح (من ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من جمر جهنم) والمرأة التي تخرج من أجل أن تلفت الناس إليها ما من عين تنظر إليها إلا سمرها الله بكل نظرة مسماراً من النار، فأكثري أو أقلي أيتها المرأة، بعض النساء تخرج وهي سليمة وترجع وهي ملغمة مسامير من كل جهة.
فيها بقدر ما نظر الناس إليها، ولذا المؤمنة لا تخرج أبداً، وكانوا في الماضي يقولون: المؤمنة لها خروجان: الخروج الأول إلى بيت أبيها أو إلى بيت زوجها، والخروج الثاني إلى قبرها، واليوم لها في كل يوم عشرون خروجاً، حتى إن بعض النساء تجعل عبايتها عند الباب كل لحظة وهي تريد أن نخرج، وإذا قيل لها: اجلسي، قالت: يضيق صدري يضيق صدرها من البيت، ويتوسع صدرها في الشارع! ويتوسع صدرها في الحديقة والمعارض والأسواق؛ لأنها تنظر وتتمشى، وتبيع عرضها وعرض أبيها وعرض زوجها، أما المؤمنة فيضيق صدرها في السوق وفي كل مكان، ولا ينشرح صدرها إلا في بيتها وسترها وعرشها ومملكتها، والله يقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] لم يقل: اجلسن، بل قرن، والقرار هو الجلوس مع عدم القيام، مثل الجبل المستقر الذي لا يتزحزح من مكانه، قال الله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] فلابد -أيها الإخوة- أن نحذر المعاصي ونحذر الوقوع فيها.
стр. 2124
الحرص على الرفقة الصالحة
التاسع: أن تحرص على رفقة صالحة وأهل خير.
ابحث في جيرانك وزملائك في المدرسة أو العمل عن الشباب والرجال الصالحين وترتبط معهم في علاقة، وتجلس أنت وهم تزورهم ويزورونك، تذكرهم ويذكرونك، وتستأنس بهم، وتعاونهم ويعاونونك على طاعة الله؛ لأن الطريق طويل ولا بد من الرفيق، والله عندما بعث موسى ماذا قال موسى؟ قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٩ - ٣٢] لماذا؟ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً﴾ [طه:٣٣ - ٣٥].
стр. 2125
الحذر من قرناء السوء
والأخير: احذر من قرناء السوء.
قرين السوء من الزملاء، أو الجيران، أو الأقارب، أو الأنساب، إذا كان فاسقاً، قليل دين، قاطع صلاة، يشرب الخمر، يزني، خبيثاً، فاحذره وانزع يدك منه، وإذا رأيته في طريق فاذهب من طريق أخرى، ولا تقل: هو ولد عمي، أو ولد أخي، أو جاري، لا، هذا يحمل مرضاً، ما رأيك إذا كان هناك شخص قريب لك وفيه داء (الكوليرا) أو (الإيدز) أو الطاعون أو (السل) هل تجلس معه؟ بل تهرب منه، فاعلم أن هذا أخطر منه، هذا عنده مرض في عقيدته وأخلاقه وإيمانه، انزع يدك منه، ولا تقل: أنا سوف أذهب معه من أجل أن أهديه، أنت لا تزال في طور لا يسمح لك بمصاحبته، حتى تصير داعية وعالماً، حينها يمكنك أن تدعو هذا الشخص وغيره إلى الله، لكن أخاف أن تدعوه ثم يدعوك هو، وقد تصير مثله.
هذه -أيها الإخوة- وسائل العلم العشرة التي -إن شاء الله- إن عملت بها وحققتها زاد إيمانك، وحصل لك اليقين، وتحصلت على السعادة في الدنيا والآخرة.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقنا إيماناً صادقاً، وعملاً صالحاً، وتوبة قبل الموت، ومغفرة بعد الموت، وتوفيقاً وهداية لهذا الدين.
اللهم إنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، يا حي يا قيوم! يا فارج الهم! يا كاشف الغم! يا أرحم الراحمين! فرج كرب إخواننا في الشيشان، اللهم فرج كربهم، اللهم انصرهم على عدوهم، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم اربط على قلوبهم، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدام أعدائهم الروس، اللهم أنزل عليهم بأسك الشديد، وعذابك الأكيد فإنهم لا يعجزونك.
اللهم إنك أنت الله لا إله إلا أنت غالب لا تغلب، لك جنود السماوات والأرض، لا يعجزك شيء في الأرض ولا في السماء، نسألك باسمك الأعظم الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت، أن تنزل نصرك المبين على إخواننا.
يا من أمرت الحوت يلفظ يونساً وسترته بشجيرة اليقطين
يا من أحلت النار حول خليله روحاً وريحاناً بقولك كوني
يا رب إن السيل قد بلغ الزبا والأمر في كاف لديك ونون
باسم الفراخ الزغب يحنو جناحهم فقدوا الأب الحاني بغير منون
بصراخ أم فجعوها بابنها لم يرحموها وهي كالعرجون
يا رب إنا مثلهم في كربة فارحم عباداً كلهم ذو النون
هذا الدعاء أيها الإخوة! ويتبع الدعاء شيء وهو المال، الله أمر بالجهاد بالمال والنفس فقال: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [التوبة:٢٠].
إخوانكم يريدون منكم الدعاء والمال، إنهم يعيشون ضائقة لم يعرف لها مثيل عبر التاريخ البشري، واليوم نشرت صور الإجرام الذي لا يعرفه البشر أبداً، ولا يمكن أن يتصور العقل؛ رأينا فيها حرقاً للأرض، وتدميراً للبيوت، وقتلاً للنساء، واستباحة للأعراض، وهم يعيشون الآن -نساء وأطفالاً وعجائز وكباراً وشباباً- في (أنقوشيا) في خيام يحوطها الثلج، نحن بردنا في الرياض كم يوم، وكل شخص عنده ثياب وشملة وعباءة ودفاية ومكيف، ومع ذلك يقول: والله أحس ببرد، ودرجة الحرارة ستة أو سبعة، هؤلاء عندهم أربعون تحت الصفر، ولا يوجد معهم لا ثلاجة، ولا غسالة، ولا ماء، ولا أكل، ولا دواء، ولا بيت، والنار والطائرات والمدمرات تقتلهم، وما هو ذنبهم يا إخواني؟ ليس إلا لأنهم يقولون: لا إله إلا الله.
إنهم إخوانكم في العقيدة، أنتم تقولون (لا إله إلا الله) وهم يقولون (لا إله إلا الله)، أين نجدة الإيمان يا إخواني؟! أين نصرة الإيمان؟! لا يريدون رجالاً هم يريدون مالاً ودعاء، رجالهم كثير لكن يريدون مالاً يشترون به طعاماً لهم ولنسائهم وأطفالهم، ويشترون به سلاحاً من أعدائهم ليدمروهم به، ولا تتصوروا أن كل ما تسمعون صحيحاً، إخوانكم أسود، وهم قد باعوا أنفسهم من الله، إما إسلام ونصر وإما موت، وقد أقسموا ولبسوا أكفانهم، لكن تأخر النصر لتأخر الدعاء والدعم منكم.
أيها الإخوة: على الأبواب مؤسسة الحرمين والندوة العالمية للشباب؛ وهما مؤسستان إسلاميتان موثوقٌ فيهما وفي القائمين عليهما، يقومان بأخذ الأموال منكم وإيصالها لإخوانكم، يقول أحد المسئولين في مؤسسة الحرمين: أحياناً نوصل الإعانة في نفس الليلة، كيف ستوصلها أنت؟ هل تستطيع أن توصلها؟ لا تستطيع، لكن هم يأخذونها منك وبالهاتف لهم مكاتب هناك.
فادفعوا وتبرعوا هذه الليلة لإخوانكم، إخوانكم يستضيفونكم هذه الليلة، لو جاءك أربعة من الشيشان وأنت ذاهب إلى بيتك، ودقوا عليك الباب وقالوا: نحن من الشيشان جائعون نريد عشاءً، هل تطعمهم أم لا؟ تطعمهم لو تقطع من جلدك لهم، الآن أنا باسمهم أقول: إخوانكم ضيوفكم هذه الليلة، عشوا إخوانكم واملئوا الصناديق، أسأل الله أن يفتح عليكم، كما أسأله أن ينصر دينه ويعلي كلمته، وأن يحفظ لنا في هذه البلاد ديننا وأمننا ونعمتنا واستقرارنا، وأن يوفق ولاة أمورنا وعلمائنا ودعاتنا، وشبابنا وشاباتنا، وذكورنا ونسائنا لما يحبه ويرضاه، وأختم بهذا.
وانظروا الأسئلة عندي فهي كثيرة، لكن نريد لها شهراً، فأنا أكتفي بما حصل وأعتذر عن الإجابة، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 2126
الهجرة الأولى إلى الحبشة
ابتلاء المؤمن في دينه محنة، والهجرة إلى الله منحة، وعاقبتها فرحة، وحين ضاقت الأرض بإيمان المؤمنين؛ شدوا رحالهم إلى أرض الحبشة -في هجرتهم الأولى- فراراً بالدين.
وقد مهدت هذه المادة لموضوع الهجرة بكلام عن أسئلة كفار قريش التي أخذوها من اليهود، ووجهوها للرسول ﷺ لامتحان نبوته.
وفي ختام هذا الدرس خواطر مهمة متعلقة بموضوع صيام رمضان.
стр. 2127
أسئلة قريش للرسول ﷺ للتأكد من نبوته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الأحبة في الله! هذه المحاضرة تلقى في جامع الشربتلي بحي الربوة بمدينة جدة، بعد مغرب يوم السبت الموافق ١٣/شعبان/١٤١٨هـ على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام.
وقد جرى تقديم الموعد عن المعتاد في آخر كل شهر، وذلك لظروف الامتحانات، فإن السبت الأخير من هذا الشهر والموافق ٢٧ يأتي في وسط الامتحانات، فرأى الإخوة في مركز الدعوة والإرشاد أن ييسروا على الناس حتى لا ينشغلوا، وحتى لا يحصل لهم حرج بين ضياع الدرس، أو ضياع متابعة أبنائهم، أو أداء امتحاناتهم إذا كانوا هم ملتحقين بإحدى المدارس، وكان هذا الرأي مناسباً إن شاء الله، ولكن ربما يفوت على بعض الإخوة الذين لم يطلعوا على الإعلان؛ لأننا لم نعلن في الدرس الماضي عن هذا الأمر نظراً لعدم التذكر.
يأتي هذا الدرس ضمن السلسلة الشهرية المعنونة بتأملات في السيرة النبوية، وعنوان هذه المحاضرة بالذات: من أحداث الهجرة الأولى إلى الحبشة.
وقد جاءت الهجرة في بداية الاضطهاد والحرب الضروس التي كان يشنها كفار قريش على الرسول ﷺ وعلى أتباعه من المؤمنين، وكان هذا في بداية السنة الرابعة من البعثة، حيث اشتدت الوطأة، ولم تزل تزداد يوماً بعد يوم حتى تفاقمت في أواسط السنة الخامسة، وضاق الأمر بالصحابة، وفكروا في حيلة تنجيهم من هذا العذاب الأليم، وفي هذا الوقت الحرج نزلت على الرسول ﷺ سورة الكهف رداً على أسئلة طرحها المشركون على الرسول ﷺ للتثبت من مصداقيته؛ لأنهم أرسلوا وفداً من مكة إلى يهود المدينة وقالوا: أنتم أهل كتاب، وهذا الرجل يدعي أنه نبي فارجعوا إلى كتبكم، فإن كان نبياً اتبعناه، وإن كان متقولاً كذاباً حاربناه، فنظر اليهود في كتبهم وعلموا أنه زمان نبي؛ لأن اليهود كانوا يعرفون صفات النبي ﷺ كما قال الله : ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ [الأنعام:٢٠] ليس عندهم أي شك، لهذا قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩] قالوا لوفد قريش: اسألوه عن ثلاثة أمور فإن عرفها فإنه نبي، وإن لم يعرفها فإنه متقول؛ سلوه عن فتية آمنوا بربهم وزادهم الله هدى، وسلوه عن رجل صالح يحكم الأرض، وسلوه عن الروح، هذه الأسئلة الثلاثة لا يمكن أن تعرف إلا عن طريق الوحي، فرجع المشركون وقابلوا النبي ﷺ في مكة وعرضوا عليه هذه الأسئلة، والرسول ﷺ : ﴿مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
стр. 2128
أهمية تعليق الوعد بمشيئة الله
من كمال ثقته ﷺ بربه أن الله لن يتخلى عنه، قال لهم: غداً آتيكم بالجواب، ونسي ﷺ أن يقول: إن شاء الله؛ لأن مشيئة الله مطلوبة في الأمور المستقبلية؛ ولأن الحكم والمشيئة والإرادة له، ولا يوجد أحد في الدنيا يملي على الدنيا شيئاً، حتى ولو كان رسوله.
فلما نسي أن يقول: إن شاء الله، وذهب الكفار، وجاء اليوم الثاني ولم يأتِ الوحي في الليل، وكان الوحي لا ينقطع لحظة، ففي كل حدث يأتي الوحي، لكن في أحرج المواقف وفي موقف مصيري يترتب عليه إسلام مكة أو كفرها ما جاء الوحي.
فلما جاءوا إلى النبي ﷺ ، قالوا: أين الإجابة، قال: ما أتاني شيء من السماء، قالوا: بطل سحر ابن أبي كبشة.
أبو كبشة هذا زوج حليمة السعدية، من بني سعد، فكانوا ينسبون الرسول إليه من باب الاستضعاف والاحتقار له، قالوا: بطل سحره، يعني: ليس بنبي، إذ لو كان نبياً لجاءه الوحي، وضاق النبي ﷺ ؛ لأنه صادق ويحتاج إلى هذا الموقف لكي يثبت صدقه، وينصر دين الله، لكن الوحي تخلى عنه، قال: غداً، ونسي أن يقول: إن شاء الله، وجاء اليوم الثاني ولم يأتِ الوحي الثالث الرابع الخامس ومرت على النبي ﷺ خمس عشرة ليلة وانقطع الوحي من السماء -لا إله إلا الله!! - وهذا من باب التربية؛ لأن الله هو المربي والمؤدب للنبي ﷺ ، يقول في حديث: (أدبني ربي فأحسن تأديبي) فغلطة مثل هذه جاء فيها تأديب بقطع الوحي خمسة عشر يوماً، يقول الله بعدها: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤].
مهما كان الأمر في يدك، ومهما كان في قدرتك، فإن الأمور التي في قدرتك ومشيئتك مقيدة بقدرة الله ومشيئة الله، فقد تشاء أنت ولكن الله لا يشاء، وقد تريد شيئاً أنت ولكن الله لا يريد، فمن تغلب إرادته، ومن تغلب مشيئته، أنت أم الله؟ الله.
ويكون هذا في الأمور المستقبلية التي سوف تأتي، أما الأمور الماضية فلا ينبغي أن تقول: إن شاء الله، لماذا؟ لأن الله قد شاء، فلو أن شخصاً سألك: هل حضرت بالأمس درس الشيخ الفلاني؟ وأنت حضرته، تقول: نعم.
لا تقل: إن شاء الله، لماذا؟ لأنك قد حضرت الدرس وقد شاء الله، ولكن لو سألك: ستحضر الدرس الليلة؟ لا تقل: نعم.
قل: إن شاء الله؛ لأنك قد لا تحضر، وربما تخرج وفي الطريق يصيبك حادث أو عارض أو مانع! فلا تقولن لشيء مضى وانتهى: إن شاء الله، لكن في المستقبل لا تجزم على أي أمر، وهذا أدب نبوي من الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤].
يقال: إن رجلاً نزل السوق ومعه دراهم يريد أن يشتري له دابة، فلقيه صاحبه، قال: إلى أين؟ قال: أريد السوق، قال: ولم؟ قال: أشتري دابة -يركب عليها- قال: قل: إن شاء الله، قال: ولماذا أقول: إن شاء الله؟ النقود في جيبي والحمير ملء السوق، فلا داعي للمشيئة، فأنا سوف أنزل وأشتري، قال: حسناً، فنزل الرجل إلى السوق وسلَّط الله عليه لصاً فسرق النقود من جيبه! ولما جاء إلى مكان بيع المواشي واشترى له دابة وفاصل وانتهى، أدخل يده ليخرج الدراهم فلم يجد شيئاً -قد أخذها الرجل- فترك البيعة ورجع بدون دابة، وصاحبه كان يراقبه على الطريق يريد أن يرى ماذا اشترى، ولما مر قال: أين الدابة؟ أما اشتريتها؟ قال: سرقت الفلوس إن شاء الله، لكن الآن لا تنفع كلمة إن شاء الله -لا تنفع في الماضي- فكان لا يتكلم إلا بإن شاء الله، لماذا؟ لأنه وقع على قلبه، وأخذ درساً قوياً، بحيث لا يفعل شيئاً حتى في الماضي إلا ويقولون له: تغد! قال: تغديت إن شاء الله، لماذا؟ لأنه أخذ درساً.
стр. 2129
سؤال قريش عن أصحاب الكهف
النبي ﷺ بعد هذا الدرس الرباني نزلت عليه سورة الكهف، وجزء من سورة الإسراء المتضمنة للجواب على هذه الأسئلة الثلاثة: ١/ يسألونك عن الروح.
٢/ وعن أصحاب الكهف.
٣/ وعن ذي القرنين.
وهذه السورة تضمنت ثلاثة أحداث -أو ثلاث قصص- وفيها إشارات بليغة وتربية عظيمة للمؤمنين، وقصة أهل الكهف تحكي إيمان فتية من الشباب، وفي هذا لفت نظر للشباب على أنه ليس أنتم أول من يهتدي ويلتزم؛ لأن القضية سلسلة من الصالحين منذ بعثة الأنبياء إلى يوم القيامة، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ [الكهف:١٣] ترشد هذه القصة -قصة أصحاب الكهف- إلى أن الهجرة وترك مواطن الكفر والعدوان حين يخاف المسلم من الفتنة على دينه أنه أمر مشروع متوكل على الله ، فأصحاب الكهف لما حوربوا وأوذوا اعتزلوا قومهم، وهجروا ديارهم، وخرجوا إلى الكهف، يقول الله : ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً﴾ [الكهف:١٦] فهذه القصة فيها دلالة على مشروعية الهجرة، وكأن السورة وهي تنزل في هذا الوقت الحرج تلفت أنظار الناس إلى أنه ما دامت الأرض قد ضاقت بكم في مكة ولم يكن عندكم قدرة على مواجهة هذا الباطل حسناً غيروا الموقع، اخرجوا إلى أرض الله! أرض الله واسعة كما خرج هؤلاء الذين هم: ﴿فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ [الكهف:١٣].
стр. 2130
قصة الخضر وموسى ﵇
القصة الثانية: قصة الخضر وموسى ﵇، التي أوحت بأن الأمور لا تجري على حسب الظاهر منها، بل ربما يكون الأمر خلاف الأمر الظاهر، وفيها إشارة لطيفة إلى أن الحرب القائمة بين المستضعفين من المسلمين وبين الأقوياء والكبراء والعظماء من المشركين ستنعكس تماماً، وستكون النتيجة بخلاف الظاهر ستكون الغلبة في النهاية لأهل الإيمان وستكون الهزيمة على أهل الكفر كما حصل في قصة موسى مع الخضر؛ لأن موسى وقف خطيباً في بني إسرائيل، وقال: ليس على الأرض من هو أعلم مني -ولم يستثن- ولم يقل: إن شاء الله، فالله أوحى إليه، قال له: يوجد في الأرض من هو أعلم منك، قال: أين هو يارب؟ قال: في مجمع البحرين؛ ومجمع البحرين منطقة يلتقي فيها البحر الأبيض المتوسط بـ المحيط الأطلسي في مضيق يسمى: مضيق جبل طارق - طارق بن زياد - وأين هذا الموقع؟ أتدرون أين؟ في جنوب أسبانيا وشمال المغرب، هذا الجبل جبل طارق، لكن أين هو اليوم؟!! -الله المستعان- كيف ضعفت الأمة، قال له ربه: هذا العبد الصالح في مجمع البحرين، وأين كان يعيش موسى؟ كان يعيش موسى في فلسطين، فكانت رحلة شاقة؛ يقطع فيها هذه المنطقة من طرف آسيا إلى غرب إفريقيا؛ يقطع مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب كلها، قال: رب: أريد أن أطلب العلم عنده، قال: اذهب، فخرج موسى ﵇ -والقصة في الصحيحين - وذكرها المفسرون عند ذكر الله لأصحاب الكهف في سورة الكهف: خرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون، وسأل الله أمارة، قال: رب: إذا لقيته فكيف أعرف أنه هو؟ قال: العلامة أن تعود الحياة إلى هذا الحوت، وكان معهم حوت مملح مقدد جاهز للأكل -ميت من زمان- قال: إذا عادت الحياة إلى هذا الحوت ستجد هذا العبد الصالح الذي هو أعلم منك.
ومشى وقطع الرحلة الطويلة سيراً على الأقدام، حتى إذا وصلوا إلى مجمع البحرين، قال لغلامه: ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً﴾ [الكهف:٦٢] يقول: تعبنا، وفعلاً سفر متعب، قال: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾ [الكهف:٦٣] يقول: في ذلك المكان اتخذ الحوت سبيله في البحر ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف:٦٤] يقول: هذا الكلام الذي نريد، يقول موسى: هذه هي الأمارة، أي: عودة الحياة للحوت -أو الدخول في الماء- نريدها: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً * فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ [الكهف:٦٤ - ٦٥] وهو الخضر ﵇، والخضر ليس نبياً كما يزعم بعض الناس، لا.
ليس نبياً، وإنما هو عبد صالح من عباد الله، آتاه الله علماً لدني، أي: من لدن الله ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ [الكهف:٦٥] فعرض عليه موسى أن يستصحبه، قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ [الكهف:٦٦] من أجل أن يطلب العلم على يده، فقال له الخضر: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف:٦٧]؛ العلم يحتاج إلى صبر، وفي هذا إشارة لطلبة العلم الذين يستعجلون في نيل العلوم والمدارك والمعارف ويريدون أن يكونوا علماء في أسبوع أو في جلسة، لا.
العلم يحتاج إلى نفس طويل، وإلى ممارسة وصبر، وإلى جلوس في حلق الذكر، وإلى قراءة للكتب، وإلى المواصلة والبحث ثم في النهاية يأتيك العلم.
ومثل طلب العلم كمثل النحلة إذا دخلت البستان، فهل مباشرة تضع عسلاً؟ لا.
بل تذهب وتبحث عنه في الأوراق والشجر والأزهار إلى أن تأتي بشيء بسيط، ثم تذهب وتبني وهكذا حتى يصير عسلاً، وكذلك العلم: يأتي بالطلب وبالممارسة وبالصبر وبالاحتكاك، وبإيجاد الحس العلمي عندك، أي: يكون عندك حس مرهف للعلم، وشغف، ورغبة، ولا تريد أن تجلس أي وقت إلا للعلم، فإذا دخلت بيتك، لابد من كتاب، وإذا خرجت لتتمشى لابد من كتاب، وإذا جلست لابد أن تفتح إذاعة القرآن؛ لأنك تريد علماً، ولا يمكن أن تضيع دقيقة من دقائق وقتك، فعندما يكون عندك حس علمي فسوف تصبح عالماً بهذا الموضوع، أما أن يكون العلم على هامش حياتك إن جاء وإلا تقضي أوقاتك أكثرها في سهر وكلام فارغ ولعب، ثم تريد أن تصبح عالماً! العلم لا يأتي إلا مع التعب.
فهذا موسى ﵇ يقول له الخضر ﵇: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف:٦٧] فقال له موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ [الكهف:٦٩] إن شاء الله أكون جاداً؛ لأنه بعد مشوار طويل وبعد سفر من طور سيناء إلى المغرب، قال: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ [الكهف:٦٩] فقال له الخضر: بشرط: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ [الكهف:٧٠] لا تسألني! وبعض طلبة العلم بمجرد أن يحضر المحاضرة يقدم السؤال! اصبر حتى تنتهي المحاضرة، فربما يأتي جوابك على لسان المحاضر أثناء الكلام، فأنت لا تستعجل.
فمشى معه على هذا الشرط.
ومروا وهم يريدون البحر، فاستأجروا سفينة وركبوا، وبينما هم جالسين، قام الخضر وأخرج مسماراً من حقيبته ومطرقة وخرق السفينة، وبدأ الماء يدخل، فاستغرب موسى، وهذا العمل لا يُسكت عليه؛ لأن هذا عمل تخريبي، قال له: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ [الكهف:٧١] فذكره: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٥] ألم أخبرك من قبل أنك لن تستطيع أن تصبر: ﴿قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً﴾ [الكهف:٧٣ - ٧٤] ثم مروا بقرية عندما نزلوا من السفينة وإذا بأطفال يلعبون في الساحة، فعمد الخضر إلى واحد من الأطفال وأمسكه من رقبته ونزع رأسه من رقبته -قطع رأسه- فما صبر موسى على هذا العمل، فموسى نبي ومصلح، وهذا قتل، ولهذا قال له: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ [الكهف:٧٤] زكية: يعني معصومة صغيرة لم تفعل شيئاً، ففي الأولى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ [الكهف:٧١] (إمرا) يعني: يبعث على المرية وعلى التفكر، كيف تخرق السفينة؟ لكن هنا لا توجد مرية، فهنا قتل واضح، فقال له الخضر: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٥] وقال في الأولى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٢] لكن هنا أظهر الضمير ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٥] ألم أقل (لك) أي: من أول طلبك لصحبتي؟ فقال له موسى: ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف:٧٦] يقول: هذه آخر مرة: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ [الكهف:٧٦].
﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف:٧٧] كانوا بخلاء؛ لم يضيفوا حتى هؤلاء الغرباء، فرجعوا جائعين متعبين مسافرين، ليس عندهم أكل، فرأى الخضر جداراً آيلاً للسقوط، فقام الخضر وشمر عن ساعده وهدم الجدار وبدأ يعيده من جديد، فاستغرب موسى! أناس لا يضيفونا ونبني لهم الجدار بغير مقابل: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الكهف:٧٧] أي: قاول عليه مقاولة وخذ عليه أجراً، لكي نأكل ونشرب، أما أن يطردونا ونحن نبني جدرانهم بدون مقابل فهذا شيء لا يقبله العقل، فقال له الخضر: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:٧٨] يقول النبي ﷺ : (رحم الله أخي موسى لو صبر لأرانا من عجائب علم الله ما لا نتصور) ثم قال لموسى؛ لأنه مستعجل: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ [الكهف:٧٨ - ٧٩] وظاهر الأمر أن خرق السفينة يؤدي إلى إغراقها، لكن حقيقة الأمر أن خرق السفينة يؤدي إلى النجاة بها؛ لأن هذا الملك الظالم الذي كان يأخذ السفن عندما جاء يريد أن يأخذها وجد الماء يدخلها، وأهلها ينزفون الماء، قال: دعها.
هذه لا تصلح، فهو خرقها لينجو بها لا ليغرقها، فالأمر ليس على ظاهره، فظاهر الأمر تدمير وإفساد، ولكنه في حقيقته نجاة هذا الأول.
﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ [الكهف:٨٠ - ٨١] كان بعلم الله أن هذا الولد الذي يعتبر زهرة من زهرات الحياة لوالديه وفلذة كبدهما، يعلم
стр. 2131
سؤال قريش عن ذي القرنين
أما القصة الثالثة التي تضمنتها سورة الكهف فهي: قصة ذي القرنين، وهي تفيد أن الله هو الذي له الملك من قبل ومن بعد، وأنه يورث الأرض من يشاء من عباده، وأن الفلاح إنما هو في سبيل الإيمان لا في سبيل الكفر، وأن الله لا يزال يبعث من عباده بين آونة وأخرى من يقوم بإنجاء الضعفاء، وإهلاك الطغاة من الكفار والمشركين ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ [الكهف:٨٣ - ٨٤] مكن الله لذي القرنين في الأرض وجعله يحكم الأرض كلها؛ كان يأتي إلى مغرب الشمس وإلى مطلعها، وكان له ملك لا يعلمه إلا الله .
هذه القصص -أيها الإخوة- بدأت تعطي أثرها في الصحابة في قضية تهيئتهم وتجهيزهم لمفارقة مكة والخروج منها فراراً بدينهم، خصوصاً بعدما نزلت سورة الزمر وفيها قول الله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ [الزمر:١٠] ولما نزلت قال الصحابة: حسناً للذين أحسنوا بالإيمان لهم في هذه الدنيا حسنة، أين الحسنة التي للصحابة، وهم يعذبون، ويقتلون، ويضربون، ويسجنون، ويسحبون -كما سمعتم في الدرس الماضي- أين الحسنة؟ قال الله تعالى بعدها: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠].
стр. 2132
هجرة المسلمين الأولى وعودتهم منها
وفي كل هذه الظروف كانت الهجرة الأولى إلى الحبشة فراراً بالدين من بلاد الفتنة إلى بلاد الأمان، روى ابن إسحاق من حديث أم سلمة ﵂؛ لأنها كانت من المهاجرات، قالت: لما ضاق الأمر علينا بـ مكة وأوذي أصحاب النبي ﷺ ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، أما رسول الله ﷺ فكان القوم لا يقدرون عليه -في السنة الرابعة والخامسة والسادسة ما قدروا على الرسول- لماذا؟ لأنه كان هناك أحد يمنعهم، وهو أبو طالب؛ كانت هناك منعة من قومه، فقال لهم النبي ﷺ لما اشتكى الصحابة الضعفاء، قال: (إن بأرض الحبشة ملكاً لا يُظلم عنده أحد -رجل عادل اسمه: النجاشي - فالحقوا ببلاده -يقول: هاجروا إليه- حتى يجعل الله لكم مخرجا) تقول أم سلمة: [فخرجنا إليها، حتى اجتمعنا بها فنزلنا بخير دار إلى خير جار، أمنا على ديننا ولم نخش منه ظلما] الله أكبر! هذا الرجل صلى عليه النبي ﷺ لما مات في مكة صلاة الغائب، وصلاة النبي ﷺ عليه تدل على أنه أسلم، وكلمة: النجاشي لقب يطلق على من يحكم الحبشة، مثل كلمة: فرعون، تطلق على من يحكم مصر، ومثل كلمة: قيصر أو كسرى، أو شاهين شاه، فكان هذا الحاكم اسمه النجاشي، لكن الذي صلى عليه النبي ﷺ هو ذلك الرجل الذي آوى الصحابة ونصرهم، فلما مات صلى عليه النبي ﷺ ، وسوف يأتي معنا إن شاء الله بيان إسلامه وأنه دخل في دين الله .
طبعاً يروي ابن سعد في الطبقات أنهم خرجوا متسللين -سراً- لأن مكة لا تسمح لهم بالخروج، فخرج كل منهم منفرداً، وكانوا أحد عشر رجلاً وأربع نساء، وفي بعض الروايات أنهم كانوا عشرة، وفي بعض الروايات أنهم كانوا اثنا عشر، لكن الذي عليه جماهير المؤرخين أنهم كانوا أحد عشر رجلاً وأربع نساء، حتى انتهوا إلى الشعيبة، والشعيبة على بعد ستين أو سبعين كيلو من مكة المكرمة، وكان منهم الراكب ومنهم الماشي، ووفق الله للمسلمين عندما وصلوا إلى الشعيبة بسفينتين للتجار، فحملوهم إلى أرض الحبشة بنصف دينار، وكان مخرجهم في شهر رجب في السنة الخامسة من بعثة النبي ﷺ ، وعلى الفور خرجت قريش في آثارهم لملاحقتهم، ولكنهم لم يصلوا الشعيبة حتى وجدوهم قد ركبوا ورحلوا فلم يدركوهم والحمد لله.
стр. 2133
أسماء بعض المهاجرين
وكان من ضمن هؤلاء المهاجرين أبو سلمة ابن عبد الأسد، زوج أم سلمة بنت أبي أمية أم المؤمنين فيما بعد؛ لأن أبو سلمة هذا ابن عبد الأسد مات، ولما مات قالت زوجته كلمة سمعتها من الرسول ﷺ : (ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها إلا جبره الله في مصيبته وخلف عليه خيراً منها) تقول: فلما مات أبو سلمة تذكرت الدعاء، وقلت في نفسي: ومن هو خير من أبي سلمة؟! تقول: لا أحد في الدنيا مثل أبي سلمة لكنها قالته تصديقاً بكلام الرسول ﷺ ، وبعد أيام؛ بعد أن انتهت من العدة وإذا برسول الله ﷺ يخطبها، لتصبح زوجاً له وأماً للمؤمنين إلى يوم القيامة ما هذا الفخر العظيم! ولما اعتذرت قالت: (يا رسول الله! إني أغار -قالت: إني أغار وأخاف أن أكسر خاطرك أو أغضبك- وعندي صبية -أولاد- قال: أما غيرتك فسيذهبها الله، وأما أولادك فهم مع ولدي) اللهم صلِّ وسلم على رسول الله ﷺ .
وأيضاً كان ضمن المهاجرين عثمان بن مضعون ﵁ وأرضاه، ومصعب بن عمير الشاب العظيم الذي قتل شهيداً في يوم أحد، وعثمان بن عفان ﵁، ومعه زوجته رقية بنت محمد ﷺ بنت خير البشر كانت أيضاً مهاجرة مع زوجها إلى الحبشة، وقد قال ﷺ في عثمان وفي رقية: (إنهما أول بيتٍ هاجر في سبيل الله بعد إبراهيم ولوط) قال إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩] فكان أول بيت هاجر بعد إبراهيم ولوط بيت عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت محمد ﷺ .
стр. 2134
سبب عودة المهاجرين إلى مكة
وعرفت هذه الهجرة في التاريخ الإسلامي بالهجرة الأولى إلى الحبشة، طبعاً لم يمكث هؤلاء إلا قليلاً، واستقبلهم النجاشي وآواهم وأكرمهم، وما أرسلت قريش في تبعهم بشيء، لكنها أرسلت في الهجرة الثانية الكبيرة التي كان فيها عدد كبير حول المائة وسوف يأتي تفصليهم إن شاء الله، لكن في هذه المرة جلس الصحابة المهاجرون فترة بسيطة، من السابع من شهر رجب إلى شهر شوال فقط؛ رجب وشعبان ورمضان وشوال، أربعة أشهر.
ثم عادوا، ورجعوا من الحبشة إلى مكة، ولماذا عادوا؟ لأن هناك شائعات وأخبار بلغتهم أن أهل مكة قد أسلموا، والأخبار كانت تنقل آنذاك بطرق ووسائل بدائية من الصعب التثبت منها؛ جاءتهم إشاعة وهم في الحبشة أن مكة قد دخلت في دين الله، فقالوا: ما دام قد أسلم أهل مكة فلماذا نبقى هنا؟ نرجع إلى أهلنا وديارنا، فرجعوا ولما اقتربوا من مكة علموا أن الذي بلغهم من الخبر ليس إلا إشاعة، وعرفوا أن نار العداوة لا زالت مستعرة في قلوب الكفار، فرجع بعضهم إلى الحبشة وبعضهم دخل مستخفياً، وبعضهم دخل في جوار رجل من قريش -في جوار رجل، أي: في وجه رجل- وإذا أجار رجل رجلاً آخر فلا أحد يستطيع أن يصل إليه، خصوصاً إذا كان المجير هذا شخصية اعتبارية لها مكانتها الكبيرة في المجتمع.
стр. 2135
خطأ تاريخي حول سبب رجوع المهاجرين إلى مكة
وهناك زعم تاريخي باطل سوف نرده إن شاء الله بالأدلة، وهذا شائع عند كثير من الناس ولا يفهمون القول الحق فيه؛ يزعم بعض المؤرخين أن سبب رجوع المؤمنين من الحبشة كان لوقوع هدنة بين الرسول ﷺ وبين المشركين، وبين الإسلام وبين الكفر، وسبب هذه الهدنة: أن الرسول ﷺ تقرب إلى المشركين بمدح أصنامهم، والاعتراف بمنزلتها، إذ زعموا أن النبي ﷺ قرأ على المشركين سورة النجم لما نزلت حتى وصل إلى قوله : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم:١٩] اللات: صنم من أصنام قريش، والعزى: شجرة كانت تُعبد من قبل قريش، ومناة الثالثة الأخرى: صنم من أصنام قريش، ألقى الشيطان -تقوَّل الشيطان- في آذان المشركين كلمة اعتراضية فهموا منها أنها من الرسول ﷺ ، وهي كلمة: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهم لترتجى، ففهموا هم أنها من الرسول، وإذا كانت من الرسول فهي مدح للأصنام، وأن شفاعتها ترتجى، وأنها تضر وأنها تنفع، فسجد وسجد كفار مكة عند هذه الآية، فلما بلغهم ذلك وهم في الحبشة ظنوا أن القوم قد أسلموا لهذه القصة المزعومة المكذوبة.
هذه القصة رواها كثر من المؤرخين؛ فقد رواها ابن سعد في الطبقات، والطبري في تاريخه، والبيهقي في الشعب، ولكن لم يروها أحد من أصحاب الكتب الستة المعتبرة: لا البخاري ولا مسلم ولا النسائي ولا أبو داود ولا الترمذي ولا ابن ماجة، ولم يروها أيضاً الإمام أحمد في مسنده ولا غيره من أصحاب الكتب المعتبرة والمعتمدة في النقل، وهي باطلة كما يقرر العلماء، متناً وسندا.
أولاً: من حيث السند: يقول ابن كثير عند هذه الآيات: قد ذكر كثير من المفسرين قصة الغرانيق ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم، هذا كلام من؟ كلام ابن كثير، يقول: كل الطرق التي جاءت بها طرق مرسلة، والمرسل ضعيف لا يعتمد عليه ولا ينقل فيه خبر.
والقاضي عياض له مآخذ أخرى على القصة من حيث المتن والسند، يقول: أما المأخذ الأول: فيكفيك أن هذا الحديث لم يخرجه أحدٌ من أهل الكتب الصحيحة، ولا رواه ثقة بسند صحيح، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، واختلاف كلماته، وإنما أولع به بعض المؤرخين المولعين بكل غريب، والمتلقفين لكل صحيح وسقيم، ومن حكيت عنه هذه المقالة لم يسندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية.
هذا من حيث السند.
ثانياً: أما من حيث المتن: فإن هذه القصة مردودة بالقرآن الكريم، يقول الله في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤٢] وقد أبعد الله وضمن بهذه الآية الغواية عن عباده المرسلين بوحي الشيطان، وقد أقر رئيس الشياطين -وهو إبليس- بأنه ليس له سلطان على عباد الله المخلصين، فإذا لم يكن له سلطان على عباد الله فمن باب أولى أن لا يكون له سلطان على رسول الله ﷺ ، فهل يمكن أن يتقمص الشيطان شخصية الرسول ﷺ وأن يوحي عنه بمثل هذا الكذب؟ لا.
غير صحيح، فليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، وأي الناس أصدق إيماناً وأعظم توكلاً عليه من الأنبياء ومن أخصهم محمد ﷺ ؟! حسناً لماذا سجد المشركون لما قرأ الرسول ﷺ هذه الآيات عليهم؟ هنا العلة، هم بالفعل سجدوا، المشركون سجدوا عندما نزلت هذه السورة، والسبب كما يقوله المفسرون: ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قرأ سورة النجم في جماعة من المسلمين والمشركين في الحرم، وخواتيم هذه السورة فيها قوارع تطير منها القلوب، فلما أخذ صوت الرسول ﷺ يهدر بها ويزبد ويرعد بنذيرها، وصل إلى قول الله : ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى * هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى * أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٥٣ - ٦٢] كانت روعة الآيات وعظمة القرآن قد صدعت قلوبهم، فما تمالكوا أمام قوة البيان وقوة التلاوة إلا أن خروا ساجدين مع غيرهم من المسلمين، حتى إن الوليد بن المغيرة وكان كبير السن لا يستطيع أن يسجد، أخذ حفنة من البطحاء وسجد عليها وهي بيده، فلما أفاقوا بعدما رأوا الناس ساجدين وجدوا أنفسهم ساجدين مع المؤمنين الذين سجدوا لله، وأما هم فسجدوا من باب التأثر البالغ بالقرآن الكريم، فلما رفعوا رءوسهم أحسوا أنهم قد أخطئوا، وأنهم قد أقروا الرسول ﷺ والصحابة، فندموا على ما كان منهم، فأحبوا أن يعتذروا عن غلطهم، وقالوا: ما سجدنا لإله محمد إلا لأنه أثنى على آلهتنا وقد عرفتم القصة؟ يقولون: نحن ما سجدنا إلا لأن محمداً ذكر آلهتنا بخير؛ فنحن سجدنا له من باب المجاملة مثلما قالوا: نعبد إلهك سنة، وتعبد آلهتنا سنة، فأنزل الله : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:١ - ٥].
كانت هذه -أيها الإخوة- هي الأسباب الحقيقية لعودة الصحابة من الهجرة الأولى إلى مكة المكرمة، وهذا هو التفسير الصحيح للحدث الذي مر بـ مكة المكرمة وهو سجود المشركين مع المؤمنين عند نزول هذه السورة، وعند قراءة النبي ﷺ لهذه الآيات.
وهنا -أيها الإخوة- تنتهي أحداث هذا المشهد وهو الهجرة الأولى إلى الحبشة.
стр. 2136
خواطر على أبواب رمضان
يأتي بعدها أحداث الهجرة الثانية إلى الحبشة ولكنا نرجئ الحديث عنها إن شاء الله إلى الدرس القادم الذي سيكون بإذن الله في آخر شهر شوال نظراً لأن شهر رمضان كما هو معروف؛ شهر عبادة، وتقوى، وصلاة، وقراءة للقرآن، وفيه تتوقف الدروس كما كان السلف رحمهم الله تعالى؛ كانوا إذا دخل رمضان يوقفون جميع حلقات العلم؛ لأنه شهر القرآن، يقول الناظم:
يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب حتى عصى ربه في شهر شعبانِ
ها قد أضلك شهر الصوم بعدهما فلا تصيره أيضاً شهر عصيانِ
اتل الكتاب وسبح فيه مجتهداً فإنه شهر تسبيح وقرآنِ
كم كنت تعرف ممن صام في سلفٍ من بين أهل وجيران وإخوانِ
أفناهم الموت واستبقاك بعدهم حياً فما أقرب القاصي من الداني
ومعجبٍ بثياب العيد يقطعها فأصبحت في غدٍ أثواب أكفانِ
حتى متى يعمر الإنسان مسكنه مصير مسكنه قبرٌ لإنسانِ
وفيما تبقى معنا من الوقت -أيها الإخوة- نريد أن نتحدث عن قضيتين:
стр. 2137
حكم تخصيص ليلة النصف من شعبان ببعض العبادات
القضية الأولى: ما اعتاده بعض الناس من أداء بعض العبادات في ليلة النصف من شعبان أو يوم النصف من شعبان.
كلنا يعلم -أيها الإخوة- أن الله إنما خلق الناس للعبادة، وأن هذه العبادة التي خلقهم الله لها لا يمكن أن يعرفوها من عند أنفسهم، فبعث الله أنبياء ليعلموا الناس كيف يعبدون الله تعالى، يقول الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل:٣٦] وختم الله الأنبياء بالرسول الخاتم محمد ﷺ ، وأمر الناس بطاعة الرسول ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] وجعله القدوة والمثال والأسوة الحسنة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] لكن لمن؟ ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] فالذي يرجو ما عند الله، ويرجو النجاة يوم القيامة، ويذكر الله كثيراً هو الذي يكون له قدوة في رسول الله ﷺ .
جاء رسول الله ﷺ بهذا الدين وبلغه للأمة، وما مات ﷺ حتى بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ووقف في يوم عرفة والقرآن ينزل عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] أي: لا يوجد دين بعد هذه الآية؛ لأن الله تعالى أكمل الدين، فقال الرسول ﷺ للصحابة: (ألا هل بلغت؟ قالوا: اللهم نعم، قال: اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد) ونحن نشهد أنه بلغ الأمانة، وأدى الرسالة، ونصح الأمة، فجزاه الله عن الإسلام أفضل ما جزى نبياً عن أمته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
والذي يريد أن ينجو يلزمه أن يتابع الرسول ﷺ ، أما الزيادة على الرسول ﷺ بأي عمل مبتدع ليس عليه أمر الله ولا أمر الرسول فإنه يلزم منه ثلاثة أمور كلها سيئة: أولاً: أن الله ما أكمل الدين، وأن الآية هذه غير صحيحة، والذي يقول بذلك يكون كافراً، أي: الذي يقول: إن الله ما أكمل الدين وأن هذه الآية غير صحيحة، ما حكمه في الإسلام؟ الكفر، لماذا؟ قد لا يقولها بلسانه ويقولها بفعله -أي: يعمل شيئاً ليس عليه أمر الله تعالى، ويقول: هذا من الدين، أجل.
فالله لما قال هذه الآية لم يكمل الدين.
وهذا خطأ! ثانياً: يلزم من الابتداع تنقص جناب النبي ﷺ بأنه ما أدى الرسالة؛ فما دامت هذه من الدين والرسول لم يبلغها فإن الرسول قد كتمها -أي: أن الرسول لم يعلم الناس بها- وهل في الدنيا أحد يقول: إن الرسول ما بلغ الرسالة؟!! لا.
فالذي يقول: إن الرسول ما بلغ الرسالة يكفر.
ثالثاً: يلزم من البدعة لزوم ثالث، وهو: ضياع الدين! فإن الله حفظ لنا الدين بالوحيين: الكتاب والسنة، ولكن إذا أدخلنا فيه الرأي قام كل واحد برأيه؛ لأن أفكار الناس وآراء الناس واستحسانات الناس لا تنتهي؛ وليس لها حدود، فكل واحد يأتي لنا بدين، وربما بعد سنوات يأتينا ويقول: لا.
نريد أن نحيي ليلة السابع والعشرين من شعبان، لماذا؟ قال: لأننا نحيي ليلة السابع والعشرين من رمضان، فقياساً عليها نحيي هذه الليلة، نقول له: لا.
لا يجوز؛ لأنه لا يوجد دليل فالله قطع الطريق على من يريد أن يفسد على الناس دينهم بوجوب الاعتصام بالكتاب والسنة، لماذا؟ لأن الدين في الكتاب والسنة، وهذه الليلة -ليلة النصف من شعبان- لم يرد في إحيائها، ولا قيامها، ولا صيام يومها الخامس عشر دليل من كتاب أو سنة، وبما أنه لم يرد دليل فالتعبد فيها بدعة، وبعض الناس يحتج بدليل فيه مقال في سنده، لكن بعض العلماء يجمعون طرقه ورواياته ويضمون بعضها إلى بعض، فيرتفع إلى درجة الصحيح، كما صنع الشيخ الألباني، فقد جمع رواياته وقال: إن بعضها يشد بعضاً، ويحصل بمجموعها نقل الحديث إلى درجة الصحيح، لكن الحديث ليس فيه دليل على مشروعية القيام أو صيام ذلك النهار، لأن الحديث فيه خبر أن النبي ﷺ قال لـ عائشة: (إن الله يغفر في ليلة النصف من شعبان بعدد شعر غنم قبيلة كلب) قبيلة كلب هذه من قبائل العرب، كانت مشهورة بكثرة أغنامها، ولهذا يضرب بها المثل بكثرة مواشيها، فأخبر الرسول ﷺ أن الله في تلك الليلة يتجلى بالمغفرة والرحمة والرضوان على عدد كبير من الأمة بعدد شعر غنم هذه القبيلة، فالحديث أفاد خبر أن الله يغفر في هذه الليلة، وإذا قبلنا وسلمنا بصحته فنحن نأمل أن يغفر الله لنا مع من يغفر له في تلك الليلة، لكن ليس في الحديث دليل على مشروعية قيام ليله، أو صيام نهاره، أو إحيائه أو الاحتفال به، لماذا؟ لأن الحديث لم يتضمن هذا، فالحديث أخبر أن في هذه الليلة مغفرة، ولكن الرسول لم يقل: فقوموا ليله، أو صوموا نهاره، أو أحيوه، ولم يأمرنا، وبما أنه ﷺ لم يأمرنا فعلينا أن نقف، لماذا؟ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧].
وقال ﷺ في حديث آخر في الصحيحين: (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: إذا عملت عملاً وهو رد عليك، ماذا يصير هذا، سنة أم بدعة؟ بدعة؛ لأنه مردود عليك، فينبغي -أيها الإخوة- أن نقف عند كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
نحن في هذا الزمن والحمد لله زمن الصحوة؛ صحوة الأمة والعودة إلى دين الله، ولكننا نريد أن تكون صحوة على نور الكتاب والسنة، لا صحوة على ظلمات البدعة، والخرافات والأباطل؛ نريد صحوة راشدة، تتمسك بالوحيين -الكتاب والسنة- حتى تكون صحوة صحيحة إن شاء الله! فنريد أن نلفت الإخوة إلى هذا إذ لا ينبغي لأحد أن يقيم وزناً لأي احتفال أو أي صيام يحصل في هذا اليوم أو تلك الليلة.
أما شهر شعبان فإن صيامه مشروع لما ثبت في الصحيح: (أن النبي ﷺ كان يصوم رمضان وشعبان حتى نقول: لا يفطر، وكان يفطر حتى نقول: لا يصوم) فإذا رأينا إنساناً يصوم من شعبان لا ننكر عليه، أو كان من عادته أنه يصوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهور الأخرى وصامها في شعبان لا ننكر عليه؛ لأنها عادته، أو كان يصوم الإثنين والخميس من كل أسبوع وصادف يوم الخامس عشر من شعبان يوم الإثنين وصامه؛ لأن عادته أن يصوم كل إثنين وخميس فلا حرج عليه، لكن إذا كان لم يكن من عادته وصام يوم الإثنين، لأنه يوم الخامس عشر، نقول: لا.
هذا ليس عليه دليل هذا بدعة؛ لأنه يلزم أن يكون هناك دليل عليه.
هذه -أيها الإخوة- القضية الأولى التي أردت الحديث عنها.
стр. 2138
فضل شهر رمضان
نحن -أيها الإخوة- على أبواب شهر كريم، وموسم عظيم من مواسم الخير والرحمة، يتيحه الله للمؤمنين كل عام، وفيه تفتح أبواب الجنان فلا يغلق منها باب، وتغلق فيه أبواب النيران فلا يفتح منها باب، وهذا معناه -أيها الإخوة- دعوة للناس بأن أبواب الجنة مفتوحة فتفضلوا بالدخول، ودعوة إلى أن النار لا يدخلها أحد، فالأبواب مغلقة، ولو أردت أن تدخل النار فهي مغلقة أمامك؛ لأن بعض الناس مصر على أن يدخل النار -أي: بإصراره على المعاصي وعلى الكفر- ولهذا فالباب مقفل، لماذا؟ رمضان كريم! وبعض الناس يقعد عند باب النار حتى يأتي العيد -والعياذ بالله-.
ثم تغل فيه مردة الشياطين -المردة والجن والعفاريت الذين يغوون الناس، كلهم مسجونون- قال لي شخص من الناس: أرى بعض الناس حتى في رمضان على الشر وعلى المعاصي؟ قلت: هذا لأنه هو نفسه شيطان، وأما شيطانه فإنه مسجون، لكن هو ليس مسجوناً، فأصبح مجرماً بدون شيطان -أي: هو شيطان أصلي والعياذ بالله- ثم متى تنتهي المهلة؟ تنتهي ليلة العيد، ولكن من فضل الله في رمضان أن يعود الناس للدين، فالذي ما كان يصلي في المسجد يأتي ليصلي، والذي ما كان يقرأ القرآن يقرأ القرآن، والذي كان فاسقاً تجد عنده نشوة، لماذا؟ لأن الشيطان محبوس، ويأتي الناس للعمرة، وتجد حياة للإيمان، لكن ليلة العيد يطلق المساجين -مساجين الشيطان- وحينها تعال وابحث عن الناس في ثاني العيد -صباح صلاة الفجر في ثاني يوم العيد- وانظر إلى المسجد كم يصلي فيه، مع أن المسجد في الليلة التي قبلها يوم تسعة وعشرين -أو ثلاثين- مليء بالمصلين، ولما انطلق السجناء أمسك كل واحد قرينه، قالوا: نم.
فقد انتهى رمضان، لا تصل في المسجد، ولهذا لا يصلي في المسجد إلا أولئك الذين عندهم قوة وتحرر من الشيطان.
هذا الشهر العظيم -أيها الإخوة- يضاعف فيه الأجر، ويزاد في رزق المؤمن، فمن عمل فيه حسنة كانت كمن عمل ألف حسنة، ومن أدى فيه فريضة كانت كمن أدى سبعين فريضة، وفيه يتجلى الله بالمغفرة على الناس ففي كل يوم يعتق ألف ألف عتيق من النار -يعني: مليون- كلهم قد استوجبوا النار، وفي آخر ليلة يعتق بقدر من أعتق من أول الشهر.
ويدعو النبي ﷺ دعاء على من لم يغفر له في رمضان والحديث صحيح: (صعد الرسول ﷺ المنبر يوماً من الأيام, وقال: آمين، آمين، آمين -ثلاث مرات- قال الصحابة: يا رسول الله! تقول: آمين وما سمعنا أحداً حدثك، قال: حدثني جبريل، قال لي: يا محمد! قل: آمين، قلت: آمين، قال: رغم أنف من أدرك رمضان ولم يغفر له، قل: آمين، فقلت: آمين) هذا دعاء بأن يرغم أنفه، أتدرون ما معنى رغام الأنف؟ الرغام: هو التراب المسحوق الدقيق الذي إذا وضعت يدك فيه فإنه يغبرها، رغم أنفه، أي: تمرغ أنفه بالرغام -يعني خاسر- وعندما تقول: سأضع أنفك على التراب، يعني: إهانة كاملة (رغم أنفه من أدرك رمضان ولم يغفر له) وإذا لم يغفر لك في رمضان فمتى يغفر لك؟ وإذا كان شيطانك محبوساً في رمضان وعييت إلا أن تكون شيطاناً، فسوف يأتيك شيطانك في شوال حتى تصبحا شيطانين -أنت وقرينك- وبعض الناس -والعياذ بالله- لا ينشط في الشر إلا في رمضان، بل بعضهم لا ينشط إلا في العشر الأواخر من رمضان! الناس في القيام وفي التهجد وهو على المحارم وعلى الزنا، والغناء، والفجور، بل بعضهم يقطع تذكرة سفر من أول العشر ليكمل العشر في الشر -والعياذ بالله- والفساد! بينما يأتي الناس من جميع أقطار الأرض إلى هنا ليعتمروا في رمضان! ولو ذهبت للحجز في الخطوط السعودية فلن تجد مكاناً، لماذا؟ لأن أهل الشر خرجوا لإكمال! خرجوا للعمرة ولكن في بلاد الضلال -والعياذ بالله-.
(قال: قل: آمين -الثانية- قال: رغم أنف من أدرك أحد أبويه أو كلاهما فلم يدخلاه الجنة، قل: آمين، فقلت: آمين) وجود أمك أو أبيك فرصة لا تعوض وليس لها ثمن أن تدخل الجنة عن طريق برهما، من أين تأتي بأم وأب إذا مات أبوك وأمك، ما معك إلا هما، فلا تضيع فرصتك، أبوك وأمك لن يعيشا طويلاً، وهم ضيوف عندك الآن، وبهما أكرمك الله وجعل لك باباً.
يذكر أن شخصاً ماتت أمه فقعد يبكي، ولما قالوا له: يرحمك الله، أنت تعرف أن الموت حق؟ قال: لا أبكي من الموت، ولكن أبكي أن باباً من أبواب الجنة قد أقفل في وجهي.
يقول: ليس معي طريق، كان معي طريقين وقد أُغلق أحدها علي وهو باب أمي، فالله الله في استغلال هذا الباب، فإنه لو ماتت أمك أو مات أبوك وأنت غير بار بهم فستبقى حرقة في قلبك إلى يوم القيامة.
الثالث: قال: (رغم أنف من ذكرت عنده يا محمد فلم يصلِّ عليك) اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صلاة دائمة ما دام الليل والنهار وعلى آله وصحبه وسلم.
فهذا رمضان فرصتك أيها المسلم، ولقد كان السلف ﵏ يفرحون برمضان، فقد كانوا يسألون الله أن يبلغهم رمضان ستة أشهر، فإذا انتهى رمضان طلبوا الله ستة أشهر أن يتقبل عملهم في رمضان، فهم ما بين سؤال للقبول، وسؤال للبلوغ، أي: مرابطة على رمضان المبارك، يفرحون برمضان لاعتبارات: أولا: لصيامه.
ثانياً: لقيامه.
ثالثاً: لتلاوة القرآن فيه.
هذا شغل السلف: يصومون النهار ويقومون الليل، ويقرءون القرآن في كل وقت في الليل والنهار، وكانوا يختارون لأعمالهم الجهادية رمضان، فمعركة بدر كانت في رمضان، والفتح كان في رمضان، وعين جالوت كانت في رمضان لماذا؟ لأنه شهر القوة، والإيمان، والجهاد، والنضال.
стр. 2139
مفاهيم خاطئة عن رمضان
لقد غابت هذه المفاهيم -أيها الإخوة- عن كثير من الناس في هذا الزمان، وأصبح الناس يفرحون برمضان لا لأنه شهر الصيام والقيام والتلاوة، يفرحون لأشياء أخرى، منها: أولاً: يفرحون برمضان؛ لأنه شهر الطعام -شهر الأكلات- وإذا رأيت الناس في أواخر شعبان ومع بدايات رمضان ظننت أنهم كانوا صائمين طوال العام، وأنه دخل الشهر الذي يأكلون فيه، بينما دخل الشهر الذي يصومون فيه، والمفروض بمنطق العقل أنك ما دمت تأكل طوال السنة وجاء رمضان فلا حاجة لشراء الفائض من المأكولات، لماذا؟ لأنك ستصوم، ولكن الناس عندما جاء رمضان اتجهوا لتكديس المأكولات لرمضان، وبدأت البيانات تصدر من أمهات البيوت وربات الأسر، وكل واحدة تطلب المشتريات، إذ لا بأس بطلب أعداد بسيطة، لا بكميات ضخمة -كراتين- كرتون شربة، وكرتون مكرونة، وكرتون قطر الموز، وكرتون جيلي بالكراتين، وترى الأسواق وأماكن بيع المواد الغذائية تستعد بالبضائع الجديدة وتنشرها في مقدمة الأسواق، وتخرجها أمام المحلات التجارية، ويستعد الناس بالمبالغ الطائلة التي توفر طول السنة، ويقولون: (سنة ما تخدم شهر؟!) لابد أن نأكل، رمضان كريم! دعنا نأكل فقط! رمضان كريم لكي تصير كريماً! وليس لتأكل وتترك الفقراء والمساكين بدون طعام.
ويملئون البيوت بالخيرات وإذا بدأ رمضان أتاك الرجل وهو منشغل طوال اليوم، في حين تكون المرأة نائمة إلى الظهر، ومن الظهر إلى المغرب تكون المرأة مشغولة بالطبخ! إعلان عن حالة طوارئ في المطابخ النيران تشتعل، وبعض المواقد فيها عشرة عيون، وكلها تشوي وتقلي وتطبخ والمرأة قائمة على قدم وساق، والأولاد، والبنات، والخادمات، والرجل أحيانا يشارك ويمر عليهم للإشراف، يقول: (نفزع، تريدون نقلب، ونشوي، ونعرك، ونعصد، ونعصر في شيء؟) وإذا كانوا غير محتاجين لمساعدته قالوا له: اذهب وأشتر من السوق شيئاً حلواً -حلاوة- أو حنيذاً على الطريق، أو خضاراً أو حتى إذا أتت السفرة ترى أمامك سفرة فيها عشرات الأنواع من الأطعمة، والإنسان ليس في بطنه إلا معدة بسيطة؛ لكنه الجشع والطمع وعدم معرفة الحكمة من فرض الله لهذا الصوم.
فالرجل بناءً على الاهتمام بالمشتروات لا يمكنه أن يقرأ، متى يقرأ؟ هو في الصباح نائم إلى الساعة العاشرة، ثم يذهب إلى الدوام ولا يرجع إلا الساعة الثالثة، فإذا صلى العصر ذهب لشراء الإفطار حتى المغرب فليس هناك وقت للقراءة، والمرأة متى تقرأ؟ لا تقرأ؛ لأنها من الصباح إلى الظهر نائمة، وبعد ذلك إلى المغرب وهي تطبخ، ومن المغرب إلى السحور وهي تأكل، فمتى تقرأ القرآن؟ لا وقت للقراءة، فإذا أتى وقت الإفطار وجدت أمامك سفرة تكفي لأن تكون طعاماً رئيسياً تعجز عن هضمها بطون الجمال فما بالك بمعدة الإنسان! المفروض في السنة أن يفطر الإنسان على تمرات، هذه التمرات والماء -أو اللبن- تقوم بعملية ترويض للمعدة؛ لأن المعدة وقد توقفت ساعات طويلة عن الأكل يحصل فيها ضمور وكسل، فتحتاج إلى تشغيل؛ لكن بطريقة بسيطة (يعني: تحميها مثلما تشغل السيارة، عندما تشغل السيارة تقول: دعها تسخن، لكن لو شغلت ومشيت مباشرة فلن تمشي السيارة)، فأنت تحميها بتمرات وبفنجان ماء -أو لبن- ثم تذهب لتصلي، وعندما ترجع للعشاء تكون معدتك قد أصبح عندها قدرة على الهضم واستعادت نشاطها، ولكن عندما تكبسها مباشرة مع الفطور بالأكل الكامل الذي هو من أعقد الأكل، مثل السنبوسة؛ لأنها محشوة باللحم والبيض والخضار ومقلية بالسمن -فهذه كلها شحوم- وكم يأكل الإنسان؟ هذا الفطور فقط، أربعون قطعة سنبوسة -هذه أكلة المقتصد- وأربعون قطعة من (لقمة القاضي) وثلاث صحون شربة، وكوب عصير برتقالاً، وعصير فراولة، وعصير (قمر الدين) وبعد ذلك يصلي، ثم بعد الصلاة يأتي ليجد سفرة مملوءة بشتى أنواع الطعام ولا بد أن يأكل سواء كان راضياً أو مكرهاً؛ لأن المرأة قد تعبت، وتصيح عليه وتقول: أنا فعلت هذا لمن؟ أتعب طوال يومي من أجل أن تتفرج عليه؟ والله تأكل، والله تأخذ من هذه، فيقول: طيب طيب طيب إلى أن يعبئ معدته ولا يستطيع أن يقوم، وبعضهم لا يستطيع أن يقوم ليغسل، ويقول: اسحبوني أو أعطوني الماء! كيف يصلي التراويح يا أخواني؟!! المؤذن بعد ساعة ونصف من المغرب يؤذن لصلاة العشاء، لكن في رمضان بعد ساعتين، لماذا؟ لكي يتعشى الناس فإذا بدأت الصلاة في المساجد لا يستطيع أن يقوم قال: ابحثوا لنا عن إمام يصلي بنا صلاة مقبولة -يعني: ينقرها في خمس دقائق- وإذا وجدوا إماماً يصلي صلاة طيبة فيها تلاوة وفيها قيام وذكر، مثلما كانت عائشة تقول في رواية البخاري ومسلم، تقول: (ما كان ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره عن إحدى عشرة ركعة، لكن قالت: فلا تسأل عن طولهن وحسنهن والقراءة فيهن وركوعهن وسجودهن) صلاة وليست مسابقة صلاة صحيحة! لكن يبحث له عن إمام ينقرها نقر الغراب، (الله أكبر، سمع الله لمن حمد، وإذا خرج قال: الله يذكره بالخير، جزاه الله خيراً، هذا هو الإمام الميسر) وإذا صلى مع إمام يصلي صلاة صحيحة قال: الله أكبر عليه! كسر أرجلنا، وكسر ظهورنا، هذا فتان كسر ظهرك؛ لأن بطنك ممتلئة؛ لأن الحمولة زائدة في بطنك، ولو أن بطنك خفيفة لكنت عرفت كيف تصلي، إن مشكلة الصلاة هي مشكلتك أنت في الأكل.
فإذا انتهت الصلاة -صلاة التراويح- ورجع البيت طلب التعتيمة، والتعتيمة هذه سفرة كاملة من الحلويات والمكسرات والمجمرات والمحمرات التي لا يستطيع أحد أن يعدها إلى أن يأتي السحور، فإذا أتى السحور قال: السحور يريد له شيئاً جامداً؛ لأننا سوف نبقى بعد ذلك صائمين، ما هو هذا الجامد؟ قال: شيء يبقى في البطن -لا تهضمه بسهولة- إما عريك وسمن، وإما عصيد ومرق، طيب وكم تأكل، قال: آكل قليلاً، لكن متى؟ قال: قبل الأذان بربع ساعة، لكي ينتهي ونحن نكمل، حتى لا تفوت أي دقيقة.
بل أخبرت الإخوة في الأمس أني كنت في المسجد فجاءني سؤال من شخص يسأل في التلفون، يقول: يا شيخ هل نمسك مع (الله أكبر) في بداية أذان الفجر، أو مع آخر الأذان: لا إله إلا الله؟!! لا حول ولا قوة إلا بالله! يريد أن يأكل حتى مع الأذان، فقلت له: أنت في المغرب إذا أذن تفطر مع (الله أكبر) أو مع (لا إله إلا الله) قال: أفطر مع الله أكبر، قلت: وأمسك مع الله أكبر، فقوله: (الله أكبر) يعني طلوع الفجر، لا يجوز أن تأكل أيها الإنسان! فطوال الليل وهو يأكل، بالله عليكم أهذا شهر صيام -يا أخواني-؟! ومن ضمن أهداف الصيام صحة البدن، وهذا أسلوب علاجي جديد يمارس الآن في الدول الغربية، فإذا رأوا شخصاً عنده علل وأمراض، يقولون: العلاج بالصيام (ممنوع الأكل) لأنهم لا يصومون، ونحن عندنا العلاج بالصيام دين؛ نأخذ كل سنة شهراً لنعطي المعدة إجازة، لنخرج يوم العيد وهي صحيحة ونشيطة، لكن الآن يحصل العكس، فعندما شغلناها بهذه الكميات فإننا نخرج من رمضان والمعدات كلها منتهية، بل إنك في أول أسبوع من رمضان -طبقوا كلامي فوالله إني طبقته أنا ورأيته بعيني- في أول أسبوع اذهب إلى المستشفى وانظر، تجد الأطباء ليس هناك طبيب من أطباء الأقسام أحد، لا حنجرة ولا أذن ولا عظام ولا عيون ولا شيء، إلا أطباء الباطنية، لوحات كلها باطنية، وعلى كل طبيب عشرة مرضى، وكل واحد يقول: بطني يا دكتور بطني! بطنك من يدك يا أخي، اترك الطعام في السفرة، لماذا تأخذه في بطنك ثم تذهب تشتكي، وبعضهم لا يمشي إلا وهو يحبو، وبعضهم يأخذ له مشروبات غازية، ما هذه؟ قال: هذه تهضم، وهي لا تهضم، هذه تخربط بطنك -أيها الإنسان- فأحسن شيء -أيها الإخوة- أن نقتصر على القليل من الطعام، وأن نوفر المال هذا لننفق على الفقراء، يوجد مساكين -أيها الإخوة- في مجتمعنا لا يجدون شيئاً، أعرف كثيراً والله في مكة من الأسر من يمر عليهم الشهر ولا يشمون رائحة اللحم، إلا يوماً في الشهر عن طريق صدقة من جمل -كيلو أو نصف كيلو- يطبخونها ويشمونها فقط، ونحن نرمي -أيها الإخوة- هذه النعم في الزبائل في رمضان وفي غير رمضان! وأنا لا أقول للناس: لا تنفقوا.
أنفقوا لكن في مجال الخير، وليس في الإسراف، وليس في رمي هذه النعم في صناديق النفايات، هذا المفهوم الأول -أيها الإخوة-.
المفهوم الثاني: أن بعض الناس يفرحون برمضان غالباً؛ لأنه شهر السهرات، قال بعضهم: رمضان كريم، ولياليه نريد أن نحييها، (فبضعهم يشكل بشكات البلوت، وبعضهم يشكل بشكات اللعب بأي نوع من أنواع اللعب) فيجعلون ليالي رمضان المباركة؛ ليالي الرحمة، وليالي التنزل الإلهي بالمغفرة، يجعلونها تضيع في الورق، فيتقابلون من بعد صلاة العشاء إلى الفجر للعب (كبوت وخمسين ومائة وسرى وديمن وشرية واسبيت، ويقول كذا، ما هذا؟ قال: خاص، شغلة أطفال، يقولها واحد عاقل كذا، ينزل لسانه مثل لسان التيس، ما هذا الشغل -يا إخوان-؟ وبعضهم يزعل ويرمي الورقة في وجهه، قال: أنت أصلك مغفل وما تعرف تلعب) عجيب! الله أكبر أيها الإخوة! هذا والله من الباطل الذي لا ينبغي أن تضيع الأوقات فيه، وبعضهم على الكيرم، يقول: أنقشها حبة حبة، لعاب أنا مرة، إسرائيل تفجر الذرة ونحن ننقشها حبة حبة، الله المستعان! لا إله إلا الله! ما عندنا إلا (الورق) (والكيرم).
وبعضهم على اللعب، لا عليك! فالذي يلعب ألعاباً رياضية أخف منهم فليس هناك مانع، لأن الرياضة فيها منفعة، فاللهو ينقسم إلى قسمين: لهو ليس منه مصلحة وهو اللعب بالورق وهو الذي يقتل وقت المسلم من غير مصلحة، بل تجلب العداوة والبغضاء بين قلوب من يلعبها، ولهو فيه مصلحة، وهو الرياضة، كلعب كرة القدم، والطائرة، بشرط ألا تلعب في وقت صلاة أو وقت تراويح وألا تلعب مع فسقة أو تكشف عورتك لا مانع، فالرياضة طيبة؛ لأن لها أصلاً في الدين، والنبي ﷺ سابق عائشة والسباق رياضة، وصارع ركانة الباهلي والمصارعة رياضة: (والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) أي: إذا عندك قوة في جسدك فأنت أفضل؛ لكن بشرط: أن تكون قوة -أيضاً- في الحق، وا
стр. 2140
الأسئلة
следующие страницы →