Полный текст (2 982 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
خواطر على أبواب رمضان
يأتي بعدها أحداث الهجرة الثانية إلى الحبشة ولكنا نرجئ الحديث عنها إن شاء الله إلى الدرس القادم الذي سيكون بإذن الله في آخر شهر شوال نظراً لأن شهر رمضان كما هو معروف؛ شهر عبادة، وتقوى، وصلاة، وقراءة للقرآن، وفيه تتوقف الدروس كما كان السلف رحمهم الله تعالى؛ كانوا إذا دخل رمضان يوقفون جميع حلقات العلم؛ لأنه شهر القرآن، يقول الناظم:
يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب حتى عصى ربه في شهر شعبانِ
ها قد أضلك شهر الصوم بعدهما فلا تصيره أيضاً شهر عصيانِ
اتل الكتاب وسبح فيه مجتهداً فإنه شهر تسبيح وقرآنِ
كم كنت تعرف ممن صام في سلفٍ من بين أهل وجيران وإخوانِ
أفناهم الموت واستبقاك بعدهم حياً فما أقرب القاصي من الداني
ومعجبٍ بثياب العيد يقطعها فأصبحت في غدٍ أثواب أكفانِ
حتى متى يعمر الإنسان مسكنه مصير مسكنه قبرٌ لإنسانِ
وفيما تبقى معنا من الوقت -أيها الإخوة- نريد أن نتحدث عن قضيتين:
стр. 2137
حكم تخصيص ليلة النصف من شعبان ببعض العبادات
القضية الأولى: ما اعتاده بعض الناس من أداء بعض العبادات في ليلة النصف من شعبان أو يوم النصف من شعبان.
كلنا يعلم -أيها الإخوة- أن الله إنما خلق الناس للعبادة، وأن هذه العبادة التي خلقهم الله لها لا يمكن أن يعرفوها من عند أنفسهم، فبعث الله أنبياء ليعلموا الناس كيف يعبدون الله تعالى، يقول الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل:٣٦] وختم الله الأنبياء بالرسول الخاتم محمد ﷺ ، وأمر الناس بطاعة الرسول ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] وجعله القدوة والمثال والأسوة الحسنة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] لكن لمن؟ ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] فالذي يرجو ما عند الله، ويرجو النجاة يوم القيامة، ويذكر الله كثيراً هو الذي يكون له قدوة في رسول الله ﷺ .
جاء رسول الله ﷺ بهذا الدين وبلغه للأمة، وما مات ﷺ حتى بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ووقف في يوم عرفة والقرآن ينزل عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣] أي: لا يوجد دين بعد هذه الآية؛ لأن الله تعالى أكمل الدين، فقال الرسول ﷺ للصحابة: (ألا هل بلغت؟ قالوا: اللهم نعم، قال: اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، اللهم فاشهد) ونحن نشهد أنه بلغ الأمانة، وأدى الرسالة، ونصح الأمة، فجزاه الله عن الإسلام أفضل ما جزى نبياً عن أمته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
والذي يريد أن ينجو يلزمه أن يتابع الرسول ﷺ ، أما الزيادة على الرسول ﷺ بأي عمل مبتدع ليس عليه أمر الله ولا أمر الرسول فإنه يلزم منه ثلاثة أمور كلها سيئة: أولاً: أن الله ما أكمل الدين، وأن الآية هذه غير صحيحة، والذي يقول بذلك يكون كافراً، أي: الذي يقول: إن الله ما أكمل الدين وأن هذه الآية غير صحيحة، ما حكمه في الإسلام؟ الكفر، لماذا؟ قد لا يقولها بلسانه ويقولها بفعله -أي: يعمل شيئاً ليس عليه أمر الله تعالى، ويقول: هذا من الدين، أجل.
فالله لما قال هذه الآية لم يكمل الدين.
وهذا خطأ! ثانياً: يلزم من الابتداع تنقص جناب النبي ﷺ بأنه ما أدى الرسالة؛ فما دامت هذه من الدين والرسول لم يبلغها فإن الرسول قد كتمها -أي: أن الرسول لم يعلم الناس بها- وهل في الدنيا أحد يقول: إن الرسول ما بلغ الرسالة؟!! لا.
فالذي يقول: إن الرسول ما بلغ الرسالة يكفر.
ثالثاً: يلزم من البدعة لزوم ثالث، وهو: ضياع الدين! فإن الله حفظ لنا الدين بالوحيين: الكتاب والسنة، ولكن إذا أدخلنا فيه الرأي قام كل واحد برأيه؛ لأن أفكار الناس وآراء الناس واستحسانات الناس لا تنتهي؛ وليس لها حدود، فكل واحد يأتي لنا بدين، وربما بعد سنوات يأتينا ويقول: لا.
نريد أن نحيي ليلة السابع والعشرين من شعبان، لماذا؟ قال: لأننا نحيي ليلة السابع والعشرين من رمضان، فقياساً عليها نحيي هذه الليلة، نقول له: لا.
لا يجوز؛ لأنه لا يوجد دليل فالله قطع الطريق على من يريد أن يفسد على الناس دينهم بوجوب الاعتصام بالكتاب والسنة، لماذا؟ لأن الدين في الكتاب والسنة، وهذه الليلة -ليلة النصف من شعبان- لم يرد في إحيائها، ولا قيامها، ولا صيام يومها الخامس عشر دليل من كتاب أو سنة، وبما أنه لم يرد دليل فالتعبد فيها بدعة، وبعض الناس يحتج بدليل فيه مقال في سنده، لكن بعض العلماء يجمعون طرقه ورواياته ويضمون بعضها إلى بعض، فيرتفع إلى درجة الصحيح، كما صنع الشيخ الألباني، فقد جمع رواياته وقال: إن بعضها يشد بعضاً، ويحصل بمجموعها نقل الحديث إلى درجة الصحيح، لكن الحديث ليس فيه دليل على مشروعية القيام أو صيام ذلك النهار، لأن الحديث فيه خبر أن النبي ﷺ قال لـ عائشة: (إن الله يغفر في ليلة النصف من شعبان بعدد شعر غنم قبيلة كلب) قبيلة كلب هذه من قبائل العرب، كانت مشهورة بكثرة أغنامها، ولهذا يضرب بها المثل بكثرة مواشيها، فأخبر الرسول ﷺ أن الله في تلك الليلة يتجلى بالمغفرة والرحمة والرضوان على عدد كبير من الأمة بعدد شعر غنم هذه القبيلة، فالحديث أفاد خبر أن الله يغفر في هذه الليلة، وإذا قبلنا وسلمنا بصحته فنحن نأمل أن يغفر الله لنا مع من يغفر له في تلك الليلة، لكن ليس في الحديث دليل على مشروعية قيام ليله، أو صيام نهاره، أو إحيائه أو الاحتفال به، لماذا؟ لأن الحديث لم يتضمن هذا، فالحديث أخبر أن في هذه الليلة مغفرة، ولكن الرسول لم يقل: فقوموا ليله، أو صوموا نهاره، أو أحيوه، ولم يأمرنا، وبما أنه ﷺ لم يأمرنا فعلينا أن نقف، لماذا؟ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧].
وقال ﷺ في حديث آخر في الصحيحين: (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: إذا عملت عملاً وهو رد عليك، ماذا يصير هذا، سنة أم بدعة؟ بدعة؛ لأنه مردود عليك، فينبغي -أيها الإخوة- أن نقف عند كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
نحن في هذا الزمن والحمد لله زمن الصحوة؛ صحوة الأمة والعودة إلى دين الله، ولكننا نريد أن تكون صحوة على نور الكتاب والسنة، لا صحوة على ظلمات البدعة، والخرافات والأباطل؛ نريد صحوة راشدة، تتمسك بالوحيين -الكتاب والسنة- حتى تكون صحوة صحيحة إن شاء الله! فنريد أن نلفت الإخوة إلى هذا إذ لا ينبغي لأحد أن يقيم وزناً لأي احتفال أو أي صيام يحصل في هذا اليوم أو تلك الليلة.
أما شهر شعبان فإن صيامه مشروع لما ثبت في الصحيح: (أن النبي ﷺ كان يصوم رمضان وشعبان حتى نقول: لا يفطر، وكان يفطر حتى نقول: لا يصوم) فإذا رأينا إنساناً يصوم من شعبان لا ننكر عليه، أو كان من عادته أنه يصوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهور الأخرى وصامها في شعبان لا ننكر عليه؛ لأنها عادته، أو كان يصوم الإثنين والخميس من كل أسبوع وصادف يوم الخامس عشر من شعبان يوم الإثنين وصامه؛ لأن عادته أن يصوم كل إثنين وخميس فلا حرج عليه، لكن إذا كان لم يكن من عادته وصام يوم الإثنين، لأنه يوم الخامس عشر، نقول: لا.
هذا ليس عليه دليل هذا بدعة؛ لأنه يلزم أن يكون هناك دليل عليه.
هذه -أيها الإخوة- القضية الأولى التي أردت الحديث عنها.
стр. 2138
فضل شهر رمضان
نحن -أيها الإخوة- على أبواب شهر كريم، وموسم عظيم من مواسم الخير والرحمة، يتيحه الله للمؤمنين كل عام، وفيه تفتح أبواب الجنان فلا يغلق منها باب، وتغلق فيه أبواب النيران فلا يفتح منها باب، وهذا معناه -أيها الإخوة- دعوة للناس بأن أبواب الجنة مفتوحة فتفضلوا بالدخول، ودعوة إلى أن النار لا يدخلها أحد، فالأبواب مغلقة، ولو أردت أن تدخل النار فهي مغلقة أمامك؛ لأن بعض الناس مصر على أن يدخل النار -أي: بإصراره على المعاصي وعلى الكفر- ولهذا فالباب مقفل، لماذا؟ رمضان كريم! وبعض الناس يقعد عند باب النار حتى يأتي العيد -والعياذ بالله-.
ثم تغل فيه مردة الشياطين -المردة والجن والعفاريت الذين يغوون الناس، كلهم مسجونون- قال لي شخص من الناس: أرى بعض الناس حتى في رمضان على الشر وعلى المعاصي؟ قلت: هذا لأنه هو نفسه شيطان، وأما شيطانه فإنه مسجون، لكن هو ليس مسجوناً، فأصبح مجرماً بدون شيطان -أي: هو شيطان أصلي والعياذ بالله- ثم متى تنتهي المهلة؟ تنتهي ليلة العيد، ولكن من فضل الله في رمضان أن يعود الناس للدين، فالذي ما كان يصلي في المسجد يأتي ليصلي، والذي ما كان يقرأ القرآن يقرأ القرآن، والذي كان فاسقاً تجد عنده نشوة، لماذا؟ لأن الشيطان محبوس، ويأتي الناس للعمرة، وتجد حياة للإيمان، لكن ليلة العيد يطلق المساجين -مساجين الشيطان- وحينها تعال وابحث عن الناس في ثاني العيد -صباح صلاة الفجر في ثاني يوم العيد- وانظر إلى المسجد كم يصلي فيه، مع أن المسجد في الليلة التي قبلها يوم تسعة وعشرين -أو ثلاثين- مليء بالمصلين، ولما انطلق السجناء أمسك كل واحد قرينه، قالوا: نم.
فقد انتهى رمضان، لا تصل في المسجد، ولهذا لا يصلي في المسجد إلا أولئك الذين عندهم قوة وتحرر من الشيطان.
هذا الشهر العظيم -أيها الإخوة- يضاعف فيه الأجر، ويزاد في رزق المؤمن، فمن عمل فيه حسنة كانت كمن عمل ألف حسنة، ومن أدى فيه فريضة كانت كمن أدى سبعين فريضة، وفيه يتجلى الله بالمغفرة على الناس ففي كل يوم يعتق ألف ألف عتيق من النار -يعني: مليون- كلهم قد استوجبوا النار، وفي آخر ليلة يعتق بقدر من أعتق من أول الشهر.
ويدعو النبي ﷺ دعاء على من لم يغفر له في رمضان والحديث صحيح: (صعد الرسول ﷺ المنبر يوماً من الأيام, وقال: آمين، آمين، آمين -ثلاث مرات- قال الصحابة: يا رسول الله! تقول: آمين وما سمعنا أحداً حدثك، قال: حدثني جبريل، قال لي: يا محمد! قل: آمين، قلت: آمين، قال: رغم أنف من أدرك رمضان ولم يغفر له، قل: آمين، فقلت: آمين) هذا دعاء بأن يرغم أنفه، أتدرون ما معنى رغام الأنف؟ الرغام: هو التراب المسحوق الدقيق الذي إذا وضعت يدك فيه فإنه يغبرها، رغم أنفه، أي: تمرغ أنفه بالرغام -يعني خاسر- وعندما تقول: سأضع أنفك على التراب، يعني: إهانة كاملة (رغم أنفه من أدرك رمضان ولم يغفر له) وإذا لم يغفر لك في رمضان فمتى يغفر لك؟ وإذا كان شيطانك محبوساً في رمضان وعييت إلا أن تكون شيطاناً، فسوف يأتيك شيطانك في شوال حتى تصبحا شيطانين -أنت وقرينك- وبعض الناس -والعياذ بالله- لا ينشط في الشر إلا في رمضان، بل بعضهم لا ينشط إلا في العشر الأواخر من رمضان! الناس في القيام وفي التهجد وهو على المحارم وعلى الزنا، والغناء، والفجور، بل بعضهم يقطع تذكرة سفر من أول العشر ليكمل العشر في الشر -والعياذ بالله- والفساد! بينما يأتي الناس من جميع أقطار الأرض إلى هنا ليعتمروا في رمضان! ولو ذهبت للحجز في الخطوط السعودية فلن تجد مكاناً، لماذا؟ لأن أهل الشر خرجوا لإكمال! خرجوا للعمرة ولكن في بلاد الضلال -والعياذ بالله-.
(قال: قل: آمين -الثانية- قال: رغم أنف من أدرك أحد أبويه أو كلاهما فلم يدخلاه الجنة، قل: آمين، فقلت: آمين) وجود أمك أو أبيك فرصة لا تعوض وليس لها ثمن أن تدخل الجنة عن طريق برهما، من أين تأتي بأم وأب إذا مات أبوك وأمك، ما معك إلا هما، فلا تضيع فرصتك، أبوك وأمك لن يعيشا طويلاً، وهم ضيوف عندك الآن، وبهما أكرمك الله وجعل لك باباً.
يذكر أن شخصاً ماتت أمه فقعد يبكي، ولما قالوا له: يرحمك الله، أنت تعرف أن الموت حق؟ قال: لا أبكي من الموت، ولكن أبكي أن باباً من أبواب الجنة قد أقفل في وجهي.
يقول: ليس معي طريق، كان معي طريقين وقد أُغلق أحدها علي وهو باب أمي، فالله الله في استغلال هذا الباب، فإنه لو ماتت أمك أو مات أبوك وأنت غير بار بهم فستبقى حرقة في قلبك إلى يوم القيامة.
الثالث: قال: (رغم أنف من ذكرت عنده يا محمد فلم يصلِّ عليك) اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد صلاة دائمة ما دام الليل والنهار وعلى آله وصحبه وسلم.
فهذا رمضان فرصتك أيها المسلم، ولقد كان السلف ﵏ يفرحون برمضان، فقد كانوا يسألون الله أن يبلغهم رمضان ستة أشهر، فإذا انتهى رمضان طلبوا الله ستة أشهر أن يتقبل عملهم في رمضان، فهم ما بين سؤال للقبول، وسؤال للبلوغ، أي: مرابطة على رمضان المبارك، يفرحون برمضان لاعتبارات: أولا: لصيامه.
ثانياً: لقيامه.
ثالثاً: لتلاوة القرآن فيه.
هذا شغل السلف: يصومون النهار ويقومون الليل، ويقرءون القرآن في كل وقت في الليل والنهار، وكانوا يختارون لأعمالهم الجهادية رمضان، فمعركة بدر كانت في رمضان، والفتح كان في رمضان، وعين جالوت كانت في رمضان لماذا؟ لأنه شهر القوة، والإيمان، والجهاد، والنضال.
стр. 2139
مفاهيم خاطئة عن رمضان
لقد غابت هذه المفاهيم -أيها الإخوة- عن كثير من الناس في هذا الزمان، وأصبح الناس يفرحون برمضان لا لأنه شهر الصيام والقيام والتلاوة، يفرحون لأشياء أخرى، منها: أولاً: يفرحون برمضان؛ لأنه شهر الطعام -شهر الأكلات- وإذا رأيت الناس في أواخر شعبان ومع بدايات رمضان ظننت أنهم كانوا صائمين طوال العام، وأنه دخل الشهر الذي يأكلون فيه، بينما دخل الشهر الذي يصومون فيه، والمفروض بمنطق العقل أنك ما دمت تأكل طوال السنة وجاء رمضان فلا حاجة لشراء الفائض من المأكولات، لماذا؟ لأنك ستصوم، ولكن الناس عندما جاء رمضان اتجهوا لتكديس المأكولات لرمضان، وبدأت البيانات تصدر من أمهات البيوت وربات الأسر، وكل واحدة تطلب المشتريات، إذ لا بأس بطلب أعداد بسيطة، لا بكميات ضخمة -كراتين- كرتون شربة، وكرتون مكرونة، وكرتون قطر الموز، وكرتون جيلي بالكراتين، وترى الأسواق وأماكن بيع المواد الغذائية تستعد بالبضائع الجديدة وتنشرها في مقدمة الأسواق، وتخرجها أمام المحلات التجارية، ويستعد الناس بالمبالغ الطائلة التي توفر طول السنة، ويقولون: (سنة ما تخدم شهر؟!) لابد أن نأكل، رمضان كريم! دعنا نأكل فقط! رمضان كريم لكي تصير كريماً! وليس لتأكل وتترك الفقراء والمساكين بدون طعام.
ويملئون البيوت بالخيرات وإذا بدأ رمضان أتاك الرجل وهو منشغل طوال اليوم، في حين تكون المرأة نائمة إلى الظهر، ومن الظهر إلى المغرب تكون المرأة مشغولة بالطبخ! إعلان عن حالة طوارئ في المطابخ النيران تشتعل، وبعض المواقد فيها عشرة عيون، وكلها تشوي وتقلي وتطبخ والمرأة قائمة على قدم وساق، والأولاد، والبنات، والخادمات، والرجل أحيانا يشارك ويمر عليهم للإشراف، يقول: (نفزع، تريدون نقلب، ونشوي، ونعرك، ونعصد، ونعصر في شيء؟) وإذا كانوا غير محتاجين لمساعدته قالوا له: اذهب وأشتر من السوق شيئاً حلواً -حلاوة- أو حنيذاً على الطريق، أو خضاراً أو حتى إذا أتت السفرة ترى أمامك سفرة فيها عشرات الأنواع من الأطعمة، والإنسان ليس في بطنه إلا معدة بسيطة؛ لكنه الجشع والطمع وعدم معرفة الحكمة من فرض الله لهذا الصوم.
فالرجل بناءً على الاهتمام بالمشتروات لا يمكنه أن يقرأ، متى يقرأ؟ هو في الصباح نائم إلى الساعة العاشرة، ثم يذهب إلى الدوام ولا يرجع إلا الساعة الثالثة، فإذا صلى العصر ذهب لشراء الإفطار حتى المغرب فليس هناك وقت للقراءة، والمرأة متى تقرأ؟ لا تقرأ؛ لأنها من الصباح إلى الظهر نائمة، وبعد ذلك إلى المغرب وهي تطبخ، ومن المغرب إلى السحور وهي تأكل، فمتى تقرأ القرآن؟ لا وقت للقراءة، فإذا أتى وقت الإفطار وجدت أمامك سفرة تكفي لأن تكون طعاماً رئيسياً تعجز عن هضمها بطون الجمال فما بالك بمعدة الإنسان! المفروض في السنة أن يفطر الإنسان على تمرات، هذه التمرات والماء -أو اللبن- تقوم بعملية ترويض للمعدة؛ لأن المعدة وقد توقفت ساعات طويلة عن الأكل يحصل فيها ضمور وكسل، فتحتاج إلى تشغيل؛ لكن بطريقة بسيطة (يعني: تحميها مثلما تشغل السيارة، عندما تشغل السيارة تقول: دعها تسخن، لكن لو شغلت ومشيت مباشرة فلن تمشي السيارة)، فأنت تحميها بتمرات وبفنجان ماء -أو لبن- ثم تذهب لتصلي، وعندما ترجع للعشاء تكون معدتك قد أصبح عندها قدرة على الهضم واستعادت نشاطها، ولكن عندما تكبسها مباشرة مع الفطور بالأكل الكامل الذي هو من أعقد الأكل، مثل السنبوسة؛ لأنها محشوة باللحم والبيض والخضار ومقلية بالسمن -فهذه كلها شحوم- وكم يأكل الإنسان؟ هذا الفطور فقط، أربعون قطعة سنبوسة -هذه أكلة المقتصد- وأربعون قطعة من (لقمة القاضي) وثلاث صحون شربة، وكوب عصير برتقالاً، وعصير فراولة، وعصير (قمر الدين) وبعد ذلك يصلي، ثم بعد الصلاة يأتي ليجد سفرة مملوءة بشتى أنواع الطعام ولا بد أن يأكل سواء كان راضياً أو مكرهاً؛ لأن المرأة قد تعبت، وتصيح عليه وتقول: أنا فعلت هذا لمن؟ أتعب طوال يومي من أجل أن تتفرج عليه؟ والله تأكل، والله تأخذ من هذه، فيقول: طيب طيب طيب إلى أن يعبئ معدته ولا يستطيع أن يقوم، وبعضهم لا يستطيع أن يقوم ليغسل، ويقول: اسحبوني أو أعطوني الماء! كيف يصلي التراويح يا أخواني؟!! المؤذن بعد ساعة ونصف من المغرب يؤذن لصلاة العشاء، لكن في رمضان بعد ساعتين، لماذا؟ لكي يتعشى الناس فإذا بدأت الصلاة في المساجد لا يستطيع أن يقوم قال: ابحثوا لنا عن إمام يصلي بنا صلاة مقبولة -يعني: ينقرها في خمس دقائق- وإذا وجدوا إماماً يصلي صلاة طيبة فيها تلاوة وفيها قيام وذكر، مثلما كانت عائشة تقول في رواية البخاري ومسلم، تقول: (ما كان ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره عن إحدى عشرة ركعة، لكن قالت: فلا تسأل عن طولهن وحسنهن والقراءة فيهن وركوعهن وسجودهن) صلاة وليست مسابقة صلاة صحيحة! لكن يبحث له عن إمام ينقرها نقر الغراب، (الله أكبر، سمع الله لمن حمد، وإذا خرج قال: الله يذكره بالخير، جزاه الله خيراً، هذا هو الإمام الميسر) وإذا صلى مع إمام يصلي صلاة صحيحة قال: الله أكبر عليه! كسر أرجلنا، وكسر ظهورنا، هذا فتان كسر ظهرك؛ لأن بطنك ممتلئة؛ لأن الحمولة زائدة في بطنك، ولو أن بطنك خفيفة لكنت عرفت كيف تصلي، إن مشكلة الصلاة هي مشكلتك أنت في الأكل.
فإذا انتهت الصلاة -صلاة التراويح- ورجع البيت طلب التعتيمة، والتعتيمة هذه سفرة كاملة من الحلويات والمكسرات والمجمرات والمحمرات التي لا يستطيع أحد أن يعدها إلى أن يأتي السحور، فإذا أتى السحور قال: السحور يريد له شيئاً جامداً؛ لأننا سوف نبقى بعد ذلك صائمين، ما هو هذا الجامد؟ قال: شيء يبقى في البطن -لا تهضمه بسهولة- إما عريك وسمن، وإما عصيد ومرق، طيب وكم تأكل، قال: آكل قليلاً، لكن متى؟ قال: قبل الأذان بربع ساعة، لكي ينتهي ونحن نكمل، حتى لا تفوت أي دقيقة.
بل أخبرت الإخوة في الأمس أني كنت في المسجد فجاءني سؤال من شخص يسأل في التلفون، يقول: يا شيخ هل نمسك مع (الله أكبر) في بداية أذان الفجر، أو مع آخر الأذان: لا إله إلا الله؟!! لا حول ولا قوة إلا بالله! يريد أن يأكل حتى مع الأذان، فقلت له: أنت في المغرب إذا أذن تفطر مع (الله أكبر) أو مع (لا إله إلا الله) قال: أفطر مع الله أكبر، قلت: وأمسك مع الله أكبر، فقوله: (الله أكبر) يعني طلوع الفجر، لا يجوز أن تأكل أيها الإنسان! فطوال الليل وهو يأكل، بالله عليكم أهذا شهر صيام -يا أخواني-؟! ومن ضمن أهداف الصيام صحة البدن، وهذا أسلوب علاجي جديد يمارس الآن في الدول الغربية، فإذا رأوا شخصاً عنده علل وأمراض، يقولون: العلاج بالصيام (ممنوع الأكل) لأنهم لا يصومون، ونحن عندنا العلاج بالصيام دين؛ نأخذ كل سنة شهراً لنعطي المعدة إجازة، لنخرج يوم العيد وهي صحيحة ونشيطة، لكن الآن يحصل العكس، فعندما شغلناها بهذه الكميات فإننا نخرج من رمضان والمعدات كلها منتهية، بل إنك في أول أسبوع من رمضان -طبقوا كلامي فوالله إني طبقته أنا ورأيته بعيني- في أول أسبوع اذهب إلى المستشفى وانظر، تجد الأطباء ليس هناك طبيب من أطباء الأقسام أحد، لا حنجرة ولا أذن ولا عظام ولا عيون ولا شيء، إلا أطباء الباطنية، لوحات كلها باطنية، وعلى كل طبيب عشرة مرضى، وكل واحد يقول: بطني يا دكتور بطني! بطنك من يدك يا أخي، اترك الطعام في السفرة، لماذا تأخذه في بطنك ثم تذهب تشتكي، وبعضهم لا يمشي إلا وهو يحبو، وبعضهم يأخذ له مشروبات غازية، ما هذه؟ قال: هذه تهضم، وهي لا تهضم، هذه تخربط بطنك -أيها الإنسان- فأحسن شيء -أيها الإخوة- أن نقتصر على القليل من الطعام، وأن نوفر المال هذا لننفق على الفقراء، يوجد مساكين -أيها الإخوة- في مجتمعنا لا يجدون شيئاً، أعرف كثيراً والله في مكة من الأسر من يمر عليهم الشهر ولا يشمون رائحة اللحم، إلا يوماً في الشهر عن طريق صدقة من جمل -كيلو أو نصف كيلو- يطبخونها ويشمونها فقط، ونحن نرمي -أيها الإخوة- هذه النعم في الزبائل في رمضان وفي غير رمضان! وأنا لا أقول للناس: لا تنفقوا.
أنفقوا لكن في مجال الخير، وليس في الإسراف، وليس في رمي هذه النعم في صناديق النفايات، هذا المفهوم الأول -أيها الإخوة-.
المفهوم الثاني: أن بعض الناس يفرحون برمضان غالباً؛ لأنه شهر السهرات، قال بعضهم: رمضان كريم، ولياليه نريد أن نحييها، (فبضعهم يشكل بشكات البلوت، وبعضهم يشكل بشكات اللعب بأي نوع من أنواع اللعب) فيجعلون ليالي رمضان المباركة؛ ليالي الرحمة، وليالي التنزل الإلهي بالمغفرة، يجعلونها تضيع في الورق، فيتقابلون من بعد صلاة العشاء إلى الفجر للعب (كبوت وخمسين ومائة وسرى وديمن وشرية واسبيت، ويقول كذا، ما هذا؟ قال: خاص، شغلة أطفال، يقولها واحد عاقل كذا، ينزل لسانه مثل لسان التيس، ما هذا الشغل -يا إخوان-؟ وبعضهم يزعل ويرمي الورقة في وجهه، قال: أنت أصلك مغفل وما تعرف تلعب) عجيب! الله أكبر أيها الإخوة! هذا والله من الباطل الذي لا ينبغي أن تضيع الأوقات فيه، وبعضهم على الكيرم، يقول: أنقشها حبة حبة، لعاب أنا مرة، إسرائيل تفجر الذرة ونحن ننقشها حبة حبة، الله المستعان! لا إله إلا الله! ما عندنا إلا (الورق) (والكيرم).
وبعضهم على اللعب، لا عليك! فالذي يلعب ألعاباً رياضية أخف منهم فليس هناك مانع، لأن الرياضة فيها منفعة، فاللهو ينقسم إلى قسمين: لهو ليس منه مصلحة وهو اللعب بالورق وهو الذي يقتل وقت المسلم من غير مصلحة، بل تجلب العداوة والبغضاء بين قلوب من يلعبها، ولهو فيه مصلحة، وهو الرياضة، كلعب كرة القدم، والطائرة، بشرط ألا تلعب في وقت صلاة أو وقت تراويح وألا تلعب مع فسقة أو تكشف عورتك لا مانع، فالرياضة طيبة؛ لأن لها أصلاً في الدين، والنبي ﷺ سابق عائشة والسباق رياضة، وصارع ركانة الباهلي والمصارعة رياضة: (والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) أي: إذا عندك قوة في جسدك فأنت أفضل؛ لكن بشرط: أن تكون قوة -أيضاً- في الحق، وا
стр. 2140
الأسئلة
стр. 2141
خطورة ترك الصلاة
السؤال
أنا شاب من الشباب المتهاونين بالصلاة، وأحيانا تمر علي أيام ولا أصلي، وأحس بضيق في صدري خصوصاً عند المغرب وعند الصباح، وسألت رجلاً فقال لي: إن سبب ذلك هو قلة الدين، ولأنك لا تداوم على الصلاة، ولكن قال: إذا أردت أن يذهب الله همك فداوم على الصلاة في أوقاتها، ولكن كلما تذكرت ذنوبي يزيد همي، ويزيد بعدي عن الله ؛ لأنني كنت على خطر وأعمل المعاصي، فأرجو توجيهي إلى الطريق؟
الجواب
بلا شك أن تركك للصلاة معناه الكفر والخروج من الملة، وأنت مستحق للعذاب، وكذلك مستحق للعنة الله ورسوله؛ لأنه ليس بين المسلم وبين الكافر فرق إلا ترك الصلاة، يقول ﵊: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) ويقول: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر).
وهذا الذي أرشدك ودلك رجل صالح، فقد أرشدك إلى الطريق الصحيح.
وسبب ما بك من قلق وضيق هو بسبب بعدك عن الله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ [طه:١٢٤] أي: عن ديني ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] فأنت تشعر بالهم والغم، لماذا؟ لأنك بعيد عن الله، وبعض الناس يشعر بالهم والغم لبعده عن الله، فيداويها بالداء، فيذهب ليغني أكثر، ويزني أكثر، ويسهر أكثر، يقول: أريد أن أرتاح! لا.
أنت تريد أن تكحلها فتعميها.
فإذا أردت أن يذهب الله ما في قلبك فلا تعمل المعاصي، لكن تب إلى الله، فر إلى ربك، عد إلى الله، اقرأ كتاب الله، تب إلى مولاك، صل في المسجد يذهب الله ما في قلبك، لماذا؟ لأن الله يشرح صدرك بالقرآن، يشرح صدرك بالدين ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:٢٨] ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢] ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥].
فيا أخي في الله! تب إلى الله، يا صاحب السؤال! تب إلى الله من هذه اللحظة، وارجع إلى مولاك، وأعلن التوبة بين يدي خالقك، وتمسك بالطاعة وتب إلى الله واترك المعاصي، واستغل فرصة وجودك في هذه الأيام المباركة مع قدوم شهر رمضان لتبدأ صفحة جديدة مع الله ، وأبشر بالتوفيق والنور والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة.
стр. 2142
الاستعداد للامتحان أولى من حضور الدروس في المساجد
السؤال
أنا طالب في إحدى المراحل الدراسية، وعندما أسمع بمحاضرة ستقام في أحد المساجد أحضرها وأترك المذاكرة أيام الاختبارات، فهل هذا طريق صحيح؟
الجواب
الواجبات إذا تزاحمت عند أهل العلم يقدم الواجب الأهم الذي لا يقبل التأجيل، عندك غداً امتحان وعندك الليلة درس علمي، كلها واجب، فطلب العلم واجب، والامتحان واجب؛ لأنك في طلب مراحل العلم، تأخير الدرس العلمي، أو تأخير الامتحان؟ الدرس العلمي يسجل، وتستطيع شراءه من السوق بخمسة ريالات، ولكن الامتحان لا يتأجل من أجل خاطرك؛ لأنك كنت في الدرس العلمي، وهذا ليس بصحيح.
الصحيح أن تؤجل حضورك للدرس وتذهب للمذاكرة إذا كان وقت الدرس ستقضيه في المذاكرة، أما إذا كنت سوف تقضيه في السوق فالدرس أولى؛ لأن بعضهم لا يذاكر ولا يحضر الدرس، فيضيعها كلها، أما إذا كان بإمكانك أن تجمع بين الأمرين بحيث تنظم وقتك، فتقول: سوف أذاكر من بعد الظهر إلى العصر، ومن العصر إلى المغرب، ومن المغرب إلى العشاء للدرس، وبعد العشاء إلى الساعة العاشرة للمذاكرة، ثم أنام، وإذا كان عندك إمكانية للجمع بين الأمرين فهذا خير؛ لأنك جمعت بين الواجبين، وأما إذا تعارض الواجبان فخذ بالواجب الذي لا يقبل التأجيل وهو الامتحان.
وأسأل الله لي ولك ولجميع أنبائنا التوفيق والنجاح في امتحانات الدنيا والآخرة.
стр. 2143
أهمية تنظيم الجلوس أثناء الدروس
السؤال
يقول: أرجو لفت الأنظار لإخواننا الحاضرين في المجالس العلمية لما يحصل منهم من التزاحم والقرب من المحاضر عند بدء المحاضرة مما يؤدي إلى ازدحام المصلين في صلاة العشاء.
الجواب
هذا الأمر حقيقة -أيها الإخوة- يحدث، والأولى أن يلزم كل إنسان مكانه أثناء صلاة المغرب، فإذا بدأت المحاضرة فإن الميكرفونات موجودة، والصوت واسع، وبإمكان أي واحد في المسجد أن يسمع، فلا داعي للاقتراب؛ ولأنه: إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، فلا مانع أن يقترب المستمع حال المحاضرة، لكن إذا أقيمت الصلاة فليرجع إلى مكانه ولا يحدث مشكلة في الصف، فإذا صليت المغرب في الصف الأخير، وأذن للعشاء فارجع مكانك، وبعض الناس لا يقومون إلا عندما تقام الصلاة، فعندما يرجعون إلى أماكنهم يحصل زحام لأهل الصف الأول، فيحصل بهذا ضرر عليهم وإيذاء، والله قد نهى عن الضرر، ونهى عن إيذاء المسلم.
стр. 2144
حكم تغطية يدي المرأة ورجليها أثناء الصلاة
السؤال
هذه أخت في الله، تقول: أرجو توجيه كلمة للأخوات بخصوص تغطية أيديهن وأرجلهن في الصلاة.
الجواب
المرأة في الصلاة كلها عورة إلا وجهها، أي: إذا صلت المرأة في بيتها في غرفتها وليس معها أحد -لا يراها أحد إلا الله- فإنها كلها عورة إلا وجهها، فلا ينبغي أن يبدو من المرأة إذا قامت إلى الصلاة شيء إلا الوجه فقط، وإذا صلت المرأة ورجلها مكشوفة فقد كشفت عورتها، وستر العورة شرط من شروط الصلاة، والذي يكشف عورته في الصلاة فصلاته غير صحيحة؛ لأن حدود عورة الرجل من السرة إلى الركبة، وحدود عورة المرأة المرأة كلها عورة إلا في الصلاة إذا لم يرها أجنبي، أما إذا رآها أجنبي فكلها عورة حتى وجهها.
لكن هناك تساهل كبير في النساء، تأتي المرأة لتصلي وترى يدها ورجلها عارية، ورأسها عارياً، ثم تصلي كأنها في المعرض، قالت: لا يوجد أحد ينظر إلي! لا أحد ينظر إليك؟! لكنك بين يدي الله! أنت في الحضرة الربانية وقفت بين يدي الله ، ومطلوب منك أن تتستري ماذا تتستر به؟ تأخذ درعاً، أو شرشف صلاة يفصل لهذا الغرض، ويكون كبيراً، وساتراً، يغطيها كلها، ويزيد على يديها ورجليها، بحيث تكون وهي تصلي -كأنها خيمة- لا يُرى منها شيء هذه هي المرأة المؤمنة، أما تلك التي تصلي على هواها وأرجلها ظاهرة، فإن صلاتها غير صحيحة، وبالتالي تكون آثمة -والعياذ بالله-.
стр. 2145
حكم لبس الخاتم للرجال
السؤال
قلت في بعض المحاضرات: إن لبس الخاتم للرجال منهي عنه؛ لأنه من صفات النساء، فنرجو مراجعة المسألة.
الجواب
طبعاً الخاتم للرجل مباح في حالة وبنوع معين، وقد جاء في الحديث أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وفي يده خاتم من ذهب، فنهاه عنه، قال: (ما لي أرى عليك حلية أهل الجنة) فذهب الرجل وغيره بخاتم من حديد، فلما رآه النبي ﷺ ، قال: (ما لي أرى عليك حلية أهل النار) لأن حلية أهل النار الحديد، فذهب الرجل وغيره بخاتم من صفر، فجاء فقال: (ما لي أرى عليك ريح الأوثان) لأن الأوثان كانت تحلى بالصفر، قال: (يا رسول الله! إنه لا بد لي من خاتم، أنا رجل صاحب أعمال -رجل أعمال- ولي مكاتبات، ولا تقبل المكاتبات إلا بالختم، قال: اتخذه من فضه ولا تتمه مثقالاً) المثقال في الوزن يوازي أربعة جرامات، فأباح الشرع للرجل الذي يضطر إلى الخاتم أن يكون عنده ختم وفيه اسمه كأن يكون قاضياً، أو ملكاً، أو تاجراً لا تقبل منه المعاملات إلا بختمه فيباح له أن يتخذ خاتماً، ولكن يجب أن يكون من يسير الفضة فلا يكون أربعة جرامات، بل أقل منها، ولا تتم مثقالاً، أما إذا كان الغرض من الخاتم هو الزينة مثلما نرى بعض الناس الآن، نقول له: لا.
لماذا؟ لأن زينة الرجل ليست في الخواتم.
زينة الرجل في المروءة والشهامة والشجاعة والرجولة، أما المرأة فزينتها في أصابعها؛ لأنها امرأة، والله تعالى جعلها حلية للنساء، لكي تظهر أمام الزوج بالمظهر اللائق، يقول الله : ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨] المرأة في الخصام تختفي ولا تظهر -أي: إذا دخل عليك البيت من يريد أن يسرق أو يريد أن يفعل شيئاً، من الذي يخرج، أنت أم المرأة؟ هل تقول لها: انظري من هو، أو اخرجي عليه، لا.
بل هي التي تقول: اخرج أنت، لماذا؟ لأنك أنت الرجل، وهذا هو المطلوب منك.
طيب إذا خرجت على الرجل ويداك مليئة بالخواتم، والسلاسل على رقبتك، هل يخاف منك؟ لا.
سيقول: ربما هذه هي المرأة! مثل بعض الإخوة يقول: إنه رأى ناساً من هؤلاء الذين يسمون أنفسهم: الجنس الثالث، رجال وليسوا برجال، لا يريدون أن يكونوا رجالاً، والله خلقهم رجالاً لكن يريدون أن يكونوا نساء، فتأنثوا كالنساء -والعياذ بالله- خرجوا مرة، يقول لي: إلى الصحراء من أجل أن يذبحوا، ولما أتوا يريدون أن يذبحوا الكبش ما استطاعوا أن يذبحوه، فرأوا أناساً جالسين فجاءوا عندهم فقالوا: هل عندكم شخص يذبح لنا؟ أليس عندكم سفاح؟ يسمون الذباح سفاحاً، قال: وماذا تريدون منه؟ قالوا: يذبح لنا الخروف، قال: ألم تذبحوه؟ قالوا: لا والله، نحن (نقبصه) من الصباح فلم يمت! قام شخص (نشمي) قال: أنا سأذبحه، فكبر عليه وذبحه ورجع، فأتوا إليه قائلين: هل عندكم أحد يقشره -يقشره يعني يسلخه، يحسبونه برتقالة تقشر- ما هذا؟ هل هؤلاء رجال؟ لا حول ولا قوة إلا بالله! والله أعلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2146
صفة الجنة
إن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وإن كانت الشريعة قد وصفت لنا الجنة بمسميات هي مشابهة لبعض المسميات في الدنيا، لكنها ليست مثلها على الحقيقة؛ فإن كان الاسم نفس الاسم، فليس المسمى كالمسمى.
ثم إن الجنة ليست إلا لمن أطاع الله؛ فمن أطاعه كان مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وأما من عصاه فله نار جهنم وما فيها من عذاب وخزي عظيم.
стр. 2147
وصف الجنة ونعيمها
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد: فيا عباد الله! لقد خلقنا الله لعبادته، وبين لنا الغرض الذي من أجله أوجدنا على ظهر هذه الحياة، فقال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨] وقال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤].
ووعدنا إن نحن أطعناه واستجبنا لأمره في الدنيا؛ بالسعادة في الدنيا، والفوز والفلاح في الآخرة.
فأما في الدنيا فيقول : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] والحياة الطيبة التي يعنيها القرآن هي حياة القلب، والقلب لا يمكن أن يهدأ ويستريح ويبتعد عن القلق والحيرة والاضطراب والضلال إلا في ظل الإيمان بالله.
أما في الآخرة فقد قال الله بعد هذه الآية: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] في الجنة ونعيمها، وحورها وقصورها، وبساتينها وأنهارها، ففيها ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، واقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] وكل ما خطر في ذهنك فالجنة ونعيمها بخلاف ذلك، وليس في الدنيا من الجنة إلا الأسماء، فهناك قصورٌ ولكنها ليست كقصور الدنيا، وهناك حور -يعني: نساء- ولكن لسن كنساء الدنيا، ويكفيهن وصف الله لهن بقوله: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] وقوله : ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦] وقوله ﵎: ﴿كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة:٢٣] ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات:٤٩] ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٥٨].
стр. 2148
بساتين الجنة وأنهارها وقصورها
في الجنة بساتين وأنهار ولكن ليست كبساتين الدنيا ولا كأنهارها، فبساتين الجنة: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد:٣٥] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة:٣٣] لا مقطوعة ولا ممنوعة بثمن: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٣ - ٢٤].
وأما أنهارها: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد:١٥] لكل مسلمٍ ومؤمنٍ في الجنة -جعلنا الله وإياكم من أهلها وآبائنا وأمهاتنا وأزواجنا وذرياتنا وإخواننا وأخواتنا وجميع إخواننا المسلمين- لكل مؤمن في الجنة قصرٌ تجري من تحته الأنهار، وهي أربعة أنهار: النهر الأول: نهر من لبن لم يتغير طعمه؛ وتغير طعم اللبن طبيعة فيه إذا مرت عليه ليالٍ تغير إلى الحموضة، ثم إلى الفساد والتسمم، ولكن لبن الجنة لا يتغير طعمه، ولا يحمض ولا يتسمم.
النهر الثاني: نهر من خمر لذة للشاربين، وخمر الجنة ليس كخمر الدنيا، فخمر الدنيا يذهب العقول، ويحول الإنسان من عاقل إلى مجنون.
واترك الخمرة لا تشربها كيف يسعى في جنون من عقل
الخمرة تذهب عقل المكلف فيرتكب الحرام، ويقع في الجرائم، ويرتكب المآسي لذهاب عقله، ولذا سميت: أم الخبائث، وتوعد الله من شربها في الدنيا ومات ولم يتب أن يسقيه من طينة الخبال: (قيل وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: عرق أهل النار) وقال ﷺ : (من شرب الخمرة في الدنيا ومات ولم يتب سقاه الله من نهر الغوطة.
قيل: وما نهر الغوطة؟ قال: نهرٌ يجري في جهنم من فروج المومسات) يعني: الزانيات، ومن شربها حرم عليه خمر الجنة، ومعنى حرمان خمر الجنة أي: حرمان دخولها، إذ لا يعني أنه يحرم من خمر الجنة أن شارب الخمر المدمن عليها يدخل الجنة ويمنع من خمر الجنة، لا.
ولكن الحرمان يعني الحرمان الكلي من دخول الجنة؛ لأن الجنة ليس فيها شيء ممنوع على أهلها، فخمر الجنة لا يذهب العقول وإنما شراب طاهر لذيذ ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ [الإنسان:٢١] ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات:٤٧] لا تغتال العقول، ولا تحدث الإنزاف، وإنما خمر لذة للشاربين، جعلنا الله وإياكم من أهلها.
النهر الثالث: نهرٌ من عسلٍ مصفى، ليس عسل أقراص، نحن الآن كما يقول بعض الإخوة: (ما شبعنا في العسل غماس) فكيف به أنهاراً؟ نهر يجري من تحت بيتك من عسلٍ مصفى ليس فيه أخلاط وإنما هو أصفى من الشمس.
النهر الرابع: نهر من ماء غير آسن؛ لأن ماء الدنيا إذا ركد أسن، وإذا أسن تغير طعمه ولونه وريحه وفسد، ولكن ماء الجنة غير آسن، هذا كله نعيم وعد الله تعالى به أهل الإيمان.
أما القصور: ففي الجنة قصور يحدثنا عنها رسول الله ﷺ فيقول: (للمؤمن في الجنة خيمة من درة مجوفة طولها ستين ميلاً في السماء، وله في الخيمة الواحدة اثنتين وسبعين زوجة -سبعين زوجة من الحور العين واثنتين من نساء الدنيا- لا ترى واحدة منهن الأخرى) من طول المسافة بينهن.
стр. 2149
أرض الجنة وترابها وحشيشها
وأما أرضها وترابها وحشيشها: فالأرض ذهب، والتراب مسك، والبناء لبنةٌ من ذهب ولبنة من فضة، والحشيش هو الزعفران الذي نشتريه الآن وقيمة الخمسة جرامات بخمسين ريالاً وهو زعفران الدنيا.
لا تركنن إلى الدنيا وما فيها فالموت لا شك يفنينا ويفنيها
واعمل لدار غداً رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن ناشيها
ترابها ذهبٌ والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها
أحمد دلالها والرب بائعها وجبريل ينادي في نواحيها
من يشتري الدار في الفردوس يعمرها بركعةٍ في ظلام الليل يحييها
تلك المنازل في الآفاق خاويةً أضحت خراباً وذاق الموت بانيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها
والله لو قنعت نفس بما رزقت من المعيشة إلا كان يكفيها
والله والله أيماناً مكررةً ثلاثةً من يمينٍ بعد ثانيها
لو أن في صخرةٍ صما منمنمة في البحر راسيةٍ ملس نواحيها
رزقاً لعبد براه الله لانفلقت حتى تؤدي إليه كل ما فيها
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخيرٍ طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها
النفس تجزع أن تكون فقيرةً والفقر خيرٌ من غنى يطغيها
فغنى النفوس هو العفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها
هذه الجنة، وهذا بعض وصفها، ومهما وصف الواصف فقد وصفها الله في كتابه، ووصفها رسول الله ﷺ في سنته، ولكن الأوصاف والحقائق تختلف، والله تعالى يقول: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].
стр. 2150
الأعمال الصالحة سبب لتعجيل البشارة في الدنيا والآخرة
يحدثنا شاهد عيان نثق بعلمه وأمانته من المشايخ أنه حضر القصة وعاصر أحداثها بنفسه، والقصة وقعت في مدينة بريدة في القصيم، ومدار القصة: أن شاباً نشأ وترعرع في عبادة الله، لا يعرف من الدنيا شيئاً إلا القرآن والمسجد، ولم يقف في حياته لحظةً واحدة مع صبي يلعب معه، وإنما منذ بلغ ست سنوات وهو مع أبيه في المسجد، وكان يلازم المسجد باستمرار، ويقرأ القرآن باستمرار حتى حفظ القرآن وعمره تسع سنوات، وإذا سئل عنه: أين هو؟ قالوا: في المسجد، ماذا يصنع؟ قالوا: يقرأ القرآن.
ولما جاءت مرحلة الدراسة الابتدائية ذهب إلى المدرسة وجلس أسبوعاً فيها، ثم عبر عن رغبته لوالديه بعدم الرغبة في الدراسة، فقالوا له: لماذا؟ قال: لم أستفد فقد ضيعت الحفظ، أريد أن أجلس في المسجد للقرآن والذكر، فجلس في المسجد وحفظ القرآن -كما قلت- وكثيراً من الكتب الإسلامية، وإذا نظرت إليه تذكر الله من جلاله وبهائه ونور إيمانه، ولما توفي والده بقي في كفالة عمه، وحينما بلغ السادسة عشرة من عمره مرض، واستمر مرضه أسبوعاً كاملاً، ثم توفي رحمة الله تعالى عليه، وكانت وفاته في الساعة الحادية عشرة قبل الظهر، أي: في الضحى، فأراد عمه وهو الذي يشرف على تمريضه أن يذهب إلى الجماعة ليطلب منهم المسارعة في دفنه ولكنه كان متعباً، فأراد أن ينام قليلاً حتى يؤذن لصلاة الظهر ثم يحضر الناس في الصلاة ويطلب منهم أن يدفنوه بعد الصلاة، فما إن نام عند الولد في غرفته إلا وهو بتلك المرأة، يقول: جاءت امرأة ومعها نساء من خلفها فأيقظتني وقالت: يا شيخ! نسألك بالله إلا عجلت علينا بهذا الشاب، قال: ومن أنتِ؟ قالت: أنا زوجته من الحوريات في الجنة، ونحن على أحر من الجمر ننتظره وأنت تنام وتحبسه عنا، فنسألك بالله إلا عجلت به علينا، قال: فاستيقظ من نومته وقام ودعا الناس وسارع في دفنه وتجهيزه، وحينما دخل الناس إلى الغرفة وجدوا لها رائحة ما شموا مثلها في الدنيا، قالوا: يا شيخ! عندك رائحة عظيمة في هذه الغرفة، ما هذه الرائحة؟ قالوا: رائحة طيب العود، لكن ليس كطيب عود الدنيا، عود يختلف عن كل أطياب الدنيا، قال: إنها رائحة الحورية، لازالت رائحتها تعبق الغرفة وتطيبها، قال: ومكثت هذه الرائحة أكثر من شهرين.
فكل ما خطر في بالك فالجنة بخلاف ذلك، جعلنا الله وإياكم من أهلها.
لقد أمرنا الله بطاعته قال : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء:٦٩] شرط وجوابه، من هنا شرطية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [النساء:٦٩] هذا الشرط،
و
الجواب
﴿ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦٩] ما أعظمها من نعمة أن ينعم الله عليك بالجنة، وأن تكون مع الرفقة، مع من؟ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٩] من بقي غير هؤلاء؟ ما بقي إلا القتلة والفجرة والزناة والخمارون والمجرمون، ثم قال يصفهم: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء:٦٩].
ويقول : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧١] ليس الفوز أن تحصل على شهادة، وتحتل منصباً، وتتزوج بجميلة، وتسكن عمارة فارهةً، وأن تركب سيارة حديثة، هذا فوز ولكنه فوز مؤقت، وأما الفوز العظيم الأبدي فهو الذي يقول الله تعالى فيه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧١] نسألك اللهم من فضلك.
ونهانا عن معصيته ومخالفة أمره، وتوعدنا إن نحن عصيناه بناره؛ نار حرها شديد، وقعرها بعيد، ومقامعها وسلاسلها وأغلالها حديد، نارٌ أوقد الله عليها ثلاثة آلاف عام، ألف سنة حتى احمرت، وألف سنة حتى ابيضت، وألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة.
стр. 2151
جهنم وما فيها من عذاب لأهلها
جاء جبريل إلى النبي ﷺ مرة من المرات وهو يبكي، قال: (ما يبكيك يا روح القدس؟! قال: جئتك وقد أمر بمنافيخ النار -يشب عليها فهي تضطرم وتشتعل- قال: أتخشى وأنت من الله بالمكان الذي أنت منه؟ -يقول: تخاف يا جبريل؟ - قال: وكيف لا أخشى وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، فبكى رسول الله ﷺ ، وبكى جبريل، فناداهما من السماء ﵎: إني قد أمنتكما من عذابي).
يقول الله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] ما لم يكونوا يتوقعون، وما لم يكن يخطر لهم على بال: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم:١٥ - ١٧] يتبلعه فلا يقدر أن يبلعه؛ لأنه ماء صديد وقيح ودم، كيف يشربه؟ ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٧].
стр. 2152
إحاطة العذاب بأهل النار من كل مكان
يأتيه الموت من الفراش ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ [الأعراف:٤١] وتصوروا كلمة (مهاد)! فيها تهكم، وسخرية، واستهزاء، وهل في جهنم مهاد؟ ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤١].
يأتيهم الموت من الهواء والظل: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة:٤٣] والهواء: من سموم، والطعام: من زقوم، والشراب: من غسلين، والأنكال والسلاسل والأغلال، يغل الإنسان في النار -أعاذنا الله وإياكم منها وآباءنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا وجميع المسلمين- فتجمع أقدامه مع رقبته ويديه، يقول الله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن:٤١] ثم يقذف في النار.
نار تسود وجوه أهلها من ظلمة المعاصي، ينادون وهم في طباقها ودركاتها: يا مالك! قد أثقلنا الحديد، يا مالك! قد نضجت منا الجلود، يا مالك! أخرجنا منها فإنا لا نعود.
فلا يجيب عليهم، وعدم الإجابة فيه نوع من الرفض وعدم الاهتمام، قال العلماء: لا يجيبهم قدر الدنيا من يوم أن خلقها الله إلى يوم يفنيها مرتين، ثم يرد عليهم، يقول: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] يعني: مكانكم فيها، ليس هناك خروج، لماذا؟ قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٨].
стр. 2153
عظيم خزيهم بسبب أعمالهم
قال تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٧٩ - ٨٠] الرسل تكتب ذنوبك وأنت تعمل في الذنوب، والملائكة تحول ذنوبك إلى قبرك، وأنت غافل، فمن الناس من يحول ذهباً، ومنهم من يحول بعراً، ومنهم من يحول جمراً، والله لا يظلمك بشيء، فما تعمله تجده ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ [آل عمران:٣٠] لا تريد أن تنظر إليه، وهذه الحوالات تجمع وتخزن في القبر فإذا مات الإنسان رأى حوالاته، يقول أحد السلف: لا تحول إلا شيئاً يسرك رؤيته، لا تحول زناً، ولا غناء، ولا زوراً، ولا فجوراً، ولا حراماً، وحول عملاً صالحاً حتى إذا رأيته فرحت.
مثله مثل الطالب -مع الفارق في القياس- الذي يجتهد في أيام الامتحان ويصبر على المنام، بل بعضهم يترك حتى الطعام، ويعكف على قراءة الكتب في الليل والنهار، فإذا به يفرح عندما تقدم له الشهادة فيقرأ أول مادة: القرآن الكريم (١٠٠%) التوحيد (١٠٠%) وكلما قرأ مادة ونظر علامتها استبشر وفرح، فإذا انتهى منها كلها قال: تفضلوا، انظروا الشهادة، إنها تبيض الوجه، فيرفع رأسه، ويأكل طعامه، ويلتذ في منامه، ويرتاح في عطلته، وكلٌ يجله ويبجله.
لكن البليد المهمل الذي عاش على الرفض للكتب، وعدم المذاكرة، واللعب والفوضى، إذا جاءت الشهادة يرفع رأسه ويريد شهادة بالكذب، ويأتي مع الناس ويقول: ربما تخطئ اللجنة، ربما ترحمني لجنة الرحمة، فإذا أخذ الشهادة ونظر فيها، وإذا بها تسود الوجه -والعياذ بالله- القرآن الكريم (٢٠)، والتوحيد (١٥%)، والإنجليزي ثلاثة أصفار متتالية؛ لأنه ما نجح في اللغة العربية فكيف ينجح في اللغة الإنجليزية؟ فإذا أخذ الشهادة مزقها وذهب إلى البيت، قالوا له: طلعت النتائج؟ قال: لا.
ما زال التصحيح جار.
يرسل ليحضر النتيجة، ثم أعلنوها قبل أن آتي فما سمعتها، لكن: اسمي سمع، يمهد يريد أن ينزل الخبر بالتقسيط، لا يريد أن يقول لهم بصراحة، يريد أن يقول لهم الخبر بالتدريج، ثم يقول: غداً أذهب، وفي اليوم الثاني ذهب ورجع -وهو يعرف النتيجة- يقول: أبشركم! سلامات الحمد لله سلامات لم أرسب إلا في ثلاث مواد -وهو راسب في ثلاثة عشر مادة- ثلاث مواد فقط، وغيري كلهم ساقطين، أما أنا فليست إلا ثلاث، وإن شاء الله في الدور الثاني أنجح.
هذا الفاشل في الدنيا مع أنه يوجد دور ثاني وسنة ثانية ومخرج من كل الدراسة، لكن الآخرة لا دور ثاني ولا سنة ثانية ولا فرصة أخيرة! وإنما من ضيعها وجازف بها وخاطر؛ خسر الدنيا والآخرة.
فالمؤمن يوم القيامة يأخذ كتابه بيمينه، والفاجر يوم القيامة يأخذ كتابه بشماله ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٩] فأنت تحول العمل إلى القبر، وعلى ضوء العمل تحاسب، والناظم يقول:
يا من بدنياه اشتغل وغره طول الأمل
وقد سها في غمرة حتى دنا منه الأجل
الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل
ألست على يقين أنك ستسكن القبر؟! ثم ألست على يقين أنك ستعامل في قبرك على ضوء ما حولت من عمل، أم تريد أن تخدع نفسك؟! أتريد أن تجني من الشوك العسل؟! أتريد أن تحصل على جنة بالبعر؟! أتريد أن تنجو من النار بالعمل السيئ؟! هذا محال.
هل جزاء الإحسان إلا الإحسان: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:٤٦].
стр. 2154
شديد عذاب الملائكة لأهل النار
يقول أهل النار: يا مالك! يدعونه فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] قالوا: لا جدوى.
تعالوا نتوسط بصغار الموظفين؛ لأن مالك المدير العام -أي: المسئول الأول في النار- ما ضحك ولا يعرف الضحك، مخلوق من سخط الله، وتحته رؤساء الأقسام تسعة عشر، قال الله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٣٠] يعني مسئولين، غلاظ شداد: غلاظ في الخلقة، شداد في الأخلاق، خلقتهم غليظة وأخلاقهم شديدة؛ لأنهم مخصصون للعذاب ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
ورد في الحديث أن الله تعالى إذا قال للملائكة -حينما يؤتى بالفاجر-: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠] أنه يبتدره سبعون ألف ملك يقومون لكلمة (خُذُوهُ) -ليس ملكاً واحداً فقط- وإن الملك الواحد ليأخذ سبعين ألفاً في النار، لكن عندما يقول الله تعالى: (خُذُوهُ) يقوم للأمر سبعون ألف ملك، (فَغُلُّوهُ) الغل: وضع القيد في الرقبة مع اليدين والرجلين، ثم بعد ذلك: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣١ - ٣٢] تدخل من فمه وتخرج من دبره حتى يشتوى في النار مثل الدجاج في المشواة، لماذا يا رب؟ قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة:٣٣] هذا سبب، أي: ليس عنده خوف من الله، ولا مراقبة لله : ﴿وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٤ - ٣٧].
ثم بعد ذلك يقولون: نرى صغار الموظفين لعلهم يتوسطون أو يشفعون، فأخبر الله تعالى في سورة غافر - سورة المؤمن- عن الخطاب الذي يقوله أهل النار لخزنة النار قال : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٩] يريدون يوماً واحداً فقط يريدون تخفيفاً من النار حتى يوماً واحداً ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ [غافر:٤٩ - ٥٠] بلى.
جاءت الرسل، والكتب، والبينات؛ لأن الملائكة لا تتصور أن أحداً يبلغه دين الله ويرفضه، وهل خلقك ربي إلا للدين؟! هل خلقك الله سبهللاً أنت والأنعام سواء؟! تأكل وتشرب وتنكح وتنام وتقوم وتقعد وتسير؟! أنت لك ميزة، لك رسالة وهدف، أنت مخلوق للعبادة، وقد سخر لخدمتك هذا الكون؛ فلا تتصور الملائكة أن أحداً يأتيه الدين ويرفضه: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٥٠] يعني: تصيحون أو لا تصيحون فصياحكم في ضلال لا يُنتبه له ولا يُسمع لكم.
стр. 2155
توبيخ الله تعالى لأهل النار فيها
لما يئسوا من مالك وخزنة النار توجهوا بالدعاء إلى الله يطلبون من الله الرحمة وقد ذكر الله القصة في سورة المؤمنون، قال : ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [المؤمنون:١٠٣] ما خسروا بيوتهم ولا خسروا أولادهم ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٣ - ١٠٤] (الكلوح) هو تقلص الشفة العليا إلى الرأس، ونزول الشفة السفلى إلى السرة، مثل الذبيحة: إذا أخذت رأس الذبيحة وشويته في النار، ماذا يحصل عندها؟ تتقلص الشفة العليا إلى الرأس وتنزل الشفة السفلى إلى تحت وتبدو أسنان الذبيحة، قال الله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [المؤمنون:١٠٤] أي تقفز النار على وجوههم؛ لأن أعز شيء عند الإنسان وجهه! فلو تأتيك الضربة في ظهرك، أو رجلك أو يدك أهون من أن تأتيك في وجهك، ولهذا إذا جاءك شيء تنكره تتقيه بوجهك لا.
لكن النار تقفز في الوجه: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا﴾ [المؤمنون:١٠٤ - ١٠٦] لكنهم ما عرفوا ربهم إلا في النار، ولا تنفع هذه المعرفة في ذلك اليوم، فلو عرفوا ربهم في الدنيا لكان أهون، فلو قالوا: ربنا في الدنيا لقال الله لهم: لبيكم، ولاستجاب الله لهم ولهداهم، ولكن ربهم في الدنيا هو الهوى، والشهوات، والشيطان، واللهو واللعب! ولكنهم في النار لما ذاقوا العذاب ومسيس النار قالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٧] يقولون: أرجعنا يا رب لنعمل صالحاً حسناً لماذا لا يكون من الآن؟ والذي يؤخر التوبة ويسوف فيها نقول له: هل تريد أن تعيش على المعاصي حتى تدخل النار وتقول هذه الكلمة؟! هل هذا منطق العقلاء؟! لا والله.
ليس منطق العقلاء، فمنطق العقلاء: أنك من الآن -قبل غدٍ- تتوب وترجع وتصحح الوضع مع الله، وتصحح المسار إلى الله، وتنتقل بكامل حياتك إلى الله، وتكون جندياً من جنود الله، وعابداً، وذاكراً لله، وخائفاً من الله، وملتزماً بشرعه، حينها تنجو من عذابه، ولكن عندما تفرط وتهمل ثم يكون المصير ذلك، ثم تقول: ربنا أخرجنا منها لنعمل صالحاً فإن ذلك لا ينفع.
﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٨].
يقول النبي ﷺ : (فوالذي نفسي بيده! ما ينطق أحدهم ببنت شفة، وما هو إلا الشهيق والزفير) من قبل كانوا يتكلمون مع الخزنة، ومع مالك، ومع الله، لكن إذا قال لهم الله تعالى: ﴿اخْسَأُوا فِيهَا﴾ [المؤمنون:١٠٨] أي: في النار ﴿وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] فلا يوجد لهم أمل! فهذه النار أعاذنا الله وإياكم منها، وأجارنا الله وإياكم منها.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين؛ فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2156
خوف الأنبياء من خزي يوم القيامة
الحمد لله على إنعامه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، ونشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه وسلم.
أما بعد: يقول إبراهيم ﵇ وهو يدعو ربه ﵎ في سورة الشعراء، حينما جاء على الأصنام التي كانت تعبد من دون الله؛ فأنكرها وحقرها ثم دمرها وحطمها، ثم بعد ذلك ابتهل إلى الله تعالى وقال: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [الشعراء:٨٧ - ١٠٢] أي: رجعة إلى الدنيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:١٠٢ - ١٠٤].
فإبراهيم ﵇ مع حسن المؤهلات وطول الخبرة، وعلو المنزلة عند الله، فالمؤهلات: نبي.
والخبرة: دعوة طويلة.
والمنزلة: أبو الموحدين.
والمكانة: نجاه الله من النار بالخطاب المباشر لها، قال: (قلنا) بدون واسطة، ولكن وحي رباني مباشر إلى النار: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ﴾ [الأنبياء:٦٩] النار خاصيتها الإحراق، لكن الذي منحها الخاصية أبطل هذه الخاصية، فالله تعالى هو الذي منحها الخاصية بالإحراق، فلما أراد ألا تحرق قال: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْداً﴾ [الأنبياء:٦٩] لكن ليس برداً يميت ﴿بَرْداً وَسَلاماً﴾ [الأنبياء:٦٩] على من؟ ﴿عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩] هذا والله لشأن عظيم أن يثني عليه ربنا ويقول في سورة الصافات: ﴿سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات:١٠٩] يقول: سلم الله عليه! ووالله إن هذه هي السعادة، ويقول: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥] ما أعظمها من منزلة! ومع كل هذه المكانة والقدر يقول: يا ربِّ لا تخزني يوم الدين، فإذا كان أبو الموحدين إبراهيم ﵇ يخاف من الخزي فكيف بي وبك يا أخي؟! إبراهيم الذي حمل إلى النار وهو مكتف في المنجنيق فتأتي الملائكة وتعرض خدماتها عليه وتقول: ألك حاجة يا إبراهيم؟ فيقول: أما إليكم فلا، وأما إلى ربي فنعم، في أصعب الظروف، وفي أحلك المواقف يصر على التوحيد، لكن أكثر الناس اليوم موحد بالعافية، وإذا جاء المرض أشرك بالله، وهذا معنى قول الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١] إذا جاءه المرض ذهب إلى الكاهن والمشعوذ يشكو الله يشكو القوي على الضعيف! لا إله إلا الله!!
стр. 2157
يوم القيامة وما يحصل للعصاة فيه من خزي
﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء:٨٧] إن من أعظم الخزي أن يقف الإنسان بين يدي الله يوم القيامة مسود الوجه، ومعرف غير مجهول ولا منكر، وإنما يعرف وينادى عليه بنداءٍ يسمعه أهل الموقف كلهم: ألا إن فلان بن فلان قد شقي شقاوةً لا يسعد بعدها أبداً.
فيعرف أهل الموقف أن فلاناً شقي، فيسود وجهه ثم تسقط (فروته) ما بين قدميه خجلاً من الله من شدة الخزي! ثم يساق إلى النار! كيف يساق؟ يسحب، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر:٤٨] لا يسحب على بطنه أو ظهره أو رجليه، بل على وجهه: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ [الإسراء:٩٧] ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر:٤٨] ذوقوا حرارة النار فيحصل للإنسان وهو يقاد إلى النار من الخزي والمقت ما لو قُسم على أهل الأرض لكفاهم.
يقول الله تعالى في أول سورة غافر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْأِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ * قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ * ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٠ - ١٢].
يقول المفسرون حول هذه الآيات: المقت أي: الكراهية للنفس، فلان يمقت نفسه، أي: يكره نفسه ويسخطها.
стр. 2158
الاستدلال على وقوع الخزي في الآخرة بخزي الدنيا
الدليل الأول: يحصل للإنسان حينما يرتكب سلوكاً يؤدي به إلى موقف مشين، مثلما لو جيء بالزاني وجلد بالسوط، وقد رأيت أنا بعيني زانياً بكراً -أي: غير محصن- يعني: ما رجم ولكن جلد مائة سوط، أخرج بعد أن صف الناس وجيء به من السيارة وأنزلوه، فلما نزل كان الناس كلهم يريدون أن ينظروا إليه، ففي هذا الموقف المخزي المشين وهو خجلان كان قد تلثم بغترته فكان لا يرى الناس إلا عيونه، لكن المنفذ للحكم الشرعي مأمور هو أن يعريه حتى يراه الناس؛ لأنه لم يستح حين زنى فكيف يستحي هنا؟ إذ ليس هذا بمكان حياء، مكان الحياء قبل إقدامك على حرمات الله وارتكابك لمحارم الله، وتجرؤك على محارم المسلمين فهناك يجب أن تستحي! أما هنا فلا حياء (وما عصي الله بذنبٍ بعد الشرك أعظم من نطفة يضعها الرجل في فرجٍ لا يحل له).
فجاء المنفذ وأخذ الغترة والقبعة من فوق رأسه، وظهر رأسه ثم جاء اثنان وأمسكاه من الأمام، وجاء رجل بعصا من الخيزران وبدأ يضرب في ظهره، وفي مقعدته، وفي سيقانه، وكان يمد للعصا؛ لأن الرجل لا يثبت مكانه، بل يتحرك، فهو يتلوى من الألم، فالجلاد يضربه في الأسفل، فإذا مال ضربه في الأعلى، فإذا رجع ضربه في الأسفل وهكذا.
المهم أنه بقي يتألم ويتلوى كالثعبان في هذا الموقف حتى أشفق الناس عليه ورحموه كلهم، ولكن الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ﴾ [النور:٢] لا ترحمه؛ لأن الذي عذبه هو أرحم الراحمين! والذي أمر بجلده وسلخ جلده هو أرحم الراحمين، ففي موقف مشين كهذا يتمنى أنه ما عرف الزنا.
الدليل الثاني: لو أن إنساناً قتل آخر ثم قبض عليه وحكم عليه بالإعدام، وأخرج إلى ساحة القتل والقصاص في يوم الجمعة، وخرج من سيارة الشرطة، ثم نظر إلى الموقف والناس كلهم مصطفون ينظرون هذا الموقف، فعيون الناس كلها تريد أن تراه يريدون أن ينظروا إلى هذا الذي قتل، وهو ينظر إليهم ويتأمل فيهم ويعرف هو أن كل هؤلاء الناس سوف يذهبون بعد لحظات إلى بيوتهم؛ يأكلون ويشربون مع زوجاتهم وأولادهم، وينامون في بيوتهم ويباشرون مصالحهم ويعودون إلى أعمالهم، أما هو فأين سيذهب؟! سيذهب وهو يقاد إلى المقصمة إلى الموت، فيموت حينما يراهم، ويموت حينما ينزل من السيارة، ويموت في كل لحظة وخطوة ونظرة، ثم يجلس ويكتف وهو يموت، وفي لحظة من لحظات الخزي التي لا يعلمها إلا الله، ولو أخذنا من قلبه شريحة وحللناها ورأينا ما هو شعوره في تلك اللحظات؟ وماذا يدور في ذهنه؟ هل هو في حالة من السعادة؟ أم في حالة من الشقاء في الدنيا وينتظر أيضاً ما أعده الله للقتلة في النار؟ لأن القتل في الدنيا لا يقضي على المسألة، فقد أخبر الرسول ﷺ ، قال: (إن المقتول يبعث يوم القيامة ويده في تلابيب قاتله، ورأسه في يده الأخرى، وأوداجه دماً ويقول: يا ربِّ! سل هذا لم قتلني بغير حق؟) والله تعالى يقول في سورة النساء وهي من آخر ما نزل من القرآن؛ لما سئل ابن عباس عن توبة القاتل قال: كيف يتوب، وكيف نحكم بتوبته والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء:٩٣] كيف تكون توبته؟ ثم إن القتل الذي حصل للقاتل هذا وفاء بحق الورثة؛ فإن الورثة بمجرد موت المقتول أصبح الحق لهم، فهم بالخيار بين أخذ الدية أو القصاص، لكن هذا الذي قتله القاتل قتل بغير حق، فالقاتل هذا مقتول بحق، لكن الأول مقتول بغير حق، ولهذا يقول الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة:٣٢] ويقول ﵊: (أول ما يقضى يوم القيامة في الدماء) ويقول: (لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) الدم الحرام ثقيل ليس بسهل، والدماء ليست سهلة عند الله يوم القيامة.
فهذا القاتل كيف يكون شعوره وهو ذاهب إلى الموت؟ وهل من الموت مهرب؟ لكن من يقاد إلى النار ويسحب على وجهه إليها يتذكر وهو في طريقه فيعرف أن سبب هذا المصير هو معصية الله، ورفض دين الله، فيمقت نفسه، ويسخط نفسه، فتناديه الملائكة، وكلمة (ينادون) يسميها العلماء: فعل مضارع مبني للمجهول، لماذا لم يُبنَ للمعلوم؟ لأن المخاطبين مجهولون عند الله -أي: ليس لهم قيمة- فبنى الله الفعل للمجهول لجهالة المخاطبين: ﴿يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ [غافر:١٠] وسخط الله وغضبه ﴿أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر:١٠] لماذا؟ قال: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْأِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر:١٠] ترفضون الدين ﴿قَالُوا رَبَّنَا﴾ [غافر:١١] قولهم: (ربنا): مثل تلك الأولى ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ [المؤمنون:١٠٧] لكن في غير مكانها في الله، (رَبَّنَا) سألوا الله بصفتين عظيمتين من صفات الله وهي: صفة الإحياء والإماتة، قالوا: (ربنا) يا من تحيي وتميت! لقد أحييتنا اثنتين وأمتنا اثنتين -أي: كنا أمواتاً في الأصل فأحييتنا في الدنيا، ثم أمتنا ثم أحييتا- فما دمت قادراً على الإحياء والإماتة نطلبك أن تميتنا المرة الخامسة، يريدون الموت ولا يريدون الحياة ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر:١١] هل هناك إمكانية للخروج من النار؟ فلا يجابون هذا، ويعرض عن جوابهم، ولا يقال لهم بعدم الخروج؛ لأن الخروج مستحيل، وإنما يقال لهم السبب الذي من أجله دخلوا، فيقال لهم: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢].
فيا إخوتي في الله! هذه مشاهد حية من القرآن مما سيحدث في القيامة، مشاهد ملموسة لكأننا نراها بأعيننا، والله قد نقلها لنا من أجل أن نأخذ العبرة والعظة ولا نسوف ونماطل ونجازف حتى نصير إلى ذلك المصير المشئوم أعاذنا الله وإياكم من ذلك.
ألا وصلوا على خير خلق الله محمد بن عبد الله فقد أمركم بذلك مولاكم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
اللهم انصر دينك وكتابك، اللهم انصر دينك وكتابك، اللهم انصر دينك وكتابك، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، يا سميع الدعاء! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزة الدين، ودمر الكفرة واليهود والملحدين وأعداء الدين، اللهم من أراد بهذه البلاد وبغيرها من بلاد المسلمين شراً أو كيداً فاجعل شره في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، وأنزل عليه بأسك الشديد، وعذابك الأكيد، فإنه لا يعجزك.
اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولاتنا من خير من أطاعك واتقاك، اللهم اهدهم إلى هداك، واستعملهم في رضاك، وأعنهم على طاعتك، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك في هذه الساعة بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلى، أن تعتق رقابنا من النار، ورقاب آبائنا وأمهاتنا وأزواجنا وذرياتنا، وجميع إخواننا المسلمين.
اللهم نوَّر على أهل القبور قبورهم، اللهم اغفر للأحياء ويسر لهم أمورهم، اللهم اشف مرضى المسلمين، وفرِّج هم المكروبين، واكتب الصحة والسلامة لنا ولكافة عبادك المؤمنين في برك وبحرك أجمعين.
اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا غيث الإيمان في قلوبنا، وغيث الأمطار في بلادنا وأوطاننا، اللهم أنزل علينا من بركات السماء، اللهم أنزل علينا من بركات السماء، اللهم أنزل علينا من بركات السماء، اللهم إن بالبلاد والعباد من اللأواء والشدة والضيق ما لا نشكوه إلا إليك فلا تحرمنا يا مولانا من فضلك فإنك أنت أرحم الراحمين، وأنت أكرم الأكرمين، وأنت أجود الأجودين.
ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، واغفر لنا يا مولانا إنك أنت الغفور الرحيم.
عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 2159
أحوال السعداء يوم القيامة
إن السعداء يوم القيامة في أمان الله وظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله؛ ذلك بإنهم استسلموا لله وخضعوا وانقادوا له، وصبغوا حياتهم كلها بصبغة الإيمان، فجميع تصرفاتهم على ضوء كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإن السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة لا تنال بجمع مال، ولا جاه، ولا شرف، ولا قصور، ولا زوجة، ولا غيرها من متاع الدنيا الزائل، إنما تنال بطاعة الله ، وتكمل هذه السعادة عندما يرضى الله عن العبد.
стр. 2160
أحوال الناس يوم القيامة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الإخوة في الله: حتى لا ينخدع الإنسان لا بد من بيان أن هذه الدار دار كسب وتحصيل، وأن الجزاء الذي يحصل عليه الإنسان في الآخرة إنما يكون على ضوء ما كسبه وحصله في هذه الدار، فهذه الدنيا مزرعة وحصادها في الآخرة، ومن يزرع خيراً يجد خيراً، ومن يزرع شراً يجد شراً.
ومن رحمة الله أن جعل الآخرة وما أعد فيها من النعيم حصاداً للكسب الذي يستطيع كل إنسان أن يعمله، فلو أن الآخرة تنال بالمناصب لحازها أقوام وحرم منها آخرون.
ولو أن الآخرة تنال بالأموال لاستحوذ واستولى عليها الأثرياء والتجار.
ولو أنها تُحْجَز بالجاه والسلطة والقوة والعضلات والطول والعرض لحرم منها الفقراء والضعفاء والمرضى؛ ولكن من رحمة الله أن جعل الآخرة يُحصل عليها بأسهل طريق، وبأقل قدرة وهو: العمل الصالح، وهذا بإمكان كل أحد أن يعمله.
فلا ينفع الإنسان هناك جاه، يقول الله عن أهل النار وهم يستلمون كتبهم بشمائلهم: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩]، ولا ينتفع الإنسان هناك بمال ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] ولا ينتفع الإنسان هناك بثناء الناس عليه، والله لو أثنى عليك أهل الأرض كلهم، وذمك الله فلن ينفعوك بشيء، ولو ذمك أهل الأرض كلهم وأثنى عليك الله ما ضروك بشيء.
فيجب أن تركز اهتمامك على العمل، ولهذا قال النبي ﷺ : (اعملوا يا آل محمد فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً -ويقول:- يا فاطمة! لا يأتيني الناس بالأعمال وتأتوني أنتم بالأحساب) فلا يغني حسب يوم القيامة: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون:١٠١] أبو جهل القرشي، وأبو لهب عم الرسول ﷺ فحمة من فحم جهنم.
وبلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، هؤلاء من ملوك الآخرة، وقد كانوا يباعون بيع الرقيق؛ لكن أعلى قدرهم الإسلام، وأولئك أحرار وصناديد ومن خيار العرب؛ لكن أوضعهم وأنزل قدرهم الكفر والعياذ بالله.
فاحرص يا أخي على العمل، والله لا ينفعك بعد هذه الدار إلا العمل الصالح، التعامل معك هناك سيكون على ضوء عملك هنا، يقول الله : ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١].
وأحوال الناس يوم القيامة تنقسم إلى ثلاثة أحوال: ١/ أحوال أهل النار من الكفار، أعاذنا الله وإياكم من طريقتهم وشأنهم.
٢/ أحوال العصاة من أمة محمد ﷺ ممن لهم توحيد؛ لكنهم خلطوا هذا التوحيد بمعاصٍ وسيئات وبذنوب وكبائر؛ لكنهم ضمن دائرة الإسلام، وما خرجوا من الدائرة.
٣/ وأحوال السعداء -جعلنا الله وإياكم منهم- الذين استسلموا لله، وخضعوا وانقادوا، وصبغوا حياتهم كلها بصبغة الإيمان، وبرمجوا جميع أوقاتهم وليلهم ونهارهم، وبيوتهم ومزارعهم ومعاملهم وأسواقهم، وجميع تصرفاتهم كلها على ضوء الكتاب والسنة.
ولا يعني هذا أنهم ملائكة لا يخطئون! لا.
بل قد تزل بهم القدم؛ ولكن إذا أخطئوا تابوا واستغفروا؛ لأن الله ﵎ غفور رحيم، يقول : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:٣١].
ويقول: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم:٣٢] واللمم: ذنوب وصغائر يُلِمُّ بها العبد المكلف من غير إصرار ولا تعمد؛ لكن تجده وهو ماشٍِ تقع عليه مثل الغبار الذي يلطخ سيارتك؛ لكن تمسحه مباشرة، لا تنزل بنفسك وتأخذ تراباً وتضعه على الزجاج، وتقول: هذا غبار، لا.
بل شيء عارض، نظرة أو خطرة أو كلمة أو زلة مرت منك كل هذه تجتنبها لكنك تقع فيها، قال : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم:٣٢] ثم قال : ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:٣٢] واللمم بسيط، والله يغفره ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢].
وقد سبق الكلام على أحوال أهل النار، وأحوال العصاة من أمة محمد ﷺ ، والآن سيكون الكلام عن أحوال السعداء جعلنا الله وإياكم منهم.
стр. 2161
من أحوال السعداء في الآخرة: أنهم لا يخافون ولا يفزعون
السعداء يوم القيامة لهم حالة، وهذا الكلام كله في عرصات القيامة لم نأتِ إلى الجنة ولا إلى النار، نحن لا نزال في يوم القيامة يوم الوقوف اليوم الذي طوله خمسون ألف سنة، منذ بعثة النبي ﷺ إلى يومنا هذا ألف وأربعمائة وإحدى عشرة سنة، أي: واحد على خمسين من يوم القيامة.
يوم القيامة يوم طويل، لا يعلم طوله إلا الله ، خمسون ألف سنة من أيام الآخرة، وليست من أيام الدنيا، واليوم من أيام الآخرة بألف سنة ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] واضرب ألفاً في خمسين ألف، فهل تضيِّع هذا اليوم كله بالمعاصي خمسون سنة ليست عند الله إلا مثل واحد على عشرين من يومٍ من أيام الآخرة.
في ذلك اليوم للناس من السعداء والموفقين والأتقياء لهم حال ولهم أحوال متعددة.
الحالة الأولى من أحوالهم: أنهم لا يخافون ولا يفزعون حين يفزع الناس، يقوم المؤمن من قبره وهو آمن كأنه رائحٌ وداخلٌ الجنة.
الناس في الدنيا تعودوا أن يحصل لهم هلع وفزع وخوف واضطراب لأي شيء من متغيرات الحياة، فإذا هبت ريح عاصفة وحملت الأشجار وقلعتها، وهدَّمت البيوت، كيف سيكون وضع الناس؟! إذا نزلت أمطار عاتية وهدَّمت البيوت، كيف سيكون وضع الناس؟! إذا حصلت حوادث سيارات، وإذا حدثت نكبات، ووقع زلزال أو خسف أو حروب وغزو وضرب، كيف سيكون حال الناس؟! سيكونون في حالة عظيمة من الخوف؛ ولكن يوم القيامة تدمر السماوات والأرض كلها -ليس فقط حدثاً بسيطاً- بل كل الدنيا تتغير معالمها، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار:١ - ٤].
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير:١ - ٣] كل هذه تتغير؛ ولكن أهل الإيمان وهم يرون هذه الأحداث تتغير لا يخافون، عندهم أمن وطمأنينة في قلوبهم، لماذا؟ لأنهم أولياء الله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] هم أولياء الله في الدنيا، فصار الله ولياً لهم في الآخرة، كانوا كما يريد الله في الدنيا، فكان الله لهم كما يريدون في الآخرة.
عملوا بطاعة الله استعداداً لذلك اليوم، فيؤمِّنهم الله في ذلك اليوم، حينما يُبَعْثَر الناس من القبور تستقبلهم الملائكة وترحب بهم، وتطمئن قلوبهم، وتهدئ من روعهم، وتقول لهم: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف:٤٩].
يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١] أي: عن النار ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء:١٠٢ - ١٠٣] والله يسميه الأكبر؛ لكن أهل الإيمان لا يحزنهم، مهما كان الفزع ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٣] الملائكة تطمئنهم، وتقول لهم: لا تخافوا: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٣] أي: إن الله يدخلكم فيه الجنة، ليس هناك خوف عليكم، الله أكبر! والفزع هو: شدة الهلع والخوف الذي يحصل للعباد حينما يُبَعْثَرون من قبورهم، تصور وأنت تسير وإذا بالقبور تهتز، والناس يخرجون من القبور شاخصةً أبصارهم، عراةً حفاةً غُرْلاً بُهْماً غير مختونين والشمس تدنو من الرءوس، والعرق يسيل على قدر أعمال العباد، والأمر متغير؛ لكنّ أهل الإيمان مطمئنون، لا خوف عليهم اليوم ولا هم يحزنون.
في ذلك اليوم ينادي منادي الرحمن أولياء الرحمن: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٨ - ٦٩].
ويقول الله : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٤].
стр. 2162
خوف المؤمن من الله في الدنيا جعله يأمن يوم الفزع الأكبر
السر في هذا الأمن الذي يشمل الله به عباده السعداء والأتقياء: أن قلوبهم كانت في الدنيا عامرة بالخوف من الله، فكانوا يراقبون الله في كل تصرفاتهم، كانت مراقبة الله بين أعينهم، ولا يجد صعوبة في هذا، تُتاح له الملذات والشهوات؛ ولكن الخوف من الله يقف حاجزاً بينه وبين معاصي الله.
قد يخلو بامرأة، ونفسه تدعوه، وتركيبته الجنسية تدعوه؛ ولكن خوفه يحجزه، ولهذا جاء من ضمن السبعة: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال -ما الذي منعه؟! - فقال: إني أخاف الله) فهذا الخوف من الله كان يعمر قلوب أهل الإيمان، يموت جوعاً ولا يمكن أن يأكل حراماً.
هناك شخص من الشباب يخبرني بهذه القصة، مجلة إسلامية اسمها: التربية الإسلامية، وقد قرأتها بنفسي، وهي موجودة لديَّ، والقصة مفادها: أن شاباً كان يدرس في القاهرة في الأزهر، وكان يسكن في مدينة البعوث الإسلامية التي يسكنها الغرباء الذين يأتون من شتى أقطار الأرض -ومرَّ هذا قبل أربعين سنة أو ثلاثين- وكان هذا الشخص رجلاً تقياً ولكنه فقير لا يملك شيئاً، وضاقت به الأرض حتى مرت عليه أيام وليالٍ وهو لا يستطيع أن يحصل على لقمة العيش، فخرج يومًا من الأيام من مسكنه قاصداً الأزهر لطلب العلم قبل صلاة العصر، وفي الطريق شَمَّ وهو يسير من أحد البيوت رائحةََ طعام شهي يقطع القلوب، وهو سيموت جوعاً، فطرق الباب يريد أن يطلب منهم فلم يستجب أحد، فدفع الباب، فانفتح، فدخل فناء البيت، ثم دعا، فلم يستجب له أحد، فطرق الباب الداخلي، ثم دفعه فانفتح الباب، ونادى، فلم يستجب له أحد، فشاهد أمامه صحفة فيها نوع من الطعام الذي شم رائحته وليس عنده أحد، فدفعه الجوع والحاجة والاضطرار إلى أن يدخل ويأكل وحده من الأكل، وكان الطعام كُبَّة من العيش والبطاطس؛ محشية باللحم ومقلية، كانت رائحتها شهية جداً، أشبه بالسنبوسة، فأخذ واحدة، وعندما حملها وأراد أن يأكلها نظر إليها، فجاءه الخوف من الله فقال: لقمة تأكلها الآن وهي حرام، ولا تدري مَن صاحبها! لا.
وبعد أن أرجعها جاءه الجوع والحاجة، سيموت، فأخذها، فلما أخذها جاءه الخوف، وبقي في صراع وتنازع، النفس تقول: كُلْ، والقلب والعقل يقولان: لا تأكل.
أخيراً انتصر على نفسه ووضعها، وخرج من أجل الله، ودخل المسجد، وصلَّى العصر، وجلس في مجلس الشيخ، وبينما هم جلوس إذا بتلك المرأة تدخل المسجد وتقف على باب المسجد، وتطلب الشيخ أن يأتيها، فجاءها الشيخ، فقالت له: يا شيخ! أنا امرأة أرملة؛ توفي زوجي منذ سنوات، وترك لنا مالاً وفيراً، وخلَّف بنتاً، والآن بلغت سن الزواج، وأوصَى أبوها أَلا أزوجها إلا برجل يخاف الله ، فأريد أن تختار لي مِن طلابك هؤلاء مَن تعرف فيه وفي قلبه مخافة الله.
قال: حسناً! فرجع الشيخ ونظر في الشباب وهم جلوس كلهم في الحلقة، وتقع عينه على ذلك الرجل التقي -لأن التقوى لها آثار في الوجه وفي كل شيء- فدعاه، وأخذه إلى خارج الحلقة وقال له: تريد الزواج؟ قال: يا شيخ! منذ ثلاثة أيام والله ما ذقتُ طعم العيش، وتريدني أن أتزوج؟! ليس عندي شيء يا شيخ! قال له: لا شأن لك، كل شيء موجود.
قال: إذا كان كل شيء موجود فليس عندي مانع.
فأخذه وجاء به إليها، قال: هذا أرضاه لابنتكِ زوجاً؛ لأنه تقي يخاف الله.
قالت: أنا أعددتُ طعاماً جاهزاً، أريدك أن تأتي أنتَ وطلابُك وهُوَ لنأكل من هذا الطعام، وتكتب العقد.
فأخذتِ الشيخَ والطلابَ وهذا الطالبَ وهي تمشي أمامهم، ومشت بهم من طريق إلى طريق إلى أن أدخلتهم في ذلك البيت، وتأتي بالصَّحفة وتضعها أمامهم، ويشاء الله أن تكون الصَّحفة والجهة التي فيها تلك اللقمة من عند ذلك الطالب، ويمد يده عليها ويأكلها حلالاً، ومعها زوجة؛ ولو أنه أكلها لَمَنَعَتْه تلك من نعمة الدنيا، بل ربما تمنعه من نعمة الآخرة.
فالذين يخافون الله يجدون صعوبة، فأنت إذا كنت موظفاً وبجانبك موظف آخر، وتراه يسيّر عمله بالرشوة، ويربح في اليوم ما توفره أنت في سنة؛ ولكنك لا ترضى أن تأكل ريالاً حراماً، تجد فيه صعوبة عليك؛ لكن اصبر، هذا يأكل حراماً، يأكل ناراً حمراء، يأكل لعنة الله: (لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما) أما والله إن ريالاً حلالاً عندك أعظم من مليون، بل أعظم من الدنيا بأسرها وهي حرام؛ ما قيمة الدنيا وهي حرام إذا ملأت بها بطنك، وقدمت على الله وأنت آكل للحرام؟ عبادتك باطلة، وزوجتك وأولادك أكلوا الحرام، وحياتك كلها حرام في حرام لكن عندما تأكل ريالاً حلالاً أعظم بركة من مليون ريال حراماً.
فهؤلاء هم الذين كانوا يقومون الليل، ويصومون النهار، ويستعدون للوقوف بين يدي الله ، هؤلاء خافوا من الله، ولما خافوا من الله أمَّنهم الله يوم القيامة، يقولون: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ [الإنسان:١٠] ماذا حصل؟! ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ [الإنسان:١١].
﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦] كنا في أهلنا ومع أزواجنا وفي بيوتنا؛ لكن في قلوبنا شفقة وخوف ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [الطور:٢٧] أي: أمَّننا الله (وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٧ - ٢٨].
قال الله جزاءً لهم على خوفهم: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ [الإنسان:١١ - ١٢].
стр. 2163
لا يجمع الله بين أمنين ولا خوفين
وفي الحديث الذي يرويه أبو نعيم في الحلية: عن شداد بن أوس، يقول النبي ﷺ -وهذا الحديث صحيح؛ صححه الألباني في السلسلة -: (يقول الله : وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين، ولا أجمع عليه خوفين، إن هو أَمِنني في الدنيا أخفته يوم أجمع فيه عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمَّنته يوم أجمع فيه عبادي) أتريدها كلها سواءً؟! لا.
لا يصلح، خِف من الله هنا تأمن من الله هناك.
أما أنك لا تخاف الله هنا، فسوف يخوِّفك الله هناك، ثم أجرِ مقارنة، فلا بد من واحدة تجري على رأسك، ليس لك مهرب، ما دُمتَ غُلِبْت فلا بد من أن تخاف هنا أو تخاف هناك، أو تأمن هنا، أو تأمن هناك، فما هو الأفضل لك والأسلم؟ أن تخاف ستين أو سبعين سنة وتأمن أبد الآبدين؛ أم أن تأمن ستين أو سبعين سنة، وتشرب وتأكل، وتنكح وتزني وتفجر، وتنام وتتمشَّى، ثم يخوفك الله أبد الآبدين؟ ما هو المنطق والعقل؟ المنطق والعقل إذا تَدَخَّلا سيقولان: لا والله، خَفْ سبعين سنة أو ثمانين سنة أو مائة سنة، ولا تخف الأبد كله.
الناس الآن واقعون مع أنفسهم في دراستهم، تجد الطالب الواقعي يجتهد ست سنوات ابتدائي، وست سنوات متوسط وثانوي، وأربع سنوات جامعة من أجل أن يأخذ الشهادة الجامعية ويتوظف، ليعيش في هذه السن التي بذل فيها الدراسة (٦ + ٦ =١٢ + ٤ =١٦) سنة، يريد أن يعيش حياة كريمة بعد التخرج، كم مدتها؟ أربعين أو خمسين أو ستين سنة، ثم يموت.
فالذي يأمن الله هنا يخوِّفه الله هناك، والذي يخاف الله هنا يؤمِّنه الله هناك، وكلما كان العبد أكثر إيماناً وإخلاصاً وتقوى كلما كان أكثر أمناً يوم القيامة، فأهل التوحيد هم أحسن طبقة، الذين ما خلطوا إيمانهم بشرك، يقول الله : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] الذين آمنوا ولم يلبسوا، أي: ولم يخلطوا، أو لم يغلِّفوا إيمانهم بشيء من الظلم؛ وهذه الآية عندما نزلت قال الصحابة: (يا رسول الله! وأيُّنا لا يظلم نفسه؟ قال: الظلم: الشرك، أما سمعتم قول الله : ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم﴾ [لقمان:١٣]) فالشرك ظلم، فالذي يلبس إيمانه بشرك هذا ليس بمؤمن، يخرج من التوحيد؛ لكن إذا وحَّد ولم يلبس إيمانه بشيء من الشرك فـ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢].
هذا أول حال من أحوال يوم القيامة، وهو: الأمن.
والأمن مطلب رئيس من مطالب البشر حتى يستريحوا، فلو أعطيت جميع لذائذ الدنيا وأنت خائف فإنك لا تريدها، أليس كذلك؟! لا تريد حياة إلا وفيها أمن، إذا طرق الباب عليك طارق، وعرفت أنه يريد منك سرقة أو قتلاً أو تخويفاً، أو شيئاً وأنت تأكل أو تشرب أو تنام، فإن النوم يذهب منك، والأكل لن تهنأ به، والعافية لم تعد تأتيك، وتبقى في قلق، لماذا؟ من الخوف! فهذا الخوف ينزعه الله منك يوم القيامة وتُبْعَث آمناً: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠].
أتريد أن تأتي آمناً يوم القيامة؟ خَفْ مِن الله في هذه الدنيا، في حالتين: عند ورود أمره عليك.
وعند ورود نهيه عليك.
إذا ورد عليك أمر الله فخَف من الله، ونفِّذ أمره، وإذا ورد نهيه عليك فخف من الله وانْتَهِ عما نهاك، فإذا عملت هذين الأمرين فأنت خائف من الله، أما إذا تركت الأوامر، ووقعت في النواهي، وادعيت أنك تخاف الله فهذا خوف الكذابين، ولا ينفعك، فالذي يخاف من الشيء يبتعد عنه، والذي يخاف من المعاصي يرفضها، والذي يخاف من العذاب لا يسير في طريقه، وكذلك المؤمن الذي يريد أن يأتي آمناً يوم القيامة لا يقع في شيء مما يخوفه الله به يوم القيامة.
стр. 2164
من أحوال السعداء في الآخرة: أن الله يظلهم في ظله
السعداء الذين يظلهم الله في ظله: الحالة الثانية من حالات أهل السعادة الأتقياء -جعلنا الله وإياكم وآباءنا وأمهاتنا وإخواننا المسلمين منهم- أنهم يظلهم الله في ظل عرشه مع الأمن، أي: هم آمنون والشمس تغلي، فالأمن يحتاج إلى نوع من الراحة، فالله أراحهم بأن أظلهم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، حين يكون الناس في الموقف العظيم في الوقت الطويل، أنت الآن عندما تقف ساعة أو ربع ساعة في طابور، أو في انتظار موظف، أو في مراجعة، تشعر بأن ركبتَيك قد آلمتاك، وربما تكون في ظل، ولهذا تحتاج إلى أن ترتاح، فتبحث عن كراسٍ، وتقول: ضعوا للمراجعين كراسٍ، كيف لنا أن نظل واقفين؟ لكن يوم القيامة لا تنتظر ساعة ولا ساعتين ولا يوماً ولا سنة ولا ألف سنة، بل هو خمسون ألف سنة، وكل يوم من هذه الأيام بألف سنة، والناس كلهم وقوف.
اسمه: يوم الموقف، لا يوجد أحدٌ جالساً، من الذي يجلس يوم القيامة؟! لا يوجد جلوس، بل وقوف، موقف عظيم، ثم إن مع الموقف وهج شديد، وحرارة متناهية تصهر أدمغة الناس وتغلي منها رءوس العباد، كما يغلي اللحم في القدور، لا توجد مظلة ولا يوجد أحدٌ يمنعك منها، ثم إنهم يذوقون من العذاب والألم ما تنوء بتحمله الجبال الراسيات، ويكون فريق من أهل الإيمان -اللهم اجعلنا منهم يا رب- هانئين مرتاحين في ظل عرش الرحمن، لا يعانون من الكربات والأهوال شيئاً، هؤلاء هم أصحاب الهمة العالية، والعزيمة الصادقة، والموقف الجاد، الذين تمثلت هممهم وعقائدهم وجديتهم في التزامهم الصادق بعقيدة الإسلام، وبقيم وبعبادات وبسلوك الإسلام.
стр. 2165
من السعداء: الإمام العادل
الذين يطبقون الإسلام في كل تصرفاتهم، فالله يؤمنهم يوم القيامة، وهم أصناف كثيرة، ذكرهم الرسول ﷺ في أحاديث كثيرة، منها: حديث عند البخاري ومسلم: قال ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: منهم: إمام عادل).
والإمامة هنا: تشمل كل إمامة، ابتداءً من الإمامة الكبرى وهي: ولاية الأمر العام على المسلمين إلى الولاية الصغرى وهي: ولايتك على بيتك، فأنت إمام، والملك إمام ومسئول، وإذا عدل كان ممن يظلهم الله في ظل عرشه، ومن تحته رئيس الوزراء، ونائب رئيس الوزراء، والوزراء، ووكلاء الوزارات، ومديرو عموم الوزارات، ورؤساء ومديرو الإدارات، ورؤساء الأقسام، والموظفون، وأيضاً: القائد والجندي، كل واحد منهم إمام، حتى العريف يجب أن يعدل فيمن تحته، إذا كنت عريفاً وعندي عشرة أنفار أو عشرون نفراً، فيجب أن أكون عادلاً معهم، وإذا راعيت أحدهم على حساب الآخر أكون خائناً للأمانة، متى كنتَ من هؤلاء يجب أن تكون عادلاً.
إذا كنتُ رئيس قسم وعندي موظفون، يجب أن أتيح لهم الفرص بالتساوي، وإذا كنت مدرساً يجب أن أعامل الطلاب بالتساوي.
أو رجل عندي زوجتين يجب أن أعامل الزوجتين بالتساوي.
أو عندي أولاد يجب أن أعامل أولادي بالتساوي.
إذا عدلت أمنتَ، وإذا جُرْتَ أو ظلمت خسرت؛ لأن الظلم ممحوق، والله قد حرمه، يقول الله : (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالَموا) رواه مسلم.
والظلم عاقبته وخيمة، وهو ضد العدل، والعدل سبب للتمكين، فإذا عدلت وأنت ملك مكَّن الله ملكك، وإذا عدلت وأنت وزير مكَّن الله وزارتك، وإذا عدلت وأنت مدير مكَّن لله إدارتك، وإذا عدلت وأنت مدرس مكَّن الله تدريسك، وإذا عدلت وأنت زوج مكَّن الله زواجك، وإذا عدلت وأنت أب للأولاد مكَّن الله أبوَّتك، أما إذا ظلمت زلزلك الظلم، الظالمون يتولى الله عقوبتهم من فوق سبع سماوات في الدنيا والآخرة.
فالإمام العادل الذي يملك القوة والسلطة؛ ولكنه لم يدفعه هذا الملك وهذه السلطة إلى الطغيان وإلى البطش، بل أقام العدل بين العباد، وحكّم سلطان الشرع الإسلامي من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فهذا يوم القيامة في ظل عرش الرحمن.
стр. 2166
من السعداء: شاب نشأ في عبادة الله
الصنف الثاني: شاب نشأ في عبادة الله -أسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم- وهذه نلمسها -والحمد لله- وصورتها منتشرة ومشهودة في هذا الزمان، وهي المعبر عنها: بـ (شباب الصحوة).
انظروا! كنا نعاني من الشباب، وكنا نصيح من الشباب، وكان الخطباء يقولون: اللهم أصلح الشباب! اليوم الحمد لله استجاب الله الدعاء في الشباب، ونحن نراهم بالآلاف يستقيمون على منهج الله، هؤلاء الشباب الذين نشئوا في طاعة الله، ما تلطخت صفحاتهم، وما تلوثت حياتهم منذ أن عرف الله ما عرف زنىً، ولا عرف غناءً ولا خموراً، ولا شركاً ولا وثنيةً، ولا عرف شيئاً من هذا منذ أن نشأ، وإذا به ينشأ مثل الزهرة الجميلة المتفتحة تنبت في المنبت الحسن، وتؤتي الثمار الحسنة، فشكلها جميل، ومضمونها جميل، فهذا يظله الله يوم القيامة في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
والعلماء يقولون: إن الله جعله شاباً، ما قال: وشيخاً نشأ في طاعة الله، لماذا؟ لأن الشاب يجد معاناة، ويجد تعباً، الآن عندما تمر أنت ومعك رجل كبير في السن أمام امرأة متبرجة فتغض ويغض، فأنت تغض لكن ليس غضك مثل غض ذاك الكبير، فهو يغض وقد شبع من هذه الأشكال، أما أنت تغض والشيطان في قلبك يقول: انظر؛ لكن غصباً تغض بصرك، إذاً يظلك الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
فهذا الثاني، أسأل الله أن يجعل جميع شباب المسلمين منهم.
стр. 2167
من السعداء: رجل قلبه معلق بالمساجد
الثالث: الذين يعمرون مساجد الله بالصلاة، حتى لكأنهم مربوطون بالمساجد، قال: (ورجل قلبه معلق بالمساجد) أي: مربوط، حتى إذا خرج جسده فإنه يخرج من مكانه لكن قلبه في المسجد، جسده في البيت يأكل لكن قلبه في المسجد، ينام وقد وقَّت الساعة على صلاة الفجر، يذهب إلى الدوام وقلبه في المسجد، لا يسمع الأذان إلا وقد قام، قال ﵊: (ورجل قلبه معلق بالمساجد) لأنه يجد الأمن والطمأنينة، والأنس والراحة واللذة في بيت الله ، أكرم مكان يكون عند المؤمن إذا دخل المسجد، الله أكبر ما أعظم تلك اللحظات! وإذا أردت أن تعرف إيمانك أو عدمه فقسه بهذا المقياس.
أما المنافق فيضيق من المسجد مثل الطير في القفص، والمؤمن يرتاح في المسجد مثل السمكة في البحر، لا يجد أنسه إلا هناك، ولولا أنه مطلوب منه أن يعيش بأمر الدين خارج المسجد لَجَلَس في المسجد طيلة عمره، لكنه يسحب نفسه إذا خرج، وإذا رأيته وجدته آخر من يخرج من المسجد، وإذا جاء فهو أول من يجيء؛ لكن ذاك بالعكس فهو آخر من يأتي، وأول من يخرج، لماذا؟ لأنه لا يجره إلى المسجد إلا شيء كخيوط بسيطة والعياذ بالله.
стр. 2168
من السعداء: المتحابون في الله
الصنف الرابع: المتحابون في الله.
وهذه لا يجدها أحد إلا أهل الإيمان، أما أهل المعاصي ففيم يتحابون؟ أيتحابون في الله؟ لا.
ليسوا متحابين في الله، ولذا قال في الحديث: (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه).
وهنا يجب أن ننبه إلى أن المحبة في الله لها ضوابط، لا نريد أن تُمْتَهَن هذه الكلمة وأن تستعمل حتى في المعصية، بعضهم يقول: أنا أخوك في الله، وأحبك في الله، وهما يسهران على المعاصي، لا.
بل قال: (اجتمعا عليه وافترقا عليه) أي: على طاعة الله، فتجمعهم الطاعة، وتفرقهم الطاعة.
أما أن يجتمعوا على المعصية، فهذه أخوة في الشيطان وليست أخوة في الله، فإذا عُمِرَت مجالسه، وعُمِرَت افتراقاته معه على طاعة الله ، فهو أخ في الله.
стр. 2169
من السعداء: رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله
أيضاً مِن هؤلاء الذين يظلهم الله في ظل عرشه: مَن حال الخوف بينه وبين ممارسة الزنا رغم قوة الدوافع: أولاً: تدعوه، الرجل ليس بحاجة إلى أن يدعوه أحد، هو يبحث عن هذا إذا لم يكن عنده إيمان؛ لكن المؤمن لا يبحث عن هذا الشيء ويعتصم بالله، فتأتيه امرأة تدعوه: (ورجل دعته امرأة).
وماذا بعد ذلك؟ ثانياً: (ذات منصب) أي: لا يخاف، ولا ينكشف أمره.
وماذا بعد ذلك؟ ثالثاً: (وجمال) إذاً هناك شيء مُغْرٍ.
ومع هذا يقول: (إني أخاف الله).
هذا يظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
стр. 2170
من السعداء: رجل تصدق بصدقة فأخفاها
وأيضاً من السبعة: الرجل الذي يرزقه الله مالاًَ فينفقه في سبيل الله ، ويواسي به الفقراء، ويعطي منه المحتاجين؛ ولكنه حتى يكون خالصاً فهو يُخْفِيه، ولا يخبر به أحداً إلا الله، حتى شماله لا تدري بما أنفقت يمينه، وهذا كناية عن التستر الكامل في عدم إظهار الصدقة؛ لأنها كلما كانت سراً كانت خالصة (ورجل أنفق نفقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه).
стр. 2171
من السعداء: رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه
السابع: صاحب القلب الرقيق، صاحب القلب الخائف من الله، الذي إذا ذكر عظمة الله وقوة الله، وذكر عذاب الله فاضت عيناه، وبكى وخشع من هذا الموقف الجليل.
(ورجل ذكر الله خالياً) أي: لوحده، ليس مع الناس؛ لأنه إذا كان مع الناس ربما يدخل في نفسه شيء، لماذا؟ لأن الناس تُهَيِّجُه، ربما ينبسط من نظرة الناس؛ لكن بينه وبين الله، عندما لا يراه أحد، ولا أحد يهيَّجه إلا نفسه، ولكن هيجه خوفه من الله ففاضت عيناه، وتقاطرت وسالت القطرات من عينيه على خديه، ولا يراه إلا الله، فيسجله الله بتلك القطرات من ضمن أصحاب المظلة الربانية.
أيها الإخوة في الله: هؤلاء هم الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
وأيضاً وردت أحاديث أخرى في أن المتحابين في الله يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
وأيضاً ورد حديث في صحيح مسلم أنَّ: (مَن أنظر معسراً، أو وضع عنه، أظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله) شخص عليه دين لآخر، فجاء صاحب الدَّين إليه وقد أزف الموعد فقال له: هاتِ النقود.
فقال: والله لا أملك شيئاً.
قال: لا يهمك، كم تريد مهلةً؟ قال: أريد سنة.
قال: لك سنة.
أنْظَرَه وأمْهَلَه؛ لكي يأتي بحقه، لم يذهب يشتكي بالحقوق ويشده، ويقول: ضعوه في السجن حتى يسلم، أريد حقي الآن، بل قال: ما دام أن الله مُوَسِّعٌ عليَّ، وهذا أخي في الإسلام فأنا أصبر عليه؛ لكن أرجوك أن تهتم يا أخي بحقي.
فأعطاه سنة.
أو قال له أيضاً: عندك عشرة آلاف! أتدري؟! قال: نعم.
قال: أعطني خمسة آلاف، ولك سنة، وخمسة آلاف الله يعينك عليها، (من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله).
وجاء في مسند أحمد بسند صحيح أن رسول الله ﷺ قال: (مَن نفَّس عن غريمه -أي: في أجل- أو محا عنه -أي: ترك له- كان في ظل عرش الله يوم القيامة).
هذه الحالة الثانية.
الحالة الأولى: الأمن.
الحالة الثانية: الظل، يظل الله المؤمن في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
стр. 2172
من الأعمال التي تنال بها السعادة
السعداء يوم القيامة هم الذين يعيشون في أمن وطمأنينة وسعادة بلا خوف ولا هم ولا فزع، الذين يسيرون في حاجات الناس في الدنيا ويقضونها، ليس له شغل إلا البحث عن مطالب الناس، وأغراض الناس، وحوائج الناس، ويسعى فيها، ويساهم في حلها ابتغاء وجه الله، يقول الله : ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤].
ومِن أعظم ما يفرِّج كربات العبد يوم القيامة: سَعْيُ العبد في فك كربات الناس في هذه الدار، والتيسير عليهم، وإقالة عثراتهم، ففي صحيح مسلم يقول ﵊: (من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه).
ما دمتَ في عون أخيك فالله في عونك، وبالمفهوم المخالف: إذا كنتَ ضد إخوانك المسلمين فالله ضدك.
ومن الناس من لا يتمنى أن يكون في عون الناس، بل يتمنى أن يكون شوكة وعائقاً في سبيل مصالح الناس والعياذ بالله.
وروى البخاري أيضاً: عن رسول الله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة).
стр. 2173
التيسير على المعسرين
ومن السعداء يوم القيامة في حالة الكربات: الذين ييسرون على المعسرين.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما حديثاً: أنه أَخْبَر ﵊ عن رجل ممن كان قبلنا يداين الناس -يبيع للناس بالدين- فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسراً تجاوز عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، قال: (فلقي الله، فتجاوز عنه).
وروى النسائي وابن حبان والحاكم وصححه: (أن رجلاً لم يعمل خيراً قط، وكان يداين الناس فقال لغلامه: خذ ما تيسر واترك ما تعسر، وتجاوز لعل الله أن يتجاوز عني، فلما مات قيل له: هل عملت خيراً قط، قال: لا.
إلا أنه كان لي غلام وكنت أداين الناس، فإذا بعثتُه يتقاضى ديني قلت له: خذ ما تيسر ودع ما تعسر، وتجاوز لعل الله أن يتجاوز عني، قال الله: قد تجاوزتُ عنك).
وفي مستدرك الحاكم أيضاً: عن ابن مسعود ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: (أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالاً فقال له: ماذا عملت بمالك في الدنيا؟ قال: لا شيء يا رب! إلا أنك آتيتني مالاً فكنتُ أبايع الناس، وكان من خلقي أن أُيسِّر على المعسر، وأُنْظِر المعسر، قال : أنا أحق بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي هذا).
فالذين ييسرون على المعسرين ييسر الله عليهم يوم القيامة.
стр. 2174
الذين يعدلون في أهليهم وما وُلُّوا
ومن السعداء أيضاً: من يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلُّوا.
وفي صحيح مسلم يقول ﵊ فيه: (إن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يداه يمين، وهم الذين يعدلون في حكمهم وفي أهليهم وما وُلُّوا)، أي: في أي عمل وُلُّوه فإنهم يعدلون فيه، هؤلاء لهم منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، وهم على تلك المنابر في ساعات العرض والنشر.
стр. 2175
الشهادة والرباط في سبيل الله
أيضاً من الذين يأمنون يوم القيامة ولا يخافون ولا يفزعون: الشهداء والمرابطون: ففي الترمذي: قال رسول الله ﵊: (للشهيد عند الله ست خصال) الشهيد هو الذي يموت لتكون كلمة الله هي العليا؛ لأن الصحابة قالوا: (يا رسول الله! الرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل في سبيل الله، فأيهم في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).
فالشهادة يجب أن يُعْرف مفهومها، فالذي يُقْتل في سبيل الله شهيد، والمتردي شهيد، والحريق شهيد، والغريق شهيد، والمبطون شهيد، والمطعون شهيد، والمرأة الحامل التي تموت أثناء الولادة شهيدة؛ لكن بشرط أن يكونوا مؤمنين، وحصل لهم شيء من هذه الآفات والمحن، فهم شهداء، أما إذا كانوا فسقة وعصاة وغير مؤمنين، ووقع لهم شيء من هذه الأمور فهو عذاب عاجل وما عند الله أشد؛ لكنّ الشهداء هم الذين ماتوا في سبيل الله، أو المرابطون الذين يرابطون على حدود الإسلام والمسلمين، هؤلاء لا يخافون يوم القيامة، الآن حتى الفن أصبح له شهيد، مات العندليب الأصفر أو الأخضر أو الأسمر، فسموه شهيد الفن، ويموت لاعب في الكرة فيقولون: شهيد الرياضة، والآن يقاتلون ويعادون ويجرمون في الأرض ويقولون: شهداء، لا.
هؤلاء ليسوا بشهداء، هؤلاء ملاعين؛ لأنهم ملئوا الأرض جوراً وظلماً، وإذا ماتوا يقال لهم شهداء.
فالشهيد من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
وللشهيد عند الله ست خصال: أولاً: يغفر له في أول دفقة من دمه لا تنزل أول قطرة في الأرض إلا وقد غفر الله له.
ثانياً: يُرى مقعده من الجنة عند الموت.
ثالثاً: يؤَمَّن من عذاب القبر: لا يأتيه في القبر فتنة ولا سؤال، سألوا الرسول ﷺ فقال: (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) أي: أنه أخذ الفتنة مقدماً في الدنيا.
رابعاً: يأمن من الفزع الأكبر: إذا قام الناس من قبورهم يوم القيامة يقوم وهو آمن.
خامساً: يُكْسَى تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما عليها.
سادساً: يزوَّج اثنتين وسبعين حورية، ويشفع في سبعين من أقربائه، لا يدخل الجنة لوحده، بل يُرجع إلى الموقف ويأخذ سبعين من أهل بيته، كلهم قد استوجبوا النار.
والشاهد في هذا الحديث: أن الشهيد يأمن يوم القيامة من الفزع الأكبر، وهو الفزع الذي ينال الناس كلهم إلا من استثناهم الله.
ومثل الشهيد: المرابط الذي يرابط على ثغور المسلمين ولو لم يحارب؛ لكنه موجود، لو جاء الحرب فهو الأول، وإذا لم يكن هناك حرب فهو مرابط، فرباطه هذا يؤمِّنه يوم القيامة؛ لما روى الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (رباط يوم خير من صيام الدهر، ومن مات مرابطاً في سبيل الله أمن من الفزع الأكبر، وغذي عليه برزقه وريح عليه من الجنة، ويجري عليه أجر المرابط حتى يبعثه الله) هذا أجر الذي يرابط في سبيل الله .
ومن إكرام الله للشهداء: أن الله يبعثهم وجروحهم تتفجر دماً؛ اللون لون الدم، والريح ريح المسك، ففي صحيح البخاري قال ﷺ : (والذي نفس محمد بيده لا يُكْلَم عبد في سبيل الله -والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم، والريح ريح المسك).
وجاء في سنن الترمذي وسنن النسائي وسنن أبي داود بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة -والفواق: فترة ما بين الحلبتين؛ لأن الناقة تحلب ثم تترك إلى أن يزداد لبنها، ثم تحلب مرة ثانية، فمن قاتل فترة زمنية قدر فواق الناقة- فقد وجبت له الجنة، ومن جُرِح جرحاً في سبيل الله أو نُكِب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت دماً، لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك).
следующие страницы →