Полный текст (2 982 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
من السعداء: رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه
السابع: صاحب القلب الرقيق، صاحب القلب الخائف من الله، الذي إذا ذكر عظمة الله وقوة الله، وذكر عذاب الله فاضت عيناه، وبكى وخشع من هذا الموقف الجليل.
(ورجل ذكر الله خالياً) أي: لوحده، ليس مع الناس؛ لأنه إذا كان مع الناس ربما يدخل في نفسه شيء، لماذا؟ لأن الناس تُهَيِّجُه، ربما ينبسط من نظرة الناس؛ لكن بينه وبين الله، عندما لا يراه أحد، ولا أحد يهيَّجه إلا نفسه، ولكن هيجه خوفه من الله ففاضت عيناه، وتقاطرت وسالت القطرات من عينيه على خديه، ولا يراه إلا الله، فيسجله الله بتلك القطرات من ضمن أصحاب المظلة الربانية.
أيها الإخوة في الله: هؤلاء هم الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
وأيضاً وردت أحاديث أخرى في أن المتحابين في الله يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
وأيضاً ورد حديث في صحيح مسلم أنَّ: (مَن أنظر معسراً، أو وضع عنه، أظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله) شخص عليه دين لآخر، فجاء صاحب الدَّين إليه وقد أزف الموعد فقال له: هاتِ النقود.
فقال: والله لا أملك شيئاً.
قال: لا يهمك، كم تريد مهلةً؟ قال: أريد سنة.
قال: لك سنة.
أنْظَرَه وأمْهَلَه؛ لكي يأتي بحقه، لم يذهب يشتكي بالحقوق ويشده، ويقول: ضعوه في السجن حتى يسلم، أريد حقي الآن، بل قال: ما دام أن الله مُوَسِّعٌ عليَّ، وهذا أخي في الإسلام فأنا أصبر عليه؛ لكن أرجوك أن تهتم يا أخي بحقي.
فأعطاه سنة.
أو قال له أيضاً: عندك عشرة آلاف! أتدري؟! قال: نعم.
قال: أعطني خمسة آلاف، ولك سنة، وخمسة آلاف الله يعينك عليها، (من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله).
وجاء في مسند أحمد بسند صحيح أن رسول الله ﷺ قال: (مَن نفَّس عن غريمه -أي: في أجل- أو محا عنه -أي: ترك له- كان في ظل عرش الله يوم القيامة).
هذه الحالة الثانية.
الحالة الأولى: الأمن.
الحالة الثانية: الظل، يظل الله المؤمن في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
стр. 2172
من الأعمال التي تنال بها السعادة
السعداء يوم القيامة هم الذين يعيشون في أمن وطمأنينة وسعادة بلا خوف ولا هم ولا فزع، الذين يسيرون في حاجات الناس في الدنيا ويقضونها، ليس له شغل إلا البحث عن مطالب الناس، وأغراض الناس، وحوائج الناس، ويسعى فيها، ويساهم في حلها ابتغاء وجه الله، يقول الله : ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤].
ومِن أعظم ما يفرِّج كربات العبد يوم القيامة: سَعْيُ العبد في فك كربات الناس في هذه الدار، والتيسير عليهم، وإقالة عثراتهم، ففي صحيح مسلم يقول ﵊: (من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه).
ما دمتَ في عون أخيك فالله في عونك، وبالمفهوم المخالف: إذا كنتَ ضد إخوانك المسلمين فالله ضدك.
ومن الناس من لا يتمنى أن يكون في عون الناس، بل يتمنى أن يكون شوكة وعائقاً في سبيل مصالح الناس والعياذ بالله.
وروى البخاري أيضاً: عن رسول الله ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة).
стр. 2173
التيسير على المعسرين
ومن السعداء يوم القيامة في حالة الكربات: الذين ييسرون على المعسرين.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما حديثاً: أنه أَخْبَر ﵊ عن رجل ممن كان قبلنا يداين الناس -يبيع للناس بالدين- فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسراً تجاوز عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، قال: (فلقي الله، فتجاوز عنه).
وروى النسائي وابن حبان والحاكم وصححه: (أن رجلاً لم يعمل خيراً قط، وكان يداين الناس فقال لغلامه: خذ ما تيسر واترك ما تعسر، وتجاوز لعل الله أن يتجاوز عني، فلما مات قيل له: هل عملت خيراً قط، قال: لا.
إلا أنه كان لي غلام وكنت أداين الناس، فإذا بعثتُه يتقاضى ديني قلت له: خذ ما تيسر ودع ما تعسر، وتجاوز لعل الله أن يتجاوز عني، قال الله: قد تجاوزتُ عنك).
وفي مستدرك الحاكم أيضاً: عن ابن مسعود ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: (أتى الله بعبد من عباده آتاه الله مالاً فقال له: ماذا عملت بمالك في الدنيا؟ قال: لا شيء يا رب! إلا أنك آتيتني مالاً فكنتُ أبايع الناس، وكان من خلقي أن أُيسِّر على المعسر، وأُنْظِر المعسر، قال : أنا أحق بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي هذا).
فالذين ييسرون على المعسرين ييسر الله عليهم يوم القيامة.
стр. 2174
الذين يعدلون في أهليهم وما وُلُّوا
ومن السعداء أيضاً: من يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلُّوا.
وفي صحيح مسلم يقول ﵊ فيه: (إن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يداه يمين، وهم الذين يعدلون في حكمهم وفي أهليهم وما وُلُّوا)، أي: في أي عمل وُلُّوه فإنهم يعدلون فيه، هؤلاء لهم منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، وهم على تلك المنابر في ساعات العرض والنشر.
стр. 2175
الشهادة والرباط في سبيل الله
أيضاً من الذين يأمنون يوم القيامة ولا يخافون ولا يفزعون: الشهداء والمرابطون: ففي الترمذي: قال رسول الله ﵊: (للشهيد عند الله ست خصال) الشهيد هو الذي يموت لتكون كلمة الله هي العليا؛ لأن الصحابة قالوا: (يا رسول الله! الرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل في سبيل الله، فأيهم في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).
فالشهادة يجب أن يُعْرف مفهومها، فالذي يُقْتل في سبيل الله شهيد، والمتردي شهيد، والحريق شهيد، والغريق شهيد، والمبطون شهيد، والمطعون شهيد، والمرأة الحامل التي تموت أثناء الولادة شهيدة؛ لكن بشرط أن يكونوا مؤمنين، وحصل لهم شيء من هذه الآفات والمحن، فهم شهداء، أما إذا كانوا فسقة وعصاة وغير مؤمنين، ووقع لهم شيء من هذه الأمور فهو عذاب عاجل وما عند الله أشد؛ لكنّ الشهداء هم الذين ماتوا في سبيل الله، أو المرابطون الذين يرابطون على حدود الإسلام والمسلمين، هؤلاء لا يخافون يوم القيامة، الآن حتى الفن أصبح له شهيد، مات العندليب الأصفر أو الأخضر أو الأسمر، فسموه شهيد الفن، ويموت لاعب في الكرة فيقولون: شهيد الرياضة، والآن يقاتلون ويعادون ويجرمون في الأرض ويقولون: شهداء، لا.
هؤلاء ليسوا بشهداء، هؤلاء ملاعين؛ لأنهم ملئوا الأرض جوراً وظلماً، وإذا ماتوا يقال لهم شهداء.
فالشهيد من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
وللشهيد عند الله ست خصال: أولاً: يغفر له في أول دفقة من دمه لا تنزل أول قطرة في الأرض إلا وقد غفر الله له.
ثانياً: يُرى مقعده من الجنة عند الموت.
ثالثاً: يؤَمَّن من عذاب القبر: لا يأتيه في القبر فتنة ولا سؤال، سألوا الرسول ﷺ فقال: (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) أي: أنه أخذ الفتنة مقدماً في الدنيا.
رابعاً: يأمن من الفزع الأكبر: إذا قام الناس من قبورهم يوم القيامة يقوم وهو آمن.
خامساً: يُكْسَى تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما عليها.
سادساً: يزوَّج اثنتين وسبعين حورية، ويشفع في سبعين من أقربائه، لا يدخل الجنة لوحده، بل يُرجع إلى الموقف ويأخذ سبعين من أهل بيته، كلهم قد استوجبوا النار.
والشاهد في هذا الحديث: أن الشهيد يأمن يوم القيامة من الفزع الأكبر، وهو الفزع الذي ينال الناس كلهم إلا من استثناهم الله.
ومثل الشهيد: المرابط الذي يرابط على ثغور المسلمين ولو لم يحارب؛ لكنه موجود، لو جاء الحرب فهو الأول، وإذا لم يكن هناك حرب فهو مرابط، فرباطه هذا يؤمِّنه يوم القيامة؛ لما روى الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (رباط يوم خير من صيام الدهر، ومن مات مرابطاً في سبيل الله أمن من الفزع الأكبر، وغذي عليه برزقه وريح عليه من الجنة، ويجري عليه أجر المرابط حتى يبعثه الله) هذا أجر الذي يرابط في سبيل الله .
ومن إكرام الله للشهداء: أن الله يبعثهم وجروحهم تتفجر دماً؛ اللون لون الدم، والريح ريح المسك، ففي صحيح البخاري قال ﷺ : (والذي نفس محمد بيده لا يُكْلَم عبد في سبيل الله -والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم، والريح ريح المسك).
وجاء في سنن الترمذي وسنن النسائي وسنن أبي داود بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة -والفواق: فترة ما بين الحلبتين؛ لأن الناقة تحلب ثم تترك إلى أن يزداد لبنها، ثم تحلب مرة ثانية، فمن قاتل فترة زمنية قدر فواق الناقة- فقد وجبت له الجنة، ومن جُرِح جرحاً في سبيل الله أو نُكِب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت دماً، لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك).
стр. 2176
كظم الغيظ
أيضاً من الذين يؤمِّنهم الله يوم القيامة: الكاظمون الغيظ، الذي يُسْتَثار ويُزْعَج ويُراد منه أن يغضب؛ ولكن أعصابه في ثلاَّجة -كما يقولون- كالجبل؛ لأن من الناس من هو مثل حبة الشعير، أقل حرارة تجعله ينقلب، هذا الذي ينفخ أو ينفث فيحرقُ نفسَه، ويحرق البيت ولا يبالي، ومن الناس من هو راسٍ، لا يتحرك أبداً، وإنما يتصرف تصرفات حكيمة.
فمن الناس من يثور لأتفه الأسباب ويطلق زوجته، ويضرب أولاده، ويلعنهم، ويفتعل مشاكلَ مع مديره، بل بعضهم يقتل، وبعضهم يفعل جرائم، ثم إذا رجع عقله قال: يا ليتني ما فعلتُ! لكن كن هادئاً، واكظم غيظك، فإن في كظم الغيظ منفعة في الدنيا والآخرة.
والمواقف الصعبة التي تمر بالإنسان ويصاب فيها الإنسان بالأذى كثيرة، وقد يكون مصدر هذه المواقف والأذى قريباً أو صديقاً أو محسناً؛ ولكن الأذى إذا سمعه الإنسان وأصابه ألَمَّ به في أعماقه؛ ولكن يضبط نفسه، ولا يطلق لنفسه العنان، ويضبطها، ويكتم غيظه، فقد عَدَّ الإسلام هذا الأمر من الأخلاق، يقول الله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٦].
فالله يمنحك إذا عملت معصية وتبت منها الجنة على هذه المعصية، وعلى توبتك إلى الله .
فكظم الغيظ خلق يجب أن تعود نفسك عليه؛ لأن يوم القيامة يدعو رب العزة والجلال من كظم غيظه على رءوس الخلائق، ثم يخيره من أي الحور شاء.
يروي أبو داوُد والترمذي، قال النبي ﷺ : (من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه، دعاه الله على رءوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره في أي حور العين شاء).
إذا كظمتَ غيظاً وأنت قادر؛ لكن خوفك من الله ومن أجل الله كظم غيظك، ليس جبناً ولا ضعفاً ولا خوراً، وإنما عقلاً وحكمةًَ وتؤدةً، ودائماً الذي يكظم غيظه يجد راحة، ويجد نتائج حسنة، والذي يندفع ويسرع يجد عذاباً ونتائج سيئة.
فما أعظم من كظم الغيظ! فكاظم الغيظ يدعو الله صاحبَه على رءوس الخلائق، ثم يخيره من أي حور العين شاء.
стр. 2177
القيام بالأذان
ومن الذين لهم حالة مميزة يوم القيامة، وهي أن أعناقهم طويلة المؤذنون: الناس كلهم يبعثون على وضعهم الأول إلا أهل الأذان، يأتون ورءوسهم فوق الرءوس، ورقابهم أطول الرقاب، ويعرفهم الناس من بين سائر أهل الموقف، وإذا كل رجل رأسه فوق رءوس الناس، وتراه ينظر إلى الناس، والناس من تحته.
فإذا سألته: لماذا رأسك طويل؟ قال: كنت أقول: (لا إله إلا الله).
ولهذا الأذان من أعظم القربات إلى الله، وقد نزلت فيه آية في القرآن الكريم، وهي قول الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت:٣٣] هذه الآية نزلت في بلال وفي المؤذنين، وفي كل من يدعو إلى الله ، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت:٣٣] انظروا، يبين الله لكم فضيلة الأذان؛ وأن الناس كلهم نائمون في صلاة الفجر، بينما تسمع الأذان فتفتح النافذة وإذا بهذا يؤذن، وذاك يؤذن، والآخر يؤذن، والدنيا كلها تؤذن؛ إذاً هؤلاء أفضل الناس، الناس كلهم رقود وهؤلاء يذكرون الله، الناس كلهم نائمون وهؤلاء يقومون، فأول من يتوضأ المؤذن، وأول من يفتح المسجد المؤذن، وأول من يفتح الكهرباء المؤذن، وأول من يشغل الميكرفون المؤذن، وأول من يفتح النوافذ من أجل أن يخدم الناس المؤذن، وأول من يرتب المصاحف ويرتب الفرش المؤذن، ثم يأتي ويقول: الله أكبر، ويكررها خمسة عشر صوتاً، أليس هذا بفضل؟! نعم.
فضل عظيم لا يبلغه أحد.
ولذا اختلف العلماء وفاضلوا بين عمل الإمامة والأذان أيهما أفضل؟ فقال قوم: الأذان أفضل.
قيل: لماذا؟ قالوا: لحديث: (أطول الناس أعناقاً يوم القيامة المؤذنون).
وللآية الكريمة: أن الله يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّه﴾ [فصلت:٣٣].
ولأن المؤذن يأتي أول الناس، ويقرأ أكثر الناس، ويصلي أكثر الناس، ويخرج آخر الناس، مَن يخرج آخر الناس؟ المؤذن، فهذا من أفضل الناس.
وقال آخرون: الإمامة أفضل.
قيل: كيف ذاك؟ قالوا: أفضل؛ لأن رسول الله ﷺ اختارها، فكان إماماً ولم يكن مؤذناً، ولا يختار ﷺ إلا الأفضل، إذ لا يمكن أن يصير هو في شيء مفضول؛ لأنه يعرف موازين الأعمال ومقاديرها، فما دام أنه صار إماماً فهو أفضل.
وبعضهم توسط في المسألة وقال: الإمامة أفضل أحياناً، والأذان أفضل أحياناً.
قيل: متى؟ قالوا: إذا كان الإمام عالماً بدين الله، خاشعاً في صلاته، قدوة في عبادته، محافظاً على إمامته، كان عَمَلُه أفضل؛ لأنه إذا أحسن فله ولهم.
إذا صليت وأحسنت فلك أجر من صلى خلفك دون أن ينقص من أجورهم شيء.
إذاً فهذا أفضل.
قالوا: والأذان أفضل إذا كان الإمام غافلاً أو جاهلاً أو غير قدوة، كما هو معروف عند كثير من الناس، بعض الأئمة يتمسك بالإمامة كما يتمسك بألذ شيء، لماذا؟ لأجل الراتب؛ لكنه لا يتقن الفاتحة، ولو تقدم شخص عليه ضاربه ولو في المسجد: كيف تتقدم وأنا عندي بطاقة وأنا إمام؟ يا أخي، هذا أقرأ منك، (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).
لكنه يخاف أنه يقدمه، فيذهب في الغد ويقدم في وزارة الأوقاف ويأخذ الراتب ويتركه، فتراه يرابط على الإمامة وهو ليس أهلاً لها.
أو يكون جاهلاً، أو غافلاً في صلاته؛ يكبر ويصلي؛ ولكنه لا يشعر أين هو! يسرح فيبيع ويشتري، ويأخذ ويعطي والناس وراءه، حتى إن بعض الناس يصلي ويسهو والسهو هذا يرد يا إخوان.
تصوروا أنه لا يوجد إمام إلا ويغلط، حتى رسول الله ﷺ سها يوماً في صلاته، قال العلماء: إنه لا يسهو في صلاته من تفكيره في الدنيا؛ لكن لبيان مشروعية هذا، وأنه أمرٌ قد يقع، فسها يوماً في صلاة الظهر فصلى ركعتين ثم سلم، فالصحابة سكتوا؛ لأنهم يعرفون أنه لا يسلِّم إلا بوحي، فكان هناك شخص اسمه: ذو اليدين من الصحابة، أي: يداه طويلتان، كانت يداه إلى ركبتيه من طولهما.
قال: (يا رسول الله! أقُصِرَت الصلاة أم نسيتَ؟ قال: لَمْ تُقْصَر ولَمْ أنسَ، قال: بل نسيتَ، فقال الصحابة: بلى، نسيتَ يا رسول الله! فاستدرك، واستقبل القبلة، وصلى ركعتين، ثم سجد للسهو، وسلَّم).
فالسهو يَرِدُ؛ لكن بنسبة قليلة نادرة، فالرسول ﵊ سها مرة في حياته كلها، وأنت تسهو مرة في عشر سنوات، أو في خمس سنوات، أو في سنة؛ لكن الذي يسهو كل يوم، ما رأيكم في هذا الإمام؟ كل يوم في صلاة الظهر إذا كانت أربعاً فإنه يجعلها خمساً، والمغرب ستاً، أو اثنتين.
أين أنت يا إمام؟ فإذا بالمسكين يبيع ويشتري، ويحل المعاملات، ويعمل كل شيء.
وبعضهم يزيد والجماعة لا يدرون، فلا يسبحون ولا أحد يشعر به؛ لأن كل واحد في وادٍ، نعم.
لماذا؟ لأن الصلاة مُهْمَلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله! حتى قال بعض أهل العلم: إن خشوع الإمام يؤثر على خشوع المصلين.
خشوع الإمام إذا كان صالحاً فإن قراءته تؤثر في المؤمنين، وإذا كان الإمام غير خاشع فالذين وراءه لا يخشعون إلا مَن عظم الله .
فهؤلاء المؤذنون فضلهم عند الله عظيم، فهم أطول الناس أعناقاً يوم القيامة لما روى مسلم في صحيحه، قال ﵊: (المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة) وعليك ألا تتصور أن طول رقاب المؤذنين مثل رقاب الجِمال، لا.
بل هي طول جمال، لا طول تشويه، وطبعاً الآن يتفاخر الناس بطول العنق، إذا أراد شخص أن يتزوج قال: ما شاء الله عنقها مثل عنق الغزال؛ لكن إذا كانت رقبتها لاصقة برأسها، فإنه يقول: هذه لا تصلح.
فعنق المؤذن يوم القيامة ليس طوله طول تشويه، لا.
بل طول جمال، يزيد الله في عنقه جمالاً حتى يكون مميزاً بين الناس؛ لماذا؟ لأنه من أهل من رفع لا إله إلا الله على الأرض.
وأيضاً لماذا يكون عنقه طويلاً؟ لأن عمله جليل وعظيم، فأطال الله عنقه ليُعرف بهذا العمل العظيم.
والمؤذن يشهد له كل شيء سمع صوته يوم القيامة، كل شيء يسمع أذانك وأنت ترفع الأذان في الدنيا يشهد لك يوم القيامة، والحديث عند البخاري وهو صحيح، يقول ﵊ لـ عبد الرحمن بن صعصعة وكان رجلاً يأتي عند الرسول ﷺ ، ويجلس أياماً يتعلم ثم يرجع، وكان صاحب غنم، يجلس في باديته يرعى غنمه ثم يجيء، وهكذا، قال: (يا عبد الرحمن، إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك وأدرَكَتْك الصلاة وأذَّنْتَ فارفع بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة) حتى الحجر، والشجر، والبحر، والجبال، كلها تأتي يوم القيامة تقول: نشهد أن هذا العبد وحَّدك في الدنيا.
فتصور شهادة الناس، وخاصة بعد هذه المكبِّرات، هذه مِن نِعَم الله على الإنسان، ولذا أوصي أي شاب تتاح له فرصة الأذان أن يؤذن.
بعض الناس يقول: لا أريد الأذان.
لماذا؟! قال ارتباط.
قَدِّر أنها ارتباط؛ لكنه ارتباط على كرامة، ارتباط على ثواب وأجر، ليس على إهانة، إذاًَ أمسك الإمامة! لا أريد الإمامة.
لماذا؟ مسئولية وارتباط.
إذاًَ لمن يعطوا الإمامة والأذان إذا أنت تركتهما؟ أمسكها واربط نفسك عليها، ليس هناك مشكلة، يوم أن تكون مؤذناً في مسجد فستكون مرتبطاً؛ لأنك ليس عندك شغل.
إذا جاء وقت الأذان وأنت في الفصل أو في المدرسة فمباشرة استأذن واذهب للأذان، وإذا جاء وأنت نائم فقُم، إذا جاء وأنت معزوم فاذهب.
ما أعظم الأذان؛ لأنه يربطك بالمسجد! ثم إنك تؤذن قبل العشاء بثلث ساعة، ثم تجلس إلى صلاة العشاء، ومعك ثلث ساعة كم ستقرأ فيها؟ وبعد أذان الفجر إلى وقت الإقامة نصف ساعة، كم ستقرأ؟ المهم أنه سيصبح لك فضل لا يعلمه إلا الله .
стр. 2178
من شاب شيبة في الإسلام
ومن الذين لهم وضع خاص مميز يوم القيامة: الذين يشيبون في الإسلام.
يقول:
إن الملوك إذا شابت عبيدهمُ في رِقِّهم أعتقوهم عتقَ أبرارِ
شخص يقول: يا رب! إن الملك في الدنيا إذا شاب العبد عنده وأصبح شائباً أعتقه، يقول: تعبت وشبت في الخدمة، أنا أعتقك عتق أبرار.
يقول: فيا رب، أعتقني، فقد شاب رأسي وأنا في رقك يا رب العالمين.
الشيب في الإسلام نور يوم القيامة، كل شعرة في وجهك تأتي يوم القيامة بمنزلة المصباح تضيء لك يوم القيامة، لِمَا روى الترمذي والنسائي عن كعب بن مرة في الحديث، -وهذا صححه الألباني في صحيح الجامع - قال ﵊: (مَن شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة).
بعض الناس يلطخ هذا النور، إذا بيَّض وجهُه بهذه الشعرات البيضاء من أجل أن تكون دليلاً على وقاره، ونوره يوم القيامة، عَمَد إلى المزيل أو الصباغ الأسود وسوَّد وجهَه، وعندنا إذا أردنا أن نسب شخصاً نقول له: سوَّد الله وجهك، وهذا يسوِّد وجهه بيده، وهذا حرام في دين الله ؛ لأن هناك حديثاً في صحيح الجامع، عن ابن عباس ﵁، قال النبي ﷺ : (يكون قومٌ في آخر الزمان يصبغون بالسواد كحواصل الحمام، لا يجدون الجنة، ولا يدخلونها، ولا يجدون ريحها).
والنبي ﷺ قال في أبي قحافة: (غيروا شيب رأسه، وجنبوه السواد).
فإذا شاب وجهك فافرح؛ لأن بعض الناس عندما يرى الشيب في وجهه يخاف! ماذا بك؟ يقول: الناس سيقولون: شائب! إذا جئتُ لأتزوج لا أجد من يزوجني، وإذا رأتني امرأة ووجدتني شائباً قالت: هذا لم يعد عنده فائدة، ولم تعد عنده مصلحة، والناس يقولون: شيبة.
لا يا أخي! بل كلما زاد شيبك زاد وقارك، إياس بن قتادة بلغه الشيب ورأى شيبة في لحيته -وكانت لحاهم طويلة- فلما نظر إلى لحيته رأى الشيبة، فذهب إلى أولاده قال: [يا بَنِيَّ! إني أرى الموت يطلبني وإني أراني لا أفوته، وقد بلغني نذيره -يقول: وصلني نذيره ومرسوله- وقد وهبتُ لكم شبابي، فهبوا لي شيبتي] يقول: تعبتُ عليكم في شَبَّتِي فاتركوا لي شيبتي لنفسي أعبد الله، ثم اعتزل دنياه وسلمها لأولاده، كأنه قد مات، وجلس يعبد الله بالليل والنهار حتى هزل وضعف، فجاء إليه أولاده وقالوا: [يا أبتاه! إنك تموت هُزَالاً، قال: لأن أموت مؤمناً هزيلاً خير لي من أن أموت منافقاً سميناً].
فالشيب: (مَن شاب شيبةً في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة).
ويروي البيهقي في شعب الإيمان، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : (الشيب نور المؤمن، لا يشيب رجل شيبة في الإسلام إلا كانت له نوراً، وكان له بكل شيبة حسنة، ورُفِع له بها درجة).
وللحديث شواهد، ففي حديث آخر قال ﵊: (لا تنتفوا الشيب)؛ لأن بعض الناس لا يصبغه، وإنما يزيله من أساسه: (لا تنتفوا الشيب فإنه نور يوم القيامة، ومن شاب شيبةً في الإسلام كان له بكل شيبةٍ حسنة، ورفع له بها درجة) وهذا الحديث رواه ابن حبان بإسناد حسن.
وروى ابن عدي والبيهقي في الشُّعَب عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الشيب نور في وجه المؤمن، فمن شاء فلينتف نوره) أتريد أن تطفئ نورك؟ إذاً فانتف حتى تأتي يوم القيامة ووجهك مظلم، لكن دع النور في وجهك، حتى تأتي يوم القيامة ووجهك مشع بنور الله .
стр. 2179
المحافظة على الوضوء
من الذين لهم وضع خاص يوم القيامة: أصحاب الوضوء جعلني الله وإياكم منهم.
أهل الوضوء هؤلاء لا أحد يراهم إلا وهم مستعدون للصلاة، هؤلاء استجابوا لله، وأقاموا الصلاة، وأتوا بالوضوء كما أمرهم الله، وكما سن لهم نبيهم صلوات الله وسلامه عليه فهؤلاء يُدْعَون يوم القيامة بآثار وضوئهم غُرَّاً مُحَجَّلين.
الغر: بياض في الناصية؛ أي: في الجبهة.
والحجال: بياض في القوائم.
أهل الإيمان يُعْرَفون يوم القيامة بالوضوء، غُرٌّ يُبَيِّض الله وجوهَهم بآثار الوضوء، ويُبَيِّض الله أقدامَهم وأيديهم بآثار الوضوء، والحديث في صحيح البخاري، يقول ﵊: (إن أمتي يُدْعَون يوم القيامة غُرَّاً مُحَجَّلين من آثار الوضوء).
يقول ابن حجر في شرح هذا الحديث: غُرَّاً، أي: جمع أغر أو ذو غرة، وأصل الغرة: لُمْعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، ثم استعملت للجمال ولطيب الذكر، يقال: يوم أغر، جبين أغر، دهر أغر، أي: ليس مظلماً؛ فكذلك المؤمن يوم القيامة وجهه وجهٌ أغر.
كيف ولماذا غُرَّاً؟ مِن آثار الوضوء.
وأيضاً هذه اللُّمعة في جبين أو في جبهة الفرس أو الحصان نوع من الجمال، عندما ترى حصاناً أدهم أو أبيض، وبجانبه حصان أدهم؛ لكن في جبهته لمعة بيضاء، أما تعطيه جمالاً؟ بلى تعطيه.
وكذلك المؤمن يوم القيامة يُعطى جمالاً.
ومُحَجَّلين: أيضاً من التحجيل، وهو بياض يكون في قوائم الفرس، والتحجيل للمؤمن حليةٌ وجمالٌ له وزينةٌ يوم القيامة، يقول ﵊: (تبلغ الحلية من المؤمن مبلغ الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته) وقد قيل: إنه من إدراج الراوي، وقيل: من الحديث، أي: يبالغ في إطالة الغرة؛ فإنه يأتي معروفاً بها يوم القيامة، وبهذه الغرة والحلية والجمال النوراني يتميز أصحاب محمد ﷺ ، أهل سنته يوم القيامة، وبها يعرف الرسول ﷺ أمته من بين سائر الخلائق؛ لأن أمة الرسول ليست الأمة الوحيدة التي تبعث يوم القيامة، الأمم منذ آدم إلى يوم القيامة يبعثون كلهم، وتأتي أمة محمد ﷺ فيعرفهم الرسول ﷺ بآثار الوضوء وبالغرة في جبينهم، وبالتحجيل في قوائمهم، يقول ﵊، وقد مر يوماً على مقبرة -والحديث في صحيح مسلم - قال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنَّا قد رأينا إخواننا فقال الصحابة: أوَلَسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني، قالوا: كيف تعرف يا رسول الله من لم يأت بعد من أمتك؟ قال: أرأيتم لو أن رجلاً له خيل غُرٌّ مُحَجَّلة بين ظَهْرَي خيول دُهْمٍ بُهْمٍ ألا يَعْرِف خيله؟! قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غُرَّاً مُحَجَّلين من آثار الوضوء، وأنا فَرَطُهُم على الحوض) وفرطهم أي: السابق لهم، والفَرَط هو الذي يسبقك، يقول: أنا فَرَطُهُم أي: أنا أسْبقهم، وأتقدمهم، وأرحب بهم على الحوض يوم القيامة.
ويروي أحمد في المسند بسند صحيح، عن أبي الدرداء قال: قال ﷺ : (أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له برفع رأسه يوم القيامة، فأنظُرُ إلى ما بين يدي، فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك، قال رجل: يا رسول الله! كيف تعرفهم من الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال: هُم غُرٌّ مُحَجَّلون من آثار الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، أعرفهم أنهم يؤتَون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم حين تسعى بين أيديهم ذراريهم) نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا وإياكم مِمَّن يُؤَمَّن من الفزع الأكبر يوم القيامة، وممن يظلهم الله في ظل عرشه يوم القيامة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
стр. 2180
الأسئلة
стр. 2181
حكم حلق اللحية والإسبال
السؤال
أنا رجل في الأربعين من عمري، أحب أهل الخير ومجالستهم، ويشهد الله على ما في قلبي؛ ولكنني أحلق لحيتي وأطيل ثوبي، فهل يعتبر هذا مخالفة للشرع؟
الجواب
يا أخي الكريم! يا من تجاوزت الأربعين! ويا من بلغت أشدك وقربت من النزول؛ لأن الدنيا مثل الجبل، صعوداً إلى رأس الجبل، ثم تنزل من الجهة الثانية، فبعد الأربعين قد بلغ المرء أشده، يعني: لم يعد هناك صعود إلى فوق، لم يعد إلا نزول، فأنت الآن صعدت إلى القمة والآن ستنزل إلى الحضيض.
وأيضاً رزقك الله حب أهل الخير ومجالستهم، فإن حب الخير حب لله، وحب أهل الخير حب لله، ومجالسة أهل الخير مجالسة لله، والشر كل الشر في كراهية أهل الخير، والسوء كل السوء في الإعراض عن أهل الخير.
كن عالماً أو متعلماً أو محباً أو مجالساً، ولا تكن الخامس فتهلك، وهو المعرض والكاره والعياذ بالله.
وما دمت تحب أهل الخير وتجالسهم، فلم يبقَ عليك إلا أن تعمل، ومِن العمل أَلا تحلق لحيتك، وألا تسبل ثوبك، فإنك إن حلقت لحيتك وأسبلت ثوبك فقد وقعت في مخالفة شرعية؛ لأن الأحاديث والأوامر جاءت بالنهي عن حلق اللحية، وجاءت بالنهي والتحريم عن إطالة الثوب بالإسبال، فماذا ينفعك حلق اللحية؟ يعني: بمن تريد أن تتشبه؟ لماذا تعرض نفسك للعذاب وأنت في غنى عنه؟ الذي يحلق لحيته يجد مشكلة مع لحيته، يريد أن يخصص لها كل أسبوع نصف ساعة إن كان بيده، وإن كان عند الحلاق فساعتين، ذهاب إلى الحلاق، وجلسة، وانتظار، ودبغ للحيته، ثم حلق، ثم نقود! ولِمَ كل هذا؟ دع وجهك يا أخي مليئاً، لحيتك في وجهك بدون تعب، هذا في الدنيا، وأما عذابها: فلا شك أنك تخالف سنة النبي ﷺ ، وتعرض نفسك للعذاب، والرسول ﷺ يقول: (من رغب عن سنتي فليس مني).
ولما رأى الرجلين اللذين كانا حليقين واللذين جاءا من اليمن وهما كافران، قال لهما بمجرد أن رآهما: (مَن أمركما بهذا؟ قالا: ربنا -يعنيان: كسرى- قال: أما أنا فقد أمرني ربي بإعفاء لحيتي وقص شاربي) فهي من أمر الله.
وقال: (خالفوا المجوس) (خالفوا المشركين) (قصوا الشوارب وأعفوا اللحى) (أكرموا اللحى (أرخوا اللحى) (أسدلوا اللحى).
وأنت رغم كل هذه الأوامر تحلق لحيتك؟ لماذا هذا يا أخي؟ ارفع عنها السكين، وأعلن معها الهدنة؛ فإنك بهذا تقيم سنة النبي ﷺ .
وكذلك إسبال الثوب من المَخِيْلَة، وإسبال الثوب سبب للعذاب، والحديث في صحيح مسلم: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: -وذكر منهم- والمسبل إزاره)، فلا تسبل ثوبك، ولكن اجعل ثوبك إلى نصف الساق، فإن لم تقدر فإلى الكعب، أي: لك مساحة، من نصف الساق إلى الكعب، أكثرُ مِن نصف الساق غُلُوٌّ، دون الكعب وما تحته تفريطٌ، فلا تكن مُفْرِطاً ولا مُفَرِّطاً، بعض الشباب يرفع ثوبه فوق نصف الساق إلى ركبته، وبعضهم يرخيه إلى الأرض، والإسلام وسط وعدل، اجعل ثوبك في المستوى المعروف الذي أتاحته لك السنة، وأسأل الله لي ولك ولجميع المسلمين الهداية.
стр. 2182
من أوتي القرآن ورأى غيره أفضل منه
السؤال
ذكرتَ في بعض المناسبات أن مَن أوتي القرآن ورأى أن غيره أفضل منه، فقد ازدرى الدين، أو ازدرى نعمة الله، فهل يعتبر ذلك أيضاً فيما لو أننا رأينا أحداً من العلماء أو من الدعاة أفضل منا؟ أرجو توضيح ذلك!
الجواب
لا.
لا يعتبر هذا، الاعتبار هو: مَن أوتي القرآن والعلم والدين، ثم رأى أن غيره من أهل الدنيا ومن أهل المادة ومن أهل الشيء الفاني أفضل منه.
أما إذا رأيت أن غيرك من أهل العلم أفضل منك في القراءة، أو في القرآن، أو في العلم، فالناس يتفاضلون، ولهذا جاء في الحديث: (انظروا إلى من هو دونكم في الدنيا، ومن هو فوقكم في الدين، حتى لا تزدروا نعمة الله .
стр. 2183
معنى قوله تعالى: ((ويؤثرون على أنفسهم))
السؤال
ما معنى قول الله : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩]؟
الجواب
معنى هذه الآية: أن الله يصف الصحابة الأنصار، ويصف من سار على أسلوبهم وشاكلتهم إلى يوم القيامة بالإيثار، وهو إعطاء الغير هذا الشيء مع الحاجة إليه.
يُؤْثِرُون أي: يُفَضِّلُون، ويُقَدِّمُون غيرهم في الفضل والخير على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، تجده جائعاً وهو يتصدق، وعارٍ وهو يكسي، وفقير وهو ينفق، وهذا أعظم شيء، فالصحابة ﵃ كانوا هكذا، ليس عندهم شيء ويعطون الناس، ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى﴾ [الإنسان:٨] ماذا؟ (حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ [الإنسان:٨ - ٩].
стр. 2184
حكم أخذ راتب الخميس والجمعة من الدولة
السؤال
هناك أناس يذكرون أن راتب يومي الخميس والجمعة حرام على الموظف! هل هذا صحيح؟
الجواب
لا.
هذا ليس بصحيح، وهذا من الغلو، يوما الخميس والجمعة عطلتان رسميتان أتاحهما النظام وولي الأمر لترتاح فيهما؛ لكي تباشر عملك فيما بعد وأنت نشيط، فتأخذ راتبهما حلالاً، وليس فيه شيء إن شاء الله.
стр. 2185
معنى ((إنما يخشى الله من عباده العلماء))
السؤال
ما معنى قول الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]؟
الجواب
معنى هذه الآية، والناس كثيراً ما يغلطون فيها: بعضهم يقول: إنما يخشى اللهُ من عباده العلماءَ، يعني: أن الله يخاف من العلماء، وهذا خطأ، بل ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ﴾ [فاطر:٢٨] لفظ الجلالة هنا: مفعول مقدم، أي: إنما تقع الخشية لله من العلماء: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] فالعلماء فاعل مؤخر، ولفظ الجلالة مفعول مقدم، وقُدِّم للاختصاص، فإنها لا تقع الخشية إلا لله، كما قُدِّم المفعول على الفاعل والعامل في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٤] لَمْ يقل الله: نستعين بك ونعبدك؛ بل قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٤] فتقديم المعمول على العامل من أجل بيان الاختصاص، وهذا سبب تقديمه هنا.
стр. 2186
الدخول بالبنات يحرم الأمهات والعقد بالبنات يحرم الأمهات
السؤال
تزوجتُ ثم طلقتُ قبل الدخول بها، وهذه الزوجة ابنة عمي، فهل تصبح أمها بعد الطلاق من المحارم؟
الجواب
نعم.
تحرم عليك الأم قبل الدخول ببنتها؛ لكن لا تحرم عليك البنت بالعقد على أمها، إذا تزوجت بامرأة وعقدتَ عليها، وكان لها بنت ولم تدخل بالأم فالبنت لا تصبح أنت محرماً لها، فالأمهات يحرمن بالعقد على البنات، والبنات يحرمن بالدخول على الأمهات.
стр. 2187
يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب
السؤال
لي أخت من الرضاعة رضَعَت معي مدة طويلة، فهل أنا محرم لها؟ وهل يجوز أن تكشف وجهها لي أثناء الطعام؟ وهل توبتي مقبولة من المعاصي التي كنت أعملها، واليوم والحمد لله رجعت إلى الله، وما هو رأيكم؟
الجواب
أختك من الرضاعة التي رضعتَ من أمها، أو رضَعَتْ هي من أمك مدة شرعية وهي: خمس رضعات، أصبحت أختك كأختك من النسب، فتحرم عليك، ويحل لها أن تكشف عليك، وتنظر إليها، وأنت محرم لها كما لو كانت أختك من النسب، غير أنك لا ترثها ولا ترثك، فيحرم فقط النكاح، ويجوز أن تكشف عليك.
أما توبتك من الذنوب فإنها مقبولة إن شاء الله إذا توفرت فيها شروط التوبة الصحيحة، وهي: ١ - الإقلاع عن الذنب.
٢ - الندم على ما فات.
٣ - العزم على عدم العودة إليه.
٤ - إذا كان متعلقاً بآدمي فتتحلل من صاحبه.
стр. 2188
أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل
السؤال
أنا امرأة أسال عن حكم: أنني في بعض الأيام لا أصلي التهجد بسبب أن ابنتي صغيرة، وأكون في بعض الليالي والأيام مريضة؟
الجواب
ليس هناك شيء؛ إذا كانت هناك امرأة تتهجد في الليل؛ لكن حصل عندها أن ابنتها مريضة، وسهرت عليها، وما عندها وقت لتقوم وتصلي، فما عليها شيء إن شاء الله، وإن كان أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، والمؤمن إذا عمل عملاً فيستحب له أن يداوم عليه حتى لو كان قليلاً، ولا يكون كالمُنْبَتِّ الذي لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع؛ ولكن هذه المرأة طالما وأن لها عذراً في تركها فلا شيء عليها إن شاء الله، وعليها أنها تستمر حينما يذهب هذا العائق.
стр. 2189
الرضاعة تحرم على الراضع
السؤال
أنا شاب أردت أن أخطب ابنة عمي؛ ولكني وجدتُ أن أخي رضع مع أخيها من أمها، فهل يجوز لي الزواج منها أم لا؟ ووالدتي لا تدري كم عدد الرضعات التي رضعها أخي وأخوها؟
الجواب
إذا كان أخوك هو الذي رضع من تلك المرأة، فإنه يصبح أخاً لجميع الأبناء الذين خرجوا من صلب هذا الرجل ورضعوا من لبن هذه المرأة، أما أنت فلا.
وليست لك علاقة، ويجوز أن تتزوج بالبنت التي رضع أخوها مع أخيك، إلا إذا كانت هي رضعت من أمك، أما إذا كان رضاعاً متبادلاً فقد أصبحت أختك، أما فقط من أمها فالرضاع يحرِّم على الراضع، ولا ينتشر إلى غيره.
стр. 2190
حكم استعمال صبغة الشعر
السؤال
كثير من الناس يستخدمون صبغات للشعر في الرءوس والأذقان، منها: الأسود، ومنها: الأحمر، فما حكم استعمال هذه الصبغات؟
الجواب
لا يجوز استعمال أي صبغة إلا ما بيَّنه النبي ﷺ بقوله: (وجنِّبوه السواد)؛ ولكن الحناء وهو معروف، والكتم وهو مادة توضع على الحناء وتخلط بها ثم توضع على اللحية فتبدو اللحية بُنّية اللون، ليست حمراء ولا سوداء، وإنما بين السواد والحمرة، فهذا ليس فيه شيء، أما السواد الخالص أو الألوان البراقة التي تستخدمها النساء؛ كألوان المكياج، فهذا لا ينبغي، وطبعاً السواد يحرُم على الرجل والمرأة، فكما هو محرّم على الرجل فكذلك المرأة يحرم عليها إذا كانت عجوزاً أن تذهب لتلطخ رأسها وقصتها بالسواد حتى تبدو كأنها شابة؛ لأن التغرير محرّم، سواءً على الرجل أو على المرأة.
стр. 2191
الفرق بين الهدية والرشوة
السؤال
ما الفرق بين الهدية والرشوة؟
الجواب
الفرق بين الهدية والرشوة أن الهدية ليس لها مبرر إلا الحب أو الصلة، أو المعرفة، تهدي لشخص بينك وبينه معرفة، أو صداقة، أو محبة، وليس لك من ورائها أي منفعة دنيوية.
أما الرشوة فتقدمها لشخص ولكن لك عنده غرضٌ، إذا كان موظفاً أو مديراً أو أميراً، أو كان في أي وظيفة ولك معاملة عنده، وتعرف أنها لا تمشي إلا بشيء، فتقدم له هدية، فإذا أكمل العمل انتهى، هذه هي الرشوة تلبس ثوب الهدية، وهي ممقوتة ومحرمة.
أما إذا كان شخصٌ بينك وبينه صداقة، فأهديت له فليس فيه شيء: (تهادوا تحابوا).
стр. 2192
مجالسة تارك الصلاة
السؤال
لي زملاء لا يصلون، وأنا أجلس معهم، وآكل معهم، وأذهب إلى الصلاة وأتركهم، وأنا أعرف أنهم لا يصلون، فماذا أفعل، وبماذا تنصحني؟
الجواب
أنصحك بسرعة مفارقتهم ما داموا لا يصلون فإنهم كفار، ولا يجوز مؤاكلة الكافر ولا مشاربته ولا الجلوس معه، وإذا كنت قد نصحتهم فالحمد لله، وإذا كنت لم تنصحهم فامكث معهم فترة تنصحهم، وبيّن لهم خلال فترة زمنية معينة الحكم الشرعي، فإن استجابوا فالحمد لله، وإن لم يستجيبوا فاتركهم واذهب، فإنهم قومٌ ذو جرب، ونخشى عليك أن يصيبك مِن جَرَبِهم.
стр. 2193
بيان الأجانب والمحارم من الأقارب
السؤال
هل يجوز للمرأة أن تكشف على زوج خالتها، وزوج عمتها، وأخو زوجها، وزوج أخت زوجها، وزوج أختها، وعم زوجها، وخال زوجها، وابن عم والدها؟
الجواب
لا؛ لأن زوج خالتها أجنبي، ولو طلق خالتها لجاز له أن يتزوجها، وزوجُ عمتها كذلك؛ لأن زوج عمتها أجنبي عنها، لو طلق عمتها لجاز له أن ينكحها، وأخو زوجها لا يجوز لها أن تكشف له، بل هو الحمو، والحمو الموت، والحديث في الصحيحين: (الحمو الموت، الحمو الموت، الحمو الموت).
وزوجُ أخت زوجها وزوج أختها لا تكشف عليهما؛ لأنهم أجانب عنها، وعمُّ زوجها أخ لأبي الزوج لا يجوز أن يكشف عليها؛ لأن زوجها لو طلقها لجاز لذلك الأول أن يتزوجها، وخالُ زوجها: لا يجوز، وابنُ عم والدها: لا يجوز كذلك.
كل هؤلاء من الأقارب الذين لا يحل لهم، وهناك ضابط في الموضوع، وهو: أن المحرمات على قسمين: ١/ محرمات على التأبيد.
٢/ محرمات على التوقيت.
فمن حرمت على الإنسان على التأبيد جاز له أن يكشف عليها.
ومن حَرُمَت مؤقتاً لَمْ يَجُز، الآن زوجتك محرمة عليَّ الآن؛ لأنها في عصمتك؛ لكن لا يجوز لها أن تكشف لي؛ رغم أنها محرمة عليَّ، لأنك لو طلقتها لجاز لي أن أنكحها، أليس كذلك؟ وكذلك امرأة أخيك محرمة عليك؛ لأنها امرأة أخيك، لكن لو طلقها أخوك أو مات عنها لجاز لك أن تنكحها.
أما التي يجوز لها أن تكشف عليك -سواءً كانت مزوجة أو غير مزوجة- فهي التي لا يجوز أن تنكحها إلى الأبد؛ لأنك مَحرم لها.
стр. 2194
حكم اللعن
السؤال
ما حكم لعن الزوج لزوجته وما حكمه مازحاً؟
الجواب
لا يجوز لعن الزوج لزوجته، وهو محرم، ولا يجوز لعن الزوج لأي شيء أو الزوجة أو غيرهما، فاللعن هو: الطرد والإبعاد عن رحمة الله.
وصدق السائل: هناك بعض الناس يمزح ويقول لزوجته: اسقيني الله يلعنكِ، أين السقاء؟ أين العشاء ما جاءنا اليوم؟ ما للعشاء اليوم ليس حسناً؟ الله يلعنك! فتقول: أنت أنت متكبر الله يلعنك! ويضحكون واللعنة تمشي، هؤلاء سماهم النبي ﷺ (الصَّقَّارون)، تحيتهم: اللعنة.
فلا يجوز اللعن، لا جاداً ولا مازحاً، ومن وقع فيها فليتُب إلى الله ؛ ولكنه ليس طلاقاً كما يفهم بعض الناس، بعض الناس يقول: لعنتُ زوجتي، ما رأيكم؟ نقول: أخطأتَ وأذنبتَ، وعليك أن تسترضيها، وأن تستغفر الله, وأن تحسن إليها، أما أنه طلاق فلا، الطلاق له عبارات وله كنايات، إذا لم يقع بالعبارات الصريحة فبالكنايات التي يُفهم منها حصول الطلاق، أما هذا فليس طلاقاً.
стр. 2195
حكم تطويل الأظافر
السؤال
ما حكم تطويل الأظافر؟
الجواب
تطويل الأظافر مخالفة للسنة؛ لأن من السنة: (خمسٌ من الفطرة: وذَكَرَ منها: تقليم الأظافر).
وانظروا إلى البشرية يوم أن حادت عن السنة، عادت إلى شريعة القطط والكلاب، فتنظر إلى المرأة وقد أطالت أظافرها وكأنها قطة، ثم صبغتها باللون الأحمر وكأنها كانت تنْخُش دماً، وصبغت فمها باللون الأحمر وكأنها طلته بدم، ويرون هذا جمالاً! ما هذا الجمال؟! هذا جمال القطط والكلاب والعياذ بالله.
فلا ينبغي لك أن تطلق أظافرك، ولا أظافر زوجتك، بل عليك أن تتعاهدها وتقلِّمها لِمَا في ذلك من الضرر.
والعلماء يحققون ويقولون: إن في التقليم مصالح كثيرة: أولاً: أن الأقذار والجراثيم تستقر تحت الأظافر، فلا تستطيع أن تظل تخلِّل وتنظِّف أظافرك كل مرة؛ لكن قلمها، وانتهى! ثانياً: إذا حصل خصام أو مضاربة وعندك أظافر فهذه تصير مثل الأسلحة؛ ومثل السكاكين، انظر إلى أولادك إذا تخاصموا وفيهم أظافر، كيف ترى بعضهم يخمش بعضاً، وكأنهم تجارحوا بسكاكين، وكذلك إذا خاصمتَ امرأتك وعندها أظافر فإنها تخمش وجهك، وترسم في وجهك خريطة بأظافرها، فاجعلها تُقلِّم أظافرها، حتى إذا حدث شيء تكون في أمان، أي: لن يحصل لك شيء وإن وصلك منه شيء لا يسيل دمك.
стр. 2196
حكم قطيعة رحم من وصلته فطردك وقطعك
السؤال
رجل يقاطع أرحامه، وعندما يذهبون إليه يطردهم، ويسألهم بالله أَلا يذهبوا لزيارته، ولا يدخلوا بيته، فماذا يفعلون؟ هل يستمرون في ذلك أم يقاطعونه؟
الجواب
هذا الرجل مخطئ وآثم، وقد باء بإثمهم وإثمه؛ لأنه ينبغي لك إذا وجدت أيَّة بادرة من الناس الذين بينك وبينهم شيء أن ترحب عندما تراهم، قل: أهلاً، حياك الله، لتكبر فيه نفسَه التي عندها حماس أنها تلغي الصلة التي بينك وبينه.
أما أن يأتيك إلى بابك، ويدق عليك، وتقول: قولوا له ليس موجوداً، أو تجبه من أعلى، أو تقول له: أنت مطرود من بيتي، فهذا قد برئت ذمته، ويكون على هذا الشخص الإثم من الطرفين، وأنت يا من عملت ماذا تفعل؟! استمر في المناسبات والأعياد، ودعه يقول لك: مطرود، قل: حسناً! اللهم فاشهد عليه أنني جئت إلى بابه.
فهنا يبوء بإثمك وإثمه.
стр. 2197
معنى التعدي في قوله: (من تعدى فقد أساء وظلم)
السؤال
قول النبي ﷺ : (ومن تعدى فقد أساء وظلم) هل المقصود به الزيادة على الغسلات الثلاث في الوضوء، أم الزيادة على أعضاء الوضوء المحدودة؟ أرجو التوضيح!
الجواب
هذا الحديث ورد في صحيح مسلم بالأمر في الاقتصاد أثناء الوضوء ولو كان على نهر، وعليك أن تتعود على الاقتصاد حتى في بيتك، فإذا جئت لتفك الصنبور فليكن بقدر حاجتك إلى الماء , وإذا لم تحب أن تغلقه بحيث يكون مستمراً ففكه قليلاً، وهكذا.
أما أن تفك الصنبور إلى آخر شيء، وتظل تغسل، فإنك تغسل بقليل في يديك، والباقي مثله عشر مرات يذهب في غير يديك، فهذا من الإسراف.
ثم تغسل مرة أو مرتين، والسنة ثلاثاً، ومن تعدى أي: تجاوز العدد، فقد أساء وتعدى وظلم، والمجاوزة والتعدي والظلم ممقوت في دين الله ، والمقصود به: الزيادة على الثلاث، والزيادة أيضاً على الأعضاء، مثل: شخص يريد أن يغسل رجليه فيغسلهما إلى بطنه، لا.
هذا لم يعد غسلاً، وبدلاً من أن يمسح رأسه يدخل رأسه تحت الصنبور ويغسله، لا.
هذا أيضاً تعدٍّ، تقيَّد بالشرع ومارسْ حدود العبادة فيما أحل الله، وفيما أباح الله ﵎.
стр. 2198
حكم توكيل المؤذن في الأذان
السؤال
أنا مؤذن في جامع ولي أشغال؛ ولكنها ليست دائمة، ووكَّلتُ شخصاً معروفاً باستمراره في المسجد غالب وقته قبل الأذان وبعد الصلاة؛ فغالب الوقت لا أذهب إلى الأذان اعتماداً على الله ثم على ذلك الرجل الذي قال لي: أيُّ يوم تغيب فيه عن المسجد أنا وكيلك فيه على الأذان!
الجواب
المهم أن يكون المسجد عامراً سواءً بك أو بمن توكله، لا تضيع فريضة الله، فإذا كان عندك شغل؛ لأنه لا يوجد شخص في الدنيا يسلم من الأشغال، حتى الملك يأخذ له إجازة، ويرتاح من عمله قليلاً، والوزراء يأخذون إجازات، ولا يوجد شخص يمكث على عمله (١٠٠ %) لا بد أن ينتاب الإنسانَ ظرفٌ؛ إما أن يسافر أو يذهب أو تحصل له ضيافة أو يذهب إلى عمرة أو إلى حج أو يستضاف، فهذه العوائق ترد على البشر، لا نريد أن نقول للإمام والمؤذن: كونا مواظبين لا تذهبا، أو لا تتركا، لا.
بل إذا حصل عندك ظرف من هذه الظروف وأنت إمام أو مؤذِّن فوكِّل.
ولكن الممقوت أن تكون موجوداً ولا تؤذن، أو تكون موجوداً ولا توكِّل، أو تذهب ولا توكِّل، فيضيع المسجد، هذا لا يجوز في دين الله وأنت آثم به.
لكن ما دام الأمر قائماً، والعمل تام بفعلك، أو بفعل وكيلك، فليس هناك شيء إن شاء الله.
стр. 2199
جمال طول رقاب المؤذنين
السؤال
بالإمكان أن توضح جمال طول الرقاب بالنسبة للمؤذنين؟
الجواب
قد بيَّنتُ دون أن نتعرض لغير الجميل؛ لأن العبرة هي التقوى كما تعلم، جزاك الله خيراً.
وأنا لا أتعرض لنوعٍِ من التجريح للذي ليس رقبتُه طويلة؛ لأن ربي هو الذي خلق الرقاب، لستُ أنا، ولا الشخصَ نفسَه الذي خلق رقبته؛ لكني أبيِّن أن طول الرقاب نعمة من نعم الله وجمال، فإذا منّ الله عليك بأن كانت رقبتك طويلة في الدنيا، وأيضاً رقبتك طويلة في الآخرة من الأذان فهذا جمالٌ، أما إذا لم يجعل الله رقبتك طويلة، فما عليك إلا أن تصبر على خلق الله ، وليس معنى هذا: أن فيك عيباً أو قدحاً! لا.
فإن الخالق لك هو الله، والذي يعيب الصنعة إنما يعيب الصانع.
أسأل الله الإعانة والتوفيق.
стр. 2200
وقرن في بيوتكن
خلق الله الخلق ليعبدوه، وأرشدهم إلى سبل طاعته، وفتح لهم أبواب النجاة، وركب فيهم ما يوصلهم إلى بر الأمان بسلام؛ فجعل فيهم عقلاً يفكر، ونفساً تلوم، وجسداً يعمل، وروحاً متعلقة بخالقها، وقلباً هو ملاك ذلك ليرشدهم إلى ما فيه الخير والصلاح، فهذه خمسة أجزاء للإنسان تعمل فيه كيما يطيع ربه.
стр. 2201
الغاية من خلق الإنسان
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيتها الأخوات في الله: ما معنى أن يعيش الإنسان سبهللاً؟ وما قيمة الإنسان إذا لم يكن لعيشته هدف أو غاية؟ وتتنوع الغايات والأهداف في حياة الناس بحسب توجهاتهم ومعتقداتهم.
стр. 2202
استحالة خلق الإنسان عبثاً
لقد ظن قومٌ أن هذه الحياة فرصة للأكل والمتع والشهوات واللذائذ، فتنافسوا على الرغيف، وقضوا حياتهم في تلبية نزواتهم وشهواتهم ومتعهم ولذائذهم، وهذه الأهداف أهداف هزيلة وضئيلة لا قيمة لها؛ لأن الإنسان يشارك فيها الحيوان، والحيوانات لا تتجاوز أهدافها في هذه الحياة هذه الأهداف.
والله ﵎ يعيب على الكفار أن تكون تحليلاتهم لهذه الحياة عند هذا المستوى، فيقول جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢]، ويقول للنبي ﷺ : ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] ويقول سبحانه وهو يخبر أن هؤلاء هم الذين ذرأهم الله للنار: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩].
إذاً: ليست الأهداف من خلق الإنسان أن يأكل ويشرب، ويتمتع وينكح وينام؛ هذه أهداف البهائم إذاً ما الهدف؟ هل يعيش الإنسان من أجل أن يموت؟ لأن نهاية الحياة الموت، لقد كان عدماً قبل أن يأتي، فلو كان الغرض من خلق الإنسان أن يموت لتركه الله في الأصل؛ عدماً، إذ ما معنى أن يأتي عبر تلك المراحل الشديدة، تسعة أشهر في معاناة وحمل وكره من قبل الأم، ثم وضع في كره، ثم إرضاع سنتين في تعب، ثم تربية إلى أن يكبر، ثم مجاهدة في الحياة وتعب ومعاناة وأمراض، وكد وكدح، والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] والكبد: هو المعاناة، ثم بعد ذلك يموت وتنتهي الرحلة ولا يكون أي غرض غير هذا؟! أيخلق الإنسان من أجل أن يعاني ويتعب، ويكد وينصب ثم يموت؟ لا والله! إن الله منزه عن العبث، يقول الله : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] ويقول في آية أخرى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ أي: عبثاً: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: هذا زعم الكفار: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧].
ويقول ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٦ - ١٨].
стр. 2203
أمران يحددان للإنسان الغاية من خلقه
إن الإنسان لا معنى لوجوده، ولا قيمة له ما لم يفهم أمرين رئيسين، فإذا فهمهما تحدد سيره، واستقام خطوه على درب الحياة، هذين الأمرين هما: الأمر الأول: أن يعرف من هو.
والأمر الثاني: أن يعرف لماذا خلق.
إذا فهم وعرف هذين الأمرين فإنه بلا شك تتغير نظرته إلى الحياة، ويتغير منهجه، ويعرف أنه مخلوق مميز، يقول الشاعر في الإنسان:
دواؤك فيك وما تبصر وداؤك منك وما تشعر
وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
الإنسان مخلوق مميز بنص القرآن، يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأنزل عليه كتبه، وبعث إليه برسله، وهيأ له جنته إن أطاعه، وتوعده بناره إن عصاه.
هذه وظيفة الإنسان، لا يمكن أبداً أن يعرفها إلا من خلال معرفة الأمرين اللذين سوف نذكرهما إن شاء الله: من أنت أيها الإنسان؟ والذي يؤسف له -أيتها الأخوات- أن الإنسان رغم تطوره وثورة المعلومات التي يوصف بها هذا العصر، ورغم العلم والتكنولوجيا، وغزو الفضاء، وتفجير الذرة، وتطويع المادة رغم كل هذه العلوم إلى الآن لا يعرف نفسه! صحيح أنه يعرف الكائن الجسدي، وهذا ليس الإنسان فقط، فالكائن الجسدي جزء واحد بسيط من مكونات الإنسان، لكن البشرية اليوم لا تعرف إلا هذا الكائن، تعرف الهيكل العظمي المربط بتلك الأعصاب، والمغطى بتلك اللحوم والعضلات، الذي تجري بداخله تلك العروق، ومركبة فيها تلك الأجهزة: سمعي، وبصري، وهضمي، وتنفسي، وتناسلي، وعظمي كل هذه الأجهزة! هذا هو الإنسان في نظر الناس الآن، وهل هذا هو الإنسان؟ لا.
هذا جزء من الإنسان، وهذا الجزء لا يتعلق به مدح ولا ذم، ولهذا لم يأت في كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ أن الله مدح الناس بناءً على أجسامهم، بل ذم الناس إذا نظروا إلى هذا المعيار أو هذا المقياس، قال في المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] أجسام لكنها خشب؛ نظراً لأن قلوبهم خاوية من الإيمان، وقال ﵊ في حديث صحيح: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).
وجاء في القرآن في آية واحدة في سورة البقرة ثناء على الجسم لكن تبعاً للإيمان والعلم، وذلك في قصة طالوت، قال الله : ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧] فإذا آتى الله الإنسان بسطة في العلم والإيمان وزاد الجسم كان ذلك طيباً لقوله ﷺ : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير) لكن جسماً بغير دين ولا علم ولا إيمان لا يغني ولا ينفع:
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته أتبعبت نفسك فيما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
لم تكتسب إنسانيتك أيها الإنسان من جسدك، ففي البهائم والحيوانات من هو أقوى من الإنسان، البعير أكبر جسماً من الإنسان، والأسد أقوى عضلات من الإنسان، والفيل أضخم جسماً من الإنسان، وهناك حيوانات أكثر ذكاء من الإنسان، الثعلب من أذكى المخلوقات، وهو أذكى من الإنسان، الثعلب بدهائه وبمكره يستطيع أن يغلب الإنسان في كثير من الأمور، بل حتى البعوضة تمتص دم الإنسان ولا يستطيع أن يمتنع منها.
إذاً! ليس سر التكريم في الإنسان هو الجسد؛ الجسد هو بمنزلة الجهاز، وهذا الجهاز لا يعمل بمفرده، لا بد من تشغيل له، وهو الذي سوف نتحدث عنه إن شاء الله الآن.
стр. 2204
أجزاء الإنسان الخمسة أهميتها ودورها
فأولاً: من الإنسان؟ الإنسان مكون من خمسة أجزاء رئيسية:
стр. 2205
الجزء الأول: الجسد
وهو أقلها شأناً، بدليل: أنه إذا تخلت الأجزاء الأربعة البقية عن الجسد لا يبقى له قيمة.
إذا مات الإنسان ما الذي يخرج من الإنسان؟ عينه موجودة في الجهاز البصري، وأذنه موجودة في الجهاز السمعي، وقلبه موجود، وكليتاه موجودتان، ورئته موجودة، والكبد موجود، وجميع الأجهزة موجودة، لكن من يأخذ هذا الإنسان ولو بريال واحد؟ لا أحد يشتريه، وإنما يحول مباشرة إلى المقبرة وينتهي ما لك قيمة إلا بقدر ما للأشياء الأخرى الأربعة من قيمة! هذا الجسد الذي ذكرناه لسنا بحاجة إلى الإطالة في موضوعه؛ نظراً لأن الناس قد اهتموا وبالغوا فيه، وجعلوا كل اهتماماتهم مركزة على حماية الجسد؛ إذا مرض الجسد عالجوه، وإذا جاع الجسد أطعموه، وإذا عطش سقوه، وإذا برد أدفئوه، وإذا احتر بردوه حياة الناس حياة جسد، لكن الحياة الأخرى التي هي أجزاء الإنسان هي التي أهملت في حياة الناس ولهذا يعيشون حياة أقرب إلى البهيمية منها إلى الإنسانية المكرمة، والتي يقول الله تعالى فيها: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠] هذا الجزء الأول، أي: الجسد.
стр. 2206
الجزء الثاني: الروح
وهذه الروح هي الطاقة المشغلة لجهاز الجسد، فما دامت الروح موجودة في الجسد فإنه يعمل، وإذا ما خرجت الروح يتوقف الجسد عن العمل؛ مثل التلفاز عندما ينقل الصورة، يعمل عن طريق طاقة الكهرباء، إذا فصلنا الكهرباء لا يعمل، رغم أن الشاشة موجودة واللاقط موجود، والعدسة التي تنقل الصورة موجودة، لكن فصلنا الطاقة التي تشغل كل هذه الأجهزة.
وكذلك الجسم الجسم موجود، لكن إذا خرجت الروح التي كانت تشغل هذا الجسد توقف، ولهذا تسمعون عن عمليات زرع الأعضاء، تخرج الروح من جسد إنسان فيأخذون قلبه ويزرعونه في قلب إنسان آخر لا تزال الروح فيه، فيشتغل القلب في الإنسان الجديد، رغم أنه قد توقف في الإنسان الأول، ما الذي أوقفه هنا؟ عدم وجود المشغل وهي الروح، ولماذا اشتغل هناك؟ لأن الروح موجودة إذاً الحياة ليست في القلب، الحياة في الروح، وكذلك الكليتان؛ تؤخذ من الشخص الذي يراد نزع الكلية منه وقد توقف، فيأخذونها ويضعونها في إنسان حي فتعمل، من شغلها؟ إنها الروح.
إذاً ما هي الروح؟! هذا شيء استأثر الله بعلمه، ولم يخض فيه حتى سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه، ولما سأله اليهود عن الروح فوض أمره إلى الله وقال: حتى أتعلم من ربي، وجاءه الجواب من الله في سورة الإسراء: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥].
ولما استأثر الله بعلم الروح بقي الناس إلى يومنا هذا، وإلى قيام الساعة لا يعلمون شيئاً عن الروح، ولو أمكن الوصول إلى حقيقتها ومعرفة أسرارها لما خفيت على الإنسان في هذا الزمان، خصوصاً بعد الكشف العلمي الهائل، الذي اكتشفوا فيه حتى الفيروسات وصغار الجراثيم.
يوجد الآن ميكروسكوب إلكتروني يكبر الأجزاء والأجسام، يكبرها ثلاثة مليون مرة، فلا يوجد شيء خفي الآن، لكن الروح هل استطاعت البشرية اليوم أن تعرف عنها شيئاً؟ ما عرفت، وقد قرأت قبل فترة أن طبيباً في أمريكا أجرى أبحاثاً على الروح، وأحضر مريضاً في ساعاته الأخيرة يلفظ أنفاسه، وسلط عليه أجهزة دقيقة لقياس الحركات التي تدخل عليه وتخرج منه، عبر الأجهزة، وعبر صناديق زجاجية وهذا رصد دقيق وبعد ذلك مات الرجل ولم تسجل تلك الأجهزة أي حركة، بمعنى أن الروح لا يمكن ضبطها من قبل الإنسان ولا معرفة سرها؛ لأن الله قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥].
وما دام من أمر الله فلا يمكن أن يطلع عليها أحد إلا بأمر الله، ومن الذي يطلع عليها؟ كان من الممكن أن يطلع عليها النبي ﷺ ، عن طريق الوحي، فهو المبلغ عن الله وما بلغنا شيئاً عن الروح، ولكنه ﷺ أخبرنا بحديث واحد فقط، قال ﷺ : (أول ما يتبع الروح البصر).
وأمرنا إذا حضرنا جنازة ميت أن نغمض عينيه إذا مات؛ لأن الروح إذا خرجت فالبصر يلحقها، ولهذا تجد عيني الميت مشخصة إلى الأعلى، فأمرنا الشرع أن نطبق عينيه وأن نغمض عينيه، هذا كل ما نعرفه من الروح، أما أين هي؟ وما حقيقتها؟ ومتى تأتي؟ ومتى تذهب؟ فقد أخبرنا الله أن الروح يحصل لها مفارقة للجسد في حالتين: الحالة الأولى: حالة الموت.
الحالة الثانية: حالة النوم.
فحالة الموت تفارق الجسد نهائياً، ولا تعود إليه إلا يوم القيامة.
وحالة النوم: تفارق الجسد مفارقة مؤقتة، وتبقى على اتصال بالجسد، لكن تجد النائم لو وضعت عند أنفه رائحة عطر هل يشمها وهو نائم؟ لا.
ولو فتحت عينيه ووضعت أمامه منظراً لا يراه وهو نائم، ولو تكلمت عند أذنه بكلام بسيط لا يسمع وهو نائم لماذا؟ لأن الذي يسمع ويشم ويرى غير موجود وهي الروح، تريده أن يشم؟ تريده أن يسمع؟ تريده أن يرى؟ أيقظه يشم الرائحة، ويسمع الأصوات أين كانت الروح أثناء النوم؟ لا ندري، وقد كنت مرة وأنا أتهيأ للنوم أفكر كيف يمكن أن يأتي النوم؟ ومن أي باب يدخل، ومن أي شباك يأتي؟ وبقيت أفكر وجعلت البطانية تحت قدمي، ثم جعلت البطانية من عند رأسي ثم أدخلتها من تحت جنبي الأيسر، وأفكر الآن.
كيف أنام؟ وفجأة وإذا بي أنام وأنا لا أدري، يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الزمر:٤٢].
ولهذا جاء في الحديث أن العبد إذا قام من النوم يقول: (الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور) ويقول إذا أتى لينام: (باسمك ربي وضعت جنبي، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها -أي أعدتها- فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين).
هذا كل ما نعرفه عن الروح، أما غير ذلك فلا نعرف، هذه هي سر من أسرار الله التي لا نطلع عليها، ولن نطلع عليها، ولم يطلع عليها أحد إلى يوم القيامة، هذا الجزء الثاني من أجزاء الإنسان.
стр. 2207
الجزء الثالث: النفس
وهذه النفس يسميها العلماء مستشار أول للقلب، إذا أراد القلب أن يعمل عملاً أو يصدر أوامر إلى العين أو الأذن أو اللسان، أو اليد، أو الرجل، أو الفرج، أو البطن أو إلى أي تصرف من أعضاء الجسد، قبل أن يصدر تأتي النفس تقدم له مشورة.
ولكن المصيبة في النفس أن استشاراتها ومقاييس الاستشارة عندها الشهوات والمتع والراحة والانفلات وعدم القيود؛ لأنها تحب الدعة والنوم والكسل.
هذه النفس، وهذه طبيعتها، ثم لا تأمر بالخير، وقد بين الله ﵎ لنا هذا في كتابه وقال جل ذكره: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣] بالسوء: أي السيئات، بالشر، هذه طبيعة النفس الإنسانية، تأمر بالسوء، ما موقفك أيها الإنسان من هذه النفس؟ موقفك منها المجاهدة، والمعاندة، والتربية، وحملها وقسرها على الحق، حتى ترتقي وتترك الأمر بالسوء، وتصبح نفساً ثانية وهي النفس اللوامة، وهي المعبر عنها الآن في كتب علم النفس بالضمير.
النفس اللوامة في الشرع هي التي تسمى وخز الضمير، أو ألم الضمير؛ أي: أن الواحد يعمل سوءاً ثم تؤلمه نفسه، أي: يحس بألم في الداخل، وهذا اسمه: الضمير الحي.
ويوجد ضمير ميت، وهو صاحب النفس الأمارة بالسوء، ضميره ميت، يعمل الجرائم يقترف المحرمات يزني يسرق يروج المخدرات يعق والديه يقطع الصلاة ولا يحس لماذا؟ لأن الضمير عنده ميت، نفسه أمارة بالسوء، وواحد آخر لا يعمل الخير، ويحب الخير، لكن أحياناً يقع في الشر فيستيقظ عنده الضمير، وتسمى في الشرع النفس اللوامة، ثم يعاتبها فترتقي إلى المرتبة النهائية والأخيرة، وهي النفس المطمئنة التي سكنت واطمأنت على أمر الله.
وهي معروفة عند الناس الآن بنفوس الملتزمين؛ إذا قال: رجل ملتزم، أي: مؤمن سكن على أمر الله، لا يجد أبداً راحته ولا أنسه ولا لذته ولا حياته ولا طمأنينته إلا في طاعة الله، ألذ لحظة عنده حين يقرأ القرآن، أو يصلي صلاته، أو يسمع المحاضرات، أو يفعل خيراً أو يقرأ كتاباً، أو يسمع شريطاً، أو يدعو إلى الله، أو يوجه هذا ألذ شيء عنده.
هذه نفس اطمأنت، وما معنى اطمأنت؟ أي سكنت وارتاحت إلى أمر الله، ورضي الله عنها وأرضاها عن نفسها، رضي عنها فأقامها على الصراط، ورضيت فاستمرت واستقرت وثبتت على الحق، وفي هذا دعوة إلى الثبات، وعدم الانتكاس، ولهذا في تلك اللحظة يجزي الله ﵎ هذه النفس الجنة، فيقول لها ﵎: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠] نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من هذه الأنفس.
ومجال الإصلاح في الشرع حولها، يقول تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:٤٠] ويقول: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٧ - ١٠] ولا بد من المعاندة لهذه النفس؛ لأنها كالطفل:
النفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
لا يوجد طفل في الدنيا سمعنا أنه انفطم من على ثدي أمه بنفسه وباختياره، لأنه عاش على هذا الشيء، كذلك النفس لابد أن تفطميها أيتها الأخت بقوة عن المعصية؛ لأنها نفس تحب الخروج في الشوارع، وتحب المنتزهات، والحدائق، والتسوق، والنظر إلى وجوه الرجال، والأفلام والمسلسلات هذه كلها أعمال غير شرعية، وتكره البيت، وتكره ما يحبه الله.
стр. 2208
أثر قوله تعالى (وقرن) على النفس المؤمنة
يقول الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ﴾ [الأحزاب:٣٣].
قال العلماء: ما قال الله تعالى: اجلسن، امكثن، لا؛ لأن الماكث والجالس لابد أن يقوم، لكن قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ﴾ [الأحزاب:٣٣] ولهذا عندما ترى جبلاً تقول: جبل جالس، أم جبل نائم؟ لا، تقول: جبل مستقر، والله تعالى يقول: استقري في بيتك كما يستقر الجبل مكانه، الأصل أن تبقى المرأة في بيتها ولا تخرج، حتى قال العلماء: ليس للمرأة خروج إلا مرتين في عمرها من بيتها: المرة الأولى: إلى بيت زوجها.
الثانية: إلى قبرها.
والآن، كم تخرج المرأة من بيتها في اليوم الواحد؟! لا إله إلا الله! والله إن الإنسان ليحس بألم شديد حينما يسمع أن المرأة لا تحب البيت؛ كلما دخلت البيت قالت: (متضايقة زهقانة قلقانه تريد أن تسجنني؟) دعنا نخرج بسبب ماذا؟ دوافع النفس الأمارة بالسوء، والواحدة لو قسرت نفسها على هذا، وألزمت نفسها، وقالت: يا نفس والله لا تخرجين، حتى ولو طاعة إلى المسجد لا تخرجين؛ لأنه ما الهدف من الخروج إلى المسجد؟ الصلاة؛ الصلاة للأجر الأكثر، هل الأفضل للمرأة أن تصلي وأجرها أكثر في بيتها أم في المسجد؟ لا شك والحديث قد أجاب على هذا: قال ﵊: (عباد الله! لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ثم قال: وبيوتهن خير لهن) وقال ﷺ في حديث آخر: (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، وصلاتها في غرفتها أفضل من صلاتها في سائر بيتها، وصلاتها في مخدعها -في المكان الذي تنام فيه- أفضل من صلاتها في غرفتها) لماذا؟ لأن المرأة جوهرة، ودرة، والشرع يحفظ هذه الجوهرة، ولا يريد أن تصل إليها عين، ولا تمتد لها يد إلا يد زوجها الذي استحلها بكلمة الله، لكن يوم تتبذل وتسترخص وتخرج، تصبح كالمنشفة التي يمسح فيها كل قذر قذارته، هذا يمسح بها عينه، وذاك يده، وذاك قلبه، وذاك أمنيته، وترجع وهي قد لوثت، وقد دنست وقذرت، وفُتنت وفَتنت، وعصي الله بسببها.
ما من امرأة تخرج من بيتها وتعرض نفسها للنظر إلا وهي ترتب للناس المعصية، كأنها تدعو إلى معصية الله، كل من ينظر لها أما عصى الله؟ نعم.
ثم من الذي جعل هذا الإنسان الذي في الشارع يعصي الله؟ لو جلست في البيت ما عصي، لن يذهب إليها وينظرها في بيتها، لكن لما خرجت متزينة متعطرة استشرفها الشيطان، وإذا تعطرت وذهبت حتى إلى المسجد فهي زانية، لماذا؟ لأن الله أمرها بهذا: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] لكن لما لم تقر فإن نفسها نفس أمارة بالسوء، فلا بد من المجاهدة لهذه النفس، والله تعالى يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩] قال العلماء: زكاها بطاعة الله، وبالتجنيب لها عن معصية الله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:١٠]، قالوا: دنسها بحرمانها من طاعة الله، وبوقوعها في معصيته، وقد تقول قائلة: إن طاعة الله فيها مشقة، ومعصية الله فيها راحة ولذة، أي: كونها تخرج وتتمشى في الأسواق وتجلس على (البلاجات) وفي الحدائق، والأرصفة، وعلى البحر، وتشم الهواء، هذه بسطة ومتعة صحيح فيها بسطة، لكنها بسطة ملغمة من الداخل بغضب الله وسخطه.
فلا بسطة مع اللعنة، ولا متعة مع الوعيد، والعذاب البسطة الحقيقة مع رحمة الله تعالى ورضاه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨] وكونها تجلس في البيت فيه صعوبة، لكنك تنتظرين ما أعده الله لك عنده في جنة عرضها السماوات والأرض، ويكون هذا إذا حرمت السير في الشوارع، والجلوس على الأرصفة، والتنزه في الحدائق، والجلوس على الكورنيش، فلن تحرمي إذا مت من الجلوس على ضفاف أنهار الجنة، في جنة عرضها السماوات والأرض: (فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
هذا إذا كنا مؤمنين بهذه الجنة، أما إذا لم يكن مع المرء إيمان فسينفلت، وبالتالي سيرى الحقائق هذه بعد أن يموت: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧] هذا هو العنصر الثالث.
والثاني: الروح، وهذه ليس لنا فيها علاقة، الجسد جسد لا تغير أنت فيه شيئاً، لا أحد يستطيع أن يأخذ جسداً بمزاجه، الله خلق الجسد، ولا أحد يحدد طوله، أو عرضه، أو لونه، أو جنسه لا.
هذه فرضت عليك وما معك إلا الذي معك، ولهذا لا يجوز للإنسان أن يعيب خلقة إنسان آخر؛ لأن العيب هنا يكون للصانع، لا يجوز شرعاً أن تأتي إلى أحد وتقول له: اسكت يا متين، أو يا قصير، أو يا طويل، أو يا أسود، أو يا أبيض، أو يا أعور لا! لأن عيب الصنعة عيب للصانع، والنبي ﷺ لما سمع أبا ذر وهو يقول لـ بلال: [يا بن السوداء] طيب! من الذي صبغ وجه بلال بالسواد، وجعل أبا ذر أبيض؟ أبو ذر ما لوَّن نفسه في بطن أمه، ولا بلال لوَّن نفسه في بطن أمه؟ لا.
الله جعل هذا أبيض وهذا أسود، فلماذا تعترض على الله، وتقول: اسكت يا أسود أو يا عبد؟ فلما سمعه قال له النبي ﷺ : (إنك امرؤٌ فيك جاهلية) يعني: ما فيك إسلام؛ لأن الجاهلية ضد الإسلام: (فقال: يا رسول الله! أعلى مشيب رأسي؟ قال: نعم).
وهو من السابقين في الإسلام.
فقام ﵁ وأرضاه ليمحق هذه الجاهلية، وليستأصلها من نفسه، هذا المؤمن الصادق وضع خده الأبيض النظيف على الأرض، ثم قال: [يا بلال! والله لا أرفع خدي من الأرض حتى تطأ بقدمك السوداء على خدي الثانية]، ولم يقم حتى جاء بلال وأخد بيد الغفاري العربي حتى ذهبت وذابت تلك النزعة الجاهلية التي يُقَوِّمُ الناس فيها بعضهم بعضاً بالسواد والبياض.
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ما قال أبيضكم ولا أحمركم، ولقد أعلن الإسلام وحدة الجنس البشري، وأعلن أن الناس كلهم لآدم: (كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى) هذا الجسد.
الثاني: الروح وقلنا ما فيها.
الثالث: النفس، وهنا يبرز دور الإنسان في تربية نفسه، ويتفاوت الناس ويحصل بينهم التفاوت، مثل ما بين السماوات والأرض، بحسب قيامهم بمجاهدة أنفسهم وبتربيتها على الحق وقصرها عن الباطل.
واحدة من الأخوات تحدث عن تجربتها في قضاء الوقت، تقول: انتهت العطلة الصيفية وشعرت بوفرة في الوقت، تقول: فقررت أن أحفظ سورة البقرة وآل عمران خلال فترة الصيف؛ لأنها تقول: سمعت أن (سورة البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كغمامتين، أو كغيايتين، أو كصنفين من طير، تظلان صاحبهما) فتقول: أريد أن آتي يوم القيامة تحت مظلة هاتين السورتين، وبدأت وقررت لنفسها أن تحفظ في كل يوم صفحة، مع المراجعة.
وفي نهاية المدة تقول: والحمد لله وفقت وحفظت سورة البقرة وآل عمران، هذه موفقة، ليس عندها وقت للفراغ، ما يعاني منه النساء الآن من وقت فراغ سببه جهلهن بالواجبات المطلوبة منهن.
عندِك فراغ وأنت لا تحفظين شيئاً من كتاب الله؟ أو من سنة رسول الله ﷺ ، ولا تعرفين شيئاً من أحكام دينك في فقهك الذي يتعلق بعبادتك أيتها المسلمة؟ عندك فراغ وأنت أم أولاد وزوجة رجل؟ أما تشعرين أن الزوج هذا يشغلك؟ المتزوجة حملت عبئاً بهذا الزوج، وتكاليف تحتاج إلى جهد: خدمة الزوج، الإشراف على طعام الزوج وملابسه، والجلسة معه، والمؤانسة له، وهذه كلها تحتاج إلى وقت، لكن بعض النساء أهملت هذا كله، زوجها مثل العامل عندها؛ لا تهتم بطعام ولا بشراب ولا بأكل، ولا بمؤانسة، ولا بجلسة، أولادها مع الشغالة، ومطبخها على الخادمة، وهي تقول: أنا زهقانة، زهقانة من ماذا؟! تركت الواجبات، قومي بواجباتك أنت، قومي بواجباتك في المنزل، وقومي بواجباتك في الأطفال، لا تدعي الأطفال للخادمة.
وإن من المآسي والله ما يفطر القلب! تتصل بي إحدى المدرسات وتشتكي، تقول: إني مدرسة دين، وتقول لي طالبة من الطالبات: يا أستاذة أنا أحب المسيح، قالت: لماذا تحبين المسيح؟ قالت: لأنه ابن الله، قالت: يا ابنتي ليس هو ابن الله، هذا رسول الله، قالت: لا لا لا.
أنت لا تعرفين، قالت: من قال لك؟ قالت: الخادمة.
الخادمة النصرانية وضعت عقيدة النصارى في قلب هذه البنت، وأصبحت البنت داعية في المدرسة وتدعو الطالبات في السنة الخامسة والسادسة، تقول لهن: إن المسيح ابن الله، وتحب المسيح، متى تسلطت الخادمة على البنت؟ في ظل غياب الأم المشغولة بالمكياج، والموديلات، وبالسهرات والتمشيات، والشغالة تربي ابنتها على النصرانية.
أيتها الأخت ليس عندك فراغ، الواجبات أكثر من الأوقات إذا عرفت تلك الواجبات.
стр. 2209
الجزء الرابع: العقل
والعقل يسميه العلماء مستشار ثانياً للقلب، لكن مقاييس العقل مقاييس المصالح، والمفاسد، والنتائج، والمقدمات، والآثار، ليس مثل النفس، النفس شهوات، لكن العقل لا ينظر للشهوة، وإنما ينظر للأثر والنتيجة، وينظر للمصلحة والمفسدة، لكن أحياناً لا يستجاب لإشاراته، يشير على القلب ولكن ضغط النفس أكبر من ضغط العقل، فيرفض القلب وتستمر النفس في الضغط حتى تنفذ آراءها، وأضرب على هذا مثالاً: الذي يدخن أليس عنده قناعة من عقله أن التدخين مضر؟ لا يوجد أحد في الدنيا يقول: التدخين ينفع، حتى الشركة التي صنعت الدخان كتبت عليه: التدخين مضر بصحتك، ولا يوجد طعام في الدنيا أو صناعة في الدنيا تصنع إلا ولها دعاية إلا الدخان، شركته تكتب عليه دعاية ضده، ولا يوجد طعام إلا وله تاريخ بداية ونهاية إلا الدخان فاسد من يوم ما صنعوه، وليس له تاريخ نهاية؛ لأنه فاسد من أول ما صنع، ومع هذا تجد الرجل يدخن، لماذا؟ لأن نفسه أقوى من عقله.
العقل يقول: هذا يضر، والنفس تقول: لا يضر (دخن عليها تنجلي) والضرر يمكن أن نكافحه، وهو يعرف أنه لا يقدر أن يكافحه، سرطان الرئة يأتي من الدخان، وكثير من الأمراض ما لها علاج سببها من الدخان.
إذاً العقل هنا ليس مطاعاً في ظل هيمنة النفس، متى يطاع العقل؟ قال العلماء: إذا ضعفت النفس قوي العقل، إذا كان مستنيراً بنور الكتاب والسنة، فإن العقل يقول لها: لا.
стр. 2210
الجزء الخامس: القلب
مثلاً تأتي شهوة الزنا، النفس تقول: فرصة، يأتي العقل ويقول: لا.
حرام، تأتي النفس وتقول للقلب: حرام صحيح لكن الله غفور رحيم وهكذا بكل الاستشارات إلى أن يأتي القلب وهو الملك الأخير، والعضو الأخير ملك الجوارح، هذا هو صاحب القرار الأول والأخير في اتجاه الإنسان، ولو ترون الآن البنت إذا التزمت أو الولد إذا التزم ما الذي يتغير فيه؟ قلبه.
حصلت عنده قناعة في قلبه أن الطريق الصحيح هو الدين، مباشرة أصدر أمره إلى العين: لا تنظر إلى التلفاز، الأذن: لا تسمع الأغاني، وإلى اللسان: لا تتكلم بالغيبة ولا النميمة، وأصدر أمره إلى الفرج: لا تعمل الزنا، وأصدر أمره إلى اليد: لا تمتد للحرام وهكذا.
وإلى الجسد أنه يشتغل في طاعة الله، كان لا يصلي والآن يصلي، ما كان يتهجد والآن يقوم ليتهجد، لماذا؟ صلح القلب، يقول ﵊ كما في الصحيحين: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) ولهذا جاء الشرع بإصلاح القلوب، يقول الله ﵎ في القرآن الكريم: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
وأخبر كثير من الآيات أن الأمراض تصيب القلوب كما تصيب الأجسام، قال : ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة:١٠].
فيا أخواتي في الله: هذه هي الأجزاء الخمسة للإنسان، جسد لا أهمية له ولا قيمة، وروح لا نعرف عنها شيئاً، ونفس مهمتنا إصلاحها، وعقل ننوره بكتاب الله، وقلب نعالج أمراضه بكتاب الله وبسنة رسول الله ﷺ .
وأنتن اليوم -أيتها الأخوات- في استقبال عطلة، وهذه العطلة نعمة من نعم الله على المرأة، وأذكر أنني ألقيت محاضرة في مكة في مجمع نسوي في الجمعية الخيرية، بعنوان: المرأة ومشكلة الفراغ، وأريد أن تسمعن هذا الشريط؛ لأنني تحدثت فيه عن هذه المشكلة التي هي في الحقيقة غير موجودة أصلاً بل مفتعلة، ونتجت بسبب بعد المرأة عن قيامها بواجباتها ومسئولياتها، وترتب على هذا وجود فراغ عندها، فملأت الفراغ هذا بالباطل، وبالتمشيات وبالغدوات والروحات والأفلام والمسلسلات.
وبالتالي حصلت لها مشاكل كثيرة، فأريد أن تستمعي إلى هذا الشريط بمشيئة الله، وتضعن برامج لملء الفراغ بما هو مفيد في الدنيا والآخرة.
أسأل الله ﵎ أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه.
следующие страницы →