Полный текст (2 982 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
الاهتمام بالرقائق والقصص والأحداث
تاسعاً: الاهتمام بالرقائق والقصص والنكت والأحداث، هذه منثورة في كتب العلم، وموجودة في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وفي كتب شيخ الإسلام ابن القيم، وفي كتب ابن الجوزي؛ لأنها تحرك القلوب، وتؤثر فيها وتدفعها، وفي السير: سير أعلام النبلاء للذهبي من أعظم ما ألف، أيضاً هناك كتب صغيرة اسمها صور من حياة الصحابة للدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا، وصور من حياة التابعين هذه من أعظم ما ألف في السيرة؛ لأن كل كتاب يحتوي على ثمان أو سبع سير للصحابة، أو ثمان أو سبع سير للتابعين، تأخذ الكتاب وأنت تريد أن تنام في الليل تقرأ سيرة أحد الصحابة كيف عاش في الإسلام، هذه الملح والطرائف والرقائق تقوي الإيمان وتثبت وتعالج ما فيك من ضعف.
стр. 2347
النظر والاعتبار بأخبار الذين انحرفوا بعد الهداية
أيضاً: أن تتعرف بالرجوع بالذاكرة إلى الوراء على تاريخ الذين هداهم الله ثم تراجعوا وسقطوا، كيف كانت نهايتهم، وكيف أصبحوا في وضع لا يحسدون عليه، وكيف هانوا على الله وعلى الناس لهوانهم على أنفسهم، وكيف تأخذ منهم العبرة؟ مثل شخص كان مؤمناً وديناً وطيباً ثم انسلخ وفسد ووقع في المخدرات وقبض عليه، والآن زوجته ضائعة، وأولاده ضالون، وهو مسجون وينتظر القتل كل يوم، ولو أنه استقام على الدين ما كان في هذا الوضع الذي لا يحسد عليه، فتأخذ أنت من نفسك عبرة وتقول: الحمد لله الذي جعل لي منه عبرة ولم يجعلني أنا للناس عبرة.
هذه أيها الإخوة! مجمل الأسباب التي يمكن للمؤمن أن يأخذها، وأنا أرجو من إخواني الكرام ألا تمر هذه المحاضرة مر الكرام عليهم، بل لا بد من مراجعتها، وسماعها، والوقوف عند كل جزئية منها، ومراجعة النفس ومحاسبتها عليها، فإذا وجد الإنسان خللاً أو تقصيراً أو فتوراً فليصلحه، وإذا وجد قوة وثباتاً فليزد فيه، وأسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يزيدنا وإياكم ثباتاً على دينه.
اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك، اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، اللهم اجعل خير أعمارنا آخرها، وخير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، اللهم اجعل خير أعمارنا آخرها وخير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوم نلقاك، اللهم اجعل خير أعمارنا آخرها وخير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوم نلقاك، اللهم احفظ علينا أمننا وطمأنينتنا ونعمتنا واستقرارنا، اللهم من أرادنا في هذه الديار أو غيرنا من ديار المسلمين بسوء أو شر أو كيد أو مكر فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره، وأنزل عليه بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
اللهم آمنا في دورنا، واحفظ أئمتنا وولاة أمورنا، ووفقهم لما تحبه وترضاه، واجعلهم هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين برحمتك يا أرحم الراحمين.
وأسأل الله لي ولكم التوفيق في الدنيا والآخرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2348
الأسئلة
стр. 2349
حكم عمل النساء بمهنة التمريض
السؤال
يسأل الأخ عن مهنة التمريض: هل هي جائزة بالنسبة للنساء؟
الجواب
مهنة التمريض من المهن التي تحتاجها الأمة؛ لأن المرأة المسلمة تتعرض للمرض وتدخل المستشفى وتحتاج لمن يقوم بخدمتها في عملية التمريض، وإذا تركت المرأة لتمرض وتعالج من قبل الرجال ترتب على هذا مفسدة، لذا لزم أن يوجد من النساء من يقمن بهذه المهنة ولكن بشروطها: الحجاب، وعدم الاختلاط بالرجال، وعدم النظر أو الكشف عليهم حتى ولو كان طبيباً، إذا دخل الطبيب ليعالج المريضة والممرضة موجودة لزمها أن تحتجب وأن تنتقب ولا يرى منها شيئاً، إذا خرج الطبيب أو عمال النظافة أو الزوار أو الأقارب للمريضة هذه فإنها تكشف، وقد رأينا والحمد لله الآن بعض الفتيات الملتزمات مارسن مهنة التمريض واستطعن أن يقمن بها وهن ملتزمات بالدين ولا يكشف عليهن أحد، والحمد لله، ونسأل الله أن يوفقهن.
стр. 2350
حكم زيارة الرحم الذي لا يصلي
السؤال
يقول: زيارة الأرحام واجبة، ولكن حينما يكون رب الأسرة من الأرحام لا يصلي فهل يجوز زيارتهم خاصة أن الذي لا يصلي كافر ولا تأكل ذبيحته؟
الجواب
الذي لا يصلي من الأرحام بعد نصيحته، وبعد دعوته، وبعد تبصيره، وإصراره على المخالفة وترك الصلاة، ينبغي هجره في الله، وبغضه في الله، فإن البغض في الله والحب في الله من أوثق عرى الإيمان ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ﴾ [المجادلة:٢٢] فإذا كان هذا القريب فاجراً كافراً لا يصلي مثل هذا -والعياذ بالله- فلا ينبغي لك أن تزوره، إنما ينبغي لك أن تدعوه أولاً، وأن تبصره وأن تعطيه أشرطة، وأن تدعوه فإذا قرر واتخذ موقفاً منك وقال: ليس لك دخل في هذه المواضيع.
فاقطعه، كما قال إبراهيم: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤] ولكن إذا كان عنده أقارب لك أنت في بيته فلا تقطعهم أنت بقطيعته وإنما تزورهم في الأوقات التي لا يكون فيها موجوداً مثلاً: عمك أخو أبيك، وعنده أيضاً عمتك أخت أبيك ساكنة معه فزيارتها طيبة، لكن متى؟ في الأوقات التي لا تلتقي بها مع هذا الرجل، فتسلم عليها وتهدي لها حتى تخرج من إثم القطيعة.
стр. 2351
اختلاط الرجال بالنساء في كلية الطب
السؤال
نحن في كلية الطب ونحن ملتزمون والحمد لله، ولكننا نعاني في المستشفى من وجود الطرف الآخر، وأحياناً نكلمهن وننظر إليهن بحكم طبيعة العمل فما الحل؟
الجواب
الطبيب المسلم الملتزم يستطيع أن يعيش بإسلامه وإلتزامه في أي بقعة وفي أي مجال، اقذفه في البحر واكتبه سالماً؛ لأنه يخاف الله، ووجوده في المستشفى ووجود طبيبات أو ممرضات فينبغي له أن يعمل على الحيلولة إذا كان له أمر، دون التقاء الرجال بالنساء، وإذا لم يكن له أمر فلا أقل من أن يعمل على حيلولة نفسه بغض بصره، فيغض بصره ولا أحد يستطيع أن يقول لك: افتح عينك ولو كانت ممرضة، وقد ذكرت لكم قصة عن طبيب كان يشرف على علاجي في مستشفى عسير المركزي، وكيل كلية الطب، أستاذ في الباطنية وهو من إخواننا في الله، وقد كان يكتب لي الوصفة ومعه ثلاث ممرضات، والله جلس معي أكثر من نصف ساعة وهو يتكلم معي، ويكتب، ويأخذ، ويقرأ التحاليل، وما نظر نظرة واحدة إليهن، وإنما كانت عينه كلها في الورق، يكتب، يكلمها وهو يكتب، لكن بعض الناس لا يتكلم وهو يضحك، يتلفت فيها، يقول: نحن مضطرون لا.
أنت لست مضطراً أن تضحك مع المقابل، أو تنظر إليها أو تعصي الله .
стр. 2352
نصيحة للنساء اللاتي يحضرن إلى المسجد بأطفالهن
السؤال
نصيحة للنساء اللاتي يأتين إلى المسجد ومعهن الأطفال فيحصل منهن التشويش.
الجواب
هذا الكلام قد قلناه في أكثر من مناسبة، وقلنا للمرأة: عليها أن تتقي الله، إذا أرادت أن تأتي لحضور مجالس العلم فعليها ألا تأتي بأطفالها؛ لأن مجالس العلم لها حرمة، ولها قداسة، والأطفال لا يعرفون حرمة هذه المجالس، يصيحون ويعبثون ويسببون لها القلق ولا تستفيد، فلا تسمع المحاضرة ولا تتابع، وتشوش على زميلاتها اللاتي عندها من المؤمنات اللاتي ما عندهن أطفال، وتشوش على الرجال فتأتي تريد أجراً فتخرج بوزر كبير والعياذ بالله.
نقول لها: إذا كان عندها أطفال تجلس في بيتها، وتطلب من زوجها أن يأتيها بالمحاضرة في شريط تسمعه بدون إثم إن شاء الله، وإذا كان عندها أطفال كبار تستطيع أن تتركهم في البيت فتأتي، وإذا كانت لا تستطيع فنقول: أجرها حصل بنيتها إن شاء الله.
стр. 2353
كيفية الخلاص من المعاصي
السؤال
أنا شاب ملتزم والحمد لله، أصلي وأصوم، وأكثر من النوافل، وأقوم الليل، ولكن غلبت عليَّ معصية كلما تركتها عدت إليها حتى أنني نذرت عند الكعبة أن أتركها ثم عدت إليها، فكيف الخلاص من هذه المعصية؟
الجواب
الخلاص يا أخي المسلم! يأتي عن طريقك أنت، ليس هناك شيء نستطيع أن نضعه فتترك المعصية، لكن إيمانك، وشعورك بخوفك من الله، تذكرك عذاب الله، تذكر إذا أردت أن ترتكب المعصية أنه يمكن أن يختم لك بها فتختم لك سوء الخاتمة، هل عندك ضمان أنك تعيش بعد المعصية؟ لا.
ليس عندك ضمان.
يا أخي: اتق الله وخذ القضية بجد، واستشعر عظمة من تعصيه، ثم تذكر بعد المعصية كيف ألمها ومرارتها ولذعتها في قلبك، هل يعدل هذا الألم لذتها؟ لا.
والله لا يعدلها، فإن ألم المعصية لا يعدل لذتها، بل اللذة قصيرة والألم مرير في الدنيا والآخرة.
نقول: اتق الله، وما دام نذرت ثم غدرت فعليك أن تكفر كفارة وتتوب إلى الله ولا تعُد -إن شاء الله- إلى المعصية.
كلمة، أو قصاصة ورق تنتشر بين الناس، عبارة عن صورة أخذت بالكمبيوتر للقصبة الهوائية وللرئة اليمنى، يقولون: إنهم لاحظوا من خلالها أن فيها مكتوب (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وحقيقة المتأمل فيها يرى أنه فعلاً مكتوب "لا إله إلا الله محمد رسول الله" ونحن إن صدقت هذه فهذه آية من آيات الله تزيدنا إيماناً، رغم أننا مؤمنون بدونها، لسنا في شك، ولسنا بحاجة إلى أن نتمحّك وإلى أن نبحث عن أدلة،
يا عجباً كيف يعصى الإله أو كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد
إن كل ذرة من ذرات الكون، وكل خلية من خلايا هذه الحياة تشهد أن لا إله إلا الله، فإذا جاءتنا شهادة مثل هذه زادتنا إيماناً، وإن ثبت أن هذا غير صحيح فلا ينقص إيماننا ولا يضعف إيماننا بلا إله إلا الله، لا إله إلا الله محمد رسول الله عليها نعيش، وعليها نموت، وعليها نبعث إن شاء الله، ونسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
стр. 2354
حكم إظهار الطاعات للناس
السؤال
نقلت إلى مكة فوجدت كل تسهيل والحمد لله، وأنا الآن بـ مكة أصلي في الحرم، وأصوم الإثنين والخميس من كل أسبوع، وهذا اليوم أبشرك أنني صائم -الحمد لله، جزاه الله خيراً- كما أرجو أن تعلن عن رقم هاتفك في هذه المحاضرة.
الجواب
جزاه الله خيراً، طبعاً ليس هناك اسم، ولا يريد إظهار اسمه، وحتى لو ذكر اسمه ما ذكرناه؛ لأنه لا يجوز للمسلم أن يظهر عمله للناس حتى لا يكتب عمله من الرياء، لكن يطلب مني رقم الهاتف، فالهاتف موجود ولكنني لا أريد أن أخبركم به؛ لأنني لو أخبرتكم به تعبت، ولكن من احتاج إليه فليبحث عنه وسيلقاه، والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2355
واجب الآباء تجاه الأبناء
أناط الله بكل أب وأم مهمة عظيمة، اعتنى بها الشرع، وحض عليها الوحي، ودعا إليها أهل العقول وأولو الألباب، ألا وهي تربية الأبناء، وقد تكلم الشيخ بشيء من التفصيل عن هذا الواجب، ذاكراً ما ينبغي فعله على الآباء وماهية المسئولية الملقاة على عاتقهم والمناطة بهم، والموازين الشرعية التي بها وعليها يسير المنهج التربوي للأبناء.
стр. 2356
المسئول عن تربية الأبناء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيا أيها الأحبة في الله: حياكم الله، ومرحباً بكم في روضة من رياض الجنة، وحلقة من حلقات العلم تحفكم فيها الملائكة، وتغشاكم فيها الرحمة، وتنزل عليكم فيها السكينة، ويذكركم الله فيمن عنده، إن حاجة القلوب إلى مثل هذه المجالس أعظم والله من حاجة الأرض إلى المطر، فكما أن المطر هو غيث الأرض، فإن العلم الشرعي هو غيث القلوب، فإذا حرمت القلوب غيثها الرباني وهداها السماوي أقفرت وتحجرت وانعدم خيرها، وكثر شرها، مثلها في ذلك مثل الأرض إذا حبس عنها الغيث وحرمت من المطر أقفرت وانعدم فيها الخير، وكذلك القلوب! وما ترونه من جفافٍ في الأرواح، وقسوة في القلوب، وجمودٍ في الأعين، وجرأةٍ على المعاصي، وكسلٍ وتراخٍ في الطاعات، كل ذلك بسبب حرمان القلوب من سماع العلم الشرعي؛ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
ولا بقاء لك -أيها المسلم- ولا لدينك ولا لحياة قلبك إلا بالاعتصام بكتاب الله، وبسنة رسول الله ﷺ .
أما عن موضوع المحاضرة فهو موضوعٌ مهم يتعلق بكل مسلم؛ لأنه موضوع إعداد وتربية الأجيال، إعداد الأمهات في مصنع رهبان بالليل فرسان بالنهار.
والبيت المسلم هو أول محضن يعد ويصنع فيه الرجال، ولذا عني الإسلام وألزم الرجل والمرأة بمسئولية مشتركة تجاه هؤلاء الأبرياء الذين يأتون وفي أمانتنا وأعناقنا مسئولية تربيتهم.
وعنوان المحاضرة: (واجب الآباء).
والمعني بالآباء هنا ضمناً: الآباء والأمهات، فإن الدور مشترك، والمسئولية موزعة بين الرجل والمرأة، فكلاهما يبني ويحمي ويوجه، حتى تستقيم الثمرة، ونخرج للمجتمع رجالاً صالحين وفتيات صالحات.
وهذه المسئولية السائل فيها هو الله، وثمرة ونتيجة المسئولية: إما نجاح وإجابة صحيحة وإبراء لذمتك، وقيام بعهدتك أمام الله، فتكون مسئوليتك هذه ناجحة وثمرتها الجنة، وإما خذلان وخيبة وخسران، وسقوط وعدم قيام بالواجب، فتكون نتيجة هذا التقصير النار وبئس القرار.
فهي ليست مثل مسئوليات الدنيا، فمسئوليات الدنيا عليها عقوبات، لكنها ليست كعقوبة مسئولية الآخرة؛ إنها جنة أو نار، وسعادة أبدية أو شقاءٌ أبدي.
قد ورد في حديث في الصحيحين يقول فيه ﷺ : (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته -ثم حدد وقال- فالرجل راعٍ في أهل بيته ومسئولٌ عن رعيته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسئولٌ عن رعيته، فكلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته).
وهذا الحديث من جوامع كلم النبي ﷺ ، ومن مبادئ الإسلام العظيمة، حتى عده بعض أهل العلم ربع الإسلام، لماذا؟ لأنه حدد دوراً واضحاً لكلٍ في موقعه، أنت مسئول ليس فقط كأب، ليست المسألة كما تريد، تقول: أريد أولاداً من أجل أن ألاعبهم وأراقصهم وأتمشى معهم، الأمر ليس بيدك، وأنت أب من أجل أن تكون مسئولاً أمام الله عن تخريج جيل مسلم، ولهذا قال النبي ﵊ في الحديث الصحيح: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث).
ولهذا ينبغي أن تشتغل وتعمل الصالحات قبل أن تموت فينقطع عملك، أنت الآن لك فرصة وإمكانية أن تتزود بالصالحات، وتجمع الحسنات، وتتوب من المعاصي والسيئات إلى أن تموت، فإذا مت انقطع ذكرك إلا من ثلاث، وهذه الثلاث أصلها منك.
الأولى: صدقة جارية، من الذي يضعها؟ أنت، أو ولدك من بعدك يتصدق بها على نيتك.
الثانية: أو علمٌ ينتفع به وهذا منك.
الثالثة: أو ولدٌ صالحٌ يدعو لك، والولد الصالح من أين يأتي؟ أيأتي من مشاهدة الفضائيات؟! والتربية على مشاهدتها، ورؤية الأفلام والمسلسلات الخليعة؟! هذا لا يصير صالحاً، بل يأتي مصيبة عليك، وعلى أمته وبلده والإسلام والمسلمين.
стр. 2357
حقيقة التربية
قال: (أو ولد صالح يدعو له) ليس صحيحاً -أيها الإخوة- ألا يفهم الرجال والنساء من دورهم في التربية إلا دور التغذية والعلاج والكسوة والنزهة والتدريس والوظيفة وأن يعطوا هذه الجوانب جُلَّ اهتمامهم ثم يضيعوا الجانب الرئيسي والمهمة الأساسية لهم، وهي تربية أبنائهم على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
يقول الله وهو يحدد المسئولية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التحريم:٦] نداء يستلهب فيك مشاعر الإيمان، كأن الله تعالى يقول: ما دام أنكم مؤمنون فانتبهوا لهذا الأمر، وما هذا الأمر؟ يقول أحد السلف: [إذا سمعت الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا) فأرعها سمعك؛ فإنه إما خير تؤمر به، أو شر تنهى عنه].
فالله يناديك بأحب دعاء، وبأعظم نداء، وهو نداء الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ابدأ بنفسك أولاً؛ لأن الذي لا ينقذ نفسه لا ينقذ غيره، والذي ليس فيه خير لنفسه ليس فيه خير للناس: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ لم يقل الله تعالى: قوا أنفسكم وأهليكم جوعاً، ولم يقل: قوا أنفسكم وأهليكم مرضاً، ولم يقل: قوا أنفسكم وأهليكم برداً، ولم يقل: قوا أنفسكم وأهليكم حراً، فهذه جوانب ثانوية، وأما الشيء الأساسي فهو أن تقي نفسك وأهلك من النار، وأنا أسألكم بالله: هل من يضع (الستلايت) على بيته وقى أهله النار أم أوردهم إياها؟ لقد أورد النار على أهله.
أورد النار في (الستلايت) يفتح ذراعيه للسماء ليرحب بالشر! إذا أتيت لترحب بضيفك وأنت تحبه تقول: ألف مرحب، وهذا يرحب بالشر من جميع قنوات الفضاء الفضاء مملوء بقنوات الشر، وهذا يقول: تعال مرحباً، ثم يصبه على زوجته وأولاده، ويدفع خمسة عشر ألفاً أو عشرين ألفاً إيجاراً على نفسه إلى جهنم.
لا يريد أن يدخل النار إلا بإيجار، لا إله إلا الله!! أين عقول المسلمين؟! أين أهل لا إله إلا الله؟! أين أهل التوحيد؟! أين أهل إياك نعبد وإياك نستعين؟! أين الغيرة من قلوب الرجال، عندما ترى الرجل يترك أولاده وبناته وزوجته يرون المنكر يصطنع أمامهم؟! هذا يغث وهذا يقبل وهذا يعانق ثم يذهب لينام ويترك أولاده على الشر والعياذ بالله! إن أول مسئولية تتعلق بذمتك أيها المسلم: أن تقي نفسك وأولادك النار، والله يقول للرسول ﷺ : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه:١٣٢].
أكثر اهتمام الآباء الآن أنه يرزق الأولاد، والله تعالى يقول: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً﴾ [طه:١٣٢] ألا توجد عندك ثقة في كلام الله؟! يقول: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه:١٣٢] (نحن) أي: الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه:١٣٢] أي: الرزق مكفول، مهمتك ووظيفتك هي أمر أهلك بالصلاة والرزق سوف يأتي، أما أن تضيع الصلاة ثم تذهب لتبحث عن الرزق ولا تدري أصلى أولادك أم لا؟ وهل زوجتك صلت ولا تسألها، فأنت لا يوجد عندك ثقة في الله ، وكأنك تقول: لا يا رب رزقي ليس عندك، أنا الذي لا بد أن أجلب رزقي ولو ضاع ديني -والعياذ بالله- ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢].
ولهذا أيها الإخوة: حرصت الشريعة في كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ على بيان وتوضيح مسئولية الآباء والأمهات تجاه الأولاد والبنات، حتى لا يفهم الناس فهماً مغلوطاً، ويظنون أن المسألة بسيطة، لا.
فمن يوم أن تزوجت وأصبح لك أولاد أصبحت مسئولاً، فينبغي عليك أن تراقب نفسك وتصرفاتك، وتعرف كيف تتكلم، وتأكل؟ وكيف تشرب؟ وماذا تتناول؟ وأين تذهب؟ وأين تجيء؟ وكل الأخلاقيات التي عندك لها انعكاساتها الخطيرة على أولادك! لا تكذب؛ لأن أولادك سيصبحون كذابين لا تسرق؛ لأن أولادك سيصبحون لصوصاً لا تدخن؛ لأن أولادك سيأتون مدخنين لا تضع الصلاة؛ لأن أولادك سيأتون مضيعين للصلاة لا تغن؛ لأن أولادك سيأتون مغنيين لم يعد الأمر مقتصر عليك أنت فقط، بل أصبح لديك سلسلة وراء ظهرك، ليتك قعدت فاسداً لوحدك! ولكنه فاسد وأحضر معه طابور المفسدين، والعياذ بالله.
كذلك الأم لقد عقمت أرحام النساء عن أن تخرج لنا رجالاً أمثال خالد وطارق، أين هؤلاء أيها الإخوة؟! هؤلاء من أين تخرَّجوا؟! من الأمهات الصالحات، ولكن إذا كانت الأم فاسدة وكذابة فسوف تأتي ابنتها وولدها أكذب منها؛ الأم قليلة دين لا تصلي وسوف يأتي أولادها مثلها الأم تحب الأفلام والمسلسلات سيكون أولادها كذلك الأم تحب الأغاني والبنات ستحب الرقص.
إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
стр. 2358
ميزان الشريعة في اختيار الزوجة
إذا طبَّل الأب رقص الأولاد، ونكبت الأمة في شخص مثل هذا الرجل، وفي هذه الأسرة المنكوبة والمنحوسة، التي ما تأدبت بكتاب الله، ولا ربت أعضاءها على هدي رسول الله ﷺ ، لقد عني الإسلام بهذه المسألة وأولاها كثيراً من الاهتمامات، ونظم أمر الأسرة من بداية الخطوات، وهذه أول خطوة؛ يبدأ الإنسان الحياة الأسرية بخطوة اختيار المرأة، وعلى ضوء توفيق الله له، وحسن اختياره للزوجة، يتحدد أيضاً مصير حياته الزوجية والأسرية، ولهذا قال ﵊ للأمة: (تنكح المرأة لأربع).
وهذا الحديث في البخاري، يقول: المرأة تطلب لأربع خصال، إذا أراد أحد الناس أن يتزوج فليبحث عن خصال إذا وجدت في المرأة: (لمالها، ولجمالها، ولحسبها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) يعني: إذا لم تبحث عن ذات الدين تربت يداك، أي: امتلأت يداك بالتراب، ومعناه: أنت مترب وليس معك شيء، ما معك إلا الخسارة، إذا معك زوجة معها مال، وعندها حسب وجمال لكن ما عندها دين؛ فإنك مترب؛ لأن الدين رأس المال، فاستمسك به فضياعه من أعظم الخسران.
وكل شيءٍ فإن الدين جابره وما لكسر قناة الدين جبران
كل نقص وكسر وقلة، إذا وجد دين فإن الدين يغطي كل شيء.
الدين هو رأس المال، إذا ضاع رأس مالك ماذا بقي معك من الربح؟! قال عليه الصلاة السلام: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولجمالها، ولحسبها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) هذا بالنسبة للمرأة إذا أراد الرجل أن يتزوج.
وإذا أراد رجل عنده بنات أن يزوجهن، من يختار؟ جاء في حديث رواه الحاكم بسند صحيح، قال ﵊: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) فوضع الشرع ميزاناً للاختيار، بحيث لا تتعب والحمد لله! إذا كان عندك عيال وتريد أن تزوجهم فابحث عن صاحبة الدين، وإن كان عندك بنات وتريد أن تزوجهن فابحث عن صاحب الدين.
لكن إذا ما عندك دين، ولا عندك ميزان شرعي؛ لا تدري من تزوج، إن جئت لتزوج ولدك ما عرفت من تزوجه، وإن جئت لتزوج ابنتك ما عرفت من تزوجها؛ لأنه ليس عندك موازين، ولا ضوابط شرعية تميز بها الرجال وتختار من الذي يصلح، فأعطاك النبي ﷺ الميزان: (إذا أتاكم من ترضون دينه).
لم يقل: من ترضون دراهمه، أو رتبته، أو مكانته، فهذه كلها أشياء جانبية، إذ أول شيء هو الدين.
وبعض الناس إذا جاءه صاحب الدين قال: ماذا أفعل به؟ دينه له وأنا أريد مالاً.
مسكين! تريد مالاً؟! اليهود يريدون مالاً.
يا أخي: المال ينتهي ولا يبقى إلا الدين، ابحث عن صاحب الدين، فإنه يكرمك، ويحترمك ويقدرك، ويحفظ أمانتك، إن أحبها أكرمها، وإن كرهها لم يظلمها، لكن الذي يعطيك المال -ويملأ بطنك- وبعد ذلك يريك عاقبتك، إذا رآك من طريق راح من طريق آخر، وإذا دخلت عليه في البيت ما قام لك، يمد يده لك وهو جالس: ماذا تريد؟! بل من عند الباب يقول: دعوه ولا يأتي! تقول له: ابنتي عندك، قال: اذهب.
قد أعطيناك مالاً، دفعنا الثمن؛ لأنك رجل صاحب مال، وقد أخذت المال، فماذا تريد غير المال؟ لا، الشرع يقول: (إذا أتاكم من ترضون دينه) وأيضاً أضاف النبي ﵊ إلى الدين الخلق، فإن من الناس من له دين ولكن خلقه سيئ، وهذا نقص في دينه، فإن الخلق من الدين، بل هو جمال الدين، وكان سيد العابدين صلوات الله وسلامه عليه أكرم الناس خلقاً، حتى مدحه الله تعالى وقال له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
ولما سئلت عائشة عن خلقه العظيم؟ قالت: (كان خلقه القرآن) إذا أردت أن تعرف خلق محمد ﷺ اقرأ القرآن، فالقرآن ممثل في أخلاق النبي ﷺ .
وإذا نشأت الأسرة الإسلامية على هذا الأساس من حسن اختيار الزوج، وجد الزوج الصالح، والزوجة الصالحة، زوج تقي نقي عابد مصلح، يخشى الله ويخافه، ويرجو ثواب الله، وأيضاً زوجة صالحة، ذاكرة شاكرة قائمة صائمة بارة تقية مطيعة لله ثم لزوجها، زوجةٌ مدركةٌ لمسئوليتها الله أكبر!! ترفرف السعادة على هذه الأسرة؛ لأنها بنيت على صلاح، يقول الله : ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة:١٠٩].
стр. 2359
الأسس التي تقوم عليها مسئولية التربية
إذا أتيت لتبني بيتك على أساس قام بنيانك، وإذا أتيت تبني على كثيب سيسقط: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة:١٠٩] أي: مشرف على السقوط والانهيار، فأسس بناءك الحياتي والأسري على أساس الدين، واختر الزوجة الصالحة.
قد يقول قائل: أنا قد تزوجت، فماذا أعمل الآن؟ أو يقول قائل: هذا كلام أتانا وقد فات الأوان، نقول: تدارك المسألة.
كيف؟! أصلح نفسك: تب إلى الله، وغير وضعك، ثم بعد ذلك انتقل إلى زوجتك، بالهدوء وباللين وبالصبر وبالتعليم وبالإرشاد ليس بالعنف والقوة والتشنج والمضاربة، إنما بالتي هي أحسن، وستجد بعد فترة إن شاء الله أنك وجدت الأسرة المسلمة، حتى لو كان البناء في البداية غير سليم فبالتوبة يمكن تدارك الوضع، وإعادة ترتيب الأوراق، وتصحيح الوضع مع الله .
стр. 2360
تحصين البيت من أول ليلة
تبدأ المسئولية من أول ليلة وهي التي يسميها الناس: (ليلة العمر) حينما يدخل الرجل بزوجته، في تلك الليلة تكون الشهوة عارمة، وحصول لحظة اللقاء المنتظرة شيء مهم في حياة الرجل والمرأة! لكن الله يعلم المسلم في تلك اللحظات ألا ينسى في غمرة الفرحة والانشراح والانبساط أن يذكر الله، وأن يسأل الله أن يجنبه الشيطان وهو يأتي زوجته لأول مرة، ففي الصحيحين يقول النبي ﷺ : (لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن قضي بينهما ولد لم يضره الشيطان).
لا تنس هذا في أول ليلة وفي كل ليلة؛ إذا أتيت أهلك فقل هذا الكلام؛ لأنك بهذا الدعاء تعتصم من الشيطان، وتعصم أولادك ونسلك من الشيطان، وإذا لم تقله فإن الشيطان يشاركك في النكاح، وقد ورد أن الشيطان يلتوي على إحليل الرجل ويجامع معه كما يجامع، ويشرك في الولد، فيكون نصف الولد لك ونصفه لإبليس، ولهذا ترى بعض الآباء إذا رأى ولده، يقول: هذا شيطان؛ هذا ليس مني.
هكذا من طبعه وتصرفاته، يقول: أعوذ بالله! هذا شيطان! لعلك نسيت أن تقول: باسم الله في تلك الليلة، فلا تنس، فمن السنة في ليلة الدخلة، إذا دخلت عليك زوجتك فأول شيء تضع يدك على ناصيتها، أي: جبينها وتقول: (اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه).
فتعلم هذه الآداب -يا أخي- ثم صلِّ ركعتين إذا دخلت عليك زوجتك، وقل لها: صلي ركعتين لله، -ما في شيء- لأن صلاتك في تلك اللحظات تدل على دوام تعلقك بربك، ثم بعد ذلك ادع الله لها أن يصلحها، وقل لها: أن تدعو لك، ثم قل لها: أنا جديد وأنت جديدة، فأي شيء لا تريدينه أعلميني به، وأنا أيضاً الذي لا أريده سأعلمك به، لتستقيم حياتنا الزوجية على التفاهم، وعلى أن يأتي الإنسان منا ما يحب الآخر، وأن يجتنب ما يكره الآخر.
وهذه الحياة عندما تبدأ بداية بهيمية؛ لا تبدأ بباسم الله، ولا توكلت على الله هذا -والعياذ بالله- مما يسبب فشلاً في الحياة الزوجية.
وصلاح الأولاد من أعظم النعم، يخبر الله أن عباد الرحمن يقولون: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان:٧٤] قال العلماء: قرة العين هو الولد الصالح، والزوجة الصالحة، التي تقر بها عينك؛ لأن الذي عنده أولاد فاسدون عينه لا تقر، وإنما تزوغ، عنده خوف وقلق واضطراب، لا يدري ما جرى على أولاده، أو أين ذهبوا، أو مع من سهروا، أو متى يأتون في الليل فتراه في قلق دائم! لكن الولد الصالح في بيت والده، ولا يخرج إلا بإذنه، ودائماً بجانبه، كأنه ظل له؛ لا يمشي إلا وهو معه، ترى أباه قريرة عينه، منبسط، لماذا؟ لأن ولده صالح، فأهل الإيمان يقولون: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] اللهم اجعل لنا يا رب العالمين من هذا رصيداً.
وكذلك البنات، والحديث في مسلم قال ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث -وذكر منها-: أو ولد صالح يدعو له) والولد هنا يشمل الذكر والأنثى؛ لأن الولد في الشرع إذا أطلق فمعناه الذكر والأنثى، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٣] أي: البنات والذكور، فالبنات والنساء إذا سمع k: ( أو ولد صالح) قلن: والبنات ألا يدعين لآبائهن؟ نعم يدعين، فالولد يشمل الجنسين، وجميع تكاليف الشرع موجهة إلى الجنسين، إلى المرأة والرجل على السواء، إلا ما اختصت به المرأة من أحكام، أو اختص به الرجل من أحكام، فهذا واضح ومبين في مظانه ومواضعه.
стр. 2361
التشاؤم من البنات من أخلاق الجاهلية
إذا كانت الذرية من البنات، فلا ينبغي للإنسان أن يتخلق بأخلاق أهل الجاهلية ويحزن؛ لأن الذي يهب البنات والذكور من هو؟ الله : ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً﴾ [الشورى:٤٩ - ٥٠] أي: يخلطهم.
فالذي يحدد نوعية الذكر والأنثى ليس الأب وليست الأم، أو الطبيب، أو المستشفيات، أو الدول، أو الحكومات الذي يحدد ويقارن ويوازي بين أعداد الذكور والإناث في كل مجتمع هو رب الأرض والسماوات! ولو ترك الله أمر تحديد الذكور والإناث للناس لاختار كل واحد الرجال إذا حملت زوجتك ماذا تريد؟ وسألناك تريد ذكراً أم أنثى؟ كل واحد يقول: أريد ذكراً، حسناً جاءك ذكر، والثاني ذكر والثالث كذلك كلهم ذكور! إذاً، من أين نزوج هؤلاء الذكور؟ الدنيا كلها رجال ولا يوجد نساء، إذاً! تنقرض الحياة فالله يهب لك أنت ولداً ويهب لذلك بنتاً، وهناك نسب متقاربة في جميع الشعوب، وعندما -مثلاً- تنظر الإحصائيات يقول لك: عدد السكان (١٠) مليون؛ الذكور (٥) مليون وزيادة، والإناث (٤) مليون وزيادة، أحياناً يكون الإناث أكثر؛ لأن الرجال يتعرضون دائماً للموت في الكوارث والحروب والحوادث؛ لأن الرجال هم الذين ينتقلون، حتى حوادث المرور الآن تجد أكثر من يموت الرجال؛ نظراً لأن أسفارهم كثيرة، وفي الحروب كذلك يموت الرجال، فالله يزيد في النسبة دائماً لكي يوازن: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً﴾ [الشورى:٤٩].
فإذا وهبك الله بنتاً فلا تضجر من هبة الله؛ لأنك إذا تضجرت فإنما تعترض على الواهب، بل بعضهم يغضب من المرأة: أنتِ ما عندكِ خير! ما عندك إلا بنات! كل مرة بنت بنت بنت؟! أليست هي قد أتت بالبذر منك؟ أنت من تضع بذرة البنات، وإذا كنت رجلاً فضع بذرة رجال! واحد اسمه أبو حمزة رزق بنتاً، ثم بنتاً، ثم بنتاً، ثم بنتاً فتزوج ثانية يريد أولاداً فإذا بها تلد بنتاً، فإذا به غضبان ويمر على تلك مرة، ويمر على أم تلك البنات نادراً وفي يوم من الأيام قالت:
ما لـ أبي حمزة لا يأتينا غضبان ألا نلد البنينا
والله ما ذلك في أيدينا كالأرض نغرس ما يزرع فينا
تقول: نحن كالأرض نزرع الذي يوضع، ضع براً يطلع براً، ضع شعيراً يطلع شعيراً، ضع بعراً يطلع بعراً، فأنت تبذر ولكن من الذي يخرج؟ الله ، يقول : ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة:٥٨ - ٦١].
فإذا رزقك الله البنات فاحمد الله، ولا تتخلق بأخلاق أهل الجاهلية، فالجاهليون إذا أتتهم بنات غضبوا، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩] يهرب من الجماعة: ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل:٥٩].
ولا تزال هذه الصفة -وهي صفة الجاهلية- في رءوس كثيرٍ من الناس إلى يومنا هذا، ولهذا إذا جاء له ولد جاءوا يبشرونه: أبشر برجل، فيرفع رأسه، وإذا أتت بنت لا يقولون: أبشر، يقولون: راعية غنم، أي: هذه مسكينة ضعيفة، ولا يستطيع أن يذبح ولا يعزم ولا يفرح لماذا؟ امرأة سبحان الله!! هذه صفة من صفات أهل الجاهلية، لا يا أخي الكريم! فلعل الله أن يجعل البنات أكثر بركة من الرجال، فبعض البنات عند أهلها أبرك من عشرة رجال، بل بعض الناس يقول: أتمنى لو أن كل أولادي من البنات؛ لربيتهم بيدي وزوجتهم وانتقيت الرجال انتقاء، آخذهم من عيال العرب، وأزوجهم حتى صاروا أحسن من أولادي! لكن أولادي تعبت عليهم، ولما كبروا قالوا: نخرج، أين تذهبون؟ قالوا: نحن رجال، لسنا بناتاً تربطنا في البيت؟ طيب، أين تذهبون؟ فذهبوا إلى المخدرات والمقاهي والأرصفة، والفساد والانحراف والجريمة وما استطعت أن أربيهم، قالوا: نحن رجال، لا.
لستم رجالاً، لو أنك رجل لكنت في بيت والدك؛ الرجل هو الذي في بيت والده، فلا يذهب يلعب في المقاهي، والمنكرات، ويقول: أنا رجل ليست هذه هي الرجولة، الرجولة والمروءة في خدمة الوالدين، الرجولة في التمسك بطاعة الله وفي رفع رأس الوالدين.
أما أن تكون رجلاً طويلاً عريضاً لكنك خائب، فليس فيك خير، وأنت قليل دين، تجلس في المقاهي طوال يومك مع قرناء السوء، وتضيع دينك وصلاتك، وتقول لي: رجل؟! لا.
مفاهيم الرجولة ليست هذه -أيها الإخوة- ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (دخلت امرأة ومعها بنتان تسأل فلم تجد عندي شيئاً غير تمرةٍ واحدة).
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
لا إله إلا الله!! تصوروا الحالة يا إخواني، أكرم بيت على وجه الأرض؛ بيت محمد بن عبد الله ليس فيه إلا تمرة واحدة! تقول: بحثت ولم أجد غير تمرة واحدة، فأعطيتها -تصدقت بها وهي واحدة فقط- قالت: (فأخذتها وشقتها نصفين ثم أعطت كل واحدةٍ منهن نصفاً، ولم تأكل شيئاً، ثم خرجت -قالت عائشة -: فدخل النبي ﷺ فأخبرته) تقول: أعلمته أن امرأة جاءت تطلب وما عندها إلا تمرة فأعطتها، وكانت الأم جائعة، لكنها فضلت أن يأكلها بناتها ولا تذوقها هي، فأخبرته فقال ﷺ : (من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن؛ كنَّ له ستراً من النار) رواه البخاري ومسلم.
وفي مسلم حديث آخر، يقول فيه ﵊: (من عال جاريتين -أي: من ربى بنتين- حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو هكذا -أي: مثل الإصبعين- وضم بين أصابعه).
من عال جاريتين، أي: من رزق بنتين وعالهما، وكان ملازماً لهما ورباهما وأحسن إليهما؛ جاء يوم القيامة مع النبي ﷺ .
стр. 2362
اختيار الاسم الحسن للأبناء
إذا رزقك الله ولداً أو بنتاً فإنه يستحب للوالد أن يختار لابنه اسماً حسناً، حتى لا يعير بالاسم السيئ، ابحث لولدك أو بنتك عن اسم جيد مثل العرب؛ العرب كانوا يسمون أولادهم أسماء ضخمة، كصخر، وطلحة، وفهد، ونمر، وليث، وسبع، وحنظلة أي: الأسد.
لأن الاسم له دلالة على المسمى، فسم ابنك اسماً طيباً، وأحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، أو غيرهما من العبودية، عبد العزيز، عبد الخالق، عبد اللطيف، عبد الوهاب، عبد الكريم، عبد الرزاق، أي: اسم تُعبِّد فيه ولدك للرحمن ، وإذا عبدته لله، عبد الله أو عبد الرحمن فهذا أفضل، وإن لم يكن فمن أسماء الأنبياء: محمد، إبراهيم، نوح، موسى، عيسى، إسحاق، آدم، أي اسم.
وإن لم يكن فمن أسماء الصحابة: عمار، مصعب، خالد، صهيب أي اسم من أسماء الصحابة، إذا ذكر اسمه ارتفع رأسك، وحذار من الأسماء التي فيها أنوثة ورخاوة، فإنها تبعث على الرخاوة، لا تجعل لولدك إلا اسماً قوياً.
أحد الأعراب كان في البادية يمشي على حصانه، فرأى في وسط الصحراء بيتاً بدوياً، فمر بالبيت ونادى من على الباب، فخرجت عليه تلك المرأة الجميلة، فأغواه الشيطان ودخل عليها وكأنه راودها، قالت: انتظر، وخرجت فوق مرتفع تنادي، قالت: يا ليث! يا فهد! يا نمر! يا ذئب! يقول: وما أكملت الكلام إلا وأربعة شباب كل واحد منهم على حصانه مثل الأسود: نعم.
نعم.
نعم.
قالت: هذا ضيفكم غدوه وأحسنوا قراه وإذا بهم عيال هذه المرأة، كان كل واحد في عمل.
ولكن عندما سمعوا نداء أمهم جاءوا، فذبحوا له وغدوه ومشى، وحين خرج من عندهم قال: والله ما أظن هذا الوادي إلا وادي السباع، يقول: هذا الوادي ليس فيه ناس وإنما فيه سباع؛ وهم الرجال الذين قابلوه، وهذا شأن العرب فقد كانوا يسمون الأسماء القوية، وكانوا يسمون الأسماء التي فيها الحنان للموالي والعبيد عندهم، يسمونهم: مبروك، مبخوت، يقولون: إذا سمينا أولادنا قسونا، وإذا سمينا موالينا ترققنا؛ لأنه للخدمة، فكيف بمن يسمي أولاده في هذا الزمان بأسماء مثل: سوسو، نونو، حوحو، حلال، دلال، طلال ما شاء الله، كيف سيكون هذا الولد إذا كان اسمه مثل اسم الجن والعياذ بالله؟ ويحرم تسمية الإنسان باسمٍ معبد لغير الله، كمن يسمي عبد الرسول أو عبد النبي، فلا يجوز، فالعبودية لله، كما يحرم التسمية بأسماء النصارى، مثل: بطرس، وجرجس، وديانا، وسوزان، ونارمين، ودارين، وشيرين، وجيهين، وخذ من هذه الأسماء ولا حول ولا قوة إلا بالله! كما يحرم التسمية بأسماء الشيطان، مثل: خنزب، وإبليس، وولهان، ويكره كراهية تسمية البنات بالأسماء التي تثير الشهوة وتشبق بهن؛ لأن الاسم يلفت النظر مثل: عبير وشادية وفاتن كذلك لا ينبغي تسمية الأولاد بأسماء الحيوانات كمن يسمي ولده حنشاً، أو كلباً، أو قطاً، أو قرداً أما من يسمي أولاده بأسماء السباع فلا بأس؛ لأنها فخر أن يقال لك: يا ذئب! أو يا نمر! أو يا فهد! أو يا ليث؛ لأن هذه من الحيوانات الشجاعة المفترسة، أما الحيوانات المبتذلة النجسة كالكلاب والقردة فهذه لا ينبغي التسمية بها.
إذا جاء الولد وسُمي، فإنه يؤذن في أذنه ويقام في الأخرى، ويعق عنه في اليوم السابع، ويحلق رأسه ويتصدق بوزن الشعر ورقاً بما قيمته (٥٠) ريالاً، ثم يعق ويذبح عن الولد شاتان وعن البنت شاة، ويجوز عن الولد شاة؛ لأن النبي ﷺ عق عن الحسن والحسين شاةً شاةً.
والعقيقة حكمها حكم الأضحية من جهة شروطها، يجب أن تكون سليمة من العيوب، وتُذبح وتُقسم ثلاثة أقسام: قسمٌ يؤكل، وقسم يهدى، وقسم يتصدق به على الفقراء؛ لأنها عبادة ونسك ولا ينبغي التهاون في ذلك، ثم بعد ذلك إذا بدأ الصغير ينطق فإنه يبدأ بتعليمه لا إله إلا الله؛ لأنه يبدأ الغلام ينطق وعمره سنتان، يقول: ماما، بابا، علمه أن يقول: لا إله إلا الله، الله أكبر، باسم الله، علمه ولو لم يعلم بعد، مرة مرتين ثلاث أربع فما يصير عمره ثلاث سنوات إلا وهو يقول: لا إله إلا الله، لكن بعضهم يعلمه اللعن، والسب وما زال صغيراً، وإذا سب أو لعن قال: هذا صغير هذه جميلة من فمه، إذا قال: منعون يا بابا، يقول: جميل، هذه حلوة، ومنعون تكبر وتصبح ملعوناً إذا كبر الابن، لا فأنت علمه الآداب ولو كان صغيراً.
стр. 2363
الرحمة والشفقة بالأبناء
من أسس التربية: الرحمة والشفقة وزرع ذلك في الأسرة، ليس من الإسلام الغلظة ولا الشدة، ولا العبوس والاكفهرار دائماً في البيت، لا بد من اللين، لا بد من إيجاد رابطة بينك وبين أولادك، حتى يحبوك ويألفوك ويشتاقوا إليك وينتظروا الساعة التي تدخل فيها البيت، إذا دخلت فاحمل الصغير وداعب الكبير، واسأل عن ذاك، وخذ ذاك، وضم هذا نوِّع من المداعبة، قبِّل هذا؛ لأن هذا من السنة.
ففي الصحيحين أن النبي ﷺ قبَّل الحسن والحسين، وكان عنده رجل من العرب اسمه الأقرع بن حابس، انظر الأسماء، وصحابي آخر اسمه القعقاع بن عمرو، طلب أحد قادة الجيوش مدداً من عمر بن الخطاب فأرسل القعقاع وحده، قال: إنك طلبتني مدداً فأرسلت إليك القعقاع وهو يعدل ألفاً، وإن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم، اسمه فقط يقعقع قلوب الرجال، القعقاع بن عمرو، وهذا اسمه الأقرع بن حابس من رجال العرب ومن دهاتهم، فقال الرجل لما رأى النبي ﷺ يقبل: (أتقبلون صبيانكم؟ قال: نعم، قال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فقال النبي ﷺ : من لا يَرحم لا يُرحم).
إذا لم تقبل أولادك فمن يقبلهم؟ هل تريد أن يأتي شخص من الشارع يدق الباب ويسلم عليهم غيرك؟! قبِّل أولادك؛ لأن الرحمة واللين والعطف من أهم عوامل التربية، ولكن لا يعني هذا -أيها الإخوة- ألا يكون للرجل جانب حزم وهيبة ومكانة في قلوب أهله، يجب أن يجمع الإنسان بين اللين والحزم، فيشد ويحزم ولكن من غير عنف، ويلين ويهون ولكن من غير ضعف؛ إذا رأى الحق لان، وإذا رأى الخطأ أو الباطل حزم، هذا هو المنطق الشرعي في تربية الأولاد.
стр. 2364
حماية الأبناء من أوقات انتشار شياطين الإنس والجن
من الشرور التي تفتك بالأولاد، والتي حذر منها الشرع: أذية الشياطين التي تنتشر مع المغرب، وقد جاء التوجيه النبوي بكف الأولاد والصبيان عن الانتشار وإدخالهم ساعة غروب الشمس، فلا تدع الأولاد في الشارع، لماذا؟ قال: لأنها ساعة انتشار الشياطين.
وأولى من هذا أيضاً حمايتهم من انتشار شياطين الإنس، وانتشار شياطين الإنس بعد العشاء، إذا رقد الناس خرجت شياطين الإنس: ماذا تريد؟ قال: والله أريد أن أغير الجو، وخرج يتمشى على سيارته أو يفحط، أو يجلس في زاوية أو قهوة، ويأخذ واحداً من الصغار الأبرياء، ويعلمه الفساد وقلة الدين، فاحذر على ولدك، لا ينتشر بعد المغرب لملاقاة شياطين الجن، ولا يخرج بعد العشاء لملاقاة شياطين الإنس، اجعل ولدك معك في بيتك.
стр. 2365
إدخال السرور على الأولاد
أيضاً من عوامل التربية: إدخال السرور والعطف على قلوب الأولاد ومداعبتهم، ففي الحديث أن النبي ﷺ كان يخرج لسانه للحسن، فيرى الصبي حمرة لسان النبي ﷺ فيهش له، هذا ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة.
وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ يدخل علينا ولي أخ صغير يكنى أبا عمير وله طائر يلعب به، فمات الطائر، فدخل النبي يوماً فرأى الولد حزيناً، فقال: ما شأنه؟ قالوا: مات نغره -أي: طيره- قال: (يا أبا عمير ما فعل النغير؟) يسليه ويداعبه ﷺ .
وقد أخرج الترمذي والنسائي وصححه الحاكم أن النبي ﷺ خرج يوماً إلى صلاة الظهر أو العصر ومعه الحسن، فتقدم ووضعه عند قدمه اليمنى، ثم كبر للصلاة ولما سجد امتطى ظهر النبي ﷺ ، فأطال السجود حتى همَّ القوم بالتسبيح، لكنهم ما كانوا ليسبحوا خشية أن يكون أوحي إليه بشرع جديد، فلما انتهت الصلاة قال: (إن ابني هذا ارتحلني -أي: ركب على ظهري- فكرهت أن أزعجه حتى نزل).
اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، انظروا رحمة الرسول بالأطفال! يركب على ظهر الرسول ولا ينزله حتى ينزل، كيف وضعنا الآن في الصلاة، بعضنا إذا صلى ومر ولده أمامه ضربه على وجهه، فينظر الصغير في أبيه لماذا ضربتني؟! من أجل أنك تصلي، إذاً: لا أحب هذه الصلاة، فتنشأ في نفس الولد هذا عقدة ضد الصلاة بسبب ضربك له، بينما الرسول يركب على ظهره وهو إمام وما أنزله أين أنت من هذا يا أخي في الله؟! وكذلك بعض النساء إذا أتت لتصلي وسمعت أولادها يبكون لا تنتبه، ومن السنة أنها إذا كانت تصلي وسمعت أولادها يبكون تأخذهم، بل كان النبي ﷺ وهو يصلي بالناس إذا سمع بكاء الصبي عجل بالصلاة وخفف، لما يسمع من بكاء الصبي ﷺ .
стр. 2366
تعليمهم الآداب ولو كانوا صغاراً
من السنة تعليم الطفل الآداب ولو كان صغيراً، ففي الحديث في البخاري ومسلم عن عمرو بن سلمة أنه قال: (كنت آكل مع النبي ﷺ فجعلت يدي تطيش في الصحفة، فقال النبي ﷺ : يا غلام! سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك).
стр. 2367
الحرص على تعليمهم الأعمال الصالحة
هذه الآداب الثلاثة: سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك، هذا هو أدب الرسول ﷺ .
من أهم أسس التربية: الحرص على إلزام الأولاد بأداء الصلاة؛ من السن الشرعي وهو السابعة، يقول ﵊: (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) وبالرغم من أن الطفل في السابعة ليس بمكلف، ولا يلزمه تكليف شرعي؛ لأنه لم يبلغ سِنَّ الرشد، لكن الشرع يعمل على تربيته وتدريبه من السابعة حتى إذا بلغ سن الرشد، كان جاهزاً مدرباً على أداء الصلاة.
وهذا يجب أن يكون موضع اهتمام الآباء والأمهات؛ لأن أمر الصلاة أمر هام، وهي ملازمة للإنسان مدى حياته، فإذا نشأ وهو لا يصلي ثم بلغ سن الرشد، وما درب عليها من الصغر فإنه يصعب عليه أن يصلي، ولهذا نجد بعض الآباء الآن يشكو من ولده، يقول: ولدي أصبح رجلاً وهو لا يصلي! ولو بحثنا في الأسباب لوجدنا أنه يوم كان صغيراً ما كان يأمره، كان يقول: حتى يكبر خالف المنهج النبوي! أما الذين التزموا بالسنة وألزموا أولادهم بالصلاة في الصغر فلم يجدوا صعوبة؛ لأنهم كبروا وهم يصلون، حتى لو جاءه شيء من الانحراف لكنه لا يترك الصلاة، لماذا؟ لأنه تعودها وسيجد صعوبة في السنة السابعة أو الثامنة، أو التاسعة أو العاشرة ويجد صعوبة، لكنها تصبح طبيعة له، وعادة لا يستطيع أن يتركها، فهذا مهم ويجب أن نؤكد عليه أيها الإخوة!
стр. 2368
العدل بين الأولاد في العطية والتعامل
من أسس التربية: العدل والتسوية في العطية والتعامل بين الأولاد؛ لأنك إذا جُرت فإنك تحمل هذا الذي ظلمته على عقوقك، ففي الصحيحين أن والد النعمان بن بشير جاء إلى النبي ﷺ ، يريد أن يشهده على عطية أعطاها لبعض ولده، فقال: (يا بشير! أكل بنيك أعطيت مثل هذا؟ قال: لا، قال: اذهب فأشهد غيري فإني لا أشهد على زور) هذا زور؛ أن تعطي ولدك وتترك الثاني، حتى لو كان ولدك الثاني لا يقدم لك خدمة ولا يبرَّك ولا يحسن إليك، فلا ينبغي أن تعاقب العاق بحرمانه من حقه، لا.
فالذي يعاقبه هو الله، أما أنت فتعطيه حقه الذي أعطاه الله له، وإذا وهبت واحداً منهم دون الآخر فقد ظلمت وجرت، وهذا مما يسبب لك سوء الخاتمة، والعياذ بالله.
قد يلاحظ الإنسان على بعض أولاده شيئاً من الأخطاء، مما لا يرتاح له، فلا ينبغي للإنسان أن يثور وينفعل ويتأثر ويدعو على ولده، كما يفعل بعض الناس، بل عليه أن يصبر ويتحمل ويغض الطرف ويدعو للولد بالهداية؛ لأن في الحديث عند مسلم عن جابر ﵁ قال فيه ﵊: (لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، فتوافقوا ساعة يُسأل فيها الله فيستجيب لكم).
لا تدع، بل لا تقل: الله يهلكك الله يجعلها في وجهك الله ينتقم منك، وأنت كاذب غير صادق، وما تريد أن يهلكه الله، ولا أن ينتقم منه، بل قل: الله يهديك الله يصلحك الله يوفقك يا ولدي! الكلمة الطيبة أحسن من الكلمات الباطلة؛ لأنك قد تقول هذه الكلمة وأنت لا تقصدها، فقط تريد أن ما في قلبك، لكن الله ليس على ما تريد، قد تقولها وتخرج مباشرة.
يخبرني أحد الناس في قصة له: عنده ولد يدرس في الجامعة، والولد هذا صالح ملتزم متدين مبارك، ومن أحسن الشباب، ولكن سبحان الله! يقول: نحن نائمون، وإذا به يأتي، يقول: يا أبي! قال: نعم، قال: أنا تعبت من المذاكرة وأريد أن أخرج وأعمل جولة بالسيارة ثم أرجع، قلت له: يا ولدي! لا تخرج الله يهديك؛ الناس الآن نائمون، وأنت لابس ثوب نومك الآن، لماذا تريد الخروج؟ قال: فقلت له: لا.
يقول: فما راجعني.
الولد بار وطيب، فذهب ولكن عندما رجع رأته أمه، قالت: ماذا بك؟ قال: طلبت من أبي أن أخرج لأروج عن نفسي فرفض، قالت له: اصبر، أنا أجعله يوافق، طبعاً الأم لها ضغط، فدخلت الأم وكلمت الأب، وقالت له: ولدنا طيب، وفيه خير، وأنت دائماً تعقده، دعه يخرج ليغير جو المذاكرة ويرجع الآن، ولا زالت تضغط عليه حتى وافق، قال: فليذهب (الله لا يرده) يقول: قلتها والله وما أنا صادق، وبودي أن الشوكة التي تدوسها رجله تدخل عيني، لكن يقول من إحراجها لي، ومن إحراجه هو لأمه جاءني غضب شيطاني.
قلت: فليذهب (الله لا يرده) يقول: وكأنها خرجت من فمي وباب السماء مفتوح، وراح الولد وجلسنا ننتظر ساعة -هو قال: نصف ساعة- ونحن ننتظر ساعتين ثلاث ساعات أذن الفجر وما أتى الولد، يقول: انطعن في قلبي مثل الرمح وعلمت أنها الدعوة، ويقول: أخرج أصلي الفجر وأرجع البيت، أسأل: جاء؟ قالت الأم: ما جاء، يقول: ذهبت للشرطة، أبلغ: ولدي خرج وإلى الآن ما عاد، هل عندكم علم؟ قالوا: لا علم لنا، اتصلوا بالأجهزة، قالوا: يوجد حوادث مرورية، ووفيات في المستشفى، يقول: ذهبت إلى المستشفى، فتحوا الثلاجة وإذا بابني بثوب النوم آخر واحد عند باب الثلاجة، حصل له حادث مروري في منعطف وهو راجع، يقول: فأخذت الولد وأخرجناه ودفناه، ولكني عرفت أنني أنا الذي قتلت ولدي! أنا الذي دعوت عليه واستجيبت! يقول: فإن أندم على شيء في حياتي فعلى تلك الكلمة! فانتبه يا أخي، لا تقل: الله يهلكك، لا تقل: الله يجعلها في وجهك الله لا يردك لا.
بل قل: الله يردك الله يهديك الله يصلحك الله يوفقك، والكلمة واحدة تريدها حسنة أو سيئة، لكن الحسنة أحسن من السيئة.
والبعض منا يلفت نظري إلى أن هذا الأسلوب ربما يكون أكثر عند النساء وهو حق؛ لأن بعض النساء ما تتورع في الدعاء، تدعو على ولدها، أو زوجها، أو دابتها، أو خادمتها، أو تدعو على كل شيء بل بعض النساء تدعو على لقمتها إذا وقفت في حلقها، قالت: (الله يجعلك بلاء) -والعياذ بالله- ما يسلم منها أحد، فلا تدعي أبداً على شيء، وادعي الله بالصلاح وليس بالدمار، والعياذ بالله.
стр. 2369
عدم التناقض والازدواجية في توجيه الأبناء
آخر شيء أيها الإخوة -وأختصر باعتبار أن الوقت انتهى- أركز عليه هو: أنه لا ينبغي أن يكون هناك تناقض وازدواجية في التوجيهات التي توجه إلى الولد من الأم والأب، لا بد أن يكون هناك نوع من التوافق، فإذا قال الأب أمراً فيجب أن توافقه الأم في الحق، أما إذا قالت الأم أمراً ثم عاكسها الأب، أو قال الأب أمراً ثم عاكسته الأم، أو الأب مدرس يربي في المدرسة ويخالفه في البيت، فيحصل للولد نوع من التذبذب، ونوع من الخلل في التفكير؛ لأنه لا يفرق بين الصحيح والغلط؛ أبوه يأمره بكذا، وأمه تأمره بكذا، المدرس يقول له: كذا، والشارع يقول له: كذا.
فيحصل عنده نوع من التردد، وهذا يؤدي إلى التأثير على نشأته، ويحصل له بسببه بلبلة واضطراب في نفسيته، وبالتالي ينشأ مهزوزاً غير واثق مما يُلقى عليه، لا بد أن يحصل هناك تكامل وتوافق وعدم اختلاف، أو ازدواجية في التوجيهات والتعليمات التي توجه إلى هؤلاء الأولاد.
стр. 2370
الاستمرار في الدعاء لهم
من أهم الأشياء التي نختم بها المجلس -أيها الإخوة- هو: الدعاء دائماً باستمرار، خاصة من يحتاج من أولادك إلى نصيحة أو دعوة فخصه، اللهم اهد فلاناً في صلاتك وفي كل مكان، اللهم اهد فلاناً، بل خصه بدعوة باسمه، اللهم اهد أحمد، اللهم اهد محمداً، اللهم اهد عبد الله، لعل الله في لحظة من اللحظات يستجيب الدعاء ويقبل الله دعوتك ويهدي ولدك.
أسأل الله أن يهب لنا من أولادنا وذرياتنا قرة أعين، وأن يصلح لنا جميعاً الأبناء والبنات والزوجات، وأن يجعلهم قرة أعينٍ لنا في الدنيا والآخرة، كما نسأله أن ينصر دينه، وأن يُعلي كلمته، وأن يُبرم لهذه الأمة أمر رشدٍ يعز فيه أهل الطاعة، ويُذل فيه أهل المعصية، ويُؤمر فيه بالمعروف ويُنهى فيه عن المنكر، إنه سميع الدعاء.
كما نسأله أن يوفق ولاة أمورنا وعلماءنا ودعاتنا، وشبابنا وشاباتنا، وبناتنا ورجالنا ونساءنا، وجميع المسلمين إلى خدمة هذا الدين والدعوة إليه، والحماية له والذود عنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2371
الأسئلة
стр. 2372
نصيحة للعابثين بالممتلكات العامة
السؤال
تعلمون حفظكم الله أن الحكومة وفقها الله تعالى تنفق الأموال الطائلة على هذه المدينة السكنية وعلى غيرها، وهناك أطفال بل شباب يعبثون بهذه الممتلكات من تكسير للإنارة، وتخريبٍ في دورات المياه التابعة للمساجد والمرافق العامة، وكتابة على الجدران بكلام لا يليق بالمسلم، علماً بأن هؤلاء الشباب من الساكنين في هذه المدينة، فما توجيهكم لآباء هؤلاء الشباب، أفيدونا مأجورين؟
الجواب
من أسوأ ما يمكن -أيها الإخوة- وقوع مثل هذه التصرفات؛ لأنها تدل على تقصير من قبل الآباء في تربية أبنائهم، وعلى انحراف وشذوذ وسوء خلق من قبل الشباب أو الأطفال الذين يمارسون هذا العمل؛ لأن الأموال والمقدرات العامة التي تختص بعموم المسلمين من واجب المسلم أن يحافظ عليها؛ لأن محافظتك عليها محافظة على الحق العام.
ولهذا جعل النبي ﷺ إبعاد الأذى عن الطريق صدقة؛ لأن الطريق ملك للجميع، فلا ينبغي لك أن تضع الأذى فيه، أو أن تقصر على نفسك فتترك الأذى فيه، بل احمله وارفعه؛ لأنه من الإيمان، وفي مسلم يقول النبي ﷺ ويوجه: (اتقوا اللعانين، قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟! قال: التخلي في طريق الناس وظلهم) أي: يذهب -الله يكرمكم- ويقضي حاجته تحت ظل شجرة، والشجرة هذه يجلس الناس تحتها، فيقضي حاجته تحتها، فإذا جاء من يريد أن يجلس، ماذا يصنع؟ يلعن، يقول: الله يلعن من فعل هذا، فالرسول يقول: (اتقوا اللعانين) أي: المكان الذي يؤدي إلى لعنكم، أو الطريق، فيكون الطريق نظيفاً وإذا بك تقع رجلك في النجاسة، فعندما تشعر به تقول: الله يلعن من فعلها، فاتقِ اللعانين.
كذلك لما يأتي طفل صغير طائش ويعمل له من هذه (المناطيب) ويأتي يصيد الإنارة أما يراه الناس؟! بعض الناس يراه، لكن يقول: هذا لا يتعلق بي، هذا حق الحكومة، لا يا أخي الكريم، يجب أن تكون عيناً للدولة على هذه المقدرات؛ أي طفل تراه أمسكه ولا تسلمه إلا للإدارة، دعه يُسجن ويُضرب على يده، ويحمل والده، حتى نحفظ هذا الحق، نحن في نعمة ما فيها أحد يا إخوان! يجب أن نشكر الله عليها، انظروا إلى تحتكم وفوقكم وكل الدنيا، لا يوجد أحد له مثلما أنتم فيه من الأمن بالأوطان، والعافية في الأبدان، والأرزاق، والرواتب والخيرات فنحمد الله عليها يا إخوان! ونسأل الله أن يزيدها ولا ينقصها، ولكن إذا فرطنا فيها وضيعناها وضيعنا أولادنا وكسرنا ممتلكات الحكومة، إلى متى والحكومة تصلح ما تخربه أنت؟ فلا يجوز أيها الإخوة؛ لأن هذا من سوء التربية، والعياذ بالله.
стр. 2373
تعهد الآباء لأبنائهم برفقة من الصالحين
السؤال
كثير من الآباء هداهم الله لا يبحث لابنه عن صحبة صالحة تعينه على توجيه أبنائه، ويصف أبناءه الذين يذهبون إلى أولئك الصالحين بالتطرف والتشدد، فما توجيهكم لهذا النوع من الآباء هداهم الله؟
الجواب
أولاً: أسأل الله أن يظلنا جميعاً في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، بالحب فيه والبغض فيه؛ لأن الحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان.
أما مسألة الرفيق، فإن الرفيق والزميل له تأثيره البالغ على نشأة الولد، وتوجيهاتك أيها الأب للولد خاصة إذا تجاوز الخامسة عشرة والسادسة عشرة تقابل بعدم الرضا والقبول، ويتقبلها الشاب بشيءٍ من عدم الانصياع، ولذا أفضل الأشياء أن تسلط عليه من تثق فيه من الإخوان في الله من الطيبين، تقول: أريد ولدي أن يأتي معكم، اربطوا معه علاقة، فيأتون إليه ويأخذونه، ويذهب معهم، ويجالسهم حتى يتأثر بهم.
لكن الأخ الآن كأنه يشكو من أمر مناقض وهو أن بعض الآباء إذا رأى ولده مع الطيبين يقول: لا تذهب مع فلان وفلان وفلان؛ هؤلاء متشددون، ما معنى متشددون؟ الحمد لله، ما عندنا تشدد، الالتزام والصحوة في بلادنا منضبطة، ما عندنا تطرف ولا انحراف، كل شباب الصحوة والحمد لله ملتزمون بالجادة؛ لأنهم مرتبطون بالعلماء.
وإذا أشكل على الواحد شيء ذهب يسأل، والعلماء عندنا والحمد لله موضع ثقة، نثق في علمائنا ونأخذ ديننا منهم؛ لأنهم مبلغون عن الله، وهم ورثة الأنبياء، وهم موقعون لأحكام الشرع، فالصحوة في بلادنا منضبطة، وليس عندنا غلو ولا تطرف، والحمد لله.
وما قد يظهر من نماذج نادرة لا يعني أنها صفة ظاهرة، وأنها صفة غالبة على شبابنا، فلماذا تحرص على ألا يذهب ولدك مع الطيبين؟ أنت كأنك بهذا تقطع الطريق على ولدك، فلا يذهب مع أهل الخير، إذاً يذهب مع السيئين، وغداً يصبح مع المخدرات، وأنت بنفسك أهلكت نفسك وولدك، فدعه يذهب مع أهل الخير، ولن يجد منهم إلا خيراً بإذن الله.
стр. 2374
حكم مشاهدة الأفلام والمسلسلات
السؤال
هناك بعض الناس يشاهدون التمثيليات والمسلسلات على تلك الشاشات، فما توجيهكم لأولئكم القوم؟ وهل يجوز للنساء مشاهدة ذلك؟
الجواب
التمثيليات والمسلسلات من أخطر وسائل التربية على النساء والأولاد والبنات؛ لأنها دروس عملية، تعلم الأخلاق والآداب والتصرفات والعقائد والدين، وهؤلاء الممثلون الذين يؤدون هذه الأدوار كلهم ممن لا خلاق لهم في دين الله .
فلا ينبغي أن يكون هؤلاء هم قدوتك، بحيث لا تأخذ أخلاقك إلا منهم؛ لأنها تتأثر العيون والقلوب بما ترى من هذه الأشياء، بل ينبغي مقاطعتها، وعدم استماعها فهي أخطر على دين العبد من الغناء، فالغناء يفسد عليك القرآن ويفسد عليك الأخلاق، لكن هذه تفسد كل شيء.
ثم إن هذه المسلسلات والأفلام لا تعبر عن الحقيقة فهي كذب، هي روايات يكتبها رجل مسرحي كذاب، ثم يدعو له عشرين أو ثلاثين كذاباً يمثلون هذه الكذبة، ثم يسجلونها في أستديو، ثم يعلنونها للناس، ويعيش الناس على الكذب.
وبعض الناس يذهب إلى بيته وإذا بزوجته تبكي: ماذا بك؟ قالت: النهاية الحزينة؟! ووالله لا يوجد نهاية مرة ولا حزينة، فهو كذب في كذب! فلا تعش على الكذب والخزعبلات، وكن رجلاً لا تسمع إلا الخير والحق.
أما أن تقول: نقضي وقتنا معها، وما عندي وقت، لكن يوجد وقت بما هو أفيد لك من هذا، وخصوصاً النساء، بعض النساء -والعياذ بالله- ثقافتها كلها ثقافة مسلسلات وأفلام، حتى تعلم النساء من الأفلام والمسلسلات ما لم تعرف في الماضي، فالمرأة تكلم زوجها وتقول له: كذا، تجعله وراءها أعطي لنا لحم اليوم، من أين جئتِ بهذه الكلمات؟ من المسلسل!! كانت في الماضي تقول له: أعطنا معك لحمة، وتكلمه من صميمها ومن مسمعها، أما اليوم فقد تعلمت على الممثلات.
стр. 2375
مدة تربية الآباء للأبناء
السؤال
متى تنتهي مهمة الآباء تجاه الأبناء نحو إرشادهم وتوجيههم؟ هل تنتهي بعمرٍ معين، أم ماذا؟
الجواب
لا تنتهي المسئولية حتى تموت، ولكنها تتدرج، يقول أحد المربين: داعب ولدك سبعاً، وأدبه سبعاً -من سبع إلى الرابعة عشرة شد عليه- وآخه سبعاً، من الرابعة عشرة إلى واحد وعشرين آخه، أي: عامله معاملة الإخوة، وبعد واحد وعشرين راقبه، فما بقي من عمرك.
وأما الوصية التي يقولها بعض الناس: ثم ألقِ له الحبل على الغارب! فهي غير صحيحة، فهو ليس حماراً تلقي حبله على غاربه.
وإنما: وراقبه ما بقي.
ما بقي من العمر بعد الواحد والعشرين راقبه ووجهه وادع له، ولكن عليك أن تراعي مشاعره؛ لأنه رجل، وأكرمه إذا رأيت منه جوانب حسنة، وأيضاً اغضب عليه إذا رأيت منه جوانب نقص، فيراه في وجهك، ومن يوم أن يرى أنه قصر أشعره بالصدود عنه قليلاً؛ لأنه يحس.
أراك يا أبي غضبان نعم غضبان، لماذا لم تصلِّ اليوم في المسجد؟ لكن إذا صلى معك الفجر، ولقيته: السلام عليكم! الله يوفقك ويحفظك والله يا ولدي أنا راحتي عندما أراك تصلي معي، وأنت تعلم أن صلاتك لك، لكن أريد لك الخير، أنت قطعة مني؛ لكن بعض الناس عنيف مع أولاده، إذا جاء ليوقظ ابنه من النوم، قال: قم قم قم الله يجعلها في وجهك يا حمار! ويركله في رجله، ويضربه في رأسه، بالله كيف يصلي هذا؟! يصلي وهو حمار، يصلي وأنت تدعو عليه أن الله لا يوفقه، فهذا إذا قام يصلي يروح في الحمام ويمكث ساعة حتى ترجع من المسجد وهو لا زال في الحمام، ولا يخرج، يقعد في الباب ويقول: صليت، لكنك إذا جئت توقظه: فلان! فلان! الله يهديك الله يرزقك الله يحفظك قم الله يوفقك، فينشط حتى ولو كان كسلان.
стр. 2376
التواكل في التربية
السؤال
هل لكم من توجيه فيمن يقول: إن كان حظي طيباً أصلح الله لي ذريتي، وإن كان حظي سيئاً أصبحوا فاسدين وأهمل الأسباب؟
الجواب
هذا من التواكل، ففي الحديث الذي في السنن أنه جاء رجل إلى الرسول، وقال: (يا رسول الله! أطلق ناقتي وأتوكل، أم أعقلها وأتوكل؟ قال: اعقلها وتوكل) وأنت ربِ أولادك على الخير، واسأل ربك أن يجعل حظك جيداً معهم، أما أن تهملهم وتقول: حظي سيئ، فلا، حظك سيئ؛ لأنك أنت سيئ، ما عرفت كيف تسير مع الرجال.
стр. 2377
مسألة: قول القائل: أتزوج غير ملتزمة لتلتزم على يدي
السؤال
ما رأي فضيلتكم فيمن يقول: أتزوج امرأة غير ملتزمة وغير مستقيمة، وتلتزم على يدي وتستقيم بإذن الله فيما بعد؟
الجواب
هذه مجازفة، والقضايا المصيرية لا ينبغي المجازفة فيها، فإنك تقول: يمكن تلتزم، لكن هناك الاحتمال الثاني، وهو أنها ربما لا تلتزم، ماذا تعمل وقد رزقت منها الذرية، فتبقى غصة في حلقك حتى تموت؟! ولهذا: الغلطة في المرأة من أسوأ ما يمكن، يقال: ثلاثة لا تخطئ فيهن: الخطأ في اختيار المرأة، والخطأ في البيت، فلو فصلت لك عمارة لا تغلط؛ لأنها أمام عينك، والثالثة نسيتها.
إبراهيم لما جاء إلى إسماعيل في مكة فما وجده، قال لامرأته: كيف أنتم؟ قالت: في شر حال، وهم كانوا في أحسن حال؛ لكنها شريرة -والعياذ بالله- منظارها في الحياة أسود، وهم كانوا في خير ونعمة، لكن نظرتها سوداء، قالت: نحن في أبأس حال، قال: إذا جاء إسماعيل فسلمي عليه وقولي له: أن يغير عتبة بيته.
وحين جاء قالت: جاءنا شيخ ثم وصفته له، وقال لك: غير عتبة بيتك، قال: أنت طالق بالثلاث أنت عتبة البيت، وبعد سنوات تزوج إسماعيل، وجاء إبراهيم مرة أخرى، فلم يجد إسماعيل، وقد كان مسافراً للصيد، قال: كيف أنتم؟ وكانوا في سنةٍ قاحلة وشديدة، لكن المرأة طيبة وفيها خير، قالت: نحن في أحسن حال، والحمد لله على كل حال، قال: قولي له إذا جاء: أن يثبت عتبة الدار.
بعض النساء لو ما عندها في بيتها لقمة وجاء زوجها وسأل: عندكم شيء؟ قالت: الخير كثير والحمد لله، ولو ما عندها شيء، وبعضهم لو كل شيء موجود وجاء زوجها بضيف واحد، قالت: لماذا تأتي به؟ ولماذا ما أخبرتنا؟ والله ما عندنا شيء، وتقوم ترمي الطعام في القمامة وتجعله يذهب ويشتري من المطعم فهذه شريرة، والعياذ بالله.
فالمرأة ينبغي أن لا تجازف في قضية اختيارها، اعقل وتوكل، ابحث لك عن صاحبة دين تسلم، إنما تأخذ واحدة على أمل أنك تهديها فهذا من المجازفة، إلا أن بعض أهل العلم يقول: إذا وجدت امرأة تظهر رغبتها في أن تلتصق برجل صاحب دين، وأنها مستعدة لأن تخضع لجميع أوامر الشرع، وأنها تائبة إلى الله، فهذا لا بأس، لماذا؟ لأنها أعلنت التوبة وأعلنت الرغبة في الاستقامة، أما واحدة تعرف أنها فاسدة من أول نظرة وتقول: سأهديها، فهذه مجازفة.
стр. 2378
هل لحياتنا معنى ؟
إن الله خلقنا لهدف، ونحن لا نعرفه لأننا لم نخلق أنفسنا، والذي يخبرنا بالحكمة من خلقنا هو خالقنا سبحانه، وقد ذكر الله هذه الحكمة في كتابه الكريم؛ فقال جل وعلا: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ).
وفي هذه المادة يتحدث الشيخ عن الغاية من الخلق، والهدف من الحياة، متحدثاً عن أجزاء الإنسان: الجسد، النفس، العقل، القلب، وذاكراً بعض الأمراض التي تصيب النفس البشرية: كالشبهة، والشهوة، والغفلة؛ مع بيان خطرها على القلب
стр. 2379
فضل المساجد وفضل بنائها
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الإخوة في الله: قبل البدء في المحاضرة أود أن أشير في هذه المناسبة الطيبة التي نصلي فيها في هذا المسجد لأول مرة بذكر لمحةٍ عن فضل بناء المساجد؛ لأنها بيوت الله، ومشاعل النور، ومنطلق الدعوات، ومهابط السكينة، وأماكن الذكر والعبادة، والبقاع الطاهرة التي يحبها الله ، فهذه البيوت يكفيها شرفاً أن الله أضافها إلى نفسه، فهي بيوت الله ، أذن أن ترفع، وأن تبجل وتعظم وتقدس وتطهر، وأخبر أنها محطات لتزويد الناس بالإيمان، وذكر في سورة النور بعد أن ذكر أنه نور السماوات والأرض أن هذه الأنور توجد في هذه المساجد، فقال : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور:٣٥] أي: في قلب عبده المؤمن: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ﴾ [النور:٣٥] أي: هذا المصباح: ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥] نور المشكاة، على نور المصباح، على نور الزجاجة، على نور الزيت الصافي، نور على نور، هذا مثل نور الله في قلب عبده المؤمن، نور الله، مع نور القرآن، مع نور الرسالة، مع نور العبادة، مع أنوار الملائكة: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥].
وكأن سائلاً يسأل ويقول: يا ربِّ أين هذا النور؟ قال بعدها: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ [النور:٣٦] هذه الأنوار في محطات الإيمان والنور: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:٣٦ - ٣٨].
فهذا الزيت يوقد من شجرة، أي من زيت شجرة مباركة، وهي شجر الزيتون: ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ يعني الشمس تضربها في الشروق والغروب، وهذا يؤثر على صفاء زيتها، فيأتي زيتها أصفى من الشمس يكاد يضيء: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥].
فهذه المساجد -أيها الإخوة! - يبشر الرسول ﷺ من وفقه الله لبنائها بالجنة.
ويقول العلماء: إن من بنى مسجداً لله فإنه من المبشرين بالجنة، لحديثٍ في الصحيحين يقول فيه ﵊: (من بنى لله مسجداً يبتغي به وجه الله، بنى الله له به بيتاً في الجنة) قال العلماء: لا يمكن أن يبني الله لك بيتاً في الجنة ويدخلك النار، فمعنى أن يبنى لك بيتاً في الجنة أن يدخلك الجنة، وإلا فما قيمة بيت وأنت لا تسكنه؟! وما معنى بيت لا تدخل فيه؟! وقال العلماء: إن هذا من المبشرات بالجنة، لكن بشرط: (يبتغي به وجه الله)، قال العلماء: هذا قيد يخرج به من يبني مسجداً للرياء أو للضرار، أو للمباهاة، لأن هذا لم يُبن لله؛ ولكن من بنى مسجداً خالصاً لوجه الله يبتغي به ما عند الله، بنى الله له به بيتاً في الجنة، فنسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجزي من بنى هذا المسجد خيراً، وأن يجعل له بيتاً في الجنة، هو ومن أعانه، ومن ساهم معه، ومن أشار عليه، ومن جعله باسمه، ومن صلى فيه، ومن عمل فيه صالحاً إلى يوم القيامة فإن فضل الله واسع.
стр. 2380
الغاية من خلق الإنسان
أيها الإخوة في الله! ما معنى أن يعيش الإنسان؟ وما قيمة حياة الإنسان إذا لم يكن لهذه الحياة غاية وهدف؟ وما غاية الإنسان وهدفه من هذه الحياة؟ لنضع المسألة على طاولة البحث، ونقول: هل هذه غاية أن تأكل، وتشرب، وتتمتع، وتنام، وتنكح، وتصبح، وتمسي، وتتوظف، وتعيش؟ هل خلقك الله لكي تأكل، وتشرب، وتتوظف، وتبني، وتتزوج، وتذهب للعمل، وترجع، وتتمشى، وتسهر، وتنام كما هو برنامج أكثر الناس الآن؟! في الوقت الحاضر أصبحت برامج أكثر الناس لا تتجاوز هذه الأمور، يبدأ برنامجه من الساعة الثامنة -ولا يصلي الفجر- يغسل وجهه، ويركب سيارته، ويذهب إلى العمل، ويفطر أثناء العمل، ويتغدى في البيت، وينام إلى الساعة الخامسة، ويقوم يتمشى إلى المغرب، ومن المغرب إلى العشاء في السوق، ومن العشاء إلى الساعة الثانية عشرة أو الواحدة أو الثانية بعد منتصف الليل يلعب أو يشاهد أفلاماً، أو يطالع قنوات، ثم ينام إلى الساعة السابعة.
هذا برنامج أكثر الناس.
فهل خلقك الله لهذا؟ إننا إذا قلنا: إن الله خلق الإنسان لهذا، فكأننا نقول: إن الإنسان نوع من القطيع الحيواني؛ لأن الحيوانات لا تمارس إلا هذه الأعمال، ويبقى هناك فروق نوعية، يعني: كون الحمار يعيش في (زريبة)، أو البقرة تعيش في حظيرة، وأنت تعيش في عمارة أو شقة، أما الهدف فواحد، أنت تنام وهي تنام أنت تأكل وتشرب وهي تأكل وتشرب، ولا فرق في الأهداف والأفكار والاهتمامات.
لكن ليس هدفك من الحياة أن تعيش لتأكل، ولهذا عاب الله على الكفار هذا الهدف، وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ [محمد:١٢] هؤلاء يأكلون ويتمتعون كالبقر، ثم قال: ﴿وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] ويقول للرسول ﷺ : ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤].
يا ليت أنهم كالأنعام، فالبقر تذبحه أو تحلبه أو تحرث عليه، والحمار تركب عليه، والجمل تشد على ظهره، لكن العاصي ماذا تعمل به؟ ليس حماراً تركبه، ولا بقرةً تحلبها، ولا جملاً تشد عليه، ليس فيه خير إلا فساد في فساد، قال : ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] فليست الغاية من خلقك أن تعيش وتأكل وتشرب، وإنما هذه غاية البهائم.
إذاً: ما الغاية؟ بعد النظر والتأمل وجد أن الغاية هو أن يموت الإنسان؛ لأن كل واحد يعيش ولا بد أن يموت، فهل خلقك الله لكي تموت؟ فأنت كنت ميتاً أصلاً، ولو أن الله أوجدك لكي تموت لما خلقك، ولجعلك ميتاً، ولما جعلك تمر عبر هذه الأطوار تسعة أشهر حملاً في بطن أمك، ومعاناة وتعب، ثم وضع في كره وتعب، ثم في تربية ورضاع، ومعاناة، ومكابدة للحياة: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] لكي تموت في النهاية وتنتهي المسألة؟! لا.
هذا عبث، والله منزه عن العبث يقول الله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] أي: أتظنون أن الله خلقكم عبثاً، وأنكم لا ترجعون إلى الله؟! ثم قال : (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون:١١٦] تعالى الله، وتنزه، وتقدس عن العبث: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٦].
ويقول في آية أخرى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ [ص:٢٧] أي: عبثاً ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧]، ويقول : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الأنبياء:١٦] لاعبين: أي عابثين.
﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٧ - ١٨].
نعم.
ليس لحياتنا معنى -أيها الإخوة! - إذا كنا نظن أننا خلقنا من أجل أن نأكل ونشرب، أو خلقنا من أجل أن نموت.
стр. 2381
هدفنا في الحياة
من أجل أن يكون لحياتنا معنى، ويكون لوجودنا قيمة، وتكون لحياتنا أهدافاً لا بد من معرفة أمرين رئيسيين: الأمر الأول: أن تعرف -أيها الإنسان! - من أنت.
والأمر الثاني: أن تعرف -أيها الإنسان! - لماذا خلقك الله، وما الغرض من خلقك.
أولاً: تعرف من أنت أصلاً، والمصيبة أيها الإخوة! أن البشرية اليوم رغم التطور العلمي، وثورة المعلومات، وزمن الاتصالات، وتفجير الذرة، والسباحة في الفضاء، والغوص في الماء، وتطويع المادة، إلا أن البشرية لا تعرف من الإنسان إلا جزءاً بسيطاً من أجزائه، تعرف الجسد فقط، وهل الإنسان هو الجسد؟! الإنسان أشياء، والجسد هو أقل أجزاء الإنسان شأناً وقيمةً، ولا قيمة له إذا تجرد عن الأشياء الأخرى الرئيسية فيه، لكن البشرية لا تعرف إلا هذا الجزء البسيط، ولهذا إذا مرض الجسد عالجوه، وإذا عطش سقوه، وإذا جاع أطعموه، وإذا أصابه الحر بردوه، وإذا برد أدفئوه، فالحياة لديهم جسد في جسد، وعنايتهم به فقط.
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته أتطلب الربح مما فيه خسرانُ
أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسانُ
فأنت لن تكتسب إنسانيتك ولا كرامتك من جسدك، ففي البهائم من هو أقوى منك، الأسد أشد عضلات، والجمل أكبر جسماً، والفيل أضخم حجماً من الإنسان.
إذاً أنت لست إنساناً بهذا الجسد، أنت إنسان بأشياء أخرى، ما هي هذه الأشياء؟ لقد جهل الإنسان نفسه، حتى قال الشاعر:
دواؤك فيك وما تبصر وداؤك منك وما تشعر
وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
أنت خلق مميز، يقول الله فيك: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأنزل عليك كتبه، وبعث إليك رسله، وأعد لك جنته إن أطعته، وتوعدك بناره إن عصيته، هذه كلها سبل تكريم لك أيها الإنسان! ثم تظن أن الله خلقك لكي تأكل وتشرب، مثل البقرة أو الحمار!! لا.
أنت مخلوقٌ مميز، لكن المصيبة أن الإنسان لا يعرف نفسه.
стр. 2382
وظائف ومهمات أجزاء الإنسان الرئيسية
أجل.
من هو الإنسان أيها الإخوة؟! وحتى نعرف الإنسان الإنسان مكون من خمسة أجزاء رئيسية:
стр. 2383
الجسد
الجزء الأول -وهو المعروف عند الناس الجسد-: وهو: عبارة عن هيكل عظمي مربط بعضلات وغضاريف وأعصاب، ومغطى بجلد، ومركب عليه أجهزة: جهاز بصري لرؤية الأجزاء والأجسام، وجهاز سمعي لمعرفة الأصوات، وجهاز تنفسي لاستنشاق الهواء، وجهاز هضمي، وجهاز دموي، وجهاز تناسلي وغيرها.
هذا الذي يسمى الجسد جزء واحد فقط من الأجزاء وهو غير مهم كأهمية بقية الأجزاء؛ لأنه لم يتعلق به ذم ولا مدح في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ ، فلم يأت في القرآن مدح أهل الأجساد بناءً على أجسادهم، لا.
بل جاء الذم، قال الله في سورة المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤] أي: لعنهم الله؛ لأن الذي يهب الأجساد هو الله ، الذي أعطاك الجسد القوي أو الضعيف، الجسد الأبيض أو الأسود، الجسد المتين أو النحيف، الجسد الطويل أو القصير؛ هو الله، فكيف نلومك أو نمدحك أو نذمك أو نثني عليك بشيء ليس منك أصلاً، فالجسد هو من خلق الله، ولم يتعلق به مدح ولا ذم؛ بل يقول ﵊ في الحديث الصحيح من حديثه يقول: (إن الله لا ينظر صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم) ولم يأتِ في القرآن ولا في السنة مدح للجسد إلا في حالة واحدة جاءت تبعاً للعلم والإيمان والدين في سورة البقرة، يقول في طالوت: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧] فهذا خير أن يعطيك الله علماً وإيماناً مع جسم قوي، لكن الجسم بلا دين ولا إيمان يذم ولا يمدح، فهذه أجسام المنافقين والكفار، وأنتم ترون بعض الكفار فيهم قوة وعضلات، لكن قوة إلى النار، وعضلات إلى جهنم والعياذ بالله، فهذا هو الجسد الجزء الأول من الإنسان، ولسنا أيها الإخوة! بحاجة إلى التطويل فيه فإن الناس يعرفونه ويهتمون به، وبالتالي لا يحتاجون إلى مزيد توصية، لكن التوصية والتأكيد على الأجزاء الأربعة الباقية.
стр. 2384
الروح
الجزء الثاني من أجزاء الجسد الرئيسية: الروح.
والروح بمنزلة الطاقة المشغلة للجسد، مثل الميكرفون، الميكرفون مكون من أجهزة: لاقط، وعصا، وجهاز (إمبرفاير) و (هورن)، هذا الجهاز يكبر الصوت، لكن الذي يشغله الطاقة الكهربائية، إذا فصلنا الطاقة الكهربائية، هل يشتغل ويكبر الصوت؟ لا.
لأن المشغل له الكهرباء، والجسد المشغل له الروح، إذا فصلنا الروح فهل يشتغل الجسد؟ وإذا مات الإنسان والجهاز السمعي موجود لكنه لا يسمع، والجهاز البصري -عينيه ستة على ستة- موجود لكنه لا يرى، والقلب موجود لكنه لا ينبض، والكلية موجودة لكنها لا تصفي الدم، والرئة موجودة لكن عملية الشهيق والزفير لا تعمل، لماذا كل الأجهزة توقفت؟ لأن الروح معزولة.
إذاً: ما هي الروح؟ قف! إنها شيء استأثر الله بعلمه، وحجبه عن البشر، حتى الرسول ﷺ لم يقل فيها شيئاً، بل لما سأله اليهود عن الروح قال الله له: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] ولم يخبرنا النبي ﷺ في سنته عن شيءٍ من أسرار الروح إلا بخبر واحد وهو أن الميت إذا مات تبعها البصر، ولهذا أي ميت تأتي وتراه بعد الموت ترى عينيه شاخصتين إلى الأعلى، لماذا؟ لأن الروح خرجت وصعدت إلى الله فيتبعه البصر، ولهذا يشرع لمن حضر الميت أن يغمض عينيه؛ لأن عينيه شاخصتان إلى السماء، ولن تغمض إلا إذا أغمضتها أنت؛ لأن المشغل للتغميض خرج.
تساءل من الذي يجعل عينك تغمض كل لحظة؟ ولماذا تغمض عينك كل لحظة؟ لأن عدسة العين عليها غطاء وفيها مادة ملحية، وتتعرض العدسة لعوامل الجو فتنشفها، فلا بد من عملية تمسيح لها، وفي نفس الوقت إعطاءها مسحة من الدمع لكي تظل دائماً مصقولة، فلو أن الله جعل عينك مفتوحة، وجعل عملك أنك تمسح عينك، فلن يكون لديك عمل إلا تمسيحها، كل لحظة تقفل وتمسح، لكن الله ركب لك على عينيك جفنين يعملان تلقائياً (أوتوماتيك)، بل بعضهم يدخل (مباراة) فيمن يفتح عينه لا يغمضها، ويقول: عينك في عيني، لا تغمض، فمن يغمض فعليه كذا! ولن يطبق؛ لأن عينه احتاجت أن يغمض غصباً عنه لكي يمسح العدسة، لكن عندما تموت أنت، وتفتح عينك، وتخرج الروح، فلا توجد روح تطبق جفنيك، بل تحتاج إلى شخص من الموجودين لكي يغمض عينك، ويغلق فمك، لكي لا تبقى فاغر الفم، شاخص العين.
فالروح لا يعرفها أحد، بل استأثر الله بعلمها، وما دمنا لا نعرفها فلا يجوز لنا الخوض فيها، ولو أن الروح شيءٌ مادي يمكن معرفته لكان الناس قد وصلوا إليها، خاصة في هذا العصر -عصر العلم- فعندهم أجهزة دقيقة تكبر الأشياء، وأنا رأيت (مجهراً إلكترونياً) يكبر ثلاثة ملايين مرة، يعني المليمتر الواحد -الذي هو واحد على عشرة من السنتيمتر- يجعله ثلاثة (كيلو).
فلو أن الروح شيء مادي لرأيناها تحت المجهر، لكن اسأل في الشرق، واسأل في الغرب، واسأل في الجامعات عن الروح، الجميع لا يدري.
وقد قرأت قبل فترة بحثاً لعالم أمريكي أجرى أبحاثاً على الروح، ورصد حالة مريض يحتضر وركَّب عليه أجهزة ترصد أي حركة تدخل فيه أو تخرج منه، في صندوق زجاجي، وفجأة يموت الإنسان ولا تسجل جميع الأجهزة شيئاً، بمعنى: أن الروح شيء لا يعرفه البشر، ولا يعلمه إلا الله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥].
فعلاقة الروح بالجسد علاقة تشغيل، وتنفصل من الجسد في حالتين: الحالة الأولى: حالة النوم.
الحالة الثانية: حالة الموت.
ففي حالة النوم تنفصل، ولكنه انفصال قريب، وتترك الجسد بدليل أنك لو أتيت إلى النائم ووضعت عند أنفه عطراً هل يشم وهو نائم؟ لا.
وإذا فتحت عينيه ووضعت أمامه منظراً أو يديك وهو نائم هل يراك؟ لا يراك، تتكلمون في المجلس وهو نائم لا يسمعكم، رغم أن الأذن التي تسمع موجودة، والعين التي ترى موجودة، والأنف الذي يشم موجود، لكن الروح التي تجعلك تشم، وترى، وتسمع غير موجودة، أين هي؟! خارج الجسد، قريبة أم بعيدة؟ قريبة، فإذا أردتها أن تعود، توقظه وتقول: يا فلان يا فلان! فيقول: نعم، نعم.
أين كانت؟ لا تدري، أعطه العطر، يشم، ولماذا شم الآن، ولم يشم حال النوم؟ لأن الذي يشم كان غير موجود أين تذهب الروح عندما تنام أنت؟ لا تدري، قال العلماء: تبقى قريباً من الجسد بحيث إذا دعيتها تعود، ولهذا قال الله وهو يسمي النوم وفاة: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الزمر:٤٢] يتوفى الأنفس: أي يميتها، حين موتها: أي: عند الموت.
وقال ﵊ في حديث الاستيقاظ من النوم: (إذا قمت تقول: الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور).
لكن لماذا النوم لا يمكن أن يكون إلا بخروج الروح؟ قالوا: لأن الروح راكب، والبدن مركوب، ولا يمكن أن يرتاح المركوب والراكب عليه، فهل يمكن أن ينام حصانك وأنت راكب عليه، طبعاً لا؛ بل لا بد أن تنزل عنه، ولهذا إذا دخلت بيتك الآن وأنت آتٍ من سفر، أو آتٍ من العمل متعب، مثقل، محطم، وقلت لزوجتك: دعوني أنَمْ، لا أريد أكلاً، لا أريد أن أرى أحداً، أريد أن أنام، أريد أن أرتاح فقط، فقالت لك زوجتك: تفضل، ادخل على السرير والمكيف والغرفة هادئة لكن استرح ولا تنم تمدد لكن لا تنم، وكلما غمضت عينك دقت الباب لئلا تنام، ما رأيك هل ترتاح؟ ولو تقعد أربعين ساعة لن ترتاح، لكن نَمْ أربع ساعات -وأنت نائم ينزل الروح الذي هو الراكب- ثم توقظك زوجتك، ستجد أنه قد ارتاح جسدك، تقوم وأنت تقول: ما شاء الله لا إله إلا الله، الحمد لله، أصبح جسمك قوياً، لماذا؟ لأن الراكب نزل، فالله يُبعد الروح عن الجسد في النوم لكي يرتاح هذا الجسد.
يا إخوان! النوم آية من آيات الله، يقول الله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الروم:٢٣] فلو أن النوم غير موجود ما كان الناس ليعيشوا، وتصوروا حالة الطلاب أيام الامتحانات كيف بهم إذا سهروا، وكذلك السائقين أيام المواسم، كيف تتحطم قوتهم؛ لأنه سهران ليلتين أو ثلاث، وبعضهم يتناول هذه الحبوب لكي يسهر ويدمر نفسه لكن الله جعل النوم سباتاً، (سباتاً) أي: قاطعاً لنا من دنيانا لكي ننام حتى نستطيع أن نعيش وأن نواصل السعي في حياتنا ونحن بأجسام طيبة، هذه -أيها الإخوة- هي الروح.
стр. 2385
النفس
الجزء الثالث من أجزاء الإنسان: النفس.
والنفس يقول العلماء: إنها مستشار أول للقلب، فإذا أراد القلب أن يعمل شيئاً استشارها، فإذا كانت النفس أمارة بالسوء أشارت عليه بالسوء، والنفس في طبيعتها وأصلها أمارة بالسوء، كما قال الله: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣] ولهذا مقاييس هذه النفس هي: الشهوات، الملذات، المتع، الراحة، النوم، الفسحة، الرحلة، السهرة، اللعب، هذه كلها تحبها النفس، وهناك أشياء أخرى لا تحبها النفس: القيود، التكاليف، الصلاة، الزكاة، الصيام، قراءة القرآن لا تحبها النفس، مع أن الجهد المبذول في هذه الطاعات بسيط قياساً على الجهد المبذول في تلك الغفلات، لكن النفس هذه طبيعتها، لا تحب هذا، وانظروا الطالب أيام الامتحان يكره الكتاب، ويحب الجرائد بالرغم من أنه ليس عنده امتحان في الجريدة، بل عنده امتحان في الكتاب؛ لكن الكتاب كأنه حيات وعقارب لا يريد أن يراه، وإذا به إذا رأى مجلة أو جريدة قرأها وانبسط معها، لماذا؟ لأن النفس لا تحب القيود، تحب الدعة والانفلات.
فهذه النفس أيها الإخوة! يقول العلماء: إنها هي المجال الأول للإصلاح الإنساني، فالله يقول في كتابه الكريم: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٧ - ٨] أي: كل نفسٍ لديها القدرة على أن تكون تقية أو فاجرة، ثم يأتي دورك أنت في تربية نفسك، قال : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠] قالوا: تزكيتها بطاعتها الله وببعدها عن معصيته، وتدسيتها بوقوعها في معصية الله وحرمانها من طاعة الله .
دورك أيها الإنسان! هو إصلاح هذه النفس، كيف الإصلاح؟ بالمجاهدة، قال : ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١] جاهد النفس وعاندها، إن كانت تريد النوم عن صلاة الفجر فلا تدعها، أو كانت تريد الغفلة عن الذكر فلا تدعها، أو تريد الجريدة وتترك القرآن؛ لا.
بل لا تترك القرآن، وإذا كانت تريد أن تنظر إلى الحرام؛ لا.
وقل لها: والله لا تنظرين، أو كانت تريد أن تسمع الأغاني؛ فقل لها: لا لن تسمعي! الله أكبر! أنت ضد نفسك، جهاد في جهاد، فإذا رأت هذه النفس أنها مع إنسان قوي فستستسلم، وترتقي من درجة الأمارة بالسوء حتى تصبح -كما قال العلماء- نفساً لوامةً.
فما معنى اللوامة؟ هي المعبر عنها في علم النفس الحديث بـ (الضمير)، يقولون: رجل عنده ضمير حي، وآخر ضميره ميت، الذي ضميره ميت؛ هذا هو الذي نفسه أمارة بالسوء، يزني ويسكر ويعمل كل جريمة؛ لأن قلبه ميت لا يحس، أما الذي ضميره حي هذا فيه خير، وإذا عمل جريمة تلومه نفسه تقول: لماذا عملت؟ هذه اسمها لوامة، تأمره بالشر ثم تلومه عليه.
فيردها الإنسان ويؤدبها ويهذبها مرة أخرى، ويعاندها مرة أخرى إلى أن ترتقي إلى المرتبة النهائية؛ وهي: النفس المطمئنة.
والنفس المطمئنة: وهي التي سكنت إلى أمر الله، واطمأنت إلى طاعة الله، فلا تحب إلا الله، ولا تحب إلا رسول الله، ولا تحب إلا شريعة الله، ولا تحب إلا بيوت الله، إذا دعيت إلى طاعة الله فرحت، وإذا عرضت عليها معصية الله نفرت، هذه نفس مطمئنة، لماذا؟ رضيت عن الله، ورضي الله عنها، يقول الله لها يوم القيامة: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٨] راضية في ذاتها، مرضيٌ عنها من قبل خالقها وبارئها: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٩ - ٣٠] هذه النفس هي الجزء الثالث وهذه مهمتها، يقول العلماء: إن النفس مثل الدابة، إما أن تركب عليها، وإلا ركبت عليك، فإن ركبت عليها وقصرتها على أمر الله سرت بها إلى الله، وإن ضعفت أمامها ركبت عليك نفسك، وأوردتك إلى النار والعياذ بالله.
следующие страницы →