Полный текст (2 982 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
هدفنا في الحياة
من أجل أن يكون لحياتنا معنى، ويكون لوجودنا قيمة، وتكون لحياتنا أهدافاً لا بد من معرفة أمرين رئيسيين: الأمر الأول: أن تعرف -أيها الإنسان! - من أنت.
والأمر الثاني: أن تعرف -أيها الإنسان! - لماذا خلقك الله، وما الغرض من خلقك.
أولاً: تعرف من أنت أصلاً، والمصيبة أيها الإخوة! أن البشرية اليوم رغم التطور العلمي، وثورة المعلومات، وزمن الاتصالات، وتفجير الذرة، والسباحة في الفضاء، والغوص في الماء، وتطويع المادة، إلا أن البشرية لا تعرف من الإنسان إلا جزءاً بسيطاً من أجزائه، تعرف الجسد فقط، وهل الإنسان هو الجسد؟! الإنسان أشياء، والجسد هو أقل أجزاء الإنسان شأناً وقيمةً، ولا قيمة له إذا تجرد عن الأشياء الأخرى الرئيسية فيه، لكن البشرية لا تعرف إلا هذا الجزء البسيط، ولهذا إذا مرض الجسد عالجوه، وإذا عطش سقوه، وإذا جاع أطعموه، وإذا أصابه الحر بردوه، وإذا برد أدفئوه، فالحياة لديهم جسد في جسد، وعنايتهم به فقط.
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته أتطلب الربح مما فيه خسرانُ
أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسانُ
فأنت لن تكتسب إنسانيتك ولا كرامتك من جسدك، ففي البهائم من هو أقوى منك، الأسد أشد عضلات، والجمل أكبر جسماً، والفيل أضخم حجماً من الإنسان.
إذاً أنت لست إنساناً بهذا الجسد، أنت إنسان بأشياء أخرى، ما هي هذه الأشياء؟ لقد جهل الإنسان نفسه، حتى قال الشاعر:
دواؤك فيك وما تبصر وداؤك منك وما تشعر
وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
أنت خلق مميز، يقول الله فيك: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأنزل عليك كتبه، وبعث إليك رسله، وأعد لك جنته إن أطعته، وتوعدك بناره إن عصيته، هذه كلها سبل تكريم لك أيها الإنسان! ثم تظن أن الله خلقك لكي تأكل وتشرب، مثل البقرة أو الحمار!! لا.
أنت مخلوقٌ مميز، لكن المصيبة أن الإنسان لا يعرف نفسه.
стр. 2382
وظائف ومهمات أجزاء الإنسان الرئيسية
أجل.
من هو الإنسان أيها الإخوة؟! وحتى نعرف الإنسان الإنسان مكون من خمسة أجزاء رئيسية:
стр. 2383
الجسد
الجزء الأول -وهو المعروف عند الناس الجسد-: وهو: عبارة عن هيكل عظمي مربط بعضلات وغضاريف وأعصاب، ومغطى بجلد، ومركب عليه أجهزة: جهاز بصري لرؤية الأجزاء والأجسام، وجهاز سمعي لمعرفة الأصوات، وجهاز تنفسي لاستنشاق الهواء، وجهاز هضمي، وجهاز دموي، وجهاز تناسلي وغيرها.
هذا الذي يسمى الجسد جزء واحد فقط من الأجزاء وهو غير مهم كأهمية بقية الأجزاء؛ لأنه لم يتعلق به ذم ولا مدح في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ ، فلم يأت في القرآن مدح أهل الأجساد بناءً على أجسادهم، لا.
بل جاء الذم، قال الله في سورة المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤] أي: لعنهم الله؛ لأن الذي يهب الأجساد هو الله ، الذي أعطاك الجسد القوي أو الضعيف، الجسد الأبيض أو الأسود، الجسد المتين أو النحيف، الجسد الطويل أو القصير؛ هو الله، فكيف نلومك أو نمدحك أو نذمك أو نثني عليك بشيء ليس منك أصلاً، فالجسد هو من خلق الله، ولم يتعلق به مدح ولا ذم؛ بل يقول ﵊ في الحديث الصحيح من حديثه يقول: (إن الله لا ينظر صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم) ولم يأتِ في القرآن ولا في السنة مدح للجسد إلا في حالة واحدة جاءت تبعاً للعلم والإيمان والدين في سورة البقرة، يقول في طالوت: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧] فهذا خير أن يعطيك الله علماً وإيماناً مع جسم قوي، لكن الجسم بلا دين ولا إيمان يذم ولا يمدح، فهذه أجسام المنافقين والكفار، وأنتم ترون بعض الكفار فيهم قوة وعضلات، لكن قوة إلى النار، وعضلات إلى جهنم والعياذ بالله، فهذا هو الجسد الجزء الأول من الإنسان، ولسنا أيها الإخوة! بحاجة إلى التطويل فيه فإن الناس يعرفونه ويهتمون به، وبالتالي لا يحتاجون إلى مزيد توصية، لكن التوصية والتأكيد على الأجزاء الأربعة الباقية.
стр. 2384
الروح
الجزء الثاني من أجزاء الجسد الرئيسية: الروح.
والروح بمنزلة الطاقة المشغلة للجسد، مثل الميكرفون، الميكرفون مكون من أجهزة: لاقط، وعصا، وجهاز (إمبرفاير) و (هورن)، هذا الجهاز يكبر الصوت، لكن الذي يشغله الطاقة الكهربائية، إذا فصلنا الطاقة الكهربائية، هل يشتغل ويكبر الصوت؟ لا.
لأن المشغل له الكهرباء، والجسد المشغل له الروح، إذا فصلنا الروح فهل يشتغل الجسد؟ وإذا مات الإنسان والجهاز السمعي موجود لكنه لا يسمع، والجهاز البصري -عينيه ستة على ستة- موجود لكنه لا يرى، والقلب موجود لكنه لا ينبض، والكلية موجودة لكنها لا تصفي الدم، والرئة موجودة لكن عملية الشهيق والزفير لا تعمل، لماذا كل الأجهزة توقفت؟ لأن الروح معزولة.
إذاً: ما هي الروح؟ قف! إنها شيء استأثر الله بعلمه، وحجبه عن البشر، حتى الرسول ﷺ لم يقل فيها شيئاً، بل لما سأله اليهود عن الروح قال الله له: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] ولم يخبرنا النبي ﷺ في سنته عن شيءٍ من أسرار الروح إلا بخبر واحد وهو أن الميت إذا مات تبعها البصر، ولهذا أي ميت تأتي وتراه بعد الموت ترى عينيه شاخصتين إلى الأعلى، لماذا؟ لأن الروح خرجت وصعدت إلى الله فيتبعه البصر، ولهذا يشرع لمن حضر الميت أن يغمض عينيه؛ لأن عينيه شاخصتان إلى السماء، ولن تغمض إلا إذا أغمضتها أنت؛ لأن المشغل للتغميض خرج.
تساءل من الذي يجعل عينك تغمض كل لحظة؟ ولماذا تغمض عينك كل لحظة؟ لأن عدسة العين عليها غطاء وفيها مادة ملحية، وتتعرض العدسة لعوامل الجو فتنشفها، فلا بد من عملية تمسيح لها، وفي نفس الوقت إعطاءها مسحة من الدمع لكي تظل دائماً مصقولة، فلو أن الله جعل عينك مفتوحة، وجعل عملك أنك تمسح عينك، فلن يكون لديك عمل إلا تمسيحها، كل لحظة تقفل وتمسح، لكن الله ركب لك على عينيك جفنين يعملان تلقائياً (أوتوماتيك)، بل بعضهم يدخل (مباراة) فيمن يفتح عينه لا يغمضها، ويقول: عينك في عيني، لا تغمض، فمن يغمض فعليه كذا! ولن يطبق؛ لأن عينه احتاجت أن يغمض غصباً عنه لكي يمسح العدسة، لكن عندما تموت أنت، وتفتح عينك، وتخرج الروح، فلا توجد روح تطبق جفنيك، بل تحتاج إلى شخص من الموجودين لكي يغمض عينك، ويغلق فمك، لكي لا تبقى فاغر الفم، شاخص العين.
فالروح لا يعرفها أحد، بل استأثر الله بعلمها، وما دمنا لا نعرفها فلا يجوز لنا الخوض فيها، ولو أن الروح شيءٌ مادي يمكن معرفته لكان الناس قد وصلوا إليها، خاصة في هذا العصر -عصر العلم- فعندهم أجهزة دقيقة تكبر الأشياء، وأنا رأيت (مجهراً إلكترونياً) يكبر ثلاثة ملايين مرة، يعني المليمتر الواحد -الذي هو واحد على عشرة من السنتيمتر- يجعله ثلاثة (كيلو).
فلو أن الروح شيء مادي لرأيناها تحت المجهر، لكن اسأل في الشرق، واسأل في الغرب، واسأل في الجامعات عن الروح، الجميع لا يدري.
وقد قرأت قبل فترة بحثاً لعالم أمريكي أجرى أبحاثاً على الروح، ورصد حالة مريض يحتضر وركَّب عليه أجهزة ترصد أي حركة تدخل فيه أو تخرج منه، في صندوق زجاجي، وفجأة يموت الإنسان ولا تسجل جميع الأجهزة شيئاً، بمعنى: أن الروح شيء لا يعرفه البشر، ولا يعلمه إلا الله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥].
فعلاقة الروح بالجسد علاقة تشغيل، وتنفصل من الجسد في حالتين: الحالة الأولى: حالة النوم.
الحالة الثانية: حالة الموت.
ففي حالة النوم تنفصل، ولكنه انفصال قريب، وتترك الجسد بدليل أنك لو أتيت إلى النائم ووضعت عند أنفه عطراً هل يشم وهو نائم؟ لا.
وإذا فتحت عينيه ووضعت أمامه منظراً أو يديك وهو نائم هل يراك؟ لا يراك، تتكلمون في المجلس وهو نائم لا يسمعكم، رغم أن الأذن التي تسمع موجودة، والعين التي ترى موجودة، والأنف الذي يشم موجود، لكن الروح التي تجعلك تشم، وترى، وتسمع غير موجودة، أين هي؟! خارج الجسد، قريبة أم بعيدة؟ قريبة، فإذا أردتها أن تعود، توقظه وتقول: يا فلان يا فلان! فيقول: نعم، نعم.
أين كانت؟ لا تدري، أعطه العطر، يشم، ولماذا شم الآن، ولم يشم حال النوم؟ لأن الذي يشم كان غير موجود أين تذهب الروح عندما تنام أنت؟ لا تدري، قال العلماء: تبقى قريباً من الجسد بحيث إذا دعيتها تعود، ولهذا قال الله وهو يسمي النوم وفاة: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الزمر:٤٢] يتوفى الأنفس: أي يميتها، حين موتها: أي: عند الموت.
وقال ﵊ في حديث الاستيقاظ من النوم: (إذا قمت تقول: الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور).
لكن لماذا النوم لا يمكن أن يكون إلا بخروج الروح؟ قالوا: لأن الروح راكب، والبدن مركوب، ولا يمكن أن يرتاح المركوب والراكب عليه، فهل يمكن أن ينام حصانك وأنت راكب عليه، طبعاً لا؛ بل لا بد أن تنزل عنه، ولهذا إذا دخلت بيتك الآن وأنت آتٍ من سفر، أو آتٍ من العمل متعب، مثقل، محطم، وقلت لزوجتك: دعوني أنَمْ، لا أريد أكلاً، لا أريد أن أرى أحداً، أريد أن أنام، أريد أن أرتاح فقط، فقالت لك زوجتك: تفضل، ادخل على السرير والمكيف والغرفة هادئة لكن استرح ولا تنم تمدد لكن لا تنم، وكلما غمضت عينك دقت الباب لئلا تنام، ما رأيك هل ترتاح؟ ولو تقعد أربعين ساعة لن ترتاح، لكن نَمْ أربع ساعات -وأنت نائم ينزل الروح الذي هو الراكب- ثم توقظك زوجتك، ستجد أنه قد ارتاح جسدك، تقوم وأنت تقول: ما شاء الله لا إله إلا الله، الحمد لله، أصبح جسمك قوياً، لماذا؟ لأن الراكب نزل، فالله يُبعد الروح عن الجسد في النوم لكي يرتاح هذا الجسد.
يا إخوان! النوم آية من آيات الله، يقول الله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الروم:٢٣] فلو أن النوم غير موجود ما كان الناس ليعيشوا، وتصوروا حالة الطلاب أيام الامتحانات كيف بهم إذا سهروا، وكذلك السائقين أيام المواسم، كيف تتحطم قوتهم؛ لأنه سهران ليلتين أو ثلاث، وبعضهم يتناول هذه الحبوب لكي يسهر ويدمر نفسه لكن الله جعل النوم سباتاً، (سباتاً) أي: قاطعاً لنا من دنيانا لكي ننام حتى نستطيع أن نعيش وأن نواصل السعي في حياتنا ونحن بأجسام طيبة، هذه -أيها الإخوة- هي الروح.
стр. 2385
النفس
الجزء الثالث من أجزاء الإنسان: النفس.
والنفس يقول العلماء: إنها مستشار أول للقلب، فإذا أراد القلب أن يعمل شيئاً استشارها، فإذا كانت النفس أمارة بالسوء أشارت عليه بالسوء، والنفس في طبيعتها وأصلها أمارة بالسوء، كما قال الله: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف:٥٣] ولهذا مقاييس هذه النفس هي: الشهوات، الملذات، المتع، الراحة، النوم، الفسحة، الرحلة، السهرة، اللعب، هذه كلها تحبها النفس، وهناك أشياء أخرى لا تحبها النفس: القيود، التكاليف، الصلاة، الزكاة، الصيام، قراءة القرآن لا تحبها النفس، مع أن الجهد المبذول في هذه الطاعات بسيط قياساً على الجهد المبذول في تلك الغفلات، لكن النفس هذه طبيعتها، لا تحب هذا، وانظروا الطالب أيام الامتحان يكره الكتاب، ويحب الجرائد بالرغم من أنه ليس عنده امتحان في الجريدة، بل عنده امتحان في الكتاب؛ لكن الكتاب كأنه حيات وعقارب لا يريد أن يراه، وإذا به إذا رأى مجلة أو جريدة قرأها وانبسط معها، لماذا؟ لأن النفس لا تحب القيود، تحب الدعة والانفلات.
فهذه النفس أيها الإخوة! يقول العلماء: إنها هي المجال الأول للإصلاح الإنساني، فالله يقول في كتابه الكريم: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٧ - ٨] أي: كل نفسٍ لديها القدرة على أن تكون تقية أو فاجرة، ثم يأتي دورك أنت في تربية نفسك، قال : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠] قالوا: تزكيتها بطاعتها الله وببعدها عن معصيته، وتدسيتها بوقوعها في معصية الله وحرمانها من طاعة الله .
دورك أيها الإنسان! هو إصلاح هذه النفس، كيف الإصلاح؟ بالمجاهدة، قال : ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١] جاهد النفس وعاندها، إن كانت تريد النوم عن صلاة الفجر فلا تدعها، أو كانت تريد الغفلة عن الذكر فلا تدعها، أو تريد الجريدة وتترك القرآن؛ لا.
بل لا تترك القرآن، وإذا كانت تريد أن تنظر إلى الحرام؛ لا.
وقل لها: والله لا تنظرين، أو كانت تريد أن تسمع الأغاني؛ فقل لها: لا لن تسمعي! الله أكبر! أنت ضد نفسك، جهاد في جهاد، فإذا رأت هذه النفس أنها مع إنسان قوي فستستسلم، وترتقي من درجة الأمارة بالسوء حتى تصبح -كما قال العلماء- نفساً لوامةً.
فما معنى اللوامة؟ هي المعبر عنها في علم النفس الحديث بـ (الضمير)، يقولون: رجل عنده ضمير حي، وآخر ضميره ميت، الذي ضميره ميت؛ هذا هو الذي نفسه أمارة بالسوء، يزني ويسكر ويعمل كل جريمة؛ لأن قلبه ميت لا يحس، أما الذي ضميره حي هذا فيه خير، وإذا عمل جريمة تلومه نفسه تقول: لماذا عملت؟ هذه اسمها لوامة، تأمره بالشر ثم تلومه عليه.
فيردها الإنسان ويؤدبها ويهذبها مرة أخرى، ويعاندها مرة أخرى إلى أن ترتقي إلى المرتبة النهائية؛ وهي: النفس المطمئنة.
والنفس المطمئنة: وهي التي سكنت إلى أمر الله، واطمأنت إلى طاعة الله، فلا تحب إلا الله، ولا تحب إلا رسول الله، ولا تحب إلا شريعة الله، ولا تحب إلا بيوت الله، إذا دعيت إلى طاعة الله فرحت، وإذا عرضت عليها معصية الله نفرت، هذه نفس مطمئنة، لماذا؟ رضيت عن الله، ورضي الله عنها، يقول الله لها يوم القيامة: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٨] راضية في ذاتها، مرضيٌ عنها من قبل خالقها وبارئها: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٩ - ٣٠] هذه النفس هي الجزء الثالث وهذه مهمتها، يقول العلماء: إن النفس مثل الدابة، إما أن تركب عليها، وإلا ركبت عليك، فإن ركبت عليها وقصرتها على أمر الله سرت بها إلى الله، وإن ضعفت أمامها ركبت عليك نفسك، وأوردتك إلى النار والعياذ بالله.
стр. 2386
العقل
الجزء الرابع من الأجزاء: العقل.
والعقل يقول العلماء: إنه مستشار ثانٍ للقلب، لكن مقاييس العقل غير مقاييس النفس، استشارة النفس منطلقها الشهوات والمتع والملذات، أما العقل فلا، استشاراته تنطلق من المصالح المفاسد النتائج الآثار فالعقل يفكر! فإذا قالت النفس فكرة للقلب، فإن كانت قوية أثرت في القلب، والقلب مريض لا يستطيع أن يحمل هذه الفكرة ويردها فيأتي العقل ليقول: لا هذا خطأً، فتقول له النفس: هذا ليس خطأً، فيطيع الإنسان نفسه.
وأضرب لكم على هذا أمثلة: شرب الدخان، فالذي يدخن أليس في قرارة نفسه قناعة أن الدخان مضر، وهل يوجد شخص في الدنيا يدخن وهو لا يعرف أنه ضار؟ لا.
الجميع يعرف أنه ضار، ويقرأ على علبة الدخان (التدخين يضر بصحتك) جميع الشركات المصنعة في العالم تصنع مصنوعاتها وتكتب عليها دعاية لها إلا الدخان، فإن شركاته تصنعه وتكتب عليه دعاية ضده، وأيضاً فإن جميع المأكولات والمشروبات في الدنيا إذا صنعت كتب عليها تاريخ صلاحية بداية ونهاية، إلا الدخان من يوم صنعوه كتبوا عليه أنه يضرك من ذاك اليوم.
إذاً لماذا الإنسان يدخن؟ يفكر في عقله يقول: الدخان والله ضار، الدخان يسبب لك مرضاً، الدخان يتلف مالك، فيأتي القلب يريد أن يطيع العقل، فتقول النفس: دعك من هذا الكلام، الناس كلهم يدخنون، لو أنه حرام لم تسمح الدولة بدخوله، فيقول القلب: صدقتِ، لماذا يلغي عقله؟ لأن نفسه أمارة بالسوء.
متى يكون للعقل هيمنة؟ قالوا: لا يكون للعقل هيمنة إلا في ظل سلامة القلب وضعف النفس -أي: صلاح النفس- فيأتي العقل ليقول: هذا حلال نواصل فيه، وهذا حرام نبعده، لكن إذا قال: هذا حرام قالت النفس: لا.
ليس حراماً، الله غفور رحيم.
أيضاً من الأمثلة: الزنا جريمة موبقة، وكل إنسان يعرف أنها حرام، فيأتي القلب ليستشير النفس في الزنا، فتقول: فرصة لا تفوتك، ويشاور العقل فيقول: احذر! هذه جريمة، إذا ضُبطت تفصل من وظيفتك، ويسقط اعتبارك، وتصبح من أهل السوابق، تسجن ويجلد ظهرك بالسوط، احذر! وأتى إلى النفس، قال: يقول العقل كذا وكذا وكذا، قالت: هذا إذا ضبطوك لكن من يضبطك كن رجلاً حذراً، لا أحد يراك، قال القلب للعقل: النفس تقول كذا، قال العقل: وإذا لم تضبط في الدنيا، سيضبطك الله في الآخرة، فالله يراك، قال عند النفس: يقول العقل: كذا، قالت: الله غفور رحيم، تب بعدها، الناس كلهم يتوبون: (ولو لم تذنبوا فتستغفروا) وتأتيك بالأدلة، فيقع الإنسان في الجريمة بسبب قوة النفس وضعف القلب، والضعيف لا يصنع شيئاً، صحيح أن القلب ملك الجوارح، لكن إذا كان ملك الجوارح مريضاً، كما لو كنت رب أسرة وأنت مريض، هل تستطيع أن تسيطر على أولادك؟ فالولد الذي يأتي الساعة الثانية عشر وأنت مريض لا تقدر أن تتحرك من فوق السرير ماذا تفعل به؟ تتوعده إلى أن تتعاف من المرض، وإذا لم تتعاف فلن تستطيع أن تعمل شيئاً، والمرأة تخرج بغير إذنك، فتقول: أنا مريض الآن ما عليكِ، انتظري حتى أتعافى والله لأكسرنَّ ظهركِ، لكن هل تستطيع أن تكسر ظهرها وأنت مريض؟ لا.
فلو قمت تضربها ضربتك، والولد إذا كنت مريضاً وتقوم لتمسكه أزاحك عن الباب وتركك.
فالقلب إذا كان مريضاً فإن الأعضاء تتمرد، فالعين تنظر ولا تبالي بالقلب، والأذن تسمع ولا تبالي بالقلب، والنفس تأمر بالسوء ولا تبالي بالقلب، وكل الجوارح تتمرد، لماذا؟ لأن هذا القلب مريض.
стр. 2387
القلب
القلب: هو العضو الخامس والأخير، ويسمى ملك الجوارح، وسيد الأعضاء، وكما جاء الحديث في الصحيحين: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) إذا صلح القلب صلحت العين، والأذن، وصلح اللسان والفرج، وصلحت اليد والرجل، وصلحت الحياة كلها؛ الآن الشباب الملتزمون -نسأل الله أن يبارك فيهم- ما الذي تغير في حياتهم؟ تغير القلب، حصل عند أحدهم قناعة في قلبه أن الطريق الذي كان فيه غير صحيح، وأن الطريق الصحيح هو الدين والإيمان فالتزم، ولما أن التزم، أصبحت عينه لا تنظر إلى النساء، لم يركباً عين جديدة؛ بل هي عينه الأولى لكن! - من حين يرى امرأة يغض بصره! لماذا تغض الآن ومن قبل ما كنت تغض؟ لأن القلب صلح، وأذنه التي كانت تتابع الأغاني في الإذاعات من يوم يسمع نغمة يغلقها، هل غير أذنه في السوق واشترى أذناً جديدة؟ لا.
هي نفسها، لكن الذي تغير هو قلبه، أما يده التي كانت تبطش بالحرام، وبطنه التي كانت تأكل الحرام، وفرجه الذي كان يقع في الحرام، ورجله التي كانت تمشي في الحرام هي نفسها، فما الذي تغير؟ تغير القلب: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) هكذا يقول الحبيب ﷺ .
فهذا القلب لا يسيطر على النفس، ولا يقبل تأشيرات العقل إلا إذا كان سليماً معافىً.
فإذا سلم القلب قبل نصائح العقل، ورفض أوامر النفس، وصلحت حياة الإنسان كلها.
معنى هذا أن القلب يمرض، نعم، القلب يمرض، وتعتريه العلل، وتصيبه الآفات كما تصيب أي جارحة من الإنسان، وعلامة مرضه عدم قيامه بواجبه، فمثلاً هذه اليد دورها في الجسم العمل، فإذا تعطلت، تقول يدي مريضة، والعين دورها النظر، فإذا عميت تقول: عيني مريضة، والأذن دورها السماع، وإذا لم تسمع تقول: أذني مريضة، والقلب ما هو دوره؟ معرفة الله، معرفة دين الله، معرفة رسول الله، محبة الله، وإذا لم يعرف الله ولا عرف الدين فهو مريض لا يقوم بدوره، فمتى يقوم بدوره؟ إذا كان سليماً، وهل ينتفع الإنسان بقلبه إذا كان مريضاً؟ لا.
قال الله في كتابه الكريم: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] ويثني الله على إبراهيم فيقول: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات:٨٤] سليم من ماذا؟ ما هي الأمراض التي تصيب القلب حتى نتجنبها؟ قال العلماء: أولاً القلب يصاب بالعمى -نعوذ بالله وإياكم من عمى القلب- قال الله: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] قلبك الذي في صدرك هو عبارة عن مضخة، تضخ الدماء، وهذه وظيفة مادية ليس لنا علاقة بها، لكن القلب الذي نعني به: اللطيفة الروحية التي أودعها الله في هذه المضغة، والتي بها نعرف الحياة كلها.
فالقلب يضخ الدماء كوظيفة مادية، لكن له وظيفة أخرى، وهي: حب الله ومعرفته، ولذا تنظر إذا فرحت ما الذي يتأثر فيك؟ قلبك، يكاد قلبك يطير من جوفك من الفرح، وإذا حزنت يكاد يموت قلبك تقول: والله كأنه والله طعنني في قلبي، وإذا سمعت خبراً سيئاً كموت حبيب أو قريب، أو حادث، تقول: امسك قلبي، قلبك مضخة الدم لم يصبه أذى، لكن قلبك المعنوي اللطيف الذي أودعه الله في صدرك، فالقلب يسلم ويمرض، ويبصر ويعمى.
إذاً: ما علامة عماه؟ قالوا: ألا يرى طريق الله، يقول الله : ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف:٢٦] أفئدة: قلوب، ويقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨] وقال الله : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] كيف لا يسمعون؟ هم يسمعون لكن لا يسمعون ما يحب الله، هم يرون لكن لا يرون طريق الله، هم يفقهون لكن لا يفقهون دين الله، كأن هذه الأجهزة ليست موجودة عندهم؛ لأن الله يقول: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف:٢٦] لماذا؟ ﴿إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٢٦] فجحودهم عطل هذه الجوارح، ما فقهوا بأعينهم إلا ما تفقهه البهائم، ولا سمعوا بآذانهم إلا ما تسمعه البهائم، ولا فكروا بقلوبهم إلا في شهواتهم كما تفكر البهائم، لكن ما تفكروا فيما هو مطلوب منهم، وما هو المطلوب منك أيها الإنسان؟ مطلوب منك أن تعرف الله، وتعرف دينه، ونبيه، وأن تسير على منهجه، وأن تعبده حق عبادته، فإذا تعطل القلب عن هذا فهو مريض.
стр. 2388
أمراض القلوب
إن أمراض القلوب عديدة؛ لكن أخطرها ثلاثة، إذا أصيب بواحد منها انتهى -مثل السرطان ليس له دواء- والعياذ بالله.
المرض الأول: مرض شبهة.
المرض الثاني: مرض شهوة.
المرض الثالث: مرض غفلة.
стр. 2389
مرض الشبهة
مرض الشبهة من أخطر أمراض القلوب على الإطلاق، لكن ما هي الشبهة؟ قال ابن القيم: رب شبهة أورثت شكاً في دين الله.
شك في الله ووجوده، شك في الرسول ﷺ وصدقه، شك في الجنة والنار والبعث بعد الموت وعذاب القبر، والدين هل هو صحيح أو غير صحيح؟ هذه شبهة.
من يزرع هذه الشبهة؟ الشيطان.
لماذا؟ ليزعزع الإيمان.
فكيف يكون العلاج؟ كيف أعالج قلبي، بل كيف أحصن قلبي ضد مرض الشبهات؟ قالوا: علاجها اليقين بأخبار الله، فإن الله قد أخبرنا عن نفسه، وناره، والبعث، والملائكة، والجن.
هل أحد أصدق من الله؟ ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء:٨٧] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ [الأنعام:١١٥] صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأحكام، لا مبدل لكلمات الله، الله أخبرنا؛ أَلاَ نَثِقُ في خبر الله! أيها الإخوة؟! إذا جاءنا خبر من وكالة أو من جريدة مباشرةً نصدق، والله يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء:٨٧] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:١٢٢] فعلينا أن نتلقى الأخبار الإلهية باليقين، واليقين هو منتهى درجات التصديق، أي أن يستيقن القلب ويثبت ويطمئن على هذا الكلام أنه حق، فالله يقول في القرآن الكريم: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣] (الحق) البعث.
ويقول في آية أخرى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس:٥٣] إنه حق: أي البعث.
ويقول: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧] إن كان مستحيلاً بالنسبة لكم فهو يسير عند الله، فعالج يا أخي الكريم مرض الشبهات باليقين، وطمئن نفسك أن كل خبر يأتيك من الله ورسول لله تقبله، ولو عارضته الدنيا بأسرها.
وهناك حديث في الصحيحين يقول الرسول ﷺ : (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم ليرفعه، فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء) رواه البخاري ومسلم، وهذا الخبر وقف أمامه شراح الحديث في الماضي موقف المتعجب، أنهم لا يدرون ولا يعرفون كيف يكون في جناح الذباب داء، وفي الثاني دواء، ولا يوجد في ذلك الوقت جامعات، ولا أجهزة رصد علمي، ولا بحوث، ولا كشف، فكان غاية ما يقول الشراح في هذا الحديث: الله أعلم بمراده.
لا ندري ما في هذا الحديث لكن نصدق به، جاء العلم والكشف والبحث العلمي، وجاءوا بالحديث وهذه صورة من صور الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة، وجاءوا بالذباب، وعملت التجربة في جامعة الملك عبد العزيز، في مركز الإعجاز العلمي للكتاب والسنة، جاءوا بالذباب في جهاز ووضعوا في الجهاز ماء وهذا الماء معقم بدرجة كبيرة بحيث لا يوجد فيه جرثومة واحدة، وأدخلوا ذباباً بملقط من خرق في صندوق، تحرك حتى تعب ثم وقع في الماء، فلما وقع في الماء التقطوه، وأخذوا عينة من الماء وحللوها فوجدوا أن فيه ملايين الجراثيم بمجرد أن غمس الذباب جناحه الذي هو ملئ بالداء، وبعد قليل أرجعوا الذباب وغمسوه كاملاً، ثم رفعوه، وأخذوا عينة أخرى من الماء نفسه، وحللوها فجدوا أن جميع المكروبات التي كانت فيه قد ماتت كلها.
من أخبر النبي ﷺ بهذا؟ هل لديه بحث علمي في الصحراء أو في مكة؟! هو لا يعرف كتابة اسمه صلوات الله وسلامه عليه؛ فهو أُمّي لو وضعت أمامه (أ، ب) لا يعرف ما هي! لكنه عالم البشرية كلها، والمعلم الأمثل للإنسانية لا يعرف أن يكتب حرفاً، لكن علمه الله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥].
هذا المعلم للإنسانية كلها لا يعرف أن يكتب أو يقرأ المكتوب، فكيف يستطيع أن يعرف مثل هذا لولا أن الله أعلمه به؟ فنحن إذا أخبرنا الله بخبر أو أخبرنا به الرسول ﷺ علينا أن نسلم ونصدق، ولا نبحث ولا ندخل في قلوبنا الشكوك؛ لأن الشك هذا هو القنبلة التي تنسف الإيمان من القلب، وإذا أصيب القلب بداء الشك ذهب الإيمان وتزعزع اليقين، وخسر الإنسان في الدنيا والآخرة.
هذا مرض القلب الأول: الشبهة.
стр. 2390
مرض الشهوة
المرض الثاني: مرض الشهوة، وهذا وإن كان خطيراً إلا أنه أخف من الأول، قال ابن القيم: وهو مرضٌ يورث تقديم الهوى على أمر الله، فإن الإنسان يحصل في قلبه صراع بين شهواته وبين أوامر الله.
ومن أمثلة ذلك: شهوة النوم عن صلاة الفجر، أحسن النوم عند الإنسان نوم الفجر، لكن في هذا الوقت أمر الله بالصلاة في المسجد، فيحصل صراع بين أمرٍ لله، وشهوة للنفس بالنوم، فماذا يحصل عندك؟ إن كان قلبك مريضاً نِمتَ، وإن كان قلبك سليماً قمت للصلاة، ولهذا يفترق الناس في صلاة الفجر بين سليمٍ ومريض، المريض هو المنافق، يقول ﵊: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاتي العشاء والفجر) وإذا أردت أن تسأل وتعرف هل أنت مسلم أو منافق فاسأل نفسك عن صلاة الفجر، إن كنت من أهلها بالتزام؛ فاعلم أنك مؤمن، وإن كان (البعيد) لا يعرف صلاة الفجر فليعلم أنه منافق، وليس بينه وبين عذاب الله إلا أن يموت، لماذا؟ لهذا الحديث: فإنه فرق بيننا وبين المنافقين بصلاة الفجر، ولذا نرى أقل نسبة في صلاة المسلمين في صلاة الفجر، لماذا تصلي المغرب والعشاء ولا تصلي الفجر؟ لأن القلب مريض، ولو أن القلب سليم لصلى صاحبه مباشرة، ولو أُعلن أن من صلى الفجر في المسجد جماعة فله مائة ريال، هل يصلي في البيت أحد؟!! والله لا ينامون إلا في المساجد، خاصة (الشيبان)، سوف ينامون في الصف الأول، وإنه سيأتي هو وأولاده يأمرهم بالصلاة، لماذا؟ من أجل مائة ريال!! لكن الآن يصلي وأولاده لماذا لا يصلون؟ قال: يهديهم الله، لكن إذا أتت المدرسة من يهديهم: الله أو العصا؟ العصا تهديهم، فتوقظه للمدرسة، لماذا؟ لأن حب المدرسة وحب الدنيا في قلبه، يقول: قوموا ادرسوا لكي تكونوا رجالاً، لتتخرجوا من المدارس وتحصلوا على وظائف، ولا تصبحوا ضائعين؛ لكن لا تقوموا تصلوا، (دعْهُ ينام مسكين!) مسكين عن الصلاة! لا حول ولا قوة إلا بالله، لماذا؟ لأن القلب مريض والعياذ بالله.
الشهوة هنا هي التي تتصارع مع الأمر الرباني، فإذا غلب أمر الله شهوتك فقلبك سليم، وإذا غلبت شهوتك أمر الله فقلبك مريض.
- شهوة الأغاني تتعارض مع أمر الله في حفظ السمع، فإن كنت حفظت سمعك وتركت هذه الأغنية فقلبك سليم، وإن كنت ممن يسمعون فقلبك مريض، وكل الشهوات قِسها على هذا؟ إذاً: كيف تعالج؟! قلنا: إن علاج مرض الشبهة في اليقين، وعلاج مرض الشهوة بالصبر على صلاة الفجر، فالذي يصلي الفجر يتعب لكن عليه أن يصبر والله يعينه، نعم.
لا يوجد إنسان يقوم يصلي الفجر إلا ويحس بتعب؛ لأنه يقوم في وقت يحتاج فيه إلى النوم والراحة والدفء، ولكن يغالب نفسه ويقوم يصلي، لكن هل يبقى معه شيء من التعب؟ فالذين صلوا الفجر من قديم هل بقي معهم شيء من التعب؟ ذهب التعب كله وبقي الثواب، والذين ناموا عن صلاة الفجر ارتاحوا لكن هل بقي شيء من الراحة؟ ذهبت الراحة وبقي العذاب.
وهكذا الدنيا ستنتهي ملذاتها كلها، وتنتهي الصعوبات كلها، وتجد نفسك في يوم من الأيام أمام جدار اسمه الموت.
تصطدم فيه اصطداماً غير متوقع، ثم تنزل في محطة اسمها القبر، ثم يُقال لك: خذ كشف الحساب ويوم القيامة يقال لك: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩] وقال تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] يقول المؤمن: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] وذاك يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥] يا ليتني ما رأيت الفضائح التي فيه، كل فضيحة عملتها موجودة في هذا الكتاب: ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٦ - ٢٧].
وحتى تتغلب على مرض الشهوة عليك أن تتسلح بسلاح الصبر، اصبر على أوامر الله، واصبر عن المحرمات، والشجاعة كما يقولون: صبر ساعة، اصبر قليلاً، وأنت لو لم تصبر على المذاكرة لا يمكن أن تنجح، ولو لم تصبر على تعب العمارة هل يمكن أن تبني؟ ولو لم تصبر على جمع المال حتى تشتري سيارة، هل يمكن أن تشتري سيارة؟ إذاً: لماذا لا تصبر على الدين؟ تصبر على كل شيء إلا على الدين! فلا بد من الصبر أيها الإخوة! ولهذا فإن الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، ولا دين لمن لا صبر له، كما أنه لا حياة لمن لا رأس له.
وقد ذكر الله في القرآن الصبر في أكثر من تسعين موضعاً، وأمر الله به، وأمر به الرسول، يقول الله للرسول: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٦] ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠] إذاً لا بد أيها الإخوة! -حتى نعالج ونواجه الشهوات- من الصبر؛ لأن هذه الشهوة مركبة فينا، والله يقول: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران:١٤] حتى الملتزم في نفسه دافع للشهوات، لكن لما غلب نفسه بالصبر فكانت نفسه تذل، ولو أعطى لنفسه فرصة وتخلى عن الصبر لوقعت في الشهوات فيختلف الناس من رجل لآخر بحسب ما عنده من الصبر، وهنا يثبت في الميدان أهل الإيمان، فيصبرون على طاعة الله، ويصبرون عن معصية الله، ويصبرون على أقدار الله المؤلمة.
وابن القيم ﵀ يتحدث في هذا الموضوع بكلام عجيب، ويقول: الصبر ينقسم من حيث هو إلى ثلاثة أقسام: صبرٌ على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبرٌ على الأقدار المؤلمة.
ثم ينقسم مباشرة من حيث العبد إلى ثلاثة أقسام: صبرٌ وتصبرٌ واصطبار، صبرٌ في البداية، تصبر في تعب، اصطبار هو التلذذ بالبلوى باعتبارها اختيار المولى.
يعني تتلذذ وأنت تمارس شيئاً من أوامر الله، أو تترك شيئاً من معصية الله، هذه منزلة لا تبلغها إلا بعد تعب.
ثم قال: وهو ثلاثة أقسام من حيث تعلقه بالآخرين: صبرٌ بالله، وصبرٌ عن الله، وصبرٌ لله، يقول: وأسوءها الصبر عن الله.
صبر بالله أي تصبر مستعيناً بالله، وصبر لله أي من أجل الله، وصبرٌ عن الله وهو أسوأ أنواع الصبر أن تشغل نفسك بما يصرفك عن الله، مثل من يشتغل الآن بالأغاني، وبالأفلام والمسلسلات، من أجل أن يصبر عن الله، لا يريد ذكر الله، ولا يريد أخذ نفسه لحظة إلى الله، فهو يتصبر بهذه الشهوات وبهذه الملهيات، وبهذه الفتن، لماذا تتصبر؟ قال: دعنا نعيش، يتصبر عن من؟ عن الله، الله خلقك له فتتصبر عنه، لا حول ولا قوة إلا بالله.
فهذا المرض الثاني مرض الشهوة.
стр. 2391
مرض الغفلة
المرض الثالث: مرض الغفلة وهذا خطير؛ لأنه سجن للقلب، يصرف الإنسان عن الهداية، فلا يمكن أن يهتدي الغافل، يقول الله : ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [الأعراف:١٤٦] (عن آياتي) أي عن دلالاتي وهدايتي.
لماذا؟ قال : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٤٦].
ما هي الغفلة؟ قال العلماء: هي نسيان الله وأمره ووعده ووعيده.
فتنسى الله وتنسى وعده ووعيده وجنته وناره ولقاءه والموت والكتاب والسنة والبعث، وتعيش ملفوفاً في دولاب الحياة، تصبح وتمسي وتتمشى وتأكل وتشرب غافلاً إلى أن تموت، فإذا مِت استيقظت، قال الله: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢] يرى لكن لا ينفع، والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، إذاً انتبه عند الموت: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] لماذا ترجع؟ قال: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:١٠٠] لماذا لا تعمل الآن، تعمل السيئات إلى أن تموت، ثم تقول: ارجعون، قال الله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].
- هذه أيها الإخوة! هي الخمسة الأجزاء الرئيسية، جسدٌ لا يتعلق به مدحٌ ولا ذم، أنت طويل أو أبيض أو أسود، أو سمين أو نحيف، إن هذا ما يزيد عند الله ولا يعطيك شيء عند ربك.
وروح لا تعرف عنها شيئاً.
ونفس ينبغي مجاهدتها وتربيتها على أمر الله.
وعقل ينبغي تنويره بالقرآن والسنة.
وقلب عليك الحرص على سلامته من مرض الشبهات، ومرض الشهوات، ومرض الغفلات، يقول ابن تيمية ﵀ عند قول الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] قال: لا تنال الإمامة في الدين إلا بالصبر واليقين.
الصبر عن الشهوات، واليقين ضد الشبهات.
هذا أيها الإخوة! هو الأمر الأول.
стр. 2392
الحكمة من خلقنا
أما الأمر الثاني: فهو لماذا خلقك الله؟ هناك احتمالان: إما أن الله خلقك عبثاً، أو خلقك لغرض، فهل خلقك الله عبثاً؟ لا.
وقد أبطل الله هذا الزعم كما سيأتي.
إذاً: الله خلقك لهدف، فما هو هذا الهدف؟ هل تعرفه أنت؟ لا.
لماذا؟ لأنك لست أنت الذي خلقت نفسك حتى تعرف لماذا جئت، ولكن يعرفك الذي أتى بك، الذي خلقك يعرف لماذا خلقك، تسأل الذي خلقك وقد أجاب الله من غير سؤال وقال لنا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فهذا هو الهدف.
إذاً ما هي العبادة؟ هل هي الصلاة والزكاة والصوم؟ لا.
ليست هذه هي العبادة فقط، فما هي العبادة التي وردت في الشرع؟ هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
فوظيفتك في الحياة هي العبادة، إذا قمت بهذه الوظيفة تسمى رجلاً صالحاً، مثلاً جهاز الميكرفون، إذا كبر الصوت نقول: جهاز صالح، أما إذا شغلناه بالكهرباء ولم يكبر الصوت، نقول: جهاز فاسد، أنت صالح إذا سرت في وظيفتك، وما هي وظيفتك؟ العبادة، فأنت رجل صالح، وإذا ضيعت وظيفتك -العبادة- تصير رجلاً فاسداً.
مثلاً المكيف وظيفته تبريد الهواء، وإذا لم يبرد الهواء، نقول: مكيف خربان، أما إذا برد الهواء، فنقول: مكيف صالح.
السيارة وظيفتها حمل الناس، إذا لم تمش نقول: سيارة خربانة.
وأنت إذا ما عبدت الله نقول: إنسان فاسد، لكن أصلح نفسك، إذا لم تصلح نفسك ومت وقدمت على الله وأنت خربان ماذا يحصل؟ يحصل لك تصليح، لكن أين؟ في ورشة اسمها جهنم، يقول الله ﵎: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف:١٨] يقول الشيطان: سوف أضلهم، قال: اذهب أنت وإياهم، كلكم في جهنم، هذه ورشة النار، من الذي يدخلها؟ الفاسد، أما الصالح، لا.
الذي يأتي: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
ويقول الله : ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣١ - ٣٥] نسأل الله وإياكم من فضله.
وظيفتك أيها الأخ الكريم! العبادة بمفهومها الشامل، وعليك أن تجري نوعاً من الرصد والمحاسبة لنفسك لتعرف أين أنت من العبادة؟ هل أنت عابد أم فاسد؟ وابدأ بالجوارح واحدة واحدة، خذ عينك وقل: يا عين أنتِ عابدة، أمرك الله بالنظر في ملكوت السماوات والأرض، وأمرك بالنظر في القرآن الكريم، ونهاك عن النظر في الحرام، هل أنت عابدة يا عين، أم فاسدة؟ الجواب لديك تعرفه أنت.
إن كانت عينك تنظر الأفلام والمسلسلات والنساء في الشوارع والطرقات فعينك فاسدة لا تشتغل في الهدف الذي خلقها الله من أجلها، وإن كانت عينك تغض عن المحارم وتنظر في كتاب الله، وتنظر في السماوات والأرض فتعتبر عينك صالحة.
تأتي إلى أذنك وتقول: يا أذن ما وظيفتكِ؟ سماع الحق: القرآن، العلم، الدين، هل تسمعين هذا، أم تسمعين السماع الثاني: سماع الغناء، والخنا، والغيبة، والنميمة، والساقط من القول، فإن كانت الأولى فهي أذن سليمة، وإن كانت الثانية فهي أذن مريضة.
فاسدة، تأتي إلى البطن ماذا يأكل، تأتي إلى اليد أين تمتد، تأتي إلى الفرج أين يقع، تأتي إلى الرجل أين تمشي، تأتي إلى اللسان ماذا يتكلم به، تأتي إلى الجسد كله أين يشتغل، هذه المعاصي تأتي إلى الطاعات، فأنت مأمور بالصلاة هل صليت؟ مأمور بالزكاة هل زكيت؟ مأمور بالصيام هل صمت؟ مأمور بالحج هل حججت؟ مأمور بالدعوة هل دعوت؟ مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هل أمرت ونهيت؟ مأمور بالحب في الله هل أحببت في الله؟ هذه أوامر الله، إذا سرت في هذا أنت صالح عابد لله، وإذا لم تسر في هذا فأنت البعيد الفاسد، وقد ضيع الحكمة والغرض الذي من أجله خلقه الله.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقنا وإياكم قلوباً سليمة، وألسنة صادقة، وأن يوفقنا وإياكم للعبادة والعمل الصالح، وأن يتوب علينا جميعاً مما نمارسه أو نقع فيه من الأخطاء والمعاصي، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2393
الأسئلة
.
стр. 2394
حكم تكرار الفاتحة للإمام والمأموم
السؤال
ما حكم تكرار قراءة الفاتحة في الصلاة للإمام إذا سها؟ وما حكم تكرار المأموم لها؟
الجواب
إن سجود السهو يشرع للزيادة أو للنقص أو للشك، أنا قد زدت الفاتحة، ولكن زيادتي ناتجة عن شكٍ، فقد حصل في قلبي أنني لم أقرأ الفاتحة كاملة في القراءة الأولى، وتيقن عندي أنني لم أقرأ فأعدت قراءتها، ولا حرج في هذا ثم سجدت للسهو، والسجود للسهو للعلماء فيه كلام، أنه يكون مرةً قبل السلام، ومرةً بعده، والتفصيل فيه أنه إذا كان السجود من أجل نقص في الصلاة فيكون السجود قبل السلام، وإن كان السجود للسهو من أجل الزيادة -مثلما حصل عندنا- فيكون بعد السلام، وإذا خشي الإمام أن يؤدي سجوده للسهو بعد السلام إلى لبسٍ عند المصلين يدفعهم بحكم عدم فهمهم لقواعد المسألة أن يقولوا: سبحان الله! فليسجد قبل السلام؛ لأن قضية قبل أو بعد الأمر فيها واسع.
السؤال: ما حكمي أنا كمأموم قرأت الفاتحة في المرة الأولى، فهل أقرأ مرة أخرى أو لا أقرأ؟ الجواب: ليس هناك مانع، إن قرأت مرة أخرى فخير على خير، وإن لم تقرأ تكفيك قراءتك الأولى؛ لأن قراءة المأموم للفاتحة مطلوبة؛ لأنها ركن لا بد من الإتيان به، لحديث عبادة بن الصامت: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وهو في الصحيحين.
стр. 2395
نصيحة بمناسبة الامتحانات
السؤال
ما الذي تنصح به الطلاب مع قرب موسم الامتحانات؟ وبم تنصح الآباء والأمهات؟
الجواب
أولاً: أنصح الآباء والأمهات والأبناء والبنات أن يتذكروا بالامتحانات الامتحان الرهيب الذي سوف نقف فيه بين يدي الله يوم القيامة.
تذكروا أيها الإخوة! أن المُمتحِن هو الله، وأن الكتاب الذي نمتحن فيه كتاب: ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩] وأن زمن الامتحانات الذي هو ساعة، أو ساعة ونصف، أو ساعتان، أو ثلاث ساعات سيكون ذلك اليوم يوماً مقداره خمسون ألف سنة، وأن صالة الامتحانات ليست مكيفة، وإنما في عرصات القيامة، تغلي فيها أدمغة العباد كما يغلي اللحم في القدور، فلنتذكر هذا الامتحان الرهيب ولنعد له من الآن، ثم إنه ليس هناك دور ثانٍ، إما نجاح وفوز وفلاح إلى أبد الآبدين، وإما رسوب إلى أبد الآبدين، لا يوجد تعويض بخسارة الآخرة، والله يقول: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
أما ما ننصح به الشباب بخصوص الامتحانات: فأولاً: الاستعانة بالله، وإخلاص النية من أجل طلب العلم، فلا يكون طلبك للعلم من أجل الشهادة، أو من أجل الوظيفة؛ لأنه في الحديث: (من تعلم العلم ليماري به العلماء، أو ليجاري به السفهاء، أو ليبتغي به عرضاً من الدنيا لم يرح رائحة الجنة) وليكن غرضك من هذا العلم أن تتزود به لمعرفة دينك، ولنصرة الحق أو الموقع الذي أنت فيه، وتستعين براتب الوظيفة على طاعة الله ﵎.
ثانياً: أن تجتهد في ألا تغش؛ لأن الغش محرم والحديث في الصحيح: (من غشنا فليس منا) والغش كلمة عامة في كل شيء، والله أمرنا بالصدق، ونهانا عن الخيانة، والغش في الامتحان خيانة، والغش في البيع والشراء خيانة، والغش في العمل المهني خيانة، والغش في الورشة خيانة، فلا تكن غاشاً، والله أمرنا حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] وما من خائنٍ إلا يوم القيامة تمثل له خيانته وغدرته لواء يعقد على استه ثم يُرمى بخيانته في النار والعياذ بالله، فأنت اتقِ الله لا تغش ولو حرفاً واحد.
ثالثا: نظم وقت المذاكرة بحيث تذاكر في أوقات مناسبة، وحذار من السهر ليلة الامتحان، هذا شيء مجرب وأنا صاحب تجربة ورجل تربية، عشت عشرين سنة مدرساً ومدير مدرسة وأعرف هذا، وعشت طالباً، إلى الآن لا زلت أعتقد وأنا في الدكتوراه أن ليلة الامتحان تحتاج للنوم المبكر، ذاكر من قبل لكن إذا جاءت ليلة الامتحان نم مبكراً لتستيقظ وذهنك متفتح ومرتاح، تذهب إلى الامتحانات فتأتي المعلومات كلها؛ لكن تسهر إلى الفجر ثم تذهب الامتحان فتطير المعلومات كلها، ولا تبقى معلومة، تحاول أن تتذكر وتبحث فلا تجد حرفاً واحداً، فإذا خرجت ورقدت وقمت وإذا بك تتذكر المعلومات، من الذي أبعد المعلومات؟ الإعياء والتعب والسهر، فلا بد أن تنام.
أما الآباء والأمهات فعليهم تهيئة الأجواء المناسبة للأبناء والبنات في المذاكرة وعدم إشغالهم بأي شيء، وأيضاً الرفق في قضية المذاكرة، بعض الآباء يُعقد ولده من المذاكرة، يأخذ العصا ويضربه ويقول له: ذاكر، والعصا عنده، وكلما رفع رأسه قال: ذاكر لماذا لا تذاكر؟ ثم يضربه، فهذه ليست مذاكرة، هذه مضاربة، حتى إن بعض الأولاد يوهم أباه أنه يذاكر، ولكنه لا يقرأ شيئاً بل يتمتم فقط، ولكن من أجل أبيه أو من أجل الضرب، فالمذاكرة ليست هكذا.
اختر أوقاتاً معينة للمذاكرة، ثم خلل هذه الأوقات بجزء من الفسحة واللعب، فإذا ذاكر نصف ساعة أو ساعة، فقل: ما شاء الله! خذ لك عشر دقائق تستريح خلالها انزل عند الباب تمشَ في الغرفة انظر من النافذة، المهم أن تعطيه شيئاً لكي يجدد نشاطه، وأنا والله أعرف أحد الأقارب سجن ولده في غرفة وأتى بالعصا، وتركه في الزاوية، قال: والله لا تقوم حتى تحفظ الدروس كلها، وكلما قام من مكانه ضربه، وعندما أتى آخر الامتحان أتى بالشهادة وإذا فيها ثلاث عشرة مادة راسب فيها.
قلت: جزاك الله خيراً والله ما قصرت في هذه المذاكرة مع ولدك، لو أنك تركته لرسب في واحدة أو اثنتين، لكن بالعصا رسب في ثلاث عشرة، يا ليتها واحدة أو اثنتين، لماذا؟ لأن المذاكرة لم تكن سليمة.
فلا نريد أن نعقد الأبناء من العلم بهذا الأسلوب الجاف والغليظ، وإنما بالتي هي أحسن، ثم بالمناقشة وخاصة إذا كنت تقرأ ناقشه، فليست المسألة مسألة حفظ فقط، إنما هي مسألة فهم، إذا فهم الدرس والمادة رسخت في ذهنه يأتي بها إن شاء الله، في الامتحان.
стр. 2396
الحياة الحقة في الاستجابة لله ورسوله
السؤال
لقد كنت في طاعة الله مرتاح القلب، مطمئن النفس، ولكن جالت بي النفس عن طاعة الله ووقعت بمحارم الله، فحال الله بيني وبين قلبي فلا أدري ماذا أفعل.
الجواب
يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤] الله أكبر! كيف يحول بينك وبين قلبك؟ إذا لم تستجب لله؛ لأن الله يقول: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال:٢٤] بمعنى أن حياتنا إنما هي من مقدار استجابتنا لله ورسوله، المستجيب لله والرسول مائة في المائة حي مائة في المائة، المستجيب خمسين في المائة خمسين في المائة حياة وخمسين موت، الذي لم يستجب لله فهو ميتٌ، والعياذ بالله، والأخ هذا ذاق حياة الإيمان، واعترف بنفسه أنه كان مرتاح القلب والنفس، ثم جالت به النفس فوقع في المحارم، والحل أن يستجيب لله مرة ثانية، وأن يعود كما كان سائراً على منهج الله، وأن يثبت، وأن يطلب من الله ﵎ الثبات، وأن يصبر على ذلك.
стр. 2397
الفرق بين: الروح والنفس والقلب
السؤال
ما هو الفرق بين الروح والنفس والقلب؟
الجواب
الروح والنفس والقلب ثلاثة أعضاء، لكن هناك تداخل في الواجبات، مثل أن تقول: ما الفرق بين عريف وجندي ووكيل رديء؟ كلهم عسكر، لكن هذا أكبر رتبة، وهذا له تخصص، هذا يمسك نوبة وهذا على الجسم كله، وذاك يمسك أكثر منه، وهكذا.
فالقلب سيد الجوارح، هو الأول والأخير في الجسم إذا صلح صلحت الجوارح الأخرى، العقل كذلك له دور، النفس لها دور، لكن العقل مستشار -كما ذكرت لكم- يشير بالمصالح والمفاسد، والنفس تشير بالشهوات، والقلب يميز الإشارات بحسب صلاحه وقوته، إذا كان قوياً يأخذ رأي العقل، وإذا كان مريضاً يأخذ رأي النفس وهكذا.
стр. 2398
حكم القول بأن الإنسان مسير أو مخير
السؤال
كيف تقولون لمن يقول: إن الإنسان مسير، وليس مخيراً؟
الجواب
قضية (مسير، ومخير) هذه واضحة جداً، وأنا أبين لكم بمثال: الإنسان هل هو مسير أم مخير؟ أقول لكم: الإنسان مسير ومخير، ففيما لا يستطيع عليه وليس من اختصاصه هو مسير، مثل الخلق، لما خلق الإنسان مسير هو أم مخير؟ لا شك أنه مسير، هل اختار هو خلق نفسه؟ لا.
في اختيار اللون والنوع والبلد والشكل والطول والعرض وذكر وأنثى وأبيض هل هو مسير أم مخير؟ مسير، ثم إذا بلغ سن التكليف يبدأ عنده هنا التخيير ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٧ - ٨] إلى أن يموت، فإذا مات يصبح مسيراً، يموت رغماً عنه، وضربت مرة على هذا مثال: إذا ركبت الطائرة من جدة إلى الرياض، أنت في الرحلة في الخط نفسه من جدة إلى الرياض مسير ولست مخيراً، لا تقدر عندما تصل القصيم تقول: (وقف يا ولد، على جنب) وإذا رأيت مزرعة أو وادياً أو جبلاً وقلت: والله نريد نقيل فيها، هل يمكن؟ لا.
الرحلة مسيرة متجهة من جدة إلى الرياض، والركاب كلهم مسيرون، لكنك مخير وأنت في الكرسي من حقك أن تنام، أو تستيقظ، أو تقرأ جريدة، أو تقرأ في المصحف، أو تفتح النافذة التي بجانبك وتنظر، أو تسترخي قليلاً، أنت في هذا مخير.
فهكذا الحياة من البداية في الخلق إلى الموت أنت فيها مسير، لكن أثناء الرحلة وفي حدود دائرتك أنت مخير، تستطيع تصلي وتستطيع ألا تصلي، تستطيع تغني أو تقرأ القرآن، أو أن تتزوج أو تزني، أو تشرب الخمر أو تشرب الحليب، أو تعمل الطيبات أو تعمل السيئات، هذه بين يديك، ولهذا لست مسيراً في هذا؛ لأنك إذا كنت مسيراً في هذا كيف الله يؤاخذك وأنت مسير؟ لا يؤاخذك الله إلا في الأمر الذي خيرك فيه ﵎.
стр. 2399
كلمة للنساء
السؤال
هل من كلمة للنساء؟
الجواب
بل كلمات للنساء.
أولاً: كل ما نقوله للرجال فهو موجهٌ بالتبعية للنساء؛ لأن دين الله موجه للمرأة والرجل، ونخص النساء بمزيد وصية، ونقول لهن: إن المرأة نقطة قوة الأمة أو نقطة ضعف، قوة إذا آمنت، وضعف إذا خربت، إذا فسدت المرأة أفسدت الحياة كلها، ولهذا يغزو أعداء الله الأمة عن طريق المرأة، إذا فسدت أفسدت زوجها، وأفسدت أولادها، وأفسدت مجتمعها، وتصوروا كيف تقوم المرأة بدور الإجرام في المجتمع إذا فسدت، فنقول لها: اتقي الله في أمتكِ وفي دينكِ وفي بلادكِ وفي نفسكِ، وعليكِ أن تتمسكي بدين الله، بدءاً بالعبادة والمعاملات، ثم بالحجاب والقرار في البيوت وعدم الخروج وزرع الفتن بين الناس؛ لأن المرأة مكانها الصحيح والطبيعي البيت، ولا تخرجي إلا مضطرة وبآدابٍ شرعية، أما أن يكون محلها دائماً السوق والحديقة وغيرها والبيت مهجور لا تأتيه إلا للنوم أو للأكل، هذا انتكاس في الفطرة، والله يقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣].
стр. 2400
حكم بناء المساجد بأموال محرمة
السؤال
هل يجوز بناء المساجد من الأموال الربوية؟
الجواب
( إن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً)، فإذا بنى الإنسان مسجداً من مال حرام فإنه لا يثاب عليه، لكن الناس لو صلوا في هذا المسجد فإن صلاتهم صحيحة، ولا يتعلق بهذا حرمة، لماذا؟ لأنه عمل صالح، وهم استفادوا منه في أداء عبادتهم، أما كونه صالحاً بالنسبة له فلا؛ لأن الأصل غير مشروع كما يروى عن أبي حنيفة أن رجلاً كان يسرق التفاحة ويتصدق بها، فرآه أبو حنيفة وقال: ماذا بك تسرقها وتتصدق بها؟ قال: أسرق فتكتب سيئة، وأتصدق فتكتب عشر حسنات، واحدة من العشر مقابل السيئة يبقى لي تسع -انظروا العقلية التجارية- قال: قبحك الله ما أجهلك، تسرق فتكتب سيئة، وتتصدق فلا يقبل الله صدقتك، فتبقى في ظهرك سيئة، يريد أن يربح ولكن السيئة في رقبته، والله طيب لا يقبل إلا طيباً، والناظم يقول:
أمطعمة الأيتام من كسب فرجها لك الويل لا تزني ولا تتصدقي
стр. 2401
وقت صلاة الوتر
السؤال
أشهد الله أنني أحبك في الله ومشكلتي أنني أعاني من فوات صلاة الوتر فإنني تعودت أن أصليها قبل صلاة الفجر للأفضلية، لكني أنام ولا أقوم إلا مع الأذان وهذا الأمر يتكرر فما نصيحتك؟
الجواب
كما ذكرت أن صلاة الوتر أفضلها أن تكون آخر الليل، لحديث النبي ﷺ : (اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وتراً) ولكن إذا خشي الإنسان -ويعرف نفسه- أنه لا يقوم، أو يثقل عليه النوم حتى طلوع الفجر فإن الأفضل له أن يصليها في أول الليل.
ولهذا يا أخي الكريم! النصيحة لك ولي ولكل مسلم، بما أننا نعرف أننا لا نستيقظ لصلاة الفجر إلا مع الأذان أن نصلي الوتر قبل أن ننام، وهذا الهدي كان يصنعه أبو بكر وعمر ﵄.
стр. 2402
كيفية ملء الفراغ
السؤال
كيف يربي الإنسان نفسه ووقته مملوءٌ بالفراغ؟
الجواب
أصل شعور الإنسان بالفراغ لعدم معرفته بالواجبات المطلوبة منه، وإلا لو عرف ما هو المطلوب منه لما صار عنده وقت؛ لأن الواجبات أكثر بكثير من الأوقات، لكن هو يقول: أنا فارغ، فارغ وهو لا يقرأ من القرآن حرفاً، ولا يعرف من السنة حديثاً، ولا يعرف من العلم باباً، ولا يجالس العلماء، ولا يدري عن حلقات العلم، ولا مجالس العلم، ولا دروس العلم، ولا يقوم بأي دور في أسرته، وتربية أولاده ولا في مصالحه، ويقول: إني فارغ، ولهذا يقضي وقته كله في النوم وفي التسكع وفي ضياع الأوقات.
فلا بد -يا أخي- أن تبحث عن عمل تصرف فيه الوقت، يعود عليك هذا العمل بالنفع في الدنيا والآخرة.
стр. 2403
حكم صلة الأخ الصالح بأخيه العاق
السؤال
عندي أخ لا يصلي، ويقترف جميع المنكرات مثل سماع الأغاني وغيرها، وأنا مقاطع له، وكذلك هو عاق لوالديه ومع ذلك أبي يحبه، وكذلك أمي، فهل أنصحه أم أتركه؟
الجواب
هذه المصيبة -أيها الإخوان! - التي يعاني منها الشباب الملتزم أنه ملتزم وطائع وطيب ومن أحسن الناس في البيت، ومع هذا الأب لا يهتم به ولا يحبه، ويرى ذلك العاصي يقدره، وهذا ابتلاء، وامتحان، وتجد الأب دائماً يمارس الضغط على هذا، ويعرف أنه نقطة الضعف فيه أنه يكون عاقاً، ولهذا تراه يهدد الملتزم يقول: سأغضب عليك، يعرف أنه الولد الطيب لا يريد أباه أن يغضب عليه، لكن ذاك قدره أنه غضب أو رضي، فهو يحاول أن يرضي الولد العاصي، فهذا امتحان وهو أيضاً ظلم من قبل الوالدين.
أما موقفك يا أخي! من هذا الأخ النصيحة والاستمرار معه، والدعاء له، حتى يهديه الله أو يحدد موقفه، ما دام أنه يستجيب منك ادعه والهداية بيد الله، ولا تحدد لها وقتاً، ولكن إذا رفض هو النصيحة ولم يستجب منك هناك تتركه وتبغضه في الله .
نكتفي -أيها الإخوة! - بهذا، ونعتذر من الإخوة الذين لم نجب عن أسئلتهم لضيق الوقت أو لعدم المناسبة.
والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2404
رحلة الحياة
تحدث الشيخ حفظه الله عن الرحلة التي يمر بها الإنسان، منذ أن يوضع نطفة في رحم أمه إلى أن يستقر قراره إما في جنة أو نار، مبيناً ما يتخلل هذه الرحلة من محطات رئيسية، وهي: عالم الأجنة في الأرحام، وعالم الدنيا، وعالم البرزخ، وعالم القيامة.
стр. 2405
رحلة الإنسان من البداية حتى النهاية
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الأحبة في الله: يلقى هذا الدرس في مسجد الشوربتلي بمدينة جدة بعد مغرب يوم السبت الموافق (٢٩) من شهر محرم من عام ١٤١٧ للهجرة، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام, وهو ضمن سلسلة التأملات القرآنية وعنوانه: رحلة الحياة.
وتأملات هذه الليلة في آيات كريمة جاءت في كتاب الله تضمنت رحلة الإنسان منذ أن يوضع نطفة في رحم أمه إلى أن يستقر قراره إما إلى الجنة أو النار, رحلة مضنية وشاقة, رحلة لم يؤخذ للإنسان فيها رأي, فهو يخلق دون رأيه, ويموت دون رغبته, ويبعث رغم أنفه, ثم يحاسب ويجازى على سلوكه في هذه الحياة, ثم يوجه في النهاية إما إلى الجنة إن كان من أهل الإيمان -نسأل الله أن يجعلنا جميعاً منهم- أو يوجه ويسحب على وجهه إلى النار إن كان من أهل الكفر والفسوق والعصيان -أعاذنا الله جميعاً منهم-.
هذه الآيات جاءت في سورة المؤمنون يقول الله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٦] هذه الآيات تضمنت مراحل خلق للإنسان, ومراحل سفره, بدأت أول مرحلة يوم خلق الله آدم من طين, ثم جعل هذا الطين في سلالته وذريته, يتم عن طريق النطفة -الحيوان المنوي- وهذه الرحلة الطويلة تتم عبر خمس مراحل: المرحلة الأولى: عالم الأجنة في الأرحام.
المرحلة الثانية: عالم الحياة الدنيا.
المرحلة الثالثة: عالم البرزخ في القبر.
المرحلة الرابعة: عالم القيامة.
المرحلة الخامسة والأخيرة: الجنة أو النار.
هذه خمس مراحل من يستطيع أن يفلت منها؟ من يستطيع أن يقول: أنا لا أريد أن أموت أريد أن أجلس في هذه الدنيا إلى آخر شيء؟ هل يطاع في طلبه هذا؟ لا.
زرت في مرة من المرات ثرياً من الأثرياء في مكة لأعرض عليه مشروعاً من مشاريع الخير, وبعد أن وعظته قال لي: لا بد من البعث؟! -يعني: لا مناص من البعث؟! - قلت: لا بد أن تبعث.
قال: والذي يريد أن يموت ولا يريد أن يبعث.
قلت: الذي لا يريد أن يبعث فليدفع عن نفسه الموت، حتى لا يبعث، إذا أتاه ملك الموت فليقل: لا أريد أن أموت, أريد أن أبقى هنا.
قال: ولكن ملك الموت لن يوافق.
قلت: وكذلك يوم القيامة تبعث رغماً عن أنفك، فكما تموت تبعث؛ فحقائق الخلق والموت والبعث جاءت في هذه الآيات متلازمة مترابطة: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢] هذا بداية الخلق, ثم بعدها مراحل الخلق المختلفة, ثم بعد ذلك ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون:١٥] واللام هنا تسمى لام التأكيد, يعني: هذا شيء لا بد منه, وتأمل في واقعنا اليوم هل يستطيع أحد أن يفلت من الموت؟ لا.
بل يموت الكبير والصغير، والملك والمملوك، والأمير والمأمور، والغني والفقير، والراعي والرعية، والذكر والأنثى، كل الناس يموتون، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء:٣٤ - ٣٥].
ثم بعد الموت قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٦] ثلاث حقائق مترابطة يلزم من وقوع الأولى وقوع التي تليها, فما دام أنك خلقت إذاً لا بد أن تموت, وما دام أنك مت إذاً لا بد أن تبعث, ولو افترضنا أن رجلاً خلق نفسه ثم قال: أنا لن أموت، لقلنا: إذاً يمكنك ألا تُبعث؛ لأنك استطعت أن تمتنع من الموت، ولكن ما استطعت أن تمتنع من الخلق بل خلقك الله رغماً عنك ولا استطعت أن تمتنع من الموت بل تموت رغماً عنك, ولن تستطيع أن تمتنع من البعث بل سيبعثك الله رضيت ذلك أم أبيت, ولهذا لما جاء العاص بن وائل أحد صناديد كفار مكة، مر على المقبرة وأخذ عظماً قد رمّ، وجاء به إلى النبي ﷺ وفتّه بين يديه وقال: يا محمد! تزعم أننا سوف نعود بعد أن نكون عظاماً؟! فقال له الرسول ﷺ في منطق الواثق بربه الذي لا تزعزعه الشبهات, ولا تهزه الكلمات قال: (نعم ويدخلك الله النار) وفعلاً تحققت نبوءة النبي ﷺ ومات هذا الرجل كافراً وسوف يدخل الله العاص بن وائل النار؛ لأنه مات على الكفر وكذب بالبعث, ونزل الوحي من السماء في آخر سورة (يس) يبين هذه الحادثة يقول الله : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨] ضرب لنا مثلاً بالعظم ونسي التأمل في حال خلقه حينما كان تراباً ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] من يحيها وهي رميم؟ قال الله للرسول ﷺ : ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩] الذي خلقها أول مرة أيعجزه أن يردها مرة أخرى؟ سبحان الله! أين عقل الإنسان؟!! ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٩].
وسنتناول -أيها الإخوة- المحطات الخمس بالتفصيل.
стр. 2406
عالم الأجنة في الأرحام أول محطة للإنسان
أول محطة تسافر فيها -أيها الإنسان- وتستقر فيها هي: عالم الأجنة في الأرحام ثم عالم الطفولة.
стр. 2407
مراحل تكوين الجنين في بطن أمه
ومدة الرحلة تسعة أشهر في الغالب, تبدأ باللقاء بين الرجل والمرأة, حين يفرز الرجل هذه الحيوانات المنوية وتفرز المرأة بويضة, والبويضة هذه تفرز على مدى الدورة الشهرية، في كل دورة شهرية تفرز بويضة واحدة, ويكون هناك فترة للإخصاب يعني: تكون المرأة قابلة للحمل, وتكون البويضة حية, يأتي الرجل امرأته الحلال وتتسابق تلك الحيوانات المنوية إلى تلك البويضة المستقرة في أعلى قناة يسمونها: قناة فالوب، وهي ليست قناة فالوب إنما الله هو الذي خلقها ولكن فالوب هو الذي اكتشفها, وتعلق بهذه البويضة القناة وسماها الله: قراراً مكيناً ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون:١٣] يعني: محمي محفوظ, يقذف الرجل في الدفقة الواحدة أعداداً هائلة من الحيوانات المنوية، قد تصل في بعض الأحيان إلى ٤٠٠ مليون حيوان منوي, يموت معظم هذه الملايين في الطريق ولا يصل إلا القوي, فإذا وصل أول واحد عند البويضة أغلقت عليه, وتأتي البقية تدور حولها فلا تلقى مكاناً فتموت بعد ربع ساعة إلا الذي دخل البويضة فإن الله يكتب له الحياة.
ويختلط هذا الحيوان المنوي مع تلك البويضة ويبدأ التشكيل الإنساني يقول الله : ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان:١] (هل) هنا ليست استفهامية ولكنها تقريرية بمعنى: قد أتى ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان:١] فأنت عمرك الآن ثلاثون سنة, اسأل نفسك قبل ثلاثين سنة: ماذا كنت؟ لم تكن شيئاً مذكوراً, وبعدها كيف جئت؟ قال الله : ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:٢] أمشاج: أخلاط, نبتليه: نختبره.
بعد ما يحصل هذا الاختلاط والامتزاج بين النطفة والبويضة تستمر أربعين يوماً وهي على حالتها لا تتغير, بعد أربعين يوماً تتطور وتنتقل من مرحلة النطفة إلى مرحلة العلقة فتصير لحمة على شكل علقة, والعلقة: دابة تعيش في المياه الراكدة, يعرفها أهل القرى، وسميت علقة؛ لأنها تعلق في ألسنة المواشي والبقر إذا شربت من الماء, ولقد رأيتها بعيني مثل تلك العلقة بالضبط التي أخبر الله عنها, وقد رُصدت حركة تكون الجنين منذ كونه نطفة إلى أن يخرج من بطن أمه، وتقرر وتبين بالعلم الحديث أن خلق الإنسان يتم بتلك الخطوات التي جاءت في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ خطوة خطوة, مما يدل على أن هذا كلام الله, وأن هذا الرسول رسول من عند الله حقاً.
стр. 2408
العلم الحديث يقرر ما ذكره القرآن عن مراحل تكوين الجنين
في مؤتمر الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة الذي عقد قبل سنوات في القاهرة، دعي إلى هذا المؤتمر أكبر عالم على وجه الأرض في علم الأجنة، علماً أن هذا العالم ليس مسلماً ليلقي محاضرة عن تكون الجنين -وطبعاً يتكلم عن علم- ولما انتهى من محاضرته قام أحد علماء المسلمين وقال له: إن ما ذكرت من الحقائق العلمية قد جاء بها كتاب الله وجاءت بها سنة رسول الله ﷺ , ثم ذكر له الآيات التي في سورة المؤمنون, وذكر له حديث البخاري ومسلم: (إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة, ثم يكون علقة مثل ذلك, ثم يكون مضغة مثل ذلك) الحديث, ولما انتهى قال: أهذا عندكم في الكتاب والسنة؟ قال: نعم.
قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
والله ما أخبر نبيكم بهذه الحقائق إلا الله؛ لأن الرسول ﷺ تكلم بهذه الحقائق قبل وجود الجامعات، ومراكز البحث العلمي، وأجهزة الرصد والتصوير التلفزيوني، فالنبي ﷺ لم يكن يعرف شيئاً عن تلك الحقائق، فقد كان يعيش في البادية لا يقرأ ولا يكتب، بل حتى الحرف لا يعرفه صلوات الله وسلامه عليه, ثم يخبر بحقائق علمية ما اكتشفت إلا في القرن العشرين في عصر العلم وعصر الذرة وعصر الأجهزة مما يدلل على أن هذا الكتاب الذي جاء به النبي ﷺ من عند الله ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢].
بعد أربعين يوماً أخرى تنتقل العلقة إلى مضغة وسميت مضغة؛ لأنها أشبه ما تكون بلقمة وضعت تحت الأضراس ثم مضغت، وقد رأيتها -أيضاً- بعيني كأنها لقمة مضغت, وهذه المضغة هي بداية تكون سلسلة العمود الفقري للإنسان, وبعد أربعين يوماً تتحول هذه المضغة إلى عظام, يركب الهيكل العظمي للإنسان كاملاً حتى الأضلاع، وقد رأيتها كأنها دبابيس مشكلة، كل عظم مع الثاني وكل مفصل مع الثاني، وبعد ذلك تكس هذه العظام باللحم ثم ينشئه الله خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين.
ولو قمت بمقارنة بين تلك النطفة المنوية وبين ذلك الإنسان، لوجدت أنه لا نسبة ولا تناسب بينهما، ولكن كما قال الله ﵎: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤].
يهيأ لهذا المخلوق الجديد في بطن أمه ويزود بإمكانات لاستقبال هذه الحياة, فيخلق له رغم أنه لا يمشي بهما في بطن أمه, وتركب له اليدان وهو لا يستعملهما, ويعطى عينان وهو لا ينظربهما؛ لأنه ليس في بطن أمه نور, بل يخلق الجنين في ظلمات ثلاث يقول الله : ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر:٦] ((يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ)) أي: مراحل ((فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ)) ظلمة الرحم, وظلمة البطن, وظلمة المشيمة, لكن مع ذلك الجنين له عينان لماذا العينان في الظلام؟ من أجل أن يستخدمهما إذا خرج من بطن أمه, وتخلق له أذنان بالرغم أنه ليس هناك أصوات في عالم الأرحام, وأيضاً يخلق له جهازاً تنفسياً كاملاً من الأنف إلى الرئة كما أوجد الله له جهازاً هضمياً من البلعوم إلى المريء، وتتم عملية تنفس الجنين وتغذيته عن طريق الحبل السري, المتصل ببطن الجنين مع أحشاء الأم حيث يتم إمداد الجنين بثلاثة أشياء عبر الحبل السري وهي: الطعام, والهواء, والماء, سبحان الله الذي لا إله إلا هو!! وبعد أن يصبح جاهزاً يخرج إلى الحياة.
من الذي أخرجه؟ إنه الله يقول الله : ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس:٢٠] يكون وضعية الجنين في بطن أمه على هيئة الجالس, وجعل الله وجهه من جهة العمود الفقري لأمه, لماذا؟ لأن البطن قد يتعرض لكدمات أو لضغط أو لضربة أو شيء ما يصيبك شيء تصيبك في النقرة, لكن بطنك وفمك وعينيك من جهة عظام أمك محمي, لأنك في القرار المكين ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون:١٣] وجالس متكئ هنا الطحال ومن هناك الكبد, ويعيش في راحة إلى أن تأتي ساعة الخروج فيقلبه الله , فهذا المخاض -الطلق- الذي تعانيه المرأة هو: عملية قلب الجنين من أجل أن يخرج رأسه أولاً, وإذا خرجت رجلاه أو يداه أولاً تعسرت الولادة, ولا يخرج إلا بعملية تفتح فيها بطن الأم, ولكن الله يقلبه وينزل رأسه ويخرج هذا الجنين.
لو استطعنا أن نتحدث مع هذا الجنين قبل أن يغادر عالم الأرحام وقبل أن يخرج إلى الحياة, وقلنا له: أيها الجنين! سوف تخرج من هذا الرحم ومن هذه الظلمات ومن هذا الضيق إلى دنيا واسعة فيها سماوات وأرض وشمس وقمر وجبال وأنهار وبحار وأشجار وعمارات وطائرات وسيارات إذا حدثناه بهذا الكلام هل يصدق؟ سيقول لنا: أنتم تعيشون على الخرافات, أنتم رجعيون تؤمنون بالخرافة, سماوات! أرض! شمس! قمر! أين هي؟! وينظر إلى بطن أمه فلا يرى إلا الطحال والكبد ويقول: ليس هناك شيء إلا بطن أمي, ولا يؤمن بأي شيء آخر؛ لأنه لم ير شيئاً.
قلنا له: شكراً هذه معلوماتك، وأنهينا الحديث معه, وخرج إلى الدنيا، وبعد أن عاش أربعين أو عشرين سنة جئنا وقلنا له: يا فلان! قال: نعم.
قلنا: أجرينا معك محادثة وأنت في رحم أمك وقلنا لك: بأنك سوف تخرج إلى الدنيا هذه واسمع كلامك, ولما سمع كلامه قال: لقد كنت مخطئاً, فلمَ أنكرت؟ قال: لأني قست الدنيا على عالم أمي, وكنت أظن أن ما في الدنيا إلا بطن أمي, ثم تبين لي أن هناك دنيا واسعة ومعلوماتي كانت غلط.
كذلك أيها الإخوة! حينما نحدث الناس عن الجنة والنار، والبعث، والصراط، والحوض، وعن الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وعن الحقائق الإيمانية في الآخرة إذا حدثناهم بها فعليهم أن يعرفوا أنهم لن يستطيعوا أن يدركوها كما لم يستطع ذلك الطفل أن يدرك هذه الحياة؛ لأن نسبة عالم الدنيا إلى عالم الآخرة كنسبة عالم الرحم إلى عالم الدنيا, ولكن عليهم أن يؤمنوا بها، والذي يكذب ويقول: أين الجنة وأين النار؟ مثل ذلك الطفل الذي يقول: أين السماوات والأرض؟ ولكن لما رآها آمن بها، وكذلك الإنسان يوم يموت يرى الجنة ويرى النار، ويتمنى أن يرجع إلى الدنيا من أجل أن يصحح الوضع مع الله, ومن أجل أن يعبد الله، ولكن لا يجاب, ولذلك يقول الله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة:١٢]-نظرنا كل شيء- ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢] وقال سبحانه في سورة الأنعام: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٧ - ٢٨].
стр. 2409
مراحل عالم الطفولة
وبعد ذلك يخرج الجنين, ويلاحظ عند خروج الجنين ثلاثة أشياء:
стр. 2410
ملاحظات في عالم الطفولة
أول شيء يخرج باكياً، ليس هناك طفل في الدنيا يخرج ضاحكاً, الأطفال جميعهم عربي وعجمي وسعودي وهندي وأمريكي إذا خرج إلى الدنيا فإنه يبكي, لماذا؟ قال العلماء: كان في بطن أمه في ضيق وخرج إلى السعة, كان في الظلمات وخرج إلى النور, المفروض أنه لما يخرج إلى السعة يضحك, لكن لماذا يبكي؟! لا يوجد مولود في الدنيا يخرج وهو لا يبكي, إلا عيسى ﵇ فإنه خرج محفوظاً بأمر الله لم يقدر عليه الشيطان.
أما كل مولود فيخرج باكياً كما أوضح الحديث أن الرسول ﷺ قال: (إن الشيطان ينزغ الإنسان في جنبه الأيسر إذا خرج) كأنه يعلمه ويشعره ببدء المعركة, فيبكي الطفل.
- أن الولد يخرج قابضاً كفه, لا يوجد أحد يخرج ويده مفتوحة, لماذا؟ قالوا: هذا يعبر عن حرصه على الدنيا وعن استعداده للصراع.
- أن القابلة أو الممرضة أول عمل تعمله بعد خروج الجنين, قطع الحبل السري بالمقص، أي: تقطع رزقه الذي أجراه الله له وعاش عليه تسعة أشهر, لكن الله لم يقطع رزقه، إذا قطعوا رزقه الذي كان يأتيه عن طريق الحبل السري من أمه نقل الله الطعام من الحبل السري إلى الثدي, فتجد الأم ثديها ناشفاً ولا يوجد فيه شيء, ولكن ما أن يضع الطفل الصغير فمه على هذا الثدي ويمصه حتى تحن عليه الأم وتشفق عليه وترحمه، ثم يترجم هذا الحنان وهذه الشفقة في لبن من أحسن هيئة وأحسن كيفية لا حار ولا بارد، ولا حلو ولا حامض, من أخرجه من بين الدم والعروق؟ إنه الله الذي لا إله إلا هو.
ولقد قال العلماء والأطباء: إن أفضل لبن يتغذى به الطفل هو لبن الأم؛ لأن الله خلقه وجعله دواءً له, وعدول الأم عن إرضاع ولدها من ثديها إلى الحليب الصناعي خطأ, ويترتب على ذلك مشاكل كثيرة تعاني منها الأم نفسها؛ لأن بعض الأمهات تقول: أنا لا أريد أن أرضع ابني أو ابنتي, لماذا؟ قالت: أريد أن أحافظ على رشاقتي, تريد أن تبقى رشيقة دائماً, ولكن أثبت الطب الحديث أن عدم إرضاع الطفل يسبب للمرأة أمراضاً منها سرطان الثدي، فسرطان الثدي عبارة عن خلل في نمو الخلايا الموجودة في الثدي، ويترتب عليه انتشار غير حميد يسمونه بالانتشار الخبيث، ثم يؤدي إلى استئصال الثدي كله بسبب عدم إرضاع الأم ولدها من ثديها.
أيضاً رابطة الحنان والحب والرحمة والشفقة بين الأم والابن تنعدم بسبب الإرضاع عن طريق الحليب الصناعي؛ لأنها إذا أرضعته وحنت عليه وضمته إلى صدرها وربته يمتلئ قلبها رحمة وحباً وتعلقاً به, وهو أيضاً يبادلها نفس هذه المشاعر وينعكس هذا على بره بها إذا كبر, فيصبح باراً لها قائماً بواجبه نحوها لماذا؟ لأنه يرد لها شيئاً من الجميل, ولكن من أول ما جاء المولود تركته وجعلته يرضع من الحليب الصناعي؛ ولذا تجد بعض الأولاد لا يحس أن أمه أمه, ولا يحن إليها ولا يرحمها ولا يحبها وهي أيضاً لا تحبه لهذا السبب, فلا بد أن ترضع الأم ابنها.
стр. 2411
نداء للشباب قبل الزواج
الله ﵎ أمر بتهيئة هذا المولود وإعداده قبل الزواج ليقوم بالرسالة التي خلقه الله لها وهي العبادة, فيوصي رسول الله ﷺ المسلم إذا أراد أن يتزوج أن يكون له هدف في الزواج: وهو أن يبحث عن ذات الدين يقول ﵊ والحديث في البخاري: (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها, فاظفر بذات الدين تربت يداك) وهذه دعوة من النبي ﷺ على من لم يوفق في ذات الدين, كأنه امتلأت يداه بالتراب, يعني: إذا لم يكن عنده ذات الدين، فليس عنده زوجة ما عنده إلا تراب، صحيح أن الإنسان يود أن تكون امرأته ذات دين ومعها شيء من الجوانب الأخرى هذا مطلوب مثل: أن تكون جميلة، وذات مال, وذات حسب ونسب, لكن أهم شيء أن تكون ذات دين، فإن حصلت على ذات الدين فقد جاءتك البركة من كل جانب ولو قصر عليها شيء من الجمال, أو قصر عليها شيء من الحسب, قال تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة:٢٢١] ولو كان ما عندها مال, لكن افرض أنها ذات مال أو ذات جمال أو ذات حسب وليس عندها دين والعياذ بالله فهذه لا خير فيها, مهما بلغت وكانت, إذاً عليك مسئولية وهي أن تتزوج ذات الدين، لكن من الذي يهيئ ذات الدين ويعدها؟ الآباء, ولهذا مسئولية إعداد البنات مسئولية الوالدين عندما يقول الشرع للشاب: لا تتزوج إلا ذات الدين.
стр. 2412
مسئولية الوالدين في تربية البنات
أيها الآباء! ربوا بناتكم تربية دينية من أجل يتزوج بها صاحب الدين, لكن من أين يتزوج صاحب الدين إذا كانت البنات فاسدات؟! قد يضطر أن يتزوج بالفاسدة، وبالتالي تقوم الأسرة على أساس فاسد, ويأتي نسل وجيل فاسد تفسد معه الحياة, لكن الإسلام يقول لمن أراد الزواج: تزوج ذات الدين، ومعنى هذا: أيها الأب! رب ابنتك على الدين, وأنشئها نشأة إسلامية, وأيتها الأم ربي ابنتكِ على الصلاح والتقوى، فالدور الرئيسي في التربية للأم، فإذا كانت الأم صالحة كان الأبناء صالحين, وإذا كانت الأم فاسدة فالأبناء فاسدون, فالأم التي تكذب يكون أولادها كذابين, والأم التي لا تصلي فأولادها لا يصلون, والأم الخائنة يكون أولادها خونة, والأم الزانية يكن بناتها زانيات، لماذا؟ لأنهم يتخلقون بأخلاقها, من أين جاءنا خالد وعمار وصهيب؟ من أين جاءنا الأبطال؟ إلا من الأمهات الصالحات, ومن أين جاءنا الخنافس والحشرات الذين ملئوا الدنيا بالفساد إلا من الأمهات الفاسدات.
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق
والرسول ﷺ لما قال: (فاظفر بذات الدين) حث على الدين بشكل أكبر لماذا؟ لأن دينها لها ولك ولأولادها.
إذاً مسئولية إعداد البنت مسئولية مشتركة بين الأب والأم, فالذي يربي بناته على الفسق والمعاصي يتسبب في إيجاد أمهات فاسدات وجيل فاسد، وعليه إثمه بين يدي الله, بل بعض الآباء الآن يضع لوحة فوق البيت ويقول للناس: لا تقربوا مني فبناتي لا يصلحن لكم -هذا لسان حاله- فالذي يركب (الدش) فوق بيته, هذا كأنه يرسل برقية ورسالة إلى الأزواج بفساد هذه الأسرة فإذا أراد أن يتزوج سأل: كيف بناته؟ قالوا: والله فوق بيته (دش)، قال: لا أريد بناته, لماذا؟ لأن فوق البيت (دش)، قد علمهم الفساد، فليس من فساد في الأرض إلا وقد أخذوه ودرسوه في الليالي الحمراء والسوداء, فما يأتي أحد يتزوج إلا واحد مثله, أما صاحب الدين فلا يأتيه, فإذا جاء السيئ وأعطيته ابنتك فقد قطعت رحمها, وسوف يريك النجوم في وسط النهار، يعني: سوف ترى منه كل ما تكره، لكن إذا ربيت ابنتك على الدين وحفظتها من مساوئ الأخلاق، وهيئتها بكتاب الله وبسنة رسول الله ﷺ ، ثم اخترت لها صاحب الدين، وأخذها هذا الرجل إن أحبها أكرمها وإن كرهها لم يظلمها, فإذا قامت الخلية الأولى من خلايا المجتمع وهي الأسرة على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ سعدت الحياة.
стр. 2413
من آداب الإسلام في ليلة الزفاف
بعد ذلك إذا تزوج الرجل بذات الدين يعلمه الإسلام آداباً: أول أدب في أول ليلة والتي يسمونها ليلة العمر -ليست القضية قضية شهوة ولا غرائز، لا.
إنما قضية شرع ودين- أنك إذا دخلت عليها في غرفتها أن تضع يدك على ناصيتها وتقول: (اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه, وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه) كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، ثم تصلي لله ركعتين شكراً لله على هذه النعمة, وبعد ذلك إذا أردت أن تأتي أهلك فلا تنس أن تذكر الله قال ﷺ : (ما من مسلم يأتي أهله فيقول: باسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، ثم رزق ولد لم يقربه شيطان) ولذلك ترون بعض الأولاد كالشياطين لربما نسي أبوه أن يسمي تلك الليلة, لذلك تجد الأب نفسه يقول: والله ولدي هذا شيطان.
وتجد ولداً آخراً هادئ طيب صالح مهتدي، لا تأتِ وأنت كالبهيمة ما عندك دين، لا.
أنت لك عقل أنت مسلم، تذكر اسم الله إذا أتيت أهلك، في تلك اللحظات يطغى على الإنسان جانب الشهوة والنزوة فينسى أن يذكر اسم الله, فلا تنس هذا الذكر: باسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا.
وورد في الحديث أن الرجل إذا لم يذكر الله في هذه اللحظات يأتي الشيطان وينعقد على إحليل الرجل -قضيب الرجل- ويجامع المرأة مع الرجل, فيأتي الولد مشترك بينهما والعياذ بالله.
стр. 2414
من السنن النبوية الواردة من حين الولادة إلى بلوغ سن الرشد
بعد أن تلد الأم وليدها، من السنة أن يكون أول صوت يدخل في أذن الولد هو الأذان؛ حتى يطرق سمعه أول كلمة: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر إلخ، بعد ذلك إذا بدأ يتكلم تعوده على كلمة: لا إله إلا الله, قبل (ماما وبابا وجدة) وغيرها من الكلمات فينبغي أن تعوده قول: لا إله إلا الله لا إله إلا الله لا إله إلا الله وتعلمه هذه الكلمة, بعد أن يكمل السادسة من عمره ويبدأ في السابعة تعوده على الصلاة للحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع) اختلف أهل العلم في تحديد وقت هذه السبع الواردة في الحديث هل يكون في بداية السبع، أو إذا انتهت السبع؟ قالوا: لسبع يعني: إذا بدأ, ومن الناس من قال: أنه إذا أكمل السبع, لكن الأولى والأقرب للصحة: أنه إذا بدأ السابعة.
فإذا بدأ في السابعة تقول له: تعال يا ولدي! أنت الآن دخلت السنة السابعة لا بد أن تصلي, الرسول ﷺ أمرنا أن نعلمك كيف تصلي؟ فتأخذ الإناء وتأخذه إلى مكان الوضوء وتريه كيف يتوضأ؟ وتأخذه معك في صلاة الظهر, وتقول له وأنت ذاهب إلى المسجد: يا ولدي! نحن ذاهبون إلى المسجد وهذا بيت الله بيت العظيم بيت الجليل, لا يجوز لأحد أن يجري فيه، ولا يتكلم، ولا يصيح، ولا يعبث بالمصاحف، ولا يلعب، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً, وإنما يجلس بأدب؛ لأن البعض يأخذ ولده إلى المسجد لكن يأخذه من غير تعليم, فيعبث الولد في المسجد، ويمزق المصاحف، ويجري، ويتحول المسجد إلى حديقة أو روضة أطفال, لا.
إذا جئت بالولد فأت به وعلمه, ثم أمسكه بيدك ولا تمش وحدك وتتركه في طرف الصف, صل بجانبه من أجل أن تراقب تصرفاته, وعليك أن تتابع ولدك وتقول: هل صليت يا ولد؟ اسأله باستمرار عن كل صلاة؛ لأن الله يقول: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢] ليس مرة فقط وإنما تابعه بشكل مستمر ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه:١٣٢] الرزق على الله، يقول الله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ [طه:١٣٢] هذه وظيفتك, فكثير من الناس الآن اهتمامه بالرزق فقط, الرزق على الله, ووظيفتك أنت الصلاة, لو أن مسئولاً كبيراً قال لك: تعال هذه المهمة نفذها ومسألة الرزق هذه عليّ لا تهتم, ماذا تقول؟ تقول: حاضر أنا مستعد؛ لأن هذا المسئول متكفل برزقي، فكيف تثق في الناس ولا تثق في ربك؟! الله يقول: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه:١٣٢] رزقك على الله فعليك أن تهتم بالصلاة.
وعند دخوله العشر سنوات، تنتقل من مرحلة الأمر والتعليم إلى مرحلة المتابعة والعقوبة، ليس بالضرب مباشرة, في البداية تتابعه؛ هل صليت يا ولد؟ قال: نعم.
صليت، تسأله: أين صليت؟ قال: في المسجد, من صلّى بكم؟ قال: فلان الفلاني, ماذا قرأ في الركعة الأولى؟ ومن صلّى عن يمينك ويسارك؟ لتعرف هل هو صادق أم كاذب؟ ويعلم أنه متابع, وبعد ذلك إذا رأيت قصوراً فلا مانع من الضرب؛ لأن هذا هو توجيه النبي ﷺ المعلم الأول للإنسانية (واضربوهم عليها لعشر).
بعد ذلك يصل سنه خمسة عشر عاماً ويبلغ عند ذلك سن الرشد, وبلوغ سن الرشد يكون بإحدى ثلاث: إما بالاحتلام، أو بالإنبات -بأن ينبت شعر في العانة- أو ببلوغ الخامسة عشرة سنة, إذا حصلت إحدى هذه العلامات حصل الرشد عنده وأصبح مخاطباً بتكاليف الشرع, ولذلك يلزمك أن تشعره أنه أصبح الآن مسئولاً عن جميع تصرفاته مخاطباً بتكاليف دينه، وأنه الآن مؤاخذ, والبداية كلها كانت عملية تدريب وتعليم فقط, أما الآن لم تعد عملية تدريب بل أصبحت مؤاخذاً, فإذا وقعت في أي خلل فإنك مستحق لعقوبة الله .
стр. 2415
المرحلة الثانية: مرحلة التكليف
تكلمنا عن المرحلة الأولى وهي: عالم الأجنة في الأرحام, والمرحلة الثانية هي: عالم الحياة الدنيا ويبدأ ما بين سن التكليف إلى لحظة الوفاة, والناس يقضون هذه المرحلة منقسمين إلى فريقين:
стр. 2416
حياة المتقين
فريق قطع مراحل حياته متزوداً بكل ما يرضي الرب , ممتثلاً أوامر الله مجتنباً لنواهيه, مصدقاً بأخباره, عاملاً بأمره، منتهياً عن نهيه, يدور مع الكتاب والسنة, يسير حياته على وفق أمر الله, فلا ينظر إلا إلى ما أحل الله, ولا يسمع إلا ما أحل الله, ولا يتكلم إلا بما يرضي الله, ولا يمد يده إلا فيما أحل الله, ولا يطأ بفرجه إلا فيما أباح الله, ولا يسير بقدمه إلا فيما يحبه الله, ولا يُدخل بطنه إلا ما أحله الله, تفكيره في ليله ونهاره كله مع الدين, وليس معنى قولنا: إنه مع الدين أنه لا يعيش في الدنيا، لا.
سيكون تاجراً لكن تاجر صادق بر, سيكون موظف لكن موظفاً أمين صادق, وسيكون كل شيء في الحياة بالدين؛ لأن الدين يصلح دنيا العبد وآخرته، سيترك فقط الخبائث والشرور والآثام والمعاصي, وهكذا يعيش إلى أن تنتهي أيامه.
стр. 2417
حياة الغافلين
فريق آخر قطعوا مراحل حياتهم متزودين بسخط الله, ينتقلون يوماً بعد يوم فيما يسخط الرب, ينظرون بأعينهم إلى ما حرم الله ولا يبالون بالحلال والحرام, يسمعون بآذانهم كل فحش وخنا من غير أن يبالوا أهذا حلال أم حرام؟ يتكلمون بألسنتهم في كل ما يريدون من غير قياس لحلالٍ أو حرامٍ, يطئون بفروجهم في الحلال والحرام, يأكلون في بطونهم الحلال والحرام, يمدون أيديهم إلى الحرام, يسيرون بأقدامهم إلى الحرام, يعيشون وهم يتقلبون في المعاصي والذنوب حتى يموتوا وهم على ذلك, هؤلاء هم كما قال الله: (شر البرية) والفريق الذي ذكرناه آنفاً والأولين هم (خير البرية) يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٦] أي: شر الخليقة, فهم شر مَن خلق الله, أعوذ بالله من هذه العيشة أن تعيش في الدنيا وأنت على الشر والمعاصي.
أما أولئك قال الله عنهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة:٧ - ٨] ثم تنتهي الحياة في الدنيا في المرحلة الثانية.
стр. 2418
عالم البرزخ
المرحلة الثالثة: وتأتي المرحلة الثالثة من الحياة وهي: عالم البرزخ في القبر.
وعالم البرزخ يختلف عن عالم الدنيا كاختلاف عالم الدنيا عن عالم الأرحام, يوضع الناس في قبورهم وينعم أهل الإيمان ويعذب أهل الكفر والفسوق والعصيان, ظاهر القبور تراب وباطنها نعيم أو عذاب, كيف؟ قد يكون ما بين القبرين إلا نصف متر, أحدهما: في روضة من رياض الجنة، والآخر: في حفرة من حفر النار ليس بينهما فاصل إلا شيء يسير، كيف؟ يجيب على هذا السؤال ابن القيم رحمه في كتابه الروح يضرب مثالاً لذلك فيقول: ينام الرجلان على سريرين مختلفين, ويرى الأول رؤيا حسنة، يرى أنه تزوج وأنه دخل بزوجته, وعاش معها ليلة العمر, ويرى الثاني رؤيا سيئة، رأى أن رجلاً اعتدى عليه بسكين وجعل يطعنه في بطنه وفي قلبه وفي جسمه مضت ليلته وهو يُطعن, فعاش طوال الحلم والليل في عيشة سيئة, وفي الصباح جاء شخص وأيقظ الأول وقال له: قم, ولما قام وإذا به ما عنده المرأة, فيتلفت فإذا بالسرير والفراش ما عليه أحد, ماذا سيقول؟ يقول: ليتك ما أيقظتني، لقد كنت في حلم رائع، كنت أتمنى لو مكثت فيه سنة.
وذاك إذا جاء شخص أيقظه: يا فلان قم, أول ما يقوم يقول: الحمد لله وينظر إلى جسمه هل هناك طعن ودم, فإذا به لم ير شيئاً.
ما لك؟ قال: الحمد لله، والله لقد كنت في حلم مزعج، رأيت شخصاً يطعنني بالسكين طوال الليل في قلبي وبطني وفي صدري وفي جنبي, الحمد لله أن هذا حلم وليس بحقيقة.
فهذا تنعم في النوم، وهذا تعذب في النوم، ولكن من التي تنعمت وتعذبت عندهم؟ إنها الروح, تنعمت روح هذا في المنام فانعكس نعيم الروح على الجسد، وشعر الجسد باللذة بالرغم أنه لا توجد امرأة, وذاك تعذبت روحه في المنام بالطعن فتعذب الجسد بالرغم من أنه لا يوجد طعن في الجسد, كذلك الناس في قبورهم، صاحب الإيمان في قبره روحه تنعم, رغم أن جسده أصبح تراباً, لكن يتنعم الجسد عن طريق الروح, وذاك صاحب الكفر تتعذب روحه في قبره ومع أن البدن قد أصبح تراباً, إلا أنه يناله العذاب حتى تقوم القيامة.
وتتم مساءلة للإنسان في قبره في هذه المرحلة عن طريق ملكين من الملائكة هما: منكر ونكير, يسألان الرجل ويقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ومن رحمة الله أن الله كشف لنا الأسئلة وأخبرنا بالامتحان؟ وقال: الأسئلة ثلاثة: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ الجواب سهل: ربي الله, ديني الإسلام, نبيي محمد ﷺ , لكن من الذي يقول هذه الكلمات الثلاث؟ لا يتكلم هناك إلا الصدق ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] يلهمه الله حجته ويقول: ربي الله, وديني الإسلام, ونبيي محمد ﷺ -اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة- يا أخي! ما أعظم أن يثبتك الله وتقول هذه الكلمات.
جاء في حديث البراء بن عازب -في مسند أحمد وفي سنن أبي داود والحديث صحيح- مرفوعاً قال: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبالاً على الآخرة، نزلت من الجنة ملائكة معها حنوط من الجنة وكفن من الجنة، فيجلسون له مد البصر، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا أيتها الروح الطيبة -كانت في الجسد الطيب- اخرجي إلى روح وريحان وإلى رب غير غضبان, فتخرج روحه وتسيل كما تسيل القطرة من فم السقاء، فلا يدعوها في يده طرفة عين حتى يضعوها في ذلك الحنوط والكفن, ثم يصعدون بها إلى السماء، فتفتح لها أبواب السماء، حتى يوصل بها إلى الرب، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين -أي: احجزوا له مكاناً في عليين أعلى درجات الجنة- وأعيدوا روحه إلى جسده فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى, فتعاد روحه إلى جسده، حتى إنه ليسمع قرع نعال الذين دفنوه ويأتيه الملكان فيقعدانه، ثم بعد ذلك يسألانه ويقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيثبت الله المؤمن ويقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ , فيقولان له: صدقت, وينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي, افرشوا له من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة, فيأتيه من روحها ونعيمها ويقول: رب أقم الساعة، وينام كما ينام العريس) نسأل الله أن يجعلنا وإياكم مثل هؤلاء.
أما الآخر والعياذ بالله قال: (وأما العبد الفاجر إذا كان في انقطاع عن الآخرة وإقبال على الدنيا، نزلت من النار ملائكة معها مسوح من النار، فيجلسون له مد البصر, ويأتيه ملك الموت ويقول: يا أيتها الروح الخبيثة -كانت في الجسد الخبيث- اخرجي إلى سخط من الله وغضب, فتتفرق روحه في جسده، ثم يجذبها كما يجذب السفود من الصوف المبلول, فتخرج ثم لا يدعوها في يده طرفة عين, حتى يأخذوها فيضعوها في تلك المسوح، ثم يصعدون بها إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها -لا يسمح لها بدخول السماء- ثم قرأ رسول الله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠]) إذا دخل البعير من ثقب الإبرة دخل الجنة, وهذا يسمونه التعليق على المستحيل أي: مستحيل أن يدخل الكافر الجنة.
قال: (ثم يقول الله : أعيدوا روحه إلى الأرض، واكتبوا كتابه في سجين، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى, فتعاد روحه ترمى من السماء -يقول الله : ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]- فتعود روحه إلى جسده، ويأتي الملكان ويقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيضله الله ولا يعرف الجواب -قال الله: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]- فيقول: هاه هاه هاه لا أدري, فتقول: كذبت لا دريت ولا تليت, وينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي, ثم يضرب بمطرقة من حديد, ثم يضيق عليه في القبر حتى تختلف أضلاعه، ثم يفتح له باب إلى النار ويقال له: نم كما ينام اللديغ).
هذه فترة البرزخ, ولهذا القبور على صنفين -كما ذكرنا- وعذاب القبور حق، وقد أُمرنا بالاستعاذة من عذاب القبر، ففي الصحيحين أمر النبي ﷺ الصحابة -والأمر موجه إلى الناس والأمة أيضاً- أن يقولوا قبل السلام وبعد الانتهاء من التشهد: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) فمن السنة أن تقول هذا الذكر؛ لأنه أمر به ﷺ .
стр. 2419
عالم يوم القيامة
ثم تأتي بعد ذلك المرحلة الرابعة من هذه الرحلة الطويلة, وهي: عالم يوم القيامة.
стр. 2420
القيامة وتغير معالم الكون المشهود
هذا اليوم يوم عظيم سمي بأسماء كثيرة في القرآن الكريم: يوم القيامة, يوم الآزفة, يوم الزلزلة, الطامة, الصاخة, القارعة, لماذا؟ لأنه يحصل فيه تغيير لمعالم الكون المشهودة التي نراها الآن ويتبدل كل شيء, قال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير:١ - ٢] وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار:١ - ٤] وقال سبحانه: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق:١ - ٣] فكل شيء يتغير, ولا يبقى مكانه, فيحصل للإنسان رهبة وخوف, فالآن لو هبت رياح أو أعاصير أو طغى البحر على البر كيف يكون الناس؟! كيف يكون خوفهم، فكيف إذا رأوا السماوات والأرض تدمر، والشمس تكور، والبحار تسجر؟!! يقول الناظم في هذا المعنى:
مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور
قد كورت شمس النهار وأدنيت حتى على رأس العباد تسير
وإذا الجبال تقلعت بأصولها ورأيتها مثل السحاب تسير
وإذا البحار تأججت نيرانها ورأيتها مثل الحميم تفور
وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت فتقول للأملاك: أين نسير؟
فيقال: سيروا تشهدون فضائحاً وعجائباً قد أحضرت وأمور
وإذا الجنين بأمه متعلق يخشى الحساب وقلبه مذعور
هذا بلا ذنب يخاف لهوله كيف المقيم على الذنوب دهور؟
فمن هول يوم القيامة يكون الولدان شيباً، الولد الصغير يشيب، فكيف أنا وأنت؟ قال : ﴿يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً﴾ [المزمل:١٧] وقال تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ [المزمل:١٨] وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام:٣٠] وقال سبحانه: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٨ - ١٩].
следующие страницы →