← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

حياة المتقين فريق قطع مراحل حياته متزوداً بكل ما يرضي الرب , ممتثلاً أوامر الله مجتنباً لنواهيه, مصدقاً بأخباره, عاملاً بأمره، منتهياً عن نهيه, يدور مع الكتاب والسنة, يسير حياته على وفق أمر الله, فلا ينظر إلا إلى ما أحل الله, ولا يسمع إلا ما أحل الله, ولا يتكلم إلا بما يرضي الله, ولا يمد يده إلا فيما أحل الله, ولا يطأ بفرجه إلا فيما أباح الله, ولا يسير بقدمه إلا فيما يحبه الله, ولا يُدخل بطنه إلا ما أحله الله, تفكيره في ليله ونهاره كله مع الدين, وليس معنى قولنا: إنه مع الدين أنه لا يعيش في الدنيا، لا. سيكون تاجراً لكن تاجر صادق بر, سيكون موظف لكن موظفاً أمين صادق, وسيكون كل شيء في الحياة بالدين؛ لأن الدين يصلح دنيا العبد وآخرته، سيترك فقط الخبائث والشرور والآثام والمعاصي, وهكذا يعيش إلى أن تنتهي أيامه.

стр. 2417

حياة الغافلين فريق آخر قطعوا مراحل حياتهم متزودين بسخط الله, ينتقلون يوماً بعد يوم فيما يسخط الرب, ينظرون بأعينهم إلى ما حرم الله ولا يبالون بالحلال والحرام, يسمعون بآذانهم كل فحش وخنا من غير أن يبالوا أهذا حلال أم حرام؟ يتكلمون بألسنتهم في كل ما يريدون من غير قياس لحلالٍ أو حرامٍ, يطئون بفروجهم في الحلال والحرام, يأكلون في بطونهم الحلال والحرام, يمدون أيديهم إلى الحرام, يسيرون بأقدامهم إلى الحرام, يعيشون وهم يتقلبون في المعاصي والذنوب حتى يموتوا وهم على ذلك, هؤلاء هم كما قال الله: (شر البرية) والفريق الذي ذكرناه آنفاً والأولين هم (خير البرية) يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٦] أي: شر الخليقة, فهم شر مَن خلق الله, أعوذ بالله من هذه العيشة أن تعيش في الدنيا وأنت على الشر والمعاصي. أما أولئك قال الله عنهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة:٧ - ٨] ثم تنتهي الحياة في الدنيا في المرحلة الثانية.

стр. 2418

عالم البرزخ المرحلة الثالثة: وتأتي المرحلة الثالثة من الحياة وهي: عالم البرزخ في القبر. وعالم البرزخ يختلف عن عالم الدنيا كاختلاف عالم الدنيا عن عالم الأرحام, يوضع الناس في قبورهم وينعم أهل الإيمان ويعذب أهل الكفر والفسوق والعصيان, ظاهر القبور تراب وباطنها نعيم أو عذاب, كيف؟ قد يكون ما بين القبرين إلا نصف متر, أحدهما: في روضة من رياض الجنة، والآخر: في حفرة من حفر النار ليس بينهما فاصل إلا شيء يسير، كيف؟ يجيب على هذا السؤال ابن القيم رحمه في كتابه الروح يضرب مثالاً لذلك فيقول: ينام الرجلان على سريرين مختلفين, ويرى الأول رؤيا حسنة، يرى أنه تزوج وأنه دخل بزوجته, وعاش معها ليلة العمر, ويرى الثاني رؤيا سيئة، رأى أن رجلاً اعتدى عليه بسكين وجعل يطعنه في بطنه وفي قلبه وفي جسمه مضت ليلته وهو يُطعن, فعاش طوال الحلم والليل في عيشة سيئة, وفي الصباح جاء شخص وأيقظ الأول وقال له: قم, ولما قام وإذا به ما عنده المرأة, فيتلفت فإذا بالسرير والفراش ما عليه أحد, ماذا سيقول؟ يقول: ليتك ما أيقظتني، لقد كنت في حلم رائع، كنت أتمنى لو مكثت فيه سنة. وذاك إذا جاء شخص أيقظه: يا فلان قم, أول ما يقوم يقول: الحمد لله وينظر إلى جسمه هل هناك طعن ودم, فإذا به لم ير شيئاً. ما لك؟ قال: الحمد لله، والله لقد كنت في حلم مزعج، رأيت شخصاً يطعنني بالسكين طوال الليل في قلبي وبطني وفي صدري وفي جنبي, الحمد لله أن هذا حلم وليس بحقيقة. فهذا تنعم في النوم، وهذا تعذب في النوم، ولكن من التي تنعمت وتعذبت عندهم؟ إنها الروح, تنعمت روح هذا في المنام فانعكس نعيم الروح على الجسد، وشعر الجسد باللذة بالرغم أنه لا توجد امرأة, وذاك تعذبت روحه في المنام بالطعن فتعذب الجسد بالرغم من أنه لا يوجد طعن في الجسد, كذلك الناس في قبورهم، صاحب الإيمان في قبره روحه تنعم, رغم أن جسده أصبح تراباً, لكن يتنعم الجسد عن طريق الروح, وذاك صاحب الكفر تتعذب روحه في قبره ومع أن البدن قد أصبح تراباً, إلا أنه يناله العذاب حتى تقوم القيامة. وتتم مساءلة للإنسان في قبره في هذه المرحلة عن طريق ملكين من الملائكة هما: منكر ونكير, يسألان الرجل ويقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ومن رحمة الله أن الله كشف لنا الأسئلة وأخبرنا بالامتحان؟ وقال: الأسئلة ثلاثة: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ الجواب سهل: ربي الله, ديني الإسلام, نبيي محمد ﷺ , لكن من الذي يقول هذه الكلمات الثلاث؟ لا يتكلم هناك إلا الصدق ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] يلهمه الله حجته ويقول: ربي الله, وديني الإسلام, ونبيي محمد ﷺ -اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة- يا أخي! ما أعظم أن يثبتك الله وتقول هذه الكلمات. جاء في حديث البراء بن عازب -في مسند أحمد وفي سنن أبي داود والحديث صحيح- مرفوعاً قال: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبالاً على الآخرة، نزلت من الجنة ملائكة معها حنوط من الجنة وكفن من الجنة، فيجلسون له مد البصر، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا أيتها الروح الطيبة -كانت في الجسد الطيب- اخرجي إلى روح وريحان وإلى رب غير غضبان, فتخرج روحه وتسيل كما تسيل القطرة من فم السقاء، فلا يدعوها في يده طرفة عين حتى يضعوها في ذلك الحنوط والكفن, ثم يصعدون بها إلى السماء، فتفتح لها أبواب السماء، حتى يوصل بها إلى الرب، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين -أي: احجزوا له مكاناً في عليين أعلى درجات الجنة- وأعيدوا روحه إلى جسده فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى, فتعاد روحه إلى جسده، حتى إنه ليسمع قرع نعال الذين دفنوه ويأتيه الملكان فيقعدانه، ثم بعد ذلك يسألانه ويقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيثبت الله المؤمن ويقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ , فيقولان له: صدقت, وينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي, افرشوا له من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة, فيأتيه من روحها ونعيمها ويقول: رب أقم الساعة، وينام كما ينام العريس) نسأل الله أن يجعلنا وإياكم مثل هؤلاء. أما الآخر والعياذ بالله قال: (وأما العبد الفاجر إذا كان في انقطاع عن الآخرة وإقبال على الدنيا، نزلت من النار ملائكة معها مسوح من النار، فيجلسون له مد البصر, ويأتيه ملك الموت ويقول: يا أيتها الروح الخبيثة -كانت في الجسد الخبيث- اخرجي إلى سخط من الله وغضب, فتتفرق روحه في جسده، ثم يجذبها كما يجذب السفود من الصوف المبلول, فتخرج ثم لا يدعوها في يده طرفة عين, حتى يأخذوها فيضعوها في تلك المسوح، ثم يصعدون بها إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها -لا يسمح لها بدخول السماء- ثم قرأ رسول الله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠]) إذا دخل البعير من ثقب الإبرة دخل الجنة, وهذا يسمونه التعليق على المستحيل أي: مستحيل أن يدخل الكافر الجنة. قال: (ثم يقول الله : أعيدوا روحه إلى الأرض، واكتبوا كتابه في سجين، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى, فتعاد روحه ترمى من السماء -يقول الله : ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١]- فتعود روحه إلى جسده، ويأتي الملكان ويقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيضله الله ولا يعرف الجواب -قال الله: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]- فيقول: هاه هاه هاه لا أدري, فتقول: كذبت لا دريت ولا تليت, وينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي, ثم يضرب بمطرقة من حديد, ثم يضيق عليه في القبر حتى تختلف أضلاعه، ثم يفتح له باب إلى النار ويقال له: نم كما ينام اللديغ). هذه فترة البرزخ, ولهذا القبور على صنفين -كما ذكرنا- وعذاب القبور حق، وقد أُمرنا بالاستعاذة من عذاب القبر، ففي الصحيحين أمر النبي ﷺ الصحابة -والأمر موجه إلى الناس والأمة أيضاً- أن يقولوا قبل السلام وبعد الانتهاء من التشهد: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) فمن السنة أن تقول هذا الذكر؛ لأنه أمر به ﷺ .

стр. 2419

عالم يوم القيامة ثم تأتي بعد ذلك المرحلة الرابعة من هذه الرحلة الطويلة, وهي: عالم يوم القيامة.

стр. 2420

القيامة وتغير معالم الكون المشهود هذا اليوم يوم عظيم سمي بأسماء كثيرة في القرآن الكريم: يوم القيامة, يوم الآزفة, يوم الزلزلة, الطامة, الصاخة, القارعة, لماذا؟ لأنه يحصل فيه تغيير لمعالم الكون المشهودة التي نراها الآن ويتبدل كل شيء, قال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير:١ - ٢] وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار:١ - ٤] وقال سبحانه: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق:١ - ٣] فكل شيء يتغير, ولا يبقى مكانه, فيحصل للإنسان رهبة وخوف, فالآن لو هبت رياح أو أعاصير أو طغى البحر على البر كيف يكون الناس؟! كيف يكون خوفهم، فكيف إذا رأوا السماوات والأرض تدمر، والشمس تكور، والبحار تسجر؟!! يقول الناظم في هذا المعنى: مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور قد كورت شمس النهار وأدنيت حتى على رأس العباد تسير وإذا الجبال تقلعت بأصولها ورأيتها مثل السحاب تسير وإذا البحار تأججت نيرانها ورأيتها مثل الحميم تفور وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت فتقول للأملاك: أين نسير؟ فيقال: سيروا تشهدون فضائحاً وعجائباً قد أحضرت وأمور وإذا الجنين بأمه متعلق يخشى الحساب وقلبه مذعور هذا بلا ذنب يخاف لهوله كيف المقيم على الذنوب دهور؟ فمن هول يوم القيامة يكون الولدان شيباً، الولد الصغير يشيب، فكيف أنا وأنت؟ قال : ﴿يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً﴾ [المزمل:١٧] وقال تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ [المزمل:١٨] وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام:٣٠] وقال سبحانه: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٨ - ١٩].

стр. 2421

نشر الصحف في ذلك اليوم الرهيب يحصل للناس أهوال عظام وأمور جسام, أول تلك الأمور تطاير الصحف، تطير كتب الناس في السماء، ويؤمر كل واحد أن يأخذ كتابه, فآخذ باليمين وآخذ بالشمال, يأتي الشخص فيأخذ الكتاب باليمين إن كان من أهل اليمين -جعلنا الله وإياكم منهم- ونظر فيه رأى الحسنات كلها؛ لأن السيئات يغفرها الله للمؤمن, فإذا رآه قال: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] يقول: انظروا شهادتي! مثل الطالب الذي يأتي بالشهادة وهي مملوءة بالعلامات الكبرى والدرجات الممتازة, فيذهب يريها لأبيه ولأمه ويخبر الناس كلهم, بعض الطلاب يقف في الشارع وهو لا يعرف أحداً من الناس, كل من مر يقول له: انظر شهادتي, فيقال له: وما شأني أنا بشهادتك؛ لكن من بالغ فرحته يجب أن يعلم الناس كلهم بخبر نجاحه وإن كانوا لا يعرفونه. لكن البليد الذي شهادته كلها دوائر حمراء وساقط لا يظهرها لأحد, وإذا ذهب إلى البيت وقد أعلنت النتيجة وسأله أبوه أو أمه: أين النتيجة؟ قال: لم تظهر بعد -وهي قد ظهرت- بعد يومين أو ثلاثة أيام, وفي اليوم الثاني يقول: ما طلعت, فيقول أبوه: زملاؤك ظهرت نتائجهم لماذا أنت؟ يقول: ربما ظهرت سوف أذهب استلمها غداً, يريد أن ينزل الخبر بالتقسيط, لكيلا يفاجئ الأب بالخبر, وبعد ذلك لما يدخل البيت يقول: الحمد لله أبشركم, قالوا: خير, قال: سقطت في مادتين فقط, وهي ثمان وليست اثنتين ثم يقول: الأمر يسير وهذه المادتان سوف أنجح فيهما خلال الصيف, ولكن الذي لم ينجح في سنة لا ينجح في شهرين، الفاشل فاشل, والذي همته دنيئة همته دنيئة. كذلك أهل الإيمان إذا نجحوا يوم القيامة ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] لكن لمن يظهرها؟ أتدرون من يسمع بهذا الخبر؟ أهل المحشر كلهم, كل من على أرض المحشر يسمعون خبر نجاحك إذا قلت لهم: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٤]. فالذي لا يأخذ كتابه بيمينه يأخذه بشماله, هو لا يريد أن يأخذ الكتاب بالشمال, فيحاول يأخذ الكتاب باليمين فيضرب على كتفه فتسقط يمينه, فلا تبقى إلا شماله فيأخذ الكتاب بالشمال، فإذا أخذه رأى السيئات؛ فيرى قطع الصلاة والزنا والخمور واللواط والربا وعقوق الوالدين وقطيعة الأرحام والحلف الفاجر والكذب والغيبة والنميمة يرى كل شيء عمله, يقول الله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩] وقال سبحانه: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] ويقول سبحانه: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦] من منكم يذكر ماذا عمل قبل شهر؟ ماذا تغدينا ذلك اليوم؟ لا ندري, من زرنا؟ لا ندري, من زارنا؟ لا ندري, هل صلينا الفجر في المسجد؟ لا ندري, هل عصينا الله في ذلك اليوم؟ لكن الله سبحانه يعلم ذلك كله، (أحصاه الله ونسوه) يقول الله سبحانه: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء:١٣] أي: الكتاب ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤] فعندما يرى الفضائح يخفيها ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٧] فصاحب المال يقول: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨] وصاحب السلطان يقول: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٩] فيقول الله للملائكة: ﴿خُذُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠] فيبتدره سبعون ألف ملك, إذا قال الله: خذوه فلا يقوم ملك واحد وإنما سبعون ألف ملك, الملك الواحد يقوم يأخذ بيده سبعون ألف فيلقيهم في النار من قوته, لكن لتنفيذ الأمر, ماذا يفعلون به؟ ﴿فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠] والغل: هو وضع القيد في اليدين والرجلين والرقبة, ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن:٤١] ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣١] أي: أوصلوه, ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٢] تدخل من فمه وتخرج من دبره, يقول في الحديث: (والذي نفسي بيده لو أن حلقة من هذه السلسلة وضعت على جبال الدنيا لأرفضتها) وهي سبعون ذراعاً، لماذا سبعون ذراعاً؟ لأن حجم الإنسان يومئذٍ كبير ليس بالشكل الذي عليه الآن, فالإنسان الذي في النار والعياذ بالله كما في الحديث الصحيح الذي ذكره السيوطي في الجامع: (أنه يضخم الإنسان حتى يكون مقعده في جهنم مثل ما بين مكة والمدينة) المقعد أربعمائة وعشرون كيلو متراً, وضرسه مثل جبل أحد , هذا الضرس الواحد فكيف بالرأس؟! جبل أحد واحد كيلو متر، هذا الضرس, عد اثنين وثلاثين ضرساً يعني: اثنان وثلاثون جبلاً والرأس مثل اثنين وثلاثين جبلاً من مثل جبل أحد تقريباً إذاً كيف الجسم؟! أما حجم الجلد فهو مثل سبعة جلود ما بين الجلد والجلد مسيرة ثلاثة أيام، وكل جلد غلظة مسيرة ثلاثة أيام, تبدل في كل يوم أربعمائة مرة من شدة الاحتراق، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] لماذا تورط نفسك هذه الورطة كلها ولديك طريق للسلامة، طريق سهل ميسور جداً هو عبادة الله سبحانه، في الصحيحين يقول ﵊: (يؤتى بأقل أهل النار عذاباً فيقال له: هل تود أن تفتدي مما أنت فيه بملء الأرض ذهباً, فيقول: نعم ربي, قال الله: قد طلبت منك أهون من ذلك أن تعبدني ولا تشرك بي شيئاً, وتطيعني ولا تعصيني فرفضت) وإنه ليسير على من يسره الله عليه. ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوه﴾ [الحاقة:٣١ - ٣٢] ما السبب؟ قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة:٣٣].

стр. 2422

وزن الحسنات والسيئات بعد ذلك يأتي الهول الثاني وهو هول الوزن قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] إن الله لا يظلم مثقال ذرة, لا تتوقع أن الله يضع حسناتك في موازين غيرك, أو يضع سيئاتك في موازين غيرك لا, والله إن حسناتك لك وسيئاتك عليك, قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام:١٦٠] وقال سبحانه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٨٩ - ٩٠].

стр. 2423

الحوض وهيئته وبعد الوزن يأتي الحوض, والحوض ماؤه أشد بياضاً من اللبن, نهر أعطاه الله للرسول ﷺ : (أحلى من العسل، وأشد بياضاً من اللبن، وعدد كيزانه -الكئوس- كعدد نجوم السماء, من شرب منه شربة واحدة، لم يظمأ بعدها أبداً) قال العلماء: كيف يشرب في الجنة من أنهار الماء والخمر واللبن وهو لم يظمأ؟ قالوا: يشرب للتنعم ولا يشرب من العطش؛ لأن العطش انقطع عند الحوض, وإنما تشرب هناك من أجل الراحة والتنعم بما في الجنة من نعيم -نسأل الله للجميع من فضله-.

стр. 2424

الصراط وصفته بعد ذلك يأتي الصراط: وهو جسر ممدود على متن جهنم, دحض مزلة -أي: يسقط- أدق من الشعر, وأحد من السيف, وأحر من الجمر, وليس هناك طريق إلى الجنة إلا منه, ووسائل المشي عليه هو العمل, يقول ﷺ : (منكم من يمر كالبرق, ومنكم من يمر كلمح البصر, ومنكم من يمر كشد الخيل, ومنكم كأجاويد الركاب -أي: الإبل- ومنكم كشد الرجل الذي يجري, ومنكم من يخطو خطوة ويسقط في الثانية, ومن الناس من يخطو خطوة والثانية في جهنم)؛ لأنه ما سار في طريق الله خطوة واحدة, الزم الصراط هنا تمشي هناك, أما من ضيع الصراط هنا فإن قدمه لا تثبت على الصراط هناك، والله تعالى يقول: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣] وقال سبحانه: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٢٦ - ١٢٧].

стр. 2425

الذين يظلهم الله في ظله بعد ذلك تدنو الشمس من الرءوس، حتى يكون ما بين الشمس ورءوس العباد مسافة ميل, قيل: إن الميل: مسافة, وقيل: ميل المكحلة, حتى إن أدمغة الناس تغلي كما يغلي الماء في القدور, والمظلة لا تكون إلا لسبعة أصناف يستظلون بمظلة الرحمن: (إمام عادل, وشاب نشأ في عبادة الله, ورجل معلق قلبه بالمساجد -أي: يلازم الصلاة في المساجد- ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال -أي: إلى الزنا- فقال: إني أخاف الله رب العالمين, ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه, ورجل أنفق نفقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه, ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه) هؤلاء يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

стр. 2426

المرحلة الأخيرة: الجنة أو النار وبعد ذلك أيها الإخوة! ينتهي الفصل بين الناس والحساب والجزاء وينقسم الناس إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير, يساق أهل الجنة إلى الجنة سوق التكريم والتشريف الذي جاء في سورة الزمر يقول الله : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر:٧٣ - ٧٤]. ثم يساق الفريق الثاني -أعوذ بالله وإياكم من ذلك- إلى النار كما قال الله : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر:٧١] من باب التقريع والإهانة والنكاية بهم, كيف دخلتم النار؟! ألم يأتكم كتاب من الله؟! ألم يأتكم رسل يتلون عليكم كتاب الله وينذرونكم هذا اليوم يعلمونكم أن هناك يوم بعث؟! لأن الملائكة لا تتصور أن أحداً يدري بيوم القيامة ولا يعمل لذلك اليوم: ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٧١ - ٧٢].

стр. 2427

نعيم الجنة أيها الإخوة! في الجنة من النعيم ما لا يتصوره العقل, أنت يا أخي في الله! يا أيها المؤمن! الملتزم بدين الله لا تتصور وأنت تترك المعاصي والشهوات أنك خسرت شيئاً، لا والله, والله ما تترك شيئاً من أجل الله إلا عوضك الله في الجنة ما هو أعظم منه, إذا غضضت بصرك عن النساء في الدنيا فتح الله بصرك للنظر إلى وجهه في الدار الآخرة, وأيضاً فتح بصرك للنظر إلى الحوريات في الجنة، اثنتين وسبعين حورية, الواحدة منهن خير من الدنيا وما عليها, إذا حصنت سمعك من سماع الأغاني في الدنيا تسمع يوم القيامة خطاب رب العالمين، يحدثك الله كما يحدث أحدكم الآخر, وتكلم الله ليس بينك وبينه ترجمان, وتسمع أيضاً غناء الحور العين, ورد في الحديث: (أن الله يركب في ورق الجنة مزامير من مزامير آل داود، ثم تهب ريح من تحت العرش يقال لها المثيرة, هذه الريح تمر على تلك المزامير فتعزف بألحان ما سمعت بمثلها الآذان, ثم يغني الحور العين على أنهار وضفاف حضيرة القدس يسبحن الله بكرة وعشياً, فيطرب أهل الجنة طرباً لم يطربوا مثله قبله ولا يطرب أحد مثله) هذه الأيام إذا لم تسمع الأغاني قالوا: أنت معقد, لماذا لا تسمع الأغاني؟ اسمع أغاني ومتع نفسك لكن تذكر الأغاني هناك, أما هؤلاء الذين يسمعون الأغاني التي حرمها الشرع سماهم الرسول ﷺ كلاب أهل النار, جاء عمرو بن قرة إلى النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! ائذن لي في دفي بكفي -أي: ائذن لي بضرب الدف بالكف من أجل الكسب- يقول: ما وجدت كسباً غير هذا؟ قم قاتلك الله، ثم قال لما ولّى: هؤلاء وأمثالهم -أي: هذا المغني وأمثاله- يبعثون يوم القيامة عرايا لا يستترون بهدبة، كلما قاموا صرعوا) فأنت لا تخسر شيئاً ولكن تخسر الشر, والهون، وتكسب الرضا في الدنيا والآخرة, والخلود في جنة عرضها السماوات والأرض (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).

стр. 2428

عذاب النار أما الأشقياء أجارنا الله منهم فيساقون إلى النار, وفي النار أيها الإخوة في الله! ما لا يتصوره العقل، يقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] فيها السلاسل والأغلال, فيها الحيات والعقارب, الفراش نار, والدفاء نار, والطعام زقوم, والشراب حميم, والظلال يحموم, يصيحون في النار صياحاً مرتفعاً يقول الله عنهم: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧] فيقول الله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر:٣٧] لقد عمرناكم في الدنيا وأعطيناكم فرصة للذكرى والعمل ﴿وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧] بعد ذلك يدعون الخزنة -الخزنة: الملائكة المسئولة عن النار- يقول الله حاكياً حال الكفار في النار: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٩] يريدون إجازة ليوم واحد فقط من العذاب, فتقول الملائكة: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٥٠] وبعد أن ينقطع رجاؤهم من الخزنة يرفعون الشكوى إلى خازن النار وهو مالك ويقولون كما قال الله: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ﴾ ماذا قالوا؟ أخرجنا، هم يعلمون أنه ليس هناك خروج لذا يقولون: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ يعني: موتنا، الموت أهون من هذه الحياة ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] يعني: هذا مكانكم المناسب لكم، لماذا؟ قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٨] وبعد ذلك ينقطع رجاؤهم إلا من الله فيرفعون الشكوى إلى الله يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٨] يقول ﵊: (فوالذي نفس محمد بيده ما يتكلم أحدهم ولا ينبس ببنت شفه، وإنما هو الشهيق والزفير) ما عاد في ولا كلمة، فإذا قال الله: (قَالَ اخْسَئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ ما في كلام، لماذا؟ قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١٠] كنتم تضحكون عليهم في الدنيا أما في الآخرة: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١١١]. وبعد أن يستقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، جاء في الحديث: (أنه يؤتى بالموت على هيئة كبش، ثم يوقف بين الجنة والنار، ويدعى أهل الجنة ويقال لهم: هل تعرفون هذا؟ قالوا: هذا هو الموت, ويقال لأهل النار: أتعرفون هذا؟ قالوا: هو الموت, ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت, ويا أهل النار خلود فلا موت) فلا يكون نعيماً على أهل الجنة أعظم من هذا النعيم؛ لأنه طمأنهم على أنهم خالدون في هذه النعمة, ولا يكون عذاباً أشد على أهل النار من هذه الكلمة؛ لأنه قطع أملهم في الخروج من النار -نعوذ بالله جميعاً من عذاب النار-. أخي في الله: أنت تسير وليس لك خيار إلا أن تسير فاسلك الطريق الصحيح, ولا تقل: إن طريق الإيمان والدين فيه مشقة، فهي مشقة تعقبها راحة وسعادة أبدية, ولا تغتر بما في طريق الفسق والمعاصي من اللذات، فإنها لذات مؤقتة تعقبها حسرات وعذاب طويل. وهذا الكلام الذي نقوله أيها الإخوة ليس قصصاً ولا أساطير، وإنما هو حقائق جاءت في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، ولا يسع المسلم العاقل إلا أن يستجيب لداعي الله حينما قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٣]. أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يسلك بنا جميعاً سبيل الأبرار, وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يجنبنا ما يسخطه ويأباه. كما نسأله في هذه الليلة المباركة أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماًَ, وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يبقي فينا ولا معنا ولا منا شقياً ولا محروماً. اللهم احفظ لنا ديننا وأمننا ونعمتنا واستقرارنا. اللهم وفق ولاة أمورنا لما تحبه وترضاه، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 2429

الأسئلة

стр. 2430

تحديد نوعية الجنين ليس من علم الغيب السؤال تقدم الآن الطب ووجد جهاز يعرف نوع الجنين ذكر أم أنثى قبل الولادة؟ الجواب هذا ليس من أمور الغيب، أما بالنسبة لقول الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] هذه المفاتح خمس من ضمنها: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤] فالعلم المذكور هنا ليس علم كونه ذكراً أو أنثى, وإنما العلم به في كل شئونه في حال كونه نطفة, لكن بعد أن تطور من نطفة إلى علقة ثم إلى مضغة ثم أصبح جهازاً كاملاً وله جهاز تناسلي خاص بالذكر، أو جهاز تناسلي خاص بالأنثى، أُمر ملك من الملائكة بنفخ الروح، ونوعه ذكر أو أنثى، وكتابة عمله وأجله وشقي أو سعيد, حينئذ لم يعد العلم عند الله وحده، بل أصبح العلم عند الله وعند الملائكة, وما دام أن الملائكة استطاعت أن تعرف نوعيته أصبح بإمكان الإنسان أيضاً أن يعرف بإمكانيته الحديثة نوع الجنين، وهذا ما حدث الآن عن طريق التصوير التلفزيوني الصوتي, يضعون الجهاز على بطن الأم ويرون في الشاشة نوعية الجنين إذا كان ذكراً أو أنثى طبعاً في مراحل نهائية من الخلق, لكن قبل ذلك لا يستطيعون أن يعرفوا شيئاً، وليس هذا تعارض مع ما ثبت في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ .

стр. 2431

حكم طفل الأنابيب السؤال ما حقيقة طفل الأنابيب وما حكمها الشرعي؟ الجواب المقصود بطفل الأنابيب: أن المرأة التي لا تحمل يكون عندها موانع مرضية من عملية تكُّون النطفة مع البويضة في الأنبوب التي تسمى: قناة فالوب, يأخذون الحيوان المنوي من الرجل، ويأخذون الخلية من امرأته ويضعونها في أنبوب حتى يحصل التلقيح, فإذا اكتمل التلقيح يعيدونها في الرحم وتحمل بها, هذا هو المراد بطفل الأنابيب. حكمها الشرعي: أفتى العلماء بحرمة ذلك. لماذا؟ لأنه من الصعب ضبطها، فقد يوضع حيوان منوي لرجل آخر, قد يكون الرجل نفسه ليس عنده حيوانات منوية، لكن من أجل الربح المادي يأتي إلى الطبيب فيقول الطبيب: نعم نفعل لك بالأنبوب, ويأخذ الحيوان المنوي منه أو من أي إنسان، ما يدري الأب أن هذا حيوانه المنوي نفسه أم لا؟ وقد تكون البويضة ليست من الأم, وبالتالي يصعب السيطرة على الموضوع, فسداً للذريعة وقطعاً لها منعت، وقد أفتى بذلك سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ـ والشيخ ابن عثيمين، والشيخ أبو بكر الجزائري , وقد اطلعت أنا على دراسة أعدها أحد الدكاترة في هذا الموضوع، فمن الصعب جداً ضبط هذه القضية، وبعض الأطباء يحاول أن يظهر هذا الموضوع حتى ولم يكن يفعل ذلك لماذا؟ من أجل سبق طبي، أو ربح مادي، أو شهرة وغير ذلك، حتى ولو لم يكن الموضوع صحيحاً.

стр. 2432

درجة حديث: (لا يتمنين أحدكم الموت) السؤال ما صحة حديث: (لا يتمنين أحدكم الموت ولكن ليقل: اللهم إن كانت الحياة خيراً لنا)؟ الجواب هذا الحديث صحيح عن النبي ﷺ , وفيه توجيه للأمة أنه إذا نزل بك مرض أو نزلت بك مصيبة أو نزل بك شيء ما ألا تقول: اللهم إني أسألك الموت, لا تدري، فلعلك تسأل الموت وتدخل النار بهذا الموت, ولكن قل: (اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي, وأمتني إذا كانت الوفاة خيراً لي).

стр. 2433

الفرق بين امتحان الدنيا والآخرة السؤال يا شيخ: نرجو منك أن تدعو لنا في الاختبارات؟ الجواب جزاك الله خيراً على اهتمامك بالامتحانات, لكن يجب أن تكون اهتماماتك بالامتحانات الكبرى التي هي أعظم من امتحانات الدنيا, نرى الناس لما آمنوا بامتحانات الدنيا أصبحوا جادين فيها، المرأة والرجل والبنت والولد وكل الناس مهتمون ليتنا نهتم بالآخرة كما نهتم لامتحانات الدنيا. ثم ما نسبة امتحانات الدنيا إلى امتحانات الآخرة؟ امتحانات الدنيا في بعض فصول الكتب, أما امتحان الآخرة ففي كتاب ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩]. امتحان الدنيا زمنه ساعة ونصف أو ساعتين أو ثلاث ساعات بالطويل, أما امتحان الآخرة ففي يوم كان مقداره خمسين ألف سنة, وأنت واقف للحساب. امتحان الدنيا يشرف عليه ثلة من البشر يرحمون ويخطئون ويصيبون ويغفلون, لكن امتحان الآخرة يشرف عليه ﴿مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. رئيس اللجنة في الدنيا بشر, لكن الذي يسأل الناس يوم القيامة رب البشر لا تخفى عليه خافية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨]. ونتيجة امتحان الدنيا نجاح من سنة إلى سنة, أو من مرحلة إلى مرحلة، وإذا لم تنجح فهناك دور ثاني, وإذا ما نجحت في الدور الثاني هناك سنة أخرى, وإذا ما نجحت في السنة الثانية فاترك الدراسة فهناك سبعون مهنة وشغلة, لكن امتحان الآخرة نتيجته واحدة إما الجنة وإما النار, ولا يوجد دور ثاني ولا فرصة ثانية قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. فليكن تركيزك على امتحان الآخرة، ولا مانع من امتحانات الدنيا والتركيز فيها حتى تنجح. وأسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يوفق جميع الطلاب للنجاح في الدنيا وفي الآخرة. كما أوصيهم بالابتعاد عن الغش, انتبه (من غشنا فليس منا) طبعاً كل الكلام الذي نقوله للرجال هو موجه للنساء؛ لأن (النساء شقائق الرجال) لا يغش الطالب ولا تغش الطالبة, ولو غفل المراقب فإن الله يراقبك من فوق سبع سماوات, هذه معلومات أعطيت لك من أجل أن تدرسها أيها الطالب وتختبر فيها وتنجح, ولكن إذا ما درستها وأخذتها في ورقة ودخلت تنقلها وأخذت شهادة زور وكذب, فلا يصلح هذا (من غشنا فليس منا) ويقع الغشاش في لعنة الله ورسوله -والعياذ بالله-.

стр. 2434

حكم موتى أطفال المسلمين والكفار في الآخرة السؤال من مات في سن الطفولة هل يدخل الجنة؟ الجواب نعم. أبناء المؤمنين وأبناء المسلمين يدخلون الجنة بإذن الله. أما أبناء الكفار فلأهل العلم كلام طويل, ومن ضمن أقوال أهل العلم: أنهم يدخلون الجنة، وبعضهم قال: يكونون خدماً لأهل الجنة, وبعضهم قال: إنهم يبلغون سن التكليف يوم القيامة ويرسل لهم الرسول ويبلغون بالرسالة يوم القيامة فتقام عليهم الحجة يوم القيامة مع أهل الفترة، ومع من لم تبلغهم الدعوة, هناك أناس عاشوا في فترات ما بين الرسل أي: بعد أن تنتهي دعوة الرسول, والفترة الثانية في رسالة أخرى، هناك أناس عاشوا ما بلغتهم الدعوة, الله لا يدخلهم النار إلا بعد قيام الحجة, وهناك أناس يعيشون في الأرض ما بلغتهم الدعوة, مثل من يعيش في أدغال أفريقيا أو في صحراء، ما بلغه دين وما عرف الله وما عرف الرسول ولا عرف الإسلام, هذا لا يدخل النار؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء:١٥] وقال في آية أخرى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] فمن لم تقم عليه الحجة فالله لا يدخله النار حتى يقيم عليه الحجة؛ لأن الله عدل, والله منزه عن الظلم ﵎.

стр. 2435

الفرق بين تحديد النسل وتنظيم النسل وحكمهما السؤال كيف نرد على من يقول: يجب تحديد النسل بعدد معين من الأبناء؟ الجواب دعوة تحديد النسل أو منع النسل دعوة خبيثة موجهة من أعداء الإسلام, ومركز بها على المسلمين؛ لأنهم يرون كثرة المسلمين شيء مخيف بالنسبة لهم, فيخوفونهم بالرزق ويقولون: إن بعد سنة ألفين ستقع كارثة ويموت الناس, وهذا كلام لا أساس له من الصحة، فالذي خلق الناس هو الذي يرزقهم؛ لأن الماء من السماء, والأرض هي التي تنبت, والله هو الذي ينزل الغيث والله يقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود:٦] لكنها دعوة تحمل هذا التغليف، وهي في حقيقتها دعوى لإضعاف المسلمين وإلى تقليل نسلهم, فلا يجوز تحديد النسل ولا منعه. أما تنظيم النسل، ما هو تنظيم النسل؟ يعني: بدل أن تحمل زوجتك كل سنة, تجعلها تحمل سنة وتجلس سنتين أو ثلاث سنوات من أجل يقوم الولد ويمشي، هذا ليس فيه مانع, لماذا؟ لأنه ليس منعاً وإنما هو تأجيل أو تنظيم، ودليله: حديث جابر في مسلم قال: (كنا نعزل والقرآن ينزل) والعزل: هو القذف خارج الرحم, وهو نوع من تنظيم النسل لكن نوع بدائي, فإذا أراد الإنسان ألا تحمل امرأته في فترة معينة من الفترات على أساس أن يكبر أطفالها؛ لأن بعض النساء تعاني؛ لأنها في كل سنة تحمل, ما إن تضع حتى تحمل, ويأتي هذا بعد ذاك حتى يصيروا ستة أو سبعة أطفال فالبعض محتاج إلى رضاعة كاملة، والبعض الآخر محتاج إلى رعاية وعناية، فتنظيم النسل يسهم في حل هذه المشكلة.

стр. 2436

مسألة تعلق الروح بالجسد السؤال هل تخرج الروح عند النوم، أم أنها تبقى في الأرض؟ الجواب الروح لها تعلق بالجسد في حالتين: حالة النوم وحالة اليقظة, تتعلق الروح تعلقاً كاملاً حالة اليقظة, وتعلق جزئي في حالة النوم, ولهذا الله يقول: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ [الزمر:٤٢] بمعنى أن الأخرى التي لا زالت حية أنها خرجت لكن قريبة, ولذلك ترون النائم إذا نام وجئت بعطر عند أنفه هل يشمه وهو نائم؟ لا. افتح عينه وضع منظراً أو صورة هل يراها؟ وتكلم عند أذنه بصوت خفيف هل يسمع؟ لا. رغم أن السمع موجود والبصر موجود والأنف موجود, لكن الذي يشم ويبصر ويسمع هي الروح, والروح غير موجودة ولذلك عندما تتكلم بجانبه لا يسمعك, إذا أردت أن يسمع أيقظه: فلان قم قم فإذا استيقظ أعطه الريح الطيب تجد أنه يميز هذه الرائحة الطيبة، أعطه الصورة تجد أنه يميز هذه الصورة أو هذا المنظر, وتجد أنه يسمع كلامك, من الذي سمع الروح أين كانت الروح؟ كانت قريبة عنده, لماذا قريبة؟ من أجل تعود, فلماذا تخرج؟ من أجل يرقد, إذا لم ينام لم يجد الراحة. جاء شخص من العمل تعبان يريد أن ينام محطم من الشغل, تمدد على السرير فإذا قلت له: ما بك؟ قال: والله أريد أن أرتاح أريد أن أنام, فإذا قلت له: ما عندي مانع، ما الذي يرتاح فيك؟ قال: جسمي عضلاتي أريد أن أتمدد, تمدد وارتاح عشرين ساعة ليس عشر ساعات لكن لا تنام, وكلما أغمض عينيه أيقظه, يقول: هلا تركتني لآخذ قسطاً من الراحة، تقول له: أنت مرتاح ماذا فعلت بك؟ أنت متمدد على السرير والمكيف شغال ومرتاح لكن لا تغمض عينك, هل يرتاح؟! لا يرتاح إلى أن ينام, ما معنى النوم؟ خروج الروح, بعد أربع ساعات أيقظه, قال: الحمد لله لا إله إلا الله ما شاء الله, نشيط! لماذا؟ لأن روحه خرجت, ما لم تخرج الروح فلن يشعر بالراحة أبداً. ولهذا الواحد أحياناً يغالب نفسه في أيام المواسم وأيام العمل وأيام الامتحانات, بعض الطلاب لا ينام فإذا دخل صالة الامتحان أتاه النوم, بحث للأفكار والمعاني والأسئلة التي أمامه فلا يراها ينام على الطاولة, ويصاب البعض بالانهيار ولهذا يوصي المدرسون والتربويون أنه لا داعي أن تسهر ليلة الامتحان, ذاكر أول السنة من أجل أن تنجح إن شاء الله. أكتفي بهذا والله أعلم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛؛؛

стр. 2437

إن الله مع الصابرين الصبر خلق قويم وأساس مهم، لا يصل الإنسان إلى مراده، ولا يتجاوز الأخطاء إلا به. وعندما تستحكم الأزمات، وتتعقد الأحوال، وتتوالى المحن ويطول ليلها، يقوم الصبر بدوره الجميل في تثبيت النفس وإحياء آمالها. ولم يؤت الأولون والآخرون شيئاً خيراً من الصبر، فعلى المسلم احتساب أجر الصبر على هذه الحياة بجميع ما فيها من منغصات.

стр. 2438

الصبر من أرفع الأخلاق وأعظمها الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا اليوم هو يوم السبت الموافق (١٣/محرم/١٤١١هـ) وفي مسجد أبي بكر الصديق بمدينة أبها يلقى هذا الدرس. والإنسان وهو يعبر رحلة الحياة، يحتاج إلى تربية وتهذيبٍ وتأديب، حتى يتجاوز عقباتها، وينجو من مخاطرها وآفاتها، ويصل إلى ساحل النجاة. وحين يسير الإنسان في خط عشوائي من غير دليل يدله، ولا هادٍ يهديه، يقع ضحية التضليل، ويسقط في مهاوي الردى، ولا يصل إلى النجاة لا في الدنيا ولا في الآخرة. أما حين يهتدي الإنسان بهدى الله، ويسير على منهج الله، ويتأدب بالآداب التي جاءت في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ ؛ فإنه يعبر الحياة ويتجاوزها بسلامٍ وأمان، ويصل إلى ساحة النجاة وساحلها في دار الخلد والجزاء، نسأل الله جميعاً من فضله. وهناك آداب جاء الإسلام ليربي الإنسان عليها، ويرتقي إلى قمتها، وإلى أعلى درجات الفضائل، فيها أدب عظيم، يغفل عنه الناس، وهو أساس مهم وخلقٌ قويم لا يصل الإنسان إلى مراده، ولا يتجاوز الأخطار إلا به، والناس في غفلةٍ عنه إلا من رحم الله، وهذا الخلق: هو الصبر. وعنوان الدرس (إن الله مع الصابرين) ويكفيك شرفاً أن يكون الله معك، إذا كان الله معك فما يضرك؟! من الذي يكيدك في الدنيا والله معك؟! ومن الذي ينفعك إذا الله ضرك؟! ومن الذي يضرك إذا الله نفعك؟! ومن الذي يمنعك إذا الله أرادك؟! ومن الذي يريدك إذا الله منعك؟! ومن الذي يحييك إذا الله أماتك؟! ومن الذي يميتك إذا الله أحياك؟! ماذا بأيدي الناس أيها الإخوة؟! الرزق الحياة الموت الصحة المرض الإعطاء المنع كل شيءٍ بيد الله. فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب إذا وجدت الله وجدت كل شيء، وإذا فاتك الله فاتك كل شيء، ويكفيك يا صابر أن الله مع الصابرين. فليرض عني الناس أو فليسخطوا أنا لم أعد أسعى لغير رضاك ذقت الهوى مراً ولم أذق الهوى يا رب حلواً قبل أن أهواك دنياك غرتني وعفوك غرني ما حيلتي في هذه أو ذاك إذا وجدت الله وكان الله معك فلن تضرك الدنيا كلها، يقول الله في الحديث القدسي: (وعزتي وجلالي ما اعتصم عبد من عبادي بي فكادته السماوات والأرض إلا جعلت له منها مخرجاً، وعزتي وجلالي ما اعتصم عبد من عبادي بمخلوق دوني إلا أسخت الأرض من تحت قدميه، وقطعت عنه أسباب السماء، ثم لم أبالِ في أي أودية الدنيا هلك) ماذا ينفعك يا أخي! إذا تخلى الله عنك؟! فيجب أن يكون تركيزك واهتمامك على أن يكون الله معك وأعظم حالة تداوم عليها ويكون الله معك فيها: أن تكون من الصابرين. لأنه عندما تستحكم الأزمات وتتعقد الحبال وتتوالى المحن ويطول ليلها، يقوم الصبر بدوره الجميل الجليل في تثبيت النفس، وفي إحياء آمالها، ولذا نادى الله عباده المؤمنين بالنداء الأزلي الحبيب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣] والمعنى: يا من آمنتم بالله! لأن لفظة (يا أيها الذين آمنوا) فيها إشعال للقلوب، وفيها إلهاب للعواطف، أنتم مؤمنون فلماذا لا تستجيبون؟! ولهذا إذا سمعت: (يا أيها الذين آمنوا) فافتح نظرك وارع سمعك واعلم ماذا يريد الله منك؟ يا من آمنتم بالله: استعينوا على إقامة دين الله بفعل الطاعات وترك المعاصي، والصبر على أقدار الله المؤلمة، بماذا؟ استعينوا على ذلك بالصبر الجميل، والصلاة المصحوبة بالخشوع والطمأنينة والإخلاص.

стр. 2439

ضرورة الصبر إن الصبر ضرورة، إذ لا يمكن أن يعيش الإنسان بغير صبر، إذاً فهو ضرورة لازمةٌ للإنسان، فمن صبر ظفر، فلولا الصبر ما حصد الزارع زرعه، أليس كذلك؟ فالمزارع عندما يضع الحب يلزمه أن يصبر أربعة أشهر، يصبر وهو يحرث، ويصبر وهو يبذر، ويصبر وهو يسقي، ويصبر وهو يحمي، ويصبر وهو يحصد، ويصبر وهو يدوس، ويصبر وهو يكيل، ويصبر وهو يخبز، ثم يأكل، متى جاء الأكل؟ جاء بعد مراحل متعددة، لكن لو لم يصبر، وقال: لا والله لا أتعب، أظل أحرث وأضع الحب وأنتظر أربعة أشهر؟! لا والله بل نتركها، ماذا يحصل له؟ هل سيجد حباً؟ لا. فلولا الصبر ما حصد زارعٌ ثمراً، وما جنى غارسٌ جنياً، عندما تفكر بعين العقل وتقول: أنا الآن سأغرس شجرة وعمري أربعين سنة، الشجرة هذه عمرها عشر سنوات، متى أحصد منها؟! لا تفكر في ذلك، بل اغرسها وتوكل على الله. مر رجلٌ على غارس شجرٍ وعمره أكثر من السبعين سنة، فقال له: كيف تغرس هذه وأنت ستموت قريباً؟ قال: نغرس ليأكل أبناؤنا؛ لأن آباءنا غرسوا قبلنا فأكلنا. وهكذا لا بد من الصبر، ولولا الصبر ما جنى غارسٌ ثمراً، ولولا الصبر أيضاً ما حصل طالبٌ على شهادة، يمر الطالب أثناء العام الدراسي بمراحل مريرة من المعاناة والتعب، ويصبر على ألم قيام الصبح وهو يقوم الساعة السادسة والنصف، في البرد القارس، ومع كثرة النوم يذهب إلى المدرسة، وكأنه يمشي على وجهه، لكنه يصبر، ويدخل على المقعد البارد أمام المدرس الجافي أو المدير الغليظ الشديد، وأمام المناهج المعقدة التي كأنها حيات وعقارب يراها، لكنه يغصب نفسه ويصبر، ولو أنه قعد ونام إلى الساعة العاشرة كل يوم، هل سيأخذ شهادة ويحقق مرتبة ومنصباً؟ لا. لكن بالصبر حصل ذلك، فما يحصل الطالب على الشهادة إلا بالصبر، ولا يحصل الموظف على المنصب أو الرتبة إلا بالصبر، ولا يحصل التاجر على الربح في البضاعة إلا بالصبر، المهم أن كل الناجحين في الدنيا إنما حققوا آمالهم بالصبر، وكل الفاشلين في الدنيا إنما فشلوا بعدم الصبر. انظر وتأمل تجد أن الصبر سبب كل نجاحٍ في الدنيا، وأن عدم الصبر سبب كل فشلٍ فيها، فالفاشل في دراسته لم يصبر، والفاشل في زراعته ما صبر، والفاشل في تجارته ما صبر، والفاشل مع زوجته ما صبر، والفاشل مع أهله وأمه وابيه ما صبر، ولكن بالصبر تنال أعلى الدرجات في الدنيا يقول: إني رأيت وفي الأيام تجربةً للصبر عاقبة محمودة الأثر وقلَّ من جد في أمر يحاوله واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر ما من شخص جد في طلب شيء واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر، يخبرني رجل قال: كنت أعمل جندياً، حارساً في محكمة، وكان الكتَّاب والموظفون وبعض القضاة يرسلونني لأحضر لهم الفطور، فأحضر لهم الخبز في الصباح، إنه عمل متعب ومضني، فشعرت بذلة في نفسي، فطلبت العلم ليلاً وحصلت على الشهادة الابتدائية، ثم دخلت المعهد العلمي، وكان راتبي آنذاك وأنا في الجندية (١٥٠)، وفي المعهد العلمي (٢١٠)، وتركت الجندية والتحقت بالمعهد، وحَصَلْتُ على شهادة الثانوية العامة، ثم دخلت كلية الشريعة وحصلت على الشهادة، ثم أخذت الماجستير، ثم أخذت الدكتوراه، وإذا بهؤلاء كلهم يتوسطون بي. فهذا الرجل لو بقي جندياً إلى أن يموت فسيلعق آلام الذلة طوال حياته، لكن عندما صبر على التعلم ومعاناته حقق له مستقبلاً طيباً، وهكذا -أيها الإخوة- لا بد من الصبر، وإذا كان هذا في أمر الدنيا فكيف لا يكون مهماً في أمر الآخرة. إذا كانت الدنيا الدنيئة التافهة التي لا تزن عند الله جناح بعوضة، وهي بالنسبة لما خلق الله في هذا الكون شيء بسيط، ومع ذلك لا تحصل المقصودات ولا تنال المطالب فيها إلا بالصبر، فإنه لا يمكن أن تنال الآخرة العالية والجنة الرفيعة، بحورها وقصورها ونعيمها، وما أعد الله فيها، لا يمكن أن تنال إلا بالصبر. وليس كصبر الدنيا، ليس كصبر الطالب على الدراسة، ولا كصبر التاجر على التجارة، ولا كصبر الزارع على الزراعة، لا. إنه صبرٌ من نوعٍ آخر، إنه صبرٌ من الصبر، وهو مشتق من الصَّبِر الذي له مرارة متناهية. - والصبر: هو حبس النفس على الشدة والضيق وما تعانيه مع الألم والمعاناة، وهو صبرٌ وتصبرٌ واصطبار، أوله الصبر ثم التصبر ثم الاصطبار، وهو صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن معصية الله، وصبرٌ على أقدار الله المؤلمة. لا شك أن طالب الدنيا لا بد له من الصبر، وكذلك طالب الآخرة لا بد له من الصبر، وقد حمل الأمانة التي ناءت بحملها السماوات والأرض والجبال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] الله أكبر! (وأشفقن منها) أشفقت السماوات والأرضين والجبال، وجئت أنت أيها الإنسان لتحمل الأمانة. قال لي أحد الناس يوماً من الأيام: أنا ما حملت الأمانة. قلت: كيف؟ قال: أنا والله ما أذكر يوماً من الأيام أني تحملتها فوق ظهري. قلت: لا، أنت حملتها وأنت لا تدري. قال: كيف؟ قلت: أليس عندك القدرة على أن تطيع الله وتعصيه؟ قال: نعم. قلت: هذه الأمانة، هل عند السماوات قدرة على أن تعصي الله؟ قال: لا. هي مسخرة، قال الله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [لقمان:٢٩] وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ [الجاثية:١٣]. فسحب القدرة وجعل المخلوق هذا لم يحمل أمانة، أصبح إنساناً (ميكانيكياً) في العبادة، لكن عندما أعطاه الله القدرة على أن يسلك طريق الخير والشر، حمل الأمانة، أمانة ماذا؟ أمانة الاختيار الصحيح، فأنت الآن تستطيع أن تعصي الله؟ قال: نعم. قلت: وتستطيع أن تطيعه؟ قال: نعم. قلت: إذاً أنت حملت الأمانة، بينما السماوات والأرضون لم تستطع، وأشفقت منها، وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً لنفسه، جهولاً بحق ربه ومعرفته بالله . فما دام أنك حملت الأمانة وعندك القدرة على الاختيار بأن تسلك سبيل الخير أو سبيل الشر، فلا خيار لك في أن تطيع الله ﵎.

стр. 2440

اقتران الصبر بالقيم والمبادئ الإسلامية دليل عظمته إن المتتبع للمواطن التي ذكر الله الصبر فيها في القرآن الكريم يتبين له عظمة الصبر ومنزلته عند الله ؛ فمنها: أن الله قرن الصبر بجميع القيم والمبادئ العليا في الإسلام، فما من مبدأ في الإسلام كريمٍ إلا والصبر معه، إذ لا يمكن أن يحقق هذا المبدأ إلا بالصبر.

стр. 2441

علاقة الصبر باليقين قرن الله الصبر باليقين، واليقين هو قوة الإيمان، قال الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]. لأن الإنسان في هذه الدنيا يتسلط عليه شياطين الإنس والجن عن طريق الشهوات والشبهات، شهواتٍ تورث تقديم الهوى على طاعة الله، وشبهاتٍ تورث شكاً في دين الله، فلا يتغلب على الشهوات إلا بالصبر، ولا يتغلب على الشبهات إلا باليقين. وكما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ولهذا لا تنال الإمامة في الدين إلا بالصبر واليقين، قال : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾ [السجدة:٢٤] متى جعلهم الله أئمة يهدون بأمر الله، ويدعون إلى الله، ويوجهون الناس إلى الله، ويدلون الخلق على خالقهم، ويحببون الله إلى خلقه، والخلق إلى الله؟ هذه وظيفة ليست سهلة: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [السجدة:٢٤] متى؟ ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة:٢٤] أي: بعد أن صبروا: ﴿وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]. فهذه من أعظم الكماليات أن يكون عندك يقين، ومن أعظم الدرجات العليا أن يكون في قلبك تصديق، ولا يمكن أن يكون إلا بالصبر واليقين: ﴿لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]. وأصحاب الشهوات المضللون الذين يخدعون البشرية بما يضعون لها من شحوم الشهوات، حتى ينزلقوا عليها إلى النار -والعياذ بالله- هؤلاء يريدون للإنسان العنت، يقول الله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ [النساء:٢٧] ماذا؟ ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء:٢٧] الله يريد أن يتوب وأن يغفر لكم، وأن يفتح ميادين الرحمة لكم، ولكن المضللون الذين يتبعون الشهوات، يريدون أن تميلوا إلى شهواتهم، ليس ميلاً يسيراً وإنما ميلاً عظيماً. أما الشبهات وهي التي يزرعها الشيطان في قلب الإنسان وفي عقيدته من شكوك وأوهام، مثل هذا الرجل الذي قال لي: أنا لم يأخذ الله عليَّ الأمانة، هذه شبهة، وهي كفيلة بأن تنسف عقيدته من أسفلها، فإذا شك في هذا فمعنى ذلك أنه كفر بالقرآن، ولو صلى وصام، فهذه شبهة. فما تنال الإمامة إلا بإبعاد الشبهة، والقضاء عليها عن طريق اليقين الصادق.

стр. 2442

علاقة الصبر بالشكر أيضاً قرن الله الصبر في القرآن الكريم بالشكر، وهو ضد الصبر، يعني: نقيض له. الصبر يكون على الآلام، والشكر يكون على المنح والهدايا والعطايا من الله، ولكن الله جعل الصبر والشكر في آيات أربع معاً، لماذا؟ لأن الإنسان لا ينفك في كل أحواله من نعمةٍ أو محنة، أو عطية أو بلية. فتجد في نفس اللحظة تأتيك رحمة من الله، تصور أنك تمشي في الطريق فيصطدم بسيارتك رجل ما، فهذه فتنة ومصيبة، ثم تنزل وتلقى الرجل ليس فيه شيء، هذه رحمة من الله، هذا حادث كفيل بأن يموت هذا الرجل فيه. فالله ابتلاك بفتنة فتصبر عليها، وفي نفس الوقت أكرمك بأن نجاك منها، وذلك بنجاة هذا الإنسان ولم يصب بشيء، تنقلب سيارتك وتنزل منها، وترى السيارة، ومن يراها يقول: لم يبق فيها أحد سليم، ولكن الله سلمك، ينكسر الحديد ويتحطم ولا ينكسر فيك عظم، هل أنت أقوى من الحديد؟! إنها منحة من الله ، فالله قرن الصبر والشكر معاً فقال : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم:٥] وصبار هنا صيغة مبالغة، ليس صابر فقط، بل صبار يعني: على كثرة البلايا يصبر على قضاء الله وقدره. يقول : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان:٣١] وقال عن قوم سبأ الذين جاءتهم المصيبة من الله تعالى، بعد أن كفروا وأعرضوا وبدلوا نعمة الله كفراً، فأرسل الله عليهم سيل العرم، وبدلهم بجنانهم -التي كانوا يأكلون منها من كل نوعٍ وفاكهةٍ- جنتين ذواتي أكلٍ خمطٍ وأثل وشيء من سدرٍ قليل، قال : ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ:١٧] ثم قال: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ:١٩].

стр. 2443

علاقة الصبر بالتقوى والحق والرحمة - وربطه الله بالتقوى، وجعله قرين لها، قال : ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران:١٨٦] وربطه بالحق قال : ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] وربطه بالرحمة فقال : ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد:١٧].

стр. 2444

علاقة الصبر بأخلاق الإسلام كلها يشتمل الصبر على أخلاق الإسلام كلها، إذ لا أمر ولا نهي إلا والصبر أساس فيه، وانظر إلى جميع الأوامر التي أمر الله بها. - الصلاة مثلاً: ما الذي يعينك عليها؟ الصبر، كونك تقوم من بيتك، ومن عشائك أو من فراشك وتذهب وكذلك تترك عملك، أو تغلق دكانك، وتتوضأ في البرد وتذهب إلى المسجد وهو بعيد، وتأتي فهذه تحتاج إلى أطنان من الصبر. - والزكاة حينما تخرجها: ما الذي يجعل حب المال يخرج من قلبك، ويستعلي عليه حب الله ورسوله؟ الصبر. - والحج: حينما تخرج من بيتك، وتقطع الفيافي والقفار وتقف في عرفات، وترمي الجمرات، وتدخل في الزحام، وتعرض نفسك للموت أكثر من مرة أو مرات هذا كله بالصبر. - الصيام: حينما تصبر عن الطعام، وعن شهواتك، وعن زوجتك -وأنت تعاني هذا كله- بالصبر. برك لوالديك، صلتك لأرحامك، صبرك على الناس، كل هذه الأوامر تأتي بها عن طريق الصبر على دين الله . بعد ذلك الشهوات كلها: كالعفة: ما هي العفة؟ عندما نقول: فلان رجلٌ عفيف، أو فلانة امرأة عفيفة، فالعفة: هي الصبر عن شهوة الفرج، وشهوة الفرج موجودة في كل إنسان، لكن يوجد رجل ينهزم أمام شهوته، وتوجد أنثى تنهزم أمام شهوتها فتمارس الجريمة، وتقع في لعنة الله وغضبه، وأخرى تترفع عن شهوة فرجها، وتتعفف وتلتحق بأهل العفة والطهر والنقاء، فتصبح عفيفة أو يصبح عفيفاً، لكن بماذا؟ بالصبر، فالعفة سببها الصبر. - والشجاعة: كأن تقول: فلان شجاع، فما هي الشجاعة؟ - الشجاعة صبرٌ في موطن الموت، سئل عنترة -وهو مضرب المثل في الشجاعة- فقيل له: كيف صرت شجاعاً؟ فقال: ضع إصبعك في فمي، وأنا أضع إصبعي في فمك، قال: عض إصبعي وأنا أعض إصبعك، فلما عض كل واحد إصبع الآخر نزعها ذلك يوم عضها عنترة، قال: والله لو صبرت قليلاً لنزعت إصبعي قبلك ولكن كلما أردت أن أنزعها صبرت وصبرت، فالشجاعة صبر ساعة. فالجبان لا يصير شجاعاً؛ لأنه لا يصبر، ولا يستطيع، بينما الشجاع يصبر فيثبت، فكل الأعمال والكمالات والفضائل تأتي عن طريق الصبر. - كذلك الحلم، والحلم: هو صبر على دوافع الانتقام والغضب، تجد اثنين يحصل لهما مواقف تستثيرهما، فواحد صابر ضبط أعصابه، ووضعها في ثلاجة، وآخر لم يصبر بل يشتعل، ويحرق الناس، وبعد ذلك يندم على تهوره، وذاك لا يندم على صبره، ففي الحديث: (ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب). هذا هو الشجاع، وهذا هو البطل الذي يتحكم في عواطفه، ويملك مشاعره عند الغضب، أما كونك عادياً في الحالات العادية، فليست هذه بدرجات كمال فيك، ولا يعرف الشيء إلا بضده، ولا يعرف حلمك إلا عند الغضب. وفي الحالات العادية تكون حليماً طبيعياً فأنت حليم بطبيعتك، لكن متى يعرف حلمك؟ عند استثارتك، فالحلم: صبرٌ على كتم دوافع واستثارات الغضب والانتقام. أيضاً سعة الصدر: يقال: فلان منشرح صدره واسع صدره عنده صبر عندما يضيق الصدر، لكن عندما يأتي شخص يدخل بيته يضيق صدره من أقل غلطة يراها، أو يضيق صدره من ضيف، أو من ولد، أو من زوجته، أو من مدير مدرسته، أو من مدرس أو موظف عنده، فهذا ضاق صدره، لكن إذا جاء بالصبر وسعة الصدر تجده يضيق صدره على امرأته فيوسعه، يقول: هذه أم أولادي، وهذه زوجتي، وإذا لم أصبر عليها فعلى من أصبر. ويضيق صدره على ولده، فيأتيه الصبر ويقول: هذا ولدي ومن يوسع صدره له إذا لم أوسعه أنا، وهو أحسن من غيره، وأصبر عليه، وأوجهه، ويضيق صبره على موظفه فكذلك، وهكذا فعملية سعة الصدر، وتحويل الأمور من رأسٍ إلى عقب، ومن عقبٍ إلى رأس يأتي ثمرة للصبر. كذلك القناعة: خلق كريم وهو صبر عن الكفاف، فالكفاف: رزق يكفيك لا لك ولا عليك، أي: قوت لكي لا تموت، وهذه منزلة القناعة التي تقنع بها، لكن إذا لم تكن عندك قناعة أيها الإنسان! وأنت تعيش مرتبة الكفاف فأنت تعيش في عذاب، تظل تنظر في كل شيء، وتتمنى كل شيء، ونفسك تستشرف كل شيء، ولا يحصل لك شيء، وإنما يحصل لك العذاب في نفسك، بينما بالقناعة تصبح زاهداً، وتصبح غنياً وإن لم يكن بيدك شيء، وتنظر إلى الناس فتقول: ما هذا؟ تنظر إلى الدنيا بماذا؟ بالقناعة. والقناعة كنزٌ لا يفنى، لا ينقص منه شيء ودائماً يزيد، فكلما قنعت زادك الله في كنزك، وكذلك ضبط النفس والرضا بالقضاء، والزهد في الدنيا، هذه الأمور كلها لا تأتي إلا بالصبر. فغض البصر عن النظر المحرم صبر، عندما ترى امرأة متبرجة في الشارع فتغض بصرك، بماذا غضضت بصرك؟ بصبرٍ عن المحرم. - صيانة أذنك عن سماع الأغاني: جاءت نتيجة الصبر على طاعة الله، وصبرٌ عن معصية الله، فالمهم أن جميع أعمال الإسلام من الأوامر أو النواهي لا تنال إلا بالصبر. الصبر قاسم مشترك وقاعدة مهمة في حياة المسلم، ولذا قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣] لماذا الله معهم ويؤيدهم وينصرهم؟ لماذا الله يكتنفهم برعايته ومحبته؟ لأنهم معه، يصبرون له، ويصبرون به، ولا يصبرون عنه. يقول ابن القيم ﵀: الصبر ثلاثة أقسام من حيث نهايته: صبرٌ لله، وصبرٌ بالله، وصبرٌ عن الله. فصبرٌ لله: بترك معصيته. وصبرٌ بالله: بفعل طاعته. وصبرٌ عن الله: وهو أسوأ أنواع الصبر، أن تصبر عن الله بفعل المعاصي، وكثير من الناس الآن يعملون المعاصي من أجل ماذا؟ يقول: أريد أن أشرح صدري وأستريح، وهو يحاول أن يغطي ما في قلبه من العذاب بالمعاصي ليصبر عن الله، ومن هو الذي يصبر عن مولاه، إلا من لا يحب الله. هذا -أيها الإخوة- ما يتعلق باقتران الصبر بالمراتب العليا والكمالات التي جاء الإسلام ليربي الناس عليها.

стр. 2445

أمور لابد أن تتوفر في الصابر الصادق لا يكون الصابر صابراً إلا إذا توفرت فيه أمور، فليس كل صبر ينال عليه صاحبه ثواباً بل، لا بد من أشياء توجد في هذا الصابر ومعه:

стр. 2446

الإخلاص لابد أن يكون الصبر لله، لأن الصبر أمر مشترك عند كل الناس، حتى الكافر يصبر مضطراً، فيصبر على الدراسة، والحيوانات تصبر فالشاة تذبحها وهي صابرة. ومثال ذلك الرجل الذي ضيف رجالاً وهو لا يريد أن يضيفهم، فأخذ تيساً من غنمه وذبحه فصاحت الذبيحة فيقول للتيس: اصبر والله إنك مغصوب وأنا مغصوب -يقول: ليس بإرادتي أن أذبحك ولكن ماذا نصنع فكلانا مغصوب-. فالصبر أمر مشترك بين الإنسان والحيوان، وبين الكافر والمسلم، كل الناس لا بد أن يصبروا، لكن من هو الذي له الأجر؟ إن الذي له الأجر هو الذي يصبر لله قال الله : ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:٧] ليس لشهواتك، ولا لمرادك، وهواك، وإنما لخالقك ومولاك، وقال : ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد:٢٢] الذين يصبرون ابتغاء وجه الله، ويريدون بهذا الصبر ما عند الله : ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً﴾ [الرعد:٢٢]. لقد مدحهم الله وأثنى عليهم؛ لأنهم صبروا ابتغاء وجهه، وأنت عندما تصبر على ألم الدراسة لكنك لا تصلي؟ صحيح أنك صبرت حتى نلت الشهادة، ولكنك مقطوع الصلة بالله، هل صبرك هذا من أجل الله أم من أجل الشهادة؟ إنه من أجل الشهادة، فعندما حصلت على الشهادة هل تنال عليها أجراً؟ لا. لكن لو أنك استصحبت النية الصالحة وكنت عبداً لله طيباً، ودرست هذه الدراسة من أجل طلب العلم، ومن أجل احتلال منصب ووظيفة، لأجل نصرة الحق، أو من أجل المشاركة في بناء وطنك، لكانت دراستك هذه وصبرك عليها صبراً لله. فالمزارع الذي يزرع ويريد بهذه الزراعة جلب أقوات المسلمين، ويحتسب عند الله ما يأكله الطائر، وما يشرب من البهيم، وما يأخذه الغريب، وما يتصدق به على المسكين، فهذا يصير صبره على الزراعة صبراً لله، لكن من يصبر على الزراعة، ويضع عليها بيوتاً محميةً من كل اتجاه، ولا يدع عليها طائراً يأخذ منها حبة واحدة، ويكمم العنب بالصناديق، ويجعل عليها عمالاً لكي لا يمر أحد من عندها، ثم لماذا هذا كله؟ قال: أريد أن أبيعها. وإذا جاء وقت جني الثمرة لا يحمل معه للبيت شيئاً، ولا يهدي لجاره ولا لصديقه حبة، وإنما في الصندوق هذا صَبَرَ، ولكن لماذا صبر؟ من أجل الأموال، وقد حصل على المال ولكن صبره هذا ليس لله . فالصبر لله يجب أن يكون خالصاً، ومصحوباً بالنية السليمة من أجل نيل ما عند الله من الثواب، ولهذا قال الله : ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ [الرعد:٢٢].

стр. 2447

الشكوى لله فقط - ثانياً: ألا يكون مع هذا الألم والصبر شكوى لغير الله، وهذا معنى الصبر الجميل، يقول يعقوب ﵇ عندما أخبروه أن ولده ليس موجوداً وقد أكله الذئب: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف:١٨] قيل: الصبر الجميل: هو الذي لا شكوى فيه ولا جزع، لا يجزع من قضاء الله، ولا يشكو إلى أحدٍ غير الله ﵎، والذي يشكو الناس أو يشكو الله إلى الناس، هذا لم يعرف الله ، يقول: وإذا عرتك مصيبة فاصبر لها صبر الكريم فإنه بك أعلم وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم أي: تشكو الرحيم ﵎ إلى الذي لا يرحم، لا تشكو إلى أحد وإنما اشك إلى الله، ولهذا كان يقول: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦] تشكو بثك وحزنك وما تجده من لوعةٍ في قلبك إلى الله ، ولا تشك إلى أحد غيره، فإنك إن شكوت إلى الناس فالناس لا ينفكون عن رجلين: رجلٌ يحبك، ورجلٌ يبغضك، فإن شكوت إلى الذي يحبك آلمته؛ لأنه يعاني معك، وإن شكوت إلى الذي يبغضك سررته وفرح، ولو هز رأسه لك، وقال: أنا آسف والله المستعان. ولكن في السر يقول: يستحق، لماذا؟ لأنه يكرهك ويتمنى أي شيء يقع عليك، فلا تشتك إلى أحد، ولا تُحزن الذي يحبك، أليس الذي يحبك تحب ألا يحزن؟ إذاً لا تحزنه بشكواك إليه، ثم ماذا تتصور أن يعمل من أجلك هذا الذي شكوت إليه؟ شكوت إليه المرض فهل عنده عافية؟! شكوت إليه الفقر هل عنده أموال يعطيك؟! شكوت الهم هل عنده فرج؟! ليس عنده شيء، إنما تشكو إلى من؟ إلى الله الذي لا إله إلا هو. كان الواحد من السلف إذا أتاه شخص وهو مريض وفي أشد المرض يقول له: كيف حالك؟ قال: الحمد لله. قال له: من ماذا تشتكي؟ قال: أشتكي من ذنوبي -لا يشتكي من ربه بل يشتكي من ذنبه- لأنه يعرف أن المرض لم يأته إلا بذنب. قال: ماذا تريد؟ قال: أريد رحمة ربي. قال: هل جاءك الطبيب أو نأتي به؟ قال: قد جاءني. قال: وماذا قال لك؟ قال: يقول: أنا الفعال لما أريد. هذه حياتهم ﵃ وأرضاهم، فأنت حاول باستمرار ألا تشكو إلا إلى الله، فإن شكواك إلى الله عبودية، وشكوى ربك إلى الناس والعياذ بالله عدم معرفة بالله، وبجلاله .

стр. 2448

الصبر عند الصدمة الأولى أيضاً أن يكون الصبر في مكانه، وفي وقته وأوانه، فمتى يعرف الصابر؟ (إنما الصبر عند الصدمة الأولى) أما بعد ذلك فستصبر غصباً عنك، إذا ماتت أمك أو أبوك أو لدك ثم بكيت وصحت ونحت وفعلت كل شيء وفي النهاية، ماذا تفعل؟ تصبر، ذلك اسمه صبر الاضطرار. وهذا لا أجر لك فيه ولا ثواب، ولكن متى يكون الصبر لله، ويكون خالصاً لوجه الله؟ يكون عند الصدمة الأولى، عندما يأتيك الخبر وهو جديد وأنت تقول: لا إله إلا الله، إنا لله وإنا إليه راجعون، الحمد لله على كل حال، هذا هو الصابر الصحيح. لكن جاءك الأمر والخبر وقمت وصحت، وشققت جيبك، ورفعت صوتك، ونتفت شعرك، وبعد أيام وليالٍ صبرت، لم يعد لك شيء فيه. وفي البخاري ومسلم من حديث أنس يقول: (مر ﵊ على امرأة عند قبرٍ وهي تبكي بكاءً حاراً، وهذا الولد الميت ولدها قد قطع قلبها -ومعذورة مسكينة ولكن قد زادت في البكاء- فقال لها الرسول ﷺ : يا أمة الله! اتقي الله واصبري، قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمثل مصيبتي). وهي لم تعرفه، ما يدريك من هذا الذي أبكي عليه، فليس ولدك حتى تنصحني، هذا ولدي، أنت لا تعرف ما أعرف وما أعاني منه، فقيل لها لما تركها النبي ﷺ : إنه رسول الله ﷺ . كيف تردين عليه بهذا الكلام، هذا رسول الله يأمرك بتقوى الله ويأمرك بالصبر وتردين عليه بهذا الرد؟! فقامت ولحقت بالنبي ﷺ وأتت إلى الباب وقالت: يا رسول الله لم أعرفك وأنا الآن سأصبر، قال: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى). انتهى وقت الصبر، وهذا ما يسمونه بصبر الاضطرار وهو صبر أهل النار في النار، لكن هل معهم مخرج غيره، يقول أهل النار: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١]. ويقول لهم: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور:١٦]. ولا بد -أيها الإخوة- في الصبر من ثلاثة أمور: - أولاً: لا بد أن يكون لله . - ثانياً: ألا يكون معه شكوى لغير الله. ثالثاً: أن يكون عند الصدمة الأولى. فإذا حصلت هذه كنت -أيها الإنسان- من الصابرين.

стр. 2449

الصبر على المصائب تنقية وترقية إلى مرتبة الكمال بعض الناس يتصور أن البلايا والمصائب -التي تأتي في هذه الدنيا- عبث، وأنها تعذيب، وأنها من الله شيء فيه ضرر، لا. هذه المصائب التي تأتيك في الدنيا عملية تنقية وترقية لك في مجالات الثواب عند الله ، إذ لا يمكن أن يعطيك الله ثواباً وأنت على النعمة، فالصبر على ماذا؟ على الرز واللحم والعافية؟! لا. لا بد من شيء تصبر عليه، وتعاني منه، ولهذا الله ﵎ يقول في سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]. يقول أحد العلماء: إن هذه عجلات أربع لا يسير دين العبد إلا عليها -ما رأينا سيارة تمشي على ثلاثة (إطارات) - وكذلك الدين لا يمشي إلا على أربع عجلات: عجلة الإيمان، وعجلة العمل الصالح، وعجلة التواصي بالحق، وعجلة التواصي بالصبر، وكيف نتواصى بالصبر من غير بلاء؟ لا بد أن يأتيك بلاء ومصيبة، لكي تُمتحن وتعرف هل أنت من أهل الصبر، فيتم لك دينك، وتصبح من أهل الكمال، أم لا، فتسقط والعياذ بالله.

стр. 2450

من ميادين الصبر: الصبر عند المصائب ميادين الصبر كثيرة، منها: الصبر على مصائب الدنيا، لأن الإنسان لا يسلم من الآلام والمصائب والأمراض في النفس، وفي البدن، وفي فقدان الأحبة، وفي خسران المال، وفي ضياع بعض المقدرات، والله يقول: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ [البقرة:١٥٥] وهنا مؤكد بعدة مؤكدات ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٦]. وهذه العبارة من أعظم ما يبرد القلوب على المصائب، إذا أردت أن تضع على قلبك المشتعل بالمصيبة ماءً وثلجاً يبرده فقل: إنا لله وإنا إليه راجعون. مات ولدٌ لامرأة هو أكبر أولادها والموظف الذي يصرف عليهم، وما عندهم في الدنيا إلا الله ثم هذا الولد، فمات في حادث مروري، وهي ضعيفة البنية مريضة الجسد، وقالوا: إذا أخبرناها أنه مات ستموت، فقالوا: لا تخبروها، وأُخبر أحد الصالحين عنها وهو قريبٌ لها فجاء إليها، ولما دخل عليها أحست أن الوضع قد تغير، ورأت حركة غير طبيعية في البيت، رأت أناساً يدخلون وأناساً يخرجون فتوقعت وقالت: أين فلان؟ قالوا: موجود لم يحدث له شيء، قالت: أين هو، ما الذي حدث له؟ فقال لها هذا الموفق: قولي: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقالت: مات؟ يقول: لو قلت لها مات ستموت هي، وستنطفئ روحها، لكن ما قلت لها مات، وإنما قلت لها: قولي: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقالت: أخبروني هل مات؟ قلت لها: قولي (إنا لله وإنا إليه راجعون)، يقول: فما زلت أكرر عليها (إنا لله وإنا إليه راجعون)، وهي تقول: مات أخبروني، حتى قالت في نفسها: إنا لله وإنا إليه راجعون. يقول: فلما قالت -وهي تكاد تشتعل من الجزع والحزن-: إنا لله وإنا إليه راجعون، هدأت وسكنت. فكررتها مرة ومرتين وثلاثاً وأربعاً، ولكن يقول: ما أخبرتها بأنه مات، لكن تكراري للعبارة يدل على أنه مات، إذ لا تُقال هذه الكلمة إلا عند الموت. ولكن جئت إليها بالخبر عن طريق آية تبرد قلبها: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧] الله أكبر كيف يأتي الثناء من الله، صلوات، أي: تثبيت من الله وثناء ورحمة منه سبحانه: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٧]. فلا تتوقع أن تعيش سالماً، لا بد في هذه الدنيا من مصائب وعجائب وهي مثل العجلة، أناس فوق وأناس تحت، ثم الذين تحت يصيرون فوق والذين فوق ينزلون تحت، وما تترك أحداً إلا ودقت بابه، ولا يوجد أحد في الدنيا سليم منها أبداً، اليوم تجد في هذا البيت زواجاً وفي البيت الآخر عزاء، وبعد سنتين أو ثلاث ترى العزاء في بيت الزواج، والزواج في بيت العزاء، ما يبقى أحد على حال واحد إلا الله . فاصبر لكل ما يأتيك به القضاء من الله وتحمل.

стр. 2451

نماذج من صبر الأنبياء البلاء يصيب القلوب، ويصيب البطون بالجوع، ويصيب الأجسام بالمرض، والأموال بالسرقة، والأولاد والزوجات بالمرض والموت، ولا بد من الصبر، وكان لا بد -في هذا المجال- من قدوة، فذكر الله في القرآن الكريم الأنبياء، باعتبارهم النماذج البشرية الرائدة التي يقتدي الناس بهم. قال للرسول ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] فالله هدى أنبياءه ورسله إلى جميع الأخلاق الفاضلة، ثم جمع كل أخلاقهم في محمد ﷺ ، فما من كمالٍ إلا وهو فيه، حتى قال الله فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]. فالله ابتلى الأنبياء من أجل أن يكونوا قدوة لغيرهم.

стр. 2452

صبر أيوب ﵊ على المرض الذي حل به ابتلى الله أيوب ﵇ بالمرض في جسده، وعانى منه معاناةٍ لا يعلمها إلا الله، ومكث ثماني عشرة سنة وهو يعاني من ألم المرض، وقالت له رحمة بنت يوسف -وهي زوجته-: إنك نبي مستجاب الدعوة فاطلب من الله أن يرزقك العافية. قال لها: كم لي مريض؟ قالت: لك ثماني عشرة سنة -من يصبر منَّا ثماني عشرة دقيقة أو ثماني عشرة ساعة، أو ثماني عشر سنة؟ لم يقل: يا رب! أعطني العافية- قال: وكم لي معافى من قبل؟ قالت: ثمانون سنة. قال: إني أستحي أن أطلب من ربي العافية حتى تبلغ مدة بلائي مدة عافيتي. يقول: إذا وصلت إلى ثمانين سنة أعلميني فأقول: يا رب أعطني العافية، ونحن الآن ليس فقط نطلب العافية من الله لا بل نطلبها من غير الله. كثير من الناس من حين يأتيه المرض فإنه يذهب إلى غير الله، يذهب إلى الكاهن، وإلى الطبيب العربي، ويذهب إلى المشعوذ، ولا يصبر، ولا يتداوى بالأدوية المشروعة، وليس هناك مانع من التداوي فإن الله أمر به، ولا ينافي التوكل بل هو مشروع، ولكن الصبر طيب، وحتى وأنت تتداوى يجب أن تصبر، وتعرف أن العافية من الله، وأن هذه الأسباب لا تجلب لك العافية إلا بإذن الله ﵎. فأيوب صبر صبراً عظيماً وقد شهد الله له بذلك، فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤] متى استحق هذه الشهادة يا إخواني؟! الله أكبر! بعد ثماني عشرة سنة، يقول بعض العلماء: إنه ما طلب العافية إلا عندما دخلت دودة من الدود التي كانت تأكل لحمه دخلت في قلبه، والثانية دخلت في لسانه؛ لأنها لم تجد فيه شيئاً، فما بقي إلا اللحم والعصب والعروق، فوجدت لحمة محروسة بالذكر وبالشكر، فتحرشت بها وقرصتها فصاح وفزع إلى الله وقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣]. قال العلماء: إن الضر الذي شكاه أيوب ليس ضر المرض، فهو فيه من ثماني عشرة سنة، ولكن ضر التعطيل عن ذكر الله وشكره، يقول: يا رب! لا أستطيع أن أعيش بغير ذكرك وشكرك، وإذا دخل عليَّ هذا البلاء في لساني تعطل لساني عن ذكرك، وتعطل قلبي عن شكرك، وهذا هو الضر، فكيف بمن يعيش مدى حياته لا يذكر الله، ولا يشكره؟! لا إله إلا الله! كيف تتحول حياة الناس حينما يبتعدون عن الله . أيوب ابتلاه الله في بدنه وماله وأهله حيث فقدهم فصبر، ولما صبر نجح وأخذ الشهادة الأزلية التي تتلى إلى يوم القيامة: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤] ثم أعطاه الله كل ما أخذ منه، قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص:٤٣]. خرجت زوجته من عنده وهو في بيت خرب بعيد عن الناس لأنهم يسمونه مبتلى، ولا يقعد معهم من أجل العدوى، وكانت تفرش له الرماد ولا يوجد فرش إلا الرماد يقعد عليه؛ لأنه لا يتحمل شيئاً، فقال له الله : ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ يعني: اركض الأرض بقدمك، فانفجرت تحت قدمه عينان: واحدة مغتسل، والأخرى شراب بارد: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤٢]. فشرب من الأولى فأذهب الله ما به من الأدران، واغتسل من الثانية فأذهب الله ما به من الأمراض الخارجية، ثم كساه الله حلة من الجنة، وأُتي له بكرسي من ذهبٍ من الجنة، وجلس عليه كحالته يوم مرض في عز شبابه، وعندما جاءت زوجته ومعها كسرة من العيش عملت لأجلها طوال اليوم، ولما لم تجده في المكان بحثت عنه فما وجدته؟ ظنت أن الكلاب قد أكلته، فجاءت إليه وقالت: يا رجل! أسألك بالله: هل رأيت هذا المبتلى أين ذهب؟ قال: أي مبتلى؟ قالت: أيوب. قال: أنا أيوب. قالت: أتهزأ بي؟ قال: لا، وإذا به أيوب يوم عرفته. متى حصل على هذا؟ إنه بعد الصبر الطويل.

стр. 2453

صبر يعقوب ﵇ ابتلى الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم أبو يوسف، ابتلاه الله بفقدان أولاده، فكان يبكي حتى عمي؛ لأن البكاء الذي يأتي من حرارة يعمي العين، وما جمع الله بينه وبين بنيه إلا بعد أربعين سنة، عندما قال له ولده يوسف: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾ [يوسف:١٠٠]. ثم سأله فقال: يا أبت لم تبك هذا البكاء؟ أما كنت تعلم أننا إذا لم نلتق في الدنيا التقينا في الجنة؟ قال: نعم إني أعلم ذلك ولكن خشيت أن تسلك طريقاً غير طريقي فلا ألقاك لا في الدنيا ولا في الآخرة. انظروا كيف كان بكاؤهم يا إخواني، ليس بكاء عاطفة -أريد ولدي من أجل أن يجلس معي- لا. بل يريد ولده لكي يربيه على الإيمان والدين ويكون مثله في الرسالات والنبوة ويجتمع به في الدنيا. يقول: لا أبكي من أجل الدنيا لكني بكيت خشية ألا تسير في الطريق الذي سرت فيه -وهو طريق الإيمان والدين- فتسلك طريقاً آخر لا ألقاك فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة.

стр. 2454

صبر يوسف ﵇ أيضاً: صبر يوسف ﵇ صبراً عظيماً في البئر، وصبراً عظيماً في السجن، وصبراً عظيماً عندما عرضت عليه الفتنة عن طريق امرأة العزيز، ولكن كان يقول: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف:٧٩] صبر حتى أخرجوه من السجن، ويقول: ارجع إلى ربك -الآن السجين إذا أخرجوه لا يقول شيئاً، بل يكبر ويصيح ويخرج يريد الفرج- والله ما أخرج إلا ببراءة، اتركوني مكاني مدى الحياة، لماذا؟ ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٠]. فلما سألهن، قلن: نعم حصحص الحق، والله إنها راودته عن نفسه، وما علمنا عليه من سوء، وأخذ بها شهادة وخرج ﵊، يقول ﵊: (رحم الله أخي يوسف) أي: لو كان غيره لكان خرج بدون أن يسأل؛ لأنه مكث في السجن بضع سنين ليس يوماً ولا شهراً ولا سنة، بل بضع سنين وهو جالس في السجن والمعاناة، ولكنه صابر صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء.

стр. 2455

صبر إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل ﵉ - أيضاً: صبر إبراهيم ﵇ وهو يعاني من التكذيب والرد والرفض والضرب والإبعاد والإخراج والإحراق عن طريق الكيد الكبير: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء:٦٨]. وبدلاً من أن يحرقوه بحزمة من الحطب أو بعود كبريت وينتهي ويموت، لا. جمعوا من الحطب مثل الجبال الرواسي، وقالوا للنساء: أي امرأة لا تشارك في حمل الحطب عليه سوف ينقطع نسلها ولن يأتي لها أولاد، فجاء النساء والرجال يحملون الحطب مثل الجبال، ثم أشعلوا النيران، ولما أشعلوها كانت تشوي الطير في كبد السماء من شدة الحرارة، ولما أرادوا أن يحرقوه عجزوا أين يضعونه، فهم لا يستطيعون أن يقربوا من النار؛ لأن وهجها ولهيبها يطردهم على مسافة الأمتار البعيدة، وهم لا يريدون أن يضعوا له طريق في طرف النار وإنما يريدونه في وسط النار. ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء:٦٨] فماذا صنعوا؟ اخترعوا المنجنيق وأتوا به ثم كتفوه وربطوه ثم قذفوه بالمنجنيق وضربوا به وسط النار، وهو صابر يقول: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] هذه الكلمة قالها إبراهيم وهو يلقى في النار، وقالها النبي ﷺ وهو يعذب ويسجن في شعب أبي طالب، قال الله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤]. فإبراهيم ﵇ صبر، ثم بعد ذلك صبر على أمر الله أن يخرج سراً بزوجته هاجر وابنه إسماعيل ابن ليس كالأبناء، جاءه على كبر، ثم من خيرة الرجال، وجعل يسافر به من بيت المقدس إلى أن يضعه في مكة المكرمة ويتركه لوحده، من يصبر على هذا؟ صعب جداً أن يترك الإنسان ولده في وادٍ غير ذي زرع، ويقول بعدها: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧]. ولما ولى بدأت عواطف المرأة تضغط عليه وتقول: يا إبراهيم! أفي مثل هذا الوضع تتركنا؟ لمن تتركنا يا إبراهيم؟ وهو يسكت لا يرد عليها بكلمة خشية أن يعتذر لها أو يبرر لها موقفه، وينفذ أمر الله وهو ساكت، بدون أي مراجعة، فعرفت أن هناك سراً وقالت له: آلله أمرك بهذا؟ أي: تركتنا هنا بأمر الله؟ قال: نعم، قالت: إذاً لا يضيعنا. وفعلاً لم يضيعهم ربي، رغم أنه تركهم في (وادٍ غير ذي زرع)، حجارة صلداء، الموت الأحمر يشب منها، لا يوجد ماء ولا مرعى ولا أكل، حتى الطير لا يوجد في السماء. وعندما انتهى الماء الذي في الدلو الذي معها -الذي فيه الماء- وبدأ الولد يتلهب عطشاً وانفجر قلبه من العطش، وبكى وصاح، فقامت تبحث ولم تقطع الأمل في الله، تصعد إلى المروة ثم تنزل إلى الصفا، وإذا نزلت بطن الوادي أسرعت وهرولت ثم تعود، وتطلع وتنزل، وتدعو الله، وإذا بها ترى الولد والماء من بين يديه ينبع ويمشي فتزمه وترده. يقول ﵊: (رحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم لكانت عيناً معيناً) لكانت نهراً يجري ويغرق الدنيا كلها، لكنها زمتها وبقيت، وهاهي الآن تروي الملايين من البشر ولا ينقص فيها (سنتيمتراً) واحداً بأمر الله، من أين أتت؟ وأين البحار التي تنبع منها؟ من وسط الجبال الصلد، لا إله إلا الله! فهذا صبر إبراهيم. ثم صبر إبراهيم على ذبح ولده، حيث جاءته الرؤيا -ورؤيا الأنبياء وحي- أن يذبح ولده، والولد لا يُذبح، لكنه كان يحبه، يقول ابن القيم: إن إبراهيم كان يُحب إسماعيل حباً عميقاً لطاعته، ولمشاركته له في بناء الكعبة، ولبره، ولنبوته، ولرجولته وفتوته. حتى أنه أمره أن يطلق امرأته فما قال: لا. والله ما أقدر على أن أطلقها، والنساء غاليات وأنت لا عقل عندك، لا. بل مباشرة، وبكلمة واحدة، جاء يزورهم من بيت المقدس ولما دخل عليهم ودق الباب، أجابت المرأة، فقال: كيف أنتم؟ -وكانوا في أحسن حال- قالت: في شر حال -لأن بعض النساء حتى ولو كنت في أحسن حال، تجعل حسن الحال شر حال؛ لأن قلبها شرير والعياذ بالله- قال: إذا جاء زوجك، فقولي له: أتى شيخ إلى هنا وقال: غيِّر عتبة دارك. المرأة يعبر عنها بعتبة الدار؛ لأنها أول ما تنظر إذا دخلت البيت، وفي عتبة الباب تبدأ المرأة تدعو عليك وتنكبك على رأسك، وإذا كانت العتبة سهلة فكل يوم تستقبلك وتفتح قلبك وتبش في وجهك، وتجعل حياتك كلها أنس، ولهذا فالمرأة عتبة؛ إما عتبةً سيئةً أو عتبةً حسنةً، قال: غيِّر العتبة -هذه العتبة ليست حسنة- فلما عاد من الصيد، قالت: جاء شيخ يقول: غيِّر عتبة الدار، فقال: اذهبي إلى أهلك، فطردها بدون مراجعة. وبقي فترة، ثم تزوج بأخرى، وكانوا في وقت شدة وجوع وقحط وليس عندهم شيء؛ لكن هذه المرأة صاحبة دين وخير، فجاء إبراهيم فقال: أين زوجك؟ قالت: في الصيد. قال: كيف حالكم؟ قالت: في أحسن حال. انظر إلى بعض الزوجات عندما تدخل عليها وليس عندها في البيت شيء، ولكن عندها إيمان، ومعك ضيف فتدخل وتقول: عندكم عشاء؟ تقول: نعم. كل خير موجود، وهي ليس عندها شيء، ولكن تريد أن تفتح قلبك، هذه الكلمة كأنها عشّت الضيف، وبعد ما تقول لك: نعم أبشرك، فكل شيء جيد، ثم تدعوك بعد وقت، وتقول: ما رأيك أن تأتي لنا بخبز ولبن وهكذا عن طريق المشاورة، فأنت رأساً تقول: نعم. نأتي بكذا وكذا؛ لأنها قد فتحت قلبك، لكن بعض النساء قد تجد بيتها مليئاً بالخيرات، وإذا دخل زوجها بضيف واحد فقط، قالت: لماذا تأتي به؟ تريده أن يأكل عشانا، تريد أن تظهر أمام الناس، اذهب وأحضر أكلاً، والله لا يذوق عندنا لقمة، أعوذ بالله من بعض النساء! ما هذه الأخلاق؟! فهذه المرأة الصالحة، قالت له: نعم نحن في أحسن حال، فقال لها: قولي لزوجك أن يثبت عتبة داره؛ أي: لا يترك هذه المرأة. ولما بلغ معه السعي وأصبح رجلاً: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] يقول المفسرون: إن إبراهيم لم يخير إسماعيل -يعني: لم يقل له: ما رأيك نذبحك أم لا؟ - لا. لم يقل: انظر ما هو رأيك؟ وإنما قال: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] أي: كيف ننفذ أمر الله، تريد أن أذبحك وأنت قائم، أو أذبحك وأنت جالس، أو أذبحك وأنت على جنبك، أو أذبحك وأنت على بطنك؟ وتريد أن أذبحك بالسكين، أو أذبحك بالرمح؟ أي وسيلة المهم ماذا ترى في تنفيذ أمر الله؟ لكنه ليس رأياً: تنفذ أم لا، فقال إسماعيل ﵊: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] لا إله إلا الله! ما أعظم هذا الموقف أيها الإخوة! الولد يستسلم، والأب يستسلم، ويخضعون لأمر الله، وقد كان هذا رؤيا لكن قوة الإيمان: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] تله للجبين: أي وضعه على الأرض وأهوى على حلقه بالسكين من طريق جبينه، فنظر إلى عينيه والعينين تنظر إلى الولد، والولد ينظر إلى السكين، وكلاهما مستسلمان لله، فتعبر الرحمة الموجودة في قلبه بولده، أن السكين لا تذبح، ولا تقطع؛ لأن الله سلبها القدرة، لأن الذي أعطاها القدرة سلبها القدرة، والذي أعطى النار القدرة سلبها القدرة. فهو يخلق ما يشاء ويختار، فيذبح بالسكين فلا تقطع، فيقول الولد لأبيه: كبني على وجهي لكي لا تنظر إلى حتى تنفذ أمر ربي ، وبينما هو في هذا الوضع وإذا بالفرج يأتي من الله قال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٧] هذا صبر الأنبياء وهم أفضل خلق الله، وكذلك غيرهم من الصالحين، والله يقول: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] في ميادين الابتلاءات العادية.
следующие страницы →