Полный текст (2 982 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
نماذج من صبر الأنبياء
البلاء يصيب القلوب، ويصيب البطون بالجوع، ويصيب الأجسام بالمرض، والأموال بالسرقة، والأولاد والزوجات بالمرض والموت، ولا بد من الصبر، وكان لا بد -في هذا المجال- من قدوة، فذكر الله في القرآن الكريم الأنبياء، باعتبارهم النماذج البشرية الرائدة التي يقتدي الناس بهم.
قال للرسول ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠] فالله هدى أنبياءه ورسله إلى جميع الأخلاق الفاضلة، ثم جمع كل أخلاقهم في محمد ﷺ ، فما من كمالٍ إلا وهو فيه، حتى قال الله فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
فالله ابتلى الأنبياء من أجل أن يكونوا قدوة لغيرهم.
стр. 2452
صبر أيوب ﵊ على المرض الذي حل به
ابتلى الله أيوب ﵇ بالمرض في جسده، وعانى منه معاناةٍ لا يعلمها إلا الله، ومكث ثماني عشرة سنة وهو يعاني من ألم المرض، وقالت له رحمة بنت يوسف -وهي زوجته-: إنك نبي مستجاب الدعوة فاطلب من الله أن يرزقك العافية.
قال لها: كم لي مريض؟ قالت: لك ثماني عشرة سنة -من يصبر منَّا ثماني عشرة دقيقة أو ثماني عشرة ساعة، أو ثماني عشر سنة؟ لم يقل: يا رب! أعطني العافية- قال: وكم لي معافى من قبل؟ قالت: ثمانون سنة.
قال: إني أستحي أن أطلب من ربي العافية حتى تبلغ مدة بلائي مدة عافيتي.
يقول: إذا وصلت إلى ثمانين سنة أعلميني فأقول: يا رب أعطني العافية، ونحن الآن ليس فقط نطلب العافية من الله لا بل نطلبها من غير الله.
كثير من الناس من حين يأتيه المرض فإنه يذهب إلى غير الله، يذهب إلى الكاهن، وإلى الطبيب العربي، ويذهب إلى المشعوذ، ولا يصبر، ولا يتداوى بالأدوية المشروعة، وليس هناك مانع من التداوي فإن الله أمر به، ولا ينافي التوكل بل هو مشروع، ولكن الصبر طيب، وحتى وأنت تتداوى يجب أن تصبر، وتعرف أن العافية من الله، وأن هذه الأسباب لا تجلب لك العافية إلا بإذن الله ﵎.
فأيوب صبر صبراً عظيماً وقد شهد الله له بذلك، فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤] متى استحق هذه الشهادة يا إخواني؟! الله أكبر! بعد ثماني عشرة سنة، يقول بعض العلماء: إنه ما طلب العافية إلا عندما دخلت دودة من الدود التي كانت تأكل لحمه دخلت في قلبه، والثانية دخلت في لسانه؛ لأنها لم تجد فيه شيئاً، فما بقي إلا اللحم والعصب والعروق، فوجدت لحمة محروسة بالذكر وبالشكر، فتحرشت بها وقرصتها فصاح وفزع إلى الله وقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣].
قال العلماء: إن الضر الذي شكاه أيوب ليس ضر المرض، فهو فيه من ثماني عشرة سنة، ولكن ضر التعطيل عن ذكر الله وشكره، يقول: يا رب! لا أستطيع أن أعيش بغير ذكرك وشكرك، وإذا دخل عليَّ هذا البلاء في لساني تعطل لساني عن ذكرك، وتعطل قلبي عن شكرك، وهذا هو الضر، فكيف بمن يعيش مدى حياته لا يذكر الله، ولا يشكره؟! لا إله إلا الله! كيف تتحول حياة الناس حينما يبتعدون عن الله .
أيوب ابتلاه الله في بدنه وماله وأهله حيث فقدهم فصبر، ولما صبر نجح وأخذ الشهادة الأزلية التي تتلى إلى يوم القيامة: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤] ثم أعطاه الله كل ما أخذ منه، قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص:٤٣].
خرجت زوجته من عنده وهو في بيت خرب بعيد عن الناس لأنهم يسمونه مبتلى، ولا يقعد معهم من أجل العدوى، وكانت تفرش له الرماد ولا يوجد فرش إلا الرماد يقعد عليه؛ لأنه لا يتحمل شيئاً، فقال له الله : ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ يعني: اركض الأرض بقدمك، فانفجرت تحت قدمه عينان: واحدة مغتسل، والأخرى شراب بارد: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤٢].
فشرب من الأولى فأذهب الله ما به من الأدران، واغتسل من الثانية فأذهب الله ما به من الأمراض الخارجية، ثم كساه الله حلة من الجنة، وأُتي له بكرسي من ذهبٍ من الجنة، وجلس عليه كحالته يوم مرض في عز شبابه، وعندما جاءت زوجته ومعها كسرة من العيش عملت لأجلها طوال اليوم، ولما لم تجده في المكان بحثت عنه فما وجدته؟ ظنت أن الكلاب قد أكلته، فجاءت إليه وقالت: يا رجل! أسألك بالله: هل رأيت هذا المبتلى أين ذهب؟ قال: أي مبتلى؟ قالت: أيوب.
قال: أنا أيوب.
قالت: أتهزأ بي؟ قال: لا، وإذا به أيوب يوم عرفته.
متى حصل على هذا؟ إنه بعد الصبر الطويل.
стр. 2453
صبر يعقوب ﵇
ابتلى الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم أبو يوسف، ابتلاه الله بفقدان أولاده، فكان يبكي حتى عمي؛ لأن البكاء الذي يأتي من حرارة يعمي العين، وما جمع الله بينه وبين بنيه إلا بعد أربعين سنة، عندما قال له ولده يوسف: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً﴾ [يوسف:١٠٠].
ثم سأله فقال: يا أبت لم تبك هذا البكاء؟ أما كنت تعلم أننا إذا لم نلتق في الدنيا التقينا في الجنة؟ قال: نعم إني أعلم ذلك ولكن خشيت أن تسلك طريقاً غير طريقي فلا ألقاك لا في الدنيا ولا في الآخرة.
انظروا كيف كان بكاؤهم يا إخواني، ليس بكاء عاطفة -أريد ولدي من أجل أن يجلس معي- لا.
بل يريد ولده لكي يربيه على الإيمان والدين ويكون مثله في الرسالات والنبوة ويجتمع به في الدنيا.
يقول: لا أبكي من أجل الدنيا لكني بكيت خشية ألا تسير في الطريق الذي سرت فيه -وهو طريق الإيمان والدين- فتسلك طريقاً آخر لا ألقاك فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة.
стр. 2454
صبر يوسف ﵇
أيضاً: صبر يوسف ﵇ صبراً عظيماً في البئر، وصبراً عظيماً في السجن، وصبراً عظيماً عندما عرضت عليه الفتنة عن طريق امرأة العزيز، ولكن كان يقول: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف:٧٩] صبر حتى أخرجوه من السجن، ويقول: ارجع إلى ربك -الآن السجين إذا أخرجوه لا يقول شيئاً، بل يكبر ويصيح ويخرج يريد الفرج- والله ما أخرج إلا ببراءة، اتركوني مكاني مدى الحياة، لماذا؟ ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٠].
فلما سألهن، قلن: نعم حصحص الحق، والله إنها راودته عن نفسه، وما علمنا عليه من سوء، وأخذ بها شهادة وخرج ﵊، يقول ﵊: (رحم الله أخي يوسف) أي: لو كان غيره لكان خرج بدون أن يسأل؛ لأنه مكث في السجن بضع سنين ليس يوماً ولا شهراً ولا سنة، بل بضع سنين وهو جالس في السجن والمعاناة، ولكنه صابر صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء.
стр. 2455
صبر إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل ﵉
- أيضاً: صبر إبراهيم ﵇ وهو يعاني من التكذيب والرد والرفض والضرب والإبعاد والإخراج والإحراق عن طريق الكيد الكبير: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء:٦٨].
وبدلاً من أن يحرقوه بحزمة من الحطب أو بعود كبريت وينتهي ويموت، لا.
جمعوا من الحطب مثل الجبال الرواسي، وقالوا للنساء: أي امرأة لا تشارك في حمل الحطب عليه سوف ينقطع نسلها ولن يأتي لها أولاد، فجاء النساء والرجال يحملون الحطب مثل الجبال، ثم أشعلوا النيران، ولما أشعلوها كانت تشوي الطير في كبد السماء من شدة الحرارة، ولما أرادوا أن يحرقوه عجزوا أين يضعونه، فهم لا يستطيعون أن يقربوا من النار؛ لأن وهجها ولهيبها يطردهم على مسافة الأمتار البعيدة، وهم لا يريدون أن يضعوا له طريق في طرف النار وإنما يريدونه في وسط النار.
﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء:٦٨] فماذا صنعوا؟ اخترعوا المنجنيق وأتوا به ثم كتفوه وربطوه ثم قذفوه بالمنجنيق وضربوا به وسط النار، وهو صابر يقول: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣] هذه الكلمة قالها إبراهيم وهو يلقى في النار، وقالها النبي ﷺ وهو يعذب ويسجن في شعب أبي طالب، قال الله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران:١٧٣ - ١٧٤].
فإبراهيم ﵇ صبر، ثم بعد ذلك صبر على أمر الله أن يخرج سراً بزوجته هاجر وابنه إسماعيل ابن ليس كالأبناء، جاءه على كبر، ثم من خيرة الرجال، وجعل يسافر به من بيت المقدس إلى أن يضعه في مكة المكرمة ويتركه لوحده، من يصبر على هذا؟ صعب جداً أن يترك الإنسان ولده في وادٍ غير ذي زرع، ويقول بعدها: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧].
ولما ولى بدأت عواطف المرأة تضغط عليه وتقول: يا إبراهيم! أفي مثل هذا الوضع تتركنا؟ لمن تتركنا يا إبراهيم؟ وهو يسكت لا يرد عليها بكلمة خشية أن يعتذر لها أو يبرر لها موقفه، وينفذ أمر الله وهو ساكت، بدون أي مراجعة، فعرفت أن هناك سراً وقالت له: آلله أمرك بهذا؟ أي: تركتنا هنا بأمر الله؟ قال: نعم، قالت: إذاً لا يضيعنا.
وفعلاً لم يضيعهم ربي، رغم أنه تركهم في (وادٍ غير ذي زرع)، حجارة صلداء، الموت الأحمر يشب منها، لا يوجد ماء ولا مرعى ولا أكل، حتى الطير لا يوجد في السماء.
وعندما انتهى الماء الذي في الدلو الذي معها -الذي فيه الماء- وبدأ الولد يتلهب عطشاً وانفجر قلبه من العطش، وبكى وصاح، فقامت تبحث ولم تقطع الأمل في الله، تصعد إلى المروة ثم تنزل إلى الصفا، وإذا نزلت بطن الوادي أسرعت وهرولت ثم تعود، وتطلع وتنزل، وتدعو الله، وإذا بها ترى الولد والماء من بين يديه ينبع ويمشي فتزمه وترده.
يقول ﵊: (رحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم لكانت عيناً معيناً) لكانت نهراً يجري ويغرق الدنيا كلها، لكنها زمتها وبقيت، وهاهي الآن تروي الملايين من البشر ولا ينقص فيها (سنتيمتراً) واحداً بأمر الله، من أين أتت؟ وأين البحار التي تنبع منها؟ من وسط الجبال الصلد، لا إله إلا الله! فهذا صبر إبراهيم.
ثم صبر إبراهيم على ذبح ولده، حيث جاءته الرؤيا -ورؤيا الأنبياء وحي- أن يذبح ولده، والولد لا يُذبح، لكنه كان يحبه، يقول ابن القيم: إن إبراهيم كان يُحب إسماعيل حباً عميقاً لطاعته، ولمشاركته له في بناء الكعبة، ولبره، ولنبوته، ولرجولته وفتوته.
حتى أنه أمره أن يطلق امرأته فما قال: لا.
والله ما أقدر على أن أطلقها، والنساء غاليات وأنت لا عقل عندك، لا.
بل مباشرة، وبكلمة واحدة، جاء يزورهم من بيت المقدس ولما دخل عليهم ودق الباب، أجابت المرأة، فقال: كيف أنتم؟ -وكانوا في أحسن حال- قالت: في شر حال -لأن بعض النساء حتى ولو كنت في أحسن حال، تجعل حسن الحال شر حال؛ لأن قلبها شرير والعياذ بالله- قال: إذا جاء زوجك، فقولي له: أتى شيخ إلى هنا وقال: غيِّر عتبة دارك.
المرأة يعبر عنها بعتبة الدار؛ لأنها أول ما تنظر إذا دخلت البيت، وفي عتبة الباب تبدأ المرأة تدعو عليك وتنكبك على رأسك، وإذا كانت العتبة سهلة فكل يوم تستقبلك وتفتح قلبك وتبش في وجهك، وتجعل حياتك كلها أنس، ولهذا فالمرأة عتبة؛ إما عتبةً سيئةً أو عتبةً حسنةً، قال: غيِّر العتبة -هذه العتبة ليست حسنة- فلما عاد من الصيد، قالت: جاء شيخ يقول: غيِّر عتبة الدار، فقال: اذهبي إلى أهلك، فطردها بدون مراجعة.
وبقي فترة، ثم تزوج بأخرى، وكانوا في وقت شدة وجوع وقحط وليس عندهم شيء؛ لكن هذه المرأة صاحبة دين وخير، فجاء إبراهيم فقال: أين زوجك؟ قالت: في الصيد.
قال: كيف حالكم؟ قالت: في أحسن حال.
انظر إلى بعض الزوجات عندما تدخل عليها وليس عندها في البيت شيء، ولكن عندها إيمان، ومعك ضيف فتدخل وتقول: عندكم عشاء؟ تقول: نعم.
كل خير موجود، وهي ليس عندها شيء، ولكن تريد أن تفتح قلبك، هذه الكلمة كأنها عشّت الضيف، وبعد ما تقول لك: نعم أبشرك، فكل شيء جيد، ثم تدعوك بعد وقت، وتقول: ما رأيك أن تأتي لنا بخبز ولبن وهكذا عن طريق المشاورة، فأنت رأساً تقول: نعم.
نأتي بكذا وكذا؛ لأنها قد فتحت قلبك، لكن بعض النساء قد تجد بيتها مليئاً بالخيرات، وإذا دخل زوجها بضيف واحد فقط، قالت: لماذا تأتي به؟ تريده أن يأكل عشانا، تريد أن تظهر أمام الناس، اذهب وأحضر أكلاً، والله لا يذوق عندنا لقمة، أعوذ بالله من بعض النساء! ما هذه الأخلاق؟! فهذه المرأة الصالحة، قالت له: نعم نحن في أحسن حال، فقال لها: قولي لزوجك أن يثبت عتبة داره؛ أي: لا يترك هذه المرأة.
ولما بلغ معه السعي وأصبح رجلاً: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] يقول المفسرون: إن إبراهيم لم يخير إسماعيل -يعني: لم يقل له: ما رأيك نذبحك أم لا؟ - لا.
لم يقل: انظر ما هو رأيك؟ وإنما قال: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] أي: كيف ننفذ أمر الله، تريد أن أذبحك وأنت قائم، أو أذبحك وأنت جالس، أو أذبحك وأنت على جنبك، أو أذبحك وأنت على بطنك؟ وتريد أن أذبحك بالسكين، أو أذبحك بالرمح؟ أي وسيلة المهم ماذا ترى في تنفيذ أمر الله؟ لكنه ليس رأياً: تنفذ أم لا، فقال إسماعيل ﵊: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢] لا إله إلا الله! ما أعظم هذا الموقف أيها الإخوة! الولد يستسلم، والأب يستسلم، ويخضعون لأمر الله، وقد كان هذا رؤيا لكن قوة الإيمان: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] تله للجبين: أي وضعه على الأرض وأهوى على حلقه بالسكين من طريق جبينه، فنظر إلى عينيه والعينين تنظر إلى الولد، والولد ينظر إلى السكين، وكلاهما مستسلمان لله، فتعبر الرحمة الموجودة في قلبه بولده، أن السكين لا تذبح، ولا تقطع؛ لأن الله سلبها القدرة، لأن الذي أعطاها القدرة سلبها القدرة، والذي أعطى النار القدرة سلبها القدرة.
فهو يخلق ما يشاء ويختار، فيذبح بالسكين فلا تقطع، فيقول الولد لأبيه: كبني على وجهي لكي لا تنظر إلى حتى تنفذ أمر ربي ، وبينما هو في هذا الوضع وإذا بالفرج يأتي من الله قال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٧] هذا صبر الأنبياء وهم أفضل خلق الله، وكذلك غيرهم من الصالحين، والله يقول: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] في ميادين الابتلاءات العادية.
стр. 2456
من ميادين الصبر: الصبر عن شهوات النفس
النفس حبب إليها الشهوات، قال الله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران:١٤] كل هذه النعم الناس يحبونها مزينة، لكن فيها حلال وفيها حرام: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران:١٤].
يوجد في النساء حلال وهن الزوجات، ويوجد في النساء حرام وهن الباغيات والزانيات، ويوجد بنون تحبهم لأنهم يعينوك على طاعة الله، ويوجد بنون يجب أن تبغضهم لأنهم يصرفونك عن طاعة الله، ولا يسيرون معك في خط الله .
كذلك المال: يوجد من المال الحلال ويوجد من المال الحرام، فالحلال يحبه الله، والحرام يبغضه الله، فعليك في ميادين الصبر أن تصبر عن شهوات النفس إذا أخذت الدنيا زخرفها، وأقبلت وتزينت، وظننت أنك قادرٌ عليها، فاحذر من أن تقدر على شيء حرمه الله، فقد تسقط في هذا الميدان، لأنه شهوة، والشهوة تحبها النفس، والشهوة منزلق تنزلق فيه النفس، ولا مصير إلا النار، والله يقول: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥] ويقول : ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١].
ثم لا بد أن تعرف أيها القانع بما رزقك الله أن الله لا يعطي المال لأصحاب المال، ولا المناصب لأصحاب المناصب، بناءً على حبه لهم، فقد يعطيهم وهو يبغضهم، يقول الله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون:٥٥ - ٥٦].
والله يبتلي بالمال كما يبتلي بالفقر، والمال يعطيه الله من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب، فلا تحزن إذا لم يعطك الله مالاً، ولا تحزن إذا لم يعطك الله منصباً ولا سؤدداً، وعليك أن ترضى بما قسم الله لك، وأن تعرف أن هذه قسمة الله ﵎.
قارون عندما خرج على قومه في زينته ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩] فقال أهل الإيمان والعلم بالله في الدنيا والآخرة قالوا: (ويلكم) دعوا عليهم بالويل، وقالوا: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٨٠].
فخسف الله بقارون وقومه فهو يتجلجل في بطن الأرض إلى يوم القيامة.
والذين قالوا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا﴾ [القصص:٧٩] قالوا: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٢ - ٨٣].
стр. 2457
من ميادين الصبر: الصبر بعد العمل
عليك بعد أن تعمل عملاً أن تصبر ولا تنظر لنفسك بعين العجب والرياء والاستكبار، وتتظاهر بأنك عملت وأنك صنعت، فتأتيك السمعة، لأنه جاء عنه ﷺ أن (من راءى راءى الله به، ومن سمّع سمّع الله به).
وبالتالي يحبط عملك، ويبطل أجرك، وتخسر دنياك وآخرتك، ولم تربح شيئاً، بل عليك بعد العمل أن تكون أضعف منك حالاً قبل العمل، ولهذا شرع الله لنا الاستغفار بعد الصلاة، وشرع لنا الاستغفار في قيام الليل: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨].
وشرع لنا الاستغفار بعد يوم عرفات، قال : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩] إذا أفضت من عرفات وقد غفر الله ذنبك فعليك أن تستغفر الله، لماذا؟ لكي لا يأتي عجب، وتقول: أنا الآن غفر الله ذنبي فأنا لم يبق عليَّ شيء، سأعمل ما أعمل، لا، قد لا يغفر الله ذنبك، فعليك أن تستشعر باستمرار صبرك على العمل وطلب القبول من الله حتى لا يحبط عملك.
стр. 2458
من ميادين الصبر: الصبر في الدعوة إلى الله
إن الدعوة إلى الله وظيفة الأنبياء، وهي ظيفة المسلم في هذه الحياة، ولا يختص بها نفر دون نفر، ولا يتصور أحد أن الدعوة هي وظيفة من يخطب، أو يقول الكلام الطيب للناس، لا.
هي وظيفة كل مسلم، الذي يجب أن يكون داعية.
وتتفاوت مراتب الناس ودرجاتهم بحسب إمكانياتهم وقدراتهم، ولكن لا بد أن يكون داعية؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] لا بد من كل من اتبع الرسول أن يكون داعية إلى الله ، والذي يدعو الناس إلى الله فإنه يتعرض لآلام ومتاعب، لماذا؟ لأن الداعية يطلب من الناس أن يطلقوا ويتركوا أهواءهم، وينتصروا على شهواتهم وأن يقفوا عند حدود الله أمراً ونهياً، وأكثر الناس لا يحب هذا النمط، ولا يحب القيود، بل يحب أن يكون طليقاً كالدابة أو الحيوان، يأكل ويمشي ويبقى على لذته، وبالتالي يتخذ من الدعوة والدعاة موقفاً مغايراً وعداءً مستحكماً، هذه سنة الله في خلقه منذ أول نبي إلى يوم القيامة.
إن الذي يأمر الناس وينهاهم لا يستجيب له الناس كلهم، فمن هنا كان لا بد من الصبر واليقين على هذه البلايا والمصائب.
يقول الله حكاية عن لقمان وهو يعظ ابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧].
وهذا الداعي أيضاً مأمور بصبر خاص، صبر حينما يعرض الناس عن دعوته؛ لأن من الناس من يتصدى لدعوة الآخرين، ثم لا يجد قبولاً، وهذا امتحان من الله واختبار له، هل يثبت ويستمر، أم يقل: والله لا يوجد أحد أطاعني؛ إذاً انتهى كل شيء؟ لا.
اصبر، أنت عليك أن تدعو إلى الله، وتجلب بضاعة سماوية إن اشترى الناس منك فالحمد لله، فاجلب البضاعة والتوفيق بيد الله ﵎، ولا شيء أثقل على النفس من إعراض أهل الباطل عن الحق، هذا صعب جداً، حتى إن نوحاً قال لربه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً﴾ [نوح:٥ - ٧] ثم عدد ونوع أشكال الدعوة: دعاهم سراً، ودعاهم جهاراً، ودعاهم جماعة ودعاهم نفراً، بكل أسلوب، ثم بعد ذلك رفضوا دعوته، فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ [نوح:٢٦].
والنبي ﷺ أيضاً كان يتألم لرفض دعوته فيقول: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:٣ - ٥] ولكن قال الله: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٧ - ١٢٨].
стр. 2459
من ميادين الصبر: الصبر على الزوجة والأولاد
هناك ميادين الصبر في البيت، ولا بد من الصبر، وإذا لم تصبر وتعالج أمورك بالحكمة والصبر فشلت، وإذا فشلت فلن تجد امرأة كاملة، من أراد كمالاً في المرأة فذلك في الجنة، والمرأة خلقت من ضلعٍ أعوج، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فاستمتعوا بهن على عوجهن، فإذا وجدت عوجاً في المرأة فعليك أن تصبر، وتعالج الأمور بالحكمة وبالتي هي أحسن، إلا عوجين لا صبر لك عليهما؛ عوجاً في الدين: كأن تكون لا تصلي، أو كافرة، أو قليلة دين.
أو عوجاً في العرض: كأن تكون خائنة لعرضك، هذان العوجان لا صبر عليهما، وإنما الصبر في غيرها، كأن لا تجد طعاماً مطهياً، ولا ثوباً مغسولاً، ولا ولداً نظيفاً، ولا بيتاً مرتباً، أو لم تجد عبارة حلوة، أو لم تجد فراشاً طيباً، وإنما وجدت مشاكل، فاصبر فإنك إن لم تصبر تعبت.
وكذلك أولادك عليك أن تصبر عليهم؛ لأن الله يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٢٨].
стр. 2460
من ميادين الصبر: الصبر على الإخوان في الله
الأخوة في الله رابطة من أعظم الروابط الإيمانية، أن تحب في الله وتبغض في الله، ولكن الإنسان من طبيعته النقص والنسيان والغفلة فلا يوجد أحد كامل، ولذلك قد يصدر من بعض إخوانك فعلٌ يؤذيك، فعليك ألا تقابل هذا الفعل بشر، وإنما عليك أن تقابله بتحمل، وباحتمالٍ طيب، وأن تحمله محملاً حسناً، وأن تغض الطرف عنه، لأنك إذا أخذت إخوانك على هذا المنوال، فكلما أخطأ عليك أخطأت عليه، وكلما أخطأ عليك غضبت عليه وقاطعته، لن تجد في يوم من الأيام معك أحداً، ستبقى وحيداً في الحياة لا تجد من يخاللك؛ لأن الناس كلهم فيهم نقص، ولكن اصبر والله يأمر بهذا ويقول: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٥].
فطوبى لمن ألجم نفسه بلجام الحلم، وكبح جماحها، وصبر على الإخوان، وحرص على دفع شرورهم وأذاهم عن طريق الصبر والرحمة والسلوك الجميل، وبهذا يحقق له كثرة من الإخوان، ويحقق له محبة في قلوب الناس أجمعين.
стр. 2461
من ميادين الصبر: الصبر في طلب العلم
يشكو كثير من إخواننا ويقولون: لنا الآن سنوات ماذا نعمل؟ لم نتعلم شيئاً، ولم نتلق علماً؟! لا.
اصبر قد تظل سنوات.
стр. 2462
صبر ابن حجر في طلب العلم
جلس ابن حجر خمس سنوات وهو ملازم للمشايخ لم يتعلم حرفاً واحداً، وجاء إلى شيخه يوماً فقال له: أتدري؟ قال: نعم.
قال: هذا حبل وهذه عصا، اذهب واحتطب أو ارعَ لك غنماً، أما العلم فليس لك، أنت في تطلب العلم منذ خمس سنوات وما تعلمت شيئاً.
فذهب ابن حجر ولما مر في طريقه على بئر والناس يتعبون في إخراج الماء، لاحظ أن الحبال قد قطعت الحجر، فتعجب وقال: الحبل يقطع الحجر! الحبل الذي من القطن يقطع الحجر الصلب؟! فقالوا: على الدوام يقطع الحبل الحجر، قال: وعلى الدوام يقطع العلم ابن حجر، وقطعه ﵁ وأرضاه، وأصبح الإمام الحافظ، صاحب فتح الباري، الذي قال فيه العلماء: لا هجرة بعد الفتح.
يعني: في طلب العلم، من عنده فتح الباري كأن في بيته نبي، فالعلم كله مجموع في فتح الباري، لأنه شرح صحيح البخاري، وأتى بالعلم كله من أوله إلى آخره، من أين أتى بهذا؟ بالمداومة والمرابطة، فلا بد من الصبر عند طلب العلم.
стр. 2463
صبر موسى ﵇ في طلب العلم
- وفي قصة موسى ﵇ عظة وحكمة، فقد وقف موسى خطيباً في بني إسرائيل وقال: ما على وجه الأرض أعلم مني، فأوحى الله إليه وقال: لا.
يوجد في الأرض أعلم منك، وكان قد نسي أن يقول: إلا الله، فدله الله على عالم في أقصى الأرض، في طنجة في مجمع البحرين، في ملتقى البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي، في مضيق جبل طارق، الذي بين أسبانيا والمغرب، وقد كان موسى يعيش في أطراف مصر بالقرب من فلسطين، فانظر كيف قطع هذه المسافة عبر مصر ثم ليبيا ثم تونس ثم الجزائر ثم المغرب.
رحلة طويلة، فأخبره الله، وشد رحله وأخذ صاحبه وفتاه وخرج.
وقال: يا رب! كيف أعرف هذا الرجل؟ أريد علامة، قال: معك هذا الحوت الميت المحنط المملح إذا عادت الروح إلى هذا الحوت فانظر الرجل هناك.
ثم مشى حتى وصلا إليه، ولما وجده ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ [الكهف:٦٦] قال له: أريد أن أمشي معك فعلمني، قال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف:٦٧] العلم يتطلب صبراً، وأنت رجل تريد العلم في يوم وتعود، ليس عندك صبر فلا تصلح، قال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ [الكهف:٦٩] انظروا أدب طالب العلم، إني إن شاء الله صابراً، وبعض الناس يريد طلب العلم في ليلة، قال: حضرنا ندوتين وثلاث، وما وجدنا إلا كلام.
إن العلم يريد منك أن تعطه كلك ويأتيك بعضه.
: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥].
ومن قال: إنه قد علم فقد جهل، فقال له: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ [الكهف:٧٠] كن مؤدباً، طالب العلم لا يسأل، إلا إذا قلت لك وعلمتك فاسأل: ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ [الكهف:٧٠] فمشوا وركبوا في السفينة، ولما ركبوا قام الرجل وأخذ المخراق والمطرقة وقام يخرق السفينة ويدق فيها، يريد موسى أن يسكت وهو نبي، والنبي بعث للإصلاح وليس للإفساد.
ونظر أن هذا إفساد وتخريب للسفينة، والسفينة هذه لمساكين وليس معهم إلا هي، وكيف تخربها ونحن ساكتون ونغرق وتغرق، فقال له موسى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ [الكهف:٧١] ولم يصبر: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٢] ألم أقل لك: لا تسأل؟! ﴿قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ [الكهف:٧٣] يقول له: اعذرني فقد نسيت.
﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ [الكهف:٧٤] دخلوا في قرية ووجدوا الأطفال يلعبون، فأمسك بواحدٍ من الأطفال، أخذ برأسه فذبحه وفصل رأسه عن جسده، فغضب موسى.
فقال: ما هذا الرجل الذي عنده علم وهو يذبح الناس؟! ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ [الكهف:٧٤] هناك قال: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ [الكهف:٧١] وهنا قال: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ [الكهف:٧٤] يعني: هذا منكر ولا نصبر عليه، قال له: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٥] هناك قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾ [الكهف:٧٢] وهنا قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف:٧٥ - ٧٦].
قال: أعطني فقط فرصة أخيرة، ودائماً العالم من شأنه ألا يغضب على طالبه من أول مرة ويطرده، انظر أعطاه المرة الأولى والثانية والثالثة، وبعد الثالثة لم يقبله أبداً، قال له: امض، ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ [الكهف:٧٧] وكان أهلها بخلاء، فلم يعطوهم شيئاً ولم يضيوفهم، وإذا بجدار سيسقط، فبنى الخضر الجدار، فتعجب موسى وقال: عجيب أمرك، هؤلاء لا يضيفوننا وأنت تبني جدراهم، على الأقل خذ عطية على هذا: ﴿لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ [الكهف:٧٧ - ٧٩] فيقول: أنا خرقتها لا لأغرقها ولكن خرقتها لتنجو، ولئلا يأخذها الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً، فالخرق هنا فيه مصلحة، ولكن هذه المصلحة يعرفها الخضر ولا يعرفها موسى، رغم أن موسى نبي، لكن عند الخضر علم ليس عند موسى.
قال: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف:٨٠] وقد علم الله من هذا الولد أنه ضال وفاجر، وسوف يرهقهما طغياناً وكفراً: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ [الكهف:٨١] يقول: نقتله حتى لا يكون سبباً في كفر والديه.
قال: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ [الكهف:٨٢].
يقول ﵊: (رحم الله أخي موسى لو صبر لقص علينا الله من خبرهما ما شاء) يقول: لو صبر لأراه الله من الخضر الشيء العظيم، لكن لم يصبر واستعجل، وقال: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:٧٨] ثم لما أراد موسى أن يرجع دعاه -والحديث في البخاري - الخضر فقال: يا موسى! قال: نعم، وقد نظر إلى المحيط الأطلسي وفيه طائر من عصافير البحر يقف على طرف البحر، يركز منقاره في الماء ثم يأخذ له قطرة ثم يرفع رأسه لكي تنزل هذه القطرة قال: أترى هذا العصفور ينقص من البحر؟ قال: لا، قال: والله ما علمي وعلمك وعلم الناس أجمعين بالنسبة لعلم الله إلا كما ينقص هذا العصفور من هذا البحر.
والله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧]، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف:١٠٩] لو أنه مداد أي: حبر بكلمات الله لانتهى البحر ولم ينته ما عند الله : ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦].
وفي هذه القصة أحكام وفقه نذكره: - أولاً: على طالب العلم أن يتواضع، فلا يرفع رأسه ويقول: أنا عندي شهادة، وعندي (ماجستير)، وعندي (دكتوراة)، والناس يسمعون كلامي، وأنا عالم، وصاحب مركز، لا.
عليك أن تتواضع وإلا سقطت من عين الله ، وإذا سقطت من عين الله سقطت من كل عين؛ لأن قلوب العباد بيد الله، هذا موسى قال: ليس في الأرض أعلم مني.
ونسي أن يقول: إلا الله، فأراه الله أن في الأرض من هو أعلم منه.
- ثانياً: على طالب العلم أن يصبر ويصابر ويتأدب، ولا يتعجل على استعجال العلوم من العالم.
- ثالثاً: يجب أن يلتزم العقد الذي شرط عليه الشيخ، فإذا كان الشيخ قد قال له: لا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً، إذا قال لك الشيخ: لا تأتي إلا بعد العصر، لا تأتني إلا بعد المغرب، لا تظل تنازعه، تقول: لا والله بعد المغرب عندي عمل، اذهب إلى عملك ما عليَّ منك، أنا أعطيك؛ لأن العالم إذا أعطيته قلبك أعطاك علمه، وإذا أعطيته صلفاً، طردك، فيجب أن تكون متأدباً بكمال الأدب مع العالم.
وكذلك يجب على العالم أن يراعي ضعف تلميذه، وألا يغضب عليه وألا يرده، بل عليه أن يتحمله حتى لا يأخذه بأول غلطة.
стр. 2464
أمور تعين على الصبر
هناك أمور تعينك على الصبر لا بد أن يعرف كل عاقل أن الصبر مأخوذٌ من الصَبِرِ وأنه مر المذاق، ليس من العسل، ولا بد لهذه المرارة من معاناة، أنت تصبر على مرارة الدواء، وتصبر على وخز الإبرة، وتصبر على ألم العملية طمعاً في العافية والثواب، وهناك أمور تعينك على الصبر: - أولاً: معرفة طبيعة هذه الدنيا، أنها دار بلاء ومصائب، ليست دار جزاء، وليس فيها نعيم، بل جبلت كلها على كدر: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤] في معاناة وتعب، فإذا أرادت أن تكون على غير ما أرادها الله، لا تستطيع.
أنت لست الذي خلقها، الله الذي خلقها، فوطن نفسك على أن تعتبرها دار بلاء ومصائب، فكلما أتت مصيبة وأنت مستعد لها وإذا بها خفيفة، لكن إذا لم توطن نفسك على المصائب، تأتيك المصائب فتتعبك، يقول:
إن لله عباداً فطناً طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا
جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا
والله يقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:٤].
ويقول الناظم الرندي ﵀:
لكل شيءٍ إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الحياة كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان
ليعلم العبد أنه يتقلب بين النعيم والعذاب، وبين المصائب والمنح، وبين الفتن والعطايا، وبين النعم والبلايا، فإذا أتت البلية فاصبر لها، وإذا أتت المنحة والهدية فاحمد الله واشكره عليها.
- ثانياً: مما يعينك على الصبر أن توقن بالجزاء على المصيبة: لأن الله يجزي كل إنسان بعمله إلا الصابر فيجزيه بغير حساب، قال الله : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠] وقال : ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٦].
فيوم أن تشعر أنَّ على هذه المصيبة ثواباً تفرح، وتقول: الحمد لله، وهذا مما يعينك على الصبر.
ثالثاً: معرفة نفسك: اعرف نفسك أيها الإنسان! والمال الذي يذهب هو مال الله، والولد الذي جاءك ومات من الله ، وأنت نفسك إذا مت ومرضت أنت نفسك من الله، فما دام كل شيء من الله فهو ملكه يتصرف فيه كيف يشاء؛ فلماذا الغضب؟ وفي هذا حديث في البخاري ومسلم وهو حديث أم سليم زوجة أبي طلحة ﵂، وهذه زوجة عظيمة مثالية ما أظن في الدنيا مثلها في مثل هذا الموقف، الله أكبر! مات ولده ولما مات قالت لأهل البيت: اسكتوا ولا تخبروه، أنا سوف أخبره، فلما دخل قربت له العشاء، وأكل وشرب، ثم تصنعت له وتجملت وتعطرت، ثم جاءت إليه، فقال لها: ما صنع الغلام؟ قالت: هو أهدأ ما يكون، أي: مستريح وهي صادقة لأنه قد مات في أهدأ ما يكون، ثم لا زالت به حتى أتاها وواقعها، فلما رأت أنه قد شبع واستراح معها، قالت له: يا أبا طلحة -انظروا كيف العقلية يا إخواني، هذه ليس عندها (ماجستير) ولا (دكتوراه)؟!! انظروا كيف يجعل الإيمان من هذه النماذج قمماً في الحياة- قالت: يا أبا طلحة! أرأيت لو أن قوماً أعارونا عارية -ماعوناً أو أي شيء- ثم طلبوها -طلبوا عاريتهم- ألنا أن نمنعهم؟ -إذا أعطونا دلواً، أو فأساً، أو سيارة، وقضينا بها حاجتنا والآن طلبوها، أيجوز لنا أن نمنعهم؟ قال: لا.
قالت: فاحتسب ابنك عند الله فإنه عارية الله طلبها.
وما المال والأهلون إلا ودائع ولا بد يوماً أن ترد الودائع
فغضب أبو طلحة ﵁ غضباً على هذا الموقف، وقال لها: تركتيني حتى تلطخت -أي: لم تخبريني إلا بعدما عملت، أعلمتني بولدي- ثم انطلق إلى النبي ﷺ فأخبره بما كان فقال عليه الصلاة: (بارك الله لكما في ليلتكما) فحملت تلك الليلة، ووضعت ولداً، حنكه النبي ﷺ بيده بالتمر، وسماه عبد الله، الذي رزق تسعة من الولد كلهم حفظوا القرآن بأسباب المرأة الصالحة، التي عرفت أن هذا الولد من الله عوضها الله في الدنيا والآخرة.
لكن لو أنها صاحت ووجلت مثل النساء وبكت ماذا سيصير؟ هل سوف يحيا ولدها؟ لا.
ستخسر ولدها وتخسر ثواب الله ، فلا بد من أن نستعين بمعرفة أنفسنا، وأننا لله الذي لا إله إلا هو.
أيضاً نستعين بالله على المصاب، إذا جاءتك مصيبة في ولدك أو زوجتك أو سيارتك أو في أي شيء، قل: إنا لله وإنا إليه راجعون، استعنا بالله، فالله يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] والله يقول: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ [الأعراف:١٢٨] فلا بد أن تصبر.
وأيضاً أن تتأسى بأهل العزائم، وأهل الصبر الذين صبروا مثل الأنبياء والرسل؛ لأن الله يقول: ﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ [هود:١٢٠] ويقول: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:٢٣].
- أيضاً مما يعينك على الصبر على المصيبة: أن تعلم أنه مهما كانت فإن هناك أعظم منها، لا يوجد مصيبة في الدنيا إلا ويوجد أكبر منها، وإن الله اختار لك هذه المصيبة، وأنه يوجد أعظم منها، وأن الله يثيبك عليها، واعلم أن أعظم مصيبة وقعت بك هي مصيبتك في محمدٍ ﷺ .
اصبر لكل مصيبة وتجلد واعلم بأن المرء غير مخلد
وإذا دهتك مصيبة فاصبر لها واذكر مصابك في النبي محمد
هل هناك أعظم على المسلم من مصيبته في رسول الله ﷺ ؟ لا والله.
стр. 2465
أمور تحدث عند الحزن لا تنافي الصبر
هناك أمور يعملها الواحد منا ولا تنافي الصبر، وهي: بكاء العين وحزن القلب، فإن الإنسان بشر وليس بحجر، فإذا مات ولدك أو ماتت زوجتك، ودمعت عينك أو حزن قلبك، فهذا مباح؛ لأنه من طبيعة البشر، والنبي ﷺ لما مات ولده إبراهيم، ذرفت عيناه ﷺ وقال: (إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون).
فقال عبد الرحمن لما رآه: وأنت يا رسول الله؟! أنت تبكي يا رسول الله وأنت تنهانا عن البكاء، قال: (يا ابن عوف! إنها رحمة لا بد أن تكون في قلب الإنسان) والذي لا يبكي بكاء الرحمة فقلبه قاسٍ، والقلب القاسي بعيدٌ عن الله .
فلا ينافي الصبر إذا دمعت عينك؛ لكن لا تدمع عينك مع رفع صوت، ولا مع ندب، ولا مع شق جيب، ولا مع نتف شعر، أو اعتراض أو شيء من السخط، إنما تدمع عينك ويحزن قلبك وتشكو أمرك إلى الله .
وأيضاً هناك شيء لا ينافي الصبر وهو الشكوى، لكن إلى الله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦].
حسبنا الله ونعم الوكيل، إذا قلتها فرج الله همك، اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، اشك إلى الله؛ لأن الله بيده الأمور، بيده الخفض والرفعة، بيده المنع والإعطاء، فكل شيءٍ عنده، فاشك إليه.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقنا وإياكم الصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم.
стр. 2466
صحة الإنسان في شريعة الرحمن
من خصائص هذا الدين العظيم: الشمول والتكامل والإحاطة بجميع جوانب الحياة، ومن ذلك أنه اهتم بالإنسان المسلم وصحته، حتى أصبح ذلك مظهراً من مظاهر إعجاز هذا الدين العظيم.
والمتأمل في كتاب الله وسنة رسوله ﵊ يلاحظ أن الشارع أمر بأمرين هما أساس الصحة وطلب العافية: الأول: الوقاية وطرق العمل بها.
فالوقاية -كما يقال- خير من العلاج.
والثاني: العلاج والتداوي، فقد أوجب الإسلام ذلك وحث عليه، والنصوص مليئة بذكر ذلك للمتأمل والمتدبر.
стр. 2467
علاقة الصحة بدين الإسلام
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فإن موضوع درس هذه الليلة سيكون عن الصحة في الإسلام، وقد تتعجبون من اختياري لهذا الموضوع، ولكن إذا علمتم أن الصحة واهتمام الإسلام بها وتركيزه عليها يعتبر مظهراً من مظاهر إعجاز النبي ﷺ ، ودليلاً من دلائل نبوته ﵊؛ لزال العجب، إذ قد يقول قائل: ما علاقة الصحة بدراسة العقيدة والتوحيد؟ فنقول: إن العلاقة قوية، والصلة شديدة، إذ أنك إذا علمت هذه الأمور التي هي أعظم مما قد تصل إليه عقول البشر عبر سنيها وتجاربها الطويلة، وقد سبق إليها رسول الله ﷺ في جميع الجوانب الصحية، الوقائية منها والعلاجية، فإنك بهذا تدرك أن هذا الرسول ﷺ مرسل من عند الله، فتترسخ عقيدتك، ويزداد إيمانك، ويقوى يقينك، وتخضع لشريعة مولاك بعد أن علمت أنه صلوات الله وسلامه عليه لا ينطق عن الهوى.
ومن خصائص هذا الدين العظيم الذي ارتضاه الله للعالمين: الشمول والتكامل والإحاطة بجميع جوانب الحياة، عقيدةً وعبادةً، وسلوكاً ومعاملةً وأخلاقاً، وهذه دلالة واضحةٌ على أنه من عند الله ، وتؤكد لنا هذا تأكيداً جازماً، فيزداد المسلم إيماناً ويقيناً، ويعيش على نورٍ من الله وبرهان، فينال السعادة في الدنيا والفوز والفلاح في الدار الآخرة.
والمتأمل لكتاب الله، والمطلع على سنة رسول الله ﷺ ، والمتابع لسيرة أصحابه وحياتهم ﵃ وأرضاهم، والمتابع لحياته صلوات الله وسلامه عليه في مسجده وبيته، وفي جهاده وسلمه، وفي حله وترحاله، يجد أن للصحة مساحةً واسعةً وقدراً كبيراً من الاهتمام.
كيف لا! وهي تتعلق بالإنسان الذي هو المستخلف على هذه الأرض، ويجد ويلمس ما يبعث على الدهشة، ويثير العجب، ويشعر بأنه أمام إعجازٍ باهرٍ يؤكد أن هذا الدين من عند الله، وأن هذا النبي رسول الله ﷺ ، وإلا فكيف يمكن لرجل أمي لا يقرأ ولا يكتب، يعيش في مجتمعٍ أولي لا توجد به جامعات ولا مراكز بحث علمي؛ كيف يمكن لهذا أن يضع الأسس العامة للصحة الوقائية والعلاجية التي يعجز عنها أمهر الباحثين والخبراء، وكبار الأساتذة والأطباء، رغم تقدم الوسائل وكثرة الإمكانيات، ووجود المجاهر والمختبرات ومزارع الميكروبات وأجهزة الكمبيوتر إلى هذا الوقت، فبالرغم مما استطاع الإنسان أن يصل إليه من هذه الإمكانيات، إلا أنه عاجز أن يصل إلى ما وصل إليه رسول الله ﷺ .
فتُثبِت هذه الأمور عندنا، وتقيم لدينا أدلةً واضحة ساطعة كالشمس في رابعة النهار على أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلى وحي يوحى.
وسوف نقضي هذا الوقت الضيق والقصير مع الإعجاز النبوي في مجال صحة الإنسان في الجانبين: الجانب الوقائي، والجانب العلاجي، فإن الوقاية خير من العلاج، ودرهم وقاية خير من قنطار علاج، وإذا استطعت أن تقي نفسك من المرض فأنت أفهم وأقدر من أن تصبر حتى يأتيك المرض ثم تعالج نفسك.
стр. 2468
الإعجاز النبوي الطبي في الجانب الوقائي
أما في مجال الوقاية فقد وضع رسول الله ﷺ الخطوط الرئيسية لما يسميه الأطباء اليوم: بالوقاية، والتي تعتبر خط الدفاع الأول ضد الأمراض المعدية وغير المعدية.
стр. 2469
الحجر الصحي كوسيلة من وسائل الوقاية
ندب الشرع إلى الوقاية بالحجر الصحي، وهو الذي يسميه الأطباء اليوم: (الكرنتينا) أو الحجر الصحي، فقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (كان في وفد ثقيف رجلٌ مجذوم قدم ليبايع النبي ﷺ ، فأرسل إليه ﷺ أن ارجع فقد بايعناك) لماذا؟ للحجر، حتى لا يأتي فتنتقل عدواه إلى بقية الناس، وثبت في صحيح البخاري عنه ﷺ قوله: (فر من المجذوم فرارك من الأسد)، وفي الصحيحين قال ﵊: (لا يوردن ممرض على مصح) من أجل ألا تنتقل العدوى إلى الصحيح، وهذا هو أساس الحجر الصحي، وأيضاً ورد في الصحيحين حديث عن الطاعون قال فيه ﵊: (إذا سمعتم بالطاعون بأرضٍ فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا منها).
وكان العلماء قبل مسألة الحجر الصحي يقولون: كيف -إذا دخل الطاعون- نبقى ولا نخرج، نعرض أنفسنا للموت ونبقى فيها! لكن لما جاء الطب بمسألة الحجر وجدوا أن الحديث فيه معاني الحجر الصحي، إذ أنه إذا دخل الطاعون في أرض وأنت فيها فلا تخرج منها؛ حتى لا يؤدي خروجك منها إلى نقل الوباء إلى الآخرين، فابق فيها واصبر على قضاء الله وقدره، وإذا حلَّ الطاعون في أرض وأنت خارجها فلا تدخل إليها.
وتحدثنا كتب المغازي أن عمر بن الخطاب ﵁ لما وصل إلى (عمواس) وهي أرض في الشام، وجد الطاعون قد تفشى بها فلم يدخلها، فقال له أبو عبيدة ﵁: [أفراراً من قدر الله يا أمير المؤمنين؟! قال: يا أبا عبيدة! لو غيرك قالها! نَفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله] انظروا حكمة عمر ﵁، ثم ضرب له مثالاً وقال: [أرأيت يا أبا عبيدة لو كانت لك إبل، فهبطت بها وادياً له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة، ألست إذا رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإذا رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: نعم]، وبينما هم في الكلام إذ جاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه وهو السابق إلى الإسلام، وأحد المبشَّرين بالجنة، وتاجر الصحابة لكنه تاجر من طراز فريد، ما كان يبيت ليلة إلا وهو يكسر الذهب بالفئوس ويخرجها في سبيل الله، وكان كلما أخرج زادت أمواله أعظم مما كانت؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] لما جاء قال: عندي في المسألة حكم عن رسول الله ﷺ قال: وما عندك؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا كان الطاعون بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها، وإذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها) صلوات الله وسلامه عليه.
هذا الإجراء هو ما يعرف اليوم بالحجر الصحي، أي: عزل الأماكن والناس عند تفشي الأمراض الوبائية كالطاعون والكوليرا، والجدري، وذلك لمحاصرة المرض والتغلب عليه، والحيلولة دون انتشاره، هذا أول عامل من عوامل الوقاية بالحجر.
стр. 2470
النظافة من وسائل الوقاية
العامل الثاني من عوامل الوقاية: النظافة؛ فإن النظافة من أهم العوامل الصحية التي تحول بين الإنسان وبين الوقوع في الأمراض، ولقد عني الإسلام بأمر النظافة عناية فائقة، ووجه الأنظار إليها، واعتبرها من صميم رسالة الإسلام، فأوجب نظافة البدن والثياب والأمكنة والطرق والبيوت، ونظافة كل شيء، حتى جعل النظافة جزءاً من الإيمان.
ففي نظافة البدن شرع الإسلام الوضوء للصلوات الخمس في اليوم والليلة خمس مرات، وليس من الطهارة، بل من الوضاءة، أي: الحسن والجمال، ولذا ترى الذي يتوضأ دائماً عليه إشراقة ونور، بينما الكافر لو اغتسل في اليوم مائة مرة ما عليه وضاءة، ولا فيه نور ولا جمال، لماذا؟ لأن الكفر يغطيه -والعياذ بالله- فالوضوء الذي تمارسه كعبادة يختلف عن النظافة التي تمارسها كعادة، وهذا أمر فوق النظافة، وفيه يتم غسل الأعضاء الخارجية التي غالباً ما تكون عرضة للتلوث وحمل الجراثيم والإفرازات التي لا تنقطع، فقد أخرج البخاري ومسلم عن النبي ﷺ : (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ).
والوضوء طهارة مادية للأعضاء، وطهارة معنوية للقلب بتكفير الذنوب والخطايا ومحو السيئات، روى الإمام مسلم عن النبي ﵊ قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قلنا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط).
وفوائد الوضوء الصحية كثيرة منها: الحيلولة دون إصابة الجلد بالالتهابات وسرطان الجلد، وقد أجريت دراسات وبحوث بين مجموعة من المسلمين الذي يتوضئون في اليوم خمس مرات، وبين مجموعة من غير المسلمين الذين لا يتوضئون، ووجد أن نسبة إصابة المسلمين بسرطان الجلد والالتهابات اليدوية الجلدية نادرة بل ومعدومة، وأنها كثيرة جداً في الكفار الذين لا يتوضئون، فهذا من إعجاز النبي ﷺ .
وأيضاً يحول دون إصابة أصابع القدمين بالفطريات، وغسل الوجه يمنع حب الشباب وخشونة البشرة، وقد اهتم الإسلام أيضاً ضمن الوضوء بنظافة الفم وتطهيره، وتجلية الأسنان وتنقيتها عن طريق المضمضة واستعمال السواك عند الوضوء والصلاة وقراءة القرآن، وأكد الرسول ﷺ ضرورة استعماله لما له من الفوائد المادية والمعنوية، يقول ﵊ فيما رواه الإمام أحمد في المسند: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) وفي الصحيحين يقول ﵊: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وفي رواية: (عند كل وضوء).
والسواك أفضل من غيره من وسائل التطهير، فوسائل التطهير الأخرى -وهي الفرشاة والمعجون- طيبة ولكن السواك أفضل منها؛ لأنه يشد اللثة ويقويها، وفيه مادة حارقة تذيب العوالق الكلسية التي تترسب على الأسنان، وإذا جمعت بين السواك والفرشاه كان حسناً.
стр. 2471
سنن الفطرة من وسائل الوقاية
ومن اهتمام الإسلام بنظافة الجسم ما شرعه لأتباعه من سنن الفطرة، وهذه غير موجودة في أي أرض إلا عند المسلمين، ففي الصحيحين: (خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد -يعني: حلق العانة- وقص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط)، وهذه فضلات، فمن أخبر النبي ﷺ بهذه الأشياء لولا أنه رسول من عند الله، وقد وصل الطب في زماننا إلى نظافة متناهية لكنهم يتركون هذه الأشياء فيقعون عن طريقها في أمراض كثيرة.
وإليك تفصيل سنن الفطرة الخمس: الختان: وهو إزالة القطعة اللحمية الموجودة على رأس قضيب الرجل؛ لما يترتب على بقائها من وجود أقذار وأوساخ تأتي عن طريق خروج البول، فحرص الإسلام على إزالتها؛ ليكون العضو قابلاً للتطهير والتنظيف بسهولة، لكن بوجودها تبقى الفضلات، ولذا فأكثر الأمراض الجنسية في العالم موجودة في الأعضاء التناسلية في الرجل والمرأة بأسبابٍ منها وجود هذه القلفة وعدم الختان، أما المسلم فإنه بالختان يجنب نفسه جميع هذه الأمراض، والحمد لله.
الاستحداد: وهو حلق شعر العانة؛ لأن وجود الشعر في تلك المنطقة وقربها من النجاسات، يؤدي إلى نمو بعض الحشرات، ووجود بعض الحبيبات، فلو لم يحلق لترتب على وجود ذلك مفاسد وأضرار صحية.
نتف الإبط: فالإبط منطقة مغلقة دائماً عن طريق إرخاء العضد على الجنب، ويترتب على وجود الشعر في هذه المنطقة صعود روائح كريهة، ثم يصير عفناً، ويترتب على العفن نمو ميكروبات وفطريات وأمراض، فجاء الإسلام وأمر بنتف الإبط.
وأيضاً تقليم الأظافر، فالله أوجد الأظافر لحماية الأصابع، إذ لو لم يكن معك ظفر لما عرفت كيف تعيش بإصبعك، فالظفر له أهمية كبيرة في حماية الإصبع، وفي نفس الوقت تجديد قوتها، وأيضاً الاستعانة على لقط الأشياء به، ولكن إذا طال تجمعت الجراثيم والميكروبات تحته، ثم إذا جئت تأكل انتقلت الميكروبات إلى فمك، وبالتالي إلى جسمك وترتب على هذا مرض، فجاء الإسلام وجعل من الفطرة تقليم الأظافر.
ولكنا نرى أن الناس اليوم يصادمون الفطرة، ويغالبون سنن الله، فتجد بعض النساء إذا رأيتها كأنها قطة -والعياذ بالله- تطيل أظافرها ثم تصبغها بالمادة الحمراء كأنها قطة كانت تخمش لحماً، فتتقزز نفسك من منظرها، ثم أيضاً تضع على شفتيها حمرة حمراء كأنها كانت تلعق الدم، فإذا نظرت إليها قلت: ما هذه القطة التي تخمش بأصابعها وتلعق بفمها؟! هي تبحث عن الجمال والحقيقة أنه قبح؛ لأن الجمال شيء آخر غير هذا، فإطالة الأظافر مخالفة سنة النبي ﷺ .
وأيضاً: قص الشارب بحيث يبقى على الإطار؛ لأن إطالة الشارب يؤدي إلى أنك إذا شربت لبناً أو ماءً أو غيره تلوث هذا المشروب بانغماس الشارب فيه؛ لأن شعر الشارب قد يكون محملاً بالجراثيم والميكروبات العالقة في الأجواء أو النازلة من أنفك؛ لأنك عندما تمتخط أو تستنثر تخرج هذه الميكروبات وقد يعلق شيء منها في شاربك، وإذا جئت تشرب وقعت في اللبن أو في الماء أو في المرق وشربته بسبب طول شاربك، فقص شاربك وأعف لحيتك كما أمر النبي ﷺ ، لكن الناس نكسوا الفطرة، فالنساء قلبن المسألة في أصابعهن، والرجال قلبوا الحكم إلى لحاهم، فحلقوا اللحى وأرخوا الشوارب، ترى شارب الواحد طويلاً تقول: ما هذا؟ قال: شنب، لماذا تطلق الشارب هكذا والرسول يقول: (قصوا الشوارب) (أعفوا اللحى) (أكرموا اللحى) (أرخوا اللحى) (جزوا الشوارب) (أنهكوا الشوارب) لا بد أن تقصه.
فلا إله إلا الله! بل بعضهم مشغول بفتل شاربه، يريده أن يكبر ويقف عليه الصقر، يا أخي! طول الشارب للقطط، فهل تريد أن تتشبه بها أم تتشبه برسول الله ﷺ الذي يقول: قص شاربك وأعف لحيتك؟ كما حرم الإسلام وحذر من إهمال تنظيف اليد والفم من الأطعمة ذات الرائحة النفاذة والزهومة كاللحم والسمك، وكره أن ينام المسلم ورائحة الطعام وزهومة اللحم واللبن لا تزال عالقة في يده أو في فمه، يقول ﵊ والحديث رواه البزار: (من بات وفي يده ريح غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه) فإذا نمت ويداك فيهما رائحة لحم أو رائحة سمك، أو فمك فيه رائحة لبن أو في يديك، ثم أصابك شيء فلا تلومن إلا نفسك، لماذا؟ قال العلماء: لأن هذه الروائح تجلب الحشرات، وتجلب الآفات والقاذورات، فلهذا عليك أن تنظف فمك قبل أن تنام وتنظف يديك بالماء والصابون إن وجد، وكذلك الأسنان حتى تنام وأنت طاهر، فلا تعرض نفسك لشيء من ذلك.
وشرع الإسلام للمسلم غسل البدن كله ونظافته عند الدواعي التي تفرض ذلك، وجعل الغسل أساساً لا بد منه لممارسة العبادات، ولم يدع الغسل خاضعاً لظروف الإنسان، فقد يتكاسل الإنسان عن الاغتسال ما دامت دواعيه لم تقم، لذلك وقَّت للغسل أوقاتاً، فجعل في كل أسبوع يوماً واحداً وهو غسل الجمعة، والحديث في الصحيح يقول ﵊: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) والعلماء يختلفون في كلمة واجب هنا، هل هو الوجوب الفرضي الذي يلزم بتركه الإثم؟ أم أنه وجوب على درجة الاستحباب لأحاديث أخرى؟ والصحيح من أقوال أهل العلم أنه ليس بواجب حتمي ولكنه سنة مؤكدة ومرغب فيه، والدليل ما روى البخاري بعد هذا الحديث؛ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يخطب فدخل عثمان بن عفان، فلما دخل قطع عمر الخطبة وقال: [أفي هذه الساعة يا عثمان! -تتأخر إلى أن يقوم الخطيب وتأتي- قال: ما هو إلا أن توضأت وجئت -يعني ما اغتسلت- فسكت عمر وسكت الصحابة] قال العلماء: إن عمر لم يأمره بالذهاب ليغتسل، فدل عدم أمره بالاغتسال على أن الأمر ليس للوجوب وإنما للاستحباب فهو مستحب.
أيضاً سن الإسلام الغسل لمن أراد الإحرام، وعند دخول مكة، وعند الوقوف بـ عرفة، وسنه لمن غسل ميتاً، كما فرضه فرضاً عند حدوث الجنابة بالجماع أو بالاحتلام، كما فرضه للتطهر من الحيض أو النفاس، ومما يؤكد حرص الإسلام على النظافة أنه ألزم المسلم بإعادة التطهر بعد الحدث حتى ولو كان الإنسان لا يزال نظيفاً، فمن توضأ ثم انتقض وضوءه بأي ناقضٍ لزمه الوضوء مرة ثانية ولو بعد لحظات، ومن اغتسل ثم وقع منه ما يوجب الغسل، فعليه الغسل مرةً ثانية ولو بعد لحظات، لماذا؟ من اهتمام الإسلام بالنظافة.
أيضاً اهتم الإسلام بنظافة الملبس وحسن المنظر، وكريم الهيئة، وجمال السمت والزي وهو شيء ملاحظ، فقد ألحق الإسلام ذلك بآداب الصلاة فقال : ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]، ولفظ المسجد يدل على أن الزينة عبادة يقصد بها رضوان الله، إذ لا يستوي من يتزين للمسجد ومن يتزين للملعب أو للمنتزه، أو للمرقص، فرق بين هذا وذاك: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] إذ ينبغي لك إذا أردت أن تقف بين يدي الله أن تأخذ زينتك وثيابك الجميلة ذات الرائحة الطيبة، ثم تأتي لتقف بين يدي الله وأنت جميل الشكل طيب الريح حتى لا تؤذي المسلمين، ولا تؤذي الملائكة، ولكن وللأسف فقد قلبت المسألة عند بعض المسلمين؛ فيأتي ليصلي وهو يلبس (بجامة) النوم، ولكنه لا يستطيع أن يذهب إلى الدوام (ببجامة) النوم، ما هو رأيكم لو ذهب شخص إلى العمل وجلس على الكرسي وهو (بالبجامة) ماذا يقول عنه الناس؟ على الفور يحكمون عليه بالجنون، معقول تأتي تداوم (بالبجامة)؟ أين عقلك تأتي ورأسك عارٍ، أما أن يأتي ويصلي ويقف بين يدي الله ورأسه عارٍ و (بالبجامة) فلا أحد يقول له شيئاً، ما هو بمجنون في هذه الحالة، لكن في الحالة السابقة مجنون، يقول تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] اجعل لصلاتك ثياباً طاهرةً نظيفة تصلي فيها حتى تقف وكأنك الشامة البيضاء.
أيضاً: كان ﷺ يلبس أحسن الثياب وأجملها وأنظفها، وكانت له حلة جديدة يتجمل بها ويلبسها في الجمع والأعياد، وعند مقابلة الوفود التي كانت تفد إلى المدينة، وقد شوهد مرة وهو ينظر صلوات الله وسلامه عليه إلى ركوة ماء يسوي ثيابه وشعر لحيته، وقد اتخذ من صفحة الماء مرآة فقيل له: وأنت تفعل هذا يا رسول الله؟ يعني: تنظر في المرآة فترى فيها نفسك، فقال: (إن الله يحب من عبده إذا خرج للقاء إخوانه أن يكون حسن الهيئة حسن المنظر) ثم قال: (إن الله جميل يحب الجمال) رواه الإمام مسلم.
وكان ﷺ يحب الطيب ويقول: (حبب إليَّ من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة) وكان يكثر من استعماله صلوات الله وسلامه عليه، وكانت أردانه الشريفة تعبق ريحاً عظيماً بالطيب، وإذا مشى انبعثت رائحته الزكية لتعطر الأجواء، يقول جابر ﵁: [لم يكن النبي ﷺ يمر في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلك من هذا الطريق] يعرفون أنه مشى من أثر رائحته، إذا جاءوا بعده قالوا: مر الرسول ﷺ من هنا، وكان الصحابة يعرفون قدومه صلوات الله وسلامه عليه بشم رائحة عطره الذي يسبقه من مسافة بعيدة.
ولقد اجتمع فيه صلوات الله وسلامه عليه الرائحة المادية والمعنوية، أما المادية فحبه للعطر، وأما المعنوية فإنه أكرم مخلوق خلقه الله على وجه الأرض، وكان إذا صافح أحداً بيده ظل طوال يومه يجد رائحة الطيب من مصافحة النبي ﷺ .
стр. 2472
نظافة الشعر والثياب من وسائل الوقاية
كان النبي ﷺ يهتم بتنظيف شعره وتعهده وترجيله، يقول ﵊: (من كان له شعر فليكرمه) أي: شعر الرأس، رواه أبو داود، قال أبو قتادة: (يا رسول الله! إن لي جمة أفأرجلها؟ قال: نعم وأكرمها) فكان أبو قتادة ربما يرجل ويدهن جمته في اليوم مرة أو مرتين من أجل قول النبي ﷺ .
(ورأى رجلاً ثائر الرأس فأشار إليه الرسول إشارة فهم منها أنه يأمره بإصلاح شعره، ففعل الرجل، ثم عاد وهو حسن الهيئة وقد رجَّل شعره، فقال ﷺ : أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان) رواه الإمام مالك.
وقد سمعت واحداً من العلماء -نسأل الله أن يعفو عنه- يستدل بهذا الحديث على حلق اللحية، وهذا استدلال باطل وفهم معكوس؛ لأنه قال في الحديث: جاء رجل ثائر الرأس، يعني: شعره منفوش، فقال الرسول ﷺ : رجّل رأسك -وذلك لما نظر إليه كأنه أنكر عليه- فذهب الرجل ومشط رأسه ودهنه ورجَّله وجمعه، فلما جاء وإذا به جميل فقال: (أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان).
وكان يكره صلوات الله وسلامه عليه أن تقع عينه على رجل رث الهيئة وسخ الثياب وفي إمكانه أن يظهر في زي أفضل وفي صورة مقبولة، روى جابر بن عبد الله قال: (نظر النبي ﷺ إلى راعٍ لنا يرعى إبلنا) -وتعرفون أن الراعي لا وقت لديه ليغتسل ولا ليغير ثيابه، فهو طوال يومه يطارد الإبل والغنم (وعليه بردان قد بليا وفنيا، فقال: أما له غير هذين؟ قيل: بلى يا رسول الله! له بردان جديدان في عيبة عندنا، قال: ادعه يا جابر! فليلبسهما، فلما ولى الرجل فلبسهما، فقال ﵊: ماله ضرب الله عنقه، أليس هذا خيراً من أن يبقى في ثيابه البالية، فسمعه الرجل وهو هناك، قال: يا رسول الله! في سبيل الله -يعني: ضرب الله عنقي في سبيله- قال: في سبيل الله، فاستجاب الله دعوة الرسول وقتل هذا الرجل في سبيل الله شهيداً) اللهم صلِّ وسلم على رسول الله.
ولكن الاهتمام بالنظافة يجب أن يكون باعتدال، فإن الإسلام دين الوسطية والاعتدال، يدعو إلى النظافة، وإلى المنظر الجميل والأناقة، ولكن في غير ما سرف ولا مبالغة وتصنع وتزويق وتلميع.
كما يدعو إلى الاهتمام بالشكل ولكن بعد الاهتمام الأكبر بالمضمون، إذ ليس من الإسلام ما نلاحظه اليوم على بعض الشباب من المبالغة في الملابس، والعناية بالمظاهر والأحذية الفاخرة الغالية، وبالتغييرات المتعددة، والاهتمام بالشكل؛ في حين أهملوا قلوبهم ولم ينظفوها من أدران الشهوات والشبهات والانحراف والضلالات والمعاصي والسيئات.
كما أنه ليس من الإسلام في شيء من يظن أن اتساخ الثياب والملابس ضرب من الزهد والعبادة، وأن الثياب الجميلة والنظيفة تدل على الكبرياء والغطرسة، فهذا ظن خاطئ، فقد روى الإمام مسلم قوله ﵊: (لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرةٍ من كبرٍ، فقال رجل: يا رسول الله! إن الرجل يحب أن يكون ثوبه نظيفاً ونعله حسناً، فقال ﵊: ليس هذا من الكبر، إن الله جميلٌ يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس) هذا هو الكبر، وبطر الحق رفضه، كأن جاءك الحق ورفضته فأنت متكبر، والذي يتكبر ويرفض الحق لا يهديه الله، يقول الله : ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف:١٤٦] ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف:٤٠].
إذا علمت أن غض البصر أمر من أوامر الله، وأن إطلاقه إلى النساء حرام ثم رفضت فقد تكبرت على الله ورددت الحق، فهذا بطر الحق، أما غمط الناس، أي: احتقارهم وازدراؤهم وظلمهم فهذا هو الكبر، أما أن يكون ثوبك جميلاً، ونعلك حسناً، وسمتك جميلاً فليس هذا من الكبر في شيء.
стр. 2473
نظافة المساكن والبيوت والطرقات من وسائل الوقاية
أما نظافة المساكن والبيوت فقد حث الإسلام على الاهتمام بها والعناية بشأنها، يقول ﵊ فيما رواه الإمام أحمد: (أصلحوا رحالكم -أي: مساكنكم- ولباسكم حتى تكونوا في الناس كأنكم شامة).
ومن ضمن وسائل الاهتمام بالمساكن إصلاحها وتفقدها، وحسن تصميمها وتهويتها وإضاءتها وتعريضها للشمس، وكنسها وتطهيرها من الحشرات المؤذية، وتخليتها من الفضلات والقمامات، ولقد حذر ﵊ من كل ذلك كما هو شأن اليهود، يروي البزار في مسنده حديثاً يقول فيه ﵊: (إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أفناءكم وساحاتكم ولا تشبهوا باليهود يجمعون الأكب في دورهم) والأكب: هي الفضلات والكناس والقمامة التي تتجمع في البيت، فبعض الناس عنده زبالة في بيته مجتمعة منذ أسبوع، خاصةً إذا كان (عزوبياً) فيتولد عن هذه التجميعات ميكروبات وفضلات، فالمفروض أن تغيرها مرة في اليوم، أو مرتين في الصباح والمساء؛ لأنه يأتي عليها الذباب والبعوض والحشرات والصراصير، ويترتب على هذا فساد صحتك وتعريضك للمرض.
كما أوجب الإسلام على المسلم المساهمة في نظافة الطريق وعدم إلقاء الفضلات فيها، فليس من الإسلام وأنت ماشٍ أن ترمي المنديل في الشارع، فمن يأتي ويأخذه؟ تقول: البلدية، وأنت ما هو دورك؟ دورك أن تحمي الشارع من هذه الفضلة، فلا ترمِ المنديل، ولا تبصق، وإذا بصقت في منديل فاجعله في جيبك إلى أن تصل إلى القمامة وتضعه فيها، ولا ترمِ علبة (البيبسي) والماء، أو قشور البرتقال أو الموز أو التفاح، لا ترمِ أي شيء من الفضلات في الشارع، لماذا؟ لأن إماطة الأذى عن الشارع والطريق صدقة، ومفهوم الحديث: أن وضع الأذى في الطريق معصية، فأنت تعصي الله بهذا الأمر، ولو أن الناس كلهم فعلوا هذا ما كنا نحتاج إلى البلدية، لكن الله المستعان، شخص يبني وآخر يهدم، والذي يبني يتعب أما الذي يهتم، فإنه يرمي ولا يهمه، يقول:
أرى ألف بانٍ لا يقوم لهادم فكيف ببانٍ خلفه ألف هادم
وإماطة الأذى عن الطريق من الإيمان، يقول ﵊: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) وكان بعض السلف يخرج إلى الأسواق ليس له عمل إلا أن يميط الأذى عن الطريق، فيلتقط المسامير والزجاجات والحجارة والأخشاب، وإذا أخذه قال: لا إله إلا الله، قالوا: مالك؟ قال: أريد أن أجمع بين أعلى درجات الإيمان وشعبه وبين أدناها، يأخذ فيقول: لا إله إلا الله، فيأتي بأعلى شعب الإيمان وهي لا إله إلا الله، وأدنى شعب الإيمان وهي إزالة الأذى عن الطريق.
كما حرم الإسلام البصاق في المسجد والسوق والأماكن العامة ووسائل المواصلات، وفي الطرق التي يغشاها الناس، ففي صحيح البخاري ومسلم يقول ﵊: (البصاق في المسجد خطيئة -يعني: معصية- وكفارتها دفنها) والدفن كان كفارة يوم أن كانت المساجد من التراب والرمل، فما هناك وسيلة إلا أن تدفنها، لكن الآن إذا بصق الإنسان على الفراش لا يوجد دفن لها؛ لأن الدفن يؤدي إلى التلويث، ولا بد من إزالتها وغسل الموضع الذي وقعت فيه؛ لأنه سيأتي من يضع رأسه يصلي، وقد يشم بأنفه موقع بصاقك، ويكون في بصاقك ميكروب أو مرض فينتقل إليه وهو لا يدري، فأنت الذي غششته وخدعته؛ لأنه جاء ليؤدي عبادة وأنت أعطيته هذا المرض وهذا الوباء -والعياذ بالله- فلا يجوز للمسلم أن يبصق في المسجد.
كما حرم الإسلام التبول والتبرز في المياه والظل والأماكن التي يجلس فيها الناس ويرتادونها مثل أماكن النزهة، فإذا خرجت إلى مكانٍ فينبغي عليك أن تحرص على أن تترك الموقع مثل ما جئت إليه؛ لأن بعض الناس يأتي ويجلس ويستمتع تحت شجرة أو في مكان أو في منتزه، فلا يقوم إلا وقد ترك المكان وقذراً وملطخاً بكل الأوبئة والأمراض والفضلات -والعياذ بالله- بترك حفاظات أطفاله وقاذوراتهم، وأيضاً فضلات طعامه، لا يا أخي! إذا جاء شخص بعدك ورأى المكان هكذا ماذا يقول؟ يدعو عليك ويقول: الله أكبر عليك! الله يجعلها في وجه هذا الوسخ الذي جلس هنا؛ لأنك يوم أن جئت ووجدت المكان نظيفاً فرحت، ولو وجدته قذراً لانزعجت، فعليك أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، يقول ﵊: (اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في المورد، وقارعة الطريق، وفي الظل) وسميت ملاعن لأنها تسبب لصاحبها اللعنة، إذا جاء واحد وأراد أن يجلس تحت شجرة فتلفت وإذا تحتها نجاسة فماذا يقول؟ يقول: لعن الله من وضعها، هكذا تستحق: (اتقوا الملاعن)، إنه يريد أن يجلس، وإذا بالأذى بجانبه فتسببت في طرده من هذا الموقع، لأنه لا يقدر على الجلوس والأذى بجانبه، الظل ليس لك لوحدك يا أخي! بل هو حق لكل مسلم يستظل فيه، والطريق إذا مشى فيها ماشٍ وهو آمن وإذا برجله تقع في النجاسة، فمن حين يقع فيها وهو يلعن، يقول: لعن الله من وضع هذه، فهذا يستحق: (اتقوا الملاعن الثلاثة) لماذا؟ لأنها تسبب لصاحبها اللعن، كما أن الشخص الذي يتخلى في الطريق العامة والظل يعتبر ساقط المروءة، يؤذي المسلمين، ويستوجب سخطهم، وتتوجه إليه لعائنهم، فقد روى البيهقي في السنن يقول: (من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم)، والعياذ بالله!
стр. 2474
نظافة بيوت العبادة والوسائل التي تؤدى بها
ويأمر الإسلام المسلم بأن يتنزه من البول حتى تكون ثيابه طاهرة، ورائحته جميلة؛ لأن عامة عذاب القبر من البول، فإذا جئت تتوضأ فينبغي لك أن تتأكد من انقطاع البول وخُلوِّه وانتهائه، أما أن تسرع ويستمر البول في النزول ويتلوث ثوبك وتسوء رائحتك، وتفسد صلاتك، ويبطل وضوءك، فهذا تعذب به في القبر كما صح عن الرسول ﷺ أنه قال في الرجلين اللذين يعذبان في القبر: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة بين الناس).
وقد بال أعرابي في المسجد، وكان له كل المبررات في أن يفعل ذلك؛ لأن المساجد جديدة في حياة المسلمين، فقبل الإسلام ما كان هناك مساجد، أما الآن فالحمد لله المساجد نعيشها ونعيش حبها وعظمتها وكرمها في قلوبنا من الصغر؛ لأننا معها من يوم خلقنا، لكن في عهد الرسول ﷺ بني المسجد فجاء الأعرابي من الصحراء لا يدري ما هذا المكان، ولا يعرف ما هذا الموقع، فجلس في طرفه وبال كأنه في طرف بيته، فغضب الصحابة غضباً شديداً، وقاموا إليه ليضربوه وليقتلوه، ولكن النبي صلوات الله وسلامه عليه قال: دعوه لا تزرموه، لماذا؟ قالوا: الحكمة تستدعي أن يكمل؛ لأنه لو قام وهو يبول، فسيرش به المسجد كله، وبدل ما كان البول في جزء سيكون في جميع المسجد، أليس من الحكمة أن يكمل في مكانه؟ اللهم صلِّ وسلم على رسول الله.
ثانياً: سيؤدي احتباسه بالبول إلى أن يمرض، فإن الإنسان إذا أخرج البول ثم أمر بقبضه أصبح عنده التهابات، إذ أن هذا الماء المستعد للخروج يتلوث ثم تقبضه فيرجع إلى المثانة ويعمل إجراءات صعبة في المثانة فيحدث بذلك مرض للإنسان.
ثالثاً: يؤدي إلى أنه يكره الإسلام، فيمكن أنه جاء لكي يسلم، لكن من أجل هذا البول يخرج، فلا يرجع أبداً فيدخل النار، فالرسول ﷺ قال: دعوه، فلما أكمل دعاه النبي ﷺ وقال للصحابة: (صبوا على بول الأعرابي ذنوباً من ماء) لأن الأرض كانت ترابية، والماء يصب على ظهرها فيمتص النجاسة وتذهب النجاسة إلى باطن الأرض، ليس هناك وسيلة أعظم من هذه الوسيلة، ثم دعاه وقال: (إن المساجد لا ينبغي أن تكون لشيءٍ من هذا، فقال الرجل بعد أن رأى كرم أخلاق النبي ﷺ : اللهم اغفر لي ولمحمدٍ ولا تغفر لأحد معنا) يقول: هؤلاء الذين كانوا يريدون أن يضربوني لا تغفر لأحد منهم فقال ﵊ وقد تبسم: (لقد حجرت واسعاً) أي: ضيقت واسعا، فمغفرة الله واسعة ورحمته عظيمة.
فهذا من اهتمام الإسلام بالنظافة.
أيضاً: اهتم الإسلام بنظافة المسكن بتركيزه على نظافة المياه وحماية مصادرها من التلوث، وتنقيتها من الشوائب؛ لأن فساد الماء وتلوثه يسبب الأمراض الكثيرة والأوبئة الخطيرة، فمن وسائل الوقاية النهي عن البول في الماء الراكد، فممنوع أن تبول في الماء الراكد، فقد روى مسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه) لأن هذه الفضلات ملوثة، وإذا وضعتها في الماء الراكد انتشرت فيه ثم إذا اغتسلت لوثت نفسك، والعلماء يقولون: ليس معنى هذا جواز البول في الماء الجاري، فإن الماء الجاري أيضاً لا يجوز أن تبول فيه؛ لأنك أيضاً تلوثه ولو كان جارياً، لكن الرسول بينَّ أن الماء الراكد إذا بال فيه الإنسان لا يجوز فيه الغسل؛ لأنه يصير نجساً، أما الماء الدائم الجاري فإنه لو بال فيه أحد لا ينجس ولكن قد يتلوث، ولذا لا ينبغي لك أن تبول في الماء، فإذا أردت أن تبول فبل في المكان البعيد، ثم خذ معك من الماء فاستنج وتطهر، ثم توضأ في الماء الجاري.
ومن أبرز الأمراض التي تنتشر من المياه الملوثة البلهارسيا وحمى التيفود.
стр. 2475
القضاء على الحيوانات الضارة من وسائل الوقاية
وأيضاً: من استكمال النظافة في المكان القضاء على الحشرات والدواب الضارة، فقد أخرج البخاري ومسلم حديثاً في الصحيحين: (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور) فالفأر يؤدي إلى انتشار مرض الطاعون، والكلب العقور يؤدي إذا ولغ في ماء وشرب منه أن تصاب بداء الكلب والدودة الشريطية.
وأيضاً روى البخاري عن كعب بن عجرة ﵁ قال: (كان بي أذىً من رأسي، فحملت إلى رسول الله وأنا محرم والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى الجهد قد بلغ بك ما أرى) وأمره أن يحلق رأسه رغم أن حلق الشعر للمحرم لا يجوز، لكن للضرورة فقال: (احلق رأسك) وأمره أن يطعم ستة فقراء، أو يذبح شاة، أو يصوم ثلاثة أيام؛ وهي كفارة لما يرتكبه الإنسان من محظورات الإحرام والتي منها حلق الشعر.
وقد نهى الإسلام عن اقتناء الكلب إلا لضرورة، والضرورة محددة لحرثٍ أو صيد أو ماشية، يقول ﵊ والحديث في صحيح البخاري: (من اقتنى كلباً فإنه ينقص من عمله كل يوم قيراط، قيل: وما القيراط؟ قال: مثل جبل أحد، إلا كلب حرث أو ماشية) وفي رواية للنسائي وابن ماجة: (أو صيد) وقد ثبت طبياً أن الكلاب تنقل الدودة الشريطية، وأنها لا تموت إلا بمادة كيماوية لا توجد إلا في التراب، يقول ﵊: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب).
ففيه ميكروب يسبب الدودة الشريطية، هذا الميكروب لا يموت لو غسلته بالماء مليون مرة، إلا إذا غسلته بمادة كيماوية، وقد وجدوها في التراب، فإذا غسلته بالتراب فإنه يموت، صلوات الله وسلامه على رسوله.
стр. 2476
الصلاة من أهم الوسائل الوقائية
من العوامل الوقائية التي شرعها الإسلام غير النظافة: الصلاة، فهي الركن الأعظم بعد الشهادتين، وهي فرق ما بين المسلم والكافر، وهي الصلة التي تربط العبد بالله، وقد شرعها الإسلام لحكمٍ جليلة أهمها العبودية المطلقة والخضوع والتذلل لله، ولكن هذا لا يمنع أن يكون لها أيضاً حكم أخرى من ضمنها الحكم الصحية، فلقد أثبت الأطباء تأثير حركات الصلاة من القيام والقعود والركوع والسجود على العظام والمفاصل والعضلات، مما يحميها من الأمراض ويساعدها على المرونة وخفة الحركة، كما يساعد على تنشيط الدورة الدموية، وعدم احتقان الدماء في الأوردة، كما أن الانزلاق الغضروفي مرض يصيب العمود الفقري، والعمود الفقري: هو عبارة عن حلقات من العظام، بين كل حلقة وحلقة مادة غضروفية، فيحصل أن ينزلق العظم من مكانه فيترتب على هذا ضغط على النخاع الشوكي الموجود في هذه الحلقات، فإذا ضغط عليه أحسست بألم شديد لا يعلمه إلى الله، يسمونه المشع، أو ألم الظهر، هذا إذا جاءك، حتى النفس إذا تنفست أحسست أنك تتنفس من ظهرك، وإذا عطست أو سعلت أو تحركت أو تكلمت تحس بهذا الألم الشديد جداً، هذا الانزلاق الغضروفي أجريت حوله دراسات كثيرة فوجد أنه لا يصاب به إلا الذين لا يصلون، أما الذين يصلون دائماً ويقومون ويقعدون ويركعون ويسجدون فإنهم من النادر أن يصابوا به.
كما أن أداءها في مواعيدها له أكبر الأثر على صحة القلب وقوته وحمايته من حدوث الأمراض الخطيرة؛ مثل انسداد الشرايين، أو الذبحة الصدرية التي يسمونها موت الفجأة.
стр. 2477
من وسائل الوقاية: الصيام
أما الصيام فما أدراك ما الصيام؟ الصيام عامل عظيم في الوقاية الصحية شرعه الله وفرضه، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] وفوائده الصحية أكثر من أن تحصر، ولن نتحدث عنه في هذه الليلة، فإن أمامنا فرصة إن شاء الله قبل رمضان للحديث عن الصوم في كل أحكامه وشئونه، وهو علاج فعال للأمراض الناتجة عن خلل التمثيل الغذائي؛ مثل السمنة والروماتيزم العضلي والمفصلي، وعلاج الأمراض الناتجة عن ضيق الشريان التاجي، وارتفاع أو انخفاض ضغط الدم، وعلاج الأمراض في الجهاز الهضمي مثل النزلات المعدية والمعوية، ومثل أمراض الكبد والمعدة، يقول طبيب غربي وهو لا يعرف الإسلام، يقول: إن الامتناع عن الطعام شهراً واحداً في السنة يقضي على الفضلات الموجودة في الجسم لمدة سنة، تصوم شهراً فتقضي على فضلات بدنك سنة، فإذا أردت أن تتحقق لك هذه الفوائد فلا بد من الصيام الشرعي، وسوف نتكلم عنه إن شاء الله في الندوة المقبلة بإذن الله.
стр. 2478
من العوامل الوقائية: تجنب المحرمات والفواحش
أيضاً من العوامل الوقائية: تحريم الإسلام للفواحش ومنها الزنا، واللواط، والعادة السرية، ومواقعة الزوجة أثناء الحيض أو أثناء فترة النفاس؛ لما يسبب الزنا لمرتكبه من الأمراض الخطيرة التي تفتك بالجسم، وتقوض الصحة وتقضي على الإنسان، ومنها مرض الزهري؛ وهذا مرض خطير -والعياذ بالله- وأعراض هذا المرض: ظهور طفح جلدي وقروح على الأعضاء التناسلية، وشعور الإنسان باستمرار بصداع، ثم تتفقع هذه القروح وينتقل منها شيء إلى جدار الفم والأنف واللسان من الداخل، ثم يتزايد المرض حتى يصاب بالتهاب في الكبد والعيون والمفاصل، ثم يصاب الغشاء السحائي الذي يغطي النخاع في الدماغ، والدماغ والنخاع الشوكي يصاب بالشلل وتدهور القوى العقلية، هذا بالنسبة للزهري.
أيضاً: مرض ثانٍ يصيب صاحبه عن طريق الزنا واللواط: وهو السيلان؛ وهو مرض يصيب المجاري البولية للرجل والمرأة، وأعراضه شعور بحرقان شديد عند التبول، ثم إفرازات ومواد صفراء، ثم أمراض، ثم وباء -والعياذ بالله- يقضي على الإنسان.
أيضاً: من الأمراض التي تنتشر عن طريق العلاقات الجنسية المحرمة كالزنا واللواط والعادة السرية: الهربز أو الهربد، وهو مرض ينتج عن الزنا، وأعراضه ظهور قروح كثيرة على الجهاز التناسلي للرجل والمرأة، وآلام عظيمة عند ممارسة الجنس، ويؤدي إلى الإصابة بالسرطان وهو مرض معدٍ، والعياذ بالله! يقول أحد الأطباء: لو تمنى إنسان أن يوجد الله مرضاً يقضي على الناس لتمنى الهربز، نعوذ بالله منه.
أيضاً: من الأمراض الخطيرة التي ظهرت في هذا الزمان وهي نتيجة إدمان الناس على المعاصي في الزنا واللواط: مرض الإيدز؛ وهو جندي سلطه الله على الأمم الكافرة، وأرهب الله به دول الشرق والغرب؛ وهو فيروس صغير لا يرى بالعين المجردة، وهو عبارة عن فقدان الجسم للمناعة، فيقضي على المناعة في جسمك؛ لأن الله أوجد فيك قوى لتحارب الأمراض، حتى إذا دخل فيك أي ميكروب تقضي عليه هذه القوى في كريات الدم البيضاء، لكنَّ هذا الإيدز يقضي على كريات الدم البيضاء، ويبقى الإنسان غير قادر على مقاومة أي مرض، وبالتالي فهو مهدد بالموت في كل لحظة.
أما اللواط -والعياذ بالله- فهو رذيلة من الرذائل وجريمة من الجرائم، دمَّر الله من عملها أعظم تدمير، وهو من الأمراض الخطيرة.
وأما العادة السرية فهي أيضاً شبيهة بهذا، والأطباء يحذرون منها؛ لأنها خطيرة وذات آثار بعيدة على الإنسان وصحته وقوته وإنجابه للأطفال في المستقبل، فإن الذي يمارس العادة السرية وهو شاب إذا تزوج يكون غير قادر على الإنجاب؛ لأنه استنفد جميع قواه وحيواناته المنوية عن طريق يده، فإذا تزوج لم يكن قادراً على الإنجاب، أو إن أنجب فينجب أولاداً ضعفاء هزيلين؛ لأن عوامل الحياة فيهم ضعيفة جداً لضعف الحيوانات المنوية التي يفرزها.
كذلك حرم الإسلام جماع الحائض والنفساء؛ لأن ذلك يؤدي إلى أضرار بليغة؛ يقول الله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً﴾ [البقرة:٢٢٢] فالحيض والنفاس دماء عفنة قذرة ذات روائح كريهة مملوءة بالجراثيم، فإذا أتى الرجل زوجته وهي حائض أو نفساء أدى هذا إلى إصابته وإصابتها بالأمراض الخطيرة التي منها الإيدز، ومنها الهربز والسيلان والزهري، والله ﵎ يقول: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢] وليس معنى عدم إتيان المرأة الحائض ألا تقربها، إنما يعني: ألا تأتيها في الجماع المباشر أو الوطء، أما الاستمتاع بها في غير ذلك فإنه جائز، تقول عائشة ﵂: (كنت أَتَّزر ثم آتي رسول الله ﷺ فيباشرني وأنا حائض) والمباشرة معناها: الاستمتاع بالمرأة دون الفرج، أما الوقوع في الوطء عن طريق الجماع وهي حائض أو نفساء فإن هذا حرام ولا يجوز، ومن عمله فقد عصى الله وعليه أن يتوب إلى الله، ويلزمه كفارة، والكفارة صدقة فيما يعادل خمسين ريالاً.
стр. 2479
ومن العوامل الوقائية: تجنب الأطعمة والأشربة المحرمة شرعاً
أيضاً من العوامل الوقائية: أن الإسلام حرم على المسلمين بعض الأطعمة والأشربة لآثارها البيئية، وأضرارها الصحية على الإنسان، فحرم الخمر والدخان والمخدرات والشيشة، فقد أجرت جامعة الملك عبد العزيز دراسة ميدانية عن مرض اسمه: إيدز الكبد، والكبد يصاب بالتهابات عن طريق فيروس كبدي اسمه فيروس
الجواب
أو B عنيد أو خبيث، إما أن يؤدي إلى مرض السرطان، أو يؤدي إلى مرض غير السرطان، وهذا الفيروس ينتشر عن طريق الشيشة والدخان، فحرم الله كل هذه حماية لصحتك.
فالمخدرات والخمور تضر بصحتك، وتقضي عليك، والدخان يضرك صحياً ويقضي على رئتك، والشيشة والجراك والشمة، والقات، والحشيش، والإفيون؛ كل هذه الخبائث حرمها الله لضررها المادي والعقائدي والنفسي على الإنسان.
كما حرم الله بعض الأطعمة مثل الميتة، فإن الميتة إذا ماتت وبقي الدم فيها واحتقن تسمم، فإذا أكلتها بدمائها حصل لك ضرر، والدم ولحم الخنزير محرمان لما فيهما من قذارات.
هذه الوسائل الوقائية التي جاء بها الإسلام كعوامل تقي الإنسان من الوقوع في المرض، فإذا عملها الإنسان فإنه جدير بإذن الله بأن يكون محمياً، ومع هذا فقد يبتليه الله بالمرض؛ لأن المرض إذا جاءك وأنت على الإيمان كان تكفيراً لخطاياك، ورفعاً لدرجتك، يقول الله : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧].
والمرض يكفر الله به الخطايا، يقول ﵊: (إن من الذنوب ذنوباًَ لا تكفرها الصلاة ولا الصيام، ولا يكفرها إلا طول البلاء، ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يسير على الأرض وما عليه خطيئة).
والله يبتليك بالمرض ليعرفك وليعلمك في ميدان الواقع -وإلا فهو يعلم العلم الأزلي- مدى صبرك وتحملك، هل أنت عبد عافية وضراء، أم عبد عافية فقط؟! لأن من الناس من هو عبد عافية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١].
وكما أن الله يبتليك بالمرض من أجل أن يشعرك بعظم النعمة، فإن النعمة لا تعلم إلا عند فقدها، فلا تعرف نعمة العافية إلا إذا أتاك المرض، ولا تعرف نعمة الحرية إلا إذا سجنت، ولا تعرف نعمة الشبع إلا إذا جعت، ولا تعرف نعمة السيارة إلا إذا مشيت، ولا تعرف نعمة البيت إلا إذا بت في الشارع، لكن إذا استمرت النعم زال مفهومها منك، فالله يسلب منك النعمة ويجلب لك المرض من أجل أن تدعوه، ومن أجل أن تشكره على العافية التي عشت فيها سنين طوالاً، ومن أجل أن تصبر فيرفع الله درجتك ويكفر خطيئتك؛ لأنه: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠] هذا المجال الأول وهو المجال الوقائي.
стр. 2480
الإعجاز النبوي في الجانب العلاجي
أما المجال العلاجي فهو عظيم، ومظهر من مظاهر الإعجاز النبوي الكريم صلوات الله وسلامه على رسوله، فلقد وضع الإسلام قاعدة صلبة ينطلق منها البحث العلمي والجهد المتواصل الدائم من أجل الوصول إلى أسباب الداء والعثور على الدواء، فقد أمر الإسلام بالتداوي؛ لأن التداوي لا ينافي التوكل؛ بل هو عين التوكل، فإذا مرضت وقلت: أنا لن أتداوى توكلاً على الله، نقول: هذا ليس توكلاً بل هو تواكل، عليك أن تتداوى وتداويك هو التوكل، فالذي جاء بالناقة إلى النبي ﷺ قال: (يا رسول الله! أطلقها وأتوكل، قال: لا، اعقلها وتوكل) فتداو وتوكل، أما ألا تتداوى وتتوكل فهذا تواكل، وقد أمر الرسول ﷺ بالتداوي، فقد روى الإمام أحمد حديثاً صحيحاً قال: (تداووا عباد الله! فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً، إلا داءً واحداً هو الهرم) وصدق رسول الله ﷺ ، فهل للهرم دواء؟ لا.
فلو كان هناك دواء لمرض الهرم لاكتشفوه، لكن ليس له دواء، يبلغ الهرم سن الثمانين أو التسعين وعنده أموال وأولاد ومنصب وملك، لكن يترهل جسمه، وتتساقط أسنانه، وتضعف حواسه، وتصبح عينه لا ترى، وأذنه لا تسمع، وعضلاته وعظامه لم تعد تقوى على شيء، ثم يموت، ما رأيكم لو أن هناك دواء للهرم يرد الواحد شاباً هل سيبقى خافياً؟ لا.
لكن لا دواء للهرم بنص حديث رسول الله ﷺ .
فما أنزل الله من داء إلا وله دواء إلا داءً واحداً هو داء الهرم، ثم إن إقرار الرسول ﷺ بأن لكل داء دواء يفتح باب الأمل أمام المرضى أن هناك أملاً في الشفاء، وأمام الأطباء أن هناك أملاً في أن نجد الدواء، يقول الرسول ﷺ : (ما أنزل الله من داءٍ إلا وأنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله)، وهذا يفتح باب الأمل عند المريض فمهما مرض يقول: عندي أمل أن الله يكتب لي دواء ويكتشف، وعند الأطباء أنه إذا ما بحث الأطباء والخبراء فعندهم أمل أنهم لا بد أن يأتوا بهذا الدواء، لكن إلى الآن ما عرفوه، وسوف يعرفونه بإذن الله، إلا داء واحداً هو الهرم.
стр. 2481
وجوب التداوي وسلوك طرقه المشروعة
أيضاً من العوامل العلاجية: أن الإسلام جعل التداوي واجباً دينياً، وذلك للوقاية؛ لأن العلاج للمريض معناه تجنيب غيره من المرض، لكن إذا تركنا المريض بغير علاج فكأننا نسوغ للمرض أن ينتقل من هذا إلى آخر، فإذا قضينا على المرض عند شخص أفضل من أن نقضي عليه عند عشرة، ولقد كان ﷺ يصف الدواء للمرضى بنفسه صلوات الله وسلامه عليه.
أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين: (أن رجلاً اشتكى بطنه، فجاء أخوه يشتكي إلى النبي ﷺ فقال: اسقه عسلاً، فسقاه عسلاً فزاد، فجاء الرجل وقال: يا رسول الله! سقيته عسلاً فزاد، قال: اسقه عسلاً الثانية، فسقاه عسلاً فزاد، فجاء وقال: يا رسول الله! زدناه عسلاً فزاد، قال: اسقه عسلاً ثلاث مرات، صدق الله وكذب بطن أخيك، فسقاه الثالثة فبرئ).
يقول ابن القيم: إن الدواء لا ينفع إلا بأمرين: الأمر الأول: الوقت.
الأمر الثاني: الجرعة.
فالأول أخذ جرعة واحدة ما تكفيه لإيقاف الداء، فالرسول ﷺ قال: أعطه جرعة ثانية ثم ثالثة؛ فأعطاه الجرعة الثالثة فوقف الداء، لكن بعض الناس عندما تقول له: خذ عسلاً.
فإذا أخذه مرة قال: ما شفيت، بينما يذهب إلى الأطباء فيعطونه (كرتوناً) من الحبوب، حبة صباحاً وحبة ظهراً وحبة مساءً، ويداوم عليها، ويقولون له: إذا لم تأخذ العلاج بانتظام فلن تستفيد.
والجرعة مهمة في الدواء، بعض الناس يذهب إلى الطبيب ويأخذ كرتون الأدوية ويأخذ حبتين وبعدها يرمي بالباقي، مابك؟ قال: قد أخذت الحبوب وما استفدت، لا بد من مواصلة العلاج، كذلك الطب النبوي، عليك إذا أخذت عسلاً أن تأخذه باستمرار في مقدار الجرعة وفي وقت التداوي حتى تشفى بإذن الله تعالى.
стр. 2482
العسل والحبة السوداء من أفضل الأدوية
من أعظم الأدوية للعلاج البطني العسل، فالعسل شفاء بإذن الله، لكن ليس من كل داء بل من بعض الأمراض يقول الله : ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩] وقد ينفع في أمراض ولا ينفع في أخرى، ولكن الذي ينفع من كل داء إلا الموت أخبر به النبي ﷺ في حديث صحيح وهو الحبة السوداء، يقول ﵊: (عليكم بهذه الحبة السوداء فإنها شفاء من كل داء إلا السام) يعني: الموت، والتداوي بالحبة السوداء أو بالعسل يقتضي منك الاستمرارية، ومعرفة مقدار الجرعة بالتجارب، حتى يشفيك الله ؛ لأنها سبب، وأما الاعتماد فيجب أن يكون على مسبب الأسباب، وعلى الذي ينزل العافية وهو الله ﵎.
стр. 2483
واجبنا نحو نعمة العافية
أيها الإخوة! إننا بهذا العرض الموجز نقف أمام صورة باهرة، ومعجزة من معجزات النبي ﷺ ، ومن دلائل رسالته صلوات الله وسلامه عليه تشمل العديد من الصور، وهي أيضاً تعطينا وتفرض فينا القيام بالعديد من الواجبات التي أهمها: أولاً: أن نشعر بأن العافية والصحة نعمةٌ من نعم الله يجب أن نشكر الله عليها، فإذا نمت في فراشك، واستلقيت على سريرك، وتذكرت كم جهازاً يسير فيك، ثم تذكرت عروقك ودماءك ومفاصلك وعظامك وأسنانك، وأجهزتك السمعية والبصرية والتنفسية والهضمية والعظمية والدموية، وكلها تعمل، فتعرف نعمة الله عليك، ما ظنك لو آلمك ضرس، أو اختلج فيك عرق، أو ضرب عليك مفصل، أو أصابك التهاب في عينك؟! فاشكر الله يا أخي! على نعمة الإسلام، ثم انتقل ببصرك إلى زوجتك وأولادك وإخوانك، واعرف نعمة الله عليك.
وإذا أردت أن تعرف النعمة أكثر فاذهب إلى المستشفيات، فإذا زرت مريضاً فانظر في الأقسام: كم تجد من مريض ومتأوه ووجيع، كم تسمع من الصياح، وأنت لا تئن ولا تصيح ولا تتشكى بل أنت معافى، فاشكر الله على نعمته! ثم من شكر الله على نعمة العافية أن تستعمل هذا الجسد في طاعة الله، فإذا أتى وقت الفريضة فلا تنم يا أخي! بل قم إلى بيت الله، واستخدم هذا البدن في شكر المنعم الواهب لك هذه النعمة، فإن الله وهبك النعمة وطلب منك أن تصرفها في طاعته ﵎.
ثانياً: أن تعلم أن صحتك هذه أمانة في عنقك يجب أن تستخدمها في طاعة الله، ثم أن تعلم أن صحة المجتمع كله أمانة في عنقك فتسعى في حمايته ووقايته من انتشار الأمراض باتباع وسائل الوقاية ووسائل العلاج.
ثم لتعلم أن النظافة تقف حصناً حصيناً في مقدمة الحصون التي نحمي بها أجسامنا ومجتمعاتنا من الأمراض والأوبئة.
وقد أمر الإسلام بالتداوي للقضاء على المرض ووقف انتشاره لكن بالحلال، إذ لم يجعل الله شفاء الأمة فيما حرم عليها، فلا يجوز التداوي بالشركيات عند الطبيب الذي يسمونه طباً عربياً، ولا بشرب الخمور، ولا بلبن بعض الدواب أو البهائم كمن يشرب لبن الأتان.
فقد جاء شخص يسألني قال: هل يجوز شرب لبن الأتان؟ قلت: لماذا؟ قال: يقولون: إنه ينفع من السعال الديكي، قلت: كذب، وإن حصل فإن الله سيشافيه ولو لم يشرب لبن الأتان؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها) فما دام لبن الأتان حراماً فلا شفاء فيه، فلا ينبغي لك أن تشربه، ثم إذا شربت لبن الأتان فربما تتخلق بأخلاق الحمير، وينبت لحم ولدك مثل الحمير! وهذه مصيبة ولا حول ولا قوة إلا بالله!! وأخيراً أيها الإخوة! هذه هي الخطوط الرئيسية والأسس العامة التي وضعها الإسلام للحفاظ على صحة الإنسان التي هي أعظم ما يمكن أن يصل إليه العقل البشري، وما ذلك إلا لأنه تنزيل من حكيم حميد، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فنشهد أن لا إله إلا الله، ونشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، فجزاه الله عن أمته أفضل ما جزى نبياً عن أمته، وصلوات الله وسلامه عليه.
ونسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يحشرنا في زمرته، وأن يجعلنا ممن يرد حوضه، وممن يراه في دار الكرامة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وسوف نجيب على بعض الأسئلة باختصار.
стр. 2484
الأسئلة
стр. 2485
حكم زواج رجل بأخت أخيه من الرضاعة
السؤال
خطبت ابنة عمي فقالوا لي: لا بأس، إلا أنهم ذكروا أنه وقع رضاع ولا بد من الفتوى، فقلت: وما هو؟ قالت زوجة عمي -أعني: أم البنت-: إنها أرضعت أخي الأكبر وأختي الكبرى، إلا أنها لم ترضعني أنا، والبنت التي أرغب الزواج منها بنت عمي لم ترضع من أمي أنا، فهل يجوز لي أن أتزوج بتلك البنت، مع العلم أن لي أخاً من الأم سبق وأن تزوج من عند عمي؟
الجواب
يجوز لك أنت أن تتزوج من ابنة عمك ما دمت لم ترضع من أمها، ولم ترضع هي من أمك، وما دام الرضاع حصل من أخويك الكبيرين، وسواء كانا كبيرين أو صغيرين؛ والولد الذي رضع أصبح أخاً لهذه البنت وولداً لأبيها ولهذه المرأة، وأخاً لجميع الأولاد الذين رضعوا من هذه المرأة والأولاد الذين هم من صلب ذلك الرجل، أما إخوانه الكبار أو الصغار فلا علاقة لهم، وأنت أخوه لا علاقة لك؛ لأن الرضاع إنما يلزم الراضع ولا ينتشر إلى الإخوة.
стр. 2486
حكم استئجار عمال كفرة
السؤال
عندي عمال أجانب أمرتهم بالصلاة فقالوا لي: إنهم صلوا ولم يجدوا من ذلك فائدة، وحاولت إرشادهم ولكن دون جدوى، وقلت لهم: لا تحلقوا لحاكم فقالوا: وهل ذلك حرام -أي: لما قلت لهم: لا تحلقوا لحاكم فإن ذلك حرام، قالوا: من قال: إن ذلك حرام- قلت: كتاب الله وسنة رسوله، قالوا: من رأى النبي ﷺ وهو لا يحلق لحيته فخشيت أن أستمر معهم -وفعلاً لو استمررت لوصلت إلى أكثر من هذا- فما حكم ذلك؟
الجواب
أولاً: لا يجوز لك أن تبقي هؤلاء العمال معك؛ لأنهم كفار، والكافر لا يبقى معك، ولا يجوز أن يعمل لك ويجلب لك مالاً، وإذا دخلت عليك أموال من طريقهم فالذي تأكله من وراء أيديهم حرام عليك -والعياذ بالله- وموادّة الكافر حرام: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢]، بل عليك ترحيلهم الليلة، فما يمسي الليلة أو غداً إلا وقد عملت لهم خروجاً، وأسأل الله ألا يردهم، وإذا أتاك عامل وأنت في بلدك فاشترط عليه: الصلاة والدين والإيمان، فإذا وافق فليأت، وإذا لم يوافق فلا تقبل، أما من يأتي بالكفار -بعضهم لا يأتي بمسلمٍ؛ بل يأتي بكافر أو نصراني والعياذ بالله- فهذا قد ارتكب محرماً؛ لأنه لا يجوز أن يبقى الكافر في جزيرة العرب لقول النبي ﷺ : (لا يبقى في جزيرة العرب دينان) فلا يبقى إلا دين واحد.
стр. 2487
حكم زكاة الغنم التي لا ترعى وإنما تعلف
السؤال
لي غنم تبلغ نصاباً، وهي في شبك وأنا أشتري الشعير والأعلاف لها، فهل عليَّ فيها زكاة؟
الجواب
إذا كان الكلام كما ذكرت من أن غنمك في الشبك وأنها لا ترعى لحظة واحدة، وإنما تعلفها باستمرار فإنه لا زكاة عليك فيها، إنما الزكاة في السائمة التي ترعى الحول أو أكثره، أما إذا كانت معلوفة فلا زكاة فيها، أما إذا كانت ترعى وتعلف، يعني: ترعى في الصباح قليلاً وتعلفها بقية النهار، أو ترعى في بقية النهار؛ لأنك في الدوام وفي الصباح تعلفها فهذه فيها زكاة؛ لأنها رعت، وإذا رعت جزءاً من النهار فهي سائمة وعليك الزكاة فيها.
стр. 2488
أخ يطلب الدعاء من الشيخ لصديقه
السؤال
أحد الإخوة من أهل هذه المجالس -رجل صالح ولا نزكي على الله أحداً- وقع له حادث مروري مرعب، وهو الآن في غرفة الإنعاش وفي حالة لا يعلمها إلى الله، وابنته معه، نرجو منك الدعوة له بالشفاء العاجل ولابنته، وهؤلاء الإخوة الصالحون يؤمنون على دعائك؟
الجواب
نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يشفي هذا الأخ الكريم، وأن يشفي جميع مرضى المسلمين إنه ولي ذلك والقادر عليه، اللهم عجل له بالشفاء يا رب العالمين.
стр. 2489
حكم التصوير
السؤال
سمعت فتوى، أو سمع بعض الإخوة فتوى تجيز التصوير (بالكاميرا) فأخذوا يتصورون مع أقرانهم في الرحلات، وقد سألت بعض الإخوة وهم يدعون الالتزام فقالوا: إن هذا للتسلية؟
الجواب
التصوير في الأصل محرم بالأدلة التي جاءت في أكثر من حديث: (لعن الله المصورين) (المصورون يؤخذون يوم القيامة على شفير جهنم يؤمرون بنفخ روح ما صوروا) هذا في الأصل، ثم وقع خلاف بين العلماء في التصوير الفوتوغرافي، يعني: هل ما يتم تصويره بالكاميرا حرام؟ فمعظم العلماء المحققين يقولون: إنه حرام؛ لأنه بفعل الإنسان، فكأن الإنسان يمسك الريشة ويصور، فكذلك هو يمسك الكاميرا والعدسة ويضبط ويضغط ويطبع ويحمض ويلون، هذا هو تصوير، وبعض العلماء قالوا: لا.
إنه ليس بتصوير وإنما هو حبس للظل، فأنت ما صورت وما أبدعت إنما أمسكت شيئاً خلقه الله وثبتَّه في هذه الورقة، والمعتدلون الذين يجمعون بين الأقوال يقولون: إن التصوير إذا كان للضرورة فلا بأس، فإذا كان التصوير الفوتوغرافي للضرورة في الأمن، أو لمعرفة هويات الناس عن طريق البطاقة، أو عن طريق التابعية، أو الجواز، أو رخصة المرور، أو الضرورة الدعوية مثل: تصوير المحاضرات الإسلامية بالفيديو والاحتفاظ بالشريط ونقله إلى البيوت والأسر لتكراره والاستفادة منه؛ فهذه ضرورة، إذ لو لم تصور هذه الكلمة لذهبت ونسيها الناس، وإذا كنا نقول للناس: لا تستعملوا الفيديو، ولا تشغلوا الأشرطة فيه، فإنه ينبغي أن نوجد البدائل لهم، والبدائل هي الأشرطة الإسلامية، فهذه ضرورة، يبقى فيها محذور الصورة، لكن ما دامت فيها مصلحة راجحة فنحن نغلب المصلحة على الضرر الآتي منها ونستغفر الله تعالى.
فإذا كانت القضية للضرورة فلا بأس، أما للذكرى والرحلات، وللاحتفاظ بها في الألبوم وأنت تعرف أن فيها لعنة، فماذا تتذكر يا أخي؟ تتذكر لعنة الله، بعضهم يقول: أصور ولدي وهو صغير حتى إذا كبر أريه صورته يوم أن كان صغيراً، وأتصور أنا وزوجتي في ليلة عرسي حتى إذا شبنا نقول: انظروا كيف كنا تلك الأيام.
ماذا تنظر يا أخي؟ والله ما تتذكر إلا العذاب واللعنة والسخط.
يا أخي المسلم! لا تتصور إلا إذا أكرهت واقتضت الضرورة ذلك، فنسأل الله أن يعفو عنك بذلك.
стр. 2490
حكم هجر قاطع الصلاة والعاصي
السؤال
يا شيخ من يدخن ويخزن ويأكل الشمة، ولكن إذا رآني أطفأ السيجارة وخبأ الشمة، وصلَّى، والله يعلم إذا أتيت من أبها يخبرني الإخوة بأنه لا يصلي إذا ذهبت، وإذا قابلته قابلته ببشاشة وأسلِّم عليه وأفرح معه وأمزح، فهل أستمر في الكلام معه، أم أهجره؟
الجواب
لا يا أخي! لا تهجره ما دام يستحي ولا يبارزك بالعظيمة، فإن الرسول ﷺ -والحديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم - يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) فالمجاهر المعاند الذي يعاندك بالمعصية، لكن ما دام يستحي إذا رآك فيترك المعصية فهذا فيه خير إن شاء الله، ولكن عليك أن تدعوه إلى الله، أما إذا هجرته فإنه سيستمر على ما هو عليه، إلا إذا كان هجره يمنعه من الوقوع في المعصية فلا بأس.
следующие страницы →