Полный текст (2 982 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
حكم استئجار عمال كفرة
السؤال
عندي عمال أجانب أمرتهم بالصلاة فقالوا لي: إنهم صلوا ولم يجدوا من ذلك فائدة، وحاولت إرشادهم ولكن دون جدوى، وقلت لهم: لا تحلقوا لحاكم فقالوا: وهل ذلك حرام -أي: لما قلت لهم: لا تحلقوا لحاكم فإن ذلك حرام، قالوا: من قال: إن ذلك حرام- قلت: كتاب الله وسنة رسوله، قالوا: من رأى النبي ﷺ وهو لا يحلق لحيته فخشيت أن أستمر معهم -وفعلاً لو استمررت لوصلت إلى أكثر من هذا- فما حكم ذلك؟
الجواب
أولاً: لا يجوز لك أن تبقي هؤلاء العمال معك؛ لأنهم كفار، والكافر لا يبقى معك، ولا يجوز أن يعمل لك ويجلب لك مالاً، وإذا دخلت عليك أموال من طريقهم فالذي تأكله من وراء أيديهم حرام عليك -والعياذ بالله- وموادّة الكافر حرام: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة:٢٢]، بل عليك ترحيلهم الليلة، فما يمسي الليلة أو غداً إلا وقد عملت لهم خروجاً، وأسأل الله ألا يردهم، وإذا أتاك عامل وأنت في بلدك فاشترط عليه: الصلاة والدين والإيمان، فإذا وافق فليأت، وإذا لم يوافق فلا تقبل، أما من يأتي بالكفار -بعضهم لا يأتي بمسلمٍ؛ بل يأتي بكافر أو نصراني والعياذ بالله- فهذا قد ارتكب محرماً؛ لأنه لا يجوز أن يبقى الكافر في جزيرة العرب لقول النبي ﷺ : (لا يبقى في جزيرة العرب دينان) فلا يبقى إلا دين واحد.
стр. 2487
حكم زكاة الغنم التي لا ترعى وإنما تعلف
السؤال
لي غنم تبلغ نصاباً، وهي في شبك وأنا أشتري الشعير والأعلاف لها، فهل عليَّ فيها زكاة؟
الجواب
إذا كان الكلام كما ذكرت من أن غنمك في الشبك وأنها لا ترعى لحظة واحدة، وإنما تعلفها باستمرار فإنه لا زكاة عليك فيها، إنما الزكاة في السائمة التي ترعى الحول أو أكثره، أما إذا كانت معلوفة فلا زكاة فيها، أما إذا كانت ترعى وتعلف، يعني: ترعى في الصباح قليلاً وتعلفها بقية النهار، أو ترعى في بقية النهار؛ لأنك في الدوام وفي الصباح تعلفها فهذه فيها زكاة؛ لأنها رعت، وإذا رعت جزءاً من النهار فهي سائمة وعليك الزكاة فيها.
стр. 2488
أخ يطلب الدعاء من الشيخ لصديقه
السؤال
أحد الإخوة من أهل هذه المجالس -رجل صالح ولا نزكي على الله أحداً- وقع له حادث مروري مرعب، وهو الآن في غرفة الإنعاش وفي حالة لا يعلمها إلى الله، وابنته معه، نرجو منك الدعوة له بالشفاء العاجل ولابنته، وهؤلاء الإخوة الصالحون يؤمنون على دعائك؟
الجواب
نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يشفي هذا الأخ الكريم، وأن يشفي جميع مرضى المسلمين إنه ولي ذلك والقادر عليه، اللهم عجل له بالشفاء يا رب العالمين.
стр. 2489
حكم التصوير
السؤال
سمعت فتوى، أو سمع بعض الإخوة فتوى تجيز التصوير (بالكاميرا) فأخذوا يتصورون مع أقرانهم في الرحلات، وقد سألت بعض الإخوة وهم يدعون الالتزام فقالوا: إن هذا للتسلية؟
الجواب
التصوير في الأصل محرم بالأدلة التي جاءت في أكثر من حديث: (لعن الله المصورين) (المصورون يؤخذون يوم القيامة على شفير جهنم يؤمرون بنفخ روح ما صوروا) هذا في الأصل، ثم وقع خلاف بين العلماء في التصوير الفوتوغرافي، يعني: هل ما يتم تصويره بالكاميرا حرام؟ فمعظم العلماء المحققين يقولون: إنه حرام؛ لأنه بفعل الإنسان، فكأن الإنسان يمسك الريشة ويصور، فكذلك هو يمسك الكاميرا والعدسة ويضبط ويضغط ويطبع ويحمض ويلون، هذا هو تصوير، وبعض العلماء قالوا: لا.
إنه ليس بتصوير وإنما هو حبس للظل، فأنت ما صورت وما أبدعت إنما أمسكت شيئاً خلقه الله وثبتَّه في هذه الورقة، والمعتدلون الذين يجمعون بين الأقوال يقولون: إن التصوير إذا كان للضرورة فلا بأس، فإذا كان التصوير الفوتوغرافي للضرورة في الأمن، أو لمعرفة هويات الناس عن طريق البطاقة، أو عن طريق التابعية، أو الجواز، أو رخصة المرور، أو الضرورة الدعوية مثل: تصوير المحاضرات الإسلامية بالفيديو والاحتفاظ بالشريط ونقله إلى البيوت والأسر لتكراره والاستفادة منه؛ فهذه ضرورة، إذ لو لم تصور هذه الكلمة لذهبت ونسيها الناس، وإذا كنا نقول للناس: لا تستعملوا الفيديو، ولا تشغلوا الأشرطة فيه، فإنه ينبغي أن نوجد البدائل لهم، والبدائل هي الأشرطة الإسلامية، فهذه ضرورة، يبقى فيها محذور الصورة، لكن ما دامت فيها مصلحة راجحة فنحن نغلب المصلحة على الضرر الآتي منها ونستغفر الله تعالى.
فإذا كانت القضية للضرورة فلا بأس، أما للذكرى والرحلات، وللاحتفاظ بها في الألبوم وأنت تعرف أن فيها لعنة، فماذا تتذكر يا أخي؟ تتذكر لعنة الله، بعضهم يقول: أصور ولدي وهو صغير حتى إذا كبر أريه صورته يوم أن كان صغيراً، وأتصور أنا وزوجتي في ليلة عرسي حتى إذا شبنا نقول: انظروا كيف كنا تلك الأيام.
ماذا تنظر يا أخي؟ والله ما تتذكر إلا العذاب واللعنة والسخط.
يا أخي المسلم! لا تتصور إلا إذا أكرهت واقتضت الضرورة ذلك، فنسأل الله أن يعفو عنك بذلك.
стр. 2490
حكم هجر قاطع الصلاة والعاصي
السؤال
يا شيخ من يدخن ويخزن ويأكل الشمة، ولكن إذا رآني أطفأ السيجارة وخبأ الشمة، وصلَّى، والله يعلم إذا أتيت من أبها يخبرني الإخوة بأنه لا يصلي إذا ذهبت، وإذا قابلته قابلته ببشاشة وأسلِّم عليه وأفرح معه وأمزح، فهل أستمر في الكلام معه، أم أهجره؟
الجواب
لا يا أخي! لا تهجره ما دام يستحي ولا يبارزك بالعظيمة، فإن الرسول ﷺ -والحديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم - يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين) فالمجاهر المعاند الذي يعاندك بالمعصية، لكن ما دام يستحي إذا رآك فيترك المعصية فهذا فيه خير إن شاء الله، ولكن عليك أن تدعوه إلى الله، أما إذا هجرته فإنه سيستمر على ما هو عليه، إلا إذا كان هجره يمنعه من الوقوع في المعصية فلا بأس.
стр. 2491
حكم زواج الشغار
السؤال
ما حكم زواج الشغار، وإذا كان الطرفان متراضيين من ناحية الزوجات وبدون مهر أو مع المهر، وإذا أراد أحد الطرفين أن يشترط أو دون أن يشترط، نرجو منكم التوضيح في جميع الأحوال في هذا، وإذا زوج أحد الأخ بمهر خمسين ألفاً وبعد سنة أو سنتين أراد المزوج أن يخطب عند رحيمه فما الحكم؟
الجواب
الشغار: هو زواج رجل بامرأة بشرط أن يزوجه الآخر محرمه، هذا هو الشغار، مثل أن آتي إلى الرجل فأقول: أريد ابنتك، قال: حسناً! لكن بشرط أن تعطيني ابنتك، قلت: لا بأس، فهذا شغار حرام، ونكاح باطل، والأولاد أولاد سفاح والعياذ بالله، حتى لو سمينا المهر وقلنا: هذه لها خمسون وهذه لها ستون، وهذه راضية وهذه راضية فهذا لا يصلح، ما دام أن فيه شرطاً فلا يجوز، لكن رجلٌ تزوج من إنسان وزوجه ابنته وانتهى، وبعد ما تداخلوا عرفوا أن عندهم بنتاً، فقال: ما رأيك نخطب فلانة لفلان؟ فهذا ليس فيه شيء؛ لأنه لم يشترط في العقد الأول، وإن كان الأفضل للإنسان ألا يتزوج بهذه الطريقة، يعني: ليس حراماً لكن الأفضل؛ لأن هذا يؤدي إلى وجود قطيعة، إذا تزوجت من إنسان ثم بعد فترة حدث خلاف بينك وبين زوجتك وذهبت إلى أهلها، فإن أهلك سيأخذون زوجة ذاك الولد، يقولون: تعالي حتى يردها، فيكون كالقضاء للسلف، ما ذنب هذه؟ ليس بينها وبين زوجها مشكلة لكن من أجل أخيها فتقول: ما أقعد عندكم وزوجة أخي عندكم، أرجعوا زوجة أخي وإلا ذهبت إلى أهلي، فتصير مشكلة، فالأولى أن تأخذ أخرى.
стр. 2492
الشهداء سبعة
السؤال
يقول: إني أحبك في الله -نسأل الله أن يجعل حبنا وحبك في الله- لي صديق ذهبت إليه قبل مدة ونصحته، وقبل نصيحتي واستجاب لها واغتسل -كأنه ما كان يصلي- وغيَّر ملابسه وخرج معي إلى محاضرة لك في هذا المسجد، يقول: وحضرنا المحاضرة وبعد ما انتهت المحاضرة خرجت أنا وهو إلى البيت وتعشينا في البيت وقال: عليك أن تمر علي في كل ندوة، وانبسط الولد جداً وتاب إلى الله، وبعد ما ذهبت إلى بيتي وتركته لمدة لأنني كنت مشغولاً بقراءة القرآن؛ وذلك أنني كنت حديث عهد بتوبة فقلت: أقوي إيماني بالقرآن، وذهبت إليه بعد شهر وأخذته معي لزيارة بعض الإخوة في الله، وقلت له بأني سوف آخذه إلى العمرة في آخر الأسبوع إذا لم ينزل معي أهلي، فذهب أهلي معي وذهب هو مع بعض الزملاء الطيبين إن شاء الله ليلحقنا إلى العمرة، وصدم ثلاثة جمال في الطريق وتوفي وهو ذاهب إلى العمرة -نسأل الله أن يغفر له ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٠]، انظروا النهاية الطيبة لهذا الشاب- يقول: فمات هو وبقي صاحبه فهل يعتبر شهيداً أم لا؟ علماً: أنه مات بإحرامه، وكان ينوي الذهاب إلى العمرة أفيدوني أفادكم الله؟
الجواب
هذا يبعث يوم القيامة محرماً وملبياً، فالناس يخرجون ويصيحون وهو يقول: لبيك اللهم لبيك، هذا نسأل الله أن يكون شهيداً؛ لأنه ورد حديث في مسند الإمام أحمد وفي سنن أبي داود والسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (الشهداء سبعة: القتيل في سبيل الله شهيد والمطعون شهيد -المطعون الذي يصاب بالطاعون-، والغريق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد -الذي يأتي مرض اسمه داء الجنب تلصق الرئة في الجنب هذا- والمبطون شهيد) الذي يأتيه إسهال في بطنه حتى يموت ويسمونها الكوليرا، وهي داء يصيب البطن فيحدث عند الإنسان إسهال حتى يموت (وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيدة) بجمع يعني: تموت وهي حامل ويموت جنينها في بطنها، فلم تكن هناك عمليات جراحية وقيصرية وفتح بطن، فهذه شهيدة، وهذا المتردي بالسيارة يدخل ضمن من يموت بهدم، فإن البيت إذا انهدم على صاحبه فمثله السيارة إذا وقعت عليها كارثة وانهدمت بفعل صدامها بجمل أو بسيارة أخرى أو بغيره، نسأل الله أن يجعله في عداد الشهداء، ولكن متى يكون شهيداً أيها الإخوة؟ إذا كان صالحاً، أما إذا كان فاسداً لا يصلي ومات في البحر فلا يصير شهيداً، وإذا مات في الحريق لا يصير شهيداً، وإذا مات في حادث لا يصير شهيداً، متى يصير شهيداً؟ إذا مات وهو طيب فإن الله يرفع درجته ويجعله إن شاء الله من الشهداء.
стр. 2493
طريقة لتجنب الغش
السؤال
إني أحبك في الله، وما هي الطريقة التي تجعلني لا أغش في الامتحان؟
الجواب
الطريقة أن تذاكر الدروس حتى لا تغش في الامتحان؛ لأنه لا يغش إلا البليد، أما الذكي فلا يغش، يعرض نفسه للخطر والعذاب في الدنيا والآخرة، لكن البليد يدخل ولا عنده حرف فيلصق نفسه بـ (برشمات) وأوراق ويدخل يغش، لكن: (من غشنا فليس منا) وامتحانه باطل، وشهادته زور، ويقول العلماء: حتى الوظيفة التي يحصل عليها حرام؛ لأنه أخذها بالزور والكذب، لكن إذا تاب تاب الله عليه؛ لأن التوبة تجب ما قبلها إن شاء الله.
стр. 2494
حكم الصلاة إلى القبلة مع انحراف في استقبالها
السؤال
أخذت بوصلة وقد اكتشفت أن القبلة مختلفة في قبلة كثير من المساجد في أبها فهل أصلي على قبلة البوصلة، أم على قبلة المساجد؟
الجواب
صلِّ على قبلة المساجد، ولا تصلِّ على بوصلتك، فالبوصلة تستعملها إذا كنت في الصحراء، أما ما دمت في المساجد فصلِّ مع المسلمين؛ لأن ما بين المشرق والمغرب قبلة، فالقضية نسبية، فإذا أتيت على البوصلة وضبطتها وانحرفت قليلاً ومشيت إلى مكة هل معنى هذا أنك تدخل مكة؟ قد تصل الطائف فليست مضبوطة مائة بالمائة.
قال العلماء: من كان في الحرم يلزمه استقبال عين الكعبة، فإذا وقفت والكعبة أمامك فيجب عليك أن تقف أمامها، فإذا كانت الكعبة أمامك وأنت متجه لغيرها فصلاتك باطلة، ومن كان في مكة يلزمه جهة الحرم، ومن كان في الآفاق يلزمه جهة مكة -ليس عين مكة أو عين الكعبة- بل جهة مكة، فلا تصل على البوصلة وإنما صلِّ مع المسلمين في مساجدهم فإنها إن شاء الله على القبلة.
стр. 2495
وصية حول الرفقة
السؤال
أريد أن أسلك طريق الالتزام، ولكن عندي صاحب يدعوني ويحثني على كل شر فأوصني وصية؟
الجواب
الله أكبر! تريد أن تتردد وتماري في طريق الجنة، من الذي يماري في الجنة أو في النار؟ ما لك خيار يا أخي! الآن تب إلى الله، وزميلك هذا انفض يدك منه، واطرده طرد الكلب، وحدد معه موقفا وقل له: أنا تائب إلى الله؛ فإن كنت تريد أن تمشي معي في الطريق الصحيح فحياك الله، وإن كنت لا تريد ذلك فلست مني ولا أنا منك، إني بريء منك، فتبرأ منه قبل أن يقودك برقبتك إلى النار ثم تلعنه ويلعنك، وتقول: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٨].
ثم يقول في السؤال: ادع لي بالهداية! أقول: اللهم اهده واهد شباب المسلمين.
стр. 2496
عقيدة أهل السنة والجماعة حول رؤية الله في الدنيا والآخرة
السؤال
ذكرت أن موسى طلب من الله الرؤية فقال له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] فهل هذا في الدنيا والآخرة، أم في الدنيا فقط؟
الجواب
قوله: (لن تراني) في الدنيا فقط، أما الرؤية في الآخرة فهي حق وستقع لأهل الإيمان، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة، أما أهل البدعة والضلالة من المعتزلة والجهمية فإنهم ينكرون الرؤية في الدنيا والآخرة، ولكن هذا غير صحيح، والصحيح: أنه يُرى، ويستدلون: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ودليلهم: بـ (لن) و (لن) ليس فيها دليل على عدم الرؤية، لماذا؟ أولاً: يقول العلماء: إن موسى لا يمكن أن يطلب محالاً، فإن موسى يعرف أنه سيرى الله، ولكن ظن أنه سيراه في الدنيا كما سيراه في الآخرة فطلب ذلك في الدنيا فقال الله له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣].
ثانياً: أن الله ما قال: إنني لا أُرَى، بل قال له: لن تراني، يعني: الآن، أما الرؤية في الآخرة فسوف تقع، والأدلة من الكتاب والسنة دالة على الرؤية، يقول الله في القرآن الكريم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] وقد عدي فعل النظر بحرف الجر (إلى): ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] أي: مشاهدة.
وأيضاً يقول الله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥] أي: عن رؤية الله ﵎، فدل حجب العصاة والكفار أن المؤمنين يرون الله، إذ لو أثبتنا أن المؤمنين لا يرون الله لسوينا بين الكفار والمؤمنين، فالمؤمنون يرون الله، وفي الحديث الصحيح يقول ﵊: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة النصف لا تضامون في رؤيته).
стр. 2497
حكم من افترى على الدين
السؤال
ما رأيك فيمن يقول عن الصالحين: إنهم يقصرون ثيابهم فيشوهون منظر المسلمين؟
الجواب
هذا كذب وافتراء، وإذا كان مصراً عليه فقد يصل به إلى الكفر؛ لأن الرسول ﷺ قال: (أزرة المسلم إلى نصف الساق)، وهو أعلم بما يزين المسلمين، فالذي يقول: إن تقصير الثياب يشوه المسلمين فكأنما يرد دين الله، والله يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء:١١٥].
ما هو الذي يحسن منظر المسلمين؟ سحب الثياب وإسبالها مثل النساء، أن تسحب ثوبك مثل البنت ثم تقول: إني أرفع من شأن المسلمين؟ لا والله، الذي يزين منظر المسلمين رفع الثوب، فأنت ترى أهل البادية من تهامة وفي الجبال، لما يأتيك الرجل في أزرته وفي ردائه ويمشي أمامك كأنه أسد يدق الأرض دقاً، وأرجله تنظر إليها كأنها أرجل أسد، لكن ذاك الذي يسحب ثيابه والله إنك تغض بصرك عنه.
стр. 2498
العوامل المساعدة لأداء صلاة الفجر جماعة
السؤال
ما هي العوامل التي يستطيع الإنسان أن يقوم بها لصلاة الفجر؟
الجواب
أولاً: النوم على ذكر الله وعلى طهارة، والنوم مبكراً وبنية القيام، وأن تخبر شخصاً ينبهك، أو تنام وعندك ساعة تدق عند رأسك، ثم إذا استيقظت فاجلس مباشرة، ثم استو قائماً، ثم قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
عند ذلك لا يأتيك نوم، ليس هناك شخص قام من نومه ثم استتب قائماً ثم أرجعه الشيطان ينام، لكن من يستعيذ بالله وهو راقد يركب الشيطان فوق رأسه كما قلت لكم في الأسبوع الماضي: الذي يضارب لا يضارب قاعداً بل يقف.
стр. 2499
حكم التلفظ ببعض الكلام كدعاء الجن وغيره
السؤال
لقد انتشر بين الناس دعاء الجن مثل: خذوه، وانفروا به، وسبعة، وشلوه، نرجو من فضيلتكم بيان حكم هذه الألفاظ؟
الجواب
هذه الألفاظ شركية، وقد سألت الشيخ عبد العزيز بن باز فقال: هذا شرك، قلت: ما يدري الناس؟ قال: يُعَلَّمون، فمن علم وتاب تاب الله عليه، ومن علم واستمر فهو مشرك كافر لا تؤكل ذبيحته ولا يصلى عليه.
стр. 2500
حكم من أنكر البعث
السؤال
يوجد بعض العوام يكثرون العبادة ويقومون بالأركان من صلاة وزكاة وصيام، ولكنهم ينكرون البعث ويتعجبون من ذلك؟
الجواب
من أنكر البعث فهو كافر ولو صلى وصام؛ لأن الإيمان بالبعث ركن من أركان الإيمان يجب الإيمان به لقول الله: ﴿أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى:١٨]
стр. 2501
زيادة (إنك لا تخلف الميعاد) في آخر دعاء الأذان
السؤال
ذكرت الدعاء الذي بعد الأذان بصوت عالٍ، ثم ذكرت إنك لا تخلف الميعاد؟
الجواب
أما بصوت عالٍ فلا، لكن (الميكرفون) كبر صوتي، وإلا فأنا مثلك أقوله؛ فصوتي بلغ (بالميكرفون) أما قول: (إنك لا تخلف الميعاد) فقد صحت هذه الزيادة في سنن الترمذي وليست في الصحيحين، ففي الصحيحين: (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته).
أما: (إنك لا تخلف الميعاد) فهي ليست في الصحيحين، بل زيادة في سنن الترمذي، ولكن حقق المحققون أنها صحيحة، وقد أخبرني بذلك سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين.
стр. 2502
محارم الرجل
السؤال
هل أنا محرم لبنت عمي وبنت خالي؟
الجواب
لا.
لست محرماً لهما، فالقاعدة: كل من يجوز لك أن تتزوج بها يحرم عليها أن تتكشف عندك؛ لأن المحرمات نوعان: محرمات على التأبيد، ومحرمات على التوقيت، فالمحرمة على التأبيد يجوز أن تراها وأنت محرمها، والمحرمة على التوقيت ولو كانت متزوجة عند واحد تقول: بنت عمي أزورها، لكن لو طلقها زوجها لجاز لك أن تتزوج بها، إذن فلا يجوز لك أن تراها ولست لها محرماً.
والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2503
أحوال أهل النار
تكلم الشيخ حفظه الله عن تباين الناس في الحياة، مبيناً أن ذلك ينبني عليه تباينهم في الآخرة، وقد أوضح أن ذكر الله ورسوله ﷺ لحال الكافرين إنما هو لحكمة بالغة، ثم تحدث عن ذلة الكافر يوم القيامة وهوانه، وعذابه، وندمه، وخصامه لغيره من أهل النار، ذاكراً وقوع الخصومة بين التابع والمتبوع، والضعفاء والمستكبرين، بل خصومة الكافر مع أعضائه، أعاذنا الله وإياكم من ذلك.
стр. 2504
الحكمة من الإخبار بأحوال الآخرة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فإن أحوال الناس تختلف يوم القيامة بحسب أحوالهم في هذه الحياة، فلا يكون مصير الناس سواء؛ لأن سلوكهم في هذه الدنيا ليس بسواء، قال الله : ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠] وقال ﷻ : ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦] وقال سبحانه: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١].
فمن ظن أن مصير الناس يوم القيامة واحد فهو كافر وجاهل وجاحد.
لا.
فليس المصير واحداً؛ لأن العمل هنا ليس واحداً، قوم آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وخضعوا لشريعة الله، وساروا على منهج الله، وأحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله، وبكوا من خشية الله، وجاهدوا في سبيل الله، هل يستوون هم والمفسدون في الأرض الذين زنوا، وسكروا، ولاطوا، وقتلوا، وسرقوا، وارتكبوا ما حرم الله، ورفضوا جلَّ ما حرم الله، هل يكون مصير هؤلاء وهؤلاء واحداً؟ مصير الناس يختلف يوم القيامة بحسب اختلاف أحوالهم في هذه الدار.
стр. 2505
تثبيت الإيمان بالرسول ﷺ
وإن من رحمة الله بنا أن نقل لنا في كتابه وفي سنة رسوله صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلِيهِ صوراً حية من أحداث يوم القيامة ومن أحوالها التي تكون لأهل الإيمان ولأهل الكفر والنفاق، حتى لكأن الإنسان ينظرها عياناً، وهذه فيها حكمتان ومصلحتان: الحكمة الأولى: تثبيت الإيمان بالرسول الكريم صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلِيهِ، إذ من أخبره بما يحدث يوم القيامة يخبرنا عن أمور لا تكون في هذه الدار، وما سمع بها أحد منذ آدم -من غير الأنبياء والرسل- وما سمعنا أحداً بعده منذ مات إلى يومنا هذا يخبر ويتهدد ويتوعد ويَعد ويمني بجنة أو نار، فإن من توعد وهو لا يستطيع التنفيذ يعرف أنه من أكبر الكاذبين، وإذا وعد وهو يعرف أنه لا يفي يعرف أنه أحد الكاذبين، لكن الرسول ﷺ يهدد الكفار ويتوعدهم بالعذاب من مصدر القوة، والثقة بالله ثم بالنفس، ويعد المؤمنين ويمنيهم بالجنة من مصدر الثقة بأن الله سوف يعطيهم جزاءهم.
جاء رجل اسمه العاص بن وائل إلى النبي ﷺ وقد حمل في يده عظمة من عظام الأموات هشة -وهو كافر- وقال: يا محمد! أتزعم أن الله يعيدنا بعد أن نكون عظاماً ورفاتاً، وفت العظم بيده أمام النبي ﷺ ، فقال له ﷺ بكلمة الواثق المطمئن إلى وعد الله ووعيده.
قال: (نعم.
ويدخلك الله النار).
فمات هذا الرجل على الكفر، فلو كان هذا الرجل أسلم لكان الوعد غير صحيح، إذ كيف يدخله الله النار وهو مسلم؟ لكن من علم الله الذي أعطاه النبي ﷺ أن أخبره بأن هذا الرجل سيستمر على كفره ولن يسلم، رغم أن الناس في ذلك الوقت كانوا يدخلون في الدين وكان من المتوقع أن يكون هذا ممن يسلم، ولكن قال له: (ويدخلك الله النار) فمات كافراً.
ونزل القرآن يؤيد النبي ﷺ ويقول له: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً﴾ [يس:٧٨] يعني: بالعظم ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨] الذي يخلق العظم، ومن هذا الذي خلق العظم! إن الذي خلق هذا العظم قادر على أن يعيد هذه العظام ولو صارت رماداً.
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] * ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩] القادر على البداءة قادر على الإعادة، وله المثل الأعلى، إذ لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٩] * ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس:٨٠] * ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٨١] * ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] * ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٨٣].
هذه هي الحكمة والمصلحة الأولى التي نجنيها من مشاهد أحوال الناس يوم القيامة، تثبيت الإيمان بالنبي ﷺ ؛ إذ لو كان متقولاً ما وعد.
стр. 2506
العظة والعبرة
الحكمة الثانية: أننا نأخذ العظة والعبرة، ونعمل عملاً صالحاً، حتى لا نكون ممن يتعرضون لتلك الأحوال؛ لأن الكفرة والمنافقين كلٌّ يمقت نفسه ويزدريها، ويتمنى لو تسوى به الأرض، يقول الله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١] * ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ [النساء:٤٢] يودون أن تبتلعهم الأرض ويكونون عدماً، من المقت، والنكال والخزي، والعار، والعذاب والنار.
في ذلك اليوم يحصل مقت، ويعني: ازدراء واحتقار للنفس، يقول: أحدهم مخاطباً نفسه: ما الذي أوصلني إلى هذه الحال المزرية، إنه سلوكي وتصرفاتي، يا ليتني لم أسرْ في هذا الطريق، يا ليتني أطعت الله ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:٦٦] ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥] * ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٦] * ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٧] * ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨] ما نفعني مالي الذي كنت أتعب في جمعه ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٩] فلقد ضاعت سلطتي، وانتهت مرتبتي ورتبتي، وضاع ملكي وجاهي.
فيقول الله للملائكة: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠] يحصل للإنسان عندها مقت عظيم ذكره الله في القرآن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم في حالات المقت الشديد لأنفسهم ﴿يُنَادَوْنَ﴾ [غافر:١٠] وبنى الله الفعل هنا للمجهول ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر:١٠] يزدريكم ويحتقركم الله أكثر مما أنتم الآن تحتقرون أنفسكم وتزدروها؛ لأنكم وضعتموها في مكان كان بالإمكان أن تضعوها في غيره، لكن عصيتم الله بالزنا، وبالغناء، وبالكفر، وبالنفاق، وبالعجز، وبالتكاسل، وبالتسويف، وبالتكذيب، وضعتموها في هذا الموقف وقد جاءتكم الآيات، والله ما في الأرض أوضح من آيات كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
ماذا بقي لنا أيها الإخوة؟ إن الله أنزل إلينا قرآناً فيه ثلاثون جزءاً، ثلاثون جزءاً أما يكفينا؟ يقول الله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت:٥١] كان يكفي أمره: أسلموا وادخلوا في دين الله وكفى، لكن لا.
كرر أوامره ونهيه: يا أيها الذين آمنوا يا أيها الناس اعملوا اعملوا ينادي الله عباده ويوجهم.
ويوم القيامة يمقت الكافر نفسه ويزدريها ويتمنى أنه لم يعرف هذه الحياة، والإنسان بطبيعته إذا وضع نفسه في وضع مزري فإنه يمقتها، لو رأينا إنساناً يُجلد في السوق، ويقام عليه حد الزنا، ويُنزل من السيارة ويداه مكبلتان والعساكر يقودونه كالماشية، ويأتي مأمور التنفيذ ليضرب ظهره ويجلده، فما هي نفسيته في تلك اللحظات؟ أليس يمقتها؟! أما يتمنى أن تبتلعه الأرض وأنه لا يحضر السوق في ذلك اليوم؟! بل بعضهم يلطم وجهه، وبعضهم يرخي رأسه، وبعضهم ما يود أن يذكر اسمه في الإعلان، فهل يعدل هذا الموقف لذة الزنا، إن لذة الزنا ذهبت وانتهت لكن جلد ظهره، وتشويه سمعته، وتسجيله في القائمة السوداء، مع أصحاب الجرائم والسوابق، وأخذ بصماته لأن له سوابق: هذا (زانٍ، سكير، عربيد، خبيث) كل هذا لم ينته.
وآخر يقتل ويخرج لتدق عنقه أو ليرمى صدره بالبندقية؛ لأنه قتل، فما هو شعوره إذا أنزل من السيارة ونظر يميناً وشمالاً فرأى الناس مجتمعين حوله، والعساكر يحملون الأسلحة، وهو يُقاد ويرى الحبل والخشبة أمامه، ما رأيكم بنفسيته؟ أليس يمقتها؟ أليس يزدريها؟ أما يتمنى أنه ما عرف الحياة؟ أما يشعر أنه أبأس إنسان على وجه الأرض؟ وأنه ليس هناك في الدنيا أشقى منه؟ نعم.
لماذا؟ من وضعك في هذا المكان؟ عدم خوفك من الله، وعدم سيرك على منهج الله.
стр. 2507
أحوال الكفار والمنافقين يوم القيامة
الأحوال الأخروية ثلاثة: ١ - حالة الكفار والمنافقين.
٢ - وحالة العصاة.
٣ - وحالة المؤمنين جعلنا الله وإياكم منهم! وسوف نتحدث عن حالة الكفار والمنافقين يوم القيامة: عن ذلتهم، وهوانهم، وصغارهم، وخيبتهم وندامتهم.
стр. 2508
ذلتهم وهوانهم على الله
يقول ﵎ في وصف ذلتهم: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً﴾ [المعارج:٤٣] الأجداث: القبور ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج:٤٣] * ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٤] أهل الإيمان لا تجد عليهم ذلة، بل لهم عزة وكرامة عند الله، ولهم فضل وفرح بلقاء الله، لكن الكفار ترهقهم ذلة وأبصارهم خاشعة، فترى المجرم لا يرفع رأسه؛ لأن وجهه أسود، وسلوكه سيئ فهذه حالتهم: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [المعارج:٤٤] والرهق: هو الحركة المضطربة بقوة.
إذا قيل: فلان يرهقه البرد فليس برداً فقط وإنما يرتعش، فهذه الذلة تأخذهم وترهقهم ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٤].
والخروج من القبور بهذه الصورة يصور سرعة انطلاقهم إلى مصدر الصوت؛ لأنه ينادى يوم القيامة فيبعث من في القبور، ﴿يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً﴾ [المعارج:٤٣] مسرعين منطلقين، ماذا حدث؟ يريدون سماع الصوت ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج:٤٣] مثلما كانوا ينطلقون إلى هذه الأنصاب، والأفراح، والزنا والمعاصي مسرعين، فهناك أيضاً ينطلقون مسرعين كأنهم على تلك الصفة ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٤].
وبعد ذلك الصوت القوي، يقول الله : ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر:٦] * ﴿خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر:٧] * ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر:٨] والحكمة من التصوير والتمثيل بالجراد؛ لأنه من أضعف الحشرات، ولعل منكم من أدرك فترة وجود الجراد في النهار خاصة، إذا ما جئت إليه وهو بين الزرع وأردت أن تنفره كيف هي حالته؟ وهل تخاف منه؟ هل يأكلك الجراد؟ لا.
تنفره، وهو ينتشر من الرعب والخوف الذي أنت تطارده به، فيهرب منك.
كذلك الكفار والمنافقون يوم القيامة ﴿خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر:٧] * ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر:٨] وبعد أن يقوموا يتأكد لديهم بأنه البعث، وأنه الذي كانوا يوعدون، فقد كانوا يكذبون بالبعث، ولم يكونوا مصدقين به، فلو كانوا يصدقون به لكان له أثر في حياتهم، ولكنهم كذبوا، وعندما يقومون من قبورهم يقولون كما قال الله : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس:٥١] * ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢] وعندها يجيبهم أهل الإيمان فيقولون: (هَذَا) يعني: هذا يوم البعث ﴿هذا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢] هذا وَعدْ الله لنا وصدق الرسول لنا فيصدقون، ماذا يقولون: ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات:٢٠] يدعون على أنفسهم بالويل والثبور وعظائم الأمور.
стр. 2509
جحوظ أعينهم وشخوص أبصارهم
ثم تضيف الآيات الأخرى ملامح جديدة وأبصارهم في حالة الخوف والشدة، حتى إن العين لتبرز جاحضة من الخوف، تكاد أن تخرج ولا يستطيع أن يغمضهما عن النار؛ لأن النوم وإغماض العين أمنة.
تجد من يُخرج إلى السوق ليقتل تكون عيناه تدور شمالاً ويميناً، وينظر من أين سيأتي السياف ليقطع رقبته، ومن ذا يربطه، وأخيراً تغطى عينيه حتى لا يرى شيئاً.
ويصور الله هذا المشهد بعد خروجهم وأبصارهم شاخصة فيقول الله : ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم:٤٢] * ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم:٤٣] لا يمكن أن يطرف طرفةً واحدةً، فعينه انفتحت وشخصت وجحظت وبرزت، لم تعد تقدر على الإغماض حتى تتصلب ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾ [إبراهيم:٤٣] هواء من الخوف؛ لأن القلب هنا هو مصدر الخوف، إذا كان لديك خوف فهل يرتاح قلبك أو يضطرب؟ لو أن شخصاً أخبرك بخبر مخوف، تقول: إن قلبي يكاد أن يطير من الخوف، وإذا كان الخبر ساراً تجد في قلبك انشراحاً وطمأنينة.
مثال آخر: إذا ركبت في الطائرة يضعون لك حزام الأمان، فإذا انطلقت الطائرة، وأتيت على مطب هوائي تشعر بأن قلبك اُنتزع من مكانه، فما بالك -أخي- بخوف يوم القيامة (وأفئدتهم هواء) كما قال الله .
стр. 2510
فزعهم وهلعهم
ثم يذكر الله مشهداً آخر، وهو مشهد الفزع والخوف والهلع الذي يقتلع قلوب الناس يوم القيامة -اللهم ارحمنا برحمتك- حتى إن القلوب لتسد الحناجر، فلا يبقى للرجل حنجرة يتكلم بها أو يتنفس منها، فتبلغ القلوب الحناجر، يقول الله : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨] * ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] والآزفة: القيامة، أزفت الآزفة، أزف الموعد، أزف الامتحان، أي: لا توجد فرصة، فالله سمى القيامة آزفة فإذا أزفت الآزفة فإن القلوب لا تبقى في الصدور كما هي الآن، وإنما تصعد إلى الحناجر ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨] * ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩].
هذه القيامة -أيها الإخوة- يصورها الله لنا، فماذا أعددنا لها؟ لا إله إلا الله، ما أقسى قلوبنا!! أخي الكريم: إذا أتيت المخبز تذكر لو طلب منك أن تجلس ولو لحظة واحدة في هذا الفرن، والله لن تستطيع، لو طلب منك أن تعبد الله طيلة حياتك أو أن تجلس فيه دقيقة واحدة لاخترت الأول ورفضت أن تجلس.
نحن أيها الإخوة! في غفلة وبعد عن الله، لقد تحجرت قلوبنا وماتت، والله لو تعلم البهائم من أمر الآخرة ما نعلم ما أكلنا منها سميناً.
خرج ﵊ على الصحابة وهم يضحكون فقال لهم: (والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصُّعدات تجأرون إلى الله) كان أهل الإيمان يبكون من خشية الله، لا نريد الآن بكاء بل نريد الابتعاد عن الحرام والمعاصي، والقيام بطاعة الله .
стр. 2511
تقديمهم إلى العذاب الشديد مقرنين في الأصفاد
ولما كان المجرم والكافر متمرداً على الله، هارباً منه، مستكبراً عن عبادته، فإنه يؤتى به يوم القيامة مقبوضاً عليه، مقرناً، أي: في القيد؛ لأنه لو ترك لم يأت، وهذا شأن كل مجرم في الدنيا، فإن أي مجرم لا يحضر إلا بقيد، والقيد توقعاً لهروبه، أما هؤلاء فإلى أين يهربون يوم القيامة؟! يقول الله حكاية عن الكافرين: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ [القيامة:١٠] * ﴿كَلَّا لا وَزَرَ﴾ [القيامة:١١] * ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة:١٢] فيؤتى بهم وهم مقرنون في الأصفاد، تجمع أيديهم مع أقدامهم إلى رقابهم ثم يوضعون في قيد واحد.
يقول الله : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨] * ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [إبراهيم:٤٩] * ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم:٥٠] ملابسهم من القطران، أي: الزفت ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم:٥٠] الأيدي والأقدام والرقاب مقرنة كما تقرن البقر في الأضماد يقرنون في الأصفاد، وملابسهم الفاخرة تجدها من قطران أسود، وتشب على وجوههم النار.
ثم قال الله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [إبراهيم:٥١] إن الله سريع الحساب ولو أمهلهم، وفي هذه الأجواء يؤتى بهم على هذا الوضع المزري مقرنين مكتفين وسرابيلهم من قطران، في تلك اللحظات يحصل شيء عظيم آخر وهو: أن الشمس تدنو من الرءوس، تقترب منهم حتى تغلي رءوسهم كما يغلي اللحم في القدر، وأما أهل الإيمان فإنهم في مظلات الرحمن، اللهم إنا نسألك من فضلك يا مولانا، ونسألك أن تظلنا في ظلك نحن وآبائنا وأمهاتنا وإخواننا وأنتم إن شاء الله منهم كما في الحديث في صحيح مسلم (وشاب نشأ في عبادة الله) أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم.
وشاب نشأ في عبادة الله لم يعرف الهوى ولا الغناء ولا الزنا، وإن عرفها تركها وتاب إلى الله.
أخي حفظك الله! اصبر.
كم هذه الدنيا، خمسين أو ستين سنة؟! لماذا تعرض نفسك لهذا العذاب؟ وما بين الرجل منا والجنة والنار إلا أن يموت؟ يقول ﷺ : (والذي نفسي بيده! إن الجنة أو النار أقرب لأحدكم من شراك نعله).
شراك نعلك الذي في رجلك والله إن الجنة والنار أقرب إليك منه، فإذا أتتك منيتك تَحَدَّدَ مصيرك.
فمن يضمن أنه يعيش هذا الأسبوع أو هذا الشهر، ما يدريك يا أخي! لعلك لا تنام اليوم، فلماذا نفرط؟ ولماذا لا نتق الله في ديننا وإسلامنا.
ففي تلك اللحظات وتلك الأجواء يؤتى بالشمس وتدنو حتى لا يكون بينها وبين الناس إلا مقدار ميل، والميل ورد في ذكره في صحيح مسلم، يقول ﵊: (تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل) يقول سليم بن عامر: [والله لا أدري هل هو ميل المسافر أو ميل المكحلة] وسواء هذا أو هذا فكلها مصيبة، فإن ميل المسافة كم سيكون الميل يساوي [١٧٠٠] متر تقريباً، كيلو وثلثين، لكن أين الشمس الآن؟ ومن يستطيع أن يجلس فيها لحظة في النهار؟
تفر من الهجير وتتقيه فهلا من جهنم قد فررتا
فلست تطيق أهونها عذاباً ولو كنت الحديد بها لذبتا
فكلما صعد الإنسان إلى أعلى تعرض للصهر والاحتراق، فالذين يصعدون إلى الفضاء تكون لهم ملابس خاصة تتحمل درجة الحرارة العالية والتي قد تصل إلى (٤٠٠) درجة مئوية فوق الصفر.
ولكنها يوم القيامة تدنو على رءوس الناس، وفي تلك اللحظات يقوي الله أجسادهم كي تتحمل النار؛ لأنهم خلق جديد لن يموت، فهم خلقوا وماتوا، ثم بعثوا ولن يموتوا بعدها، فتأتي النار فتحرقهم وتصهر أجسادهم وتذيب جلودهم ويسيل معها العرق إلى درجة أنه يلجم بعضهم إلجاماً، وهذا حديث في صحيح مسلم، يقول ﵊: (يكون الناس على قدر أعمالهم من العرق، فمنهم من يكون عرقه إلى كعبه، ومنهم من يكون عرقه إلى ركبتيه، ومنهم من يكون عرقه إلى حقويه، ومنهم من يلجمهم العرق إلجاماً، وأشار ﷺ إلى فمه).
من منا الآن يعرق ويسيل عرقه أمامه مثل الماء؟! إن أعلى درجة حرارة في الرياض أو جدة تصل الآن (٤٥) درجة مئوية، الآن الماء لا تتحمله لأنه ساخن بدرجة (٤٥) درجة، ومهما بلغت درجة حرارة الأرض فلا يمكن أن يسيل عرقك سيلاً أمامك، فكيف بيوم فيه العرق أنهاراً بل بحاراً يغطي الناس من كثرته.
стр. 2512
ندمهم وحسرتهم
لا إله إلا الله! وحين يرون هذا المصير ويتذكرون الذي أوردهم هذه الموارد، وإذا بهم يراجعون أنفسهم ويقولون: إنها المعاصي والذنوب، والكفر، والتكذيب، فيحصل عندهم حسرة وندامة تقطع قلوبهم؛ لذا سمى الله يوم القيامة بيوم الحسرة؛ لأن فيه حسرة ليست بعدها حسرة، يقول الله : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩] أنذرهم يوم الحسرة، وقد أنذرنا رسول الله ﷺ يوم الحسرة وصاح في يوم من الأيام كما في الحديث أنه قال: (أنذرتكم النار أنذرتكم النار أنذرتكم النار).
وتصل درجة الحسرة عند الإنسان إلى درجة أنه يأكل يديه من بنانه إلى كتفه، قال : ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٢٧] * ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:٢٨] * ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٩] وبعد هذه الحسرات والندم وأكل اليدين يعيد الله له يده الأولى وهكذا.
وفي تلك اللحظة يحصل عندهم يأس وإبلاس، والإبلاس هو غاية اليأس، يعني: عدم الرجاء، أي: لا يسلمون من هذا المصير، ولهذا يقول : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم:١٢] وسمي إبليس؛ لأنه أبلس من رحمة الله، قال الله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص:٧٨] فليس عنده أمل بأنه ينال هذه الرحمة؛ ولذا سمي إبليس من الإبلاس، وهؤلاء يوم القيامة يبلسون أي: تتقطع آمالهم وينقطع رجاؤهم وييأسون من رحمة الله، وهذا أعظم العذاب؛ بأن ينقطع الرجاء، فالرجاء يجعلك على أمل.
مثلاً: سجين يقولون له: هناك أمل أنك تخرج في يوم كذا وكذا، فيبعث في قلبه الطمأنينة، أما إذا قيل له: حكم عليك بالسجن المؤبد، كيف سيكون حاله؟ تجد أنه انقطع الأمل عنه ويحصل عنده اليأس، ويمر عليه اليوم كسنة؛ لأنه لا يوجد أمل.
стр. 2513
إحباط أعمالهم
كذلك أهل النار عندما يدخلون النار يبلس المجرمون، وبعد ذلك يتعلقون ببقايا آمال في أعمال كانوا يصنعوها في الدنيا ظنوا أنها تنفع؛ لأن أعمال الكفار يوم القيامة تنقسم إلى قسمين: أعمال بغي وكفر وفساد، فهذه باطلة وفاسدة، ولا يرجون ولا يتوقعون من ورائها خيراً، وهذه شبهها الله في القرآن بالظلمات، قال الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩] * ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] هذه الأعمال الباطلة ظلمات بعضها فوق بعض.
وظلمات يظنون أنها تنفعهم يوم القيامة وهي: الصدقة، العتق، صلة الأرحام، الصدق في المواعيد، والمعاملة، والاتجار، لكن هذه نفعتهم في الدنيا؛ لأنهم لم يعملوها لوجه الله وإنما للدنيا، صدقوا في المعاملات لكي تنضبط أمورهم، أخلصوا في العمل لكي تشترى بضائعهم، ووصلوا أرحامهم لكي يبادلوهم بالمودة والمشاعر، وتصدقوا إلى جمعيات الحيوانات من أجل غريزة نفسية؛ فما نفعهم هذا العمل في الدنيا، يقول الله فيهم: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود:١٥] * ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٦].
حبط ما صنعوا في الدنيا والحبط: هو داء يصيب بعض المواشي، إذا أكلت بعض النباتات انتفخ بطنها، ثم حبطت ثم انفجرت يسمى (الحشر) ويقولون: الغنم (حَشَرَت) إذا أكلت طعاماً من ذرة لم تنضج، فهؤلاء يأتون ببطون يحسبون أن فيها شيئاً، لكن قال الله ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٦].
ويقول : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠] ويقول الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً﴾ [الإسراء:١٨] ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ [الإسراء:١٩] فهؤلاء عملوا عملاً صالحاً ولكن ما أرادوا به وجه الله، فإذا جاءوا يوم القيامة ظنوا أنهم على شيء، قال الله: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ)) [النور:٣٩] أي: أعمالهم الصالحة ﴿كَسَرَابٍ﴾ [النور: ٣٩] السراب الذي في الصحراء، إذا رأيته في الظهيرة ترى كأنه ماء، فتقدم عليه وتشد نفسك إليه فكلما اقتربت ابتعد عنك، قال الله: ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ [النور:٣٩] فهؤلاء عملوا عملاً كسراب، ويوم لقوا الله ما وجدوا شيئاً.
ثم مثَّل الله عملهم بالرياح الشديدة التي تهب على الزروع والثمار اليانعة فتحطمها، قال الله : ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ﴾ [آل عمران:١١٧] يعني: الكفار، نفقاتهم، وصدقاتهم، وإغاثاتهم، وإعطاؤهم للجمعيات الخيرية، والبر وهم كفار؛ ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ﴾ [آل عمران:١١٧] ريح لا رياح، والريح أشد ﴿فِيهَا صِرٌّ﴾ [آل عمران:١١٧] أي: فيها عواصف شديدة وصوت يصر ويقطع الأشجار ﴿فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١١٧] لديهم زروع وثمار من العمل لكن لديهم ريح فيه صر وهو الكفر، فأهلكت عملهم هذا والعياذ بالله.
وقد شبه الله عملهم أيضاً بالرماد، وتصوروا رجلاً جعل الله أعماله كلها رماداً، والرماد نهاية النار، كما يقول المثل: (النار ما خلفت إلا رماداً) يضرب هذا المثل إذا وجد -مثلاً- رجل صالح وابنه فاسد فيقولون هذا المثل.
فقد شبه الله أعمال الكفار الصالحة بالرماد، قال الله : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨] تصور شخصاً معه رماد، والريح اشتدت فذهبت به، قال الله: ﴿لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم:١٨] ولذا يجعل الله أعمالهم هذه كلها هباءً: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣].
في الحالة الأولى: لهم الذلة والصغار والنكال والعذاب.
ثم في الحالة الثانية: لهم إحباط العمل، فيقولون: عندنا عمل، فيحبطه الله فلا يبقى.
стр. 2514
تخاصم أهل النار
الحالة الثالثة: وهي التخاصم والتلاوم والمعاذير، وكل شخص يتكلم على أخيه وزميله، يسبه ويلعنه ويحمله المسئولية على هذا.
مثلاً: قُبض على أربعة سكارى وأدخلوهم السجن، فكل شخص يلعن الآخر في سجن الدنيا.
أما في يوم القيامة فهو يحدث عندما يعاين أهل النار النار، ويرون العذاب وما هم فيه وما يحصل لهم.
стр. 2515
عداوة وكراهية بعضهم لبعض
أولاً: كراهية وعداوة بعضهم لبعض يقول الله : ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: خليلان مؤمنان وخليلان فاسقان! يقول: أما المؤمنان فمات أحدهما فأدخله الله الجنة، وفي الجنة رأى ما هو فيه من النعيم، وذكر صاحبه الذي كان يأمره بطاعة الله وينهاه عن معصية الله فخشي عليه أنه يضل بعده، فقال: اللهم! إنه كان لي خليل يأمرني بطاعتك وينهاني عن معصيتك حتى وردت هذا المورد ودخلت الجنة، اللهم! إني أسألك أن تثبته على دينك حتى تجمعني به في جنات النعيم، قال: فثبته الله وكتب له الجنة وهو في الدنيا، قال: والخليلان الفاسقان أحدهما مات فدخل النار، فلما وقع في الورطة تذكر من ورطه، فإذا به يخشى أن يسلم خليله ويهتدي ويذهب إلى الجنة وهو في النار، فقال: اللهم! إنه كان لي خليل يأمرني بمعصيتك وينهاني عن طاعتك حتى وردت هذا المورد، اللهم! لا تهده ولا تجعله يسلم حتى يرى ما رأيت ويدخل فيما فيه دخلت.
﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] هذا مخاصمة بين أهل النار لا يوجد منهم شخص يحب الآخر، أما أهل الإيمان فهم ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الصافات:٤٤] * ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الصافات:٤٥] * ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [الصافات:٤٦] * ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات:٤٧] يتساءلون ويتحادثون ويتنادمون ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الطور:٢٥] * ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦] * ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] * ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٨] نسأل الله من فضله أن يجعلنا من أهل الجنة وآبائنا وأمهاتنا وإخواننا المسلمين.
هؤلاء أهل النار كلهم: بعضهم يلعن بعضاً، لا يوجد شخص يحب الآخر.
стр. 2516
المخاصمة بين التابعين والمتبوعين
وتحصل مخاصمة ثانية بين التابعين والمتبوعين، بين العابد والمعبود، فيتبرأ كل من الآخر.
قال تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ [الشعراء:٩١] * ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء:٩٢] * ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الشعراء:٩٣] أين آلهتكم؟ أين أصنامكم؟ أين مبادئكم؟ أين أفكاركم؟ أين قدوتكم؟ أين شيوعيوكم؟ أين حداثيوكم؟ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء:٩٣] هل ينصرونكم وينقذونكم، أو يمتنعون من العذاب؟ قال : ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ [الشعراء:٩٤] يعني: الذين عبدوهم، كلهم سواء ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ [الشعراء:٩٥] * ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ [الشعراء:٩٦] يتشاجر في النار التابع والمتبوع ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:٩٧] * ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٨] نجعلكم مثل الله نطيعكم، تحرمون ما أحل الله فنحرمه، وتحلون ما حرم الله فنحله، وتشرعون شريعة غير دين الله ثم نطبقها، وتضعون قوانين ما أنزل الله بها من سلطان ونحن نطيعكم عليها، سويناكم برب العالمين سبحانه ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:٩٧] أي: والله لقد كنا في ضلال مبين ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٨] ثم يقولون: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء:٩٩] من هم المجرمون؟ هم دعاة الضلال الذي يضلون الناس ويزينون لهم الباطل، ويخدعونهم بدعوتهم إلى غير منهج الله، هؤلاء يقال لهم يوم القيامة بأنهم مجرمون، ثم يقولون: ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء:٩٩] * ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء:١٠٠] * ﴿وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠١] * ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٠٢] لكن لا عودة أبداً ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:١٠٣] * ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:١٠٤].
تحدث مخاصمة أيضاً بين هؤلاء الأتباع والمتبوعين بين الظالمين ومن تبعوهم في الضلال.
يقول الله : ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات:٢٢] يعني: نظراءهم وأشكالهم، وليس المقصود أن كل ظالم يحشر هو وزوجته، فقد يكون الرجل ظالماً لكن زوجته مؤمنة، مثل فرعون فهو ظالم كافر في النار، وزوجته آسية بنت مزاحم مؤمنة في الجنة: ﴿قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١] لم تقل: ابن لي بيتاً في الجنة وحسب، وإنما قالت: (عندك) سألت الجار قبل الدار! فهنا يقول الله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات:٢٢] أي: الذين ظلموا والذين هم مثلهم، والذين كانوا يعبدونهم ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ﴾ أي: دلوهم، لكن إلى أين؟ ﴿إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٢٣] فقد دللناهم في الدنيا على صراطنا المستقيم فرفضوه وساروا في طريق الشيطان، فالآن دلوهم إلى نهاية الطريق ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٢٣].
ثم قال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤] * ﴿مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات:٢٥] لماذا لا تستنكرون؟ لماذا لا يدافع بعضكم عن بعض؟ ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٦] * ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٢٧] * ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات:٢٨] يقولون: كنا كلما أتينا نريد طريق اليمين ردتمونا عنه ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:٢٩] أي: أنتم في الأصل كنتم معنا، ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [الصافات:٣٠] لم نأخذكم بالغلظة أو بالقوة والبطش ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طَاغِينَ﴾ [الصافات:٣٠] * ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾ [الصافات:٣١] * ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ [الصافات:٣٢] يقولون: نحن هكذا كنا غاوين فأغويناكم معنا فلماذا أطعتمونا؟ قال الله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات:٣٣] * ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات:٣٤] * ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥].
стр. 2517
الخصام بين الضعفاء والمستكبرين
يحدث أيضاً خصام آخر في النار بين الضعفاء والمستكبرين، يقول الله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً﴾ [إبراهيم:٢١] يقولون: نحن أتباعكم ولابد أن تحملوا من العذاب شيئاً أكثر منا ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١].
وفي موضع آخر من القرآن يقول الله : ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر:٤٧] يعني: يتحاكمون ويتخاصمون، ويتشاجرون ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ [غافر:٤٧ - ٤٨] الله أكبر! لا إله إلا الله! يقولون: أين نذهب بكم؟ كيف ننصركم؟ ونحن معكم.
فأهل النار يقول الكبير منهم للصغير: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٨].
وهذا كله في عرصات القيامة قبل أن يدخلوا النار، وعندما يدخلون النار ويقفون على الأبواب يتخاصمون أيضاً، يقول الله : ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص:٥٥] شر مآب وشر مصير للطاغين المجرمين ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ * هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ * هَذَا فَوْجٌ﴾ [ص:٥٦ - ٥٩] يعني: مجموعة جاءوا إلى النار ((مُقْتَحِمٌ)) [ص:٥٩] فلا يدخلون النار مشياً وإنما يدفعون دفعاً ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً﴾ [الطور:١٣] ثم سبعين سنة يهوون حتى يصلوا إلى قعرها ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ [ص:٥٩] أي: مقتحم عليكم في النار.
فيقول من في النار: ﴿لا مَرْحَباً بِهِمْ﴾ [ص:٥٩] كان إذا رآه في الدنيا يرحب به ويأخذه بالأحضان؛ لأنهم اجتمعوا في الدنيا على صوت العود والأغاني، ويوم القيامة يقول: ﴿لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾ [ص:٥٩] فيقول الذين في الأعلى: ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ * قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ﴾ [ص:٦١ - ٦١].
стр. 2518
ظهور الحقيقة للكافرين الساخرين من المؤمنين
﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾ [ص:٦٢] وهم في النار تذكروا، قالوا: أين الذين كنا نتصورهم من الأشرار من هم؟ هم أهل الإيمان؛ لأن الكفار كانت فطرهم منكوسة، ونظراتهم مغيرة، كانوا يتصورون المؤمن شريراً ويقولون: هذه عقلية متخلفة وهذا هوس ديني.
فتجده في الدنيا يلمز ويغمز، ويصب الاتهامات على المتدينين، فأحياناً يصفهم بالتزمت، وبالاحتقار، فنقول: وأنت أين أنت؟ يقول: هؤلاء أشرار.
أين الذين ﴿كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ﴾ [ص:٦٢] * ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً﴾ [ص:٦٣] يقول ضحكنا عليهم في الدنيا، أين هم الآن؟ ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص:٦٣] لعلهم في النار، ونحن لا نراهم بأعيننا، أين هم؟ ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص:٦٤].
ثم يتضح لهم أن أولئك في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، بما صبروا وتحملوا من الأذى في سبيل إرضاء الله تعالى.
ويقع خصام آخر بين الكافر وبين قرينه، القرين: الشيطان.
يقول الله : ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق:٢٣] * ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق:٢٤] * ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾ [ق:٢٥] * ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [ق:٢٦] فيقول الآخر: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [ق:٢٧] فيتبرأ إبليس ويقول: ما أطغيته، ولكن كان في ضلال بعيد، فقال : ﴿قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ [ق:٢٨] * ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩].
стр. 2519
خصام بين الكافر وأعضائه
هذه مخاصمة بين الكافر وبين الناس، ثم بينه وبين زملائه، بينه وبين المستكبرين، ثم بينه وبين شيطانه، ثم تحصل مخاصمة بين الإنسان وبين نفسه، بينه وبين أعضائه، فعينك التي تستخدمها في الحرام والله لتكونن خصماً لها يوم القيامة، وتكون خصمك يوم القيامة.
فيقول الله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت:١٩] يوزعون، أي: يجمعون، يجمع أولهم على آخرهم، مثلما تَجَمعُ الغنمَ إذا أدخلتها في الحضيرة، لا تُدخلها واحدة واحدة، وإنما تتجمع كلها، تخشى أن إحداها تهرب فتردها وهكذا، يحشرون ويوزعون حتى لا يفلت منهم أحد.
﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٠] ويبدأ الخصام: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:٢١] يقولون: إن الله الذي أنطقنا كما أنطقكم أول مرة، أنطقنا نحن الجوارح بما عملنا.
أنت كانت عينك لك، وجعلتها عدوة لك، وكانت أذنك لك، ولكن جعلت أذنك عدوة لك، كان بالإمكان أن تجعل هذه العين صديقة لك تنظر بها في الحلال، وتقرأ بها القرآن، وأذنك تسمع به القرآن ولسانك تتكلم به في الحق، فتكون هذه يوم القيامة شواهد لك، ولكن يوم أن سخرتها في الباطل أصبحت شهيدة عليك.
ويكون هذا حين يعاينون العذاب الشديد الذي أعده الله لهم، فيلجئون بعد ذلك إلى التقليد، والإنكار، وتكذيب الملائكة، ويدعون أنهم كانوا صالحين، فما يبقى عليهم حجة إلا أن يُشْهَدَ الله عليهم أنفسهم.
فيختم الله على أفواههم، وتنطق أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، وبعد سماعهم لكلام جوارحهم، يقول أحدهم لأعضائه: بعداً لكنَّ وسحقاً، عنكن كنت أجادل.
يا إخوان! والله إن هذا الحديث تشيب منه الرءوس إن كان في القلوب إيمان وحياة، أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يلقى العبد ربه فيقول له: ألم أكرمك ألم أسودك؟ ألم أزوجك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل؟ وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى أي رب.
فيقول الله: أظننت أنك ملاقيَّ، قال: لا يا رب، فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني، ثم يلق الله آخر -رجلاً ثانياً- فيقول له مثل ذلك، ثم يلق الله -رجلاً ثالثاً- فيقول له مثل ذلك فيكذب على الله- فيقول: رب آمنت بك وبكتابك وبرسولك وصليت، وتصدقت، وصمت، ويثني بخير على نفسه ما استطاع فيقول الله: ألا نبعث شاهدنا عليك؟! فيفكر في نفسه، فيقول: من الذي يشهد عليَّ فيختم الله على فمه، ويقول لفخذه: أنطقي، فتنطق فخذه، وينطق فمه وعظمه وجلده بعمله الذي كان يعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق الذي يسبب سخط الله عليه).
أخرجه مسلم.
وفي صحيح مسلم حديث آخر، وفيه حوار آخر يجري بين العبد وبين جوارحه، وهذا الحوار يثير العجب والاستغراب، وقد أضحك هذا الموقف النبي ﷺ ، ففي صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: (كنا عند النبي ﷺ فضحك فقال: أتدرون مما أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم، فيقول الله: بلى.
فيقول: إني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني، فيقول: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٤] ثم يختم على فيه فيقال لأكتافه: انطقي فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام -وبعد ما تأتي أعضاؤه بالشهادة يعطى فرصة للكلام- فيقول: لأعضائه بعداً لكُنَّ وسحقاً، عنكن كنت أناضل، عنكن كنت أجادل!).
هذه هي الخصومات ثم يدخلون بعد ذلك النار وترتفع أصواتهم باللعن، ويقول الله في هذا ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنْ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨].
هذا -أيها الإخوة- هو حال الكفار يوم القيامة، فهل يريد أحد منا أن يكون في مثل هذه الحال؟ نعوذ بالله من هذه الحال.
اللهم إنا نعوذ بك من النار ومن حال أهل النار، ومن حر النار، ومن عذاب النار، ومن الخزي والبوار، ونسألك يا الله، يا أرحم الراحمين! أن تجيرنا من النار، اللهم حرم أجسادنا على النار، ولحومنا على النار وأبشارنا على النار، وحرمنا يا مولانا على النار! وآباءنا وأمهاتنا، وإخواننا وأخواتنا، وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 2520
لقاء مع الشيخ سعيد بن مسفر
تضمن هذا اللقاء التعريف بالشيخ والمراحل التي تدرج فيها في طلبه للعلم، وعن كيفية بداية هدايته.
وقد دار كلام الشيخ حول الهداية والثبات على هذا الدين، إذ ليس للإنسان قيمة في هذه الدنيا وكذلك في الآخرة إلا بالتمسك بهذا الدين والثبات عليه؛ لأنه سبب الفلاح والسعادة في الدارين، ولا يكون ذلك إلا بالتمسك بالكتاب والسنة مع وجود الرفقة الصالحة التي تعينه على الخير.
стр. 2521
نبذة تعريفية عن الشيخ سعيد بن مسفر
الحمد لله الذي يرفع بالعلم أقواماً ويضع بالجهل آخرين، والصلاة والسلام على من حثنا على الأخذ بالعلوم الشرعية، وأمر بتوقير أهلها وإجلالهم، وانطلاقاً من محبة العلماء وطلبة العلم والرغبة في الاستفادة منهم ومن علمهم، دأبت أسرة ثابت بن قيس إحدى أسر جمعية التوعية الإسلامية بمدرسة تحفيظ القرآن الكريم بـ أبها لهذا العام الدراسي (١٤٠٨) هـ على زيارة بعض العلماء وطلبة العلم من هذه المنطقة، وهذه هي الزيارة الثالثة من سلسلة هذه الزيارات، والتي نتشرف فيها بزيارة فضيلة الشيخ سعيد بن مسفر حفظه الله ونفع بجهده وعلمه، ونطلب من فضيلته أن يتفضل بتعريفنا ببطاقته الشخصية على الاسم كاملاً، ومراحل الدراسة وطلب العلم، والعمل الحالي.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
أولاً: أرحب بكم، وأسأل الله ﵎ أن يجزل لكم المثوبة والأجر على هذه الزيارة المباركة التي تقومون بها لأخ لكم في الله ، والكل يعرف أن من أعظم الفرص ومن أرفع الدرجات التي تحصل للعبد هي الزيارة في الله ، فحياكم الله وأثابكم الله.
أما البطاقة الشخصية: فالاسم: أخوكم في الله سعيد بن مسفر بن مفرح.
مراحل الدراسة: تخرجت من معهد إعداد المعلمين في أول دفعة نظام قديم سنة (١٣٧٩) هـ، وعملت مدرساً لمدة ثلاث سنوات، ثم انتقلت إلى إدارة التعليم وعملت بها موجهاً للتربية الرياضية والتربية الكشفية لمدة خمس سنوات، وفي عام (١٣٨٧) هـ، وبعد حصول التحول في حياتي من اللهو واللعب والحياة الجاهلية إلى الحياة الإسلامية التي أسأل الله ﵎ أن يثبتني عليها حتى ألقاه، انتقلت من التربية الرياضية والكشفية لأعمل في التوعية الإسلامية والتربية الإسلامية بإدارة التعليم، ومكثت فيها حتى عام (١٣٩٦) هـ حينما افتتحت أول مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة عسير؛ حيث عملت مديراً لها حتى عام (١٤٠٠) هـ، وبعد ذلك عملت بكهرباء المنطقة الجنوبية، ولا أزال حتى هذا التاريخ، والعمل الحالي هو مدير إدارة شئون العاملين بالنيابة بكهرباء الجنوب.
أما طلب العلم ومراحل الدراسة؛ فكما قلت: تخرجت من معهد إعداد المعلمين، وحاولت الدراسة بالمرحلة الليلية في الثانوي، ولكني اصطدمت ببعض المدرسين الذين كانوا يقدمون العلم في صورة مجردة عن الإيمان، وأذكر على سبيل المثال أن مدرس الطبيعة كان يدرسنا كيف تكونت الأرض؟ فكان يقول: إن الأرض كانت جزءاً من الشمس، وإنها انفصلت عنها، وإن هذه الكتلة التي كانت ملتهبة، ثم تكونت الجبال، وتكونت السهول وصارت بحاراً، وتكون اثنين هيدروجين مع واحد أكسجين وصار ماء؛ فقلت له: من سوى هذا الكلام؟! قال: هكذا صار، فقلت له: يقول الله : ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ [الكهف:٥١] ثم ذكرت له قول الله : ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت:٩] وذكرت له مراحل الخلق التي حصلت للأرض والسماوات وفق ما أخبرنا به القرآن والسنة، ولكنه كان بعيداً عن الكتاب والسنة المطهرة؛ فكان يقف لي بالمرصاد، حتى اضطررت إلى ترك الدراسة في أول ثانوي، ولم أتمكن من مواصلة دراستي في المرحلة الثانوية.
وفي عام (١٣٩٧) هـ حينما افتتحت كلية الشريعة بمنطقة الجنوب، وقابلنا مدير الجامعة الدكتور عبد الله التركي، وطلبنا منه أن يسمح لنا بالقبول في كلية الشريعة رغم أننا لا نحمل الثانوية العامة، فقال: على شرط أن نجري لكم امتحاناً يعادل امتحان الثانوية العامة، فقبلنا، وفعلاً تقدمنا للامتحان بفضل الله، وحققنا نتائج طيبة، وحصلنا على معدل (٨٢%) في القبول، ودخلت كلية الشريعة مع أول دفعة، وتخرجت سنة (١٤٠٠) هـ من كلية الشريعة بتقدير جيد جداً (منتسب)، هذه هي المراحل التي مررت بها في طلب الدراسة والعلم.
стр. 2522
بداية هداية الشيخ سعيد بن مسفر
السؤال
لكل هداية بداية، ونريد أن تحدثنا عن بداية الهداية لفضيلتكم، لعلنا نسترشد بها في مسالك الحياة، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
حقيقة لكل هداية بداية، بفطرتي كنت أؤمن بالله، وحينما كنت في سن الصغر كنت أمارس العبادات وكان ينتابني شيء من الضعف والتسويف على أمل أن أكبر وأبلغ مبلغ الرجال حينما أكون مكلفاً، فكنت أتساهل في فترات معينة في الصلاة، فإذا ما حضرت جنازة أو مقبرة أو سمعت موعظة في مسجد ازدادت عندي نسبة الإيمان؛ فأحافظ على الصلاة فترة معينة مع السنّة، وبعدما أستمر أسبوعاً أو أسبوعين أترك السنّة، وبعد أسبوعين أو ثلاثة أترك الفروض، حتى تأتي مناسبة أخرى تدفعني إلى أن أصلي.
وبعد أن بلغت مبلغ الرجال وسن الحلم، لم أستفد من ذلك المبلغ شيئاً، وإنما بقيت على وضعي في التمرد وعدم المحافظة على الصلاة بدقة؛ لأن من شب على شيء شاب عليه، حتى تزوجت، وكنت أصلي أحياناً وأترك أحياناً، فليس هناك التزام قوي بالدين، رغم أنه كان عندي إيمان قوي بالله، حتى شاء الله ﵎ في مناسبة من المناسبات كنت فيها مع أخ لي في الله لعلكم تعرفونه، وهو فضيلة الشيخ سليمان بن محمد بن فايع بارك الله فيه، وهذا كان سنة (١٣٨٧) هـ، نزلت من مكتبي وأنا مفتش تربية رياضية وكنت ألبس الزي الرياضي، والتقيت به على باب إدارة التعليم وهو نازل من قسم الشئون المالية، فرحبت به؛ لأنه زميل الدراسة، ولكن أنا في اتجاه وهو في اتجاه، أنا في الكرة وهو في العلم وطلب العلم، فلما رحبت به وأردت أن أودعه، قال لي: إلى أين؟ وكان هذا في رمضان سنة (١٣٨٧) هـ؛ أي: قبل إحدى وعشرين سنة، قلت له: إلى البيت لأنام، وكانت عادتي أن أذهب بعد نهاية الدوام إلى البيت فأنام إلى المغرب دون أن أصلي العصر، إلا إذا استيقظت قبل المغرب، وأنا صائم.
فقال لي: يا أخي! لم يعد هناك فرصة، فالعصر قريب، دعنا نتمشى، فقلت له: طيب، فمشيت أنا وهو على أقدامنا، وصعدنا إلى سد وادي أبها ولم يكن آنذاك سداً ولا يزال المكان فارغاً، وكان فيه غدير وحشائش ورياحين وروائح طيبة، فجلسنا هناك حتى أذن العصر وتوضأنا وصلينا ثم نزلنا، وفي الطريق ونحن نازلين ويده في يدي، قرأ علي حديثاً كأنما أسمعه لأول مرة، وأنا قد سمعت هذا الحديث؛ لأنه من الأحاديث المشهورة، لكن حينما كان يقرأه كان قلبي ينفتح له، حتى لكأني اسمعه لأول مرة، هذا الحديث هو حديث البراء بن عازب ﵁ رواه الإمام أحمد في مسنده ورواه أبو داود في السنن، قال ﵁: (خرجنا في جنازة رجل من الأنصار؛ فجئنا إلى القبر ومعنا رسول الله ﷺ ؛ فوجدنا القبر لمّا يلحد، فجلس ﵊ على شفير القبر وقال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزلت عليه ملائكة من الجنة ومعها حنوط من الجنة وكفن من الجنة، فيجلسون للميت على مد البصر، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا أيتها الروح الطيبة اخرجي إلى روح وريحان وإلى رب غير غضبان).
المهم ذكر لي الحديث كله من أوله إلى آخره، وانتهى من قراءة الحديث حينما دخلنا أبها في ساحة البحار، وهناك سنفترق سأذهب أنا إلى مقر سكني وهو سيذهب إلى مقر سكنه، فقلت له: يا أخي! هذا الكلام من أين أتيت به؟ قال: هذا في رياض الصالحين، قلت: وأي كتاب تقرأ أنت؟ قال: أقرأ كتاب الكبائر للذهبي، فودعته وذهبت إلى المكتبة مباشرة، وكانت آنذاك مكتبة واحدة بـ أبها اسمها مكتبة التوفيق، صاحبها إدريس الحازمي، فاشتريت منه كتاب الكبائر وكتاب رياض الصالحين، وهذان الكتابان هما أول كتابان أكتنفهما، وفي الطريق وأنا ماضٍ إلى البيت أقول لنفسي: أنا الآن على مفترق الطرق، وأمامي الآن طريقان: الطريق الأول: طريق الإيمان ويوصل إلى الجنة، والطريق الثاني: طريق الكفر والنفاق والمعصية ويوصل إلى النار، وأنا الآن واقف؛ فأي الطريقين أختار؟ العقل يتحكم ويتدخل ويقول: الطريق الأول طريق الإيمان، والنفس الأمّارة بالسوء المغمورة بالشبهات، المدفونة بالشهوات تقول لي وأنا ماض إلى البيت: لا.
امشِ الآن وسأخبرك بعد ذلك، إذا كبرت يمكن أن تتوب ويهديك الله، أما الآن فأنت لا تزال شاباً وصغيراً، فأستشير العقل، فيقول العقل: لا تطع هذه، هذه غدارة.
كل هذه الأفكار وهذه الصراعات كانت تدور في ذهني وأنا ماضٍ إلى البيت، حتى وصلت إلى البيت وأفطرنا، وبعد صلاة المغرب، صلينا العشاء تلك الليلة وصلاة التراويح، ولم أذكر أنني صليت التراويح كاملة إلا تلك الليلة، كنت قبلها أصلي ركعتين وأذهب، وأحياناً إذا رأيت أبي أصلي أربع ركعات وأذهب.
وفي تلك الليلة صليت التراويح كاملة، وانصرفنا من الصلاة، ورأساً توجهت إلى الأخ سليمان في بيته، فوجدته خارجاً من المسجد، فذهبت معه إلى البيت وقرأنا تلك الليلة في أول كتاب الكبائر أربع كبائر: الكبيرة الأولى: الشرك بالله، والكبيرة الثانية: السحر، والكبيرة الثالثة: قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والكبيرة الرابعة: ترك الصلاة، وحينما قرأناها وانتهينا منها كان ذلك قبل السحور، قلت في نفسي: أين نحن من هذا الكلام؟! فقال لي: هذا في كتب العلم ونحن غافلون عنه، قلت: والناس أيضاً في غفلة عنه، الناس الآن في غفلة لا بد أن نقرأ عليهم هذا الكلام، قال: ومن يقرأ؟ قلت: أنت.
فقال: بل أنت فالقراءة سهلة ولكن من يقف، وأخيراً استقر الرأي على أن اقرأ أنا هذا الكلام.
فأتينا بدفتر وكتبنا فيه الكبيرة الرابعة: كبيرة ترك الصلاة، ومن الأسبوع نفسه في يوم الجمعة، وفي أول مناسبة وقفت في أحد المساجد وهو الذي يصلي فيه الآن الشيخ مداوي الجابر، الذي بجوار مركز الدعوة ولعلكم تعرفونه، وكان في أبها مسجدين فقط للجمعة: الجامع الكبير وهذا المسجد، فوقفت فيه بعد صلاة الجمعة، وقرأت على الناس هذه الموعظة المؤثرة التي من يراجعها منكم يجد فيها فائدة كبيرة، وكانت السبب بفضل الله في هدايتي واستقامتي، وأسأل الله ﵎ أن يقيمني وإياكم على الصراط حتى نلقاه إنه على كل شيء قدير.
стр. 2523
نصيحة في الثبات على دين الله
السؤال
يتأرجح كثير من الشباب بين الشرة والفترة، وبين النهوض والنكوص، فما نصيحتكم لأولئك؟
الجواب
نصيحتي للشباب: هو الثبات على دين الله؛ لأن التأرجح والتقدم تارة والتأخر أخرى هذا يدل على عدم استقرار اليقين في النفس البشرية؛ لأن المؤمن حينما يدخل في طريق الله يجب أن يدخل دخول الجازم الصادق الذي لا ينتابه أدنى شك في صحة الطريق الذي هو عليه، وفي صحة الغاية التي يسعى إليها، وأنه على الحق ولو خالفه أهل الأرض، هذا الشعور إذا توفر في بداية الطريق؛ فإن هذا كفيل بإذن الله أن يستمر الشاب على الطريق المستقيم.
لكن هناك عقبات وعوائق تقف في طريق الشاب، وعليه ألا يتوقف عندها؛ لأن التوقف هو بداية الانهزام، بل عليه أن يأتي إلى كل عقبة بقوة وعزيمة، شأنه في ذلك شأن العربة أو المركبة أو السيارة التي يقودها قائدها، فيرى أن أمامه عقبة أو طلعة؛ فإنه إن صعد بعزم أسفل الطلعة تمكن من الصعود، لكن لو أخذ بعزم ثم في منتصف الطلعة توقف فإنه لن يستطيع المواصلة، وطريق الله طريق فيه صعوبة، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، فلا بد من القوة، وخير ما أوصي به الشاب لئلا يتأرجح: ما ذكره الإمام سيد قطب شهيد الإسلام ﵀ في أول كتابه العظيم معالم الطريق، حينما تحدث عن الجيل القرآني، وقال: إن القرآن هو القرآن، وإن السنّة هي السنّة، وإن مقومات هداية الجيل القرآني لا تزال موجودة إلى الآن وفي كل يوم إلى قيام الساعة، ولو كان رسول الله ﷺ وحياته ضرورية لبقاء الدين لما اختاره الله إلى جواره، ولكن الدين باقٍ رغم موته ﷺ .
ولكن ما هي الميزة التي تميز بها الجيل القرآني الفريد الذي عاش في عهد الإسلام، في عهد الرسول ﷺ هذه الميزة تنقسم إلى ثلاث ميزات: أول ميزة: وحدة التلقي.
وهي: عدم تلقي أي شيء إلا من القرآن ومن السنّة؛ لأن الشاب إذا أخذ من القرآن والسنّة، وأخذ من مصادر أخرى حصل عنده خلط في التلقي، وتشويش في الفكر، وانحراف، لكن حينما يقصر نفسه على أن يتلقى فقط من الكتاب والسنّة ومن أخيه في الله الذي يجلس معه، فهذا لا شك أنه يجنبه الخلط في التلقي، ولهذا لما رأى الرسول ﷺ نسخة من التوراة بيد عمر يقرأها غضب عليه ﵊ وقال: (أفيّ شك يا ابن الخطاب، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، والله لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي) يقول: موسى الذي أنزلت عليه التوراة كان موجوداً ما نظر في التوراة التي أنزلت عليه، ولا يسعه إلا أن يتبعني، فنحن لا ينبغي لنا إلا أن نتبع المصدر الوحيد الذي جاءنا من الله وهو كتاب الله، وسنّة رسوله ﷺ .
الميزة الثانية من ميزات الجيل القرآني الفريد: أنهم كانوا يدخلون في الهداية والدين، ويقطعون كل صلة لهم بالجاهلية التي كانوا فيها، ما كانوا يدخلون في الإسلام ولهم جذور أو لهم روابط تربطهم بالماضي، كمن يهتدي وهو يحب الغناء، أو يهتدي وهو يحب النظر المحرم، أو يهتدي وهو يحب الكرة، أو يهتدي وهو يحب السهر، لأن هذا سيبقي له روابط بالجاهلية، وهذه الروابط مهما كانت يسيرة إلا أنها تؤثر في سيره، وربما تعيقه وترده، فعلى المسلم إذا أراد السير في طريق الإيمان أن يقطع كل صلته بالجاهلية، وأن يدخل الإسلام وهو منقطع عن كل التصورات الأخرى، وأن يخلع ملابس الجاهلية على عتبة الإسلام.
الميزة الثالثة التي لا بد منها، والتي كانت من أبرز ميزات الجيل القرآني: أنهم كانوا يأخذون القرآن والسنة للعمل والتطبيق، لا يأخذونه للاستزادة أو للمتعة، ولا للمباهاة والرياء، وإنما للتطبيق، ولهذا يقول ابن مسعود ﵁: (ما كنا نتجاوز العشر آيات من القرآن حتى نعيهن، ونتعلمهن، ونعمل بهن، ونطبقهن) عشر آيات! ويروى أن ابن عمر مكث في سورة البقرة ثمان سنوات، قراءة العلم والتدبر والتطبيق والعمل، لكن إذا قرأ الإنسان القرآن لمجرد الحفظ من أجل يأخذ جائزة، أو من أجل أن الحفظ مقرر عليه في مرحلة دراسية معينة، أو من أجل أنه يحوز به مرتبة أو شيئاً ما فلا ينتفع بالقرآن.
ولكن إذا قرأ القرآن آية آية وطبق، وكلما مرت عليه آية من آيات الأوامر سأل نفسه: هل هو ملتزم بهذا الأمر، وكلما مرت عليه آية من آيات النواهي سأل نفسه: هل هو منتهٍ عن هذا النهي، لأن القرآن هو كتاب الله إليك أيها المكلف، فأنت معني بهذا الخطاب أمراً ونهياً، وخبراً وإنشاءً، وقصصاً واعتباراً، وكل ما في القرآن أنت مخاطب به، فتسأل نفسك، فإذا أخذت القرآن على هذا النحو من الأخذ والتلقي بقصد العمل، يحصل للإنسان الهداية، أما إذا أخذه بغير هذا القصد فلا يحصل له المراد، فهذه وصيتي لمن أراد أن يسير في الطريق، وألا يتذبذب ويتأرجح كما نسمع بين مد وجزر، وبين سقوط وصعود؛ لأنه يُخشى على من يسقط ألا يقوم، القلوب تغيراتها عجيبة جداً، والإنسان ضعيف، ويقول ﵊: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعاً، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها).
وهذا فيه حث من النبي ﷺ على أن يستمر الإنسان في عمل أهل الجنة حتى يموت، ولا يعمل بعمل أهل النار لحظة واحدة، فقد يموت وهو يعمل عمل أهل النار؛ فيُكتب من أهل النار، وفي الحديث نفسه قال: (وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعاً، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة) وفي هذا الحديث أيضاً حث على أن من يعمل بعمل أهل النار عليه أن يسارع بالتوبة إلى الله، وأن يعمل بعمل أهل الجنة، فقد يموت حين يعمل بعمل أهل الجنة، هذا هو مفهوم الحديث ومنطوقه بارك الله فيكم.
стр. 2524
بعض المظاهر والمشاكل السيئة عند الشباب وعلاجها
السؤال
فضيلة الشيخ هناك ظواهر لدى الشباب أذكر بعضاً منها، ونريد من فضيلتكم التعليق على كل ظاهرة، وسأوردها واحدة واحدة:
стр. 2525
العناية الزائدة باللباس والمظهر
السؤال
الظاهرة الأولى: العناية الزائدة باللباس والمظهر؟
الجواب
العناية الزائدة باللباس وبالمظهر تدل على نقص يشعر به الإنسان في نفسه، ويحاول أن يستعيضه عن طريق الشكل العام، وإلا فإن الشكل لا يعطي الدليل الصحيح على قوة المؤمن ويقينه، صحيح إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، والله جميل يحب الجمال، وقد أمرنا الإسلام بالطهارة والنظافة، وأن نلبس جميلاً، وأن نركب جميلاً، وأن نسكن جميلاً، ولكن في حدود المعقول، أما المبالغة في ذلك بحيث لا يخرج الإنسان إلا في ثوب معين، ولا يخرج إلا بغترة مكوية على نمط معين، وفي حذاء معين، أو يشرب شراباً معيناً، فهذه المبالغة تدل على نقص وضعف في الإيمان.
следующие страницы →