← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

نبذة تعريفية عن الشيخ سعيد بن مسفر الحمد لله الذي يرفع بالعلم أقواماً ويضع بالجهل آخرين، والصلاة والسلام على من حثنا على الأخذ بالعلوم الشرعية، وأمر بتوقير أهلها وإجلالهم، وانطلاقاً من محبة العلماء وطلبة العلم والرغبة في الاستفادة منهم ومن علمهم، دأبت أسرة ثابت بن قيس إحدى أسر جمعية التوعية الإسلامية بمدرسة تحفيظ القرآن الكريم بـ أبها لهذا العام الدراسي (١٤٠٨) هـ على زيارة بعض العلماء وطلبة العلم من هذه المنطقة، وهذه هي الزيارة الثالثة من سلسلة هذه الزيارات، والتي نتشرف فيها بزيارة فضيلة الشيخ سعيد بن مسفر حفظه الله ونفع بجهده وعلمه، ونطلب من فضيلته أن يتفضل بتعريفنا ببطاقته الشخصية على الاسم كاملاً، ومراحل الدراسة وطلب العلم، والعمل الحالي. الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. أولاً: أرحب بكم، وأسأل الله ﵎ أن يجزل لكم المثوبة والأجر على هذه الزيارة المباركة التي تقومون بها لأخ لكم في الله ، والكل يعرف أن من أعظم الفرص ومن أرفع الدرجات التي تحصل للعبد هي الزيارة في الله ، فحياكم الله وأثابكم الله. أما البطاقة الشخصية: فالاسم: أخوكم في الله سعيد بن مسفر بن مفرح. مراحل الدراسة: تخرجت من معهد إعداد المعلمين في أول دفعة نظام قديم سنة (١٣٧٩) هـ، وعملت مدرساً لمدة ثلاث سنوات، ثم انتقلت إلى إدارة التعليم وعملت بها موجهاً للتربية الرياضية والتربية الكشفية لمدة خمس سنوات، وفي عام (١٣٨٧) هـ، وبعد حصول التحول في حياتي من اللهو واللعب والحياة الجاهلية إلى الحياة الإسلامية التي أسأل الله ﵎ أن يثبتني عليها حتى ألقاه، انتقلت من التربية الرياضية والكشفية لأعمل في التوعية الإسلامية والتربية الإسلامية بإدارة التعليم، ومكثت فيها حتى عام (١٣٩٦) هـ حينما افتتحت أول مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم بمنطقة عسير؛ حيث عملت مديراً لها حتى عام (١٤٠٠) هـ، وبعد ذلك عملت بكهرباء المنطقة الجنوبية، ولا أزال حتى هذا التاريخ، والعمل الحالي هو مدير إدارة شئون العاملين بالنيابة بكهرباء الجنوب. أما طلب العلم ومراحل الدراسة؛ فكما قلت: تخرجت من معهد إعداد المعلمين، وحاولت الدراسة بالمرحلة الليلية في الثانوي، ولكني اصطدمت ببعض المدرسين الذين كانوا يقدمون العلم في صورة مجردة عن الإيمان، وأذكر على سبيل المثال أن مدرس الطبيعة كان يدرسنا كيف تكونت الأرض؟ فكان يقول: إن الأرض كانت جزءاً من الشمس، وإنها انفصلت عنها، وإن هذه الكتلة التي كانت ملتهبة، ثم تكونت الجبال، وتكونت السهول وصارت بحاراً، وتكون اثنين هيدروجين مع واحد أكسجين وصار ماء؛ فقلت له: من سوى هذا الكلام؟! قال: هكذا صار، فقلت له: يقول الله : ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ [الكهف:٥١] ثم ذكرت له قول الله : ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت:٩] وذكرت له مراحل الخلق التي حصلت للأرض والسماوات وفق ما أخبرنا به القرآن والسنة، ولكنه كان بعيداً عن الكتاب والسنة المطهرة؛ فكان يقف لي بالمرصاد، حتى اضطررت إلى ترك الدراسة في أول ثانوي، ولم أتمكن من مواصلة دراستي في المرحلة الثانوية. وفي عام (١٣٩٧) هـ حينما افتتحت كلية الشريعة بمنطقة الجنوب، وقابلنا مدير الجامعة الدكتور عبد الله التركي، وطلبنا منه أن يسمح لنا بالقبول في كلية الشريعة رغم أننا لا نحمل الثانوية العامة، فقال: على شرط أن نجري لكم امتحاناً يعادل امتحان الثانوية العامة، فقبلنا، وفعلاً تقدمنا للامتحان بفضل الله، وحققنا نتائج طيبة، وحصلنا على معدل (٨٢%) في القبول، ودخلت كلية الشريعة مع أول دفعة، وتخرجت سنة (١٤٠٠) هـ من كلية الشريعة بتقدير جيد جداً (منتسب)، هذه هي المراحل التي مررت بها في طلب الدراسة والعلم.

стр. 2522

بداية هداية الشيخ سعيد بن مسفر السؤال لكل هداية بداية، ونريد أن تحدثنا عن بداية الهداية لفضيلتكم، لعلنا نسترشد بها في مسالك الحياة، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب حقيقة لكل هداية بداية، بفطرتي كنت أؤمن بالله، وحينما كنت في سن الصغر كنت أمارس العبادات وكان ينتابني شيء من الضعف والتسويف على أمل أن أكبر وأبلغ مبلغ الرجال حينما أكون مكلفاً، فكنت أتساهل في فترات معينة في الصلاة، فإذا ما حضرت جنازة أو مقبرة أو سمعت موعظة في مسجد ازدادت عندي نسبة الإيمان؛ فأحافظ على الصلاة فترة معينة مع السنّة، وبعدما أستمر أسبوعاً أو أسبوعين أترك السنّة، وبعد أسبوعين أو ثلاثة أترك الفروض، حتى تأتي مناسبة أخرى تدفعني إلى أن أصلي. وبعد أن بلغت مبلغ الرجال وسن الحلم، لم أستفد من ذلك المبلغ شيئاً، وإنما بقيت على وضعي في التمرد وعدم المحافظة على الصلاة بدقة؛ لأن من شب على شيء شاب عليه، حتى تزوجت، وكنت أصلي أحياناً وأترك أحياناً، فليس هناك التزام قوي بالدين، رغم أنه كان عندي إيمان قوي بالله، حتى شاء الله ﵎ في مناسبة من المناسبات كنت فيها مع أخ لي في الله لعلكم تعرفونه، وهو فضيلة الشيخ سليمان بن محمد بن فايع بارك الله فيه، وهذا كان سنة (١٣٨٧) هـ، نزلت من مكتبي وأنا مفتش تربية رياضية وكنت ألبس الزي الرياضي، والتقيت به على باب إدارة التعليم وهو نازل من قسم الشئون المالية، فرحبت به؛ لأنه زميل الدراسة، ولكن أنا في اتجاه وهو في اتجاه، أنا في الكرة وهو في العلم وطلب العلم، فلما رحبت به وأردت أن أودعه، قال لي: إلى أين؟ وكان هذا في رمضان سنة (١٣٨٧) هـ؛ أي: قبل إحدى وعشرين سنة، قلت له: إلى البيت لأنام، وكانت عادتي أن أذهب بعد نهاية الدوام إلى البيت فأنام إلى المغرب دون أن أصلي العصر، إلا إذا استيقظت قبل المغرب، وأنا صائم. فقال لي: يا أخي! لم يعد هناك فرصة، فالعصر قريب، دعنا نتمشى، فقلت له: طيب، فمشيت أنا وهو على أقدامنا، وصعدنا إلى سد وادي أبها ولم يكن آنذاك سداً ولا يزال المكان فارغاً، وكان فيه غدير وحشائش ورياحين وروائح طيبة، فجلسنا هناك حتى أذن العصر وتوضأنا وصلينا ثم نزلنا، وفي الطريق ونحن نازلين ويده في يدي، قرأ علي حديثاً كأنما أسمعه لأول مرة، وأنا قد سمعت هذا الحديث؛ لأنه من الأحاديث المشهورة، لكن حينما كان يقرأه كان قلبي ينفتح له، حتى لكأني اسمعه لأول مرة، هذا الحديث هو حديث البراء بن عازب ﵁ رواه الإمام أحمد في مسنده ورواه أبو داود في السنن، قال ﵁: (خرجنا في جنازة رجل من الأنصار؛ فجئنا إلى القبر ومعنا رسول الله ﷺ ؛ فوجدنا القبر لمّا يلحد، فجلس ﵊ على شفير القبر وقال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزلت عليه ملائكة من الجنة ومعها حنوط من الجنة وكفن من الجنة، فيجلسون للميت على مد البصر، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا أيتها الروح الطيبة اخرجي إلى روح وريحان وإلى رب غير غضبان). المهم ذكر لي الحديث كله من أوله إلى آخره، وانتهى من قراءة الحديث حينما دخلنا أبها في ساحة البحار، وهناك سنفترق سأذهب أنا إلى مقر سكني وهو سيذهب إلى مقر سكنه، فقلت له: يا أخي! هذا الكلام من أين أتيت به؟ قال: هذا في رياض الصالحين، قلت: وأي كتاب تقرأ أنت؟ قال: أقرأ كتاب الكبائر للذهبي، فودعته وذهبت إلى المكتبة مباشرة، وكانت آنذاك مكتبة واحدة بـ أبها اسمها مكتبة التوفيق، صاحبها إدريس الحازمي، فاشتريت منه كتاب الكبائر وكتاب رياض الصالحين، وهذان الكتابان هما أول كتابان أكتنفهما، وفي الطريق وأنا ماضٍ إلى البيت أقول لنفسي: أنا الآن على مفترق الطرق، وأمامي الآن طريقان: الطريق الأول: طريق الإيمان ويوصل إلى الجنة، والطريق الثاني: طريق الكفر والنفاق والمعصية ويوصل إلى النار، وأنا الآن واقف؛ فأي الطريقين أختار؟ العقل يتحكم ويتدخل ويقول: الطريق الأول طريق الإيمان، والنفس الأمّارة بالسوء المغمورة بالشبهات، المدفونة بالشهوات تقول لي وأنا ماض إلى البيت: لا. امشِ الآن وسأخبرك بعد ذلك، إذا كبرت يمكن أن تتوب ويهديك الله، أما الآن فأنت لا تزال شاباً وصغيراً، فأستشير العقل، فيقول العقل: لا تطع هذه، هذه غدارة. كل هذه الأفكار وهذه الصراعات كانت تدور في ذهني وأنا ماضٍ إلى البيت، حتى وصلت إلى البيت وأفطرنا، وبعد صلاة المغرب، صلينا العشاء تلك الليلة وصلاة التراويح، ولم أذكر أنني صليت التراويح كاملة إلا تلك الليلة، كنت قبلها أصلي ركعتين وأذهب، وأحياناً إذا رأيت أبي أصلي أربع ركعات وأذهب. وفي تلك الليلة صليت التراويح كاملة، وانصرفنا من الصلاة، ورأساً توجهت إلى الأخ سليمان في بيته، فوجدته خارجاً من المسجد، فذهبت معه إلى البيت وقرأنا تلك الليلة في أول كتاب الكبائر أربع كبائر: الكبيرة الأولى: الشرك بالله، والكبيرة الثانية: السحر، والكبيرة الثالثة: قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والكبيرة الرابعة: ترك الصلاة، وحينما قرأناها وانتهينا منها كان ذلك قبل السحور، قلت في نفسي: أين نحن من هذا الكلام؟! فقال لي: هذا في كتب العلم ونحن غافلون عنه، قلت: والناس أيضاً في غفلة عنه، الناس الآن في غفلة لا بد أن نقرأ عليهم هذا الكلام، قال: ومن يقرأ؟ قلت: أنت. فقال: بل أنت فالقراءة سهلة ولكن من يقف، وأخيراً استقر الرأي على أن اقرأ أنا هذا الكلام. فأتينا بدفتر وكتبنا فيه الكبيرة الرابعة: كبيرة ترك الصلاة، ومن الأسبوع نفسه في يوم الجمعة، وفي أول مناسبة وقفت في أحد المساجد وهو الذي يصلي فيه الآن الشيخ مداوي الجابر، الذي بجوار مركز الدعوة ولعلكم تعرفونه، وكان في أبها مسجدين فقط للجمعة: الجامع الكبير وهذا المسجد، فوقفت فيه بعد صلاة الجمعة، وقرأت على الناس هذه الموعظة المؤثرة التي من يراجعها منكم يجد فيها فائدة كبيرة، وكانت السبب بفضل الله في هدايتي واستقامتي، وأسأل الله ﵎ أن يقيمني وإياكم على الصراط حتى نلقاه إنه على كل شيء قدير.

стр. 2523

نصيحة في الثبات على دين الله السؤال يتأرجح كثير من الشباب بين الشرة والفترة، وبين النهوض والنكوص، فما نصيحتكم لأولئك؟ الجواب نصيحتي للشباب: هو الثبات على دين الله؛ لأن التأرجح والتقدم تارة والتأخر أخرى هذا يدل على عدم استقرار اليقين في النفس البشرية؛ لأن المؤمن حينما يدخل في طريق الله يجب أن يدخل دخول الجازم الصادق الذي لا ينتابه أدنى شك في صحة الطريق الذي هو عليه، وفي صحة الغاية التي يسعى إليها، وأنه على الحق ولو خالفه أهل الأرض، هذا الشعور إذا توفر في بداية الطريق؛ فإن هذا كفيل بإذن الله أن يستمر الشاب على الطريق المستقيم. لكن هناك عقبات وعوائق تقف في طريق الشاب، وعليه ألا يتوقف عندها؛ لأن التوقف هو بداية الانهزام، بل عليه أن يأتي إلى كل عقبة بقوة وعزيمة، شأنه في ذلك شأن العربة أو المركبة أو السيارة التي يقودها قائدها، فيرى أن أمامه عقبة أو طلعة؛ فإنه إن صعد بعزم أسفل الطلعة تمكن من الصعود، لكن لو أخذ بعزم ثم في منتصف الطلعة توقف فإنه لن يستطيع المواصلة، وطريق الله طريق فيه صعوبة، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، فلا بد من القوة، وخير ما أوصي به الشاب لئلا يتأرجح: ما ذكره الإمام سيد قطب شهيد الإسلام ﵀ في أول كتابه العظيم معالم الطريق، حينما تحدث عن الجيل القرآني، وقال: إن القرآن هو القرآن، وإن السنّة هي السنّة، وإن مقومات هداية الجيل القرآني لا تزال موجودة إلى الآن وفي كل يوم إلى قيام الساعة، ولو كان رسول الله ﷺ وحياته ضرورية لبقاء الدين لما اختاره الله إلى جواره، ولكن الدين باقٍ رغم موته ﷺ . ولكن ما هي الميزة التي تميز بها الجيل القرآني الفريد الذي عاش في عهد الإسلام، في عهد الرسول ﷺ هذه الميزة تنقسم إلى ثلاث ميزات: أول ميزة: وحدة التلقي. وهي: عدم تلقي أي شيء إلا من القرآن ومن السنّة؛ لأن الشاب إذا أخذ من القرآن والسنّة، وأخذ من مصادر أخرى حصل عنده خلط في التلقي، وتشويش في الفكر، وانحراف، لكن حينما يقصر نفسه على أن يتلقى فقط من الكتاب والسنّة ومن أخيه في الله الذي يجلس معه، فهذا لا شك أنه يجنبه الخلط في التلقي، ولهذا لما رأى الرسول ﷺ نسخة من التوراة بيد عمر يقرأها غضب عليه ﵊ وقال: (أفيّ شك يا ابن الخطاب، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، والله لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي) يقول: موسى الذي أنزلت عليه التوراة كان موجوداً ما نظر في التوراة التي أنزلت عليه، ولا يسعه إلا أن يتبعني، فنحن لا ينبغي لنا إلا أن نتبع المصدر الوحيد الذي جاءنا من الله وهو كتاب الله، وسنّة رسوله ﷺ . الميزة الثانية من ميزات الجيل القرآني الفريد: أنهم كانوا يدخلون في الهداية والدين، ويقطعون كل صلة لهم بالجاهلية التي كانوا فيها، ما كانوا يدخلون في الإسلام ولهم جذور أو لهم روابط تربطهم بالماضي، كمن يهتدي وهو يحب الغناء، أو يهتدي وهو يحب النظر المحرم، أو يهتدي وهو يحب الكرة، أو يهتدي وهو يحب السهر، لأن هذا سيبقي له روابط بالجاهلية، وهذه الروابط مهما كانت يسيرة إلا أنها تؤثر في سيره، وربما تعيقه وترده، فعلى المسلم إذا أراد السير في طريق الإيمان أن يقطع كل صلته بالجاهلية، وأن يدخل الإسلام وهو منقطع عن كل التصورات الأخرى، وأن يخلع ملابس الجاهلية على عتبة الإسلام. الميزة الثالثة التي لا بد منها، والتي كانت من أبرز ميزات الجيل القرآني: أنهم كانوا يأخذون القرآن والسنة للعمل والتطبيق، لا يأخذونه للاستزادة أو للمتعة، ولا للمباهاة والرياء، وإنما للتطبيق، ولهذا يقول ابن مسعود ﵁: (ما كنا نتجاوز العشر آيات من القرآن حتى نعيهن، ونتعلمهن، ونعمل بهن، ونطبقهن) عشر آيات! ويروى أن ابن عمر مكث في سورة البقرة ثمان سنوات، قراءة العلم والتدبر والتطبيق والعمل، لكن إذا قرأ الإنسان القرآن لمجرد الحفظ من أجل يأخذ جائزة، أو من أجل أن الحفظ مقرر عليه في مرحلة دراسية معينة، أو من أجل أنه يحوز به مرتبة أو شيئاً ما فلا ينتفع بالقرآن. ولكن إذا قرأ القرآن آية آية وطبق، وكلما مرت عليه آية من آيات الأوامر سأل نفسه: هل هو ملتزم بهذا الأمر، وكلما مرت عليه آية من آيات النواهي سأل نفسه: هل هو منتهٍ عن هذا النهي، لأن القرآن هو كتاب الله إليك أيها المكلف، فأنت معني بهذا الخطاب أمراً ونهياً، وخبراً وإنشاءً، وقصصاً واعتباراً، وكل ما في القرآن أنت مخاطب به، فتسأل نفسك، فإذا أخذت القرآن على هذا النحو من الأخذ والتلقي بقصد العمل، يحصل للإنسان الهداية، أما إذا أخذه بغير هذا القصد فلا يحصل له المراد، فهذه وصيتي لمن أراد أن يسير في الطريق، وألا يتذبذب ويتأرجح كما نسمع بين مد وجزر، وبين سقوط وصعود؛ لأنه يُخشى على من يسقط ألا يقوم، القلوب تغيراتها عجيبة جداً، والإنسان ضعيف، ويقول ﵊: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعاً، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها). وهذا فيه حث من النبي ﷺ على أن يستمر الإنسان في عمل أهل الجنة حتى يموت، ولا يعمل بعمل أهل النار لحظة واحدة، فقد يموت وهو يعمل عمل أهل النار؛ فيُكتب من أهل النار، وفي الحديث نفسه قال: (وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعاً، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة) وفي هذا الحديث أيضاً حث على أن من يعمل بعمل أهل النار عليه أن يسارع بالتوبة إلى الله، وأن يعمل بعمل أهل الجنة، فقد يموت حين يعمل بعمل أهل الجنة، هذا هو مفهوم الحديث ومنطوقه بارك الله فيكم.

стр. 2524

بعض المظاهر والمشاكل السيئة عند الشباب وعلاجها السؤال فضيلة الشيخ هناك ظواهر لدى الشباب أذكر بعضاً منها، ونريد من فضيلتكم التعليق على كل ظاهرة، وسأوردها واحدة واحدة:

стр. 2525

العناية الزائدة باللباس والمظهر السؤال الظاهرة الأولى: العناية الزائدة باللباس والمظهر؟ الجواب العناية الزائدة باللباس وبالمظهر تدل على نقص يشعر به الإنسان في نفسه، ويحاول أن يستعيضه عن طريق الشكل العام، وإلا فإن الشكل لا يعطي الدليل الصحيح على قوة المؤمن ويقينه، صحيح إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، والله جميل يحب الجمال، وقد أمرنا الإسلام بالطهارة والنظافة، وأن نلبس جميلاً، وأن نركب جميلاً، وأن نسكن جميلاً، ولكن في حدود المعقول، أما المبالغة في ذلك بحيث لا يخرج الإنسان إلا في ثوب معين، ولا يخرج إلا بغترة مكوية على نمط معين، وفي حذاء معين، أو يشرب شراباً معيناً، فهذه المبالغة تدل على نقص وضعف في الإيمان.

стр. 2526

التحمس لمشاهدة المباريات والمسلسلات السؤال الظاهرة الثانية: الحماس للكرة ومشاهدة المباريات والمسلسلات؟ الجواب الكرة وثن من أوثان الجاهلية الحديثة، وإذا كانت بنو إسرائيل فتنتهم في العجل؛ فُفتنت هذه الأمة في هذه الكرة. إن جلد الحمار المنفوخ فتن الناس شيبهم وشبابهم، رجالهم ونساءهم، كبارهم وصغارهم، حتى غدت أمتنا حقيقة أمة الكرة لا أمة القرآن ولا أمة السيف والجهاد، وانشغال طلبة العلم بها، والاهتمام بها، والاهتمام الذي يحدث يدل على ضعف اليقين، وعلى ضعف الإيمان بالله ، ولا ينبغي للمؤمن أن ينشغل بهذه التراهات والحماقات التي هي أصلاً ليست وليدة المجتمعات الإسلامية، إنها وليدة المجتمعات الضالة التي لا هدف لها ولا رسالة، ولا دور في قيادة البشرية، وإنما مجتمعات كافرة ضالة أوجدت مثل هذه اللعب لتشتغل بها، ثم نقلتها إلينا نحن المسلمين واشتغلنا بها، وظلت هي تشتغل بما هو أهم، فما ينبغي للمسلم أن يعطي هذه الأمور من التفاهات أي شيء من وقته، هذا بالنسبة للكرة وللمباريات. أما المسلسلات، فهذه أخطر وأشد فتكاً بعقيدة المؤمن وأخلاقه؛ فهي تصل إلى درجة الحرمة، إذ لا ينبغي للمسلم أن يرى امرأة تمثل، ولا ينبغي للمرأة أن ترى رجلاً يمثل، ثم إن التمثيليات والمسلسلات في حقيقتها هي عبارة عن قصص مكذوبة ليست حقيقة، كاتب روائي كذاب يختلق قصة من عقله، ثم يأتي بسبعة أو ثمانية من الممثلين الكذّابين ليؤدوا هذه التمثيلية كلٌ في دور معين، ثم يشغلون بها الناس، هذه كلها من الأشياء التي ينبغي للمسلم أن يتنزه عنها، وألا يشغل حياته وفكره بهذه الخزعبلات.

стр. 2527

السهر بدون فائدة السؤال الظاهرة الثالثة: سهرات الشباب مع بعضهم بدون فائدة؟ الجواب سهرات الشباب مع بعضهم بدون فائدة ظاهرة مرضية ينبغي أن يتداركها الشاب قبل أن تستفحل فتقضي عليه؛ لأن الوقت هو عمرك أيها الشاب، فإن لم تستدركه وتستغنمه في شيء يعود عليك بالنفع في الدنيا أو في الآخرة، وإلا فإنك تقتل عمرك وتنتحر من حيث لا تدري، ونحن الآن ليس عندنا فراغ حقيقة، بعض الشباب يقول: أنا فاضٍ ليس عندي شيء أبداً، فنقول لهذا: إن لدينا من الأعباء والمسئوليات والواجبات ما لو أن عندنا أضعاف أضعاف الوقت الذي عندنا ما ملأناه، نحن الآن ما فرغنا من حفظ كتاب ربنا، ولم نفرغ من معرفة سنّة رسول الله ﷺ ، ولم نفرغ من معرفة تاريخ أمتنا، ولا من سيرة نبينا صلوات الله وسلامه عليه، وما فرغنا أيضاً من معرفة التفسير، ولا من معرفة مصطلح الحديث، ولا قراءة متون العلم، هذه كلها واجباتنا ومسئولياتنا. لو سألت طالباً من طلبة العلم عن تفسير آية من كتاب الله ما عرفها، وتجده جالساً، فتقول له: ما بالك؟ قال: فارغ بلا عمل كيف تكون فارغاً وابن كثير جالس بجوارك ما تسأله عن تفسير هذه الآية؟! أنت فارغ وما عرفت تفسير هذا الحديث؟! كيف أنت فارغ وأنت ما عرفت هذه المسألة الفرضية؟! إن أوقاتنا مليئة لو أردنا أن نملأها، لكن إذا غاب العقل والتفكير عن المسئولية والواجب نبذ الفراغ، لأنه إذا وجد الفراغ استغله الشيطان ليملأه بالباطل.

стр. 2528

إهمال الشاب الملتزم لدراسته السؤال الظاهرة الرابعة: إهمال الشاب الملتزم لدراسته؟ الجواب وهذه مشكلة المشاكل حقيقة، إن الدين والالتزام يحث الشاب المؤمن على كل فضيلة، وينهاه عن كل رذيلة، ومن الفضائل التي يحث عليها أن يكون له قدم السبق في كل مجال، سواءً كان هذا المجال علماً شرعياً أو علماً دنيوياً، لنثبت للناس أننا سبَّاقون في كل ميدان، وحتى لا يتصور الناس أنني بمجرد أن اهتديت أصبحت منعزلاً في الزوايا، ولا أقيم للحياة وزناً، فيُتصور للناس أن هذا الدين هو الذي حثني على هذا القصور، لا أبداً، إن الدين يحثك على عمارة الدنيا والآخرة، ويطلب منك أن تكون سبَّاقاً في كل ميدان؛ لأنه بهدايتك والتزامك استطعت أن توفر من وقتك وجهدك، فتصرف الوقت والجهد في المجال الذي أنت فيه؛ فإذا كان ترتيبك متأخراً يوم أن كنت ضالاً فإنه ينبغي لك بعد الهداية أن يكون ترتيبك الأول أو الثاني. يقول الشاعر: ونحن أناس لا توسط بيننا لنا الصدر دون العالمين أو القبر

стр. 2529

عدم حضور حلقات العلم في المساجد السؤال الظاهرة الخامسة: عدم حضور حلقات العلم في المساجد؟ الجواب حضور حلقات العلم في المساجد شيء مطلوب للمؤمن وللشاب الملتزم؛ لأنها وجبات روحية يتعب مقدموها في تجهيزها وتحضيرها، وأنت إذا أردت أن تتناول وجبة تعدها أنت بنفسك لزمك أن ترجع إلى عدة مراجع حتى تهيئ لك وجبة متكاملة، لكن العالم أو طالب العلم الذي التزم بأداء درس معين في مسجد معين، فإنه قبل أن يأتي يهيئ لك هذا الدرس، ويجمع لك أطرافه، ويحصر لك مشتقاته، فتأتي على وجبة جاهزة، فحرصك على هذه الجلسة أو على هذا الدرس دليل على حياة قلبك، وعدم حضورك لهذا الدرس أو ضيقك فيه دليل على مرض قلبك، أو على موته والعياذ بالله. لذا كان من أوجب الواجبات على كل شاب مسلم أن يحرص على مجالس الذكر، وأن يتابع العلماء، وقدوته في ذلك صحابة النبي ﷺ ، وسلف هذه الأمة، الذين كانت حياتهم كلها حلق علم، ومجالس ذكر، ينتقلون من حلقة إلى حلقة، ومن علم إلى علم؛ لأن العلم إذا وجد على يد عالم كان له أثر في النفس، بعكس العلم الذي تأخذه من كتاب فقط، فقد تأخذ من الكتاب وتفهم شيئاً لم يرده صاحب الكتاب، ولكن بالتلقي من عالم أو من طالب علم تفهم العلم على حقيقته، وإذا حصل لديك إشكال يكون بإمكانك بعد الدرس أن تقف معه، وأن تستوضح منه وتستفهم حتى يزول الإشكال، فتبني علمك وثقافتك الإسلامية على أساس متين من الفهم والوضوح.

стр. 2530

ضعف القراءة والاطلاع السؤال الظاهرة السادسة والأخيرة: ضعف القراءة والاطلاع؟ الجواب الكتب الإسلامية والمواضيع الشرعية هي بمنزلة وجبات الروح، وعدم الإقبال عليها يدل على مرض الإنسان، مثل وجبات الطعام التي تقدم له، فعدم الإقبال عليها يدل على مرض، فمثلاً الذي لا يأكل الطعام الطيب، فالعلة ليست في الطعام، لكن الرجل هو المريض، معدته مريضة جسمه غير قابل للطعام. وكذلك الكتب الإسلامية والشرعية طيبة، لكن عدم الإقبال على قراءتها يدل على مرض المعرض نفسه، لا على عدم صلاحيتها، فهي صالحة وطيبة، ولكن من أراد الشفاء فعليه أن يُلزم نفسه بالقوة ولو كانت نفسه لا تريد. فأنت حين تتناول كتاباً من كتب العلم في بدايته تشعر بضيق وانقباض، ولكن ألزم نفسك بالقراءة، حتى ولو شعرت بالانقباض أو عدم الارتياح، وإذا جاءك النوم وأنت تريد أن تقرأ وكنت مستلقياً فاجلس، وإذا جاءك النعاس وأنت جالس؛ فاذهب وتوضأ واغسل وجهك ثم ارجع واقرأ، وألزم نفسك بالمداومة مرة ومرتين وثلاثاً وأربعاً حتى تصبح القراءة خلقاً لك، بحيث لا يمكن أن تجلس إلا على قراءة. وحاول أن تستفيد من كل لحظة، بحيث يكون عند رأسك عندما تنام كتاب، وعند مقعدك وأنت جالس في غرفة الجلوس مع أهلك بعض الكتب، وتتناول في كل مناسبة كتاباً، ثم لتكن قراءتك واطلاعك قراءةً ذات قيمة ومعنى، فالقراءة ذات القيمة تقتضي أنك إذا حصلت على شيء مفيد لا تذهب عنه بسرعة بل ردده، أي: ارجع إليه مرة ومرتين وثلاثاً وأربعاً حتى تهضمه، ثم بعد ذلك إذا أردت أن تنقله في ورقه فقم بنقله وهذا لا شك أفضل، وإذا نقلت هذه الفائدة في ورقة فانقلها لأول شخص تلقاه من إخوانك، لأنك حينما ترددها ترسخ في ذهنك، وحينما تنقلها تزداد رسوخاً، وحينما تبلِّغ بها أخاك في الله تزداد رسوخاً أيضاً، وحينما تقولها لأهلك في المجلس في مناسبة قادمة تزداد وتزداد. ولكن مجرد القراءة العابرة لا تجزئ في الثقافة، لأنها عبارة عن معلومة تطرأ على ذهنك وتمسح التي قبلها، لكن القراءة المتيقنة الراسخة تثبت في ذهنك، وبهذه القراءة تستطيع أن تحصِّل العلم، بمعنى: أنه بمجرد أن يمر عليك شهر أو شهران أو ثلاثة إلا وقد أصبح عندك حصيلة علمية وثقافية كبيرة من جراء القراءة الرزينة، أما القراءة التي ليس لها تأكيد فإنك مهما قرأت لا يمكن أن يستقر في الذهن منها شيء؛ لأن كل معلومة جديدة تمسح التي قبلها؛ لأنها لم ترسخ في ذهن الإنسان.

стр. 2531

ممارسة الدعوة بالخطابة والتحدث السؤال كثير من الشباب يرغب أن يمارس دوره في الدعوة إلى الله بالخطابة والتحدث، ولكن يمنعه الحياء أحياناً كثيرة، فكيف يتغلب على هذه الحالة؟ الجواب حقيقةً إن ممارسة الدعوة عن طريق الخطابة عمل له سلبيات وإيجابيات، فمن سلبيات هذا العمل: أنه يدعو النفس إلى الرياء؛ لأنه يحصل للإنسان إذا وقف يتكلم أمام الناس من الثناء والإعجاب والتقدير ما يغلب على طبعه كبشر، فيحول نيته من الله إلى الناس، وبهذا يفسد عمله، فلا يجعل الله لكلامه قبولاً في قلوب الناس؛ لأن هذا الدين من خصائصه أنه إذا أريد به وجه الله انتُفع به، وإذا أريد به وجو الناس زل الكلام من آذانهم كما يزل الماء من على الصفا، فما ينتفع الناس بكلامه مهما كان بليغاً، وهذه من سلبيات الخطابة. أما إيجابياتها فكثيرة جداً، أولاً: أنها تدفع الشاب الملتزم إلى البحث ليقدم الجديد للناس. ثانياً: أنها تدفعه إلى الالتزام بما يقول للناس، إذ من العار والعيب عليه أن يقف ويقول: صلوا، وهو لا يصلي، أو لا تغنوا وهو يغني، أو يحذرهم من النظر إلى المحرم وهو ينظر إلى المحرم؛ لأنه يضع نفسه بالدعوة في موضع القدوة، والشيطان حريص على ألا تضع نفسك في موضع القدوة، فالشيطان يريد باستمرار أن تبقى مجهولاً أو مخفياً بحيث يستطيع أن يمارس عليك ضغطه ويستطيع أن يهزمك بممارسة المعصية، لكن يوم أن تشعر أنت بأنك قدوة في المجتمع، وأن لك مكانة معينة، وإذا أردت أن تسقط جاءك الشعور الإيماني كيف تسقط وأنت تقول كذا، فيدفعك هذا إلى الاستقامة باستمرار. وعامل الحياء الذي يرد على الشاب حينما يريد أن يقف في مثل هذه المواقف هو حياء شيطاني ليس من الله، وإنما هو من الشيطان بواسطة التخذيل والتخويف لئلا تقف في هذا الموقف؛ لأنك حينما تقف تنصِّب نفسك لمعادة الشيطان، وهو لا يريد أحداً أن يعاديه، فربما إذا وقفت يُشعرك بالحياء والخجل والغلط أول مرة، وربما يسلط عليك بعض أصحابك فيضحكون عليك، ويقولون: أنت أخطأت، وأنت قلت، ولكن إذا علم الله منك صدق النية واليقين وسلامة القصد بأنك لم تقف إلا لوجهه، ولا تريد من هذا الوقوف إلا إبلاغ دين الله، فإن الشيطان لا يمكن أن يقف في طريقك، وعليك أن تستمر وتبدأ الطريق، ولا يهمك بعد ذلك أية معوقات، ولعل الله أن يهدي على يديك ولو رجلاً واحداً من هذه الأمة.

стр. 2532

كيفية السير على طريق الدعوة أمام المعوقات من قبل الوالدين السؤال يعاني بعض الشباب في بيوتهم من وقوف الآباء في وجه تطلعاتهم وتوجهاتهم الإيمانية مما يعكس أثراً سلبياً على استمرارية أولئك الشباب في طريقهم، ونود من فضيلتكم وضع معالم لهؤلاء الشباب تبين لهم كيفية السير في مثل هذه الظروف؟ الجواب من الصعوبات الحقيقية التي تصادف الشاب أن يبتلى بأبيه أو بأمه أو بإخوانه في بيت لا يعينونه على طاعة الله ، هذه من أعظم المعوقات، وقد ضرب الله لنا الأمثلة في القرآن الكريم بأنبيائه ورسله الذين وُجِهوا بمثل هذه الصعوبات، فهذا نوح ﵇ تقف في وجهه امرأته وولده، وهذا لوط ﵇ تعانده امرأته وتكذبه ولا تؤمن به ولا تصدقه، وهذا إبراهيم ﵇ يقف في وجهه والده، وهذا رسول الله ﷺ يقف في وجهه عمه وكافله وحاميه أبو لهب، هذه الأمثلة جاءت لتعزية المسلم وتسليته وإخباره بأنه ليس الوحيد في هذا الطريق، وأن الهداية ليست بيد الإنسان، وإنما هي بيد الله . فأنت حينما تهتدي وتجد أن أباك أو أمك أو أختك أو أخاك أو بعض أقاربك يقفون في وجهك، فعليك أن تثبت أولاً، وألا تتزعزع، وأن تسير في الطريق بدون تردد. أما الأسلوب الذي يجب أن تتبعه في دعوة الوالدين والإخوة فهو أسلوب الرفق واللين والصبر وعدم التصدي، وعدم ممارسة الأوامر والنواهي، لأن من عرف أنك صغير استحقرك، ولأن الوالدان باستمرار لا يريدان أن يتلقيا التوجيهات ممن هو أصغر منهم؛ لأنهما إذا رأوه يأمرهما وينهاهما وهما يعرفان ماضيه بأنه كان طفلاً صغيراً، وأنه عبر أطواراً معينة حتى بلغ مبلغ الهداية، فيقيسونه بماضيه وصغره وجهله وعبثه، يقولون: هذا اللعاب أصبح يهدينا ويأمرنا وينهانا، يا ألله! اذهب فالعب، فتجد الأب يضرب ولده والأم تضرب ولدها، لماذا؟ لأنه جاءهم بصيغة الأمر والنهي. ولكن عليه أن يمارس الدعوة برفق وبحساسية وبدقة، وعليه أن يستغل الفرص فلا يمارسها في كل وقت؛ لأن النصح في كل وقت يؤدي إلى الضجر والملل والرفض، لكن عليه أن يلتزم هو في ذاته، وإذا رأى فرصة مناسبة لدعوة والديه فلا يتركها، مثل قضايا الموت، فإذا سمع أن فلاناً مات يستغل ذلك، أو حضور جنازة، أو كسوف الشمس، أو خسوف القمر، أو هبوب الريح، أو وجود أمطار، أو شهر رمضان، أو موسم الحج، أو أية مناسبة دينية تحصل له، فعليه أن يستغل هذه المناسبة ويورد شيئاً مما يمكن أن يقبله والده أو والدته حتى يتأثرون. أيضاً: يستعين بالأشرطة الإسلامية؛ لأنهم قد لا يثقون في الكلام الذي ينقله بذاته؛ لأنهم يعلمون بصغر سنه، يقولون: ما هذا الكلام الذي قلته لكن إذا جاءهم شريط من عالم بشرط أن يكون هذا العالم موضع ثقتهم، فلا يأتي بأحد ليس موضع ثقة؛ لأنه إذا زعزعت ثقتهم في العالم أو الداعية الذي يسمعون كلامه، كأن يكون له سلوك سيئ، أو مواقف ليست مشرفة في الدين، فإذا سمعوه يكرهونه ويكرهون الدين، لكن يسألهم ويعرف ويتعرف من الذي يحبونه من الدعاة أو من العلماء؛ فيأخذ الشريط الذي يناسبهم ويعطيهم إياه، ويدعو الله ﵎ في صلاته في الليل، وفي صلاته في الفريضة، وفي سجوده يدعو الله أن يهديهم، فيكون مكلفاً لمسئوليتين: يدعو الله أن يهديهم، ويدعوهم إلى الهداية الله، ففي الليل يدعو الله لهم، وفي النهار يدعوهم إلى الله . وهكذا بالنسبة للأخ، خصوصاً الأخ الأكبر، ينبغي أن يمارس معه نفس الأسلوب الذي يمارس مع الوالد، أما الأخ الأصغر فله أسلوب آخر، فكلما كان الأخ أكبر من الثاني فإن الصغير يريد أن يقتدي به، فهذا الأخ الصغير ينبغي أن تشمله بعطفك، ورعايتك وحنانك، وأن تقدم له كل ما تستطيع من الإعانة المادية، ولو على حساب مصلحتك أنت، المصاريف التي أنت تتناولها يومياً أعطه إياها، أشعره بأنك تحبه وترحمه، لا تذهب مكاناً إلا وهو معك، إذا ذهبت تشتري شيئاً اشتر له قبلك، ومن ثم أخدمه، فإذا أراد شيئاً أعطه إياه، لا تحاول أن تستخدمه حتى يحبك، فإذا أحبك ورأى منك هذا الخلق فإنه رأساً يتشبث ويقتدي بك. ومن ثم تهدي له، خصوصاً من الأشياء التي يحبها مثل: الملابس، والأحذية، والكتب، والأدوات الدراسية، عندما تفتح حقيبته وترى أنه ليس عنده علبة هندسة، تذهب وتشتريها له بخمسة ريالات وتعطيه، تقول: هندستك قديمة هذه هندسة جديدة خذها، أو تعطيه قلماً، أو تساعده في حل واجباته، فإذا كان لك إخوة صغار فهؤلاء هم أعظم خامة بالنسبة لك، فيمكن لك أن تشكلهم على ما تريد أنت، لكن إذا كنت الكبير وأنت الملتزم فيهم، بينما تمارس على أخيك الصغير الضغوطات: قم وهات وافتح الباب واطلع وانزل كرّْهته فيك، وإذا بك تدعوه فيكرهك أكثر، فهذا أسلوب نافع بإذن الله .

стр. 2533

قوة البداية وحسنها لها أثر في استمرارية الإنسان على الإلتزام بدين الله السؤال هناك مقولة تقول: "من لم يحترق في بدايته لم يتوهج في نهايته" ما مدى انطباق هذه المقولة على البداية الجادة القوية للتوجه الإيماني، والبداية الفاترة الهزيلة له؟ الجواب هذه المقولة صحيحة إلى حد ما؛ لأن قوة البداية وحسنها لها أثر في استمرارية الإنسان في دين الله، أما ضعف البداية وعدم وضوح النية فيها فقد عده العلماء من أسباب الردة في دين الله ؛ أي أن الأشياء التي يُحبط بها دين الإنسان ويرتد بها عن الدين، هي أن تكون بدايته أصلاً لغير وجه الله، أو أن تكون هزيلة، أو لغرض مادي أو شهواني، فهؤلاء قليل منهم من يتجاوز الطريق ويصل، وغالباً ما ينقطع ويعجز عن الوصول؛ لأن الدافع في الأصل ضعيف، وحينما يكون الدافع ضعيفاً لا يمكن له أن يواصل السير. لكن حينما تكون البداية قوية والدافع قوي، يترتب على هذا دفع قوي؛ لأن هذا دين الله، والله ﵎ يقول: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف:١٤٥] ويقول لرسوله ﷺ : ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل:٥] وطريق الإيمان طريق ليس مفروشاً بالزهور ولا بالورود، وإنما طريق شائك، طريق فيه تمرد على النفس، فيه تحرر على الطباع والشهوات، وفيه انقلاب على الأهواء والملذات، يُطلب منك إذا اهتديت أن تغير كل شيء، تغير سمعك فلا تسمع إلا شيئاً جديداً عما كنت تسمع، تغير نظرك وأصدقاءك، وطباعك، وبرامجك، وكتبك وأشرطتك، وتغير حتى أسلوبك في الأكل، والنوم، والتعامل، والسير في الطريق، كل شيء في حياتك يحصل فيه انقلاب رأساً على عقب. أما الذي يدخل بضعف؛ فالضعيف لا يستطيع أن يقوى على شيء، فلا بد للمؤمن أن يدخل بقوة وبعنف وألا يتردد، هذه في مقامه مع نفسه. أما مع غيره في أسلوب الدعوة فلا ينبغي له أن يكون عنيفاً؛ أي: مع نفسي آخذها بأعلى درجات الكمال، ولكن مع الناس آخذهم برفق؛ لأن الشدة معهم مصادمة ومضادة للأسلوب النبوي، أسلوب الرسول ﷺ الذي دلنا عليه وأمرنا به، والذي أخبرتنا به سنته هو اللين، يقول ﵊: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا) وكان ليناً صلوات الله وسلامه عليه: (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما) والله ﵎ يقول: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] ويقول للنبي ﷺ : ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]. فإذا كنت تدعو أخاك أو أمك أو أباك أو صاحباً لك يجب أن يكون هذا بتدرج ولطف ورفق، أما دعوتك لنفسك فبأقصى درجات الحزم؛ لأن النفس إن لم تحزم عليها، وتأخذها بقوة وتفطمها بعنف تمردت، والناظم يقول: والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم فاصرف هواها وحاذر أن توليه إن الهوى ما تولى يصمي أو يسم فخذ نفسك بالقوة، لا ترض أن تتزحزح، أو أن تتراجع، أو أن تتخاذل أمام شهوات النفس؛ لأنها أمَّارة بالسوء، ولكن لا تزال بها بقوة حتى تبلغ بها درجة اسمها درجة الاطمئنان، وهي النفس المطمئنة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها.

стр. 2534

دور الشاب الملتزم في المجتمع الذي يعيش فيه السؤال دور الطالب الملتزم بدينه مع زملائه في الصف، وإخوانه في المنزل، وجيرانه في الحي، هذا الموضوع يحتاج إلى بيان شافٍ من قبلكم، فتفضلوا علينا بذلك جزاكم الله خيراً؟! الجواب دور الشاب الملتزم تجاه إخوانه في بيته أوضحته فيما سبق، أما تجاه زملائه في الصف أو الأصدقاء في الحي أو الرفاق في المسجد والمصلى، فهو دور بارز وذو أهمية كبيرة ينبغي أن يوليها الشاب أكبر الاهتمام، وأول مرحلة ينبغي أن يتمسك بها هي القدوة؛ لأن القدوة دعوة عملية، تقنع الناس بصلاحية ما عندك أيها الشاب، وأقوالنا ما لم تكن مترجمة في سلوكنا وأعمالنا، وإلا فإننا ندعو الناس بألسنتنا إلى الإسلام، ونطردهم بأعمالنا من الإسلام، ودائماً الفعل أشد تأثيراً ووقعاً من القول، فالقول يسهل على كل واحد أن يقول، لكن الالتزام والفعل صعب جداً. فأول ما ينبغي للشاب الملتزم أن يكون قدوة في سلوكه وتصرفاته مع زملائه، قدوة في التحلي بالأخلاق الإسلامية الفاضلة: من الصدق، والعفة، والمروءة، والشهامة، والكرم، والنجدة، والصبر، والوفاء بالوعد، والبذل، والإخلاص، والتضحية، هذه كلها أخلاق إسلامية إذا توفرت فيك أحبك الشباب، وأحبوا أن يكونوا مثلك. ثانياً: القدوة في العبادة، بحيث يرونك دائماً الأول: الأول في الصف، الأول في الروضة، الأول في كل خير، والأول في الندوة وفي جلسة العلم، بهذه الأولوية تكون قدوة؛ لأن الشاب الذي يراك يقول: لماذا هذا الأول وأنا لا أستطيع؟! لكن حينما يراك تأتي في مؤخرة الصفوف، وهو لا يأتي أصلاً فإنه لا يبالي، فلا بد أن تكون قدوة في العبادة إلى جانب القدوة في الأخلاق. والقدوة الثالثة: قدوة في ترك المعاصي والذنوب؛ لأن الذنوب والمعاصي حجاب بين العبد وبين الله ، فإذا أردت من الناس ألا يقتدوا بك في هذه الأشياء فعليك أن تبتعد أنت بنفسك عنها، وعن ممارستها أو القرب منها، يقول لي أحد الشباب: كنت أسمع داعية يدعو إلى الله باستمرار في المساجد، يقول: فأتت مناسبة من المناسبات فذهبت أنا وإياه في وليمة، وكنت أقود السيارة وكان بجواري، يقول: وفي الطريق دخلنا على إحدى القرى، وفجأة عرضت أمامنا فتاة وكانت متبرجة، يقول: فأنا اعتبرت هذا الموقف بمنزلة الاختبار لهذا الداعية، فجلست أرصده، أرى ماذا سيفعل، هل سينظر، أم سيغض بصره؟ يقول: فنظرت إليه وأنا أقود وإذا به منكساً رأسه، نكس رأسه وهو يستغفر الله ، يقول: فكان لهذا الفعل منه أكبر الوقع والأثر في قلبي، إذ أن هذا العمل أثر بي أعظم من ألف موعظة سمعتها في غض البصر، لكن لما رأيته يغض بصره والمرأة أمامه وهو شاب مثلي، ولديه مثلما لدي من الرغبة في النظر، ولكن الذي منعه خوفه من الله، يقول: فغضضت بصري من ذلك الوقت، وأصبح هذا الموقف مرسوماً في عيني إلى أن أموت. فالقدوة مطلوبة في ترك المعصية، ومطلوبة في الحرص على الطاعة، ومطلوبة في التحلي بالأخلاق الإسلامية. ثم بعد القدوة ممارسة الدعوة بالأسلوب اللين عن طريق الإكرام، أهم شيء -أيها الإخوة- نستطيع به كسب الناس: إكرامهم، ومحبتهم، وإشعارهم بقيمتهم، وعزيمتهم، والإهداء لهم، ولو بالعبارة الطيبة، أو البسمة الطيبة، أو حتى بتقديم الحذاء له وهو خارج، أو بتقديم أي خدمة له، فبهذا أكسب مودته ومحبته، فإذا كسبته وأصبح يحبني عندها أي كلام ألقيه عليه يستجيب، ولهذا تعرفون كيف أن الله اختار من البشر أحب الخلق إلى الخلق، صلوات الله وسلامه عليه، فكانوا يسمونه الصادق الأمين، وكان محبوباً على مستوى جميع طبقات قريش فكلهم يحبونه، فاختاره الله لمنزلته من قلوب الناس، لكن لو اختار واحداً مبغوضاً فلن يحب أحد هذا الدين، لأنك إذا كرهت إنساناً كرهت الحق الذي معه، وإذا أحببت إنساناً أحببت حتى الباطل الذي عنده. ولهذا ترون أن أهل الباطل الآن يجذبون الشباب بالمغريات، وعن طريق الرحلات والشهوات والهدايا، فنحن أولى بأن نجذب إخواننا وزملاءنا في الفصول؛ وفي المسجد، وفي الحي عن طريق الإهداء وكسب المحبة، ثم الرفق بهم، وعدم العنف، وعدم تحميلهم أكثر من طاقتهم، نريد أن يصبح الشاب وفق إمكاناته هو، لا وفق أن نسحبه سحباً؛ لأنك إذا سحبته ثم تركته انفلت وتفلت، لكن إذا مشى معك بذاته ثم تركته فلا يزل على مكانه. فرق بين من تحمله وبين من يحمل نفسه، من تحمله أنت إذا تركته انفلت، لا ينفع إلا أن تجلس معه باستمرار، وإذا تركته أخذ ينظر إلى النساء، ويسمع الأغاني، لكن من يمشي معك وهو يحمل نفسه، إذا تركته فهو مكانه لا يزل، لماذا؟ لأنه يسير بنفسه لا بحملٍ منك، فدعه يسير على مقدار إمكاناته، وأما دورك فيكون في تشجيعه وفي حمله على أن يصير بنفسه لا بحمل منك أنت.

стр. 2535

وصايا للحضور السؤال كان سلف الأمة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين إذا التقوا في مجالس الخير والعلم ثم أرادوا الانصراف بعد ذلك هل يختتمون مجلسهم بوصية تذكرهم بالله تعالى، ونريد من فضيلتكم وصية نختم بها مجلسنا المبارك؟ الجواب بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً، أما الوصية التي أوصي بها نفسي، وأوصي بها إخواني، فهي وصية الله للأولين والآخرين التي قال الله فيها: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] وتقوى الله هي مراقبته، وأن يجعل العبد بينه وبين عذاب الله وقاية من العمل الصالح، وأستطيع أن ألخص هذه الوصية في ست فقرات أو ست وصايا بإذن الله، تكون إن شاء الله نافعة للإنسان السائر إلى الله : الوصية الأولى: قراءة القرآن الكريم. بأن يكون لك ورد يومي من كتاب الله ، لا يمكن أن تتأخر أو تتخلف عنه بحال من الأحوال، ولو لم يكن هذا الورد كثيراً، ولو صفحة واحدة تقرأها وتعرف تفسيرها ومعناها، كوجبة روحية لقلبك في كل يوم، وأنسب الأوقات وأفضل اللحظات لقراءة القرآن بعد صلاة الفجر؛ لأن النفس صافية، والذهن موجه للاستقبال، وأي شيء تقرأه أو تسمعه في تلك اللحظات يثبت؛ لأنه بعد استراحة، وكذلك في بداية يوم جديد؛ لأنك تكون فيه نشيط العقل والذهن، فهذه الوصية الأولى وهي: قراءة كتاب الله وقراءة تفسيره ومعانيه، وأوصي بقراءة تفسير ابن كثير لمن أراد التوسع، وقراءة تفسير في ظلال القرآن لمن أراد الفكر الناصع الدعوي الحي، وقراءة تفسير صفوة التفاسير فإنه يعطي شيئاً من المفاهيم التي جمعها من معظم التفاسير. الوصية الثانية: أن يكون لك في كل يوم حديثاً واحداً تقرأه عن رسول الله ﷺ . لا بد ألا يمر عليك يوم إلا وقد قرأت حديثاً واحداً، وخير كتاب يوصى به في هذا: كتاب رياض الصالحين؛ فإنه كتاب قيم، اشتمل على كل الإسلام بأصح الأحاديث؛ فليس فيه حديث موضوع، كل أحاديثه تدور بين الصحيح والحسن، وليس فيه حديث موضوع أبداً بأي حال من الأحوال، وقد ذكر أهل العلم أن فيه سبعة عشر حديثاً ضعيفاً، ولكنها في فضائل الأعمال، وقد جوزوا الاستشهاد بها، فيجب أن تقتني هذا الكتاب، وأن يكون عند رأسك، وأن تقرأ كل يوم ولو حديثاً واحداً، فإذا فهمت الحديث فالحمد لله، وإذا لم تفهمه رجعت إلى تفسيره، وتفسيره في كتاب اسمه: دليل الفالحين شرح رياض الصالحين، وهو أربع مجلدات شرح فيه ﵀ رياض الصالحين. الوصية الثالثة: أن تحرص على مرافقة الصالحين. لأن الطريق شاسع، وإن لم يكن معك أخ في الله يعينك، وإلا فإنك سوف تتردد، والأخ هذا الذي سوف تمشي معه هو من يسحبك ويعينك على طاعة الله لا من يخذلك، فإذا مشيت مع واحد ووجدت أن عنده ضعفاً في الدين فاحذر منه؛ فإنه يعيقك عن الإتيان في طريق الله. الوصية الرابعة: أن تحذر كل الحذر من رفيق السوء الذي يزين لك الباطل. فكم من إنسان كان شعلة في الهداية، ولكن بجلسة واحدة مع صاحب سوء رده ونكسه والعياذ بالله: (فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) فبجلسة واحدة تؤمن، وبجلسة واحدة تكفر، فلا بد من اختيار الزميل، لا تقول: فقط هذه الرحلة، لا. أنت إذا جلست مع شخص أجرب أو شخص عنده سل أو كوليرا أو إيدز، لا تجلس معه لحظة واحدة، هذا والله الذي عنده طعن في دينه، وشك في عقيدته، وفسق في أخلاقه، والله إنه أخطر عليك من كل خطير. الوصية الخامسة: عليك أن تجتهد كل الاجتهاد في طاعة الله ، حافظ على جميع الأوامر الربانية؛ لأنها غذاؤك ووقودك في السير إلى الله، فالسيارة لا تمشي إلا بوقود، وأنت لا تستطيع أن تعيش إلا بغذاء، فغذاؤك في طريقك إلى الله كثرة العبادة، حتى ترق روحك وتصير شفافة؛ لأن من الناس من لديه حماس للدين لكن عنده ضعف في العبادة، فهذا لا ينفع، تجده يحترق على الدين من قلبه، لكن لا يصلي في المسجد، فلا بد أن يكون لك قوة عبادة مثل: كثرة الأذكار؛ أذكار الصباح والمساء، وأذكار الأحوال والمناسبات، أيضاً كثرة القراءة، وكثرة النوافل سواءً كانت هذه النافلة الضحى، أو نافلة صلاة الفجر التي بعد الشروق، أو نافلة التهجد في الليل. أما السنن والرواتب فإنها بحقك أنت مثل الفرائض فلا تتركها أبداً، أيضاً كثرة الصدقة إذا كان عندك إمكانيات ولو من مصروفك، أشعر نفسك بالاستعلاء على المادة، إذا كانت مصروفاتك في اليوم خمسة ريالات، فكل ثلاثة ريالات وأبقِ معك ريالين وحاول أن تذهب بهما في المجال الخيري، إما بإهدائها لأخ، أو صدقة على زميل لك من زملاءك التي تعرف أن حالته متعبة، ليست القضية أن ليس عندك شيء، لا. فالريال الواحد له ميزان عند الله . أيضاً نوافل العبادات في الصيام، كصيام يومي الإثنين والخميس من كل أسبوع، أو صيام ثلاثة أيام من كل شهر، أو نوافل العمرة والحج، أو نوافل صلة الأرحام، أو نوافل بر الوالدين، هي فريضة لكن هناك نوافل بالمبالغة في بر الوالدين. وهذه مصيبة! أكثر الشباب المهتدي منذ أن يهتدي ويرى أمه وأباه ليسوا مثله يعصيهم، ويظن أن معصيتهم طاعة لله، لا. فالله أمر بطاعتهم ولو كانا مشركين، قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] فأنت عندما تكون أنت وأخوك، أخوك غير مهتدٍ وأنت مهتدٍ في البيت، ثم ترى والدتك أو والدك أنك عاصٍ لهما وأنك باستمرار بعيد عن مصالحهم، ويرون أخاك العاصي في أيديهم أينما طلبوه وجدوه، وأينما أرسلوه يلبي، وباستمرار في خدمتهم، فهذا يدعوهم بفعله إلى المعصية، فيحبون المعاصي بأخلاقه، وأنت تدعوهم بفعلك إلى ترك الدين، لكن إذا انعكست الآية وأصبحت أنت البار والطيب وأنت الذي تخدم، وأنت الذي باستمرار في كل خير، بطبيعة الحال هذا الفعل سيؤثر في أمك وأبيك. الوصية السادسة: وهي الحرص الكبير جداً على الطاعة، ينبغي أن تكون في المسجد قبل الآذان، وإذا تأخرت فليكن بعد الأذان مباشرة، لا كما يفعل بعض الناس لا يخرج إلا إذا أقيمت الصلاة، لا. ثم يأتي وتفوته تكبيرة الإحرام، لا. بل يجب أن تكون في أول الصف، تأتي وتصلي ركعتين تحية المسجد، ثم تصلي بعدها نافلتين أو أربع ركعات، ثم تأخذ المصحف وتقرأ القرآن، ثم تذكر الله حتى تقام الصلاة وأنت مشرق النفس متهيئ للقاء الرب. الوصية السابعة والأخيرة هي: الحرص الكبير على عدم ممارسة أي معصية من معاصي الله مهما كانت صغيرة، فإن الصغير غداً يصير كبيراً، يقول: لا تحقرن من الذنوب صغيراً إن الصغير غداً يعود كبيراً إن الصغير وإن تقادم عهده عند الإله مسطر تسطيراً فلا تستصغر أي ذنب، كأن تقول: والله هذه أغنية، فإذا كنت مع زميل لك في سيارته وشغل أغنية لا تقل: سهلة وتستحي منه، لا. ولكن كن كالأسد وأغلقها، إذا قال لك: لماذا؟ تقول: لا أريد أن أسمع، واتركه إذا أصر لا تكن ضعيفاً؛ لأنك إذا لم تتركه أملى عليك الباطل، ويمكن تنزل من السيارة وقد تغير قلبك، فقد يأتيك إبليس ويقول: رأيت كيف أن الناس في راحة! وأنت عقدت نفسك على الأشرطة القرآنية وعلى الدين، انظر هذا مرتاح! فيوحي إليك الشيطان فتتزعزع فتسمع فتزيغ. وكم كان الزيغان لأكثر الناس إلا بمثل هذه الأساليب، لا تتزعزع أمام أغنية أو أمام نظرة كأن تمشي في الشارع فترى امرأة، وأول نظرة هذه هي الخطر، فإذا رأيتها غض بصرك مباشرة واستغفر الله، يسكب الله في قلبك النور والإيمان، لكن إذا تابعت الثانية يذوب الإيمان في قلبك ويحترق، ولا يبقى معك دين أيها الإنسان. لا تتزعزع أمام المال الحرام مهما كان ولو قرشاً واحداً من حرام لا تأخذه، ولا أمام غيبة في مجلس من المجالس، فإذا سمعتهم يغتابون فلا تتكلم في الغيبة ولا بالنميمة، ولا بأي معصية من المعاصي التي حرمها الشرع، احرص ألا تعصي الله، كن دائماً نظيفاً، لماذا؟ لأنك بالطاعات تبني، وبترك المعاصي تحمي، فما دام البنيان قائم والحماية حاصلة يكتمل البنيان، لكن إذا كان البنيان يقوم والمعاصي تهدم؛ فإن المعاصي تفتك بالبنيان ولا يقوم. أما إذا كان العكس فالمعاصي مستمرة، والبنيان متفوق، -مثل أكثر الناس الآن، ليله ونهاره كله معاصٍ: أغانٍ، وتمشيات، وسب، وشتم، وقطع صلوات، وليس هناك طاعة- فلا يقوم له البنيان. هذه الأمور السبعة التي أوصي بها نفسي أولاً، وأوصيكم بها، وأعيدها لتثبت في أذهانكم. أولاً: ليكون لك ورد في كتاب الله يومياً، ولا يمكن أن تخل بهذا أبداً مهما كانت الظروف، مثلما تعرف تأكل يجب أن تأخذ وجبتك أولاًَ من القرآن، وأن يكون لك ورد من حديث رسول الله ﷺ ، ولك أصدقاء صالحين، وأن تبتعد من الأصدقاء الفسقة والعصاة، وأن تحرص على طاعة الله، وأهم طاعة لله: الصلاة في المسجد وخصوصاً الفجر، وأن تحرص على ألا تعصي الله ، وأعظم شيء أحذِّر منه الشباب باستمرار الغناء والنظر للمحرم واللعب، خاصة الملهيات في المجالس، تجد بعض الشباب يجتمعون أربعة أو خمسة فيلعبون الورق أو الدمنة أو الكيرم، هذه تدل على أن الشخص لا يعرف لما يعيش له، صحيح أن النفس تريد نوعاً من التسلية لكن في حدود المباح، أما الانشغال بهذه الملهيات عن دين الله فهي خطأ، وهل هناك أعظم من تسليتك بكتاب الله وسنّة رسول الله ﷺ ؟ ليس أعظم من ذلك، بارك الله فيكم. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2536

التبرج والسفور والحجاب بدأ الشيخ بالحديث عن الحكمة من وجودنا في هذه الدار الدنيا، ومن ثم تكلم عن مصير الإنسان بعد الموت. ثم تحدث بعد ذلك عن المخالفات التي تقع فيها كثير من النساء -سواءً عن إصرار أو جهل- ذاكراً من هذه المخالفات كثرة اللعن والتهاون في أداء العبادات وترك المنهيات عامة. ومن ثم حذر المرأة من إدخال بيتها من لا يرضى الزوج دخولهم، متناولاً العواقب المترتبة على التبرج وطرح الحجاب والعواقب الوخيمة المتحققة بسبب ذلك.

стр. 2537

حكمة وجودنا في الحياة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فنسأل الله ﵎ أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يبقي فينا ولا منا شقياً ولا محروماً؛ فإن الشقي المحروم هو من حرم طاعة الله في هذه الدنيا. شقيٌ في هذه الدار بالمعصية، ومحروم في الدار الأخرى من الجنة، يقول ﵊ وهو يدعو: (اللهم لا تبق فينا شقياً ولا محروماً، ثم قال: أتدرون من الشقي المحروم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قاطع الصلاة أو تارك الصلاة).

стр. 2538

السعي لبلوغ أعلى درجة في الجنة أيها الإخوة! نحن في هذه الدار غرباء، ولا بد للغريب من الرحيل، وموعد الرحلة غير محدد، والمؤمن العاقل هو من يكون دائماً على أهبة الاستعداد للرحيل من هذه الدار، فهو لا يعرف متى يفاجئه القضاء، في ليله أو نهاره، بعد سنة أو يومٍ أو ساعة أو لحظة، فهو دائماً على أهبة الاستعداد، يقول النبي ﷺ : (الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني) والكيس هو: العاقل. إننا في هذه الدنيا غرباء؛ ولكن بسبب طول المدة أصبحنا كأننا من أهلها، وإلا فلسنا من أهل هذه الدار، نحن جئنا إليها عراة فرادى، وسنخرج منها عراة فرادى، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ [الكهف:٤٨ - ٤٩] إن هذا الكتاب هو كتاب الأعمال التي عملها الإنسان في هذه الدنيا، وما من يومٍ تشرق فيه الشمس إلا وصفحة جديدة من كتاب أعمالك تفتح لك في ذلك اليوم، وأنت الذي تملي والملائكة هم الذين يسجلون، فإن أمليت خيراً سجلوا خيراً، وإن أمليت شراً سجلوا شراً، فإذا غربت شمس ذلك اليوم طويت هذه الصفحة. حتى إذا ما انتهت صفحات هذا الكتاب -وهو عبارة عن انتهاء عمرك في هذه الدنيا- ونقلت من هذه الدار إلى الدار الآخرة، نقلت ونقل معك هذا الكتاب، ثم هو يبقى معك إلى يوم القيامة، وفي يوم القيامة تتطاير الصحف، وتؤخذ الكتب إما باليمين وإما بالشمال قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤] الذي أمليت ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً * مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً * وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً * مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ [الإسراء:١٤ - ١٨] يعني: الدنيا ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء:١٨ - ٢٠]. فأنت في هذه الدنيا تملي البيانات، وتملأ الملفات، وفي الحديث: (ما من يوم تشرق فيه الشمس إلا وملك ينادي مع هذا اليوم: يابن آدم! أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فاغتنمني فإني لا أعود إلى يوم القيامة). الليل والنهار خزانتان تخزن فيهما الأعمال، والرحيل لا بد منه قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ [الكهف:٤٩] لأن أياديهم سوداء، وأعمالهم فظيعة، وجرائمهم شنيعة، ووجوههم -والعياذ بالله- مكفهرة من قلة الإيمان وكثرة المعاصي والذنوب، فإذا رأوا الكتاب قالوا: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩]. فنحن -كما قلت، أيها الإخوة- في هذه الدنيا غرباء؛ لأننا جئنا إليها رغم أنوفنا، ولا يوجد أحد أعطي حرية الاختيار في المجيء إلى هذه الدار، وهل يوجد أحد أُخذ رأيه قبل أن يولد: أتريد أن تولد أم لا؟ لا. بل يأتي إلى الدنيا رغم أنفه، ولا يترك له حرية اختيار النوع: أيكون رجلاً أو امرأة؟ أيكون في هذه القرية أو في القرية الثانية؟ أيكون في هذه البلاد أو في بلاد أخرى؟ إنه يخلق ويولد ويوجد وفق مشيئة الله ﵎، ثم هو يقضي هذه الفترة من العمر في هذه الحياة، حتى إذا ما انتهت تابعية السماء، وانتهى العمر المحدد من رب العالمين في هذه الدنيا؛ انتقل من هذه الدار رغم أنفه، ولا أحد يريد الموت!

стр. 2539

طلب نعيم لا موت فيه إن الإنسان في أول الحياة يتعب، ويكد ويكدح ويدرس السنين الطوال، فإذا ما كبر أولاده وأصبحت الأموال في قبضته، والأولاد في خدمته، والمجتمع كله يقدره ويجله؛ إذا بالموت يهدم عليه كل شيء. لهوت وغرتك الأماني وعندما أتمت لك الأفراح فوجئت بالقبر تزينت له الدنيا من كل ناحية ثم فجأة يأتي الموت. يقول الحسن البصري ﵀: [أبى الموت إلا أن ينغص على أهل النعيم نعيمهم، فاطلبوا نعيماً لا موت فيه! قالوا: أين يرحمك الله؟ قال: في الجنة!] قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] أي: غير منقوص. فعلى المسلم العاقل الحازم أن ينتبه! لماذا أتى إلى هذه الدنيا؟ وما الذي أراده الله من خلقه؟ أخلقك الله -أيها المسلم- من أجل أن تأكل وتشرب كما يأكل الحيوان ويشرب؟! أم من أجل أن تمسي وتصبح، تنكح، وتأكل وتشرب، وتنام وتستيقظ، ويكون همك محصوراً في هذا؟ إذا كنت كذلك فاعلم أن الأنعام أيضاً همها محصور في هذا، قال ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢]. أما المؤمنون فإنهم يدركون أن الله خلقهم لشيء غير هذا، يعرفون أن الله أوجدهم لطاعته، وخلقهم لعبادته، فهم يبذلون الليل والنهار، والسر والجهار، والأموال الطائلة، والأعمار الطويلة كلها في طاعة الله ﵎، حتى إذا ما جاء الرحيل من هذه الدنيا؛ إذا بهم ينتقلون إلى دار الآخرة، وقد ملئوها بالعمل الصالح، يقول ابن القيم ﵀: فحي على جنات عدنٍ فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيمُ ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونُسلمُ وقد زعموا أن الغريب إذا نأى وشطت به أوطانه فهو مغرمُ وأي اغترابٍ فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداءُ فينا تحكمُ فيا خاطب الحسناء إن كنت راغباً فهذا زمان المهر فهو المقدمُ فكن أيّماً عمن سوها فإنها لمثلك في جنات عدنٍ تأيمُ وكن مبغضاً للخائنات بحبها لتحظى بها من دونهن وتكلمُ إذا أردت الجنة -يا أخي المسلم- فأعد لها من الآن، ولا تغفل عن طاعة الله ﵎ حتى إذا نزل الموت إذا بك مفلس من العمل الصالح. إذا جاء الموت، ورأيت الحقيقة، وقامت عليك الحجة، ورأيت مقعدك من الجنة أو من النار، ونظرت إلى الأولاد وهم يتبرءون منك، ونظرت إلى الأموال وهي لا تدفع عنك شيئاً، ونظرت إلى الأقارب وهم يمسكونك بأيديهم ويقلبونك على فراش الموت، ما يملكون حيلة في تلك اللحظات، ويتمنى الإنسان أنه يرجع إلى الدنيا، يقول الله ﵎: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠١].

стр. 2540

يوم يلقى الإنسان ما قدمت يداه وإن البرزخ: حياة القبر، والحياة البرزخية منذ أن يموت الإنسان إلى أن يبعث من في القبور يوم القيامة. لأن الحياة تنقسم إلى ثلاث مراحل: حياة الدنيا، وحياة البرزخ، وحياة الآخرة. فالحياة الدنيا نقضيها نحن وإياكم كما تعرفون، والحياة البرزخية يقضيها أهل القبور في قبورهم منذ أن ماتوا وحتى يقوموا يوم القيامة، والحياة الآخرة من يوم القيامة حين يرث الله الأرض ومن عليها إلى مالا نهاية، وليس هناك وقت محدد بل هم فيها خالدون، أي: في النار أو الجنة.

стр. 2541

هول يوم النشور ينبغي للعاقل أن يتنبه، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠١] يهرب الإنسان من أبيه، وأخيه، وأمه، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧] كل مشغول بنفسه ذلك اليوم، يأتي الولد إلى أبيه يقول: يا أبي! أنت ربيتني صغيراً، وغذوتني كبيراً، أسألك بحق بنوتي عليك أن تعطيني حسنة أرجح بها ميزاني؟ فيقول: يا ولدي! غذوتك صغيراً، وعطفت عليك كبيراً، أسألك بحق أبوتي عليك حسنة واحدة أثقل بها ميزاني، فيهرب كل من الآخر، ولا يأخذ أحد من الآخر شيئاً، لماذا؟ لأنهم يرون النار يحطم بعضها بعضاً، ويرون الجنة تتزين لأهلها، فإذا لا يوجد هناك عملة تنقذ إلا عملة الحسنات، فيود كل واحد أنه يفتدي من ذلك اليوم بملء الأرض ذهباً ولو كان يجده، لكنهم لا يجابون إلى ذلك أبداً، والناس في موقف عظيم لا يعلمه إلا الله: مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمورُ إذ كورت شمس النهار وأدنيت حتى على رأس العباد تسيرُ وإذا الجبال تقلعت بأصولها ورأيتها مثل السحاب تسيرُ وإذا البحار تأججت نيرانها ورأيتها مثل الحميم تفورُ وإذا الجنين بأمه متعلقٌ خوف الحساب وقلبه مذعورُ هذا بلا ذنبٍ يخاف لهوله كيف المقيم على الذنوب دهورُ يوم القيامة يشيب له الوليد! أيها الإخوان! اتقوا يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً الطفل الصغير يشيب، والأم تذهل عما أرضعت، والحامل تضع حملها، قال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢]. وإذا الجنان تزينت وتزخرفت لفتىً على طول البلاء صبورُ وإذا الجحيم تسعرت نيرانها فلها على أهل الذنوب زفيرُ أين أنت -يا أخي- في ذلك اليوم؟! إنه هول عظيم يشيب له رأس الوليد. يقول كعب الأحبار لـ عمر بن الخطاب ﵁: [يا أمير المؤمنين! اعمل عمل وَجِلٍ، فوالذي نفسي بيده! لو وافيت القيامة ومعك عمل سبعين نبياً إلى جانب عملك لظننت أنك لا تنجو يوم القيامة] ويقول: [اعمل عمل وَجِلٍ، فوالذي نفسي بيده! إن جهنم لتزفر يوم القيامة زفرة ما يبقى معها ملك مقرب، ولا نبي مرسل؛ إلا ويخر على ركبتيه جاثياً!]. فيا أخي! ليس بينك وبين هذا إلا أن يقال: فلان مات، وبعدها إما أن تكون في روضة من رياض الجنة إذا كنت من أهل الإيمان، وإما أن تكون في حفرة من حفر النار إذا كنت من أهل النفاق والعصيان، أعاذنا الله وإياكم من ذلك.

стр. 2542

تقوى الله غوث كل مستغيث فعلينا أن نتقي الله ﵎، وألا نغفل عن هذا المصير الذي لا بد منه، ومن كان عنده شك وغفلة وتردد فلينظر إلى القبور، ويسألها لتحدثه بأخبار من فيها: ما للمقابر لا تجيب إذا رآهن الكئيب حفرٌ مسقفة عليـ هن الجنادل والكثيب كم من حبيب لم تكن عيني لفرقته تطيب غادرته في بعضهن مجندلاً وهو الحبيب تترك أمك وأباك، وزوجتك وولدك، وهم أحب الناس إليك، تتركهم في حفرة مظلمة وتذهب عنهم، تبكي أياماً وليالي، ثم تسلو وتنسى، وأنت سوف تُترك في تلك الحفرة تتوسد فيها التراب، وسوف يكون غطاؤك وفراشك فيها التراب، وأمامك وخلفك التراب، لا فراش معك، ولا أنيس، ولا قريب؛ إلا العمل، فإن كان العمل طاعة الله فأنعم بهذا المقام، وإن كان العمل معصية وغفلة فبئس المقام وبئس الورد المورود، لا حول ولا قوة إلا بالله. هذا المقام ليس بعيداً عني ولا عنك ليس بيني وبينك وبين هذا المقام إلا أن يقال: فلان مات، وقد يقال: فلان مات هذه الليلة؛ لأن موت الفجأة من علامات الساعة، يخرج الرجل من بيته وهو يفكر بما سيفعله في سنينه الطوال فلا يعود إلا خبره، ما عاد أحد يموت اليوم في البيوت، لا يموتون إلا في المستشفيات والطرقات، فالله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فعليك أن تكون دائماً مستعداً متأهباً حتى إذا جاء الموت تكون على أحسن حالة وأحسن هيئة وتقول: حياك الله، كما قالت تلك المرأة الصالحة التي جاءها ملك الموت وهي جالسة، فسلم عليها قالت: عليك السلام من أنت؟ قال: أنا ملك الموت، قالت: أهلاً وسهلاً بخير غائبٍ أنتظره. امرأة مؤمنة علمت الحقيقة في هذه الدنيا، فقامت ليلها ونهارها في طاعة الله، لا يمكن أن تنطق بقول فاحش، أو تلعن، أو تتبرج، أو تختلط بالرجال، أو تؤخر الصلاة أو ترتكب معصية، ولهذا لما جاءها الموت قالت: أهلاً وسهلاً بخير غائب أنتظره، قال لها: هل لك من حاجة؟ -يعني: نعطيك فرصة- تقسمين أموالك، أو توصين أهلك وأولادك، قالت: أما أموالي وأولادي فالله خليفتي عليهم، أريد فقط أمراً واحداً، قال: ماذا؟ قالت: أمهلني حتى أصلي ركعتين، فإذا صليت وأنا في السجود فاقبضني فإني أكون أقرب إلى ربي في تلك اللحظة، فأعطاها ما أرادت. لا تكن -يا أخي- مثل ذلك الذي كان في ملكه وجبروته وسلطانه، خرج يختال في مشيته، ويتبختر على حصانه، والخيل والموكب الملكي من أمامه ومن خلفه، ويظن أنه لن يموت نسي الموت، وظن أنه بهذه الأبهة وبهذا الملك والغطرسة سوف يخرج من سيئاته كما تخرج الشعرة من العجين، جاءه ملك الموت يعترضه ويمسك بخطام حصانه ويقول له: قف يا هذا! فقال الملك: أمثالك لا يجرءون على هذا، من أنت؟ قال: ادن مني، فدنا منه فقال له: أنا ملك الموت، قال: وما تريد؟ قال: قبض روحك الآن. قال: أمهلني لحظة. قال: لا. قد أمهلناك وأعطيناك فرصة طويلة، أما الآن فلا، فخر صريعاً بين يدي حصانه. فلا يغرك الشباب إن كنت شاباً، وانظر إلى الأموات من الشباب؛ لأن شبابك إلى هرم، وعافيتك إلى سقم، وحياتك إلى موت، وغناك إلى فقر، وقصرك إلى قبر، وأنسك بأهلك وزوجتك وأطفالك وأقاربك وفراشك ومعاشك سيكون كله نهايته الحفرة المظلمة، فلا تغتر بهذا، إن مثل من يغتر بهذا مثله مثل إنسان في السجن، قالوا له وهو في سجنه: وسوف ينفذ فيك الإعدام غداً، فهذا عاقل قال لنفسه: ما دام الإعدام غداً فلا مجال لي أن أشتغل بطعام أو شراب أو لباس، إنما أشتغل بآخرتي، وأتوب وأستغفر الله ، وسوف أقوم هذه الليلة، وأصوم هذا النهار، فإذا جاءه الموت كان مستعداً. لكن آخر قال: غداً يحلها حلال، وسيف الموت على كل رقبة، وإذا به قطع الصلاة، وارتكب المعاصي، وإذا به يفجعه الموت، فما نفعه شيء مما كان فيه.

стр. 2543

العمل الصالح خير زاد في الآخرة يا أخي المسلم! عليك أن تعلم أن المصير محقق وقريب، وليس بينك وبينه إلا أن تموت، وما ذلك ببعيد مني ولا منك انظر إلى الأموات وقل كما قال الأول: أمر على المقابر كل حينٍ ولا أدري بأي الأرض قبري فأفرح بالغنى إن زاد مالي ولا أبكي على نقصان عمري يمر علي ﵁ على أهل المقابر ويقول لهم: [السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين، أنتم السابقون ونحن اللاحقون، أما الديار فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، وأما النساء فقد تزوجت، هذه أخبارنا فما أخباركم؟] وما عندنا شيء تغير، الليل هو الليل، والنهار هو النهار، والأكل الذي كنا نأكله هو أكلنا، ولا شيء جديد، وتقطعت الأرحام، وظهر العلم، وقل العمل، وتباغض الناس بالقلوب، وتلاعنوا بالألسن -والعياذ بالله-. يقول النبي ﵊: (إذا أظهر الناس العلم، وضيعوا العمل، وتحابوا بالألسن، وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا الأرحام، عند ذلك لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم) ويقول: (إذا ظهر في أمة خمس عشرة خصلة حلَّ بها البلاء: إذا كانت الأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً، وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه وأباه، وتُعلم العلم لغير الدين، وظهرت الأصوات في المساجد -بالخصومات، والبيع والشراء، وإنشاد الضالة، والمحاكمات- وظهرت القينات -يعني: المغنيات- والمعازف، وشربت الخمور، وسميت بغير اسمها -والعياذ بالله- ولعن آخر هذه الأمة أولها، فلينتظروا زلزلة وريحاً حمراء وخسفاً ومسخاً) وهذا حصل كله، فيقول: [هذه أخبارنا -ما من شيء جديد- ثم قال: أما -والله- لو نطقوا لقالوا: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧]]. تزود -يا أخي- من العمل الصالح، فإن خير الزاد التقوى، لن ينفع زادك من المال والعلم إلا إذا كان العلم مقروناً بالعمل، لن ينفعك زادك من الجاه، والسلطة، ومن العضلات والقوة، وإنما زادك من التقوى هو ما ينفعك في ذلك المكان الذي يتخلى فيه عنك كل قريب حبيب، ولا ينفعك إلا ما قدمت يداك، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

стр. 2544

حال المؤمن والكافر بعد الموت ويقص علينا رسول الله ﷺ خبر ما يحدث للإنسان بعد الموت، نحن في غفلة عن الموت، يقول البراء بن عازب ﵁: (خرجنا في جنازة لرجل من الأنصار، ومعنا رسول الله ﷺ ، فأخذ وهو على شفير القبر عوداً ينكت به الأرض، وقال: إن العبد المؤمن) جعلنا الله وإياكم من أهل الإيمان، ليس ادعاء وإنما عملاً، فلا يكفي أن تدعي أنك مؤمن، ثم لا تأتي على هذا الإيمان بدليل من عملك الصالح. مؤمن في عينك فلا تقع على حرام، مؤمن في سمعك فلا تستمع لحرام، مؤمن في لسانك فلا يتكلم بفحش، مؤمن في بطنك فلا تأكل الحرام، مؤمن في فرجك فلا يقترب من حرام، مؤمن في يدك فلا تمدها إلى حرام، مؤمن في قدمك فلا تأتي بها إلى حرام، مؤمن في عقلك وفكرك وبيتك وزوجتك وجماعتك وفي وظيفتك، مؤمن في كل تصرفاتك، آمنت بالله وسلمت أمرك لله، أما مؤمن وهو لا يصلي في المسجد يتكاسل عن صلاة الفجر يستأنس بالجلوس مع غير المحارم من النساء اللائي حرم الله عليه الجلوس معهن يطرب لسماع الغناء ويرتاح بتمعين ناظريه في الزنا والحرام -والعياذ بالله- يأكل الحرام والحلال ولا يفكر عاق لوالديه قاطع لرحمه مؤذٍ لجيرانه نقمة على جماعته وقريته، يبغضه كل شيء، أين يكون هذا الإيمان؟! (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة -يعني: انتهت أيامه في هذه الدار، وبدأت أيام الآخرة -نزلت له من الجنة ملائكة معهم حنوط من الجنة، وكفن من الجنة، ثم يجلسون له على مد البصر، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا أيتها النفس المطمئنة كانت في الجسد الطيب الطاهر- النظيف، الذي لا يقع ولا يمكن أن يقع في معصية، ولا يلطخ نفسه بجريمة- اخرجي إلى رحمة من الله ورضوان، وإلى رب غير غضبان) انظر الدعاء واللطف في العبارة، نفس زكية، نفس مؤمنة، كانت تخاف الله وتتقيه، كانت تسرع إلى طاعة الله، قال: (فتنسل روحه من جسده كما تنسل القطرة من فم القربة، فلا يدعوها في يده طرفة عين حتى تأخذها الملائكة، ثم تضعها في ذلك الحنوط، وفي ذلك الكفن، ثم يصعد بها إلى السماء، فيخرج منها كأطيب ريحٍ وجد على وجه الأرض، ثم يصعدون بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون لها أبواب السماء، فتقول الملائكة: من؟ فتقول الملائكة التي معها الروح: روح فلان بن فلان بأحسن الأسماء التي كان يسمى بها في الدنيا، فيقولون: نعم العبد نعرفه، كان يأتينا منه عمل) يتبين أن هذا العبد كان يحول على الآخرة، كان بينه وبين أعمال الآخرة صك، كل يوم يحول خيرات وصلوات ودعاء وبر وصدقات وإحسان ومعروف وكل خير عنده، الخير عنده مأمول، والشر من جانبه مأمون، لا يمكن أن يتوقع أحد عند مؤمن شراً، ولهذا يقول النبي ﵊: (المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم) لا يخافون منه؛ لأنه مؤمن رادعه خوفه من الله وإيمانه. فتقول الملائكة: (نعم العبد نعرفه كان يأتينا منه عمل، فتفتح له أبواب السماء، فتستقبله الملائكة التي في السماء الدنيا، ثم يشيعه من كل سماءٍ مقربوها، إلى الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة إلى السابعة، فإذا بلغوا به السابعة قال الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين) السجل حولوه لعليين، وعليين هذه درجة من درجات الجنة العالية، يقول الله ﵎ فيها: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:١٨ - ٢٠] موقع، من الذي يشهده؟ ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢١] الملائكة في السماء، وما في هذا الكتاب؟ ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢١ - ٢٨] هذا الكتاب. (اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوا روحه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه إلى بين الجلد والكفن) وهو لا زال يغسل، ويحمل على الرقاب، توضع روحه بين كفنه وجلده، وإذا هي تقول وهي على الرقاب: (قدموني قدموني) تقول: أسرعوا بي إلى الجنة، يقول النبي ﵊: (أسرعوا بها؛ فإنها إن تك صالحة فخيراً تقدمونها إليه، وإن تك غير ذلك -يعني فاسدة والعياذ بالله- فشراً تضعونه عن رقابكم) دعوه يذهب، دعوه يقدم على ما قدم، دعوه قد قلنا له ولكنه أبى، الله أكبر! قال: (فإذا وضع في قبره ووضع عليه اللحود) وجعلوا التراب عليه، من هو؟ أنا -يا أخي- وأنت، ليس ببعيد هذا -يا أخي- عنك ولا عني، أنا الآن سأعود ولا أعلم أأبلت في بيتي أو لا؟ وأنت كذلك لا تعلم، توقع أنها الليلة الأخير -يا أخي- توقع أن الفراش الليلة ليس إسفنجاً ولا بطانية ولا سجادة، توقع أن الفراش هو الثرى، وأن الدفاء هو الثرى، وأمامك التراب، وليس عندك كهرباء، ولا معاش، ولا راتب، ولا زوجة ولا شيء، توقع هذا في كل لحظة -يا أخي- توقعه في كل حين، حتى يتقوى إيمانك ويتحرك قلبك، وتذكر الآخرة. (فإذا وضع في قبره) وولى الناس عنه، حتى إنه ليسمع قرع نعالهم. (أتاه ملكان فيقعدانه) يأتي منكر ونكير، وهما الملكان اللذان لا بد أن نمر عليهما أنا وأنتم، ما من كبير أو صغير إلا ولابد أن يأتي عليه الدور عندهما. (أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟) ثلاثة أسئلة لكنها صعبة الجواب، هنا يمكن أن أقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، لكن هناك يختم على اللسان، يقول الله : ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ [يس:٦٥] هل يدك هذه عرفت الله وهي تستلم الرشوة؟ هل عرفت الله وهي تدفع الزكاة الكذابة المغلوطة؟ هل عرفت الله وهي تذهب للمالية لتستلم المال الحرام؟ هل عرفت الله وهي تدفع أو تمتد إلى الحرام؟ هل عرفت الله وهي تقع وتلمس امرأة غير محرم لها؟! هي التي تتكلم ذاك اليوم، تقول: ربي الله، ولا تقول: ربي الشيطان ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥] لا يتكلم اللسان في تلك اللحظة؛ لأنه مختوم عليه (من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول المؤمن: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ وفي هذا التثبيت العظيم، يقول الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم:٢٧] يعني: في الدنيا ﴿بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] يعني: في القبر ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] يضله الله ولو كان أكبر عالم، ولو كان اسمه (محمد) ما استطاع أن يقول: (محمد) في ذلك اليوم. يقول: لا أعلم من هو نبيي. (فتقول الملائكة: على هذا عشت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله، ثم ينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي، فافرشوا له من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة -من عند قدميه إلى الجنة- ومهدوا قبره إلى الجنة، فلا يزال في روحٍ وريحان ونعيم عظيم، ثم يأتيه عمله على أحسن هيئة -أحسن صورة- شاب جميل المنظر، طيب الرائحة، أبيض الثياب، فيقول له: أبشر أبشر، قال: من أنت فوجهك الذي يبشر بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، حفظتني حفظك الله، فلا يزال معه في سرور وهو يقول: رب أقم الساعة رب أقم الساعة -يريدها أن تقوم لكي ينتقل إلى أهله وماله في الجنة- أما لعبد الفاجر-أعاذنا الله وإياكم أن نكون من الأشقياء- فإنه إن كان في انقطاع من الآخرة، وإقبال على الدنيا، نزلت إليه ملائكة معهم مسوح من النار، وكفنٌ من النار، سود الوجوه، فيقعدون منه مد البصر) فإذا رآهم حزن؛ فهو يراهم قبل أن يموت، أما المؤمن فيراهم فيبتسم، والمنافق والعاصي والفاجر إذا رآهم يحزن ويقول: ماذا يريد هؤلاء؟ الآن إذا أتاك العسكر يدقون بابك ستخاف، وستقول: من الذي اشتكاني؟ (فيقعدون له على مد البصر، ثم يأتي ملك الموت إلى هذه النفس الخبيثة فيقول: يا أيتها النفس الخبيثة! -كانت في الجسد الخبيث- اخرجي إلى سخط من الله وغضب -اخرجي الآن- قال: فتتفرق في جسده فلا يبقى عرق ولا شعرة ولا عصب ولا ظفر ولا عظم إلا وتدخل فيه -تهرب من ملك الموت- قال: فينزعها بقوة كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، ثم تخرج روحه من كل عرق، ومن كل شعرة، فيجد من ألم الموت ما لو وزع على أهل الدنيا لماتوا كلهم. قال: فلا يدعوها في يده طرفة عين -إذا أخذها الملك- حتى يضعوها في ذلك المسوح الخبيث الذي من النار، ثم يلفونها، فيصعد لها من الريح كأنتن ريح جيفة على وجه الأرض) لأنه جيفة وداخله خراب، باطنه خبيث -والعياذ بالله- فاسد مجرم منافق عدو لله ولرسوله، كان مستوراً في الدنيا بستر الله، والآن انكشف الغطاء، لا يوجد أمل للستر، فضحه الله في ذلك اليوم. (ثم يصعدون بها إلى السماء، فإذا بلغوا بها السماء استفتحوا فتقول الملائكة: من؟ فيقال: روح فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، فتقول الملائكة: بئس العبد لا نعرفه) ما كانوا يجدون له من عمل، كان مقطوعاً ما له عمل صالح، كان عمله تحت الأرض قال: (ثم قرأ قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا ع

стр. 2545

مخالفات تقع فيها النساء هناك -أيها الإخوة- أمر مهم يتعلق بالنساء؛ لأن النساء شقائق الرجال.

стр. 2546

اللعن وكفران العشير يقول النبي ﵊: (يا معشر النساء! أكثرن من الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار، قالت عائشة ﵂: ولم يا رسول الله؟ -لماذا أكثر أهل النار نساء- قال: لأنكن تكفرن العشير، وتكثرن اللعن) تكثر المرأة اللعن، تلعن ولدها، وبقرتها، وثوبها، ولقمتها، وزوجها، وبيتها، ولو وقفت لقمتها في نحرها لعنتها، فهي -والعياذ بالله- في لعنة الله؛ لأنها لعَّانة، والرسول ﵊ يقول: (ليس المؤمن باللعّان، ولا بالطعّان، ولا بالفاحش، ولا بالبذيء). وفي مرة كانوا في غزوة، ومعهم امرأة على ناقتها، فعثرت بها الناقة فلعنتها، فقال ﷺ : (خذوا ما عليها من المتاع ودعوها فإنها ملعونة، لا يصحبنا ملعون، فيقول عمران: كأني بها لا يتعرض لها منا أحد) لأن هذه ملعونة، فكيف لو بعث النبي ﵊ وقال: كل هؤلاء من الملاعين دعوهم فإنهم ملعونون، أكثر الناس -والعياذ بالله- يلعن؛ الزوج يلعن الزوجة، والزوجة تلعن الزوج، وتلعن كل شيء في البيت، فكيف تكون الحياة والبركة واللعنة موجودة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله! قال: (لأنكن تكثرن اللعن، وتكفرن العشير) يعني: يجحدن الزوج لو أحسن الزوج إلى الزوجة طول العمر ثم أسخطها مرة قالت: ما رأيت منك خيراً قط، متى أحسنت إلي؟ مهما يحسن الزوج إلى زوجته تكفره وتجحده وتنكر جميله إلا المؤمنة، أما غير المؤمنة فإنها تجحد زوجها وتكثر اللعن في لسانها، وهذه من أهل النار كما أخبر النبي ﷺ .

стр. 2547

التهاون في العبادات أيضاً هناك من النساء والعياذ بالله من تكون في الدنيا مثل الجني، وفي طاعة الله من أكسل من الكسالى، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وبعضهن تصلي من غير وضوء، إذا كانت طاهرة أثناء البرد أخذت لها بعض الماء ومسحت وجهها ويديها وقالت: طهور المؤمنين! ولا تغسل يديها ولا تمسح على رأسها ولا تغسل قدميها ولا وجهها، ولا تتمضمض، ولا تستنشق، ولا تغتسل، ولا تستنجي، ثم إذا جاءت تصلي تأتي وقصتها عارية، ويداها وذراعاها وقدماها عارية، وربما ثوبها نجس ملطخ ببول ونجاسة الولد أو البنت الذي تربيه، ثم تصلي صلاة لا تضبطها، وتركع الركوع في طرفة عين تقرأ الفاتحة ثم مباشرة تسجد دون أن تركع -وأكثر النساء لا يركعن، ولا يرفعن من الركوع- فصلاتها باطلة، وعليها لعنة الله وهي في سخط الله حتى تصلي صلاة صحيحة، وهي في ذمة زوجها حتى يعلمها؛ لأن الجاهل في ذمة المتعلم حتى يعلمه، ويلٌ للعالم إذا أخل بعلمه، والمرأة سلسلة في عنق الزوج حتى يقيم عليها الحجة ويعلمها طاعة الله، حرفاً حرفاً ودرساً درساً، يعلمها أولاً الوضوء، والغسل من الجنابة، والحيض، والنفاس؛ لأن بعض النساء يأتيها الحيض فتترك الصلاة أسبوعاً، ثم تجلس يوماً أو يومين بعد انقطاع الحيض عنها لا تصلي تقول: لكي أتم الطهارة، وهي لا تعرف أنها إذا طهرت وانقطع عنها الدم ثم تركت صلاة واحدة متعمدة فقد برئت منها ذمة الله وذمة رسوله، وعليها لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وإذا تركت صلاة واحدة بعد أن ينقطع عنها الدم وتطهر طهارة شرعية فقد كتب اسمها على باب جهنم، صلاة واحدة، لكن بعض النساء تطهر في الصباح وينقطع عنها الدم، فتقول: سوف أمكث إلى الصباح من اليوم التالي لكي أتأكد، وتضيع الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، وإذا طهرت الضحى قالت: أتركها للعشاء، وجلست حتى ضيعت الظهر والعصر، إذا أتى العشاء قالت: برد أتركها للصبح، وضيعت المغرب، والعشاء والفجر، وكل صلاة تتركها عليها بها لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. حتى اللقمة التي تبلعها تقول: لعنك الله يا عدوة الله! تأكلين من رزق الله، ولا تؤدين حق الله، ثوبها الذي على جسدها يقول لها: لعنك الله يا عدوة الله! والله! لولا أن الله سخرني لك لفررت منك. فعلى الزوج أن يعلم زوجته متى تغتسل من الحيض، والنفاس؛ لأن من النساء من إذا نفست انقطع عنها الدم في عشرة أيام، وبعضهن في أربعة أيام، وبعضهن في يوم واحد، وبعضهن في عشرين يوماً، فإذا انقطع عنها الدم وطهرت طهارة كاملة وجب عليها أن تغتسل وتصوم وتصلي، وليس ضرورياً أن تمكث أربعين يوماً، والأربعين إنما هو حد أعلى، وقد تطهر من غدها، لو نفست بالليل وأصبحت طاهرة عليها أن تصوم وتصلي، فتكون الزوجة في ذمة زوجها وعليه تعليمها. بعض النساء والعياذ بالله تخرج من بيتها بغير إذن زوجها، والنبي ﵊ يقول: (أيما امرأة خرجت من بيت زوجها بغير إذنه فهي في لعنة الله حتى ترجع، وأيما امرأة باتت -يعني نامت- وزوجها عليها ساخط فعليها لعنة الله، وأيما امرأة دعاها زوجها إلى فراشه فلم تجبه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها زوجها) وأكثر النساء لا يعرفن هذا الكلام كله، ومن أين تعرف؟ لا حضرت إلى المسجد، ولا علمها زوجها، ولا أسمعها الأشرطة. وإذا طهرت من الحيض أو من النفاس وانقطع عنها الدم انقطاعاً كلياً فإنها تغتسل وتصلي، فإن رجع إليها دم فتعمل بينه وبين ذاك الدم مقارنة، فإن كان دم الحيض -دم العادة- الذي يأتيها دائماً، ودم الحيض معروف، وهو دم أسود ثخينٌ ذو رائحة كريهة؛ امتنعت مدة الحيض عن الصلاة والصيام حتى تطهر منه ثم تبدأ صلاتها وصيامها، أما إذا كان هذا الدم الذي جاءها دم الاستحاضة، وهو دم أحمر رقيق ليس له رائحة، فإنها تغتسل بعدما يأتيها وتصلي، فإن كان يأتيها بين الصلاتين فتصلي الظهر والعصر جمعاً، والمغرب والعشاء جمعاً، أما إذا خرج منها ماء أبيض فلا تمتنع من الصلاة وليس لهذا الماء حكمٌ شرعي، بل تبقى على صلاتها وصيامها. فأكثر النساء تجهل هذه الأحكام، وبعض الرجال يذهب إلى المسجد وهو يعلم أن امرأته لم تصل، بعضهن لا تصلي المغرب إلا مع العشاء، تقعد تحلب البقر، وتسري الغنم، وتشعل النار، وتفعل العَشاء، فإذا دخل وقت العِشاء وضعته وقالت: سأذهب أصلي، صلاتها ليست مقبولة في تلك اللحظة، فتجمع الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، والفجر لا تصليه إلا إذا أشرقت الشمس.

стр. 2548

إدخال بيت الزوج من لا يحب كذلك من النساء من تدخل بيتها من لا يريد زوجها، إما من الرجال أو من النساء، وهذا حرام، لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تدخل بيت زوجها رجلاً كان أو امرأة إلا بإذن من زوجها، أما تعلمون عن خبر تلك الصحابية التي كان النبي ﷺ يثني عليها ويمدحها، ويبين لـ فاطمة ﵂ منزلتها من الجنة، ويكثر من الثناء عليها، امرأة الحطاب، كان الرسول يثني عليها: إن لها في الجنة منزلة، إن لها المنزلة والمكانة العظيمة، وفي يوم من الأيام خرجت فاطمة تريد أن تعرف مقدار عبادتها وتقواها، فذهبت إليها، فلما جاءت إليها طرقت الباب. قالت: من؟ قالت: فاطمة بنت محمد. قالت: بأبي وأمي أنت يا بنت رسول الله! ماذا تريدين؟ قالت: أريد أن أدخل عندك، قالت: بأبي أنت وأمي! إن زوجي قد ذهب إلى الحطب وما أذن لي أن أدخلك عليَّ، ولكن إذا أردت أن تأتي لنا فغداً تعالي، وأنا أستسمح لك إن شاء الله الليلة منه، فإذا سمح تأتيني غداً، قالت: حسناً، جاء الرجل من الحطب وقالت: يا زوجي! قد أتتني بنت رسول الله ﵊ وطلبت الدخول ومنعتها؛ لأن ما عندي إذن منك، فهل تسمح لها غداً؟ قال: نعم أسمح لها غداً، من يرد بنت الرسول ﵊؟ جاء اليوم الثاني فأخذت فاطمة معها الحسن -ولدها الصغير- وجاءت به وطرقت الباب. قالت: من هناك؟ قالت: فاطمة بنت محمد، قالت: ومن معك؟ قالت: معي الحسن. قالت: أنا ما أخذت الإذن إلا لك وحدك، أما الولد فلا أستطيع أن يدخل، ولكن إذا أردت تعالي غداًً، وأنا أطلب من أن يسمح له غداً. جاء الزوج، قالت: جاءتني اليوم فاطمة ومعها الحسن فما أدخلتها، قال: يرحمك الله! كيف تردين بنت الرسول ﷺ ؟ لا مانع عندي، إذا أتت مع ولدها فأدخليها. ثم جاءت بـ الحسن والحسين، قالت: من معك؟ قالت: الحسن والحسين، قالت: أنا -والله- أستسمح منك، ليس عندي الإذن إلا لك أنت والحسن، أما الحسين فليس له عندي إذن -مع أنه أصغر من الحسن - ولكن تعالي غداً، ولما أتى الزوج عليها قالت له: جاءت اليوم ورديتها. قال: أخجلتينا مع بنت رسول الله ﵊، لو أتت مع آل محمد كلهم افتحي لها، من يتوقع أن عند بنت رسول الله شر أو أن في بيت آل رسول الله شر، ولكن انظروا الطاعة العظيمة للزوج، ما أدخلتها وهي بنت أطهر الخلق، وهي فاطمة ﵂. جاءت اليوم الثاني: جاءت ومعها الحسن والحسين ودخلوا، فلما دخلت في البيت جلست معها، فلم تلاحظ عليها كثير عبادة ولا صلاة ولا صيام امرأة مستورة، كانت تحافظ على صلاتها وفروضها وتطيع زوجها وربها، فلما رجعت فاطمة إلى بيتها قالت: يا رسول الله! إنك تثني على فلانة وإني ذهبت إليها فما وجدت عندها من العبادة الشيء الكثير، وجدتها مقتصرة على الفرائض، وطائعة لله ولزوجها، قال: (بطاعتها لزوجها بلغت ما بلغت) المنزلة العالية في الجنة تلك ما بلغتها بكثرة الصلاة ولا الصيام، بل بلغتها بالتقيد بأمر الله والزوج، ما كانت تُدخل أحداً بيتَها إلا بإذن زوجها لو كان من كان. وتلك الصحابية الثانية التي كانت لا تخرج من البيت إلا بإذن زوجها، ولما ذهب زوجها إلى الجهاد في سبيل الله مرض والدها، فأرسلوا إليها في البيت: إن والدك قد مرض فهل تريدين زيارته؟ قالت: إن زوجي غائب ولم يأذن لي بالزيارة، وأنا لا أستطيع أن أزوره وزوجي لم يأذن لي. فجلست اليوم الأول والثاني والمرض يزداد بأبيها، فجاءوا إليها وقالوا: إن أباك قد اشتد مرضه وقد يموت، وهو يطلب حضورك، تعالي ودِّعيه فأنتِ وهو في المدينة، قالت: والله! لو صعدت روحه ما استطعت أن آتيه إلا بإذن زوجي، الله أكبر! إنا لله وإنا إليه راجعون! في اليوم الرابع ازداد المرض على أبيها وجاءوا إليها. قالت: لا يمكن أن أخرج إليه. ثم مات الأب ولم تره، ولما مات قالوا لها: قد مات فهيا إلى العزاء، قالت: ما أتيته وهو حي كيف آتي وهو ميت؟ لا. حتى يأذن لي زوجي، فلما جاء زوجها من الغزو أذن لها أن تذهب إلى أهلها، فذهبت إلى أهلها، وسألت عن قبر أبيها، فذهبت إليه ودعت الله له بالمغفرة عند القبر، فأخبر النبي ﷺ أن الله قد غفر لأبيها وأدخله الجنة بدعوتها له، وأولئك الذين حضروا وقبروا ومرّضوا ما نفعوه مثلها، وهي التي جلست على طاعة الله ثم طاعة الزوج بدعوتها دخل أبوها الجنة. فينبغي للمرأة المسلمة أن تتقيد بأمر الله ثم بأمر الزوج في طاعة الله ﵎، وألا تخرج من بيتها إلا بإذنه، وألا تدخل عليه في بيتها من لا يأذن له من الرجال أو النساء.

стр. 2549

عواقب التبرج وطرح الحجاب إن المصيبة العظمى في هذا الزمن هي مصيبة التبرج الذي قتل الأمة، وحطم الأخلاق، وقضى على القيم، هذا التبرج والاختلاط الذي وقع فيه أكثر الناس في هذه المنطقة، وإنا لله وإنا إليه راجعون. التبرج هذا نافذة خطيرة إلى الزنا، نافذة كبيرة شنيعة إلى الزنا، لا يمكن أن يوصل إلى الزنا إلا من باب التبرج والاختلاط، والله ﵎ قد سد هذا الباب، وقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣٠ - ٣١] الزينة، والثوب، والذهب، والوجه، والجلسة، والابتسامة، والكلمة؛ لا يمكن أن تكون من المرأة المسلمة المؤمنة إلا لزوجها فقط، لكن الحال عندنا معكوس، تطبخ وتكنس وتعمل في ثوبها ذاك الذي كأنها ستدفن فيه، فإذا خرج الزوج وقالوا: فلان ذهب ودعيت إلى مناسبة أو عرس جاءت إلى (الشنطة) وكسرتها، تبحث عن المفتاح فلا تجده، مفتاح القفل سوف يؤخرها عن السمرة واللعب! فكسرت (الشنطة) وأخرجت الثوب الجديد ذاك الذي اشتراه لها المسكين من عرقه، ثم خرجت متزينة متبرجة تنشر الفتنة بغير حساب، وتبيع عرض زوجها بلا ثمن، وهي في لعنة الله، وزوجها إذا رضي بهذا فهو ملعون، قال : ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] والبعل في الشرع هو واحد، لكن إذا الجماعة كلهم يرون المرأة، فمعناه: أن البعل ليس واحداً؛ لأن القرية كلها بعول ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] المرأة جوهرة لا تصل لها يد ولا تمتد لها عين؛ إلا يد وعين زوجها فقط ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أبوها: والأب في الشريعة أيضاً واحد وليس القرية كلها ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] يعني: والد زوجها ﴿أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ولدها تكشف عليه ﴿أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ولد بعلها من غيرها ﴿أَوْ إِخْوَانِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أخوها من أمها وأبيها، أو من أحدهما، أو أخوها من الرضاعة ﴿أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ثمانية أصناف. قال: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور:٣١] التابعين: تابع الزوج، خادم أو عامل أو راعي الزوج، الذي يشتغل عندك في مزرعتك ومعملك، وهو تابع لك تحت إمرتك وراتبه من عندك ولكن بشرط: أن يكون هذا التابع وهذا العامل وهذا الراعي مخصياً، هذا إذا كان مخصياً يجوز لك في الشرع أن يكشف على نسائك، لكن عمالنا هذه الأيام الذين يجلسون مع النساء ويدخلون ويخرجون كيف حالهم؟! هم أخطر على النساء من النار، وأكثر الناس متساهل في هذا، يكون الزوج حريصاً على المحارم لكن من العامل والراعي يقول: ماذا نعمل لا نستطيع، لا -يا أخي- هذا الذي يعمل عندك اجعل له غرفة مخصصة هناك في المزرعة، ولو تعبت، لكن تحمي عرضك، أما أن يجلس مع المرأة والنساء والبنات ويطلع وينزل، فترى هذا العامل يقبل منك أقل راتب، وغيرك عرض عليه أكثر منك فلا يقبلها، أما أنت فيقبل منك مائة؛ لأن مائتك فيها عسل، مائتك معها امرأة وبنت، لكن ذاك الذي يعطيه خمسمائة وهو جالس منعزل هناك في الصندقة أو الزرع لا يريده. وكلكم تعرفون قصة ذلك الرجل الذي وجد راعياً في السوق، فأعجب به، ثم نصحوا الرجل وقالوا: يا فلان نرى أن هذا الراعي سلوكه ليس بطيب مع أولادك، قال: اسكتوا ولا تقولوا في فلان أي شيء، عيالي تركوني، ما معي إلا فلان يرعى الغنم. هو يرعى في النهار! وفي الليل يرعى النساء؟ لا حول ولا قوة إلا بالله! وبعد أيام وإذا به يسحر البنت ويقطع شعرها، ويلبسها ثياب رجل، ويأخذها ويفر بها، ولا يقبض عليه إلا وهو في بلاده، ويؤتى به ويحكم عليه القاضي بالقتل، وتقطع رقبته في السوق في يوم الثلاثاء، فما ينبغي لك أن تتهاون -أيها المسلم- في هذا الأمر قال الله: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ﴾ [النور:٣١] أي: ليس له في النساء طلب، مثل العنّين هذا إذا كان بهذه الهيئة يجوز له أن يكشف على زوجتك، ولكن بشرط: أن يكون تابعاً لك، يعني: إذا كان ممن ليس له إربة في النساء وهو خادم أو عامل عند جارك فلا يجوز أن يكشف على امرأتك؛ لأنه سوف يكشف عرضك ويصف زوجتك للآخرين، أما عاملك أنت فلا يستطيع أن يكشفها؛ لأنه يخاف منك، لأنه تابع لك ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]. أما آن لنا أن نتوب.

стр. 2550

غيرة الله على محارمه أيها الإخوان! إذا كان الله يحرص علينا هذا الحرص العظيم، إلى درجة أن امرأتك إذا لبست الزينة أو الخلخال أو الذهب أو الحجاب أو الأساور إذا مشت في الشارع فحرام عليها أن تضرب برجلها، أو تقلقل حليها؛ لأن القلقلة هذه تفتن فهي حرام، فكيف إذا معها حلي في وسطها ورقبتها، ويدها، ثم جاءت وهي كاشفة سافرة تشاهد الرجال وتجلس معهم أين الإسلام والإيمان؟ وإذا جاءهم واعظ، أو رجل صالح قالوا: اسكت، زوجتي طاهرة، نحن ملائكة نزلنا من السماء ما عندنا شهوة، ولا نريد النساء ولا الرجال!! هل قلبها أطهر من أم المؤمنين عائشة ﵂؟ هل قلب هذا الرجل أطهر من قلب الرسول ﵊؟! إن أمر الحجاب أول ما نزل على رسول الله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ﴾ [الأحزاب:٥٩] خطاب خاص للنبي ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ﴾ [الأحزاب:٥٩] قل لمن؟ ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب:٥٩] أول شيء، هل لأن أزواج النبي فيهن فتنة؟ لا، والله! حاشا لله؛ أمهات المؤمنين طاهرات مطهرات ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٥٩]. أما المنافقون الذين يصطادون في الماء العكر، ويتقلبون في السفور والتبرج؛ لأنه لا يريد التبرج إلا من يريد أن يتلفت في نساء الناس، يدري ويعلم أن النساء إذا التزمن بالحجاب، وكلف الرجال نساءهم بالحجاب خسر الصفقة، ولن توجد نساء يستطيع أن يقعد إليهن، بعضهم لا يرتاح إلا مع النساء، والجلسة التي تنقصها النساء جلسة كئيبة. فهذا المنافق الذي في قلبه مرض إذا سمع أن هناك حجاباً، أو أن الجماعة تواصوا وتجمعوا وقرروا: أنه يجب أن ننفذ أمر الله فينا، والذي لا ينفذ هذا الأمر فليس منا. مثلما فعلت بعض القرى في بعض المناطق فيقول أهل المنطقة: لما جاءهم الأمر اجتمع أولوا النهي، وكبار الجماعة، والأعيان وقالوا: نحن كنا نجهل أمر الله، والآن عرفنا أمر الله ، هذا كلام الله مثل الشمس في رابعة النهار، ما رأيكم ننفذ أم لا؟ إن كنا مؤمنين نفذنا، وإن كنا كذابين لا ننفذ، فقرروا أن ينفذوا، وعزموا وقالوا: من لا يأمر زوجته أن تتغطى وأن تحتشم ليس منا، لا نضيف ضيفه، ولا نبيع عليه، إذا أراد أن يشتري من دكان في القرية لا نبيع له، وإذا جاورته في سيارة من سيارات القرية التي تذهب البلد أو تذهب المركز نقول: لا تركب أنت؛ لأن امرأتك مكشفة، وإذا مرض لا نزوره، وإذا مات لا نتبع جنازته، نقاطعة ولا نكلمه حتى يغطي امرأته. لعل قائلاً من الناس يقول: إن زوجاتنا غير زوجاتكم في المدن، أنتم في المدن عندكم الماء والإمكانات، ونحن في قرية محتاجون إلى خروج الزوجة إلى الزرع، لكي تأتي بالعلف وبالماء وأغراض البيت، نقول لكم: إن الإسلام لم يحرم على المرأة المؤمنة أن تساعد زوجها في خدمة بيته وبيتها، ولكن بشروط شرعية، فإذا أرادت المرأة أن تخرج إلى الماء فعليها أن تلتزم الشروط الشرعية: أولاً: أن تحتجب، ما يمنعها من الحجاب؟ تأخذ لها (شيلتين) واحدة خفيفة وأخرى ثقيلة، والخفيفة من تحت، والثقيلة من فوق، ولا تخرج إلا وقد لبست أردى ثيابها، ما تأخذ الثوب المزركش، بل تلبس أردى ثيابها، ولا تأخذ معها عطراً، فإذا أمنت وهي في طريقها إلى البئر أو البستان أو الزرع تلفتت يميناً أو يساراً فإذا لم ترَ أحداً فتحت الغطاء الثقيل وأبقت على وجهها الخفيفة التي تمكنها من الرؤية، ولو شاهدها شخص بعيد لا يراها، فإذا سمعت أو رأت أحداً تنزل الثانية. ما الذي يمنعها، ما يمنعها؟ من هذا شيء إلا النفاق وحب التبرج والمعصية؛ لأن بعض النساء تقول: أنا أخاف أن أسقط في البئر إذا تحجبت، لن تسقطي في البئر أبداً، بل إنك لو سقطت في البئر لكنت شهيدة، ولكن إذا كشفت فإنك ستسقطين في آبار عظيمة، في آبار جهنم، عمق البئر سبعين سنة، ومن يستطيع أن يخرج منها، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فعليها. أولاً: أن تأخذ ثوباً رديئاً، وشيلة متينة، ثم إذا خرجت تختار الوقت المناسب الذي لا يكون فيه رجال، إما مع الفجر، أو بعد المغرب معها شخص من أهلها، أو في الظهيرة إذا كان الناس منشغلون بالطعام، لا تخرج في العصر، لا تخرج في وقت تجمع الرجال وخروجهم، ثم إذا خرجت إلى البئر أو إلى الزرع وصادفت أن قابلها رجل، ماذا تعمل؟ إذا قابلها رجل فإن كان هناك طريق غير الطريق الذي يقابلها فيه فتفر عنه، تجعل طريق الرجل له وتمشي في طريق لوحدها، وإن كان لا يوجد إلا تلك الطريق فإنها تمشي على حياء، فإذا قربت منه تلتصق بالجدار، ولا يجوز له أن يسلم عليها.

стр. 2551

وجوب احتجاب كلا الجنسين من الآخر نسمع الكثير من الناس يقول: أما بالنسبة للجماعة فيما بينهم سهل، أم الكلام فهو على الأجنبي الذي يأتي من بعيد إنهم الجماعة وربي غفور رحيم! حتى لو كان أخاك من أمك وأبيك؛ لا يجوز له أن ينظر لزوجتك، لماذا؟ لأن أخاك أجنبي عن امرأتك، هو ابن ناس وهي بنت ناس، ولو طلقتَ زوجتَك لجاز لأخيك أن ينكح زوجتك من بعدك، فـ (الحمو هو الموت)، وليس معنى هذا: أن تقاطع إخوانك وجماعتك لا، فقط حجّب المرأة، والذي لا يصحابك إلا من أجل المرأة لا يحبك، بعض الناس ما يحب الرجل إلا إن كان يرى امرأته، فإن حجبها عنه قال: يحجب امرأته عني؟! قل له: أحجبها أتحبني من أجل المرأة؟ هذه محبة فاسدة. وبعضهم يذهب إلى رجل أخرج له زوجته، ثم إذا أتاه ذلك الرجل قال لامرأته: اخرجي حيي الضيوف، قالت: إني أستحي، ولا أحب أن أدخل على الرجال، قال: اسكتي، أنا ذهبت عنده وامرأته رحبت بي ودعتني للغداء، فيدعو امرأته للتجمل لصاحبه، ويعتبره رداً على حسن الضيافة، ويقول لها: اذهبي وتجملي لضيوفي وقابليهم بوجه حسن، فمسكينة تذهب تلبس وتغسل وجهها بالصابون وتنظف نفسها وتنظر في المرآة وتقوم بتحية الرجال في المجلس والرسول يقول: (لأن يمس أحدكم جلد خنزير أولى من أن يمس جلد امرأة لا تحل له) يظن أنه إن لمسها في يدها فالأمر هين، ولكنه نار، وصعقة كهربائية. الآن السلك الكهربائي سلك أحمر وآخر أسود، إذا التقى الأسود والأحمر ما الذي يحصل؟ (التماس كهرباء) وحريق، لكن إذا وصلنا السلك الأحمر والسلك الأسود إلى (الفيش) أيحصل حريق؟ لا. هذا (الفيش) هو الزواج، يلتقي فيه الرجل السلك الأحمر بالمرأة (السلك الثاني)، يلتقون داخل الزواج، فلا يحصل حريق، يصبح وئام ولطف ورحمة، وينتج عنه ذرية صالحة، إما ولد أو بنت، أما إذا التقوا قبل الزواج كانت فتنةً وفساداً كبيراً لا يعلمه إلا الله ﵎، وكذلك السلك العاري كيف تأمنه؟ تقوم بعزل السلك العاري ويقال: لف عليه حجاباً، فزوجتك هذا -يا أخي- سلك عار! تؤثر في قلوب الناس، ضع عليه مادة عازلة، والمادة هذه هي الحجاب، حجب هذه الزوجة، إن كانت جميلة فخلها لك -يا أخي- لا ينظر إليها الناس، وإن كانت قبيحة فاجعلها قسمك حتى لا يضحك منك الناس ويترحموا عليك ويقولون: (مسكين مع هذه الجنية)، وإن كانت جميلة قالوا: لا يستحقها! لا -يا أخي- إن كانت جميلة فقد قدرها الله لك، وإن كانت قبيحة فقد قدرها الله عليك، لأن المرأة كما يقول الناظم: إن الرجال الناظرين إلى النسا مثل الكلاب تطوف باللحمان إن لم تصن تلك الأسود لحومها أكلت بلا عوضٍ ولا أثمانِ فإذا عدا كلب على لحمة آخر، فيكون هناك من يعدو على لحمته دون أن يعلم، ومن يزنِ يزنَ بأهله، يقول: عفوا تعف نساؤكم في المحرمِ وتجنبوا ما لا يليق بمسلم إن الزنا دينٌ فإن أقرضته كان القضا من أهل بيتك فاعلمِ من يزن بامرأة بألفي درهمٍ في بيته يُزنى بغير الدرهمِ إذا نظرت بعينك إلى الحرام جاء من ينظر لمحارمك من الحرام، وإذا غضضت بصرك عن الحرام صرف الله الأنظار عن محارمك، فاتق الله في محارم الناس يحفظ الله محارمك، قال رسول الله ﷺ : (احفظ الله يحفظك) لكن إذا كان الرجل غيوراً على محارمه، ويريد من المرأة أن تتحجب، لكنه لا يحفظ حرمات الآخرين فإذا دخل على النساء القعود سلم عليهن وجلس معهن، وإذا ذهب إلى البيت قال: لا تكشفي على الرجال؟ لا يمكن أن تلتزم زوجتك بالحجاب إذا لم تلتزم به أنت، الزم نفسك أولاً بالاحتجاب عن النساء، إذا دخلت على النساء وهن أمام الرجال كاشفات فانهرهن، وقل لهن: اتقين الله، ارجعن وتحجبن، استحي يا امرأة!! تقولها هكذا بصوت قوي، فإذا رفضت النساء الاحتجاب عنك فتحجب أنت، غض بصرك؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] استجب لله إذا عصت هي، حتى بعد ذلك تخجل هي، وزوجتك إذا علمت أنك ألزمت نفسك بالحجاب لا يمكن أن تتفرج على غيرك، لماذا؟ لأنها أمنت جانبك، فهذا المنكر -أيها الإخوان- منكر مستطير، وفسادٌ كبير واقع فيه أكثر الناس، ولكن لا يصعب تجنبه، المؤمن يحمل هذا ويتوكل على الله ويجتهد والله معه، أما ضعيف الإيمان مهزوز العقيدة فإنه يسمع ولكن يقول: والله! إني لا أستطيع، لماذا لا تستطيع الامتثال لأمر الله؟ ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٨٥]. أسأل الله ﵎ أن يجعلنا وإياكم من عباده الصالحين، وأن يرزقنا وإياكم إيماناً صادقاً، وعملاً صالحاً، ويقيناً خالصاً، حتى نعلم أنه لا يضرنا ولا ينفعنا إلا هو، إنه على كل شيء قدير.

стр. 2552

الإيمان بالبعث بدأ الشيخ بالكلام عن فضل مجالس العلم والترغيب فيها، وبيان ما تعود به على المسلم من المنفعة في الدارين، ثم بدأ في طرق موضوع المحاضرة، وبيان أن الإيمان من القضايا الكبرى عند المسلم، بعد ذلك تناول طرق القرآن الكريم في إثبات البعث، وقد شملت هذه الطرق: طرق القياس العقلي، وطرق التوكيد بالقسم، وطرق عرض صور من يوم القيامة. وقد ذكر بعد هذا أسباباً تؤدي إلى تقوية الإيمان بالبعث، شارحاً جانباً منها.

стр. 2553

فضل مجالس العلم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٣] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. ثم أما بعد: أيها الإخوة في الله! كم هو جميل وعظيم عند الله أن نجتمع على ذكر الله، في روضة من رياض الجنة، تحفنا فيها الملائكة، وتغشانا فيها الرحمة، وتنزل علينا السكينة، ويذكرنا الله فيمن عنده. إن هذا المجلس المبارك المجلس الإيماني، القرآني، النوراني هو الرصيد الذي سوف يبقى للإنسان بعد أن يغادر هذه الحياة، وسوف يتحسر ويتألم ويتندم أن أوقاته لم تكن كلها مثل هذه الجلسة، لحديث النبي ﷺ : (ما جلس قوم في مجلس لم يذكروا الله فيه، إلا كان عليهم من الله ترة يوم القيامة) أي: عهدة ومؤاخذة عن كل مجلس وعن كل ساعة قضيتها -أيها الإنسان- في غفلة عن ذكر الله. أما هذا المجلس فإن الغنيمة التي تحصل عليها بجلوسك فيه هذه الساعة أو هذه الدقائق غنيمة غالية، وثمرة عالية، يقول ﷺ : (ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا ناداهم مناد من السماء: أن قوموا مغفوراً لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات) ويقول ﷺ : (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حِلق الذكر). والله يخبر أن من يعرض عن هذه المجالس فإن الشيطان يتسلط عليه، فيكون له قريناً في الدنيا، وقريناً في النار في الآخرة، قال : ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦] وقال ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٧ - ٣٨] قال الله : ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمْ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩]. ويخبر ربنا ﵎ أن من أعرض عن ذكر الله، وترك مجالس الذكر، ولم يحرص على الجلوس فيها؛ فإن الشيطان -والعياذ بالله- يتسلط عليه، وأن الله يعرض عنه، فقال : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٧]. ويخبر ربنا ﵎ أن الذي يعرض عن ذكر الله ولا يحرص على مجالس الذكر فإن الشيطان يتسلط عليه، فيقول وهو يضرب لنا مثلاً ممن كان في الأمم السابقة قبلنا: آتاه الله العلم، والدين، والآيات، والدلالات، ولكنه انسلخ منها وأخلد إلى الأرض واتبع هواه، قال : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦]. وبئس هذا المثل يا عباد الله! من يؤت القرآن والدين، وتعرض عليه السلعة الغالية ويرفضها، انظر إلى التعبير قال الله : ﴿فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف:١٧٥] والانسلاخ: هو ترك الشيء مع عدم الرغبة في العودة إليه، أنت عندما تخلع ثوبك من أجل أن تنظفه وتزيل ما فيه من الأوساخ والأقذار ما تقول: سلخت ثوبي، بل تقول: خلعت ثوبي أو وضعت ثوبي، لكن إذا سلخت جلد الشاة، ما تقول: خلعت جلدها، بل تقول: سلخت جلدها؛ لأنه لا يوجد أمل أن يرجع جلدها إليها، فهذا الذي انسلخ من الدين كأنه لم يعد يريده، يرفض الآيات، قال الله تعالى: ﴿فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف:١٧٥] فماذا حصل له بعد الانسلاخ؟ ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف:١٧٥] لأنه كان في حصن، وحرز، وحماية، ووقاية بأسباب الآيات، والقرآن، والدين، كان محروساً بدين الله، ومحفوظاً بآيات الله، ومحاطاً بعناية الله، فلما انسلخ منها أصبح خلواً، مكشوفاً، عارياً، قال الله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف:١٧٥] فماذا حصل عندما أتبعه الشيطان؟ ﴿فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ﴾ [الأعراف:١٧٥]. ومن كان الشيطان تابعه ومتبوعه كان من الغاوين، قال : ﴿فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦] انغمس في الحمأة الوبيئة، وتلطخ بالتراب القذر، فأخلد إلى الأرض واتبع هواه ولم يتبع مولاه، اتبع هواه ولم يتبع رسوله ﷺ ، اتبع هواه ولم يتبع كتاب الله ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٦]. فهنيئاً لكم -أيها الإخوة- هذا المجلس، وجزى الله كل خير من ساهم فيه ودل عليه وسار في أسبابه، ونسأل الله جل وعلا أن ينفعنا بما نقول وما نسمع، وأن يجعل ما نسمع وما نقول حجة لنا لا علينا.

стр. 2554

علاقة الإيمان بالبعث بقضايا الإيمان أما موضوع الكلمة التي اختارها الإخوة فهي: "الإيمان بالبعث". وقضية الإيمان بالبعث بعد الموت قضية مهمة ورئيسة، ومن قضايا الإيمان الكبرى، بل لقد كادت أن تكون نداً لقضية التوحيد في القرآن الكريم؛ لأن القرآن الذي نزل على النبي ﷺ في مكة المكرمة عالج أمور العقيدة، وأكد على أمرين: الأمر الأول: أمر الوحدانية. الأمر الثاني: الإيمان بالبعث. إذا استقرت عقيدة الإيمان بوحدانية الله لم يعبد إلا هو، وإذا استقرت عقيدة الإيمان بالبعث استقام سلوك المكلف؛ لأنه إذا علم أنه مؤاخذ بعد هذه الحياة، ومبعوث بعد الموت، ومجزي على عمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر إذا استقرت العقيدة في قلبه استقام سلوكه، أما إذا كانت العقيدة مهزوزة، والإيمان بالبعث ضعيفاً، فإن هذا ينعكس رأساً على سلوكه، فيضيع فرائض الله، ويتساهل في أوامره، ويقع في محارمه، ولا يخافه؛ لأنه ليس مؤمناً بالعقوبة؛ لأن من أمن العقوبة أساء العمل. ولهذا يذكر الله أن أهل النار يقولون بأنهم ما كانوا مستيقنين بالبعث، قال : ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الجاثية:٢٧] تنكشف حساباتهم، وتتعرى أوراقهم، فيرون أن تجارتهم خاسرة، وأرباحهم بائرة، وأنهم خاسرون، قال: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ * وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً﴾ [الجاثية:٢٨ - ٣٢] أي: ليسوا مكذبين على الإطلاق ولا مصدقين على اليقين، بل عندهم ظنون، قال: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمْ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ * فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية:٣٢ - ٣٧]. فقضية الإيمان بالبعث قضية مهمة لا بد من التأكيد عليها، ولا بد من تأصيلها؛ لأنه باستقامتها وثباتها تصلح حياتك، وبزعزعتها وضعفها تخرب حياتك.

стр. 2555

وفد الأزد وخصال الإيمان والبعث يقول سويد بن الحارث ﵁ وهو صحابي جليل من هذه الديار من بلاد الأزد -بلاد الأزد يعني جنوب المملكة - قال فيما يرويه أبو نعيم في الحلية قال: (قدمت على رسول الله ﷺ سابع سبعة من أصحابي في وفد الأزد -في سنة الوفود- قال: فلما دخلنا عليه سلمنا، فرد السلام، ثم أعجبه ما رأى من سمتنا) أي: لباسهم وهيئتهم، أعجب النبي ﷺ هيئة هؤلاء الرجال، كانوا يلبسون العمائم، وكان لهم لحى، وكان معهم عصي، ويلبسون (الجنابي)، ولهم أزر، فكان منظرهم منظراً رجولياً يبعث على الارتياح، فأعجب النبي ﷺ هذا المنظر. (فقال: من القوم؟ قالوا: مؤمنون يا رسول الله!) انتسبوا إلى العقيدة، ما انتسبوا إلى العرقية، ولا القبيلة، ولا اللون، ولا الجهة، ولم يقولوا عدنانيون ولا قحطانيون ولا سعوديون، بل قالوا: (مؤمنون يا رسول الله! فقال ﷺ : إن لكل قول حقيقة فما حقيقة إيمانكم؟) لأن دعوى الإيمان لا تثبت إلا بالدلائل والبراهين، فما حقيقة الإيمان الذي تدعونه. (قالوا: يا رسول الله! حقيقة إيماننا خمس عشرة خصلة، خمس أمرتنا رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا رسلك أن نعمل بها، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية -أي: عندنا عادات من قبل الإسلام- ونحن عليها اليوم، إلا أن تكره منها شيئاً تركناه) انظروا إلى الرجولة، لم يقولوا لا نستطيع، نحن على عادة الآباء والأجداد، قالوا: إن كان يوافق ما عندك يا رسول الله! عملنا بها، وإن كنت تكره منها شيئاً يرده الدين ويكرهه الإسلام تركناه. (قال: ما الخمس التي أمرتكم بها رسلي؟ قالوا: أمرتنا رسلك أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث بعد الموت -وهذا هو الشاهد في هذا الحديث: وبالبعث بعد الموت- قال: وما الخمس التي أمرتكم رسلي أن تعملوا بها؟ قالوا: أمرتنا رسلك أن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وأن نقيم الصلاة، وأن نؤتي الزكاة، وأن نصوم رمضان، وأن نحج البيت الحرام إن استطعنا إليه سبيلا، قال: وما الخمس التي عندكم في الجاهلية -أي: ما هي العادات التي عندكم في الجاهلية ولا تزالون عليها- قالوا: خمس خصال، الأولى: الشكر عند النعماء) إذا أنعم الله علينا شكرنا، فلا نبطر، ولا نتكبر، ولا نتنكر، ولا ننس الماضي، وبعض الناس كان فقيراً يتسول على الأبواب واليوم صار غنياً يتاجر بالملايين، وإذا قيل له: تذكر حالتك الأولى، قال: هذا مال ورثته كابراً عن كابر، لماذا؟ لأنه نسي ما كان عليه، وما كان فيه. قالوا: (الشكر عند النعماء)؛ لأن المؤمن إذا أنعم الله عليه شكر الله على النعمة، واستعمل النعمة فيما يرضي الله، وتزود بالنعمة في مراضي الله ، ولم يبطر بها ولم يتكبر، ولم يتعال على الناس من أجلها، وإنما يعرف أن النعمة من الله وأن الله يقول: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] فهو المنعم ﵎، فإن من شكر نعمة الله أن أشكر الله أولاً، ثم أصرفها في مرضاة مسديها وموليها ﵎، لكن الفاجر إذا جاءت النعمة فجر واستعلى بها، وصرفها في مساخط الله، واستعان بها على كل ما يبغضه الله ﵎. (قالوا: الشكر عند النعماء، والصبر عند البلاء) لأن المسلم والإنسان في الدنيا بصفة عامة يتقلب بين النعماء وبين الضراء، الحياة ليست على وتيرة واحدة، الحياة كل يوم لها وضع، والله كل يوم هو في شأن، والناس يتقلبون بين نعم الله وبين مصائبه، والله تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] تجده اليوم معافى وغداً مريضاً، واليوم مريضاً وغداً معافى، واليوم فقيراً وغداً غنياً، واليوم غنياً وغداً فقيراً، واليوم بيت فيه عزاء وبيت آخر فيه زواج وفرح، وبعد أيام تجد العكس فالبيت الذي كان فيه فرح أصبح فيه عزاء، والذي كان فيه عزاء صار فيه فرح ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]. فيقولون: نحن عندنا هذه الخصلة أننا نصبر عند البلاء، لا نتضجر، ولا نتذمر من قضاء الله، وكلما ابتلانا الله بشيء قلنا: الحمد لله على ما كتب الله، يتمثلون قول الله : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٥] من هم؟ ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧]. (قالوا: والرضى بمر القضاء) لا نصبر فقط، وإنما نصبر ونرضى، وفرق بين الصابر اضطراراً والصابر اختياراً، فالمصيبة تنزل ولكن الواحد يتقبلها بصدر رحب، ويعلم أنها من اختيار الله فيثيبه الله، وآخر تنزل عليه المصيبة فيصبر صبر المضطر، فليس له إلا أن يصبر وإلا ماذا يصنع؟! فيصبر رغماً عنه! فهؤلاء يقولون: (نصبر على البلاء ونرضى بمر القضاء)، أي: نعلم أن هذا هو اختيار الله فنرضى باختيار الله عن اختيارنا. (قالوا: والصدق في مواطن اللقاء) أي: يقولون: إذا قابلنا أعداءنا لا نعرف إلا المضي إلى الأمام، لا نعرف شيئاً اسمه انسحاب ولا نرجع إلى الوراء، لا نعرف إلا إلى الأمام، إما النصر أو الموت. قالوا: هذه من شيم الرجال ومن شيم أهل المروءة. (قالوا: وترك الشماتة بالأعداء) أي: لا تشمت على أحد تكرهه فيعافيه الله ويبتليك؛ لأن الشماتة ليست بيدك؛ فإن ما أصابه قدر والأقدار بيد الله، فإذا ابتلاه الله تأتي أنت وتشمت به، هل أنت الذي قضى عليه؟ هل أنت الذي قدر عليه؟ يا أخي: حتى ولو أنك تكرهه، وكان عدوك، لا تفرح لما أصابه، لا تقل يستحق ما به، لا -يا أخي- بل قل: اللهم عافه يا رب ولا تبتلنا، ولو كان عدوك فلا تشمت به؛ لأنك إذا شمت بعدوك عافاه الله وابتلاك، ونزلت المصيبة عليك أنت، لكن إذا رأيته وقلت: اللهم عافه ولا تبتلنا، عافاه الله ولم يبتلك. هذه هي الخمس التي عندهم في الجاهلية. فقال ﷺ لما سمع خمسهم: (حكماء علماء؛ كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء) فهذه هي شهادة النبي ﷺ لهؤلاء الرجال: (حكماء علماء؛ كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء). ثم قال: (وأنا أزيدكم خمساً: إن كنتم كما تقولون فلا تبنوا ما لا تسكنون) أي: أنه يزيدهم خمساً بعد الخمس عشرة، والأولى متحققه فينا كلنا، خصوصاً بعد انسكاب الدنيا علينا، ولكن ما المخرج؟ المخرج أن تسكن فيما بنيت، وإذا وسع الله عليك وزودك بالسكن فاستعمل ما يدخل عليك من هذا السكن في طاعة مولاك جل وعلا، واستعن بما يفتح الله عليك في طاعة الله؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢] ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١] ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢]. فإذا وسع الله عليك بالمساكن، أو بالمآكل، أو بالملابس، أو بالمراكز، أو بالمناكح، أو بالمشارب، أو بأي شيء مما منَّ الله تعالى به عليك فتمتع به، فإن الله لا يريد أن يحرمك منه، بل أنت أولى الناس بالطيبات في الدنيا ولكن بشرط: أن تستعين بهذا المتاع على طاعة الله. فإذا بنيت عمارة تعمرها بذكر الله فلا تعمرها بمعصية الله، وإذا أعطاك الله جسداً معافى فاستخدمه في طاعة الله، وإذا أعطاك الله منصباً وجاهاً فسخره فيما يرضي الله جل وعلا، حتى تتحول أمورك كلها إلى عبادة، فإذا كنت موظفاً أو مديراً أو مسئولاً ولكنك تتقي الله في عملك فكأنك تعبد الله بهذا العمل؛ لأن بصلاح النية تتحول عادات المسلم إلى عبادات، وبفساد النية تتحول عبادات المسلم إلى عادات، مثل أكثر الناس اليوم يصلي ولكن عادة، يصلي ويخرج ليشهد الزور، يصلي ويفكر كيف يقول شهادة الزور، لماذا؟ لأن صاحباً له قد جاءه وقال: عندي دعوى في الزرع أو المبنى أو المكان وتعرف أنني بحثت عن شهود ولم أجد، وأنت تعرف أن الدنيا يوم لك ويوم عليك، فأنا اليوم أحتاجك وأنت غداً قد تحتاجني، وتعلم أنه لا يوجد زرع ولا غير ذلك لا يوجد إلا وجهي، أريد أن أظهر على هذا الإنسان وأكسب هذه الدعوى، وأنت صاحبي وما ترضى أن تخذلني فتأتي تشهد معي قال: آتي أشهد، ولو أنت كبير في السن؛ لأن كبار السن يعرفون الأماكن والبقاع والحدود، ولو جاء شخص صغير في السن -شاب- لقالوا: أنت صغير ولا تعرف الحدود والأماكن، ولهذا دائماً يقولون: ابحث لك عن شيخ كبير قد تجهز للآخرة فيختم حياته بشهادة الزور والعياذ بالله. ويقول: أبشر! ويأتي يصلي هذا الشيخ ولا يفارق المسجد ولكنه يشهد الزور، كيف تشهد الزور وقد قرن الله تعالى شهادة الزور بالشرك بالله؟ حيث قال الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠] مثل الشرك بالله، وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم عن أبي بكر قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله! قال: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس! وقال: ألا وقول الزور، ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور قال الصحابة: فما زال يرددها حتى قلنا: ليته سكت!). فشهادة الزور ليست سهل

стр. 2556

حديث جبريل والإيمان بالبعث وفي حديث جبريل الصحيح، الذي جاء يعلم فيه الصحابة أمور دينهم حينما كانوا جالسين كما يروي عمر قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه من القوم أحد) وكان السفر في الماضي ليس كالآن، يجلس في الطائرة كأنه في البيت، لا بل يأتي من السفر أغبر جائع أشعث تعبان يقطع الطريق ويمضي فيها شهوراً، فهذا جاء من سفر ولكن ثيابه نظيفة وليست مغبرة، وشعره غاية في السواد، وثوبه أبيض جداً وليس أشعث، وما عليه أثر سفر ولا يعرفه أحد من الصحابة، فمن أين أتى هذا؟ ليس بمسافر ولا من المعروفين من الناس! نعم. جاء من السماء. (فجلس أمام النبي ﷺ فقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال صدقت، قال الصحابة: فعجبنا له يسأله ويصدقه!) معناه أنه أعلم منه، حين تسأل شخصاً ويجيب، فتقول: صدقت! فمعناه: أنك تعلم الجواب، فسؤاله ليس سؤال المستفهم بل سؤال المؤكد والمعلم. (قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله، قال صدقت، ثم قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: صدقت، ثم قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال ﷺ : ما المسئول عنها بأعلم من السائل) يقول: أنا والله ما أعلمها أكثر منك، إن كان هناك علم عنها فهو عندك؛ لأنك أتيت ومعك علم من السماء. فما المسئول عن الساعة بأعلم من السائل، فهذا سؤال ولكن السائل والمسئول لا يعلمان عنها شيئاً، يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأعراف:١٨٧] فعنده علم الساعة، لا يعلمها ملك في السماء ولا نبي في الأرض، وإنما اختص الله نفسه بعلم الساعة. قال: (فأخبرني عن أماراتها) أي: أعطني دلالات أو إشارات تدل على قرب وقوعها، فأخبره عن بعض أماراتها، قال: (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان) وقد حصل في هذا الزمان، فالذين كانوا يسكنون في القفار والصحاري والربع الخالي وفي البادية ما كانوا يعرفون المدنية كانوا يبنون بيوت الشعر، فإذا انقطع المطر في أرض ذهبوا إلى أرض أخرى، فأصبح لديهم فلل وعمارات، قال: وأن ترى العالة أي: الفقراء، الحفاة أي: الذين لا يعرفون الأحذية، العراة: الذين ما معهم ملابس يلبسونها، تراهم يتطاولون في البنيان، كل شخص يقول: عمارتي أحسن من العمارة الثانية، وتنسيق عمارتي أحسن من تنسيق العمارة الثانية، وهذا الحديث فيه ذكر البعث بعد الموت.

стр. 2557

طرق القرآن في إثبات البعث والدعوة إلى الإيمان به المتأمل للقرآن المكي يلحظ التأكيد على قضية الإيمان بالبعث، والمتأمل للقرآن بصفة عامة يلحظ أن القرآن قد عالج قضية الإيمان بالبعث بعد الموت عن طريق ثلاثة أمور: الأمر الأول: القياس العقلي والمنطقي. الأمر الثاني: اليمين والقسم المؤكدة للقضية. الأمر الثالث: عرض صور حية ومشاهد وأحداث تحدث يوم القيامة والله أعلمنا بها قبل أن يكون ذلك اليوم.

стр. 2558

طريقة القياس العقلي والمنطقي فالأمر الأول وهو القياس العقلي المنطقي لأهل العقول الذين يقولون: لا نرضى بالدليل، نريد فقط أدلة عقلية منطقية مثل: (١+١=٢) وإلا فلا نقبل. فنقول: قال الله : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨] فرجل من الكفار جاء بعظم لميت من المقبرة، فحمله إلى النبي ﷺ وفت العظم بين يديه، وقال: يا محمد! تزعم أن ربك بعد أن نكون عظاماً ورفاتاً يبعثنا ويعيدنا؟ فقال ﷺ : (نعم، ويدخلك الله النار) فنزل القرآن يؤيده في نفس اللحظة، فقال الله: ﴿وَضَرَبَ﴾ [يس:٧٨] يعني: هذا الكافر ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨] فضرب بالعظم مثلاً ونسي العظم الذي يحمل العظم، جاء يفت العظم بالعظم المحمول؛ لأن العظم هو الأساس لكل شيء في الإنسان، فالعظم يحيط بالمخ والمخ هو مركز الدماغ، والدماء هل تعلم أين تصنع؟ تصنع داخل نخاع العظم، فهذه الدماء الموجودة فينا، تكسر فينا كريات الدم الحمراء كل مائة وعشرين يوماً، بعد أربعة أشهر كل الدماء التي تلفت تكسر وتذهب مباشرة إلى الطحال، وتقوم العظام بعملية توليد جديد وخلق جديد للدماء، فالعظم الذي يحمل العظم يقول الله فيه: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] قال الله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٩] الذي خلقها أولاً أيعجز أن يخلقها ثانياً؟! لا. فسبحان الله!! ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٠ - ٨٢] الأمر عند الله بين الكاف والنون، لا وسائل ولا إمكانيات، بل كن فيكون، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ﵎، فهذا هو القياس المنطقي الأول. القياس الثاني في سورة مريم: يقول الله : ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً﴾ [مريم:٦٦] يعني أنه يستبعد ذلك، يقول: إذا مت أخرج مرة ثانية حياً؟ ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً﴾ [مريم:٦٦] قال الله تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ [مريم:٦٧] لماذا تنسى أن الله خلقك ولم تكن شيئاً؟! فأنت تعيش منذ ثلاثين سنة، فأين كنت قبل الثلاثين؟ ارجع إلى الوراء قليلاً يا صاحب العضلات والجسم القوي، والبنية المشدودة، ارجع إلى تاريخك قليلاً واذكر كيف كنت؟ كنت أول خلقك نطفة مذرة، خرجت من ذكر أبيك، لو صرفت هذه النطفة لكانت كالبصاق أو كالنخامة، هذا هو أصلك -أيها الإنسان- من ماء مهين، لقد خلق الله الإنسان من ماء حقير، لماذا تتكبر؟ ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم:٦٧ - ٦٨]: هؤلاء المكذبين، الضالين، الشاردين الهاربين: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً﴾ [مريم:٦٨] أي جاثين على ركبهم: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً * وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم:٦٩ - ٧٢] نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم، اللهم اجعلنا منهم وآباءنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا وجميع المسلمين. ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] فهذا المنطق الثاني، إن الله تعالى أولا يذكر الإنسان أنه كان نطفة مذرة، ثم صار علقة، ثم صار مضغة، ثم صار عظاماً، ثم كساه الله لحماً، ثم بعد هذا اللحم أنشأه الله خلقاً آخر، ثم أخرجه، خرج من موضع البول مرتين، الأولى: من ذكر أبيه، والثانية: من فرج أمه. يقول: [يا بن آدم! كيف تتعالى على الله وأولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وفي بطنك تحمل العذرة]. بعض الناس تقول له: صل، فيأبى، ولا يعلم ما بداخله، فلولا أن الله كتمه وما أظهر رائحته والله لما قعد معه أحد، فوالله لا يوجد أخس من الإنسان، وهذا معلوم، فالغائط والبول الذي يخرج من كل الحيوانات لا يشبه بول وغائط الإنسان، فالإنسان حقير بذاته، لكن الله تعالى كرم الإنسان بهذا الدين، وشرفه بهذا الإيمان، فإذا تخلى عن كرامة الله له وتشريفه له فلا كرامة له، ولهذا قال الله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] هذا القياس الثاني المنطقي. والقياس الثالث جاء في سورة الحج: قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ﴾ [الحج:٥] فإذا كان عندكم شك من البعث فتعالوا وخذوا الأدلة، ما من يوم إلا فيه خلق جديد، وفي كل بيت من بيوت المسلمين تجد آل فلان جاءهم ولد، آل فلان جاءتهم بنت، تعال وانظر إلى هذا المولود، من أين جاء؟ من شق بصره؟ من صوره؟ من قدره؟ من ركبه؟ من جعل فيه هذا الاتساق وهذا الخلق وهذه الحكمة العظيمة؟ من ركب له العينين في رأسه؟ من ركب له الأذنين في رأسه؟ من ركب له الرئة رغم أنه في بطن أمه لا يتنفس؟ من أعطاه القدمين رغم أنه لا يستعملها إلا بعد سنة أو سنتين؟ من أعطاه هذه الأجهزة وهذا الخلق وهذا اللسان؟ إنه الله الذي لا إله إلا هو: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٧ - ٨] ويقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٥ - ٧]. انظر إلى هذه الخمس الأخيرة، كل العرض السابق كله لتقرير هذه الخمس الأصول! خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ، ثم يقر في الأرحام ما يشاء، ثم بعد ذلك: يخرجكم طفلاً لتبلغوا أشدكم، ثم تكونوا شيوخاً، ثم بعد ذلك: منكم من يرد إلى أرذل العمر، أي يبقى إلى أن يشيخ كلياً. ومنكم من يتوفى، وبعد ذلك: ﴿تَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً﴾ [الحج:٥] وهذا هو الدليل على الإحياء، وهو أن الأرض الهامدة الجامدة إذا أنزل الله عليها الماء اخضرت واهتزت وربت وأنبتت ألواناً بهيجة: ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥]. ثم قال الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٦ - ٧]. هذه ثلاث آيات دلت بالمنطق والعقل على قدرة الله على الإحياء بعد الموت.

стр. 2559

طريقة التوكيد بالقسم الأمر الثاني من أمور علاج الإيمان بالعبث: العلاج باليمين والقسم المؤكد: قال في سورة التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي﴾ [التغابن:٧] فلم يقسم الله ﵎ ولم يأمر نبيه بأن يقسم به في القرآن إلا في ثلاثة أماكن وعلى البعث فقط، هذه واحدة، قال الله: قل يا محمد: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧] إذا كان يصعب عليكم -لأنكم ضعفاء- أن تخلقوا ذباباً فليس عسيراً على الله؛ لأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. ولقد تساءلوا وقالوا: كيف يعيد الأولين والآخرين؟ قال الكفار: يمكن أن يعيدنا نحن، ولكن أولئك الذين من القدم من عاد ونوح وآدم كيف يبعثهم الله؟ قال الله : ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨] فما خلقكم ولا بعثكم كلكم من أولكم إلى آخركم إلا كنفس واحدة، وقال : ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧] يعني: أن السماوات وما أعد الله بها من العجائب، والأرض وما خلق الله بها من العجائب، أكبر من خلق الناس ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧]. فالله تعالى يقول في هذه الآية: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧]. والقسم الثاني: قال : ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ [يونس:٥٣] يسألونك أحق هو؟ أي: هل البعث بعد الموت حق؟ قال: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس:٥٣] أي: البعث من بعد الموت ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس:٥٣]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ:٣]. وفي سورة الذاريات يقول الله : ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات:٢٣] أي: البعث بعد الموت ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣] مثل ما أنك تتكلم حقاً ولا تنكر أنك تتكلم، فوالله إن البعث بعد الموت كذلك بقسم من الرسول ﷺ قال الله: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣] هذا الأسلوب أو الأمر الثاني من أمور علاج العقيدة وتأصيلها في الإيمان بالبعث من بعد الموت.

стр. 2560

طريقة عرض مشاهد من يوم القيامة أما الأمر الثالث: فهو عرض أحداث ومشاهد وأشياء تحدث في القيامة لا نعرفها نحن، ولكن الله من رحمته بنا نقل لنا صوراً حية من أجل أن نعتبر ونتوب، ونكون ممن يعيش هذه الأحداث، ولا نتأسف حين لا ينفع الأسف، نذكر لكم ثلاثة أحداث، أو ثلاث قضايا ومشاهد: مشهد بين مصدق الجنة ومكذب النار: المشهد الأول: مشهد حوار بين رجلين، رجل مصدق من أهل الجنة ورجل مكذب من أهل النار، وكانا في الدنيا زملاء وشركاء في تجارة، ذكر الله تعالى قصتهما في سورة الصافات، ونقل ابن كثير قصتهم في التفسير، وملخص القصة: أنه كان هناك رجلان مؤمن وكافر، وكانا شريكين في تجارة، وكان المؤمن يشتغل دائماً بالآخرة، ويعطي الدنيا جزءاً يسيراً من الاهتمام، وكان الكافر معرضاً عن الآخرة ويعطي الدنيا كل الاهتمام، ليله ونهاره مع التجارة ولكن ذاك إذا جاء وقت الصلاة ترك تجارته وذهب. ولكن هذا الكافر ما أعجبه هذا وقال له: أنا أتعب، وأنا الذي أثمن المال، وأنا الذي أنميه وأحرص على زيادته، وأنت على الهامش، إما أن تشتغل مثلي وإلا نتقاسم، قال: نتقاسم، فحصرا المال فوجداه ثمانية آلاف دينار، فاقتسما المال وأخذ كل واحد أربعة آلاف دينار، أخذ هذا المؤمن ماله وكنزه، وأخذ هذا الكافر ماله وبدأ يستغله. لكن كيف استغله؟ اشترى مزرعة كبيرة طويلة عريضة بألف دينار، ثم بعد ذلك حفر فيها الآبار، وشق فيها التراب، واشترى بألف ثانية عبيداً وخدماً يخدمونه ويعملون فيها، واشترى بالألف الثالث قصراً من أعظم القصور في الدنيا، والألف الرابعة تزوج بها زوجة من أجمل نساء الدنيا، وتمت له النعمة، مزرعة عظيمة، وخدم يخدمون فيها، وقصر عظيم وزوجة جميلة، ماذا يريد بعد ذلك؟ ثم لقي صاحبه بعد أيام قال له: ماذا صنعت بالمال؟ قال: لم أصنع به شيئاً، قال: أنا أعلم أنك ستضيع المال، قال: أنت ماذا صنعت به؟ قال: اشتريت مزرعة وبنيت فيها قصراً وتزوجت زوجة، فقال له: حسناً ما صنعت، وجاء الليل فقام هذا المؤمن يصلي وقال: اللهم إن شريكي فلاناً اشترى مزرعة في الدنيا يموت ويتركها، واشترى عبيداً يموت ويتركونه أو يموتوا ويتركونه، وبنى قصراً يموت ويخرج منه، وتزوج بزوجة جميلة يموت ويتركها أو تموت وتتركه، اللهم إني أشتري عندك حديقة في الجنة، وأشتري عندك خدماً في الجنة، وأشتري عندك بيتاً في الجنة، وأخطب عندك حوراء في الجنة بأربعة آلاف دينار، وقام في الصباح وأخذ المال ودفع الثمن مقدماً، ووزعه على عباد الله، ولم يبق معه شيء. والله ابتلاه وزاد له في الاختبار، فظل فقيراً مدة من الزمان حتى إنه آوته الحاجة إلى أن يتسول فلم يجد أحداً يعطيه، وتذكر وقد كاد يموت من الجوع صديقه ذاك فقال: أذهب إليه لعلي أجد عنده حاجتي، فذهب إليه ووقف بالباب، فلما رآه الخدم والعبيد طردوه، قالوا له: انصرف لا يخرج سيدنا ويراك فيعاقبنا، أنت بمنظرك هذا وبثيابك البالية والمقطعة تشوه منظر القصر، قال: قولوا لسيدكم فلان يريدك، قالوا: أنت تعرف سيدنا؟ قال: نعم أنا أعرفه ويعرفني، فذهب واحد من الخدم وقال له: يوجد شخص فقير في الباب يقول إنك تعرفه ويعرفك اسمه فلان، فالرجل تذكره ونزل إليه، فلما رآه بهذه الحالة وسلم عليه، قال له: أسألك بالله أين مالك الذي كان معك؟ قال: أقرضته قال: ومن أقرضته، من الذي يقرض حقه؟ قال: أقرضته المليء الوفي، المليء الذي لا يضيعه، والوفي الذي يرد رداً عظيماً، قال: من؟ قال: ربي، فنزع يده منه وضربه وقال له: اذهب إليه، فرجع منكس الرأس من الذل، فأعطاه الله ما أقرضه، وأدخله الجنة التي قد اشترى منه فيها، وذلك أدخله الله تعالى في السجن؛ لأنه ليس معه شيء فحبسه الله في سجن الآخرة. فيخبر الله يوم القيامة في سورة الصافات أن المؤمن هذا يتحدث عن رفيقه هذا، قال : ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ [الصافات:٥٠ - ٥١] أي: من أهل الجنة ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات:٥١] رفيق صاحب زميل شريك ﴿يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات:٥٢ - ٥٣] يقول لزملائه: كان لي صديق يقول: أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً سنبعث وندان ونحاسب ﴿أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات:٥٣] وبينما هم في الكلام يخاطب زملاءه، وإذا بخطاب يأتيهم قال: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات:٥٤] تريدون أن تروه، هو موجود، ولكن ليس في هذه الدار هو في الدار الثانية، ما أعجز الله، وما أفلت هو مقبوض عليه ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ﴾ [الصافات:٥٤ - ٥٥] يعني: من أعلى ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٥] رآه وهو كالفحمة يتقلب في النار، لم ينفعه القصر ولا الزوجة ولا المزرعة ولا العبيد، هل نفعه شيء من هذا النعيم؟ لا. الآن الدنيا هذه مثل البطن، تشبعه أول وجبة، الآن نحن كم قد أكلنا وكم تغذينا، مرات ومرات، وكذلك إذا مات الإنسان ولو تنعم بكل نعيم، ولو تزوج بكل جميلة، ولو ملك كل ريال، ودخل القبر ورأى حفرة من حفر النار والله ما يبقى من نعيم الدنيا شيء. ولكن لو تعذب في الدنيا بكل عذاب، وتعب بكل تعب، ومات ووجد القبر روضة من رياض الجنة والله ما بقي معه من ذاك التعب شيء ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٤ - ٥٥] فكلمه: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٦] أي: إن كدت لتهلكني بموقفك ذاك، وردك عليَّ، وطردك لي ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ [الصافات:٥٧] أنه ثبتني على الإيمان ﴿لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧] ثم يلتفت إلى إخوانه في الجنة ويقول: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات:٥٨] لم يعد يوجد موت ﴿إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى﴾ [الصافات:٥٩] أي: الموتة التي أخذناها في الدنيا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصافات:٥٩ - ٦٠]. والله هذا هو الفوز العظيم ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] لمثل هذا المصير فليجتهد المجتهدون، وليشمر المشمرون، وبعض الناس إذا مكث في العسكرية أو ذهب إلى الغربة سنين، ثم جاء بأموال واشترى مزرعة وبنى قصراً وتزوج قالوا: والله فلان حليم؛ لأن معه مالاً، ولو جاء وعليه دين وهو مؤمن ويتقي الله ويعلم الناس الدين، قالوا: والله هذا وضيع، تغرب وجاء بكتاب، فلا إله إلا الله! والله! إن الرجل الحقيقي هو الذي يأتي بدين الله، الرجل الحقيقي هو الذي أثنى الله تعالى عليه بالرجولة وقال: ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ [التوبة:١٠٨] يعني: في المسجد ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٨] وقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧] الرجولة الحقة في دين الله، ليس الرجل من يجمع المال ويضيع الدين، ولكن الرجل من يجمع الدين، فإذا جمع الدنيا مع الدين فشيء طيب: ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا لا بارك الله في دنيا بلا دين فهذا يقول: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] ثم يقول الله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً﴾ [الصافات:٦٢] يعني: هذه الجنة العالية خير نزلاً ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات:٦٢] يسأل العقول يقول: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات:٦٢]؟ لا يوجد شك أن الجنة أفضل من شجرة الزقوم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٤] وتخيلوا شجرة تنبت في النار كيف تكون؟ معلوم أن الإحراق ضد الشجر، فلا يوجد شجر ضد النار إلا شجر النار ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا﴾ [الصافات:٦٤ - ٦٥] يعني: ثمرتها ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات:٦٥ - ٦٦] أي: يأكلون من ثمرها الطالع من النار. ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات:٦٧] والشوب: هو الماء الذي يتجمع مع غليان الماء، الماء إذا غلى يتجمع ويصعد منه شوب إلى أعلى، هذا هو أحر شيء في الماء، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾ [الصافات:٦٧ - ٦٨] المرد إلى أين؟ ﴿لإٍلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٨] لماذا؟ قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ * وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الصافات:٦٩ - ٧٣]. وهذا مشهد من مشاهد يوم القيامة، ولا أظن أحداً يريد أن يدخل في هذه الدار ما من أحد يريد أن يدخل النار! والنبي ﷺ يقول: (
следующие страницы →