← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

حديث جبريل والإيمان بالبعث وفي حديث جبريل الصحيح، الذي جاء يعلم فيه الصحابة أمور دينهم حينما كانوا جالسين كما يروي عمر قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه من القوم أحد) وكان السفر في الماضي ليس كالآن، يجلس في الطائرة كأنه في البيت، لا بل يأتي من السفر أغبر جائع أشعث تعبان يقطع الطريق ويمضي فيها شهوراً، فهذا جاء من سفر ولكن ثيابه نظيفة وليست مغبرة، وشعره غاية في السواد، وثوبه أبيض جداً وليس أشعث، وما عليه أثر سفر ولا يعرفه أحد من الصحابة، فمن أين أتى هذا؟ ليس بمسافر ولا من المعروفين من الناس! نعم. جاء من السماء. (فجلس أمام النبي ﷺ فقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال صدقت، قال الصحابة: فعجبنا له يسأله ويصدقه!) معناه أنه أعلم منه، حين تسأل شخصاً ويجيب، فتقول: صدقت! فمعناه: أنك تعلم الجواب، فسؤاله ليس سؤال المستفهم بل سؤال المؤكد والمعلم. (قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره من الله، قال صدقت، ثم قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: صدقت، ثم قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال ﷺ : ما المسئول عنها بأعلم من السائل) يقول: أنا والله ما أعلمها أكثر منك، إن كان هناك علم عنها فهو عندك؛ لأنك أتيت ومعك علم من السماء. فما المسئول عن الساعة بأعلم من السائل، فهذا سؤال ولكن السائل والمسئول لا يعلمان عنها شيئاً، يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأعراف:١٨٧] فعنده علم الساعة، لا يعلمها ملك في السماء ولا نبي في الأرض، وإنما اختص الله نفسه بعلم الساعة. قال: (فأخبرني عن أماراتها) أي: أعطني دلالات أو إشارات تدل على قرب وقوعها، فأخبره عن بعض أماراتها، قال: (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان) وقد حصل في هذا الزمان، فالذين كانوا يسكنون في القفار والصحاري والربع الخالي وفي البادية ما كانوا يعرفون المدنية كانوا يبنون بيوت الشعر، فإذا انقطع المطر في أرض ذهبوا إلى أرض أخرى، فأصبح لديهم فلل وعمارات، قال: وأن ترى العالة أي: الفقراء، الحفاة أي: الذين لا يعرفون الأحذية، العراة: الذين ما معهم ملابس يلبسونها، تراهم يتطاولون في البنيان، كل شخص يقول: عمارتي أحسن من العمارة الثانية، وتنسيق عمارتي أحسن من تنسيق العمارة الثانية، وهذا الحديث فيه ذكر البعث بعد الموت.

стр. 2557

طرق القرآن في إثبات البعث والدعوة إلى الإيمان به المتأمل للقرآن المكي يلحظ التأكيد على قضية الإيمان بالبعث، والمتأمل للقرآن بصفة عامة يلحظ أن القرآن قد عالج قضية الإيمان بالبعث بعد الموت عن طريق ثلاثة أمور: الأمر الأول: القياس العقلي والمنطقي. الأمر الثاني: اليمين والقسم المؤكدة للقضية. الأمر الثالث: عرض صور حية ومشاهد وأحداث تحدث يوم القيامة والله أعلمنا بها قبل أن يكون ذلك اليوم.

стр. 2558

طريقة القياس العقلي والمنطقي فالأمر الأول وهو القياس العقلي المنطقي لأهل العقول الذين يقولون: لا نرضى بالدليل، نريد فقط أدلة عقلية منطقية مثل: (١+١=٢) وإلا فلا نقبل. فنقول: قال الله : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨] فرجل من الكفار جاء بعظم لميت من المقبرة، فحمله إلى النبي ﷺ وفت العظم بين يديه، وقال: يا محمد! تزعم أن ربك بعد أن نكون عظاماً ورفاتاً يبعثنا ويعيدنا؟ فقال ﷺ : (نعم، ويدخلك الله النار) فنزل القرآن يؤيده في نفس اللحظة، فقال الله: ﴿وَضَرَبَ﴾ [يس:٧٨] يعني: هذا الكافر ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨] فضرب بالعظم مثلاً ونسي العظم الذي يحمل العظم، جاء يفت العظم بالعظم المحمول؛ لأن العظم هو الأساس لكل شيء في الإنسان، فالعظم يحيط بالمخ والمخ هو مركز الدماغ، والدماء هل تعلم أين تصنع؟ تصنع داخل نخاع العظم، فهذه الدماء الموجودة فينا، تكسر فينا كريات الدم الحمراء كل مائة وعشرين يوماً، بعد أربعة أشهر كل الدماء التي تلفت تكسر وتذهب مباشرة إلى الطحال، وتقوم العظام بعملية توليد جديد وخلق جديد للدماء، فالعظم الذي يحمل العظم يقول الله فيه: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] قال الله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٩] الذي خلقها أولاً أيعجز أن يخلقها ثانياً؟! لا. فسبحان الله!! ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٠ - ٨٢] الأمر عند الله بين الكاف والنون، لا وسائل ولا إمكانيات، بل كن فيكون، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ﵎، فهذا هو القياس المنطقي الأول. القياس الثاني في سورة مريم: يقول الله : ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً﴾ [مريم:٦٦] يعني أنه يستبعد ذلك، يقول: إذا مت أخرج مرة ثانية حياً؟ ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً﴾ [مريم:٦٦] قال الله تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ [مريم:٦٧] لماذا تنسى أن الله خلقك ولم تكن شيئاً؟! فأنت تعيش منذ ثلاثين سنة، فأين كنت قبل الثلاثين؟ ارجع إلى الوراء قليلاً يا صاحب العضلات والجسم القوي، والبنية المشدودة، ارجع إلى تاريخك قليلاً واذكر كيف كنت؟ كنت أول خلقك نطفة مذرة، خرجت من ذكر أبيك، لو صرفت هذه النطفة لكانت كالبصاق أو كالنخامة، هذا هو أصلك -أيها الإنسان- من ماء مهين، لقد خلق الله الإنسان من ماء حقير، لماذا تتكبر؟ ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم:٦٧ - ٦٨]: هؤلاء المكذبين، الضالين، الشاردين الهاربين: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً﴾ [مريم:٦٨] أي جاثين على ركبهم: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً * وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم:٦٩ - ٧٢] نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم، اللهم اجعلنا منهم وآباءنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا وجميع المسلمين. ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧٢] فهذا المنطق الثاني، إن الله تعالى أولا يذكر الإنسان أنه كان نطفة مذرة، ثم صار علقة، ثم صار مضغة، ثم صار عظاماً، ثم كساه الله لحماً، ثم بعد هذا اللحم أنشأه الله خلقاً آخر، ثم أخرجه، خرج من موضع البول مرتين، الأولى: من ذكر أبيه، والثانية: من فرج أمه. يقول: [يا بن آدم! كيف تتعالى على الله وأولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وفي بطنك تحمل العذرة]. بعض الناس تقول له: صل، فيأبى، ولا يعلم ما بداخله، فلولا أن الله كتمه وما أظهر رائحته والله لما قعد معه أحد، فوالله لا يوجد أخس من الإنسان، وهذا معلوم، فالغائط والبول الذي يخرج من كل الحيوانات لا يشبه بول وغائط الإنسان، فالإنسان حقير بذاته، لكن الله تعالى كرم الإنسان بهذا الدين، وشرفه بهذا الإيمان، فإذا تخلى عن كرامة الله له وتشريفه له فلا كرامة له، ولهذا قال الله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] هذا القياس الثاني المنطقي. والقياس الثالث جاء في سورة الحج: قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ﴾ [الحج:٥] فإذا كان عندكم شك من البعث فتعالوا وخذوا الأدلة، ما من يوم إلا فيه خلق جديد، وفي كل بيت من بيوت المسلمين تجد آل فلان جاءهم ولد، آل فلان جاءتهم بنت، تعال وانظر إلى هذا المولود، من أين جاء؟ من شق بصره؟ من صوره؟ من قدره؟ من ركبه؟ من جعل فيه هذا الاتساق وهذا الخلق وهذه الحكمة العظيمة؟ من ركب له العينين في رأسه؟ من ركب له الأذنين في رأسه؟ من ركب له الرئة رغم أنه في بطن أمه لا يتنفس؟ من أعطاه القدمين رغم أنه لا يستعملها إلا بعد سنة أو سنتين؟ من أعطاه هذه الأجهزة وهذا الخلق وهذا اللسان؟ إنه الله الذي لا إله إلا هو: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٧ - ٨] ويقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٥ - ٧]. انظر إلى هذه الخمس الأخيرة، كل العرض السابق كله لتقرير هذه الخمس الأصول! خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ، ثم يقر في الأرحام ما يشاء، ثم بعد ذلك: يخرجكم طفلاً لتبلغوا أشدكم، ثم تكونوا شيوخاً، ثم بعد ذلك: منكم من يرد إلى أرذل العمر، أي يبقى إلى أن يشيخ كلياً. ومنكم من يتوفى، وبعد ذلك: ﴿تَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً﴾ [الحج:٥] وهذا هو الدليل على الإحياء، وهو أن الأرض الهامدة الجامدة إذا أنزل الله عليها الماء اخضرت واهتزت وربت وأنبتت ألواناً بهيجة: ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥]. ثم قال الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٦ - ٧]. هذه ثلاث آيات دلت بالمنطق والعقل على قدرة الله على الإحياء بعد الموت.

стр. 2559

طريقة التوكيد بالقسم الأمر الثاني من أمور علاج الإيمان بالعبث: العلاج باليمين والقسم المؤكد: قال في سورة التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي﴾ [التغابن:٧] فلم يقسم الله ﵎ ولم يأمر نبيه بأن يقسم به في القرآن إلا في ثلاثة أماكن وعلى البعث فقط، هذه واحدة، قال الله: قل يا محمد: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧] إذا كان يصعب عليكم -لأنكم ضعفاء- أن تخلقوا ذباباً فليس عسيراً على الله؛ لأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. ولقد تساءلوا وقالوا: كيف يعيد الأولين والآخرين؟ قال الكفار: يمكن أن يعيدنا نحن، ولكن أولئك الذين من القدم من عاد ونوح وآدم كيف يبعثهم الله؟ قال الله : ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨] فما خلقكم ولا بعثكم كلكم من أولكم إلى آخركم إلا كنفس واحدة، وقال : ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧] يعني: أن السماوات وما أعد الله بها من العجائب، والأرض وما خلق الله بها من العجائب، أكبر من خلق الناس ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧]. فالله تعالى يقول في هذه الآية: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧]. والقسم الثاني: قال : ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ [يونس:٥٣] يسألونك أحق هو؟ أي: هل البعث بعد الموت حق؟ قال: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس:٥٣] أي: البعث من بعد الموت ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس:٥٣]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ:٣]. وفي سورة الذاريات يقول الله : ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات:٢٣] أي: البعث بعد الموت ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣] مثل ما أنك تتكلم حقاً ولا تنكر أنك تتكلم، فوالله إن البعث بعد الموت كذلك بقسم من الرسول ﷺ قال الله: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣] هذا الأسلوب أو الأمر الثاني من أمور علاج العقيدة وتأصيلها في الإيمان بالبعث من بعد الموت.

стр. 2560

طريقة عرض مشاهد من يوم القيامة أما الأمر الثالث: فهو عرض أحداث ومشاهد وأشياء تحدث في القيامة لا نعرفها نحن، ولكن الله من رحمته بنا نقل لنا صوراً حية من أجل أن نعتبر ونتوب، ونكون ممن يعيش هذه الأحداث، ولا نتأسف حين لا ينفع الأسف، نذكر لكم ثلاثة أحداث، أو ثلاث قضايا ومشاهد: مشهد بين مصدق الجنة ومكذب النار: المشهد الأول: مشهد حوار بين رجلين، رجل مصدق من أهل الجنة ورجل مكذب من أهل النار، وكانا في الدنيا زملاء وشركاء في تجارة، ذكر الله تعالى قصتهما في سورة الصافات، ونقل ابن كثير قصتهم في التفسير، وملخص القصة: أنه كان هناك رجلان مؤمن وكافر، وكانا شريكين في تجارة، وكان المؤمن يشتغل دائماً بالآخرة، ويعطي الدنيا جزءاً يسيراً من الاهتمام، وكان الكافر معرضاً عن الآخرة ويعطي الدنيا كل الاهتمام، ليله ونهاره مع التجارة ولكن ذاك إذا جاء وقت الصلاة ترك تجارته وذهب. ولكن هذا الكافر ما أعجبه هذا وقال له: أنا أتعب، وأنا الذي أثمن المال، وأنا الذي أنميه وأحرص على زيادته، وأنت على الهامش، إما أن تشتغل مثلي وإلا نتقاسم، قال: نتقاسم، فحصرا المال فوجداه ثمانية آلاف دينار، فاقتسما المال وأخذ كل واحد أربعة آلاف دينار، أخذ هذا المؤمن ماله وكنزه، وأخذ هذا الكافر ماله وبدأ يستغله. لكن كيف استغله؟ اشترى مزرعة كبيرة طويلة عريضة بألف دينار، ثم بعد ذلك حفر فيها الآبار، وشق فيها التراب، واشترى بألف ثانية عبيداً وخدماً يخدمونه ويعملون فيها، واشترى بالألف الثالث قصراً من أعظم القصور في الدنيا، والألف الرابعة تزوج بها زوجة من أجمل نساء الدنيا، وتمت له النعمة، مزرعة عظيمة، وخدم يخدمون فيها، وقصر عظيم وزوجة جميلة، ماذا يريد بعد ذلك؟ ثم لقي صاحبه بعد أيام قال له: ماذا صنعت بالمال؟ قال: لم أصنع به شيئاً، قال: أنا أعلم أنك ستضيع المال، قال: أنت ماذا صنعت به؟ قال: اشتريت مزرعة وبنيت فيها قصراً وتزوجت زوجة، فقال له: حسناً ما صنعت، وجاء الليل فقام هذا المؤمن يصلي وقال: اللهم إن شريكي فلاناً اشترى مزرعة في الدنيا يموت ويتركها، واشترى عبيداً يموت ويتركونه أو يموتوا ويتركونه، وبنى قصراً يموت ويخرج منه، وتزوج بزوجة جميلة يموت ويتركها أو تموت وتتركه، اللهم إني أشتري عندك حديقة في الجنة، وأشتري عندك خدماً في الجنة، وأشتري عندك بيتاً في الجنة، وأخطب عندك حوراء في الجنة بأربعة آلاف دينار، وقام في الصباح وأخذ المال ودفع الثمن مقدماً، ووزعه على عباد الله، ولم يبق معه شيء. والله ابتلاه وزاد له في الاختبار، فظل فقيراً مدة من الزمان حتى إنه آوته الحاجة إلى أن يتسول فلم يجد أحداً يعطيه، وتذكر وقد كاد يموت من الجوع صديقه ذاك فقال: أذهب إليه لعلي أجد عنده حاجتي، فذهب إليه ووقف بالباب، فلما رآه الخدم والعبيد طردوه، قالوا له: انصرف لا يخرج سيدنا ويراك فيعاقبنا، أنت بمنظرك هذا وبثيابك البالية والمقطعة تشوه منظر القصر، قال: قولوا لسيدكم فلان يريدك، قالوا: أنت تعرف سيدنا؟ قال: نعم أنا أعرفه ويعرفني، فذهب واحد من الخدم وقال له: يوجد شخص فقير في الباب يقول إنك تعرفه ويعرفك اسمه فلان، فالرجل تذكره ونزل إليه، فلما رآه بهذه الحالة وسلم عليه، قال له: أسألك بالله أين مالك الذي كان معك؟ قال: أقرضته قال: ومن أقرضته، من الذي يقرض حقه؟ قال: أقرضته المليء الوفي، المليء الذي لا يضيعه، والوفي الذي يرد رداً عظيماً، قال: من؟ قال: ربي، فنزع يده منه وضربه وقال له: اذهب إليه، فرجع منكس الرأس من الذل، فأعطاه الله ما أقرضه، وأدخله الجنة التي قد اشترى منه فيها، وذلك أدخله الله تعالى في السجن؛ لأنه ليس معه شيء فحبسه الله في سجن الآخرة. فيخبر الله يوم القيامة في سورة الصافات أن المؤمن هذا يتحدث عن رفيقه هذا، قال : ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ [الصافات:٥٠ - ٥١] أي: من أهل الجنة ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات:٥١] رفيق صاحب زميل شريك ﴿يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات:٥٢ - ٥٣] يقول لزملائه: كان لي صديق يقول: أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً سنبعث وندان ونحاسب ﴿أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات:٥٣] وبينما هم في الكلام يخاطب زملاءه، وإذا بخطاب يأتيهم قال: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات:٥٤] تريدون أن تروه، هو موجود، ولكن ليس في هذه الدار هو في الدار الثانية، ما أعجز الله، وما أفلت هو مقبوض عليه ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ﴾ [الصافات:٥٤ - ٥٥] يعني: من أعلى ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٥] رآه وهو كالفحمة يتقلب في النار، لم ينفعه القصر ولا الزوجة ولا المزرعة ولا العبيد، هل نفعه شيء من هذا النعيم؟ لا. الآن الدنيا هذه مثل البطن، تشبعه أول وجبة، الآن نحن كم قد أكلنا وكم تغذينا، مرات ومرات، وكذلك إذا مات الإنسان ولو تنعم بكل نعيم، ولو تزوج بكل جميلة، ولو ملك كل ريال، ودخل القبر ورأى حفرة من حفر النار والله ما يبقى من نعيم الدنيا شيء. ولكن لو تعذب في الدنيا بكل عذاب، وتعب بكل تعب، ومات ووجد القبر روضة من رياض الجنة والله ما بقي معه من ذاك التعب شيء ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٤ - ٥٥] فكلمه: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٦] أي: إن كدت لتهلكني بموقفك ذاك، وردك عليَّ، وطردك لي ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ [الصافات:٥٧] أنه ثبتني على الإيمان ﴿لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧] ثم يلتفت إلى إخوانه في الجنة ويقول: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات:٥٨] لم يعد يوجد موت ﴿إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى﴾ [الصافات:٥٩] أي: الموتة التي أخذناها في الدنيا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصافات:٥٩ - ٦٠]. والله هذا هو الفوز العظيم ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] لمثل هذا المصير فليجتهد المجتهدون، وليشمر المشمرون، وبعض الناس إذا مكث في العسكرية أو ذهب إلى الغربة سنين، ثم جاء بأموال واشترى مزرعة وبنى قصراً وتزوج قالوا: والله فلان حليم؛ لأن معه مالاً، ولو جاء وعليه دين وهو مؤمن ويتقي الله ويعلم الناس الدين، قالوا: والله هذا وضيع، تغرب وجاء بكتاب، فلا إله إلا الله! والله! إن الرجل الحقيقي هو الذي يأتي بدين الله، الرجل الحقيقي هو الذي أثنى الله تعالى عليه بالرجولة وقال: ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ [التوبة:١٠٨] يعني: في المسجد ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٨] وقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧] الرجولة الحقة في دين الله، ليس الرجل من يجمع المال ويضيع الدين، ولكن الرجل من يجمع الدين، فإذا جمع الدنيا مع الدين فشيء طيب: ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا لا بارك الله في دنيا بلا دين فهذا يقول: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] ثم يقول الله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً﴾ [الصافات:٦٢] يعني: هذه الجنة العالية خير نزلاً ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات:٦٢] يسأل العقول يقول: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات:٦٢]؟ لا يوجد شك أن الجنة أفضل من شجرة الزقوم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٤] وتخيلوا شجرة تنبت في النار كيف تكون؟ معلوم أن الإحراق ضد الشجر، فلا يوجد شجر ضد النار إلا شجر النار ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا﴾ [الصافات:٦٤ - ٦٥] يعني: ثمرتها ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات:٦٥ - ٦٦] أي: يأكلون من ثمرها الطالع من النار. ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات:٦٧] والشوب: هو الماء الذي يتجمع مع غليان الماء، الماء إذا غلى يتجمع ويصعد منه شوب إلى أعلى، هذا هو أحر شيء في الماء، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾ [الصافات:٦٧ - ٦٨] المرد إلى أين؟ ﴿لإٍلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٨] لماذا؟ قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ * وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الصافات:٦٩ - ٧٣]. وهذا مشهد من مشاهد يوم القيامة، ولا أظن أحداً يريد أن يدخل في هذه الدار ما من أحد يريد أن يدخل النار! والنبي ﷺ يقول: (

стр. 2561

الأسباب المؤدية إلى تقوية الإيمان بالبعث فأنا أؤكد وأؤصل قضية الإيمان بالبعث بما لا مزيد على ما قلت، وإنما بما يقيم لنا دليلاً على أننا مؤمنون بالبعث وهو شيء واحد: الاستجابة لأمر الله والبعد عن معاصي الله، فإذا كان هذا الأمر بأيدينا وفي أنفسنا وفي جميع حركاتنا، وأننا مسارعون إلى طاعة الله ومبتعدون عن معصية الله، فلنعلم أننا مؤمنون بالبعث، وننتظر الجزاء من الله إن شاء الله. وإن كانت الأخرى، فلا يوجد استجابة لأمر الله، ويوجد حب لمعصية الله، فالإيمان بالبعث عندنا ضعيف، وعلينا أن نقويه، وتقوية الإيمان بالبعث يكون بستة أمور: الأمر الأول: تلاوة كتاب الله مع التدبر. الأمر الثاني: تلاوة حديث رسول الله يومياً -حديث واحد- مع التدبر. الأمر الثالث: اختيار الرفيق الصالح، فلا بد أن تختار رفيقاً مؤمناً تجلس معه، وتتقوّى به. الأمر الرابع: الابتعاد عن الرفيق السيء، إذا وجدت شيطاناً رجيماً يدعوك إلى معصية الله، وينهاك عن طاعة الله، فأعرض عنه وفرّ منه؛ لأنه مصاب في دينه، أنت لو جئت إلى شخص مصاب بـ (الكوليرا) أو السرطان أو الطاعون، أتجلس معه؟ أم تهرب منه؟ فهذا والله أخطر منه، وهذا عنده طاعون في دينه و (كوليرا) في عقيدته، وسرطان في دينه، كيف تجلس معه وهو يقول لك: لا تصل؟! تمر معه بجانب المسجد والمؤذن يؤذن، فتقول له: هيا نصلِّ، فيقول لك: يا شيخ أتريد أن تصلي وأنت صغير، فيما بعد إذا كبرنا نصلي، دعنا نستمتع بالحياة، هذا شيطان رجيم اتركه -والعياذ بالله- وابتعد عن قرناء السوء. الأمر الخامس: أن تحرص على طاعة الله وتسارع إليها. الأمر السادس: أن تبتعد عن معصية الله. هذه ست وسائل لتقوية الإيمان. أسأل الله تعالى أن يقوي إيماننا وإيمانكم، وأن يوفقنا وإياكم إلى كل خير. اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم اجعل ما قلنا وما سمعنا حجة لنا لا حجة علينا، اللهم انفعنا بما قلنا، وانفعنا بما سمعنا، واجعل ما علمتنا يا رب العالمين حجة لنا ينفعنا بين يديك يوم القيامة، اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا أرحم الراحمين. اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا غيث الإيمان في قلوبنا، واسقنا غيث المطر في بلادنا وأوطاننا برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 2562

الأسئلة

стр. 2563

النوم واليقظة دليلان من أدلة البعث العقلية السؤال ظاهرة النوم واليقظة أليست دليلاً من أدلة البعث؟ الجواب أولاً: لم أقل إنني سوف أتكلم عن كل أدلة البعث، وإنما قلت سآتي بنماذج فقط، وإلا فالقرآن من أوله إلى آخره مملوء بأدلة البعث، ولو كان هناك مجال لاستشهدت بجزء واحد في القرآن وهو جزء (عم) من أول سورة عم إلى آخر سورة الناس، ما من سورة من هذه السور إلا وفيها دليل على البعث، وقس عليها بقية سور القرآن. فظاهرة النوم -لا شك- ظاهرة مادية محسوسة، وهي دليل مادي محسوس من أدلة البعث، قال ﵊: (والذي نفسي بيده لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتسألن عما كنتم تعملون) والله تعالى يقول في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم:٢٣] فالنوم آية من الآيات الدالة على الله والبعث وكل القضايا الإيمانية، لماذا؟ يقول الله : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر:٤٢] فالآن هناك ميتتان: ميتة كبرى وهي الميتة المعروفة، وميتة صغرى وهي النوم المعروف، قال : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾ [الزمر:٤٢] يعني: يتوفاها -أيضاً- ﴿فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى﴾ [الزمر:٤٢] يعني: التي في النوم ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر:٤٢] فالنوم هو جزء من الموت، ولهذا ترى الإنسان الآن ينام على فراش وبجواره إنسان آخر ينام على فراش آخر، ويرى هذا رؤيا حسنة ويرى هذا رؤيا سيئة، فيتنعم هذا بالرؤيا الحسنة، ويتعذب هذا بالرؤيا السيئة، وأجسادهم ما بها شيء، وجسم هذا الذي تنعم ما أصابه نعيم، وجسم هذا الذي تعذب ما أصابه عذاب، لكن يستيقظ هذا من الحلم الجميل قائلاً: ما أجمل هذه الرؤيا، رأى أنه تزوج، فيقول: يا ليتكم لم توقظوني من هذا الحلم، بينما ذاك رأى أنه وآخر يتطاعنان وذاك يطعنه فيستيقظ قائلاً: ما ذاك الحلم، فيقال: ما بك؟ قال: واحد يطعني في جنبي! نعم فمن الذي زوج هذا، ومن الذي طعن هذا؟ الأجسام ما بها شيء، جسم هذا على الفراش وجسم هذا على الفراش، فروح هذا تنعمت فتنعم الجسد، وروح هذا تعذبت فتعذب الجسد، فالنوم دليل من أدلة البعث.

стр. 2564

حكم الاستخارة لأداء الطاعات السؤال هل يجوز الاستخارة لأداء الحج النافلة؟ الجواب لا يا أخي المسلم، الاستخارة إذا ما أردت أن تعمل عملاً دنيوياً: تتزوج، تبني، تشتري سيارة، تسافر، أمر من الأمور المباح، فلا بد لك أن تستخير؛ لأنك لا تعلم ما هو الخير فيه، وكأنك ستشتري هذه السيارة والله قد قدر عليك الموت بهذه السيارة، أو أن تتزوج بهذه المرأة وهي سبب هلاكك في الدنيا والآخرة، فإذا هممت بأمر فصل ركعتين، ثم إذا أكملت الركعتين، فقبل أن تسلم أو بعد السلام -وردت الصفتان- ولكن شيخ الإسلام يرجح أنه قبل السلام، فيقول: "اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر على ما لا أقدر، اللهم إن كنت تعلم أن في هذا الأمر -ويسميه، وليكن مثلاً شراء سيارة- أن في شراء هذه السيارة خيراً لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وآجله فأقدره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن في شراء هذه السيارة شراً لي في ديني أو دنياي أو عاجل أمري وآجله؛ فاصرفه عني واصرفني عنه، واكتب لي الخير حيث شئت، ثم رضني به". فإذا عملت هذا الأمر فإذا يسر الله لك شراء السيارة فاعلم أن شراءها خير لك، وإن صرف عنك شراءها فاعلم أن الله صرف عنك شراءها، وهذا في الأمور العادية. أما في الطاعات والعمل الصالح فلا يوجد فيه استخارة، فحين تريد أن تصلي تقول: سوف أستخير الله أصلي أو لا أصلي، لا. حين تريد أن تحج، تقول: سوف أستخير الله وتقول: "اللهم إن كان الحج خيراً لي"، معلوم أن الحج خير لك؛ لأن (من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) ولأن (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) كما قال رسول الله ﷺ ، فإذا أردت أن تحج سواءً أكان فرضاً أو نافلة، أو تتصدق، أو تصوم، أو تصلي، أو تعمل أي عمل من أعمال الخير فتسارع إليه من دون استخارة. شخص يريد أن يزني، فهل يستخير الله؟ الأعمال المحرمة لا استخارة فيها، والأعمال المشروعة لا استخارة فيها، وإنما الاستخارة في الأمور العادية المعتادة من أمور دنياك، التي لا تعلم أفيها خير أو شر، فتستخير الله، وكان الصحابة يستخيرون الله حتى في شراك النعل، إذا قطعت حذاؤه، وما كان معهم أحذية مثلنا الآن، فبعضهم تجده رابطاً بين أصابعه شراكاً (سيراً) وقطعة من الجلد من تحت فحسب، وبعضهم يحملها على عصاه ويمشي حافياً؛ لأنها مقطوعة! والواحد اليوم معه عشرون حذاء وهذا من نعم الله علينا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فلا استخارة في هذا وإنما عليك أن تباشر العمل الصالح.

стр. 2565

حكم سؤال الله الجنة ثمان مرات بعد المغرب والفجر السؤال هل ثبت أن المسلم يسأل الجنة ثمان مرات بعد الفجر والمغرب أم لا؟ الجواب لا. لم يثبت، الذي ثبت والحديث في سنن الترمذي أن رسول الله ﷺ قال: (من قال عقب صلاة الفجر وعقب صلاة المغرب سبع مرات: اللهم أجرني من النار، قالت النار: اللهم أجره مني، قال الله: قد أجرته منك) وهذا الذي ثبت، وهو في سنن الترمذي وهو صحيح، فعلى المسلم أن يحافظ عليها بعد الفجر بعد أن يكمل أذكار الفجر، وقبل أن ينصرف من مجلسه يقول: اللهم أجرني من النار سبع مرات، وفي المغرب مثلها، وتصور أنك تدعو الله كل يوم أربع عشرة مرة، الله كريم ما يردك إن شاء الله، أجارنا الله وإياكم من النار.

стр. 2566

حكم الصلاة في ثياب النوم، واستخدام مكبرات الصوت في الزواج السؤال ما رأي فضيلتكم بالصلاة وخاصة الفجر في ثياب النوم، وما رأيكم بمكبرات الصوت في الزواج وخاصة عند الرجال؟ الجواب أما صلاة الفجر في لباس النوم، فالله يقول: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] نسأل صاحب لباس النوم، هل يذهب إلى العمل بلباس النوم؟ نتحداه أن يذهب، هل يقابل الأمير بلباس النوم؟ والله ما يستطيع إلا لو كان مكتفاً يُذهَب به غصباً عنه، ماذا يقول له الأمير؟ يقول: كيف تأتي لتسلم علينا بلباس النوم. فكيف تقابل ربك في بيت الله بلباس النوم؟! إن سألت عن صحة الصلاة فالصلاة صحيحة إن شاء الله إذا كانت الثياب طاهرة، إذا لم يكن لباس النوم فيه نجاسة فالصلاة صحيحة وليست باطلة، ولكنها مخالفة للأدب الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١] لم يقل: عند كل محفل، أو مطرب، أو مجلس، لا بل عند كل مسجد. أما مكبرات الصوت في الزواج فهي مصيبة من مصيبات هذا الزمان، خاصة إذا أخذوا مكبرات المسجد، وقد سمعت أنه في بعض القرى يستعملون مكبرات المسجد ويغنون بها طوال الليل ثم يردونها ويصلون بها صلاة الفجر، فلا إله إلا الله!! يا إخواني: زواج السنة يشعر ويعلم عنه بالوليمة وبضرب الدف للنساء بشرط: ألا يرافق ذلك رفع الصوت حتى يسمعه الرجال، وألا تضربه حرة، والدف هو إطار مثل المنخل عليه جلد ثور أو جلد جمل، وتأتي أمة -ليست بحرة- وتضرب عليه فقط، فإن سئلت: ماذا بك؟ تقول: زواج في بيت فلان. أما أن تستعمل المعازف وترتفع أصوات النساء وهي أصوات تبعث على الحب والغرام والعشق والهيام، ويقولون: إن هذا من السنة. والله ما هذا من السنة، السنة غير هذا -يا عباد الله- المرأة صوتها عورة حتى في التلبية والتسبيح، فلو أن عندنا في هذا المسجد نساء يصلين في طرف هذا المسجد وأخطأ الإمام أو غلط الإمام ماذا يحصل؟ قال: "سبح رجل وصفقت امرأة"، المرأة وهي في المسجد لا تسبح، فكيف تصفق؟ قالوا: تصفق بظهر كفها، ما تصفق ببطن كفها، لأن كفها رطب، وهذا الصوت يحدث فتنة في قلب الرجل، بل تصفق بظهر كفها، هذا الجاف الناشف؛ لأن الله قال: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]. إذا جاء أي واحد يطرق باب بيتك وزوجتك موجودة، وقال: هل فلان في البيت، فيجب أن يكون جواب زوجتك بصوت جاف، فتقول: لا. لكن أن يأتي فيسأل فتقول هي: لا. والله ليس بموجود، وإن شئت تفضل، فيأتي إليه الشيطان ويقول: هذه ممتازة، اسمع الصوت انظر العسل، ولهذا قال الله: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب:٣٢] يعني: لا ترقق المرأة صوتها، لماذا؟ ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [الأحزاب:٣٢] يعني: إذا قالت قولاً معروفاً قوياً انتهى الرجل، ولكن إذا رققت صوتها فتن بها. يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحياناً أما تجمع الرجال وخروجهم في مناسبات الزواج، يتجمعون من كل قرية، حيث كانوا في السابق يأتون من كل قرية وجبل، لكن الآن يركب السيارة من قرية إلى قرية، ويلبس الجنبية المذهبة والسيف المذهب، ويأتي يرفع صوته من العشاء إلى الفجر بالكلام المبتذل، والنساء فوق السطوح يتسمعن، ثم نقول: نريد مطراً من السماء، والله -يا إخواني- لو تنزل علينا حجارة من السماء ما كنا نستبعدها؛ لأن الله تعالى يقول -كما في الحديث القدسي-: (إني أنا والجن والإنس لفي خبر عظيم، أخلقهم ويعبدون غيري، أرزقهم ويشكرون سواي، خيري إليهم نازل وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بالنعم ويبتغضون إلي بالمعاصي). فيا إخوان: نحن في نعم، فينبغي علينا أن نشكرها ونحمد الله عليها، أما إذا لم نشكرها وقمنا نستعملها في معصية الله، مثل ما يحدث في هذه المناسبات، فهذا والله شيء ينذر بعذاب من الله ﵎، فاتقوا الله في أنفسكم، فلا تنبغي المكبرات ولا السهر، الزواج إنما هو ستر وما هو بفضيحة، الزواج ستر فاستر ابنتك أو ولدك وأولم بشاة، بشاتين، بثلاث، بقدر عدد الضيوف، ولا تتكلف، ولا تتعب نفسك -يا أخي- لماذا السرادقات؟ والكراسي؟ وبعد العرس تبقى أياماً تهدم الخيام، وترفع الكراسي، ولا حول ولا قوة إلا بالله. زوج ابنتك الزواج السني زواج الإسلام، بوليمة متواضعة، بقدر معين من الرجال وبقدر معين من الذبائح، وينتهي الأمر، وفرت مالك وأرحت نفسك ودينك، وأرضيت ربك، لكن البعض يبقى لهذا العرس من قبل أسبوعين يجهز، ويبقى بعدها أسبوعين أو يزيد وهو يعاني من هذه المشاكل، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

стр. 2567

ضرورة التزام الحجاب عند الأقارب من غير المحارم السؤال أكثر الناس لا يعترفون بالحجاب أي: أن بعض الناس يأكل ويشرب مع زوجة أخيه كأنها أخته أو بنته؟ الجواب أمر الحجاب في القرآن مثل أمر الصلاة، ما رأيكم في شخص قلنا له: صلِّ، فقال: لا. الدين في القلوب، أنا أحب ربي، ولكن لن أذهب لأصلي، ما رأيكم في كلام هذا الرجل؟ هو كافر؛ لأنه أنكر آية من كتاب الله، وترك الصلاة كفر. الأمر بالصلاة في القرآن يرافقه الأمر بالحجاب، في آيات عديدة في سورة الأحزاب والنور والنساء: ففي سورة الأحزاب يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب:٥٩] حتى لا يقول شخص: إن الأمر لنساء النبي، فلو أن شخصاً طاهراً شريفاً عفي من هذا الأمر لعفي نساء النبي ﷺ ؛ لأن بعض النساء تقول: أنا قلبي طاهر. حسناً أأنتِ أطهر أم نساء النبي ﷺ ؟ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٩] وليس نساء الفسقة والمجرمين، نساء المؤمنين، ماذا يعملن؟ قال: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٥٩]. وقال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] والجيب على الصدر والنحر، والخمار على الرأس، فتضرب بخمارها على رأسها، يعني: يصل من رأسها إلى جيبها، أي: يمر على وجهها ويغطيه ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ﴾ [النور:٣١] لثمانية أصناف من الرجال والأقارب، وأربعة من غير الأقارب، من هم الأقارب الذين يباح لهن الكشف عليه؟ قال تعالى: ﴿إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] والبعل في الشرع واحد، أما أن تظهر على أبي فلان وأبي علان، وتسلم على هذا وتسلم على يد هذا، هذه المسألة ليست اشتراكية في الأعراض، ولا حول ولا قوة إلا بالله! بعولتهن فقط، بعلها الذي استحلها بكلمة الله. ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أبوها الذي خرجت من صلبه. ﴿أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] يعني: أبو بعلها -عمها- لأنه لا يجوز له أن ينكحها بعد ابنه. ﴿أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ولدها. ﴿أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أي: ولد بعلها من غيرها؛ لأنها عمته، لا يستطيع أن ينكحها من بعد أبيه. ﴿أَوْ إِخْوَانِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أي: أخوها من أمها وأبيها أو من أمها أو من أبيها أو من الرضاع. ﴿أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أي: أبناء أخيها. ﴿أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] أي: أبناء أختها وهي خالتهم، فقط، وليس فيهم أخو الزوج، فلا نأتِ بقرآن جديد، ليس هناك إلا كلام الله. والأربعة الباقين من غير الأقارب هم: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] يعني: المرأة المؤمنة تكشف على المرأة المؤمنة. ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور:٣١] يعني: المرأة التي عندها عبيد تكشف عليهم؛ لأنه ما يكشف عورتها، فهو يخاف منها؛ لأنها سيدته ومولاته. ﴿أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ﴾ [النور:٣١] والتابع هو الذي يتبع الزوج أي: خادم الزوج، الراعي عند الزوج، العامل عند الزوج، السائق عند الزوج، لكن بشرط: أن يكون هذا الراعي أو الخادم أو السائق مخصياً؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ﴾ [النور:٣١] ما معنى غير أولي الإربة؟ يعني مخصياً، لكن إذا كان كمن هم عندنا الآن، فهذا هو الموت، هذا الذي يسمونه (السارق النزاع) يرى كل امرأة، ويدخل كل بيت، وهو أخطر من كل خطير، وكما قال الأول: (حذارك من الديدان والخدم). ﴿أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور:٣١] فالطفل الصغير غير المدرك الذي لا يعرف شيئاً عن عورات النساء يجوز للمرأة أن تكشف عليه، أما الطفل الذكي فلا؛ لأن بعض الأطفال رغم صغره إلا أنه ذكي ترسله إلى بيت من البيوت بسلعة، فيذهب ويلعب بصره في كل شيء في البيت، فيرجع فيُسأل: ماذا رأيت؟ فيقول: ما أكثر ما رأيت في ذلك البيت، فيه ثريات ومعهم صورة، ومعهم ومعهم، فصور الدنيا كلها في لمحة واحدة، وهذا خطير لا ينظر إلى النساء؛ لأنه سينشر عرض النساء في المجالس، أما الطفل الصغير الذي ما يعرف شيئاً، فإن سئل: رأيت شيئاً؟ يقول: لا. فهذا الذي يجوز أن يكشف عليه. ثم قال : ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] يعني: إذا كانت المرأة معها خلخال في رجلها، أو كان معها أساور في يدها، أو عصابة في رقبتها فمشت، فعليها ألا تقلقلها ولا تصلصلها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]. وليس معنى -أيها الإخوة- أن يحجب الإنسان زوجته عن أخيه أو عن قريبه أنه لا يثق فيه، فالثقة شيء وأمر الله شيء آخر، أنا أثق في أخي ثقتي بنفسي، وأثق في زوجتي ثقتي بنفسي، ولكني أحجب زوجتي عن أخي، لماذا؟ لأن الله أمرني بهذا؛ لأن بعضهم يقول: هل أنا خائن كيف لا يأمنني على زوجته؟ نعم. لا آمنك على امرأتي، كل شيء آمنك عليه إلا المحارم؛ لأن المحارم ليس فيها جدال، يقول الشاعر: لا تتركن أحداً بأهلك خالياً لو كان في النساك مثل بُنان أي مثل: ثابت البُناني. إن الرجال الناظرين إلى النسا مثل الكلاب تطوف باللحمان إن لم تصن تلك اللحوم أسودها أكلت بلا عوض ولا أثمان بالله ما رأيكم لو سلخنا جلد شاة وأخرجناها إلى السوق تمشي، ورأتها الكلاب أتتركها؟ والله تأكلها أكلاً، ولكن إذا عليها جلدها ما تستطيع الكلاب أن تعضها، وكذلك الحجاب للمرأة مثل الجلد لا يستطيع أحد أن ينظر إلى شيء منها، لكن إذا عرينا النساء، نظر الرجال وحصلت الفتنة، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فالحجاب مطلوب ولكن ليس من أجل أنك تشك في زوجتك أو تشك في أخيك ولكن من أجل أن تطيع ربك، فمن أراد طاعة الله فعليه أن يحجب زوجته، ومن أراد معصية الله فلا يحجبها، وسوف يكون خصماً لله وهي ستكون خصمة له بين يدي الله يوم القيامة، والرسول ﷺ يقول: (النظر سهم مسموم من سهام إبليس، من تركه لله أبدله الله إيماناً يجد حلاوته إلى يوم يلقاه).

стр. 2568

وذكرهم بأيام الله إن التذكير بأيام الله سنة الأنبياء، وطريق الدعاة إلى الله من بعدهم، يرد المسترسل في غيه، وينبه الغافل، ويوقظ الوسنان، فالواجب على كل مسلم عامة، وكل داعية خاصة، أن يذكر الناس بما أوجب الله عليهم من الفرائض، وبما تئول إليه المعاصي من العقوبات والمهالك، وعليه أن يذكرهم بالأمم السابقة التي أهلكها الله بسبب عصيانها، وعدم استماعها لمواعظ أنبيائها ودعاتها.

стр. 2569

واجب الداعية تجاه الناس الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، سيدنا وحبيبنا وإمامنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثره وسار على دربه واتبع شريعته ودعا إلى ملته وسلَّم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الأحبة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله جميع أوقاتكم، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجمعنا دائماً على الهدى والخير في هذه الحياة، وأن يجمعنا في الآخرة في دار كرامته، وفي جنته مع آبائنا، وأمهاتنا، وإخواننا، وأخواتنا، وزوجاتنا، وذرياتنا، وجميع إخواننا المسلمين برحمته، إنه أرحم الراحمين. هذه المحاضرة تلقى في جامع الحمودي بمدينة جدة بعد مغرب يوم السبت، الموافق للثامن عشر من شهر صفر، عام: (١٤٢٢) للهجرة، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم. وعنوان هذه المحاضرة: (وذكرهم بأيام الله) وأيام الله التي أمر الله رسوله ﷺ ، وأمر قبله جميع الأنبياء والرسل أن يذكروا أممهم بهذه الأيام هي: الأيام التي يعاقب الله فيها الناس حينما ينحرفون عن منهجه، ويتمردون على شرعه، وحينما يتعرضون لمساخطه، فتحق عليهم لعنته، وينزل عليهم غضبه وأليم عقابه، ويدمرهم بشتى أنواع العذاب والدمار، ولذا يبعث الله الرسل من أجل تذكير الناس بهذه الأيام حتى لا يقع عليهم مثلما وقع على غيرهم. وآخر الرسل وأفضل الخلق محمد ﷺ ذكَّر ووعظ، وخوف هذه الأمة، وترك فيها الكتاب الكريم، والسنة النبوية الشريفة؛ من أجل تكرار التذكرة، وإزالة ما قد يعلق على القلوب من صدأ الذنوب والمعاصي، حتى لا يُحق الله ما أحقه على الأمم من قبلهم. ودور العلماء والدعاة إلى الله هو: تحذير الأمم، وتنبيه الناس إلى ما يترتب على هذه الذنوب والمعاصي من العقوبات التي استقرأناها من خلال تاريخ الإنسانية والبشرية منذ بدء الخليقة. ولو استعرضنا هذا التاريخ البشري والإنساني لوجدنا العبرة ماثلة، ولوجدنا القصص الذي ينبه القلوب، ويقرع النفوس في أن سنة الله التي لا تتبدل، والتي يجريها الله أنه كلما حاد الناس عن منهج الله، وتمردوا على أمره، كلما عاقبهم الله في الدنيا، وكلما أكدوا عقابه لهم في الآخرة. ولذا يأمر الله رسوله ﷺ بالذكرى، ويقول: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩]. ويقول: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥] ويقول: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢١ - ٢٢]. ولا تعني الذكرى -أيها الإخوة- بالذنوب والمعاصي أن الخير قد انعدم، وأن الناس ليس فيهم خير، لا. فإن الأمة بخير، والناس لا يزالون على خير، وفي مجتمعنا الذي نعيش فيه تظهر صور الخير ماثلة للعيان، فهاهي المساجد ترتفع مآذنها في كل حي، وهاهي المساجد تمتلئ جنباتها بالشباب والشيب، وبالرجال والنساء، وهاهي حلق العلم ومحاضرات الدين والشريط الإسلامي، وهاهي إذاعة القرآن، وهاهم الشباب ينشئون على الإيمان، وهاهن الفتيات يملأن مدرجات المدارس والجامعات، وهن ثابتات متمسكات بدين الله، فالخير موجود، ولكن -أيها الإخوة- الشر موجود أيضاً، والهجمة شرسة، وأعداء الله من اليهود والنصارى، وممن يستجيب لهم من بني جلدتنا ويتكلم بلساننا، ويعرف مدخلنا ومخرجنا من المغرَّر بهم ها هم يوجهون سهامهم ليرشقوا هذه الأمة، وليخترقوا صفها؛ من أجل زعزعتها وإبعادها عن دينها؛ ولكن: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]. من أجل ذلك -أيها الإخوة- نستجيب لأمر الله، ونذكر بأيام الله، وتأتي هذه المحاضرة بهذا العنوان من أجل تنبيه النائمين، وإيقاظ الغافلين، ورد الشاردين، حتى يهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حَيَّ عن بينة. وهذا الموقف -أيها الإخوة- هو موقف النصح والإخلاص! وبيان الحق والتذكير، وهذا هو الذي أوجبه الله على العلماء والدعاة، وأخذ الله عليهم به العهد والميثاق، يقول سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:١٨٧] هذا عهد أخذه الله على العلماء من أهل الكتاب ومن هذه الأمة، على أن يبينوا الحق، وأن يحذروا الناس؛ ولكن -أيها الإخوة- إذا ما سكت العلماء والدعاة ولم يبينوا للناس الحق، ولم يحذروهم من مغبة المعاصي والذنوب فمن يرشدهم؟! ومن أين يتلقون التوجيه؟! أعبر قنوات الفضاء أم عبر أجهزة الشر؟! إن هذه تهدم ولا تبني، وتفضح ولا تستر، وتخرج الناس من الدين ولا تردهم إليه، ولم يبق -أيها الإخوة- إلا هذا المسلك وهو مسلك النصح عن طريق تحذير الناس، يقول ﵊ -والحديث في صحيح مسلم -: (الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة -ثلاث مرات- قلنا: لمن يا رسول الله؟! قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم). هذا هو الدين! أي: أن نكون ناصحين مخلصين متواصين متناهين لله: بإخلاص التوحيد له. ولرسوله ﷺ : بالمتابعة الصحيحة لهديه وسنته. ولكتابه: بالعمل بأوامره وترك نواهيه. ولأئمة المسلمين: بمناصحتهم، وطاعتهم في المعروف، وعدم الخروج عليهم، والدعاء لهم، ولعامة المسلمين: وذلك ببيان الحق لهم، وتحذيرهم من طرق الغواية والضلال، وبيان ما قد يخفى عليهم، فإن من الناس من يقع في الشر نتيجة التغرير والمكر والخداع الذي يقوم به الشيطان وزبانيته من الإنس والجان. والله يأمر بهذا رسوله ﷺ في كثير من الآيات وفي كثير من الأحاديث بالأمر بطاعة الله سبحانه، وطاعة رسله، والتحذير من معصيته سبحانه، ومعصية رسوله ﷺ ، وبيان ما في امتثال أمر الله من حصول الخيرات، وحلول البركات، ودفع النقمة، وما في معصية الله ومخالفة أمره من محق البركات في العلم، والأعمال، والأعمار، والذريات، والمكاسب، وفي جميع الشئون والتصرفات. ويشمل أيضاً التذكير بأيام الله في خلقه، وما أحل الله بمن عصوا رسله من المثلات، وسائر ألوان العقوبات، مما يكون من أعظم واعظ للناس لمن كان في قلبه حياة.

стр. 2570

المعاصي سبب للهلاك والدمار فإذا عُرِف ذلك -أيها الإخوة- فإن المعاصي كما ذكر الإمام ابن القيم رحمة الله عليه في كتابه القيم: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي: المعاصي هي أسباب كل نقص، وأسباب كل شر وفساد في الأديان، والبلاد، والعباد، يقول : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥] ومقتضى العدل أن العبد إذا وقع في معصية عاقبه الله؛ ولكن هل يعاقب الله الناس على كل شيء؟! لا. بل يمهل سبحانه، ويعفو، ويصفح، ويستر، فيعصي العبد ربه مرةً، ويوماً، وسنةً، وشهوراً، وسنينَ، ثم يحلم عليه سبحانه، ولا يعاجله بالعقوبة، فإذا تاب وأناب قَبِل الله توبته، ومَحا حَوبته، وغفر ذنبه، بل بدل سيئاته حسنات، فيا لهذا الفضل! وما أعظم هذا الرب ! ما الذي أهبط الأبوين من الجنة؛ دار اللذة والنعيم؟! هذه بداية الحياة! سبب الخروج من الجنة: المعصية. ما الذي أهبط الأبوين من الجنة؛ دار اللذة والنعيم، والبهجة والسرور، إلى دار الآلام، والأحزان، والمصائب، إلا المعصية، أي: بأكل اللقمة من الشجرة التي نهى الله عنها، قال : ﴿وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٣٥] فتركوا كل الذي في الجنة، وأكلوا من الشجرة: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ [طه:١١٨ - ١١٩] وكان في نعيم الجنة -أيها الإخوة- ما يشفي ويكفي؛ لكن المكر والتضليل الذي قام به إبليس مع أبينا آدم حتى أوقعه فيما أوقعه فيه، والذي لا زال يقوم به مع ذريته إلى يومنا هذا، وإلى يوم القيامة. فما من شر، وما من معصية يقوم بها إنسان إلا وللشيطان فيها دور، فهو الذي يزين المعصية، وإلا لو نظر الإنسان إلى المعصية بمنظار الشرع والعقل لوجدها قبيحة، فالزنا والربا وقتل النفس قبيح، وجميع المعاصي، والخمور والمخدرات قبيحة؛ ولكن ما الذي يجعل الناس يقعون فيها؟ إنه تزيين الشيطان، يجعل عليها مسحة من اللون والطعم، فيجد الإنسان للمعصية لذة، وللجريمة منظراً؛ ولكن لو نظر إليها حقيقة لوجد أنها عار، فالزنا عار، ودمار، وشنار، وفضيحة -والعياذ بالله- ومرض، وإيدز، وهربز، وأمراض خطيرة، وهتك للعرض ماذا فيه أيها الإخوة؟! في الجاهلية قبل الإسلام كان العقلاء والفضلاء من الناس يترفعون عنه، فـ هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان، أم معاوية لما جاءت تبايع، ومدت يدها للنبي ﷺ ، والرسول لا يمد يده للنساء، قال: (أبايعكِ على ألا تشركي بالله شيئاً، ولا تسرقي، فبايعت، ولما قال: ولا تزني، كفَّت يدها، وقالت: يا رسول الله! أوَتَزْني الحرة؟!) أي: التي عندها دم، وعرض، وعقل تزني؟! هذا شيء مستغرب! ومستبعد! هذا في الجاهلية قبل الإسلام. وجاء الإسلام ليؤكد هذه المعاني، وليعمق ويجذر هذه المفاهيم في نفوس الرجال والنساء حتى يجعل جريمة الزنا فاحشة، يقول الله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢]. وإنك لتعجب -أيها الأخ- حينما تنظر فتجد كثيراًَ من الأمة يحرصون على الزنا والله يقول: ﴿وَلا تَقْرَبُوا﴾ [الإسراء:٣٢] لم يقل: لا تزنوا، بل: (وَلا تَقْرَبُوا) الطرق التي توصل إلى الزنا ممنوعة ومحرمة. فما الذي يجعل الناس يقعون فيها؟! إنه الشيطان، كما أوقع آدم وجاء إليه من باب المكر والخداع، وقال له: ﴿يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ [طه:١٢٠] وهي شجرة ماذا؟ شجرة الخروج، وليست شجرة الخلد؛ لأن الشيطان يعكس المفاهيم، ويقلب الحقائق، ويجعل الأسود أبيض، والليل نهاراًَ، والحق باطلاً، والباطل حقاً، والزنا علاقات جنسية، من الذي سماه بهذا؟ الشيطان، فهم لا يقولون: زنا؛ لأن (زنا) كلمة تنفر منها النفوس؛ ولكن يقولون: قضايا جنسية، أي: علاقات. ويجعل الربا الذي هو من السبع الموبقات، والذي أذن الله بحرب صاحبه، يقولون: هذه فوائد، وعمولة، ولا يقولون: نعطيك ربا، بل يقولون: نعطيك عمولة، وهو ربا؛ ولكن من باب تمرير الباطل عن طريق تغيير المسمى، ويجعلون العُهْر، والعُرْي، والفضيحة، والتفسخ فَناً، وهو عفن، فيسمونه: فنوناً، وهو عفن وجنون والعياذ بالله! ويجعلون السحر، والشعوذة، والكهانة، ألعاباً بهلوانية، (وسيرك). ويجعلون الخمر أم الخبائث التي إذا وقع فيها الإنسان؛ فإنه يكون مستعداً لأن يزني، وأن يقتل، ويفعل كل جريمة؛ لأنها تذهب عقله، فيقولون: مشروبات روحية، لا إله إلا الله! مشروبات روحية؟! هل شراب الروح من هذه الخبائث؟! بل مشروبات شيطانية، وقذرة، ولعينة، ونجسة، فقد سماها الله: رِجْساً: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة:٩٠] والرجس في كلام العرب هو: الركس، أي: العذرة التي يضعها الإنسان؛ لكن تُقَدَّم الآن في بلاد المسلمين. -والحمد لله لا نزال سالمين؛ ولكن في بلاد كثير من المسلمين في غير هذه البلاد- تُقَدَّم في المطاعم، والفنادق، والأسواق، والمطارات، والذي لا يشرب يسمونه: متخلفاً، فدليل التحضر عندهم والرقي أن تشرب الخمر، والناظم يقول: واترك الخمرة إن كنت فتىً كيف يسعى في جنونٍ مَن عَقَلْ

стр. 2571

آدم وخروجه من الجنة جاء إبليس بهذا الكيد إلى آدم، وقال: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ [طه:١٢٠] وأبونا آدم كان يخاف من الخروج؛ لأنه ليس أصلاً من أهل الجنة؛ فهو إنسان جاء إليها بالتبعية، ولم يأت إليها بالأصالة، فهو مخلوق من الطين، وخُلِق من الأرض، وجيء به إليها، وأُسْكن الجنة، وأيُّ إنسان يؤتى به من بلد إلى بلد أجمل فإنه يخشى الخروج، ويريد إقامة دائمة. فاستغل إبليس هذه الرغبة النفسية عند آدم وحواء، وجاء إليهما من هذا الباب، وقال له: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠] وبعد هذا أعطاهما عليه يميناً، قال تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ [الأعراف:٢١] أي: حلف بالله، ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١] ما رأيكم في إبليس؟ ناصح، أم خائن؟ والله خائن وألعن خائن؛ ولكن الخائن يحلف؛ كبعض الناس الآن يقع في كارثة وجريمة المخدرات بيمين، أي: يأتي زميله ويقول له: انظر! أما تثق فيَّ؟! قال: نعم. قال: والله إنني لا أعمل هذا الشيء، ولا أدلك على هذا الشيء إلا من أجل مصلحتك، ووالله إني لمخلص لك. هل تصدق بأنه مخلص لك وهو يدلك على المخدرات، لتروج وتتعاطى وتهرب المخدرات؟! هل هذا ناصح لك؟! والله ليس بناصح؛ بل والله إنه مِن أغش الناس لك، ولو كان ناصحاً لقال: اتق الله، هذه جريمة، وفاحشة، وكارثة عليك، وعلى أسرتك، ومجتمعك، ودولتك، وبلدك؛ ولكنه يحلفون، لماذا؟ لأن جدهم إبليس قد حلف، فهو قائدهم الأول القائل: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١] قال : ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف:٢٢]. ولما أكلا من الشجرة حصلت المعصية؛ لأن أصل المعاصي قسمان: إما ترك مأمور: وهي معصية إبليس، يوم أمر الله الملائكة بالسجود، فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس، ترك أمر الله. أو فعل محذور: وهذه معصية آدم، لا تأكل، فأَكَل، مثل بعض الناس الآن تجده يترك الطيبات كلها ويشرب الدخان، ويأكل القات، ويشرب الشيشة والخمر، ويتعاطى المخدرات، سبحان الله! آلاف الأصناف من الطيبات ما أقنعتك؟! ما كَفَتْك؟! إلا أن تقع في الخبائث! إنه مكر الشيطان، إنها وسوسة إبليس. ما الذي أخرج الأبوين إلا شؤم المعصية! حينما أكلا من الشجرة التي نهاهما الله عن الأكل منها.

стр. 2572

إبليس وطرده من الجنة ما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء، وطرده، ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه، وجُعِلَت صورته أقبح وأشنع صورة؟! ومثَّل اللهُ شجر النار وطلعها وثمرها برءوس الشياطين، يقول : ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا﴾ [الصافات:٦٤ - ٦٥] أي: ثمرها ﴿كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٥] يقول المفسرون: مثَّل الله للناس برءوس الشياطين، فهل رأى الناس رءوس الشياطين؟! لا. لكن ماذا تتوقع في مخيلتك أن يكون رأس الشيطان؟! أيكون جميلاً؟! لا. ولذلك المبدعون وأصحاب الخيال الذين إذا رسموا صورة شيطان، كيف يظهرونه؟! يظهرون له قروناً، ولساناً طويلاً، وعينيه قبيحة، لماذا تقول حين تراه: أعوذ بالله؟ لأنه شيطان! أي نعم. كذلك الشيطان جعل الله لصورته في أذهان البشر كلهم أقبح صورة، واذهب بخيالك في تصوراتك عن الشيطان وستجد أن خيالك ينتهي في تقبيح صورة الشيطان، وستجد أن الشيطان أقبح مما ذهب إليه خيالك، نسأل الله ألا نرى الشيطان، أتدرون من الذين يرونه؟! أهل النار، أما أهل الجنة فيرون الله ، كما جاء في الآية الكريمة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]. وفي الحديث في الصحيحين يقول ﵊: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامُّون في رؤيته) إذا رأيت القمر ليلة النصف، هل تحتاج إلى من يقول لك: تعال أُرِيْك القمر؟! بل هو واضح، تنظر إليه، وهكذا سترى الله كما ترى القمر من غير صعوبة؛ ولكن في أول الشهر إذا كان القمر هلالاً، ورآه أحدالناس وقال: القمر رأيتُه في أول يوم، فيأتي الثاني فيقول: لم أره أين هو؟ ويأتي الثالث فيقول: أين هو؟ فتضمُّه إليك، هذا معنى: (لا تضامُّون) أي: يضمُّ بعضُكم بعضاً حول الذي رأى، ثم يمد يده يقول: انظروا إصبعي، تحققوا من إصبعي، انظروه، انظروه، هذه هي المضامَّة، فالرسول ﷺ يقول: (إنكم سترون الله كما ترون القمر ليلة البدر -أي: في الليلة الخامسة عشرة، ليلة الإبدار- لا تضامُّون في رؤيته). أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن ينظر إلى وجهه الكريم في الدار الآخرة؛ لأن هذه النعمة هي أعظم نعمة على أهل الجنة، ولا تأتي ابتداءً، ولكن تأتي بعد دخول الناس الجنة، وتقسيمهم على منازلهم ودرجاتهم، وإجراء الأرزاق عليهم، وإعطاء كل واحد الزوجات، والولدان، والحور، والقصور، والحبور، وهم في النعيم يأتيهم خبر أن الله يتجلى لهم، كما قال ابن القيم في النونية: ويرونه سبحانه من فوقهم نظر العيان كما يُرَى القََمَرانِ أي: كما ترى الشمس والقمر. أهل النار لا يرون الله، يقول الله في أهل النار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾ [المطففين:١٥ - ١٦] هذه النهاية، وفي النار يرون الشيطان. وورد في الحديث أنه ينصب للشيطان منبر من نار في جهنم، ويصعد عليه الشيطان ويُلقي خطبة على أهل جهنم، كلهم يسمعونه، وذكر الله الخطبة في القرآن في سورة إبراهيم، يقول : ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [إبراهيم:٢٢] لما قضي الأمر، أي: أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، يقف فيقول: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢]. ورد في التفسير أن هذه الكلمة على أهل النار أعظم من عذاب أهل النار؛ لأنه عذاب نفسي، إذ ليس أشد على النفس ممن يورطك ويورطك ويورطك إلى أن تتورط، ثم يقول: ليس ليَ سلطان! من الذي قال لك؟! أنت الذي أطعتني! وهذا هو عمل الشيطان، يورِّط الناس ويقول: ما لي عليكم من سلطان، ما أخذتكم بعصا ولا (بِمِشعاب) ولا بدفتر ولا كتاب: ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢] أي: وسوستُ لكم، ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢]. انظر الناس الآن -والعياذ بالله- وراء الشيطان مثل الكلاب، والرسول ﷺ يدعوهم وهم ينفرون منه ويفرون إلى الشيطان، فيقول لهم: ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢]. وماذا بعد ذلك؟ قال: ﴿فَلا تَلُومُونِي﴾ [إبراهيم:٢٢] ما فعلتُ لكم شيئاً، ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢]. فهل هناك فزعة؟! قال: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢] يقول: والله ما أفزع لكم إذا صرختم وصحتم: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢٢] وفي هذه اللحظة يتمكن أهل النار وهو يخاطبهم من رؤيته -نسأل الله ألا نراه، لا في الدنيا ولا في الآخرة- وبُدِّلت صورتُه بأقبح صورة، بل وأقبح من معصيته؛ لأنه لم يسجد لله سجدة! كيف بمن لم يطع الله في الصلاة وفي غيرها؟!

стр. 2573

إغراق قوم نوح االذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رءوس الجبال في عهد نوح ﵇. نوح نبي بعثه الله من أجل إزالة الشرك من الأرض، إذ كان الناس منذ آدم إلى عهد نوح على التوحيد، أي: لا يوجد شرك. وسبب إرسال الله لنوح: أنه كان هناك أناسٌ صالحون طيبون فلما ماتوا، والذين بعدهم قالوا: نريد أن نصورهم، لماذا؟ قالوا: من أجل أن نتذكرهم، فنعبد الله مثلهم؛ فصوروهم، وعبدوا الله كلما تذكروهم. ثم جاء جيل جديد، ومات الجيل الأول، فقالوا: آباؤنا ما صوروهم إلا لأنهم صالحون، إذاً: ماذا نفعل؟ قالوا: نعبدهم. فعبدوهم. فبعث الله نوحاً ﵇ ليصحح مسار البشرية في التوحيد، ولكن كذَّبوا، وعاندوا عناداً مريراً، رغم طول المدة في الدعوة، ألف سنة إلا خمسين عاماً من الدعوة المتواصلة ليلاً ونهاراً، ليست ندوة أسبوعية أو شهرية، ثم إنها بكل الأساليب، سراً وجهاراً، ودعوة فردية وجماعية، وبكل أساليب الدعوة، ومع هذا كلما قام يحدث فيهم ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح:٧] فيستمر يحدّث فلا يطيقون حتى رؤيته، فيغطون وجوههم وهو يتكلم، ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً﴾ [نوح:٥] * ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً﴾ [نوح:٥ - ٨] يعني: علناً، ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [نوح:٩ - ١٠] وذكرهم بأيام الله وبما عندهم من النعم ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح:١١ - ١٦] إلى آخر الآيات. ولما كَذَّبوا ماذا حدث؟! يصبر أيضاً، ولا يستعجل بالعقوبة حتى يأتي الخبر من الله: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦] كم آمَن؟ قال: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠] وفي أصح الروايات أنهم: اثنا عشر رجلاً، جهد (٩٥٠) سنة، وهذا فيه إشارة إلى الدعاة بألا يستعجلوا، اصبر على من تدعوه، والهداية بيد الله، ولا تحاول أن تُكَثِّر، فلو هدى الله على يديك واحداً خير لك من حُمُر النَّعم، وتبعث يوم القيامة مبعث الأنبياء. وبعد ذلك لما عرف نوح ﵇ أنه لن يؤمن أحد بعد هذا، والله أخبره أنهم إذا ولدوا لا يلدون إلا فاجراً كفاراً، دعا وقال: ربِّ إِنِّي ﴿مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١٠] فقط، ولم يحدد ﵇ وسيلة الانتصار من الله، قال: أنا مغلوب، بذلتُ كل جهدي، ومارستُ كل أسلوب، وما دام أنه لا يوجد أحد يسلم ويجيب، قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧] أي: الذين عندي هؤلاء الاثني عشر، يردونهم مثلهم: ﴿وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح:٢٧]. وأمر الله نوحاً أن يصنع له سفينة، وكانوا يعيشون في الصحراء: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود:٣٨]: ما هذه يا نوح؟! قال: هذه سفينة، قالوا: ما تفعل بالسفينة؟! السفينة يصنعها الناس عند البحار! وأنت في الصحراء تصنع سفينة؟! وبدءوا يضحكون عليه، ويسخرون منه، ويقولون: تعالوا انظروا هذا النبي، هذا الرجل المجنون، يصنع سفينة من أجل أن ينجو فيها، ولا يوجد ماء؛ ولكنه كان ثابتاً، قال: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود:٣٨] ماذا قال؟ ﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود:٣٨] وبعد فسوف تعلمون من هو الذي يُضحك عليه. ولما اكتملت السفينة، قال الله له: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ [هود:٤٠] أي: أرْكِب فيها ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنَيْن﴾ [هود:٤٠] أي: مِن كل خليقة الله اثنين اثنين، وقوله: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ [هود:٤٠] أهلك هنا أي: الذين آمنوا من قومك وقوله: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ [هود:٤٠] أي: احمل في هذه السفينة من جميع المخلوقات؛ لأن الله أجرى تدميراً كاملاً لكل الكائنات الحية؛ إلا من ركب في السفينة من جميع الحيوانات، والطيور، والبهائم، والهوام، والوحوش، ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود:٤٠] أي: ذكراً وأنثى؛ من أجل أن يستمر التناسل. ولما ركبوا جاء المطر كيف جاء المطر؟! قال الله: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر:١١] والأرض! قال: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾ [القمر:١٢] ماء السماء على ماء الأرض، حتى التنور الذي ما يُتَوَقَّع أن يكون فيه ماء؛ لأن فيه نار، قال الله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود:٤٠] التنور الذي فيه نار صار ماءً. وعلا الماء رءوس الجبال، وأسرعوا يصعدون الجبال هرباً من الفيضان والطوفان، وكان من ضمن من صعد الجبل ولد نوح، وتذكرَ نوح وعدَ الله: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ [هود:٤٠] قال: يا ولدي! ﴿ارْكَبْ مَعَنَا﴾ [هود:٤٢] فرفض: ﴿قَالَ سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود:٤٣] فغَرِق، وحينما شارف على الغرق دعا نوح: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود:٤٥] أنت قلتَ: أرْكِب أهلَكَ، وهذا ولدي من أهلي، أي: لا تغرقه يا رب! دعه يحيا -أي: لا يغرق ولو لم يركب- قال الله: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦] هذا ليس من أهلك، الأهل هنا: أهل الدين، أهل العقيدة: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦] وغرق، وغرقت البشرية كلها إلا مَن ركب مع نوح ﵇. وكانت تجري وتقف إذا قال: باسم الله جرت ﴿مَجْرَاهَا﴾ [هود:٤١] وإذا قال: باسم الله وقفت: ﴿وَمُرْسَاهَا﴾ [هود:٤١] أي: مرساها باسم الله، ومجراها باسم الله. إلى أن جاءت إلى الجودي -الجبل- فأرساها الله بجانبه، ونزل نوح ومن معه، وبدأت البشرية طَوراً جديداً من أطوار الحياة بعد أن طهر الله الأرض من الشرك، والأرجاس، والأصنام، والأوثان.

стр. 2574

هلاك عادٍ قوم هود ثم أيضاً: يعود الكفر، وتعود العقوبات، ويسلط الله الريح العقيم على قوم هود، وهي قبيلة من قبائل العرب كانت تسكن في الربع الخالي، اسمهم: عاد، وكان لهم سطوة، وعندهم قوة، وكانوا مثل النخل في طولهم وأجسامهم، وكانوا ينحتون الجبال بأصابعهم، ينحتون الجبال فتصير بيوتاً، وكانوا إذا بطشوا بطشوا جبارين. فبعث الله إليهم هوداً، ودعاهم إلى الله، فكذبوا أمر الله، وكذبوا دينه وشرعه، فسلط الله عليهم الريح، وفُتِح عليهم من ريح جهنم قدر منخار ثور، وشبّك الرسول ﷺ شبك بين إصبعه وإبهامه، وهذه الريح اسمها: العقيم، والعقيم هو الذي ينجب، وهذه ريح إذا مرت لا تترك شيئاً: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات:٤٢]. وجاءت هذه الريح وهبت عليهم، وكانت تقتلع الرَّجُل من الأرض، ثم ترتفع به إلى السماء، ثم تلقيه من السماء إلى الأرض، يقول : ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧ - ٨]؟ لا. سلط الله عليهم هذا بعد أن رأوا الريح وهي آتية من هناك، وكانت سوداء، والعرب إذا رأوا الريح سوداء قالوا: هذه محملة مطراً، فهم على الخمر، والزنا، والكفر، والشرك، ويرون الريح فيقولون: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف:٢٤] قالوا: المطر جاء، قال: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٤ - ٢٥].

стр. 2575

هلاك قوم لوط هكذا تستمر البشرية في المخالفات، ويستمر الله في العقوبات، ويعاقب الله قوم لوط الذين كانوا يسيرون في الشذوذ الجنسي، ويتركون ما أباح الله لهم من النساء، ويأتون الذكران، ويمارسون فاحشة ما فعلها أحد قبلهم، ولا يفعلها أحد من سائر المخلوقات حتى البهائم، والكلاب، والقردة، والخنازير، والحمير، وجميع البهائم إذا مارسَت هذا الأمر فإنما تمارسه الذكور مع الإناث، ولا يمارس الذكر هذا الأمر مع الذكر من البهائم، ولا يفعل هذا إلا الشاذ من البشر كما قال : ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٨٠] فسلط الله عليهم الملائكة، جاءتهم مجموعة من الملائكة ومعهم جبريل، ومعلوم أن الملائكة مضرب المثل في الجمال، أي: إذا رأينا إنساناً جميلاً نقول: فلان كأنه مَلَك أو ملاك في الجمال، فصورهم جميلة، بعكس صور الشياطين القبيحة، فلما جاءوا في صورة بشر تسامع الخبثاء المنحرفون -أي: هؤلاء اللوطيون- سمعوا بالخبر فجاءوا، وقالوا: نريد ضيوفك، قال: ﴿َلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي * هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُم﴾ [هود:٧٧ - ٧٨] يقول: تعالوا أزوجكم بناتي ﴿َلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ * قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ [هود:٧٨ - ٧٩] يقولون: لا نريد بناتك، ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود:٧٩] نريد هؤلاء الضيوف نفعل فيهم الفاحشة؛ فخاف؛ ولكن الملائكة طمأنوه وقالوا له: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ [هود:٨١] وامرأته كانت على دين قومها، وكانت خبيثة: ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود:٨١]. جلسوا في أماكنهم، وحملهم جبريل على طرف جناحه -غرس جناحه في الأرض- حتى بلغ تخوم الأرض السابعة، ثم رفعه ورفع عليه قراهم، وكانوا في ست قرى، وقيل في بعض الروايات: أربع قرى، في مكان يقال له: البحر الميت الذي هو الآن بين فلسطين وإسرائيل، هذا البحر ليس فيه كائنات حية، وأصله ليس بحراً، ولكنه كان منطقة سكن لهؤلاء، ولما حملها صار في المنطقة تجويف، وجاءت الأمطار وتجمعت فيه فصار بحيرة، فسمي البحر الميت، لماذا؟ لأنه لا أسماك فيه، ولأنه موطن عذاب، وما عذب الله أمةً فلا يحيا فيه شيء. حملهم، وارتفع بهم، ثم رفعهم إلى السماء، حتى سمعت الملائكة في السماء عواء الكلاب، ومواء القطط، وصياح الناس، ثم نكسها، قال الله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [الحجر:٧٤] ثم لم يكفِ هذا، فقد أرسل الله عليهم ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [هود:٨٢] سجيل من جهنم ﴿مَنْضُودٍ﴾ [هود:٨٢] أي: مسبوك، كذلك ((مُسَوَّمَةً)) أي: معلَّمة، على كل واحدة اسم صاحبها، تنزل في جبهته وتخرج من دبره ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [هود:٨٣] أي: معلَّمة عند ربك ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣] أي: إذا نزلت على قوم لوط فأيضاً يمكن أن تنزل على من يفعل فعلهم من البشر الشاذين الذين قال فيهم النبي ﷺ : (لعن الله مَن عَمِل عَمَل قوِم لوط، لعن الله مَن عَمِل عَمَل قومِ لوط، لعن الله مَن عَمِل عَمَل قومِ لوط) وقال: (اقتلوا الفاعل والمفعول به).

стр. 2576

هلاك قوم شعيب كذلك أُرسل بسبب الذنوب والمعاصي -بعد هذا أيضاً- السحاب كالظلل على قوم شعيب، فقوم شعيب كذبوا رسولهم، وكانوا يطففون في المكيال والميزان، فلما استمروا على فسقهم، وكفرهم، وشركهم، وعنادهم أخذهم عذاب يوم الظلة، وعذاب يوم الظلة هذا: سلط الله عليهم حراً في بيوتهم، حتى كان الإنسان منهم يكاد يحترق، مثل النار تشب في أجوافهم، وجلودهم، وثيابهم، وفرشهم، وغرفهم، وبيوتهم، فخرجوا من الحر إلى مكان ظل، وفوقه سحابة، هذه السحابة هي العذاب -عذاب الظلة- قال الله: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء:١٨٩]. فاجتمعوا، وكل من دخل تحت هذه الظلة بَردَ، والحر الذي في البيوت يخرجهم لكي يأتوا إليها، فلما تكاملوا كلهم في هذه الظلة أنْزَلت عليهم هذه السحابة ناراً تلظى، فأحرقتهم وأبادتهم عن بكرة أبيهم، بأسباب ماذا أيها الإخوة؟! بسبب المعاصي والذنوب. أيضاً: ما الذي أغرق قوم فرعون، ثم نقلت أرواحهم إلى النار وأبدانهم للغرق إلا المعاصي.

стр. 2577

آثار المعاصي والذنوب أيها الإخوة: لو استقرأنا التاريخ كله إلى يومنا هذا، لوجدنا أنه ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفِع إلا بتوبة إلى الله ، وهذا إلى جانب الآثار البعيدة والمترتبة على المعاصي التي منها: حرمان العلم: فإن العلم نور؛ ولكن العاصي لا يوفق لبركة العلم. حرمان الرزق: أي: البركة في الرزق: (فإن العبد ليُحْرَم الرزق بالذنب يصيبه). ومنها: وحشة يجدها العبد في قلبه بينه وبين الله: فيستوحش من الله، ويستوحش من العلماء والدعاة، وأهل الخير، والمساجد، فإذا دخل المسجد كأنه سارق يقعد هناك بعيداً، لماذا؟ لأنه عاصٍ، بينما الطائع يدخل ويأتي إلى الصف الأول، ويستأنس، ويتكئ، ويأخذ المصحف، وذاك تراه عند الباب هناك، ماذا بك؟! لا يريد أن يقترب، كأنه دخل سارقاً؛ ولكنه إذا دخل المقهى يدخل وهو يضحك وينبسط: (هات يا ولد، هات الحجر، عبئ حجراً وهات أربعة سُوْد) ولا يريد أن يخرج، لماذا؟ إنها الوحشة التي بينه وبين الله ، وإذا رأى العلماء عبس، إذا رأى الدعاة انقبض؛ لكن إذا رأى اللاعبين ضحك، وإذا رأى المغنيين انبسط، لماذا؟ وحشة في قلبه من أهل الخير بأسباب الذنوب والمعاصي. أيضاً: ظلمة يجدها في قلبه، وتعسّر في أموره، وجبن، ووهن، ونقص في العمر ومحق للبركة: فكما أن البر يزيد في العمر كذلك المعاصي والفجور تُنقص العمر والبركة. ينسلخ من قلب الإنسان استقباح صورة المعاصي، فتُزَيَّن له المعاصي، وتُكَرَّه له الطاعات، وتصير له المعصية عادة، ويصير خُلُقاً، أي: بعض الناس الآن يدخن من غير رغبة؛ ولكن أصبح الأمر (أوتوماتيكياً) وهو جالس معك لا تدري إلا وقد أدخل يده جيبه وأخرج (الباكت) وأشعل وشربَ دون أن يحس. وقد حدث هذا لي مرة: كنت عند طبيب في مراجعة حالة مرضية، وإذا بالطبيب نفسه يبكي، قلت: ماذا بك؟ قال: مريض. قلت: عالج نفسك، ألست طبيباً تعالج الناس؟! قال: إني لأعرف مرضي، وأعرف دواءه؛ ولكن الطب كله لا ينفع. قلت: كيف لا ينفع؟ أي: ليس في هذه الأدوية مصلحة؟! قال: لا. أنا أعرف مرضي، وأعرف علاجه؛ ولكنه -أيضاً- ليس بنافع. قلت: ما هو مرضك؟ قال: مرضي (النقرس). سماه: (النقرس) وهو: داء يصيب المفاصل والعظام، وكانوا يسمونه في الماضي: داء الملوك، وكان يصيب السلاطين والملوك؛ لأنهم كانوا هم الذين يشبعون ويأكلون اللحم؛ لكن الآن أصبح يصيب الناس كلهم، ولهذا لو حللت غداً -عافاك الله- ستجد أن عندك (النقرس) لماذا؟ للإفراط في أكل اللحوم، فالناس يفطرون بلحم الكبد، ويتغدون لحماً، ويتعشون لحماً، حتى قست قلوبهم كقسوة قلوب البهائم. وأكلة اللحوم هي السباع، ولهذا يقول الغزالي: من يكثر من أكل اللحوم يتخلق بأخلاق السباع -أي: يصير سبعاً في أخلاقه، ويكون شرساً؛ لأنه يأكل لحماً- والذي يكثر من الخضار يتخلق بأخلاقها -أي: يصير عنده نوع من الخلق واللين- فنحن الآن أصبحت بطوننا مقبرة البهائم والحيوانات، حتى أننا لا نأكل إلا لحماً، والبيت الذي ليس فيه لحم في يوم من الأيام فإن ذلك يعتبر جريمة في حق الأسرة، لماذا لا يوجد لحم؟! و (النقرس) يأتي الناس الآن إلا من رحم الله وعافانا الله وإياكم، بل كما يقول أحد الإخوة: حتى الكلاب شبعت لحماً الآن، الآن الكلب تعطيه لحماً نَيِّئاً يقول: اذهب واطبخه- لماذا؟! مِن كثرة النعم -أيها الإخوان- فتصير عادة. فهذا الرجل الطبيب لما كلمتُه عن المرض ووعظته، وأنا وإياه نتكلم في الدين، والأمل في الله، وإذا به يدخل يده في جيبه ويخرج (الباكت) ويفتحه، ويخرج واحدة منها مثل المدفع ويقول: تفضل، فسكتُ قليلاً، ثم نظرت إليه وقلت: ماذا؟! قال: تفضل. قلت: أما تستحي على وجهك؟! قال: آه! آسف يا شيخ! آسف! والله لقد نسيت فأنا متعود هكذا أنه كلما كان عندي ضيف لا بد أن أقدم له، عادة فقط، كما هو الآن فعل أكثر الناس، تصبح المعاصي في حقهم عادة: عندما يركب السيارة يشعل السيجارة، ويشغل الشريط، وعندما ينام يشغل الأغنية. أصبح الأمر عادة! وبئست العادة -يا أخي- أن تتعود على معصية الله. كما أن الطاعات عند الطيبين عادة، من حين أن يركب السيارة يقول: باسم الله ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٣ - ١٤] الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، وإن كان مسافراً قال: اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى. وهذا ليحفظه الله . وإذا جاء لينام فبدلاً من أن يبحث له عن أغنية قبل أن ينام، يقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين. وإذا لم يأته النوم أكمل التسبيح وفتح الراديو ليسمع إذاعة القرآن، لعله ينام على ذكر الله. وهكذا تصبح الطاعات مَلَكات وصفات راسخة عند أهل الإيمان، وتصبح المعاصي مَلَكات وصفات راسخة عند أهل المعاصي، فلماذا -يا أخي- ترضى أن تكون عاداتك معاصٍ؟ إنها بأسباب ذلك. يقول هنا: فتصبح المعصية عادة يستمر عليها، وذلك لسقوط العبد من عين الله، فتورثه الذلة، وتفسد عقله، وإذا تكاثرت المعاصي وزادت طُبِع على قلب صاحبها، ودخل العبد تحت لعنة الله، وحدث في الأرض أنواع من الفساد بسببه: في الماء، والهواء، والزروع، والثمار، والمساكن، والأشجار، والأولاد، والبنات، والزوجات، قال الله : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١]. يقول مجاهد عند هذه الآية: [إذا سعى الظالم بالظلم والفساد حُبِس بذلك القطر، وهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد].

стр. 2578

أهمية التعاون في النهي عن المنكر في الحديث عن عبد الله بن عمر قال: (أقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال: يا معشر المهاجرين والأنصار! خمس بخمس، أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم) الفاحشة أي: الزنا، إذا أُعْلِنت وظهرت سلط الله عليهم أوجاعاً وأمراضاً لم تكن في أسلافهم، وقد رأيت هذا ماثلاً أمام عيناي وأنا في أوروبا قبل أسبوع، حينما ظهرت الفاحشة التي يمارسونها علناً، من غير إنكار، والذي ينكر عليهم يدخل السجن، وكنا في المطار جالسين وإذا برجل خبيث منهم يمسك بواحدة ويضمها أمام الناس، ونحن جالسون ننتظر الطائرة، فتغيرت، وقمت وقلت: سأذهب لأتكلم عليه ومعي واحد من الإخوة المسلمين هناك، أمسكني وقال: اجلس. قلت: ماذا بك؟ قال: دَعْه. قلت: يا أخي كيف؟! أما نتكلم ونأمر؟! قال: اسكت، لأنك لو قلت له كلمة فسيدخلونك السجن الآن، أي: مباشرة (البوليس) يأخذك ويدخلك السجن، ويعاقبك بالسجن ربما إلى سنة أو سنتين، وربما تُعَزَّر. قلتُ: لماذا؟! قال: لا يجوز لك أن تتكلم وتقول له: هذا حرام أو هذا لا يجوز. قلت: صدق رسول الله ﷺ : (حتى أعلنوا بها). لكن الإيدز أين هو؟! موجود عندهم، وبدأ الآن يصل إلى بعض بلاد المسلمين. وقبل فترة اتصل بي شاب من الحرم، يقول: أنا جئت الحرم الآن، ولن أخرج منه! قلت: لماذا؟! قال: حلَّلتُ فقيل لي: عندك الإيدز، فتبتُ إلى الله، والآن هل لي من توبة؟ قلت: نعم. لك توبة؛ لكن لا تقعد في الحرم، ارجع إلى بيتك، وسلم نفسك للسلطات الصحية حتى يوفروا لك علاجاً وحجراً صحياً؛ حتى لا ينتشر هذا الداء منك إلى غيرك، وتب إلى الله، ونسأل الله أن يتوب علينا وعليك. ثم قال لي: أنا الذي أتيت به من الخارج، يقول: مارست الفاحشة هناك وأتيت به معي. فهذا الذي يأتون به من الخارج! فبدلاً من أن يخرجوا إلى الخارج ليتعلموا الصناعة والعلم، ويأتوا إلينا بالعلم لننهض، يتعلمون الخمر والزنا، ويأتونا بالإيدز. فلا إله إلا الله! (خمس بخمس أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا) رغم الوعي الصحي، ورغم التقدم الطبي، ورغم المستشفيات، ووسائل النظافة إلا أن الله يسلط عليهم الأمراض بأسباب الفاحشة: (وما نقص قوم المكيال والميزان -هذه الثانية- إلا ابتلوا بالسنين -أي: سنين الفقر والقحط- وشدة المئونة -أي: غلاء الأسعار- وجور السلطان -أي: ظلم الحكام- وما منع قوم الزكاة -هذه الثالثة- إلا مُنِعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا) لأن البهائم لها حق وما لها ذنب، فينزل شيء للبهائم، ما هو حق البهائم؟ هذا الذي يبل القشرة الأرضية، وينبت الزرع، فقط؛ لكن هل ينفع في الآبار؟! هل ينزل إلى الأعماق كي يعوض الماء الذي نأخذه الآن ونستنفذه؟ لا. ما يأتي مطر غزير، بل يأتي مطر بهائم الرعي، تَخْضَرُّ الأرض شهراً أو شهرين أو ثلاثة لكي تأكل هذه المسكينة أما الناس ماذا يعملون؟ لا يستفيد الناس إلا من الماء الذي ينزل في الأرض، وتستفيد منه الآبار، ثم يزرعون ويسحبون الماء، أما هذا فلا يفعل شيئاً: (ولولا البهائم لم يمطروا -هذه ثلاث الرابعة-: وما نقض قوم العهد إلا سلط عليهم عدواً من غيرهم، فيستبيح بيضتهم، وما لم تعمل أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم) أي: إذا لم تحكم الأئمة بكتاب الله حصل في الناس الافتراق، والاختلاف، والتحزب، والحروب الأهلية، والشقاق الذي هو موجود الآن، والنزاعات في كثير من بلاد المسلمين، وهذا تسليط من الله بسبب عدم حكم الأئمة بكتاب الله. ونحن في هذه البلد نحمد الله أن ولاتنا يحكمون فينا بشريعة الله، ونسأل الله أن يعينهم على ذلك، وأن يزيدهم ثباتاً عليه؛ حتى نبقى في هذه النعمة التي يغبطنا عليها جميع أهل الأرض. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما طفَّف قوم كيلاً، ولا بخسوا ميزاناً إلا مُنعوا القطر، وما ظهر في قوم الزنا إلا ظهر فيهم الموت، وما ظهر في قوم الربا إلا سلط الله عليهم الجنون، ولا ظهر في قوم القتل إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا ظهر في قوم عمل قوم لوط إلا ظهر فيهم الخسف، وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم ترفع لهم أعمال، ولم يسمع لهم دعاء).

стр. 2579

التوبة النصوح أيها الإخوة: لا شيء يُسْتَجْلَب به الرزق -بل وكل خير- ويُسْتَدْفَع به الشر -بل وكل سوء- إلا التوبة إلى الله، التوبة النصوح الصادقة، وذلك: بالرجوع عن كل ما حرمه الله من المعاصي والذنوب، إلى كل ما أمر الله به من الطاعات والقربات ويحقق للعباد توحيدهم. ويبتعدوا عن جميع ما ينافي التوحيد أو ينقصه أو يقدح فيه، ويحافظوا على فرائض الله بدءاً بإقامة الصلوات في المساجد جماعة، وتربية الأولاد عليها، وملاحظة النساء والبنات في البيوت على أدائها، وأداء زكاة الأموال كاملة، والقيام بجميع فرائض الله، كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، والحب في الله، والبغض في الله، وتعليم الناس الخير، إلى جانب الابتعاد والاجتناب عن جميع المحرمات والفواحش، وأجناس المسكرات، والمخدرات، والمفترات، والربا في المعاملات، والخيانة في الأمانات، واستعمال أنواع الملهيات، ووسائل الشر، كالدشوش، والتلفاز، وجميع هذه الوسائل التي تصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، وتدعو إلى الفاحشة والفضيحة. فعليكم -أيها الإخوة- وعلى كل مسلم التوبة إلى الله ، والتآمر بالمعروف، والتناهي عن المنكر، فيما يعود علينا بالخير، وأن يعاون بعضنا بعضاً، فالرجل يعين امرأته، فإن من النساء من يهديها الله إلى الخير؛ ولكن تُواجَه في البيت بعدم المعاونة من قبل البيت، بل بعض الأزواج يرغم زوجته على المعاصي، والعكس، يكون فبعض الأزواج طيب وفيه خير؛ لكن زوجته لا تتعاون معه على الخير، فتقوم بإفساد حياتها مع زوجها، وإفساد أولادها وبناتها، فلابد من التعاون على مستوى الأسرة، الرجل يعين امرأته على الدين، والمرأة تعين زوجها على الدين، والرجل يعين ولده، وقد يصلح بعض الأولاد ويلتزم، فإذا رأيت ابنك التزم فكن عوناً له على طاعة الله، والمرأة تعين ابنها، وتعين ابنتها: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]. التعاون فيما بيننا في مستوى الأسرة، والحي، والإدارة أو المدرسة، أو المؤسسة، أو الشركة، فإذا رأينا مديراً طيباً تعاونَّا معه، وإذا رأينا موظفاً طيباً تعاونَّا معه، وإذا رأينا من يقول الخير وقفنا بجانبه، وإذا رأينا من يقول الشر وقفنا في وجهه، لنكون كلمة واحدة؛ لأن صوت الحق الواحد ليس كاثنين وليس كثلاثة، وكلما زاد الخير انقمع الشر؛ ولكن حينما نسكت عن الخير، ويتكلم أهل الشر يزداد الشر، وأنت في طريقك إلى المسجد ترى طفلاً يلعب ولا يصلي قل: صلِّ يا ولد، وإذا مر الثاني وقال: صلِّ يا ولد، ومر الثالث وقال كذلك، ماذا سيكون الأثر عند هذا الولد؟! سيصلي؛ لأن الناس كلهم أمروه؛ لكن حينما تمر أنت وتسكت، ويمر الثاني ويسكت، ويمر عشرة ويسكتون، ثم يمر واحد ويتكلم فسينظر إليه نظرة استغراب ويقول: انظر إلى هذا الفضولي! كل الناس ذهبوا يصلون إلا هو، ما دخلُك؟! من أين جاء هذا الشعور؟! من الأنانية، والسلبية، وعدم الشعور بالتضامن في الدعوة إلى الله. كنت مرة في السوق، وأنا أشتري في محل خضروات، وآخذ من هذا ومن هذا، وإذا بامرأة كاشفة وجهها في محل آخر بجانبي تشتري من بائع آخر، فوقف شاب جزاه الله خيراً ينصحها فقال: تغطي. فلم تستجب للنصيحة، وقالت: ما علاقتك؟! ما دخلُك؟! لكن البائع الذي أمامها كان فيه خير، قال: ما دخلُه؟! كيف ما دخلُه؟! تهتكين دين الله، وتهتكين عرضك، وعرض زوجك، ثم تقولين: ما دَخلُه؟! لا بد أن يكون له دخل. أنا نظرتُ وسمعت الكلام فصحت عليها: نعم له دخل وهذا يصيح وذا يصيح وذاك يصيح ماذا فعلت المرأة؟! مباشرة قالت: جزاكم الله خيراً. وتغطت، لماذا؟! بالتعاون، والتضامن؛ ولكن لو أننا تركناه عند كلمته هذه، وتكلَّمَتْ عليه لانتصر الباطل. نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لكل خير، ونسأل الله سبحانه أن يحيينا وإياكم حياة طيبة، اللهم أحينا مؤمنين، وأمتنا مؤمنين، واحشرنا في زمرة النبيين والشهداء والصالحين، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم احفظ لنا أمننا، ونعمتنا، واستقرارنا، اللهم وفق ولاة أمورنا لما تحبه وترضاه، اللهم وفق شبابنا، وعلماءنا، ورجالنا، ونساءنا، وجميع المسلمين لما تحبه وترضاه، إنك على كل شيء قدير. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 2580

التزمت ولكن !! أصبح الالتزام بالدين والرجوع إليه ظاهرة ملموسة بين شباب الأمة، إلا أن هذا الالتزام قد يصل بصاحبه إلى مفترقات من الحيرة والتيه إذا لم يؤخذ بيده، ويوجه الوجهة الصحيحة، ويجاب عن أسئلته واستفساراته، حتى يستطيع مواصلة طريقه، ولا يبقى يراوح مكانه مهدداً خلال ذلك بالانتكاس، والنكوص عن طريق الالتزام.

стр. 2581

مقدمة عن الالتزام والهداية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، سيدنا وحبيبنا وإمامنا وقدوتنا محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثره وسار على دربه، واتبع شريعته ودعا إلى ملته. أما بعد: أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله كما جمعنا في هذا المكان الطاهر، وفي هذه الليلة الشريفة وجمعنا على طاعته، وعلى ذكره بعد أداء فريضته، أسأله بأسمائه الحسنى، وبصفاته العلى أن يجمعنا في جناته جنات النعيم، وآبائنا وأمهاتنا، وإخواننا وأخواتنا، وزوجاتنا وذرياتنا، وجميع إخواننا المسلمين برحمته إنه أرحم الراحمين. التزمت ولكن!! عنوانٌ مثيرٌ للتساؤل، يبحث في مشكلة ويقدم الحلول المناسبة لها، هي في الأصل ليست مشكلة بل هي بارقة أمل، وصحوة قلب، ودليل عافية، وعملٌ لا بد منه. الالتزام هو: التمسك بطاعة الله، وأداء فرائض الله، والبعد عن محارم الله، والاستقامة على منهج الله، هذا المعنى العام لكلمة الالتزام. وظاهرة الالتزام: ظاهرة منظورة وملاحظة ومشهودة، ليس أدل عليها من حضوركم، فهذا الحضور الغفير، وهذا الجمع الكبير يبعث على الأمل، لا سيما إذا عرفنا أن معظم الجالسين من الشباب الذين سلكوا طريق الهداية إلى الله، وتركوا خلفهم كل طرق الغواية والضلال، ولم يستجيبوا لكل نداءات الشهوة والحرام، ولبوا نداء ربهم: لبيك اللهم لبيك، وبرهنوا على ذلك بتمسكهم بأوامر الله، والتزامهم بشريعة الله، واستقامتهم على منهج الله. لكن، ماذا بعد الالتزام؟ وماذا يعني الالتزام؟ وماذا يطلب من الملتزم إذا التزم؟ وما هو البرنامج العملي الذي يجب أن يسير عليه حتى يصل إلى ساحل النجاة وبر الأمان، وحتى يدخل إلى جنة الرضوان، وينجو من عذاب النيران؟ أسأل الله كما هدانا أن يرزقنا الثبات حتى الممات، وأن يجعل لنا بصيرةً في أمرنا، ونوراً في قلوبنا، وعقولنا، وأبصارنا، وأسماعنا، وجوارحنا، ونوراً من بين أيدينا، ومن خلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ومن تحتنا، فإنه لا نور إلا نوره، ولا توفيق إلا من عنده، هو الموفق يوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، يهب الخير إذا طُلب (يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم) اللهم اهدنا يا رب العالمين! فقد كان سيد الهدى يطلب الهدى، ويقول فيما روته عائشة في الصحيحين: (كان ﷺ إذا قام من الليل يقول: اللهم رب جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم) وهو سيد الهدى، فاللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بعلمك وبإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم. فإن هناك موفق وهناك مخذول، وهناك مضل وهناك مهدي، فلا مهدي إلا من هدى الله، ولا موفق إلا من وفقه الله. اشترى قاضٍ من قضاة البصرة جارية -في عهد السلف - وفي أول ليلة وهي في بيته قام آخر الليل يتفقدها؛ لأنه لا يعرف أخلاقها، فلما دخل غرفتها إذا هي ليست في الغرفة، فأساء الظن. أين ذهبت؟ وحينما بحث وجدها في زاوية غرفتها وهي تناجي ربها في آخر الليل، وتقول وهي ساجدة: اللهم إني أسألك بحبك لي أن تغفر لي، -تسأل الله في حبه لها أن يغفر لها- فلم يستسغ الشيخ هذه العبارة وقال: إن الأولى أن تقول: اللهم إني أسألك بحبي لك -لأن الإنسان يتوسل بفعله وعمله- أن تغفر لي، فانتظرها حتى سلمت ثم قال لها -وهو عالم-: لا تقولي اللهم إني أسألك بحبك لي؛ وإنما قولي: اللهم إني أسألك بحبي لك، قالت له: ليس المهم أن تُحِب، لكن المهم أن تُحب، لولا حبه لي ما أيقظني وأغفلك، أي: حبه لي هو الذي جعلني أقوم. وليس المهم أن تحب قد تحب شخصاً لكنه لا يحبك، ولهذا النبي ﷺ كان يسأل الله حبه: (اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب كل عملٍ يقربني إلى حبك، اللهم اجعل حبك إلي أحب من الماء البارد على الظمأ، -ثم يقول- اللهم ما أعطيتني مما أحب؛ فاجعله لي عوناً على ما تحب، وما زويت عني مما أحب؛ فاجعله لي فراغاً فيما تحب) انظروا الكلام العظيم! (اللهم ما أعطيتني مما أحب) لأن الإنسان يعطى أشياء يحبها، يعطى المال وهو يحبه، ويُعطى الزوجة وهو يحبها، ويُعطى المنصب وهو يحبه، ويُعطى الولد وهو يحبه، فيقول ﷺ : (اللهم ما أعطيتني مما أحب -من هذه الأشياء- فاجعله عوناً لي على ما تحب) اجعل الزوجة عوناً لي على محبتك، واجعل المال عوناً لي على محبتك، واجعل الأولاد عوناً لي على محبتك، واجعل المنصب عوناً لي على محبتك؛ لأن من الناس من يُعطى مما يحب؛ فيكون ما يُحب قاطعاً له عن محبة الله، الزوجة التي يحبها تقطع الطريق بينه وبين الله، المال الذي يحبه يقطع الطريق بينه وبين الله، فيصبح حبه لهذه الأشياء مانعاً له من محبة الله .

стр. 2582

حقيقة الالتزام الالتزام -أيها الإخوة- يحتاج من الإنسان إلى فهم لمعناه، ولحقيقته ولمقتضياته. أما معناه: فهو التمسك والاستقامة على دين الله ظاهراً وباطناً، التزامٌ في المعتقد، والتزامٌ في العبادة، والتزامٌ في السلوك والأخلاق، والتزامٌ في التعامل، هذا هو الالتزام الكامل، التزامٌ في الباطن، والتزامٌ في الظاهر، التزامٌ في المسجد، والتزامٌ في العمل، والتزامٌ في السوق، والتزامٌ في البيت، لماذا؟ لأنك خضعت: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. فالدخول في الدين والالتزام يجب أن يكون دخولاً كاملاً، ليس دخولاً جزئياً تشليحياً، يشلح الدين، يأخذ من الدين لحية وثوباً فقط، وذاك يأخذ من الدين صلاة فقط، لا. الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] ما رأيكم! برجل ذهب للتشليح وأخذ له (دركسوناً) ووضع فوق رأسه (بوري) ومشى بالشارع ويضرب (بوري) هل هذه سيارة؟ لا. (بوري) و (دركسون) فقط؛ لكن أين السيارة؟ السيارة لها أجزاء لا بد من توفرها، كذلك الدين له أجزاء لا بد من توفرهما، لا تأخذ من الدين (البوري) ولا تأخذ فقط (الدركسون) و (الإشارة)، خذ الدين كاملاً كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة:٢٠٨].

стр. 2583

بعض المشاكل التي تقع للملتزم بعد التزامه هذه الظاهرة والحمد لله التي نشهدها في شباب الأمة رغم جهود أعداء دين الله، وضراوة الهجمات، وشراسة الأساليب التي تسلط على الشباب من أجل إبعادهم عن دينهم، وزعزعة عقيدتهم من قلوبهم، ولكن والحمد لله تواجه كل هذه الجهود بالالتزام والتمسك، والعودة إلى الله، غير أن الشباب الملتزم بعد الالتزام يواجهون ببعض المشاكل. منها أولاً: الجهل بما يجب أن يفعله بعد التزامه، يقول: التزمت؛ لكن ماذا أعمل الآن؟! ليس لديه منهج، وليس له برنامج، وليس عنده خطوات يمشي عليها، مجرد أنه التزم ثم أين يذهب؟ فيرتب له هذا الجهل الوقوع في بعض المعضلات، أهمها: الانتكاس؛ لأنه إذا التزم ومشى فترة ولا يعرف ماذا يفعل، ماذا يعمل بعد ذلك؟ يرجع إلى ما كان عليه والعياذ بالله. ومنها: الالتزام الأعوج، بدل أن يلتزم التزاماً مستقيماً؛ يلتزم التزاماً أعوجاً، أعوج في أخلاقه، أعوج في تصرفاته، أعوج في فهمه للنصوص، أعوج في تعامله مع نفسه، أعوج في تعامله مع زوجته وأولاده، أعوج في تعامله مع والده ووالدته، أعوج في تعامله مع مديره وزملائه في العمل، لماذا؟ لأنه التزام خاطئ، ما عرف الالتزام، ويظن أنه على هدى بسبب جهله بمعنى الالتزام، وبما تقتضيه عملية الالتزام من عملٍ بعد ذلك. وفيها: الالتزام الأجوف، ونعني بالالتزام الأجوف: أن يلتزم الإنسان في الشكل، ولا يلتزم في المضمون، فيكون أجوف، ظاهره طيب، لكن باطنه خراب، هذا لا ينفع، لا بد من الالتزام الكامل الذي يشمل الظاهر والباطن. ومنها: الفهم المغلوط للدين، لم يفهم الدين كما أراد الله، ولم يتلقاه عن كتاب الله، وسنة رسول الله؛ لكن فهمه فهم مغلوط، أو أحياناً يتلقى بعض الأفكار الضالة، والعقائد المنحرفة، كعقيدة الخوارج، أو كعقيدة المعتزلة، أو كعقيدة الأشاعرة، أو كعقيدة -والعياذ بالله- القدرية، أو عقيدة المرجئة، هذه عقائد كانت واندثرت؛ لكن بقيت مضامينها موجودة في الناس، قد يقول أحدكم: كيف؟ أقول: عقيدة الإرجاء تعتمد على: أن الإيمان ليس له علاقة بالعمل، إذ لا يضر مع الإيمان عندهم معصية، ولا ينفع مع الكفر عمل، فيقولون: أنت تؤمن بالله، وتصدق بلسانك، أما العمل ليس من الدين وليس من الإيمان، هذه العقيدة ضيعت دين الله، وأذهبت شريعة الله، ولكنها الآن موجودة في كثيرٍ من الناس، عندما تأتي تكلمه عن أوامر الله مثل الصلاة في المسجد، وإطلاق لحيته، قال: يا شيخ! ربنا رب قلوب، إن الله لا ينظر إلى صوركم، الله ينظر للقلوب، أنا مؤمن بربي بس فقط، هذه العقيدة موجودة عند خمسين أو ستين في المائة من الأمة، يقول: يا شيخ! الدين في القلوب، الدين ليس في اللحية، ولا في الصلاة في المسجد، الدين في القلب، أنا قلبي طيب، بل بعضهم لا يعمل عملاً قط ويقول: قلبه طيب. كنت مرة قبل فترة في قطر وأثناء وجودي في الفندق سمعت أزيز الموسيقى يكاد الفندق يرقص بآلة صاخبة لها ضجيج وأنا أطلع في المصعد أنظر من أين الصوت، وإذا هناك رجلٌ أبيضٌ، رأسه كبير وأصلع، عنده أجهزة موسيقى ضخمة، وهو الذي رج الفندق كله بدقته على هذه الأجهزة، قلت: إنه غربي، ثم بعد فترة نزلت أصلي وبينما أنا أنظر إذا به واقف عند العلاقات العامة للفندق فدعاني صاحب العلاقات يعطيني رسالة، فجئت وإذا بهذا يسلم علي، نفس الرجل الطويل الكبير الذي رأيته يعزف الموسيقى، قلت: أنت عربي؟ قال: نعم. قلت: مسلم؟ قال: نعم. قلت: من أهل السنة؟ قال: نعم. قلت: من أي بلاد الله؟ قال: من لبنان، قلت له: أنت الذي كنت تدقدق وتغني؟ قال: نعم، هل أعجبك غنائي؟ قلت: أسألك سؤالاً بالله عليك، هل هذا الغناء والطرب وهذا اللعب ينفعك بعد الموت يوم تقف بين يدي الله؟ قال: لا والله يا شيخ! -باعترافه يقول: والله يا شيخ! ما ينفعني، وفعلاً لا ينفع- قلت له: فكيف تعيش على عمل لا ينفعك بعد الموت؟ قال: والله يا شيخ! أنا مؤمن بقلبي وهذه عقيدتي، قلت: يعني أنك لا تصلي، قال: لا والله لا أكذب عليك، قلت: لماذا؟ قال: أمي تصلي. أمه تصلي بالنيابة، انظر العقيدة! يعني: كون أمه تصلي إذاً سقط عنه التكليف، وكونه يؤمن بالله بقلبه؛ فلا يوجد تكليف. هذا نموذج من الناس من مئات الملايين من المسلمين ليس في بلادنا فقط، الملايين من المسلمين ألف مليون مسلم، ليس في بلادنا إلا ستة عشر مليوناً من المسلمين، والبقية في العالم وهذه عقيدة أكثر الناس. عقيدة الخروج والخوارج تأتي عند المتدينين الذين يفهمون الدين ويتحمسون له ويندفعون إليه، ثم يكبر في قلبهم الحماس حتى يتجاوزونه، ولهذا سموا المارقة، لماذا؟ لأنهم يمرقون من الدين، يقول ﵊ فيهم: (يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وعبادته إلى عبادتهم، ثم قال: يمرقون من الدين كما تمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون إليه) يقرءون القرآن؛ لكن لا يجاوز حناجرهم، حظهم من القرآن التلاوة، لكن لا يفهمون منه شيئاً، ولا يدخل في قلوبهم منه شيء، موجودة هذه في كثير من المجتمعات تراه يتوقد ويحترق حماساً للدين، لكن ليس هذا هو الدين، الدين ما شرع الله، وشرع رسوله ﷺ . من أين تأتي مثل هذه الأشياء؟ تأتي من الخطأ في الالتزام، الالتزام يحتاج إلى ضوابط، وإلى موازين بحيث لا ينحرف الملتزم فيضل أكثر من ضلال ذاك المفلوت؛ لأن المفلوت في الشر، والواقع في الغناء والزنا والمعاصي منحرف ويعرف أنه منحرف، ولذا يمكن أنه في يوم من الأيام يتوب، أما الملتزم خطأ، يمشي في الخطأ ويظن أنه على هدى، ولذا ليس هناك أمل أنك تصلحه؛ لأنه يحسب أنه على الهدى ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ [التوبة:٣٧] فتأتي الخطورة في انحراف الملتزم من هذا الجانب.

стр. 2584

الواجب على الملتزم بعد التزامه يبدأ السؤال ما الواجب عليَّ بعد الالتزام؟ هذا السؤال يتردد في ذهن كل شخص، ماذا أعمل بعد الالتزام؟ العمل بعد الالتزام كالتالي:

стр. 2585

تغيير ما كان عليه في السابق أولاً: أن تعرف أنك بالالتزام قد انتقلت من حياة إلى حياةٍ جديدة، وأقبلت على الله، فينبغي أن تهيئ لنفسك مناخاً يتناسب مع الحياة الجديدة، وأن تجري تغييرات في أسلوب حياتك، الكتاب الذي كنت تقرأه؛ تغيره بالكتاب الإسلامي، المجلة التي كنت تقرأها وهي غير إسلامية؛ تبدأ تغيرها بمجلة إسلامية، والشريط الغنائي الذي كنت تسمعه؛ تغيره بشريط إسلامي، وإذا كنت تنام متأخراً تبدأ تنام مبكراً؛ لأنك ستقوم لصلاة الفجر، الصديق والزميل الذي كنت تمشي معه على الباطل تغيره بصديق وزميل تمشي معه على الحق، العلاقة التي كنت تربطها بالقهوة وبالشارع وبالرصيف وبالسوق تقطعها وتبدأ علاقة جديدة بالمسجد وبحلقات العلم، لماذا؟ لأنك ملتزم تغيرت ما عدت كما كنت، عينك تغيرت، كانت تحب النظر في النساء، والآن لاتلتفت ولا تنظر، أذنك تغيرت كانت تسمع الغناء والآن لا تسمع، لسانك تغير كان يتكلم في الحرام والآن لا يتكلم، كل شيء تغير في حياتك، ويجب أن توطن نفسك، وتشعر نفسك، وتستشعر من قرارة نفسك أنك قد انتقلت من حياة إلى حياة، ومن وضعٍ إلى وضع، فينبغي لك أن تتكيف على الجو الجديد، وعلى المناخ الجديد، وأن تتعامل معه على هذا الأساس، هذا أول شيء، وهو شعور قلبي يترجم إلى واقع عملي ينبعث من عمق النفس البشرية، وهذا يتطلب منه الخطوة الثانية.

стр. 2586

تعلم العلوم الشرعية أن يتعرف ويتعلم هذا الدين الذي التزم به، فيبدأ في العلم بحفظ القرآن الكريم، ويبدأ بدايات مرشدة، يحفظ جزء عم، ثم جزء تبارك، ثم جزء قد سمع، ثم تحفظ إلى (ق) واسمه المفصل؛ لأن سوره مفصلة، وكلما قرأت سورة تأخذ تفسيرها من القرآن، ماذا أراد الله مني؟ ماذا يطلب الله مني؟ تقف عند الآيات، تراجع نفسك مع مضمون هذه الآيات، كما كان السلف ﵃ يعملون، يقول عبد الله بن مسعود: [كنا لا نتجاوز العشر آيات من القرآن حتى نعيهن ونعمل بهن] إذا أكمل العشر الآيات وطبقها انتقل إلى العشر الأخرى، ولذا فهم يتعلمون ويعملون، واليوم نقرأ القرآن من أوله إلى آخره، وإذا أكمل الفرد منا القرآن أوقفه وقل: بالله ما قرأت؟ يقول: القرآن، حسناً ماذا أمرك الله فيما قرأت؟ قال: لا أعرف، وماذا نهاك الله فيما قرأت؟ قال: لا أعرف، ما هي القصة التي مررت عليها في القرآن؟ ما هي النواهي؟ وما الأخبار؟ لا شيء، يقرأه ولا يدري ماذا قرأ، هذا ليس تعاملاً شرعياً مع القرآن، الله أنزل القرآن ليُعمل به بعد التدبر، يقول : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] ويقول : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] فأول شيء أن تتعلم الدين الذي التزمت به، وتعرف الطريق الذي سرت فيه، أنت التزمت الآن؛ لكن لا تدري ما الذي التزمت به؟ فتبدأ بحفظ القرآن، الأجزاء الأولى منه، دراسة تفسيرها، وحفظ شيء من السنة، تبدأ بـ الأربعين النووية، وتقرأ شروحها من كتاب ابن رجب الحنبلي جامع العلوم والحكم، وتبدأ بـ آداب المشي إلى الصلاة الذي ألفه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، تبدأ بـ الأصول الثلاثة في العقيدة، تقرأ مختصر السيرة النبوية لـ محمد بن عبد الوهاب أيضاً، تبني نفسك علمياً لكي يوجهك العلم، وأنت ماشي تجد العلم يوجهك؛ لأن العلم نور، والذي يمشي بغير علم مثل الذي يمشي في الظلام، والذي يمشي في الظلام يقع في الحفر ويقع في الآفات، وربما يصاب في طريقه وهو لا يشعر. فلا بد أول شيء بعد الشعور أنك انتقلت إلى الحياة الإيمانية، أن تبدأ في الحياة العملية بطلب العلم، وترفق العلم بالعمل سواء، ولا تقل: أتعلم ثم أعمل، لا. كلما علمت تعمل، أي شيء تعرف أنه من الدين بدليل من الكتاب والسنة تطبقه مباشرة، فتتعلم وتعمل في آنٍ واحد.

стр. 2587

إجراء بعض التعديلات في أسلوب الحياة ثم إجراء التعديل في أسلوب حياتك -مثلاً- في العبادة، كنت تصلي لكن تصلي صلاة عادية، مثلما يصلي أكثر الناس الآن، يأتي متأخراً، ويدخل ويكبر ثم يستسلم للأفكار وللخطرات والمعاني، ثم يسلم ويذهب بلا سنة، لا. الآن انتهى. أنت ملتزم، متى تأتي؟ قبل الأذان، وإذا تأخرت فمع الأذان، أما تكبيرة الإحرام، فلا تفوتك، يقول أحد السلف: إذا رأيت الرجل تفوته تكبيرة الإحرام فانزع يدك منه فإنه ليس بشيء -هذا الذي تفوته تكبيرة الإحرام كيف الذي لا يصلي؟! - فتكون في صلاتك ملتزماً، الصف الأول لك، بل الروضة لك، بئس العبد الذي لا يأتي إلا إذا دعي، الذي لا يأتي إلا بعد الأذان هذا بئس العبد، ولذا كان معظم السلف لا يسمعون الأذان من خارج المسجد. يقول: سعيد بن المسيب: [والله ما نظرت إلى ظهر مصلٍ] يعني: لا يصلي إلا في الصف الأول، ويقول: [والله ما سمعت الأذان من خارج المسجد خمسين سنة، ولا خرجت إلى المسجد يوماً فلقيني الناس وقد انصرفوا] يقول: ما خرجت ولقوني وقد انصرفوا من الصلاة هذه هي العبادة، هذا هو الالتزام الصحيح، فتجري تغييراً في أسلوب أدائك للصلاة، بأن تؤدي الصلاة مع أول الناس، ثم في الصلاة كيف تصلي؟ الصلاة هي حركة جسد، وحركة قلب، فتكبر بتحقيق وتقرأ بترتيب، وتتأمل معاني القراءة، ثم تركع بخشوع، وتسجد بخضوع، وتجلس بيقين، وتتشهد بطمأنينة، وتسلم في رجاء، وبعد هذا لا تدري أقبلت صلاتك منك، أم ردت عليك. يقول أحد السلف: والله لأن تختلج الأسنة بين كتفي أحب إليَّ من أن أذكر شيئاً من دنياي في صلاتي، فكيف بصلاتنا يا إخواني؟! -لا إله إلا الله- فيتغير وضعك مع العبادة، ثم يتغير وضعك مع النافلة، كنت قبل ذلك تصلي الفرض وتذهب، لا. الآن أنت ملتزم، تصلي الفرض وتصلي الرواتب، وتصلي النوافل وتقوم الليل، وتصلي ركعتي الضحى، هذه لا تتركها؛ لأنك ملتزم، والله إنه شيء يؤلم -أيها الإخوة- أن نرى في بعض المساجد أكثر من يقضي الركعات في الصلاة الملتزمين، وتجد العوام العاديين في الصف الأول، إذاً من الملتزم الحقيقي؟ الذي في الصف الأول، أما ذاك ولو كانت سيماه سيما الالتزام، لكن عمله ليس عمل التزام. أيضاً في الإنفاق أنت ملتزم، يجب أن تدخر لك شيئاً عند الله، من مصروفك الشخصي إن كنت طالباً، أو من مصروفك العائلي إن كنت رب الأسرة، اجعل شيئاً لله من دخلك، ولو عشرة ريال في الشهر، أو خمسين أو مائة ريال. وأيضاً في علاقتك بالعلماء، وفي علاقتك بمجالس العلم بالندوات، في علاقتك بكل عملٍ يحبه الله ويرضاه أجر تغييراً على الوضع. أيضاً في السلوك والتعامل والأخلاق، كنت تمر في الشارع وتمشي بالسيارة، وتفحط وتسرع، لكن الآن بعد أن التزمت لا بد أن تمشي بهدوء. إذا شغلت السيارة قل: بسم الله، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، تحركت السيارة تتحرك بأدب؛ لأنهم يقولون: القيادة فن وذوق وأخلاق، وأنا أقول: القيادة دين وذوق وأخلاق، تعرف دين الإنسان من قيادة السيارة، تمشي تمسك جانبك الأيمن، تريد أن تتجاوز؟ تتجاوز بأصول، أتيت الإشارة تقف، لا تسرع: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ [الإسراء:٣٧] لماذا؟ لأن مشيك في الشارع وأنت ملتزم عبادة ودعوة، إذا رآك الناس وأنت تمشي في الشارع وجاء شخص يريد أن يدخل توقفت له لكي يمشي ونظر إليك وشكرك ورأى لحيتك؛ ماذا يقول؟ يقول: ما شاء الله! انظروا كيف هم المتدينون، الدين يا جماعة! خير عظيم، الدين يهذب الأخلاق، كيف تعلم هذا من الدين أن يترك لي فرصة السير، لكن لو أتيت ورأيته يريد أن يدخل، وهو داخل وأنت تريد أن تسبقه ونظر لحيتك، قال: انظر المطوع المعقد هذا، ولا أعقد من المطاوعة هؤلاء، هذا (أبو دقنة)، هذا يضايقني، مشيك في الشارع إما دعوة لك وإما دعوة عليك. بل كنت مرة من المرات وأنا في أبها إمام مسجد، وأنا آتي من بيتي وفي شارع عام ذي اتجاهين يفصلني عن المسجد، فوقفت على الشارع أريد أن تمر السيارات وأمشي، فجاء أحد المصلين ووقف بجانبي، وأحد الإخوة جاء مسرعاً، ولحيته ما شاء الله! تملأ صدره؛ لكنه مسرع، وإذا بهذا الأخ يقول لي: انظر انظر لحيته يا شيخ! قلت: وما في لحيته؟ قال: يسرع، قلت: من الذي يسرع لحيته أم رجله؟ من الذي داس بنزين؟ قال: رجله، قلت: حسن ولماذا لا تقول: انظر أنفه أو انظر عينه؟ لماذا ما نظرت إلا للحيته، أم أنك لا تريد اللحية، قال: لا. هذا مطوع مفروض أنه لا يسرع، انظروا كيف الناس! يقول: المطوع من المفروض أن لا يسرع. فأنت إذا التزمت؛ عليك أن تجري تغييراً حتى في قيادة السيارة. ثم تجري تغييراً في التعامل، وأنت موظف تدخل الفصل أو المكتب تقول: السلام عليكم، وتبتسم، وتقول: صبحكم الله بالخير يا إخوان! كيف حالكم؟ عساكم طيبين؟ بعد ذلك تكون سباقاً إلى الخير في الخدمة، والأخلاق، والكرم، وفي كل شيء؛ لماذا؟ لأنك ملتزم، علمك الدين الالتزام، كنت قبل ذلك لا تبالي، ليس عندك أخلاق، ولا عندك ذوق، ولا تراعي، ولا تكرم الناس، ولا تسلم على الناس؛ لكن عندما التزمت يفرض عليك التزامك أن تغير أخلاقك بأخلاق الإسلام. لكن الحقيقة أن هناك الآن توجه عكسي، تجد بعض الشباب لديه أخلاق، فإذا التزم تغيرت أخلاقه، يدخل على زملائه في المكتب ينظر إلى لحاهم محلوقة فيجلس، ماذا هناك؟ قال: لا أسلم على العصاة، ما شاء الله! هل هذه دعوة؟ إذا كانوا عصاة في حلق لحاهم؛ فأنت أكبر عاصٍ في تعاملك السيئ معهم، عليك أن تسلم وأن تبش، وأن تبتسم، وأن تكرم، لكي تكسب قلوبهم، لكن إذا تعاملت معهم بهذا المنطق؛ تبغضهم في الله، ولا تسلم عليهم ماذا يعملون هم؟ يبغضونك، وإذا أبغضوك أبغضوا من؟ أبغضوا دعوتك ودينك، فتكون أنت بتصرفك هذا بدل أن تدعوهم تطردهم، تنفر الناس عن دين الله، فيجب أن يتغير وضعك.

стр. 2588

تغيير الوضع في البيت مع الأهل ثم يتغير وضعك في البيت مع المرأة عندما التزمت ما شاء الله! صرت في البيت باستمرار، كنت من قبل تائه في المقاهي، وفي الاستراحات؛ لكن بعدما التزمت، وأصبح لا يوجد لك مكان إلا بيتك، من بعد العشاء وأنت في البيت، بعد المغرب في البيت، بعد العصر في البيت، أين تذهب؟ إلى المسجد. أين كنت؟ في المسجد، أين ستذهب؟ للندوة، بعد ذلك المرأة تشعر أنك موجود، ثم أعطيتها حقها من الابتسامة ومن المعاشرة والإكرام، والعدل إن كان عندك زوجتان، ومن التعامل الطيب، ومن الجلوس الطيب، ومن الخدمة في البيت، فإذا رأيتها تغسل في المطبخ تأتي وتقول: أنت تغسلين وأنا أصفي، هل هذا عيب؟ لا والله، كان ﷺ يفعل هذا في بيته، كان يكنس البيت، ويخدم مع أهله، وعندما تفعل هذا مع المرأة في البيت ما هو انعكاسه عليها، ماذا تقول؟ تقول: جزاه الله خيراً، من يوم التزم وربي هداه، وتحب الالتزام، وتلتزم. لكن إذا التزم بعض الشباب وعنده زوجة، لم تعد تراه أبداً، تقوله له: أين كنت؟ قال: مع الإخوة في الله -من المغرب إلى الفجر- وإذا أتى في الصباح صلى الفجر وعاد للبيت ينام إلى الظهر، وخرج فتقول له: إلى أين أنت ذاهب؟ فيقول: عندي رحلة، عندي التزام، عندي موعد، عندي ندوة، قالت: الله أكبر عليك! من يوم التزمت لم نعد نراك، وتكره الالتزام. إذاً الالتزام يقتضي منك أن تكون موجوداً في بيتك. أيضاً تعاملك مع والدك ومع والدتك، من يوم أن تلتزم تعود إلى الوالد تلتصق بالوالد تكون ظل الوالد، إذا خرج إلى السوق تخرج معه، أو تتقضى له أنت، وإذا جاءه ضيف ترحب به وتصب القهوة له، وتفتح البيت له، وقبل أن تخرج من البيت تقول: يا أبي تريد شيئاً؟! تريد أن تذهب إلى مكان؟ تأذن لي؟ إذا قال أبوك: اذهب؛ فاذهب، وإذا قال: اجلس، تقول: حاضر يا أبي! فماذا يكون انعكاس هذا على والدك، يقول: الحمد لله ولدنا منذ هداه الله والتزم بالدين والله إنه طيب، وأخلاقه صارت طيبة، وبدأنا نراه، والآن ينفعنا، ويقوم بلازمنا، ويحب الالتزام؛ لكن بعض الشباب إذا التزم انقطعت صلته بوالده، لماذا؟ قال: أبي عاصي لا تجوز خدمته، فيكره الوالد الولد، ويكره الالتزام، وإذا رأى ولداً آخر من أولاده يريد أن يلتزم ضربه، قال: لا. تريد أن تكون مثل فلان.

стр. 2589

تزكية النفس ولا بد أن تجري تغييراً مع نفسك في تزكيتها؛ لأنك ملتزم، كنت قبل ذلك إذا مشيت في الشارع ورأيت امرأة جلست تنظر فيها، أو سمعت أغنية جلست تسمعها، أو رأيت ملعباً قعدت تلعب فيه، وإذا رأيت مجموعة في رصيف جلست معهم، لكن عندما صرت ملتزماً؛ أصبحت مسئوليتك تجاه نفسك أكبر أن تزكيها، يقول الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٧ - ٩] يجب أن تزكيها؛ لأنك ملتزم، ولا تدسيها؛ لأنك ملتزم، ما دام أنك وضعت نفسك في هذا الموضع، والله أكرمك بأن التزمت بالدين، فيجب عليك أن تزكي نفسك وتطهرها، وتنقيها، وتصونها، وتحميها من الذنوب، ومن المعاصي، ومن الآفات، ومن الأماكن التي لا تليق بها. ثم أن تعمل لهذا الدين، الله هداك لهذا الدين فما موقفك؟ أن تعمل له، وأن تخدمه، وأن تدعوا إليه، وأن تمد حبال المجال للآخرين لكي تأتي بهم، حتى يكثر سواد المسلمين، ويكثر الخير، وينتشر الخير، ويعم الفضل، وهذا من مسئولياتك؛ لأنه إن لم تدع أنت وأنت الملتزم بالدين؛ فمن تتوقع أن يدعو إليه غيرك، إنها مسئوليتك، وجزءٌ من عملك أمام الله .

стр. 2590

قطع الصلة بالحياة السابقة أيضاً هناك شيء مهم وهو: أن تقطع الصلة بالحياة السابقة، وهذا فعل الصحابة، كان الرجل منهم يدخل في الإسلام، ويخلع على عتبة الدين كل ملابس الجاهلية، ولا يلتفت إليها، ولا يحن إليها، ولا يبقى في قلبه أي رغبة فيها، فتقطع صلتك بالحياة الأولى، القرين السيئ، زميل السوء، أماكن السوء التي كنت تذهب وتسمر فيها خلاص، شريط السوء الذي كنت تسمعه، فيلم السوء الذي كنت تراه، أي مكان له علاقة بوضعك الأول قبل الالتزام اقطع الصلة به؛ لأن استمرار الصلة به معناه الحنين إليه، والرغبة في العودة إليه، وهذه بداية الانهزام، وإنما تسلك الطريق ولا تنظر إلى الخلف، إذا نظرت إلى الخلف خارت قواك. يقول ابن القيم ﵀: انظر إلى الظبي وكلب الصيد، فالظبي إذا رأيته كأنه خلق للطيران -بطن الظبي لاصقة بظهره- وإذا أسرع في المشي تظن أنه لا يمس الأرض وأنه يسبح في الهواء، وكلب الصيد ليس سريعاً كالظبي، ولكن لماذا يمسك بالظبي؟ السبب أن الظبي يجري ويلتفت، يريد أن يتأكد هل الكلب وراءه أم لا؟ والكلب يجري ولا يلتفت وعينه إلى الأمام، فكلما التفت الظبي خارت قواه درجة، وزادت في قوى الكلب درجة؛ لأن الكلب يُعرف أنه لا يلتفت إلا وهو متعب، فذاك يشد وذاك يضعف، إلى أن يمسك به، لكن يقول ابن القيم: لو أن الظبي مشى ولم يلتفت؛ لا يطلبه الكلب ولا يصل إليه. وأنت تمشي إلى الله مسرعاً، يقول الله: ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران:١٣٣] أي: سابقوا؛ لأن وراءك كلب يريد أن يمسك بك، وهو الشيطان، فإذا مشيت ولم تلتفت، لا يستطيع أن يقبض عليك؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤٢] لكن إذا التفت إلى الأغنية التي كنت تسمعها، ومرت عليك في الراديو قلت: أريد أن أسمعها قليلاً، أمسك بك الشيطان، التفت إلى المرأة، التفت إلى القهوة التي كنت تسمر فيها، والاستراحة التي كنت تقعد فيها على الدش، قلت: سأذهب هذه الليلة، هذه بداية الانتكاس، فاقطع صلتك بالماضي، وافطم نفسك عنه بالكلية، حتى ولو للدعوة؛ لأن الشيطان قد يأتي بك بطريق مبرر، ويقول لك: زملاءك، أقرانك، أحبابك، إن الله هداك؛ فلماذا لا تذهب لتهديهم؟ أنت في هذا الطور لا تستطيع أن تهدي، بالكاد تتعافى فقط، ما نريدك أن تهديهم، اهد نفسك فقط؛ لأنك إذا رجعت إليهم تريد أن تهديهم؛ سحبوك، وأرجعوك إلى ما كنت عليه؛ لأنك لست مؤهلاً لعلاجهم؛ لأن العلاج لا يأتي إلا على طريق الأطباء، أما المرضى إذا تعافى المريض يعافي نفسه، أما أن يتحول من مريض إلى طبيب فإنه سيرجع مريضاً.

стр. 2591

المعوقات في طريق الالتزام مما يعين على الثبات وعلى الالتزام: أن يعرف الإنسان أن طريق الالتزام فيه كثيرٌ من المعوقات، ليس طريقاً سهلاً، وليس طريقاً مفروشاً بالورود، بل طريق صعب وشاق، يقول ﵊: (حفت الجنة بالمكاره) وأنت ما هدفك من الالتزام؟ الجنة. كل شخص يلتزم لكي يحصل على الجنة، وينجو من النار، حسن (حفت الجنة بالمكاره) كيف تصل إلى الجنة؟ لا تصل إلا عبر تجاوز هذه المكاره، فوطن نفسك؛ لأنك ما دمت تريد الجنة لا بد أن تتجاوز المكاره، مثل الذي يريد أن يتخرج من الجامعة، حفت الجامعة بالمكاره، ما هي المكاره؟ الدروس، ولا بد أن تدرس ست سنين، وثلاث متوسط، وثلاث ثانوي، وتدخل في الجامعة، وتأخذ كتباً وتدرسها حتى تتخرج، شخص يقول: أريد شهادة جامعية؛ لكن لا أريد أن أدرس، أريد أن أجلس في البيت، الدروس تعقيد ومشاكل، ودوام في الصباح، وأربعين دقيقة حصة، ومدرس يضربنا، ومراقب يلطخنا، وامتحانات يمتحنونا، والله ما أريد أن أدرس، أنا أريد فقط الشهادة في آخر السنة، ولكن من غير دراسة! هل أحد يعطيه هذا؟! لا. ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبسِ الذي يريد الجنة يصبر على المكاره. وما هي المكاره التي تقف في طريق الملتزم؟ أولاً: الضعف عن مقاومة الإغراءات، يوجد في الطريق إغراءات، وفي النفس شهوات طبع الإنسان عليها، مثل: شهوة النساء، وشهوة المال، وشهوة النوم، وشهوة اللعب، فيها حلال وفيها حرام، مغريات، النفس البشرية تدعوك إلى هذه المغريات، والعقل والقلب الإيماني يدعوك إلى الترفع عنها، فلا بد أن توطن نفسك على ألا تستجيب لهذه الإغراءات ولهذه الشهوات حتى تسلم، أما إذا ظننت أن بإمكانك أن تكون ملتزماً مع الاستجابة للشهوات، فتسمع الحرام، وتشرب الحرام، وتمشي وتسهر على الحرام، وتظن أنك ستبقى ملتزماً، هذا غير صحيح! ولا يمكن أن يكون، ولا يقبل. أيضاً الضعف عن ممارسة واستمرار أداء العبادات؛ لأن العبادات فيها تعب، يقول الله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] جعلنا الله وإياكم منهم، الصلاة والعبادة ليست عملاً تؤديه مرة فقط، لا. بل تؤديه وتؤديه وتؤديه إلى أن تموت، تصلي الآن العشاء وغداً تصلي الفجر، وبعد الفجر تصلي الظهر، وبعد الظهر تصلي العصر، وبعد العصر المغرب، وبعد المغرب العشاء، إلى متى؟ إلى أن تموت، فوطن نفسك على أنه لا بد أن تقوم بهذا العمل، فإذا جاء رمضان لا بد أن تصوم، وإذا جاء الحج جاء لا بد أن تحج، عندك مال لا بد أن تزكي، عندك والد لا بد أن تطيعه، عندك أم لا بد أن تبرها، عندك رحم لا بد أن تصلها، عندك أخ في الله لا بد أن تكرمه وتزوره، رأيت منكراً لا بد أن تغيره، القرآن لا بد أن تحفظه وتقرأه، الذكر لا بد أن تؤديه، فوطن نفسك على القيام بها وعدم التثاقل عنها؛ لأنك إن لم توطن نفسك، سيأتي يوم من الأيام تقول إلى متى؟ ثم وطن نفسك على مواجهة الضغوط الأسرية التي قد تواجه بها، قد يستقيم الشاب ويأتي البيت وإذا بالأسرة ليست معه، الأب له وضع، والأم لها وضع، والإخوان لهم وضع، والأخوات لهن وضع، وهو مستقيم فيجد أن أمامه أسرة تواجهه، وتحد من نشاطه، وتقف في طريقه وتمنعه، وربما تسخر منه وتستهزئ به، وربما يضربونه وربما يمنعون عنه المصروف، وربما يقولون له: أنت أخبل! أنت مجنون! أنت متطرف! أنت وأنت، وطن نفسك على هذا! ولهذا ذكر الله لنا قصصاً في القرآن من أجل تربيتنا، أخبرنا الله عن إبراهيم وأن ممن كفر به أبوه، حتى إذا جاء أبوك يردك تتذكر أن إبراهيم رده أبوه، فيكون لك قدوة. وأخبرنا عن نوح أن ممن كفر به ولده، وأخبرنا عن لوط أن من ضمن من كفر به زوجته، وأخبرنا عن محمد ﷺ وأن من ضمن من كفر به عمه. إذاً إذا أبوك ما أعانك؛ لك قدوة وهم الأنبياء، وإذا ولدك ما استجاب لك؛ لك قدوة وهم الأنبياء، وهكذا فيجب أن توطن نفسك على مواجهة الضغوط الأسرية التي تريد منك أن تترك الالتزام، وأن تعود إلى وضعك الحياتي الأول في الأسرة؛ لأنك تدخل الأسرة ولك أسلوب جديد، ولك منهج جديد، وتريد أن تجري تغييراً في البيت، وهم لا يريدون التغيير، يريدونه على ما كان عليه، فيضغطون عليك حتى ترجع؛ لكن لا ترجع؛ لأنك على الحق وهم على الباطل، فقط غير بالأسلوب الذي سوف نذكره إن شاء الله. أيضاً وطن نفسك على مواجهة نظرة المجتمع إليك؛ لأن نظرة المجتمع تختلف من مجتمع إلى مجتمع، نحن في مجتمعنا والحمد لله، ينظر إلى الملتزم والمتدين نظرة إكبار، وتكريم، وتقدير، وحب؛ فإذا رأوا الرجل، أو الشاب تدين؛ قدره كل شخص، لكن في بعض المجتمعات المسلمة، لا. إذا التزم وتدين بدءوا يمقتونه، ويخافون منه، ويصفونه بالإرهاب والتطرف، وكل شخص إذا رآه يقول: انظروه! انظروه! بل في بعض الدول يعتبر مجرماً، فهذه تضغط على الإنسان، وتؤدي به في لحظة من اللحظات إلى أن يترك الالتزام ويرجع؛ لأن المجتمع له هيمنته، وله ضغطه الذي يمارسه على الإنسان.

стр. 2592

وسائل الثبات على الالتزام مما ينبغي للشاب الملتزم أن يتعرف على وسائل الثبات حتى يثبت، وهذه ضرورية ومطلوبة جداً؛ لأن الحياة التي يعيشها الملتزم حياة كثيرة المطبات، كثيرة الحفر، فإذا مارسها وليس عنده وسائل تثبيت كلما جاء مطب أو حفرة؛ وإذا به يشد (صواميله)، فيستمر في الطريق، وإذا لم يكن عنده ما يشد به (صواميله) ترجه حفرتان أو ثلاث أو أربع ثم يسقط، نظراً لعدم وجود وسائل الثبات التي تعينه على السير في طريق الله. ومن أهم وسائل الثبات: أولاً: تحديد الغاية والهدف، وهي رضوان الله ودخول الجنة والنجاة من النار، وأنت تلتزم هكذا تقول: لماذا ألتزم؟ من أجل دخول الجنة والنجاة من النار، إذاً في سبيل هذا الهدف وهذه الغاية أستصغر كل صعب، وأتحمل كل بلاء، وأصبر على كل تضحية، لماذا؟ لأن هدفي الوصول، هذا أول شيء. الأمر الثاني: تحقيق أركان الإيمان على الحقيقة بقول اللسان، واعتقاد القلب، وعمل الجوارح، فإن الإيمان إذا خلا من واحدة من هذه نقص، وإذا نقص ذهب، فلا بد أن يكون إيمانك مبني على الحقائق الثلاث، قولٌ باللسان تظهره، واعتقادٌ بالقلب توقن به، وعملٌ بالجوارح تذعن وترضخ له، فيكون إيمانك صحيح وأصيل وقوي ومتين، لا تزعزعه الأحداث، ولا ترده المناسبات وإنما يثبت؛ لأنه حقيقي. أيضاً من وسائل الثبات حضور مجالس العلماء، وطلب العلم، وسماع الأشرطة الإسلامية، واستماع إذاعة القرآن الكريم، وقراءة الكتب الإسلامية، والمداومة على العمل، وعدم الحماس الزائد، وهو الذي يعبر عنه العلماء بالغلو؛ لأن الغلو هو عملية ردة فعل، فإذا غلوت في جانب؛ كان على حساب الوسطية، فتمشي في الغلو ثم لا ترجع غلى الوضع الطبيعي، وترجع إلى الانتكاس؛ لأن من أسباب الانتكاس الغلو في الدين، والنبي ﷺ يقول: (إن هذا الدين عميق فأوغلوا فيه برفق، فإنه لم يشاد الدين أحد إلا غلبه) فلا تتحمس الحماس الزائد للدين، وإنما اجعل حماسك منضبطاً بالكتاب، وبالسنة الشريفة. أيضاً مجالسة الصالحين، هذا مثبت من مثبتات الإيمان. البعد عن قرناء السوء. قراءة القرآن وحفظه. مراجعة كتب السنة وحفظها. الحرص على مزاولة عمل أو دراسة. ما دمت متلزماً احرص على العمل، أو واصل تعليمك، لماذا؟ لتثبت أن الالتزام مظهر عملي جاد، وليس مظهر فراغ؛ لأن بعض الشباب من يوم أن يلتزم يترك الدراسة ويقول: ماذا فيها هذه الدروس يا شيخ؟! فيها مشغلة وفيها منكرات، وفيها معاصي، أو عمل وضيفي، إذا كان عندك عمل أبدع فيه، كنت تأتي الساعة التاسعة، ولكن من يوم أن التزمت لا بد أن تكون منذ السابعة والنصف وأنت عند الباب، والساعة الثانية والنصف وأنت تخرج آخر واحد، تتواجد باستمرار، كنت وأنت غير ملتزم شاب مقصر في الدراسة مهمل؛ لكن بعد الالتزام أصبحت الأول، لماذا؟ حفظت وقتك، وشعرت بمسئوليتك، فتثبت على دين الله . الحذر من الذنوب ومن المعاصي فإنها تحجزك عن الله، وتردك عن طريق الله، وبالتالي تبعدك عن الالتزام. ثم آخر شيء من وسائل الثبات: الدعاء، تدعو الله في كل وقت، وفي كل لحظة، وفي أماكن الاستجابة، وتقول: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨] وتقول كما كان يقول النبي ﷺ : (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك). اللهم ثبت قلوبنا على طاعتك ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨]. اللهم احفظ لنا ديننا، وأمننا ونعمتنا واستقرارنا، ووفق ولاة أمورنا، وعلمائنا، ودعاتنا، ومشايخنا، وشبابنا، وشاباتنا، وجميع المسلمين وفقهم لما تحبه وترضاه، من الدعوة إلى دينك، وإلى مناصرة شريعتك، وإلى العمل بأحكام كتابك وسنة نبيك، إنك ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 2593

الأسئلة

стр. 2594

حكم إطلاق صفة الالتزام على من يقوم ببعض المنكرات السؤال فضيلة الشيخ! أشكو إلى الله ثم إليك التقلب وعدم الثبات، فهل تصدق صفة الالتزام على شاب لا زال متعلقاً ببعض المنكرات من سماع الغناء، أو العادة السرية، أو التعلق بالمرد، أو مشاهدة الأفلام، أفيدونا أفادكم الله؟ الجواب نعم. يصدق عليه أنه ملتزم، لكنه ملتزمٌ بالباطل، ملتزمٌ بالشر، ملتزمٌ بمعصية الله؛ لأن الالتزام إما التزامٌ بالحق، وإما التزامٌ بالشر، فالذي يلتزم بسماع الغناء، وبالعادة الشيطانية التي يسميها الناس (عادة سرية) من باب التلطيف لها، وإلا ليست سرية، سرية على من؟ على الناس؛ لكن الله يراك وأنت تفعل هذه الفعلة القبيحة المحرمة، التي لا تفعلها إلا القرود -والعياذ بالله- وأيضاً الملتزم بالأغاني، والأفلام والمسلسلات وماذا بقي معك من الالتزام؟ فيا أخي الكريم! هذه جنة لا تُنال باللعب، ولا تُنال بالتذبذب والتقلبات، هذه سلعة غالية، يبذل في الحصول عليها النفس والمال ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف:١٠ - ١١] ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢] ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] فالجنة سلعة غالية، ولا تنالها الهمم الضعيفة، والنفوس الخبيثة. يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحدٌ لا اثنانِ يا سلعة الرحمن لست رخيصةً بل أنت غالية على الكسلانِ يا سلعة الرحمن سوقك كاسدٌ بين الأراذل سفلة الحيوانِ يا سلعة الرحمن كيف تصبر الـ خطاب عنك وهم ذووا إيمانِ يا سلعة الرحمن لولا أنها حفت بكل مكاره الإنسانِ ما كان عنها قط من متخلفٍ وتعطلت دار الجزاء الثاني لكنها حفت بكل كريهةٍ ليصد عنها المبطل المتواني وتنالها الهمم التي ترنوا إلى رب العلا في طاعة الرحمنِ فالطريق صعب، والله يقول في القرآن: ﴿ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣] تريد أن تكون ملتزماً ولا تفتن بالأوامر، والنواهي، والطاعات، والمعاصي، والذنوب، ثم تنهزم وتقول أنك ملتزم؟! لا. إما أن تسلك الطريق بجد والتزام وتكون صادقاً، لا تكون مذبذباً، مرة هنا ومرة هناك لا يوجد لك خيار، سر في الطريق والزمه حتى تلقى الله.

стр. 2595

الضابط في الترفيه السؤال جانب الترفيه والتسلية المنضبط له أثرٌ كبير في تربية الشباب في بداية الالتزام، فهل من وصية للشباب القائمين على قيادة الشباب؟ الجواب الحياة الإسلامية حياة متكاملة، فيها جد، وفيها أيضاً نوع من الترفيه في حدود المباح، لكن الترفيه في حياة المسلم مثل الملح في الطعام، فإذا كثر أفسد الطعام، وإذا قل صار الطعام سامجاً ليس له طعم، فنريد من الشباب أن يكون جل وقتهم جد، ولا مانع من بعض الأمور التي فيها نوع من الترفيه الحلال، مثل ما ورد في السنة، أن النبي ﷺ سابق عائشة، وكذلك المصارعة رياضة، لكن لا تنظر إليها في التلفزيون، ترى مصارعة الكفار وهم شبه عرايا، وبعض النساء تطالع في هذه الأجسام الخبيثة، لا. لكن لو ذهبت رحلة مع زملاء وعملتم نوعاً من اللعب ليس هناك مانع، لكن في حدود الحلال، بحيث لا تكثر؛ لأنها إذا كثرت أفسدت الحياة، فلا بد منها، وهذه لها موازين دقيقة، مثل الذي يضع الملح في الطعام، بعضهم يضع قدراً وفيه مد رز، ويضع عليه كيس ملح، ما رأيكم في هذا؟ ما أصبح رزاً بالملح، أصبح ملحاً بالرز، فبعض الشباب حياته كلها ضحك، وعبث، ولعب، ورياضة، وكرة، وإذا قلنا: اقرأ كتاباً قال: يا شيخ! قد قرأنا من زمان، وقالوا: هذا ترفيه بريء، لا يصح، يجب أن تكون الحياة كلها جد، إلا فترات يحاول فيها الإنسان أن يجدد النشاط، لئلا تكون حياته سامجة، وليس فيها شيء من البراءة.
следующие страницы →