Полный текст (2 982 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
المعوقات في طريق الالتزام
مما يعين على الثبات وعلى الالتزام: أن يعرف الإنسان أن طريق الالتزام فيه كثيرٌ من المعوقات، ليس طريقاً سهلاً، وليس طريقاً مفروشاً بالورود، بل طريق صعب وشاق، يقول ﵊: (حفت الجنة بالمكاره) وأنت ما هدفك من الالتزام؟ الجنة.
كل شخص يلتزم لكي يحصل على الجنة، وينجو من النار، حسن (حفت الجنة بالمكاره) كيف تصل إلى الجنة؟ لا تصل إلا عبر تجاوز هذه المكاره، فوطن نفسك؛ لأنك ما دمت تريد الجنة لا بد أن تتجاوز المكاره، مثل الذي يريد أن يتخرج من الجامعة، حفت الجامعة بالمكاره، ما هي المكاره؟ الدروس، ولا بد أن تدرس ست سنين، وثلاث متوسط، وثلاث ثانوي، وتدخل في الجامعة، وتأخذ كتباً وتدرسها حتى تتخرج، شخص يقول: أريد شهادة جامعية؛ لكن لا أريد أن أدرس، أريد أن أجلس في البيت، الدروس تعقيد ومشاكل، ودوام في الصباح، وأربعين دقيقة حصة، ومدرس يضربنا، ومراقب يلطخنا، وامتحانات يمتحنونا، والله ما أريد أن أدرس، أنا أريد فقط الشهادة في آخر السنة، ولكن من غير دراسة! هل أحد يعطيه هذا؟! لا.
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبسِ
الذي يريد الجنة يصبر على المكاره.
وما هي المكاره التي تقف في طريق الملتزم؟ أولاً: الضعف عن مقاومة الإغراءات، يوجد في الطريق إغراءات، وفي النفس شهوات طبع الإنسان عليها، مثل: شهوة النساء، وشهوة المال، وشهوة النوم، وشهوة اللعب، فيها حلال وفيها حرام، مغريات، النفس البشرية تدعوك إلى هذه المغريات، والعقل والقلب الإيماني يدعوك إلى الترفع عنها، فلا بد أن توطن نفسك على ألا تستجيب لهذه الإغراءات ولهذه الشهوات حتى تسلم، أما إذا ظننت أن بإمكانك أن تكون ملتزماً مع الاستجابة للشهوات، فتسمع الحرام، وتشرب الحرام، وتمشي وتسهر على الحرام، وتظن أنك ستبقى ملتزماً، هذا غير صحيح! ولا يمكن أن يكون، ولا يقبل.
أيضاً الضعف عن ممارسة واستمرار أداء العبادات؛ لأن العبادات فيها تعب، يقول الله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] جعلنا الله وإياكم منهم، الصلاة والعبادة ليست عملاً تؤديه مرة فقط، لا.
بل تؤديه وتؤديه وتؤديه إلى أن تموت، تصلي الآن العشاء وغداً تصلي الفجر، وبعد الفجر تصلي الظهر، وبعد الظهر تصلي العصر، وبعد العصر المغرب، وبعد المغرب العشاء، إلى متى؟ إلى أن تموت، فوطن نفسك على أنه لا بد أن تقوم بهذا العمل، فإذا جاء رمضان لا بد أن تصوم، وإذا جاء الحج جاء لا بد أن تحج، عندك مال لا بد أن تزكي، عندك والد لا بد أن تطيعه، عندك أم لا بد أن تبرها، عندك رحم لا بد أن تصلها، عندك أخ في الله لا بد أن تكرمه وتزوره، رأيت منكراً لا بد أن تغيره، القرآن لا بد أن تحفظه وتقرأه، الذكر لا بد أن تؤديه، فوطن نفسك على القيام بها وعدم التثاقل عنها؛ لأنك إن لم توطن نفسك، سيأتي يوم من الأيام تقول إلى متى؟ ثم وطن نفسك على مواجهة الضغوط الأسرية التي قد تواجه بها، قد يستقيم الشاب ويأتي البيت وإذا بالأسرة ليست معه، الأب له وضع، والأم لها وضع، والإخوان لهم وضع، والأخوات لهن وضع، وهو مستقيم فيجد أن أمامه أسرة تواجهه، وتحد من نشاطه، وتقف في طريقه وتمنعه، وربما تسخر منه وتستهزئ به، وربما يضربونه وربما يمنعون عنه المصروف، وربما يقولون له: أنت أخبل! أنت مجنون! أنت متطرف! أنت وأنت، وطن نفسك على هذا! ولهذا ذكر الله لنا قصصاً في القرآن من أجل تربيتنا، أخبرنا الله عن إبراهيم وأن ممن كفر به أبوه، حتى إذا جاء أبوك يردك تتذكر أن إبراهيم رده أبوه، فيكون لك قدوة.
وأخبرنا عن نوح أن ممن كفر به ولده، وأخبرنا عن لوط أن من ضمن من كفر به زوجته، وأخبرنا عن محمد ﷺ وأن من ضمن من كفر به عمه.
إذاً إذا أبوك ما أعانك؛ لك قدوة وهم الأنبياء، وإذا ولدك ما استجاب لك؛ لك قدوة وهم الأنبياء، وهكذا فيجب أن توطن نفسك على مواجهة الضغوط الأسرية التي تريد منك أن تترك الالتزام، وأن تعود إلى وضعك الحياتي الأول في الأسرة؛ لأنك تدخل الأسرة ولك أسلوب جديد، ولك منهج جديد، وتريد أن تجري تغييراً في البيت، وهم لا يريدون التغيير، يريدونه على ما كان عليه، فيضغطون عليك حتى ترجع؛ لكن لا ترجع؛ لأنك على الحق وهم على الباطل، فقط غير بالأسلوب الذي سوف نذكره إن شاء الله.
أيضاً وطن نفسك على مواجهة نظرة المجتمع إليك؛ لأن نظرة المجتمع تختلف من مجتمع إلى مجتمع، نحن في مجتمعنا والحمد لله، ينظر إلى الملتزم والمتدين نظرة إكبار، وتكريم، وتقدير، وحب؛ فإذا رأوا الرجل، أو الشاب تدين؛ قدره كل شخص، لكن في بعض المجتمعات المسلمة، لا.
إذا التزم وتدين بدءوا يمقتونه، ويخافون منه، ويصفونه بالإرهاب والتطرف، وكل شخص إذا رآه يقول: انظروه! انظروه! بل في بعض الدول يعتبر مجرماً، فهذه تضغط على الإنسان، وتؤدي به في لحظة من اللحظات إلى أن يترك الالتزام ويرجع؛ لأن المجتمع له هيمنته، وله ضغطه الذي يمارسه على الإنسان.
стр. 2592
وسائل الثبات على الالتزام
مما ينبغي للشاب الملتزم أن يتعرف على وسائل الثبات حتى يثبت، وهذه ضرورية ومطلوبة جداً؛ لأن الحياة التي يعيشها الملتزم حياة كثيرة المطبات، كثيرة الحفر، فإذا مارسها وليس عنده وسائل تثبيت كلما جاء مطب أو حفرة؛ وإذا به يشد (صواميله)، فيستمر في الطريق، وإذا لم يكن عنده ما يشد به (صواميله) ترجه حفرتان أو ثلاث أو أربع ثم يسقط، نظراً لعدم وجود وسائل الثبات التي تعينه على السير في طريق الله.
ومن أهم وسائل الثبات: أولاً: تحديد الغاية والهدف، وهي رضوان الله ودخول الجنة والنجاة من النار، وأنت تلتزم هكذا تقول: لماذا ألتزم؟ من أجل دخول الجنة والنجاة من النار، إذاً في سبيل هذا الهدف وهذه الغاية أستصغر كل صعب، وأتحمل كل بلاء، وأصبر على كل تضحية، لماذا؟ لأن هدفي الوصول، هذا أول شيء.
الأمر الثاني: تحقيق أركان الإيمان على الحقيقة بقول اللسان، واعتقاد القلب، وعمل الجوارح، فإن الإيمان إذا خلا من واحدة من هذه نقص، وإذا نقص ذهب، فلا بد أن يكون إيمانك مبني على الحقائق الثلاث، قولٌ باللسان تظهره، واعتقادٌ بالقلب توقن به، وعملٌ بالجوارح تذعن وترضخ له، فيكون إيمانك صحيح وأصيل وقوي ومتين، لا تزعزعه الأحداث، ولا ترده المناسبات وإنما يثبت؛ لأنه حقيقي.
أيضاً من وسائل الثبات حضور مجالس العلماء، وطلب العلم، وسماع الأشرطة الإسلامية، واستماع إذاعة القرآن الكريم، وقراءة الكتب الإسلامية، والمداومة على العمل، وعدم الحماس الزائد، وهو الذي يعبر عنه العلماء بالغلو؛ لأن الغلو هو عملية ردة فعل، فإذا غلوت في جانب؛ كان على حساب الوسطية، فتمشي في الغلو ثم لا ترجع غلى الوضع الطبيعي، وترجع إلى الانتكاس؛ لأن من أسباب الانتكاس الغلو في الدين، والنبي ﷺ يقول: (إن هذا الدين عميق فأوغلوا فيه برفق، فإنه لم يشاد الدين أحد إلا غلبه) فلا تتحمس الحماس الزائد للدين، وإنما اجعل حماسك منضبطاً بالكتاب، وبالسنة الشريفة.
أيضاً مجالسة الصالحين، هذا مثبت من مثبتات الإيمان.
البعد عن قرناء السوء.
قراءة القرآن وحفظه.
مراجعة كتب السنة وحفظها.
الحرص على مزاولة عمل أو دراسة.
ما دمت متلزماً احرص على العمل، أو واصل تعليمك، لماذا؟ لتثبت أن الالتزام مظهر عملي جاد، وليس مظهر فراغ؛ لأن بعض الشباب من يوم أن يلتزم يترك الدراسة ويقول: ماذا فيها هذه الدروس يا شيخ؟! فيها مشغلة وفيها منكرات، وفيها معاصي، أو عمل وضيفي، إذا كان عندك عمل أبدع فيه، كنت تأتي الساعة التاسعة، ولكن من يوم أن التزمت لا بد أن تكون منذ السابعة والنصف وأنت عند الباب، والساعة الثانية والنصف وأنت تخرج آخر واحد، تتواجد باستمرار، كنت وأنت غير ملتزم شاب مقصر في الدراسة مهمل؛ لكن بعد الالتزام أصبحت الأول، لماذا؟ حفظت وقتك، وشعرت بمسئوليتك، فتثبت على دين الله .
الحذر من الذنوب ومن المعاصي فإنها تحجزك عن الله، وتردك عن طريق الله، وبالتالي تبعدك عن الالتزام.
ثم آخر شيء من وسائل الثبات: الدعاء، تدعو الله في كل وقت، وفي كل لحظة، وفي أماكن الاستجابة، وتقول: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨] وتقول كما كان يقول النبي ﷺ : (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك).
اللهم ثبت قلوبنا على طاعتك ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨].
اللهم احفظ لنا ديننا، وأمننا ونعمتنا واستقرارنا، ووفق ولاة أمورنا، وعلمائنا، ودعاتنا، ومشايخنا، وشبابنا، وشاباتنا، وجميع المسلمين وفقهم لما تحبه وترضاه، من الدعوة إلى دينك، وإلى مناصرة شريعتك، وإلى العمل بأحكام كتابك وسنة نبيك، إنك ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2593
الأسئلة
стр. 2594
حكم إطلاق صفة الالتزام على من يقوم ببعض المنكرات
السؤال
فضيلة الشيخ! أشكو إلى الله ثم إليك التقلب وعدم الثبات، فهل تصدق صفة الالتزام على شاب لا زال متعلقاً ببعض المنكرات من سماع الغناء، أو العادة السرية، أو التعلق بالمرد، أو مشاهدة الأفلام، أفيدونا أفادكم الله؟
الجواب
نعم.
يصدق عليه أنه ملتزم، لكنه ملتزمٌ بالباطل، ملتزمٌ بالشر، ملتزمٌ بمعصية الله؛ لأن الالتزام إما التزامٌ بالحق، وإما التزامٌ بالشر، فالذي يلتزم بسماع الغناء، وبالعادة الشيطانية التي يسميها الناس (عادة سرية) من باب التلطيف لها، وإلا ليست سرية، سرية على من؟ على الناس؛ لكن الله يراك وأنت تفعل هذه الفعلة القبيحة المحرمة، التي لا تفعلها إلا القرود -والعياذ بالله- وأيضاً الملتزم بالأغاني، والأفلام والمسلسلات وماذا بقي معك من الالتزام؟ فيا أخي الكريم! هذه جنة لا تُنال باللعب، ولا تُنال بالتذبذب والتقلبات، هذه سلعة غالية، يبذل في الحصول عليها النفس والمال ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف:١٠ - ١١] ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢] ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] فالجنة سلعة غالية، ولا تنالها الهمم الضعيفة، والنفوس الخبيثة.
يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحدٌ لا اثنانِ
يا سلعة الرحمن لست رخيصةً بل أنت غالية على الكسلانِ
يا سلعة الرحمن سوقك كاسدٌ بين الأراذل سفلة الحيوانِ
يا سلعة الرحمن كيف تصبر الـ خطاب عنك وهم ذووا إيمانِ
يا سلعة الرحمن لولا أنها حفت بكل مكاره الإنسانِ
ما كان عنها قط من متخلفٍ وتعطلت دار الجزاء الثاني
لكنها حفت بكل كريهةٍ ليصد عنها المبطل المتواني
وتنالها الهمم التي ترنوا إلى رب العلا في طاعة الرحمنِ
فالطريق صعب، والله يقول في القرآن: ﴿ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣] تريد أن تكون ملتزماً ولا تفتن بالأوامر، والنواهي، والطاعات، والمعاصي، والذنوب، ثم تنهزم وتقول أنك ملتزم؟! لا.
إما أن تسلك الطريق بجد والتزام وتكون صادقاً، لا تكون مذبذباً، مرة هنا ومرة هناك لا يوجد لك خيار، سر في الطريق والزمه حتى تلقى الله.
стр. 2595
الضابط في الترفيه
السؤال
جانب الترفيه والتسلية المنضبط له أثرٌ كبير في تربية الشباب في بداية الالتزام، فهل من وصية للشباب القائمين على قيادة الشباب؟
الجواب
الحياة الإسلامية حياة متكاملة، فيها جد، وفيها أيضاً نوع من الترفيه في حدود المباح، لكن الترفيه في حياة المسلم مثل الملح في الطعام، فإذا كثر أفسد الطعام، وإذا قل صار الطعام سامجاً ليس له طعم، فنريد من الشباب أن يكون جل وقتهم جد، ولا مانع من بعض الأمور التي فيها نوع من الترفيه الحلال، مثل ما ورد في السنة، أن النبي ﷺ سابق عائشة، وكذلك المصارعة رياضة، لكن لا تنظر إليها في التلفزيون، ترى مصارعة الكفار وهم شبه عرايا، وبعض النساء تطالع في هذه الأجسام الخبيثة، لا.
لكن لو ذهبت رحلة مع زملاء وعملتم نوعاً من اللعب ليس هناك مانع، لكن في حدود الحلال، بحيث لا تكثر؛ لأنها إذا كثرت أفسدت الحياة، فلا بد منها، وهذه لها موازين دقيقة، مثل الذي يضع الملح في الطعام، بعضهم يضع قدراً وفيه مد رز، ويضع عليه كيس ملح، ما رأيكم في هذا؟ ما أصبح رزاً بالملح، أصبح ملحاً بالرز، فبعض الشباب حياته كلها ضحك، وعبث، ولعب، ورياضة، وكرة، وإذا قلنا: اقرأ كتاباً قال: يا شيخ! قد قرأنا من زمان، وقالوا: هذا ترفيه بريء، لا يصح، يجب أن تكون الحياة كلها جد، إلا فترات يحاول فيها الإنسان أن يجدد النشاط، لئلا تكون حياته سامجة، وليس فيها شيء من البراءة.
стр. 2596
كيفية التحصن من المغريات
السؤال
يشكو كثير من الشباب كثرة وتنوع سهام الانحراف الموجهة ضدهم من أعدائهم، أضف إلى ذلك وسائل التشويق للمنكر، فما السبيل إلى التحصين ضد هذا الوباء؟
الجواب
بالعلم؛ لأنك تعيش في غربة الإسلام؛ ولأن لك أجر خمسين حينما تتمسك بالسنة، قالوا: (يا رسول الله! منا أو منهم؟ قال: منكم، ثم قال: أنتم تجدون على الحق أعواناً وهم لا يجدون) وأن تعرف أنك إذا تمسكت بدينك إنما تكون كالقابض على الجمر، ما رأيكم بشخص في يده جمرة وهو قابض عليها، هل هو مرتاح أم هو في صعوبة؟ ليس مرتاحاً؛ لأنها جمرة، كذلك الدين، القابض على الدين كالقابض على الجمر؛ لأن كثرة السهام والتصويبات من الأعداء موجهة إليه، خصوصاً في زمامننا هذا، كان الناس في الماضي المؤثرات سهلة، كان الشاب لا يعرف شيئاً، إلا غنم أبيه، وزرع أبيه وبستان أبيه، وثورٌ يقوده، أو غنم، والقرية محصورة، لكن اليوم العالم كله في يده، العالم كله في الدش عند بعض الناس، وجاء الإنترنت الأخطبوط الخبيث هذا وقلب الدنيا كلها، ثم تبرج وإغراء، المرأة في الماضي كانت لو خرجت في الشارع لا أحد ينظر إليها، قد يبست من التعب، ومن الغم، ومن الرعي، واليوم المرأة جالسة بالبيت تتحسن وتتدلع، وجلبوا لها جميع وسائل الزينة، لكي تفتن الناس، وتشتري براتبها -ثمانية آلاف- مساحيق وموديلات، ولا تعطي بعلها أو أباها ريالاً واحداً، لكي تفتن وتغري.
فأصبح وضع الإنسان الذي يريد الهداية أمام كثرة هذه الفتن والمغريات وضعٌ متعب، لكن لا خيار لك، إما أن تمشي في طريق الهداية؛ أو النار، إذا كنت تريد طريق النار؟! يقول الله : ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء:١٦٨ - ١٦٩] طريق جهنم مفتوحة، تريد أن تعود؟ فعد، وأنت أبصر بنفسك.
стр. 2597
فوائد غض البصر
السؤال
ما السبيل إلى حفظ العين، والفتن تعرض على الأعين صباح مساء، فكم من شابٍ انحرف وكان ضحية للنظر الحرام، فهل من رسالةٍ إلى أولئك؟
الجواب
غض البصر من أعظم الأعمال والقربات، ينال به الإنسان ثواباً عظيماً عند الله ، وله فوائد كثيرة: وأول فائدة من غض البصر: أنه يصعد إلى درجة الإحسان، لماذا؟ لأنه ما غض بصره إلا لشعوره بأن الله يراه، وهذه مرتبة الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فعندما رأيت امرأة وعرفت أن الله يراك غضضت بصرك، فهذه مرتبة الإحسان.
ثانياً: يفتح الله بصيرتك، فإن الجزاء دائماً من جنس العمل، فمن غض بصره أطلق الله بصيرته في دين الله، ومن فتح بصره أعمى الله بصيرته في دين الله، والجزاء من جنس العمل.
ثالثاً: (من غض بصره احتساباً لوجه الله أبدله الله إيماناً يجد حلاوته إلى يوم يلقاه).
رابعاً: حسنة؛ لأن العبد إذا هم بسيئة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، هممت أن تنظر إلى امرأة ثم غضضت بصرك، ما الذي جعلك تغض؟ خوفاً من الله، فغضك للبصر ثواب.
خامساً: أن تعلم أن نظر الله أسرع إليك من نظرك إلى المنظور إليه، قالوا للحسن البصري: [بم نستعين على غض البصر؟ قال: بعلمك بأن نظر الله إليك أسرع من نظرك إلى المنظور إليه] فأنت تنظر والله ينظر فما هو موقفك؟! لو أن رجلاً معه امرأة ويمشي بها في الشارع، وجئت أنت أمامه وهو واقف بجانبها وأنت تنظر إليها وهو واقف، هل أحد يفعل هذا؟ لا يستطيع، يخجل ممن؟ من الزوج، أفلا تخجل من الله؟! هذه من محارم الله، وكل هذه الأمور يجب أن تستشعرها وتستعين بالله ثم تغض بصرك.
أيضاً: أن تعلم أن إطلاق البصر لا يفيد، يعني: مهما نظرت هل تشبع؟ مثل رجل يكاد أن يموت من الجوع، وهناك قدر مملوء من أحسن الطعام، ولكنه بعيد، وهو يشم، هل يشبع بالشم؟ لا يشبع إلا (بضرب الخمس) إذا أكل، كذلك هناك امرأة هل تشبع بالنظر؟ لا يشبع إلا (بضرب الخمس)، وجوع الجنس مثل جوع البطن، إذاً لماذا تعذب نفسك وتنظر في النساء؟ يقول الله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] أفضل لك، هذا ربك يقول: إن غض البصر أزكى لك.
ثم في غض البصر راحة القلب، فإن القلب مصب العين، فإذا صبت العين على القلب جمراً احترق؛ ولهذا يقول:
وأنت إذا أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظرُ
رأيت الذي لا كله أنت قادرٌ عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ
والآخر يقول:
وأنا الذي جلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتل
وبعض الناس تجده يخرج من بيت أهله ليس عنده مشكلة، فإذا ذهب إلى السوق أو الشارع ورأى امرأة، نظر إليها ونظرت إليه، وعاد إلى البيت وهو مغموم مهموم، يقولون له: تعش، قال: لا أريد، ماذا بك؟ ما الذي حصل؟ نظرة.
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوسٍ ولا وترِ
وماذا تعمل؟ غض بصرك، صحيح أن غض بصرك متعب؛ لكنه أسهل مليون مرة من تعب فتح البصر، طاعةً لله ﵎، والله لا يقول لك غض بصرك دائماً، لا.
غض بصرك إلى أن تتزوج، فإذا تزوجت فافتح عينك على امرأتك إلى أقصى حد؛ لأنها معك، لكن أن تنظر في بنت الناس، ماذا تستفيد؟ ذهبت بيت أهلها، وأنت ذهبت بيت أهلك، وهب فرضاً أنك استطعت أن تصل إليها عن طريق الحرام، وأشبعت جوعة الجنس التي هي مثل جوعة البطن، نحن تغدينا قبل الساعة الثانية، والآن ما رأيكم هل أنتم جائعون؟ كذلك الذي يصل إلى الحرام بعد يومين يريد الحرام، وإلى متى وأنت في الحرام؟ أوقف الحرام إلى أن تتزوج ثم انظر إليها؛ لأنك تنظر في شيء في يدك، إذا أردتها فهي حاضرة وهي حلال ولك أجر على جماعك.
стр. 2598
نصيحة لمن يكل ويمل من حياة الالتزام
السؤال
يستطيل بعض الشباب الطريق ويمل ويكل ويقسو قلبه أحياناً، ويصبح التزامه مجرد عادة لا عبادة، فما الحل إلى ذلك جزاكم الله خيراً؟
الجواب
الحل أن يعرف أن الطريق طويل وشاق، ومحاط بالشهوات والشبهات والمكاره، وإن الأمر يتطلب منه أن يستقيم إلى أن يموت، يقول الله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] وما هو اليقين؟ الموت، وإذا لم يدرك الإنسان هذه المعاني فإنه سيسقط في الطريق ولن يواصل.
стр. 2599
نصيحة لمن استبدلوا طلب العلم بتجريح العلماء
السؤال
ما نصيحتك للشباب الذين استبدلوا طلب العلم بتجريح العلماء، وتنصيب أنفسهم قضاة يعدلون هذا ويجرحون هذا، ويجرحون ذاك؟
الجواب
هؤلاء مفتونون، وقعوا في الفتنة، وسوف يبتليهم الله ، يقول ابن عساكر في تاريخ بغداد: إياكم ولحوم العلماء فإن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في الذين ينالون منهم معلومة، ومن ابتدرهم بالثلب، ابتلاه الله قبل الموت بموت القلب.
العلماء واجهة الدين، وهم الممثلون لهذه الشريعة، وليسوا ملائكة معصومين، وليسوا أنبياء، وإنما هم بشر يخطئون ويصيبون، لكن خطأهم مغفور، إذا اجتهدوا وأخطأوا فلهم أجر الاجتهاد، والخطأ مغفور، وإذا اجتهدوا وأصابوا فلهم أجر الاجتهاد وأجر الإصابة؛ لكن من ينتقدهم، أو يأكل لحومهم، أو يشوه سمعتهم، أو يجرحهم؛ هذا ليس له أجر بل هو على خطر، وسوف تقع به فتنة إن لم يتب إلى الله .
وعلى طالب العلم أن ينصرف إلى العلم الشرعي، وحفظ كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ ، وإذا لاحظ خطأً من عالم من العلماء فيسلك في تصحيحه مسلك أهل السنة والجماعة، المعروف بأدب الخلاف، يتصل بالعالم، أو يذهب إليه، أو يرسل له رسالة، أو يثني عليه بما هو أهله، ويعترف له بالفضل، ثم يقول له: ولكن يا شيخ! لي ملاحظة لا أدري أنا على حق فيها أو أنت على الحق، لا تظن أن ملاحظاتك صحيحة، يمكن أنك تلاحظ ملاحظة وأنت مخطئ، والشيخ عنده عليها دليل، فتقول له: عندي ملاحظة ولا أدري هل أنا على صواب أو على خطأ أريد أن أسمع رأيكم في الموضوع، قلتم كذا، أو سمعت منكم كذا، أو ذكر عنكم كذا، فإذا سمعت كلامه، إما أن يقول: نعم.
أخطأت أنا وأستغفر الله، أو يقول لك: لا يا أخي! ما هو بخطأ، والصواب كذا وكذا، ويبرر لك ويقنعك.
أما أن تأكل لحمه في المجالس وتشوه صورته وتغتابه، فأنت في هذا تضر نفسك؛ لأنك تعطي حسناتك لغيرك، وفي نفس الوقت إن لم يكن عندك حسنات؛ تأخذ ذنوبه على ظهرك، ثم بعد ذلك تخسر الدنيا والآخرة والعياذ بالله.
стр. 2600
مدى صحة النشرات التي توزع بين المسلمين
السؤال
يتناقل الناس في هذه الأيام عن نشرة تحمل رسماً لجنازة التف حولها ثعبان على رجل تارك للصلاة، وقد ذكر لنا أنك يا فضيلة الشيخ! قد حدثت عن واقعة وقفت عليها في الأردن، نأمل توضيح تلك الواقعة والتعليق على هذه النشرة، وأضيف -أيها الشيخ- أن هناك بعض الأوراق -أيضاً- تنشر بين الناس كالتي تسمى بورقة حامل مفتاح الحرم وما أشبه ذلك، فما تعليقكم على ذلك وفقكم الله؟
الجواب
أما النشرة التي فيها صورة بالكاريكاتير لجنازة عليها ثعبان هذه صورة رسم يد، وهي باطلة ولا تجوز، وقد سألنا عن صحة الخبر الذي ذكر أنه في البقيع في المدينة وعرف أن الكلام لا أساس له، وأن القصة مختلقة ومكذوبة.
أما ما ذكر عني من قصتي التي حصلت في الأردن فهذه القصة نقلها لنا الثقة والذي أخبرنا بها شاهد عيان رآها بعينه، وهو ثقةٌ لا نظن به كذباً، وهو المهندس علي بن غرم الشهري، كان طالباً في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في الظهران، وجاءنا في أبها يتدرب أثناء الصيف، وهو متخصص في الحاسب الآلي، واشتغل معنا في شركة كهرباء الجنوب، وعرفنا منه الجدية والحماس للدين والدعوة، وهو رجل داعية نشيط، يعيش كل وقته لله وللإسلام، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً، وأخبرنا أن القصة وقعت في الزرقاء في الأردن وهو موجود، وأنه رأى الثعبان الذي وجدوه في القبر عندما حفروه، وذهبوا إلى الشيخ وكان موجوداً معهم في المسجد، قال الشيخ: احفروا قبراً آخر، فحفروا قبراً آخر، فخرج لهم الثعبان نفسه من المكان الثاني، فأرادوا أن يقتلوه فقال الشيخ: ما دام أنه خرج معناه أنه ليس حنشاً، فأخرجوه ودفنوا هذا الولد، وهو شاب داست عليه سيارة، ووضع في القبر، وعندما وضعوه في القبر؛ تحرك الثعبان ودخل عليه في القبر، ولم يستطيعوا أن يفعلوا شيئاً، ثم ذهبوا إلى بيت العزاء ووجدوا الوالد، فأخبروه فقال: كان لا يصلي، وكان يشرب الخمر، والعياذ بالله.
هذه القصة منقولة بالسند الثقة الذي لا مطعن فيه، وقلت هذا الكلام بعدما أخبرنا به الشيخ علي، وقلت له: أننقل عنك؟ قال: انقلوا عني، قلت هذه الكلمة في مسجد من مساجد قرى مدينة أبها، وسجلت، وانتشر الشريط في عقوبة تارك الصلاة، ثم جاءت مكالمات من بعض المشايخ، فتثبت أكثر، واتصلت بالأخ علي قال: نعم.
انقل عني وعلى ذمتي، بعد ذلك أردت التثبت من ذلك، وهل هذا ممكن من الناحية العقدية، فقرأت كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه في موضعين من الفتاوى، وقد سئل: هل يمكن أن يرى الناس في عالم المشاهدة شيئاً مما يحدث في القبور من نعيمٍ أو عذاب؟ قال: نعم.
وقد حدث هذا كثيراً.
وهناك قصة لـ ابن عمر ﵁ نقلها عنه ابن رجب الحنبلي في كتابه أهوال القبور أنه رأى رجلاً يطلع من قبرٍ والنار تشتعل من رأسه.
ونقل ابن القيم قصصاً كثيرة من هذا النمط.
فلا مانع من ناحية المعتقد، المهم أن يثبت الخبر بالنقل عن الثقة، فقصة الزرقاء هذه على مسئولية ناقلها وهو المهندس علي بن غرم الشهري.
أما قصة المدينة فيقولون أنها: ليست صحيحة ولا لها سند ثابت.
وأما النشرة الثانية نشرة حامل مفتاح الهجرة النبوية نزيل المدينة الشيخ أحمد الذي يقول أنه رأى النبي ﷺ وأنه قال أنه خجلان من ربه عندما يموت في كل يوم سبعين ألفاً على غير الإسلام، فهذه نشرة باطلة مكذوبة، قد صرح العلماء بأنها مختلقة وأنها خرافة، وممن صرح في ذلك سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله تعالى عليه، فله رسالة في الرد على هذه الفرية، قال: إنها تظهر من زمان، من حوالي أربعين أو خمسين سنة ونحن نسمعها، وكلما ماتت قام شخص وطبعها ثلاثين مرة ووزعها، الذي يوزعها يأتيه شيء، والذي لا يوزعها تصيبه مصيبة.
وهناك نشرة ثالثة، نشرة السيدة زينب البنت التي عمرها ستة عشر سنة، التي أصيبت بالسرطان ورأت السيدة زينب في المنام فقالت لها: قولي هذه الكلمات، وانشريها على ثلاثة عشر شخص، وإذا لم تنشرها تحدث لك مصيبة.
هذه وأمثالها من النشرات الخرافية التي يروجها أعداء الإسلام بين الفينة والأخرى من أجل إظهار أن هذا الدين دين خرافة؛ لأنه إذا لم يوزعها ولم يحصل له شيء قال: والله إنها ليست صحيحة، إذاً الدين كله ليس صحيحاً.
الدين من عند الله، والدين قال الله قال رسوله، وليس الدين من الرؤى والأحلام، ومن الخرافات والخزعبلات، فإذا رأيت مثل هذه فواجبك أن تأخذها وأن تمزقها وترميها، أما أن تنشرها وتساعد على ترويجها فهذا حرام.
стр. 2601
حكم الألعاب الإلكترونية
السؤال
انتشر جهاز جديد يسمى (سوني بلستيشين) يقول: ما الحكم في لعبه في أوقات الفراغ؟
الجواب
أما السوني هذا فلا أعرفه حتى أحكم عليه؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، إلا إذا كان من أجهزة لعب الأطفال، وليس فيها شيء يؤثر على معتقدهم، وإنما لمجرد اللهو بها كلعبة من اللعب مثل اللعب التي تعلب بها الأطفال، فهذه فيها سعة، أما إذا كان لها علاقة بأخلاق أو معتقدات، أو بتصورات، أو تربية على شيءٍ لا يرضي الله فهذه تأخذ حكمها من نوعيتها.
стр. 2602
نصيحة لأصحاب الإنترنت
السؤال
الإنترنت سلاح ذو حدين فما النصيحة لمن أدمن التعامل معه؟
الجواب
الإنترنت جهاز يسمونه الأخطبوط المعلوماتي، يجلب كلما تريد من المعلومات في الأرض، وهو سلاح كما ذكر الأخ ذو حدين، وهناك فلترة له من قبل المسئولين في مدينة الملك عبد العزيز العلمية، وقد قاموا بإجراء حصار عليه ومراقبة بحيث لا يدخل بعض الأشياء الخطيرة على دين الإنسان، وعقيدة الإنسان، وأمن هذه البلد؛ لكن مع هذا أيضاً أهل الشر يتفننون كلما سد باب فتحوا آخر، فأنت إذا كانت لك حصانة إيمانية، واستقامة شرعية تمنعك من أن تقع في هذا وعندك حاجة إلى مثل هذه المعلومات، وعرفت أنك إن شاء الله تضمن ألا تنحرف فلا بأس؛ لأنه سلاح ذو حدين مثلما عرفت.
أما إذا لم تكن عندك حصانة، وتشتري هذا الجهاز، ثم تقتحم ميادينه، وتخرج فيه إلى كل شر فهذا خطرٌ عليك، وقد أخبرني من أثق فيه بوقوع كثير من الناس في هذا الضلال، منهم شخص في مكة استطاع أن يتعرف على فتاة من خلال الإنترنت، ثم حصل له بها الضلال، وانحرف عن دين الله، فترك الصلوات، وترك بيته وزوجته وأطفاله، واستأجر شقة في جدة وكان يذهب يومياً بعد الدوام لكي يمارس فيها الشر عن طريق الإنترنت واللقاءات التي يحددها بمواعيد من الإنترنت، حتى انسلخ والعياذ بالله.
فهذا سلاح ذو حدين وأنت أعرف بنفسك إن كنت، تستطيع أن تمسك نفسك وتحجزها، فإذا رأيت أنه خطر عليك فلست بحاجة إلى أن تورد نفسك موارد الهلاك.
стр. 2603
نداء لأصحاب الدشوش
السؤال
يعلم الجميع أن (الدشوش) والصحون الهوائية لما تبثه من الشر حرام، ومع ذلك نرى وللأسف انتشارها فما تكاد ترى بيتاً إلا وعلى سطحها هذا (الدش)، فهل من نداءٍ وصرخةٍ للغيورين قبل فوات الأوان؟
الجواب
جيد أن مسألة أنها حرام معروفة؛ لأن بعض الناس عنده شك في حرمتها، وقد صرح العلماء بحرمة وضعها في البيوت، بل أفتى سماحة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين بأن من وضع الدش في بيته أنه يعتبر غاشاً لرعيته، وفي الحديث: (من مات غاشاً لرعيته لم يرح رائحة الجنة) هذا حديث صحيح، فالذي يضع الدش فوق بيته هل أخلص لرعيته وأولاده وزوجته أو غشهم؟ لا شك أنه غشهم وخدعهم، وأوردهم موارد الهلاك، لما تبثه هذه القنوات من شر ولما تلتقطه هذه الأطباق من باطل، ثم تدش به أهل البيت، واسم (دش) اسم على مسمى، وصدق من سماه دشاً؛ لأنك إذا تخاصمت أنت وشخص وتكلمت عليه تقول والله أعطيته دشاً، يعني: أغرقته بالكلام البطال.
كذلك هذا أعطاك دشاً، دش ماذا؟ خير؟ لا والله دش شر ودش باطل، فكك الأسر ضيع الأسر كانت الأسرة تجتمع على السفرة سوياً، ويستيقظون سوياً، ويسمرون سوياً، وينامون سوياً؛ لكن الآن بعدما دخل الدش البيت ما عدت تراهم معاً، الأب على الأخبار، والولد على المباراة، والبنت على المسلسل، والمرأة على طبق الطعام، تطبخ طبق اليوم، وكل فرد لحاله، يرقدون وكلٌ يرقد في موعد، ويأكلون لكن متفرقين، يذهب الأب المطبخ ويأكل وما عادت المرأة تعرف بعلها.
يقول أحد الناس: أدخلت الدش وأريد أن أنام يقول: أنادي المرأة ولا تأتي، يقول: فآتي وأسحبها من يدها، يقول: وأرقد قليلاً ثم أغمض وأفتح عيني وإذا بها قد قامت ووضعت المخدة، وذهبت لترى الفيلم، يقول: أولادي أرقدهم بالقوة، وأقوم بعد قليل، وإذا بهم قد شردوا وذهبوا كلهم يتابعون التلفاز؛ لأنه شر متواصل، شر لا يقف؛ لأن البث ينطلق من الأرض كلها، فعندما يكون عندنا ليل يكون عندهم نهار، فالبث متواصل خلاف أربع وعشرين ساعة مع الشيطان، حتى ضاعت أوقات المسلمين، وضاعت صلوات المسلمين، وضاعت أخلاق كثير من المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون! فاستمرار الناس في تركيب هذا الشيء أو عدم إزالته يدل على جهلهم في حقيقة إيمانهم، وحقيقة حياتهم، وحقيقة دورهم في تربية أبنائهم، وأسرهم، وإن لم يتوبوا؛ فسيندمون ندماً ولكن بعد فوات الأوان، والله أعلم.
стр. 2604
مصيبة الأمة في فقد علمائها
السؤال
في هذا العام أفلت نجومٌ من العلماء الذين كان لهم خدمةٌ لهذا الدين وكان من آخرهم سماحة الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمة الله عليه، ومصيبة الأمة في وفاة العلماء، وقد ينطبق علينا في هذا العام أنه عام الحزن، فهل من كلمة يا فضيلة الشيخ! على مكانة علماء الأمة، وعلى مصيبة الأمة في فقدهم، وعلى حث الشباب على نهج طريقتهم وسيرتهم، التي كانوا ينهجون بها طريق نبينا ﷺ ، فحدثنا حفظك الله حول هذه القضية؟
الجواب
أيها الإخوة! إن أعظم مصاب تصاب به الأمة هو فقد علمائها؛ لأن علماءها مصابيح الدجى فيها، هم الأنوار في الأرض، هم الشموس، هم البدور، إذا انقطعت الكهرباء الآن في هذا المسجد هل يقوم أحد يبحث عن الكهرباء؟ هل نستطيع أن نسرج العمود ونقول: أسرج يا عمود؟! العالم مثل النور، فإذا مات العالم أظلمت الأرض، وقد سمي فعلاً هذا العام بعام الحزن؛ لأن الأمة فقدت فيها أبرز العلماء، ماتوا بقضاء الله وقدره، وبآجالهم، وكلهم قد تجاوز السبعين والثمانين بل بعضهم وصل التسعين، منهم سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز طيب الله ثراه، ونور الله ضريحه، وقدس الله روحه، وليست هذه -يا أخوان- عبارات بدعية، هذه يقولها شيخ الإسلام، ومعنى قدس وأنا كان في نفسي منها شيء بحكم الجهل، ولما سمعت شيخ الإسلام يقول: قدس الله روحه قلت: الله يقدس؟ التقديس يكون من العبد، رجعت إليها في اللغة وإذا معنى قدَّس أي: طهر، ليس عظم، فـ شيخ الإسلام يقول: قدس الله روحه، يعني: طهر الله روحه، ادخلوا الأرض المقدسة، يعني: الأرض المطهرة، فالتقديس له معنى عندنا وهو التعظيم، ولكنه له معنى في الشرع وهو التطهير، فنسأل الله أن يغفر لسماحة الوالد الشيخ.
بليت الأمة به بلاءً عظيماً، بل والله لقد تغير الجو، وتغير الليل والنهار في أنظار وأبصار كثير من طلبة العلم، وأنا حينما بلغني الخبر وكنت ذلك اليوم قد خرجت من المسجد الحرام وذهبت إلى البيت، ونمت قليلاً، ورأيته في المنام في ذلك اليوم نفسه وأننا نتجه إلى مكان نصلي الجمعة موكب من السيارات، والمشايخ، وطلبة العلم، وفجأة توقف موكب الشيخ، ووقف معه بعض طلبة العلم، فمشى أناس وأنا وقفت، وقلت: ما للشيخ وقف هنا لا يصلي؟ ونزلت وإذا بأحد العساكر المكلفين بحراسة الشيخ يقابلني، قلت له: ما به الشيخ لا يصلي معنا؟ فقال لي: الشيخ لن يصلي معكم هذه الجمعة، أي والله بهذا النص، واستمريت في المنام قليلاً، وإذا بالتليفون يضرب عند رأسي، ويتصل بي أحد الإخوة من منطقة الزلفي، يقول لي: عندك خبر عن الشيخ؟ -صباح الخميس ٢٨/ ١/- قلت: نعم.
عندي خبر، الحمد لله خرج من المستشفى، وأمس استقبل الناس وهو طيب ووضعه تمام، قال لي بصراحة: أحسن الله عزاءك فيه، وحين قالها شعرت أن شيئاً كالرمح استقر في كبدي، ألم ما شعرت به في حياتي، فوضعت يدي على صدري وقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اجبرنا في مصيبتنا وأبدلنا خيراً منها، مصيبة يا إخواني، مات رحمة الله عليه، ولكن لم يمت علمه، فعلمه موجود، وكتبه منتشرة وآثاره ظاهرة، وما علينا إلا أن نتعرف على سيرته وعلى منهجه، وعلى حياته؛ لنأخذ منه عبرة.
ثم بعد ذلك تبعه العلماء مات الشيخ علي الطنطاوي، ثم مات الشيخ صالح المنصوب، وقبله مات الشيخ عطية سالم بـ المدينة، مات الشيخ مناع القطان في الرياض، وآخر من سمعنا من موت العلماء الشيخ محمد ناصر الدين الألباني غفر الله له ورحمه وجمعنا به في جنات النعيم فقد كان خادم السنة، ومحقق الحديث، الذي قضى حياته كلها في خدمة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، على منهج السلف الصالح ﵃، فهذه مصيبة.
ولكن أيها الإخوة! الخير في هذه الأمة، وهذه الأمة كالغيث؛ لا يدرى الخير في أوله، أو في آخره، يموت عالم، ويعيش ألف عالم، ها نحن نرى الآن والحمد لله طلبة العلم يملئون الجامعات، ويملئون المساجد، ويهزون المنابر بالخطب، ونرى منهم عودة صادقة إن شاء الله، فالدين باقٍ، والخير في هذه الأمة باق، ونسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرحم ويغفر لعلمائنا، وأن يعوضنا منهم خيراً في أبنائنا وشبابنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 2605
اتق المحارم تكن أعبد الناس
تكلم الشيخ حفظه الله عن الحياة وحقيقتها وعن القائلين بأنها خلقت عبثاً، ورد عليهم بالدليل الشرعي ثم أردفه بالدليل العقلي المقنع مثبتاً أن الحياة بعدها حساب وعقاب.
ثم تكلم عن أن المرء عندما يتقي المحارم فإنه يكون أعبد الناس، ثم بين الأمور التي تنافي حقيقة التقوى، وبعد أن ذكرها أجاب عن سؤال مضمونه: التفجيرات وما وراءها من مفاسد.
стр. 2606
الحياة حكمة لا عبث
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الأحبة في الله! هذه الظواهر الكونية المبثوثة في الآفاق والأنفس من ليل ونهار، وشمس وقمر، وسماء وأرض، وجبال وبحار، وإنسان وحيوان، وجماد ونبات على ماذا تدل؟ وماذا تعني؟ ما تفسيرها؟ وما حقيقتها؟ وما سر وجودها؟ لماذا جاءت أو خلقت؟ وأين النهاية بعد أن يؤدي الإنسان دوره على مسرحها؟ أيها الإخوة في الله! لا تفسير لظاهرة الحياة إلا أحد تفسيرين، ولا احتمال لمعناها إلا أحد احتمالين: الاحتمال الأول: أن تكون هذه الحياة إنما خلقت عبثاً؛ ليس لها غاية، وليس من ورائها حكمة، وإنما هكذا وجدت، وهكذا وجد الإنسان نفسه يعيش كما تعيش البهائم، وينتهي كما تنتهي البهائم، ثم بعد الحياة ليس هناك حياة أخرى.
هذا هو الاحتمال الأول.
الاحتمال الثاني: أن تكون لهذه الحياة أسرار، ويكون لها أهداف وحكمة، أي: لم تخلق عبثاً، وإنما لحكمة أرادها خالقها.
فأي الاحتمالين هو الصحيح؟ نحن لا نريد إجابة منبعثة من العاطفة، وإنما نريد إجابة مدعمة بالدليل النقلي الشرعي، وبالدليل العقلي الفكري؛ لأن من يناقش أو ربما يسأل لا يؤمن إلا بمنطقه وعقله، فلنأخذ كل احتمال ونناقشه لنرى مدى صحته أو بطلانه.
الاحتمال الأول: أن هذه الدنيا وهذه الحياة إنما خلقت عبثاً: وللأسف الشديد أن هذا الاحتمال يسير عليه ويتبناه معظم سكان الأرض في هذه الأزمنة، من العقلاء والكبار والمفكرين، يفسرون الحياة على أنها ليس لها هدف، وبعضهم يغالط نفسه فلا يفسر هذا التفسير بلسانه، ولكن واقعه وتطبيق حياته وأسلوب معيشته يدل على أنه لا يؤمن إلا بهذه الحياة، وأنه ليس له هدف بعد هذه الحياة.
وهذا الاحتمال باطل بالدليل الشرعي والنظر العقلي.
стр. 2607
الأدلة الشرعية على أن الحياة لحكمة
أما الدليل الشرعي: فيقول : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥] أفحسبتم؟ استفهام في صيغة الاستنكار، أي: أتظنون أن الله خلقكم عبثاً؟! ومعنى هذا: أن الله ما خلقكم عبثاً ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦] تعالى الله وتنزه وتقدس عن العبث! أيخلق هذه السماوات وما فيها من إحكام وتنظيم، ويخلق الكون بما فيه من تنظيم وتقدير وتدبير عبثاً من غير غاية ولا هدف؟! تعالى الله عن العبث.
ويقول في آية أخرى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ [ص:٢٧] أي: عبثاً ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧] فهذا الزعم أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً؛ لأنه زعم الكفار، فويل للذين كفروا من النار.
ومن الذي يقول هذه الكلمة؟ إنه الله! ويل لهم من هذه المقولة، فإنهم يصفون الله بالباطل، ويقول : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الأنبياء:١٦] أي: عبثاً ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٧ - ١٨] تهديد آخر بالويل لهؤلاء الذين يصفون الله بأنه خلق السماوات والأرض عبثاً.
نعم.
ثبت بالدليل الشرعي أن الله ما خلق السماوات والأرض والكون عبثاً، وإنما خلقها لحكمة.
стр. 2608
الأدلة العقلية على أن الحياة لحكمة
ثم نأتي بالنظر العقلي فنجد ونشاهد ونلمس أن الإحكام والدقة والتنظيم والتقدير والتدبير يشمل الكون من أصغر جزء في المادة وهي الذرة إلى أعظم جزء في المادة وهي المجرة! كل شيء بتنظيم! وكل شيء محكم: ليل ونهار، أفلاك وشموس، أقمار وأنجم، أزهار وأشجار، أنهار وبحار، كل ما في الكون يشهد من أصغر جزء فيه إلى أكبر جزء بأن له خالقاً:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد
أولاً: هل يعقل أن يكون هذا التنظيم كله عبثاً وصدفة؟ وكما يقولون: قانون الصدفة: قانون يعمل ولكن في حدود.
يقول أحد العقلاء: لو أن رجلاً على سطح بيت وضع تحت السطح لوحاً خشبياً، وقذف من يده بمائة إبرة خياطة، فصدفة وقعت إبرة من هذه الإبر على رأسها، ألا يمكن أن يحصل هذا؟ نعم يحصل بالصدفة، ثم بعد ذلك أتى بألف إبرة ثانية ورماها مرة ثانية على هذا اللوح الخشبي، فصدفة وقعت إبرة من هذه الإبر الألف في خرق الإبرة الواقفة تلك، هذا ممكن وصدفة، ولكن متى؟ قالوا: إذا قذف عشرة ملايين إبرة يمكن أن تأتي واحدة في خرق تلك الإبرة التي وقفت سابقاً، قالوا: ثم جاء ورمى بعد ذلك بألفين، وجاءت واحدة ووقعت في خرق الإبرة الثانية الواقفة تلك، قالوا: هذا مستحيل، مستحيل أن تصل المسألة إلى هذا الكلام، الصدفة لها حدود، وغير مطردة! ومثال آخر: حروف المطبعة التي تصف في المطابع، طبعاً يأتي الذي يصف الحروف فيأتي ويضع (بسم الله الرحمن الرحيم) الباء والسين والميم ولفظ الجلالة من أجل أن يطبعها بعد ذلك، ويدخلها في القالب وتنطبع، فلو جاء آخر وقال: أنا سأعمل كتاباً، وأتى بالحروف من غير صف بل خبطها وأدخلها المطبعة، وأصبحت لوحة مكتوبة، يقول: يمكن أن يأتي مع الصدفة كلمة مكونة من أربعة حروف! يمكن أن تأتي كملة: سعيد، صدفة يأتي السين مع العين والياء والدال، لكن هل ممكن أن يأتي سعيد بن مسفر بالصدفة في هذه الحروف؟ قالوا: مستحيل، حسناً يأتي سعيد بن مسفر بن مفرح القحطاني؟ قالوا: هذا لا يمكن.
حسناً هل يمكن أن تطبع لك المطبعة بهذا الصف الفوضوي العشوائي صفحةً مطبوعةً بموضوع معين، وبرقم معين، وبأفكار متسلسلة، وبتنظيم معين، هل يمكن هذا؟ طبعاً مستحيل!! ثانياً: هذا الكون البديع وهذا التنظيم المتقن، ولا نذهب بعيداً بل الإنسان نفسه، يقول الله فيه: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] الذي خلقك وقدرك وأعطاك هذه الهيئة وهذا القدر من الإحكام والتنظيم في كل جزئية من جزئياتك، أيكون هذا الخلق عبثاً وصدفة؟ لا.
هذا الرأس لوحده الذي جعله الله قمة الجسد وركب فيه جميع الحواس: العينان في المقدمة، والأذنان في الجانبين، والأنف والفم في وسط الوجه، فالعينان تفرزان مادة ملحية، والأذنان مادة صمغية مُرَّة، والأنف تفرز مادة مخاطية، والفم يفرز مادة لعابية، من ملّح هذه، وأمرّ هذه وحلى هذه؟ والمصدر واحد؟!! ولماذا هذا ملح وهذا مر وهذا حلو؟ الملح؛ لأن العين شحمة ولو لم يوجد الملح لتعفنت ولظهر فيها الدود! وهذه الأذن جعل الله فيها مرارة؛ لأنها مفتوحة، ولو لم تكن هذه المادة الصمغية المرة موجودة لدخلت فيها الحشرات وأنت نائم، فقد تأتي الصراصير والجرذان والقمل وتملأ مسامعك، لكن الله جعل هذه المادة حتى تهرب أي حشرة تقترب من أذنك، وهذا الفم جعل الله فيه غدداً لعابية تفرز هذا اللعاب الذي هو أحلى من العسل! من حلَّاه؟ ثم لماذا يفرز هذه المادة؟ من أجل المساعدة على عملية تحضير الطعام وتجهيزه للجسم، ثم خلق الله في هذا الفم ورشة مصغرة لتجهيز الطعام، ومكونة من عدة آلات: آلات تقطع وأخرى تخرق وتطحن؛ الثنايا تقطع، والأنياب تخرق، والأضراس تطحن، وجعل الله فوق الضرس ضرساً وفوق الثنية ثنية، وفوق الناب ناباً، وبعد ذلك قدم الفك من أجل أن يقطع مثل المقص؛ لا بد أن يركب في الآخر؛ لأنه لو كان فوق بعض ما قطع، وجعل بين الأسنان جهازاً مثل (الكريك) يقلب الطعام وهو اللسان، وبعد ذلك يجهز الطعام ثم يمضغ ثم ينزل.
فيستقبل هذا الطعام قناة اسمها المريء: والمريء يوصل إلى المعدة، وبجانب هذه القناة قناة أخرى اسمها البلعوم.
المريء قناة عضلية، والبلعوم قناة غضروفية مفتوحة باستمرار؛ لأنها تقوم بإيصال الهواء إلى الرئتين، أما تلك فتوصل الطعام إلى المعدة فهي عضلية تسمح بنزول الطعام ولا تسمح بخروجه؛ من حين أن تنزل اللقمة تقوم تلك العضلة بعصرها إلى أن تنزلها إلى المعدة، ولولا وجود هذه العضلة لاحتجت مع كل لقمة إلى سيخ من حديد حتى تصل إلى بطنك، وإلا فمن سيقوم بإنزالها؟! وبين الماسورتين: ماسورة المريء وماسورة البلعوم، لحمة صغيرة يسمونها في الطب: لسان المزمار، ويسميها الناس باللسان العامي: اللهى أو الطراع.
وظيفتها أنها تتلقى إشارات من المخ إذا دخل الطعام بأن تقفل قصبة الهواء، وإذا تكلم تقفل قصبة الطعام؛ لأنه لو تكلم الإنسان وهو يأكل أو يشرب ودخلت حبة من الأرز أو قطرة من الماء في قصبة الهواء لمات الإنسان، وهو الذي نسميه الآن شرقه، بعض الناس يتكلم وهو يأكل، فيصدر أمر من المخ إلى هذا أن انفتح وإلى هذا أن انفتح فيبقى الجندي مسكين لا يدري من يفتح، هذا أم هذا؟ فتسقط حبة في قصبة الهواء، فماذا يحصل؟ هل يموت الإنسان من أجل غلطة بسيطة؟ لا.
تصدر الأوامر إلى القوات التي في القصبة أن هناك جسماً غريباً فاطردوه، فيقوم الإنسان يتنحنح، حتى يخرج هذه الحبة، وتبدأ عينه تغرورق بالدمع ماذا هناك؟! يقول: كدت أموت من أجل حبة أو قطرة.
هذا هو الإنسان! أليس هذا إحكام أيها الإخوة؟! ولن نذهب بعيداً في الكون ولكن فقط في الإنسان، ولهذا أكثر الناس إيماناً هم العلماء والأطباء؛ لأنهم يرون أجهزة سمعية وبصرية وتنفسية وتناسلية ودموية وأجهزة لا يعلمها إلا الله.
فيك أيها الإنسان جهازان مركبان في الظهر وهما الكليتان، ومهمتها تصفية الدم، فهي مثل الصفاية التي تصفي البنزين في السيارة، في كل كلية ثلاثة ملايين وحدة تنقية، وقد خلق الله تعالى اثنتين، رغم أن الواحد يعيش بواحدة، لكن الله تعالى خلق اثنتين حتى إذا تعطلت واحدة تبقى معك واحدة ثانية، أو يكون لك حبيب ويصير عنده فشل كلوي فتعطيه واحدة.
وما كان الناس يميزون هذا في الماضي، وبعد ذلك خلق الله تعالى رئتين وعينين وأذنين.
وجعل الله من كل عضو نافع اثنين ومن كل عضو ضار واحداً، كاللسان كم لساناً مع الإنسان؟ لسان واحد، وليت الإنسان يسلم من لسانه، فكيف لو كان معك لسانان، والفرج واحد! فكيف لو كان معك فرجان؟! الأذنان اثنتان فإذا تعطلت إذن فالأخرى تعمل، بعض الناس عنده أذن لا تسمع، ولا يسمع إلا بواحدة، وتملك عينين فإذا عميت واحدة ترى بالثانية، ويدين إذا قطعت واحدة تستعمل الثانية، وعندك رجلان ورئتان وكليتان وهكذا، إلا عضو واحد نافع وجعله الله واحداً وليس اثنين وهو القلب، قال الله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤] لماذا؟ لأن القلب ملك الجوارح، ولا يمكن أن يكون في البلد الواحد ملكان، وإذا كان معك قلبان أحدهما يريد يذهب ليداوم، والآخر يريد أن ينام، من تطيع؟ لا يوجد إلا قلب واحد يعمل، رغم أنه نافع، لكنه قلب يعمل لا يمرض! وقد ترون كل الأعضاء تمرض وتتضرر لكن أقل الأعضاء مرضاً أو تعرضاً للأمراض هو القلب، وإلا فهو يعمل عملاً مضنياً، فهو مضخة تضخ الدم إلى جميع أجزاء الجسد، وتعطي هذا الضخ حركة في كل دقيقة ثمانين مرة، فتصور جهاز يشتغل مدى حياتك ولا يتعطل! أربعة وعشرين ساعة يعمل وأنت نائم وقائم وجالس وتمشي ثم جعل الله عضلة القلب عضلة لا إرادية، -أي: تشتغل بدون اختيارك- ولو أن الله جعل عضلة القلب إرادية بحيث إنه من أراد أن يعيش فليشغل قلبه، ومن أراد ألا يعيش فليوقفه، أكان الناس يشتغلون بغير قلوبهم؟!! لن يبقى أحد إلا وهو مشغول بعملية ضخ قلبه، حتى لو جاء لينام، يقول لامرأته: تعالي وحركي قلبي، أنا أريد أن أنام قليلاً، وانتبهي لا تغفلي فأنا سأموت إذا غفلت، فتنشغل بضخ الدم في قلبه قليلاً، ثم تقول له: تعال.
أنا أريد أن أنام تعال حرك قلبي! لكنك نائم وهي نائمة والقلب ينبض، ثمانين ضخة في كل دقيقة وهو ينبض، يضخ الدماء ليذهب بها إلى الجسد، هذه جزئية ولمحة بسيطة من قدرة الله في خلقك أيها الإنسان.
نعم أيكون هذا الخلق عبثاً؟!! لا.
فبطل -أيها الإخوة- بالنظر العقلي كما بطل بالدليل الشرعي أن الإنسان والكون والحياة خلقت عبثاً، ولم يبق لنا إلا الاحتمال الثاني، وهو: أن الله خلق الكون والحياة والإنسان لحكمة، ولم يدع الله الناس في تيه، بل وضح لهم الحكمة، فإنه أعلم بما خلق، يقول الله تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] هو الذي خلق الإنسان، فأعرف الناس بالصنعة صانعها.
فخالقك وصانعك هو الله، وهو الذي صنعك ويدري لماذا صنعك، فبين لنا في كتابه في سورة الذاريات وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فهذا هو الغرض، وهذه هي الحكمة، لا يوجد حكمة من وراء خلق الناس إلا هذه الحكمة؛ لأنها محصورة بين (ما) و (إلا) ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ما: نافيه أم مثبتة؟ تقول: نافية: ما في المسجد إلا زيد، يعني: لا تجد معه عمرو، والله يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] يعني: لا يوجد عمل لهم غير العبادة، لكن ما هو مفهوم العبادة في الإسلام أيها الإخوة؟
стр. 2609
مفهوم العبادة في الإسلام
مفهوم العبادة في الإسلام مفهوم واسع يشمل كل الحياة، فليس مفهوماً مقصوراً على الشعائر فقط، فالشعائر التعبدية هي أساس العبادة، لكن كل ما في الكون عبادة كما يعرفه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه في كتابه العبودية يقول: العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
فكل عمل يحبه الله ويرضاه فهو عبادة، حتى جعل النبي ﷺ تبسمك في وجه أخيك صدقة، وهذه عملية ليس لها علاقة بالدين، لكن جعلها الإسلام عبادة، فإذا لم يكن عندك عبادة كثيرة فاخرج إلى الشارع، وعندما تلقى مسلماً قل له: السلام عليكم، كيف حالك يا أخي؟ صبحك الله بالخير تسجل حسنات، لماذا؟ قالوا: لأنك بالابتسامة والسلام تزرع في قلب المسلم الأمن والطمأنينة فتنشر الحب والود في المسلمين، ولا يظهر الدين إلا في أرض الحب، يقول ﷺ : (والذي نفسي بيده! لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا، ثم قال: أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم).
وإفشاء السلام من أعظم القربات عند الله عندما تخرج بهذه النية: (إن في الجنة لغرفاً يرى ظاهرها من باطنها، ويرى باطنها من ظاهرها، قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن أدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام، وأطعم الطعام، وأفشى السلام).
بل جعل الإسلام شيئاً من الشهوات واللذائذ النفسية طاعة وعبادة، قال ﵊: (وفي بضع أحدكم صدقة -يعني: إذا جئت أهلك فإنها صدقة- فاستغرب الصحابة وقالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم.
قال: فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر).
بل إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وهذه هي عملية البلدية في تنظيف الشوارع، ولكن الإسلام يدعوك -أيها المسلم- أن تساهم في نظافة الشارع؛ لأن الشارع ملك الجميع، فلا يجوز لك أن تلوثه، بل يجب عليك إذا رأيت شيئاً من الأذى أن ترفعه، ولهذا ورد حديث في الصحيحين: (الإيمان بضع وستون -وفي رواية: بضع وسبعون- شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من شعب الإيمان) هذه العبادة بمفهومها الشامل.
стр. 2610
اتقاء المحارم أعلى درجات العبادة
هناك من يعبد الله في أعلى الدرجات، أي: يوجد رجل عابد ويوجد رجل أعبد، وأعبد هنا صيغة تفضيل، تقول: فلان كريم وفلان أكرم، فلان شجاع وذاك أشجع، فكذلك العبادة، فلان عابد وفلان أعبد.
كيف تكون أعبد الناس؟ دلك النبي ﷺ في صحيح كلمه وجوامع كلمه ﷺ ؛ في السنن قال ﷺ -والعنوان طرف من حديث-: (اتق المحارم تكن أعبد الناس).
فيا من تريد أن تكون عابداً اتق المحارم؛ لتكن أعبد الناس! وطبيعي عندما تكون أعبد الناس فإنك تكون أفضل الناس، وتنجو في الدنيا والآخرة، لماذا؟ لأنك أعبد الناس.
وصيغة (أفضل) جاءت للنبي ﷺ في الصحيحين؛ عندما أراد بعض الصحابة أن يتعلم عبادة النبي ﷺ ، فذهبوا إلى أهله وسألوا عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، وليست بقليلة فقد كان ﷺ أعبد الناس، ولكن الصحابة من شدة الإقبال على الله كأنهم رأوا أنها قليلة، وقالوا: أين نحن من رسول الله ﷺ ، فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فنحن لم يغفر لنا! إذن نزيد؟ فقال أحدهم: أما أنا فلا أنام الليل أبداً.
يقول: الليل هذا لا ننام فيه؛ الليل للنوم ولكن نجعله للعبادة وللوقوف بين يدي الله جل وعلا، وقال الآخر: وأنا لا أفطر الدهر أبداً، وهذا الحديث يبين أن قدرات الناس تختلف؛ لأن بعض الناس لا يستطيع أن يقوم في الليل حتى ركعة واحدة ولكنه يستطيع أن يصوم، وبعضهم لا يستطيع أن يصوم يوماً واحداً ولكنه يستطيع أن يصلي، وبعضهم لا يستطيع أن يصوم أو يصلي ويستطيع أن يتصدق، وبعضهم لا يستطيع أن يتصدق ولكنه يستطيع أن يقرأ القرآن، ولهذا الله عدد مسارات العمل الصالح ليجد كل مسلم طريقاً إلى الله، قال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء أبداً، فلما سمع النبي ﷺ بهذا الخبر جمع الناس، وقال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله، وأعلمكم بالله، وأطوعكم لله، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
فأعبد الناس على الإطلاق رسول الله ﷺ ، وأنت -أيها المسلم- إذا أردت أن تكون من أعبد الناس فعليك بشيء واحد وهو: اتقاء المحارم.
فليس أعبد الناس من يكثر الصلاة، أو الصدقة، أو الصيام، أو الحج والعمرة، أو يعلِّم الناس الخير ويدعو إلى الله، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحب في الله ويبغض في الله، ويعمل أعمال الخير، هذا لا شك أنه عابد، لكن أعبد الناس من يتقي محارم الله، أي: لا يقع في شيء من الحرام، ولماذا كان هذا أعبد الناس؟ قال العلماء: لسببين رئيسيين: السبب الأول: أن الله إنما شرع تلك العبادات من أجل إمداد الإنسان بطاقة إيمانية تعينه على ترك المحرمات، ولهذا قال الله عن الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ﴾ [العنكبوت:٤٥] ماذا تعمل؟ ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] ولهذا أنت تصلي من أجل أن تنتهي عن الفحشاء، فإذا صليت ولم تنته عن الفحشاء فأنت تمثل فقط، وفرق بين من يمثل وبين من يؤدي الدور الحقيقي، فأنت تخدع نفسك وتضحك على نفسك: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ﴾ [العنكبوت:٤٥] و (إن) مؤكدة.
والصلاة الحقيقية، هي الصلاة المؤثرة، والفاعلة، والمقبولة، والتي عملت عملها فيك فتنهاك عن الفحشاء والمنكر، وأما الشخص الذي ما نهته صلاته عن الفحشاء والمنكر فكأنه ما صلى، وهذا رفعت عنه صلاته عقوبة في الدنيا ولا نستطيع أن نقول: إنه كافر؛ لأنه صلى، لكن بإتيانه للفحشاء والمنكر مع صلاته لم ترفع عنه صلاته، فتعرضه هذه الصلاة لعقوبة الآخرة؛ لأنه لو كان مصلياً حقيقياً لنهته صلاته عن الفحشاء والمنكر.
وكذلك الحج: فهو ركن مثل الصلاة؛ لأن الله سبحانه شرعه وقال فيه: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧].
الصوم: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه) وجميع الشعائر التعبدية فرضها الله من أجل أن تمدك وتربيك -أيها الإنسان- وتؤهلك وتجعلك قادراً على مواجهة المحرمات فلا تقع فيها هذا سبب.
والسبب الثاني وهو المهم: أن هذه المحرمات التي حرمها الله تعالى على الناس في النفس البشرية مَيْل إليها ورغبة فيها؛ لأن الله خلق في الإنسان غرائز تميل إليها، فمثلاً: الزنا محرم وفاحشة، والله يقول فيه: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] وشرع للزاني أشنع قتلة وأشنع عقوبة؛ إن كان محصناً يرجم حتى يموت، وإن كان غير متزوج يجلد بالعصا جلداً مبرحاً مؤلماً ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢] مائة سوط، لماذا نضرب الزاني؟ قالوا: لأنه تخلق بأخلاق الحمار، ونسي أنه إنسان ومسلم، وأنه يجب أن يكون عفيفاً، فهبط ونزل إلى درجة الحيوانية، فنجلده مائة سوط ولا نرحمه، كي نخرج الحيوانية من رأسه ويعرف أنه رجل وليس حماراً: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢].
فهذا الزنا؛ الفاحشة الكبرى، يقول فيها النبي ﷺ : (ما عصي الله بذنب بعد الشرك أعظم من نطفة يضعها الرجل في فرج لا يحل له) (ومن زنى بامرأة في الدنيا كان عليه وعليها في القبر نصف عذاب هذه الأمة) (والذي نفس محمد بيده! إن ريح فروج الزناة ليؤذي أهل النار) (والذي نفس محمد بيده! إن فروج الزناة لتشتعل ناراً يوم القيامة) وفي صحيح البخاري من حديث سمرة قال: (ثم أتينا على تنور أعلاه ضيق وأسفله واسع، وفيه رجال ونساء عراة يأتيهم لهب من تحتهم، فيرتفعون وينخفضون، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الزناة والزواني من أمتك).
هذا هو الزنا الذي تميل له النفس، لماذا؟ لأن الله عندما خلق الإنسان وخلق الرجل والمرأة جعل في الرجل ميلاً إلى المرأة وجعل في المرأة ميلاً إلى الرجل، لبقاء الجنس البشري، إذ لو كان الرجل لا يريد النساء، والنساء لا يردن الرجال لبقي الرجل في جانب والمرأة في جانب، وكلما قيل للمرأة تزوجي، قالت: لا أعرفهم، وأنت تزوج قال: لا أعرف النساء، وبعد ذلك تموت المرأة ويموت الرجل، وتنقرض البشرية ولا يبقى أحد في الحياة.
فالله جعل عند الإنسان ميلاً، فلا يوجد رجل إلا ويحب النساء، ولا امرأة من النساء إلا وتحب الرجال، لكن هذا الميل بحيث يلتقي الرجل بالمرأة عند نقطة شرعية اسمها الزواج، وحرم كل لقاء قبله أو بعده في الحرام، فقط الزواج، فيأتي الشيطان فيستغل هذا عند الإنسان، فيزين له الحرام ويوقعه في الباطل، فإذا قام الإنسان ومنع نفسه من الحرام كان هذا هو العابد الحقيقي، أي: الذي عنده رغبة في الزنا ثم يمتنع منه خوفاً من الله فهذا هو العابد الصحيح.
فإذا صليت الآن فلا يوجد مانع من أن تصلي، بل المؤيد في نفسك أن تصلي؛ لأن الصلاة حركة، فقد يقول لك شخص: الصلاة جيدة، فيها ركوع وسجود ومشي وذهاب إلى المسجد وعودة منها، وخطوات ورياضة وتغيير جو؛ بمعنى أنها فائدة، والصيام أيضاً عملية صحية، والحج أيضاً رحلة ونزهة وتمشية، لكن الزنا من يتركه؟ ما يتركه إلا من يخاف الله! ولهذا جاء في الحديث: (سبعة يظلهم الله في ظله -يوم القيامة- يوم لا ظل إلا ظله منهم: رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال -أي: إلى الزنا- فقال: إني أخاف الله رب العالمين).
هنا يوجد الإيمان، ولذا فالناس الآن يقيسون بهذا المقياس، فإذا رأوا رجلاً متديناً تظهر عليه علامات التدين والصلاة والصيام والعمل الصالح، ثم يرقبونه في مواطن الاحتكاك بالنساء، فإذا رأوه ينظر إلى النساء وهو المتدين، ماذا يقول الناس؟ يقولون: انظروا إلى هذا المطوع الكذاب، كيف ينظر إلى النساء، فعلموا أن تدينه غير صحيح؛ لأنهم قاسوه بالحرام، فلما وقع في الحرام قالوا: كذاب.
فهذه الميول النفسية إلى الحرام التي ترفضها وتحجزها وتستعلي عليها وتنتصر بنفسك عليها دليل على أنك أتقى الناس، وأعبد الناس.
стр. 2611
العفة عن المال الحرام من العبادة
المال حبب إلى كل الناس، والله تعالى يقول: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران:١٤] فهذا محبوب، ولا يوجد أحد لا يحب المال، فكل واحد يحب المال، والإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يحب المال، وجميع المخلوقات لا تحب المال، فهل رأيتم حماراً يحب المال، أو بقرة تحب المال، أو جملاً؟ أبداً.
لا يوجد إلا الإنسان، لماذا؟ قالوا: إن الله خلق في الإنسان حب المال من أجل تطوير الحياة، إذ لو كان الناس لا يحبون المال لما كان هناك تطور، ولكان الإنسان الآن يجلس في عشة أو كوخ، وبورق الشجر يلطخ جنبه ويستر عورته إلى أن يموت ولا يطور نفسه، لكن لما جمع المال وأحبه وجد أن المال يمكِّنه من تطوير نفسه، ولهذا فالصراع الآن في الحياة كلها بسبب المال؛ المال عصب الحياة المال سماه الله قياماً، قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء:٥] أي: قوام الحياة هو المال، وبالمال تجد الدول المتطورة غنية، والدول المتخلفة فقيرة، ليس عندها مال ماذا تصنع؟ لا تستطيع التطوير، لكن التي عندها مال تقوم بالتطوير.
الحيوانات لما كانت لا تحب المال ما تطورت؛ فالحمار حمار من يوم أن خلقه الله إلى قيام الساعة، لم يفكر أن يشتري له حذاء، والبقرة بقرة! لم تفكر في يوم من الأيام أن تشتري لها سروالاً وتستتر من الناس، لماذا؟ لأنه ليس عندها تطوير، لكن يهمها أن تأكل وتشرب وتُحلب وتنام، وكذلك جميع الحيوانات، أما الإنسان فقد حبب الله إليه المال وجمع المال، ولكن جاء الشرع ونظم هذا الحب، وجعل المال الحرام غير محبوب، والمال الحلال محبوباً كسبه، فإذا رفضت المال الحرام كنت أعبد الناس.
الناس الآن إذا رأوا شخصاً متديناً، وبعد ذلك جاءت له فرصة من فرص الكسب الحرام فأخذها مع الناس، فإنهم يزدرونه، أضرب لكم مثالاً: في دائرة من الدوائر الحكومية رئيس القسم وجد أن عنده معاملات كثيرة، وطلب من مدير الإدارة أن يمنح العاملين عنده عملاً إضافياً لمدة أسبوعين لإنهاء الأعمال المتراكمة، وبعد ذلك هو يريد أن ينفعهم، وجمع الموظفين وقال: نحن طلبنا لكم عملاً إضافياً، وأنا أعرف أن العمل الإضافي لا تستحقونه، لكن أريد أن أحسن وضعكم ولكن أكملوا المعاملات وتعالوا بعد العصر لمدة نصف ساعة أو ساعة ووقعوا الانصراف والدوام، قالوا: جزاك الله خيراً، وشخص متدين وعليه علامات الخير قال: جزاك الله خيراً، بارك الله فيك، ماذا ستقول له الجماعة؟ سيقولون: المطوع أخذ معنا من الحرام، لكن لو وقف هذا المتدين وقال: لا يا جماعة الخير.
أنا لا أسجل معكم، تريدوني أن آخذ فوق هذا زيادة هي حرام؟ لا.
أنا لا آخذ، هذا الفعل من هذا الإنسان هو أعظم تأثيراً في الدعوة في قلوب الناس من ألف موعظة يلقيها هذا الإنسان، وإذا قالها قالوا: والله إن فلاناً صادق؛ جاءه راتب نصف شهر زيادة وتركه، هذا هو الصادق، نعم.
فأنت أتقى وأعبد الناس يوم أن تترك المحارم.
وهذا هو دعاء الملائكة -أيها الإخوة- من فوق سبع سماوات لأهل الأرض، يقول الله : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ [غافر:٧ - ٩] فهذه الملائكة تدعو لك وأنت في الأرض، تقول: يا ربنا قهم السيئات، أي: اصرف عنهم المحارم والمحرمات، ثم قال عن الملائكة إنها تقول: ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٩] إذا وقاك السيئات فقد رحمك الله.
فمتى تستحق رحمة الله؟ إذا وقيت نفسك من السيئات: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٩].
стр. 2612
أبواب المحرمات السبعة
ما هي المحارم التي يجب أن نتقيها؟ إذاً: عرفنا أن الذي يتقي المحارم هو أعبد الناس، فما هي المحارم؟ المحارم كما يقول ابن القيم ﵀: تدخل المحارم على القلب فتفسده من سبعة أبواب مثل نار جهنم لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم، كذلك المحارم تدخل على القلب من سبعة أبواب، ومن الناس من يدخل جهنم من كل باب، فهي مفتوحة له على مصاريعها، وهو الأول، ومنهم من يدخل من خمسة أبواب، ومن ستة، ومن ثلاثة، ومن أربعة، ومن واحد، لكن المؤمن لا يدخل من أي باب منها، لأنه أقفلها كلها واتجه إلى فتح أبواب الجنة الثمانية: من صلاة وصيام وجهاد وعمل صالح وقرآن وذكر وتلاوة وحج وعمرة، يعمل للجنة وتلك -أي: جهنم- مغلقة الأبواب السبعة؟ ذكرها ابن القيم ﵀ في كتابه: الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي:
стр. 2613
باب اللسان
الباب الأول: وهو أوسع وأخطر باب وأهم باب على دين العبد (اللسان): فهذا اللسان أخطر شيء عليك، يقول ﷺ في الحديث الصحيح: (من يضمن لي ما بين لحييه وفخذيه أضمن له الجنة) فقد ضمن لك الرسول ﷺ أن تحفظ لسانك ويدخلك الجنة، وفي الحديث يقول ﷺ : (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب، ورب كلمة قالت لصاحبها: دعني) بعض الناس يقول: الكلام بسيط! لا.
فالكلمة ليست بسيطة، الكلمة لها أهميتها! الكلمة تدخل النار وتدخل الجنة، الكلمة تشعل حروباً، وتثير الفتنة، وتقيم مشاكل! لا.
ولهذا قال الله تعالى للناس: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء:٥٣] لا تتكلم بأي كلام إلا أحسن شيء، وأحسن هنا للتفضيل ﴿يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء:٥٣] ابحث عن أحسن عبارة وقلها، حتى مع زوجتك وزملاؤك وأولادك، فلا تبحث عن الخبيثة، وبدلاً من أن تقول لولدك: (انهض.
الله يأخذك) قل له: (انهض.
الله يهديك)؛ لأنه لو أخذه الله هل ترضى؟!! وبعض الناس يقول: (قم عمى) لماذا تدعو عليه بالعمى؟ والله لو عمي ولدك لذهبت به إلى كل المستشفيات، فلماذا تقول له: (عمى) وبعضهم يقول: (قم.
الله يجعلها في وجهك) وزوجته تدعوه فتقول: فلان، قال: طاعون، لماذا طاعون؟ أعوذ بالله، لماذا لا تقل: لبيكِ، قال: أقول لها لبيك، لماذا؟ لا.
إنها زوجتك: (خيركم خيركم لأهله) أفضل من تقول له لبيك: أمك وأبوك وزوجتك، من يخدمك ويربي ولدك إلا زوجتك، ومن يقضي غرضك إلا زوجتك؛ لها فضل عليك كبير، إذا ذهبت إلى بيت أهلها كيف يصبح بيتك؟ يتحول بيتك إلى مقبرة، ترجع من الدوام وكل شيء في غير مكانه، والطعام غير جاهز، والفرش غير منظمة، والغرفة مبعثرة؛ مخدة في زاوية وبطانية في زاوية، تقول: ليت أم الأولاد موجودة لتنظم وتنظف وتطبخ.
فهذه زوجتك تقوم بكل هذه الخدمات معك، لماذا لا تحسن القول معها؟ والذي ليس فيه خير لزوجته ليس فيه خير للناس، فبعض الناس يتظاهر بالخير أمام الناس لكن يقول العلماء: إن المحك الحقيقي لأخلاق الإنسان، وإذا أردت أن تقيم إنساناً فاسأل عنه أهل بيته، فإن أثنوا عليه ففيه خير، وإن ذموه فليس فيه خير، لماذا؟ لأنك تسفر عن طبيعة خلقك في بيتك، أما مع الناس فيمكن أن تتصنع وتتظاهر بالمجاملات، ولهذا ترى أكثر الناس في بيته يكلم امرأته بوجه -كالأسد- عبوس، ولا يتكلم بكلمة طيبة، فإذا دق التلفون ورفع السماعة ودق عليه أحد الناس قال: أهلاً! مرحباً! كيف الحال، (عساك طيب) حتى تقول: هذا من الملائكة لحسن أخلاقه، فإذا وضع السماعة قال: يا امرأة: افعلي الشاي.
انهضي.
أعوذ بالله! كيف التحول من حال إلى حال؟ لماذا لا تقول: يا أم فلان: عندك شيء؟ أريد بعض الشاي، يبارك الله فيك، الله يحفظك! الكلمة الطيبة صدقة، ولكن بعض الناس لا يزن عباراته، ولهذا -أيها الإخوة- أخطر شيء عليك اللسان:
احفظ لسانك أيها الإنسان لا يلدغنك إنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تهاب لقاءه الأقران
احفظ لسانك من الكذب، فإنه يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، والرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً.
واحفظ لسانك من الأيمان الفاجرة، فإن هناك يميناً تسمى: اليمين الغموس، وهي: التي يحلف بها صاحبها وهو يعلم أنه كذاب، وبسببها يغمس في النار.
احفظ لسانك من المواعيد المخلفة احفظ لسانك من الغيبة وخصوصاً غيبة العلماء وأهل الفضل، فإن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في الذين ينالون منهم معلومة، ومن ابتدرهم بالثلب ابتلاه الله قبل الموت بموت القلب والعياذ بالله.
احفظ لسانك من النميمة، وهي: نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد.
احفظ لسانك من القيل والقال، والتدخل فيما لا يعنيك، والخوض فيما لا يهمك.
قال ﷺ والحديث صحيح: (من يضمن لي ما بين لحييه وفخذيه أضمن له الجنة) وفي الحديث الآخر في الصحيحين يقول ﷺ : (أكثر ما يدخل الناس النار: الفم والفرج) وهذا أول باب، فاحفظه.
وأنت أعرف بنفسك، وأنت بعدم حفظه تبدد الحسنات وتجمع السيئات، كم من حسنة يفعلها شخص ولكن ما معه منها شيء، كلما عمل حسنة أخذها الناس؛ لأنه يتكلم في الناس ويسب الناس، يقول ﷺ : (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس عندنا من لا دينار له ولا درهم، قال ﷺ : لا.
المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات كالجبال، ولكن يأتي وقد سب هذا، وشتم هذا، وهتك عرض هذا، وأكل مال هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار).
أجل.
لا تضع حسناتك -يا أخي- ولا تتكلم بكلمة واحدة إلا وقد عرفت مغزاها، وهل هي ترضي الله أم لا؟ قال ﷺ كما في الصحيحين: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) إذا أردت أن تتكلم فاعرض الكلام على قلبك، فإن كان حقاً قلته، وإن كان باطلاً رددته، وإن كان: لا حق ولا باطل فاسكت عنه، فإن غايته أن تضيع حياتك في الكلام الفارغ الذي ليس حقاً ولا باطلاً، والذي لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا هو الهراء.
стр. 2614
باب الفرج
الباب الثاني في الخطورة وهو باب: الفرج: ومعصيته الزنا واللواط -والعياذ بالله- وقد سمعتم الوعيد في الزنا؛ أما اللواط فهو الفاحشة الكبرى والمنكر الأعظم الذي تستنكره حتى الحيوانات، يقول عبد الملك بن مروان أحد خلفاء بني أمية: والله لولا أن الله قصَّ علينا في القرآن خبر قوم لوط ما صدقت أن رجلاً يركب رجلاً.
لأن هذا تعافه حتى الحيوانات، لا يوجد حمار يركب حماراً، ولا كلب يركب كلباً، ولا قرد يركب قرداً، ولكن الإنسان إذا ضل وانحرف عن منهج الله فعل هذه الفاحشة، ولذلك سماها العلماء الفاحشة الكبرى، وقرر الله لها عقوبة من أعظم العقوبات مقتبسة من فعل الله بقوم لوط الذين أرسل الله عليهم الملائكة، فحملهم جبريل على طرف جناحه حتى بلغ بهم أعلى السماء ثم قلبها عليهم، قال الله تعالى: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٢ - ٨٣].
стр. 2615
باب الأذن
الباب الثالث: باب الأذن: ومعصيته سماع ما حرم الله من الغيبة؛ لأن الغيبة لا تتم إلا من طرفين: مغتاب وسامع، هل يوجد مغتاب يجلس في غرفة ويغتاب؟ من يغتاب معه؟ هل يوجد من يسمع؟ فإذا سمعت الغيبة فأنت أحد المغتابين، فما موقفك إذا اغتاب رجل عندك آخر تقفل الباب عليه وتقول: دعنا منه، اتركنا من الغيبة، إن كان عندك كلام طيب وإلا فاسكت، أما أن تجامله وتسكت فأنت المغتاب الثاني، ولك صورة طبق الأصل من معصيته؛ لأن الغيبة لا تتم إلا من طرفين، مثل الزنا لا يتم إلا بطرفين، والربا لا يتم إلا بطرفين، كذلك الغيبة لا تتم إلا من طرفين، فلا تستمع الغيبة ولا تسمع النميمة.
إذا أتاك رجل وقال لك: فلان قال فيك وقال فيك، فلا تصدقه؛ لأنه فاسق وإن كان صادقاً؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] فسماه الله فاسقاً وإن كان صادقاً، وإذا جاءك بغيبة فرد عليه، وقل له: إن الذي نقلت عنه النميمة لم يبادرني بها عياناً، ولكن الذي سبني أنت، أنت الذي حملها إلي فلا جزاك الله خيراً، من أجل أن تقطعه وترده عن فعل هذا المنكر العظيم.
فلا تسمع شيئاً من القيل والقال والغيبة والنميمة ولا الغناء؛ لأن الغناء رقية الزنا؛ الغناء محرض على الجريمة، ويبعث في النفس الشهوة، ويدعوها إلى الوقوع في المحرمات، فحرمه الله تعالى كما قال سبحانه في القرآن الكريم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان:٦] قال ابن مسعود: [والله الذي لا إله إلا هو إن لهو الحديث في هذه الآية هو الغناء]-والعياذ بالله- فهي باب من أبواب المحارم؛ فاتق الله وسد أذنك ولا تسمع بها إلا قال الله وقال رسول الله، وما ينفعك في آخرتك.
стр. 2616
باب النظر
الباب الرابع: باب النظر: وهذا مهم جداً وخطير، ومن يفتح عينه في الحرام يعمي الله بصيرته عن الحق؛ لأن الجزاء من جنس العمل، ومَن غض بصره فتح الله بصيرته، ومن أطلق بصره أغلق الله بصيرته، وطمس على قلبه والعياذ بالله، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠] والذي يفتح عينه على الحرام -والعياذ بالله- فهو يبرهن على أنه لا يخاف الله، إذ أن النظر هو أول الطرق وأول الخطوات في الفواحش، والذي يغض بصره ابتداءً لا يقع في الفاحشة، ولكن من أطلق بصره قاده الشيطان إلى الخطوة الثانية، فإذا كان ينظر اليوم فانتظره بعد أيام، تجده يبدأ يتكلم ويتصل، وبعد الاتصالات تتطور؛ لأنها خطوات والله يقول: ﴿لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:٢١] ما قال خطوة الشيطان، بل خطوات الشيطان، فالشيطان لا يجرك إلى الزنا في خطوة واحدة؛ لأنه لا يستطيع عليك بإيمانك، ولكن يقول: انظر، وبعد ذلك ينقلك إلى الكلام، ثم إلى المواعيد واللقاءات، ثم إلى الفاحشة والزنا ثم إلى النار والعياذ بالله.
فغض البصر من أعظم أسباب وقاية القلب؛ لأن النظر سهم مسموم من سهام إبليس، وتصوروا سهماً مسموماً يفتك ويفري، أرسله عدوك الشيطان إبليس، كيف يكون فعله في القلب؟!! قال قائل:
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وتر
والمرء ما دام ذا عين يقلبها في أعين الغير موقوف على الخطر
يسر ناظره ما ضر خاطره لا مرحباً بسرور جاء بالضرر
كل الحوادث مبدؤها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر
أجل.
واجبك -يا أخي- أن تغض بصرك، وأن تعلم أن النظر لا يفيدك، بل يحرق قلبك، ويغضب ربك، ويرضي شيطانك، وتهتك به عرض أخيك المسلم، وكما أنك لا تحب أن يُنظر إلى أهلك، كذلك الناس لا يحبون ذلك، والله لا يرضى هذا؛ لأن محارم الناس هي محارم الله، والله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
стр. 2617
باب البطن
الباب الخامس: البطن: وهي باب عظيم من أبواب دخول المحارم، وأكل الحرام من الربا، والربا من أعظم المنكرات وأكبر الكبائر، وهو موبقة، وما أذن الله بحرب صاحب كبيرة كما أذن بحرب صاحب الربا، قال ﷺ كما في صحيح مسلم: (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه) وفي مسند الإمام أحمد يقول ﷺ : (درهم ربا يصيبه الرجل أعظم من ست وثلاثين زنية في الإسلام) وفي سنن ابن ماجة قال ﷺ : (الربا بضع وسبعون حوباً -أي: ذنباً- أدناه كأن ينكح الرجل أمه) -والعياذ بالله- فلا تأكل الربا، ولا تقبل الرشوة، فالرشوة حرام، قال ﷺ : (لعن الله الراشي والمرتشي والرائش) والرشوة معناها ضياع الحق وظهور الباطل، وفساد النظام، فإذا كانت المعاملة لا تمشي إلا بشيء من الحرام، أي: أن صاحب الحق لا يأخذ حقه إلا أن يدفع حراماً، وصاحب الباطل يأخذ الباطل بالحرام، فإنه ينعدم العدل، وتضيع الحقوق، وتنتهك الحرمات حتى إذا فشت فاحشة الرشوة فلا تقبلها واتق الله ولو كنت فقيراً، فوالله لأن تعيش فقيراً حتى تموت خير لك من أن تكون غنياً ومصيرك إلى النار.
ما قيمة الثراء: أتبني عمارة وتشتري سيارة وأثاثاً وتملأ الثلاجات وتسمن نفسك لجهنم؟ لا -يا أخي- إن لك أن تعيش فقيراً وتموت على إيمان وتقوى وخوف فيعوضك الله في الجنة التي فيها (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) أفضل لك من أن تأكل في لذة قصيرة عاجلة دنيئة، ثم تخرج منها وتتركها وتدخل النار فتعذب عذاباً لا يعذبه أحد من العالمين.
الرشوة فيها لعنة الله ورسوله -والعياذ بالله- وكذلك جميع أنواع الكسب المحرم، ومن ذلك: الخمور والمخدرات والدخان، والدخان نضيفه إلى الخبائث، ونبين حرمته وحكمه في الشرع؛ لأن بعض الناس يقول بأن الدخان ليس بحرام، اتصل بي شخص وقال: الدخان ليس حراماً، قلت: لماذا؟ قال: لا يوجد في القرآن أن الله حرم الدخان، قلت: سبحان الله العظيم! ثم ذكرت له الأدلة، فأجابني في النهاية بأن الدخان حرام.
قلت له: الدخان طيب أم خبيث؟ فسكت، قلت له: أخبرني.
فسكت، قلت: حسناً عصير البرتقال طيب أم خبيث؟ قال: طيب.
قلت: والدخان طيب أم خبيث؟ قال: لا.
ليس طيباً، قلت: إذن ما هو؟ قال: خبيث، قلت: أمتأكد من أنه خبيث؟ قال: نعم.
قلت: اقرأ قول الله في سورة الأعراف: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] فما دمت معترفاً أنه خبيث فهو حرام.
وحتى لو لم تعترف بأنه خبيث فقد اعترفت الشركة الصانعة بأنه خبيث، أي (علبة) من علب الدخان فإنه مكتوب عليها: تحذير رسمي: التدخين مضر بصحتك فننصحك بالامتناع عنه.
فما معنى هذا: هل معناه أنه طيب أم خبيث؟ إذا كانت الشركة الصانعة تقول بأنه يضرك، والذي يضر طيب أم خبيث؟ خبيث.
فكل صناعة تصنع يكتب عليها تاريخ صلاحية بداية ونهاية المصنوع، إلا الدخان ليس عليه صلاحية؛ لأنه فاسد من يوم أن صنعوه؛ مكتوب عليه يضرك من أول يوم.
وكل شركة تصنع صناعة ترسل معها دعاية لها إلا الدخان تصنعه الشركة وترسل دعاية ضده، وبعد ذلك أعلمك أن الدخان خبيث أم طيب، هل تستطيع أن تشرب الدخان في المسجد مع الفضلاء والعلماء؟ لا.
لكن إذا كانت إدارة رسمية ممنوع التدخين فيها، أين يدخن المدخن إذا لم يستطع أن يدخن في المكتب؟ أين يدخن؟ في الحمام.
طيب هل يستطيع أن يشرب أو يأكل في الحمام؟ فلو جاع وفي جيبه قطعة سندوتش، هل يستطيع أن يأكلها وهو على الكرسي؟ لا يستطيع أبداً؛ لأنه لو أكل في الحمام فسوف يطرش! كيف يأكل وهو في الحمام؟!! لكن لماذا يستسيغ الدخان وهو في الحمام؟ لأنه خبيث وفي مكان خبيث؛ ولأنه يدخن من فوق ومن تحت، فيجتمع الدخان على أحسن هيئة والعياذ بالله.
فشرب الدخان حرام؛ لأنه خبيث مفتر مضر، وإسراف وتبذير للأموال في غير حقها، ولأنه لا يبدأ عليه باسم الله، ولا يختم بحمد الله، والدخان حرام؛ لأنه يعلم صاحبه خصلة لا تليق بالإنسان، فإن الإنسان إذا أكل طعاماً وبقي منه شيء رفعه، أما الحيوان إذا أكل طعاماً وبقي منه شيء داسه بأرجله، وكذلك شارب الدخان إذا شرب الحبة وانتهى منها أين يذهب بها، يضعها في الأرض ويدوسها برجله، نعم.
يتعلم خصلة من خصال الحيوان -والعياذ بالله- فاحفظ بطنك -يا أخي- من هذه الخبائث.
стр. 2618
باب اليد والقدم
الباب السادس: اليد: كفها عما حرم الله، فلا تبطش بها في حرام، ولا تسرق بها مالاً معصوماً، ولا تسفك بها دم مسلم، ولا تمدها على امرأة لا تحل لك، كف يدك؛ لأنك لو مددتها في الحرام دخلتَ النار عن طريق يدك والعياذ بالله من النار.
الباب الأخير: القدم: الخطوات؛ فلا تحملك قدمك إلى معصية الله؛ لأن كل خطوة مسجلة عليك: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:١٢] أي: خطواتهم، فلا تحملك قدمك إلا إلى بيوت الله، وحلق العلم، ومجالس الذكر، وصلة الرحم، وبر الوالدين، وقضاء مصالحك الدينية والدنيوية، لكن لا تذهب برجلك إلى منكر، ولا تحملك قدمك إلى معصية، لا تذهب بها إلى مجلس زور ومكان فجور وممارسة منكر؛ لأنك عندما تخطوها فإنها تسجل عليك يوم القيامة.
فإذا استطعت أن تقيم بإيمانك حراسة على هذه الأبواب السبعة فأنت من أعبد الناس، ويتحقق فيك قول النبي ﷺ : (اتق المحارم تكن أعبد الناس).
ولكن -أيها الإخوة- لا تظنوا أن اتقاء المحارم يتم بشيء من اليسر والسهولة! إنه صعب يحتاج إلى جهاد، وإلى عناد وتربية للنفس، ومجاهدة ومحاربة للشهوة؛ لأن الشهوة تطغى، والمتع تسوق إلى الحرام، واللذائذ تقنع بالشر، ولكن عليك بمجاهدة نفسك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١] ويقول : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
وهذه المجاهدة لا تتم في بدايات الطريق، ولكن إذا علم الله منك صدق اليقين، فتح الله بصيرتك، ونور قلبك، وحبب إليك الإيمان وزينه في قلبك، وكره إليك الكفر والفسوق والعصيان، وجعلك من الراشدين، هنالك تصبح الأمور سهلة، ويصبح أحب شيء عندك كلام الله، وأبغض شيء عندك الغناء، أحب شيء عندك يوم تنظر إلى المساجد وإلى القرآن، وأكره شيء عندك يوم تنظر إلى النساء، لماذا؟ لأنك عبد رباني، كما قال الله تعالى في الحديث القدسي في صحيح البخاري يقول ﷺ نقلاً عن ربه : (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) فما معنى هذا أيها الإخوة؟ أن يكون الله سمعك الذي تسمع به، أي: لا تسمع ولا تبصر إلا ما يحبه الله، ولا تبطش بيدك إلا فيما يحبه الله، ولا تمشي بقدمك إلا إلى ما يحبه الله؛ لأنك عبد رباني.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجنبني وإياكم الفواحش والمحارم ما ظهر منها وما بطن، وأن يوفقنا للطاعات، ويحفظنا من كل سوء ومعصية.
والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2619
الأسئلة
стр. 2620
تفجيرات الرياض وما وراءها من مفاسد
السؤال
ما هو التوجيه حيال التفجير الذي حدث في الرياض؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب
حادث التفجير الذي وقع قبل عدة أشهر لو كان حادثاً جنائياً يقع من أناس عاديين ما كان لنا حياله شأن؛ لأنه جريمة والجرائم يمكن أن تقع، لكن الحادث هذا بالذات مهم؛ لأنه انطلق من منطلق فكري وعقدي، إذ جرى فيه تضليل وخداع الذين قاموا به وإقناعهم أنه عمل جهادي ومشروع، وهنا الخطورة والمصيبة، حين تضلل مفاهيم الشباب المسلم، ويقنعون بأفكار تتنافى مع أصول أهل السنة والجماعة، الذي نعرف أن كل أحد من أهل هذا البلد بالذات لا يحب إلا أن يكون من أهل السنة والجماعة، أليس كذلك؟ هل يوجد أحد يريد أن يكون من أهل البدعة والضلال؟ لا.
ولكن المصيبة أن بعض الناس يريد أن يكون من أهل السنة والجماعة وهو لا يفهم مناهج ولا أصول ولا معتقدات أهل السنة والجماعة، ويأتي بمفاهيم ليست من مفاهيم أهل السنة والجماعة، نعم هناك الخوارج والرافضة والمعتزلة وكثير لهم مفاهيم وأصول ومناهج، أما أهل السنة والجماعة فلهم أصول ولهم مناهج ولهم معتقدات خاصة.
فالعمل الذي حصل ليس من مفاهيم ولا أصول أهل السنة والجماعة، بل يختلف معه اختلافاً كاملاً ويتنافى معه، والتوجيه حياله من عدة أمور: أولاً: قبل البدء فيه: نحن في هذا البلد بالذات ننعم بنعم عظيمة لا ينعم بها مثلنا على وجه الأرض، ويدلل على هذا: حرص الملايين من البشر في جميع دول الأرض على أن يشاركونا في هذه النعمة، لا يوجد بلد فيه أجانب في الدنيا مثل ما في بلدنا، لماذا؟ لا يوجد خير في بلادهم؟ لا.
فبعضهم يوجد في بلده فرص عمل مثلنا أو أحسن، لكن لماذا يفضل أن يعيش هنا بالذات؟ ليحصل له الأمن والطمأنينة التي يفتقدها في أي بلد آخر، فالإنسان ليس بحاجة إلى أن يأكل ويشرب ويسكن، لا.
هو يحتاج إلى أمن، وسكينة، وطمأنينة، فهذه غير موجودة، يقول لي أحد الزملاء المهندسون في شركة الكهرباء وقد ذهب إلى بلده لقضاء إجازته يقول: جلست شهراً في بلدي بالسيارة ورجعت بالسيارة يقول: والله ما نمت ليلة إلا وأنا في قلق، إلى أن دخلت حدود المملكة العربية السعودية، وما إن تجاوزتها حتى شعرت براحة ونزلت عند أول مقهى ونمت نومة شعرت فيها بلذة النوم وبالأمن.
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [النحل:١١٢] هذه تنطبق على هذا البلد ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل:١١٢] نعوذ بالله من هذه الثانية ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢] نحن في هذه البلد ننعم بنعم عظيمة، وأي محاولة لزعزعة الأمن وخلخلة هذه النعم مرفوضة وهي محاولة آثمة؛ لأنها تتصادم مع أهداف الشريعة، أهداف الشريعة التي جاءت في الكتاب والسنة، تحفظ للناس خمس كليات: الدماء: فقد حرم الله القتل وشرع القصاص.
الأعراض: حرم الله الزنا وشرع حد الزنا.
الأموال: حرم الله السرقة وشرع قطع يد السارق.
العقول: حرم الله الخمر وشرع حداً لشاربه.
الدين: حرم الله الردة (من بدل دينه فاقتلوه).
هذه الكليات الخمس ننعم بها في هذا البلد وبأعلى قدر ومستوى، فدماؤنا محقونة، وأعراضنا مصونة، وأموالنا محفوظة، وعقولنا محفوظة، وديننا محفوظ، أنريد أن نغير -أيها الإخوة- فيغير الله ما بنا؟!! لا والله.
الأمر الثاني: إذا أراد الإنسان تصحيح أخطاء موجودة، فإن التصحيح يجب أن يكون على منهج أهل السنة والجماعة، وعمليات التخريب والتفجير هذه ليست من أساليب أهل السنة والجماعة؛ لأنها عمل إفساد وليست عمل تصحيح، فالذي يريد أن يعمل عملاً إصلاحياً لا يرتكب فساداً حتى يصحح شيئاً، الإصلاح إصلاح، ولا يترتب على الإصلاح إفساد، فإذا ترتب على الإصلاح إفساد كان الإفساد الذي جاء به أعظم من الإفساد الذي جاء من أجل تصحيحه، فما موقفك -أيها المسلم- في المجتمع الذي نعيش فيه؛ مجتمع المملكة العربية السعودية؟ أولاً: موقف المسلم في الدرجة الأولى هو تصحيح وضعه مع الله، وهداية نفسه أولاً وتصحيحها بإقامة الإسلام فيها عن طريق العقيدة السليمة، والعبادة الخالصة، والسلوك المستقيم، والتعامل الحسن، والبعد عن الحرام -وترك المحرمات التي ذكرناها في المحاضرة- هذا أول شيء عليك أنت وهذه مسئوليتك، وإذا قدرت عليها فأنت داعية، ومن دعا نفسه فقد دعا، وقد حصل له خير كبير.
ثانياً: تنتقل من دائرة النفس إلى دائرة الأسرة، أمك وأبوك وإخوتك وأهلك وبنوك، وهذه مسئولية لا يقوم بها غيرك، فمن تتوقع أن يدخل من الشارع إلى أمك وأبيك فيدعوهم؟ وإذا فشلت أنت في دعوة أبيك وأمك، فمن يؤدي دورك عنك؟ بعض الشباب يقول: أبي ليس فيه خير، لا.
أبوك فيه خير ولكن أنت نفسك ما عرفت كيف تخرج هذا الخير، وبعضهم يقول: أمي ليس فيها خير أبداً، والرسول يقول: (خيركم خيركم لأهله) وأمك وأبوك من أهلك، ويجب أن يكون فيك خير لأهلك، وإذا كنت صادقاً مع الله وتحمل النور الحقيقي فلا بد أن يستفيد منك أمك وأبوك، وقد لا يستفيد منك في سنة أو سنتين أو ثلاث أو أربع، ولكن هذه مسئوليتك، انصرف إليها، ولو أن كل شاب حمل هذا المنهج وأصلح نفسه وأمه وأباه وأخواته وإخوانه وأسرته القريبة منه لما احتجنا إلى دعاة.
لكن بعض الناس ينهزم أمام أمه وأبيه وزوجته وأولاده فينعكس انهزامه في أن يصل إلى المجتمع فيكفر الناس ويقول: الناس كلهم ما فيهم خير، وهو الذي فيه خير فقط، يتصور أن الخير عنده والناس ما عندهم خير، وهذا من أسوأ ما يمكن أن يقع فيه الإنسان.
ثالثاً: إذا استطعت أن تنتقل من دائرة أهلك وبيتك، انتقل إلى الدائرة الأوسع؛ دائرة عملك: إذا كنت طالباً مع أصدقائك، أو كنت موظفاً مع الموظفين، أو كنت مدرساً مع المدرسين، انظر إلى المدرسين وخذ واحداً منهم، واعمل معه علاقة زره أقنعه بالدين يهديه الله خلال سنة سنتين تبعث يوم القيامة مبعث الأنبياء، هذا هو واقعك.
فما هو موقفك في المنكرات الموجودة في المجتمع؟ الشرع ما ترك الأمر -أيها الإخوة- ولا يوجد جزئية من جزئيات الدين إلا وهي موضحة، بين لنا الشرع كيف نغير المنكرات، وأخبرنا أن المنكرات تغير بأحد ثلاثة أساليب: الأسلوب الأول: اليد.
وهذا لولي الأمر ومن منح صلاحية، ليس الأمر فوضى، فلو ترك تغيير المنكر لكل واحد يرى منكراً فيقوم ويغيره مباشرة، لتحولت الحياة إلى فوضى، لكن الشرع نظم، أي: أن تغيير المنكر بالنسبة للمنكرات العامة إنما يقع على جهة ولي الأمر، وهو المطلوب من أن يغير المنكر، فإذا لم يغير أثم، لكن أنت لزمك أن تبلغ، فإذا لم يقبل تبليغك فقد برئت ذمتك، أما أن تذهب وتقول: أنا بلغت وما غيروا، إذن أنا أغير، لا.
إذاً تقع في المنكر ولا يجوز لك.
إذا كنت في بيتك غير بيدك؛ لأن بيتك مملكتك، إذا كان في بيتك منكراً من يمنعك أن تغير بيدك؟ لكن الشارع ليس ملكك، والمحلات العامة ليست ملكك، والإدارات ليست ملكك، بلغ ولي الأمر، والجهة التي أنيط بها هذا الأمر، فإن لم تستطع بيدك وهذا الذي يحصل فبلسانك، وهذا الذي نستطيعه.
الأسلوب الثاني: باللسان.
ولكن بالحكمة والموعظة الحسنة والكلمة الطيبة، لا أن تمر على مرتكب المنكر وأنت محدق في عيونه كأنك تريد أن تأكله، حتى ذلك يظن أنك لا تريد أن تهديه، ولكن يظنك عدواً له، ولكن ابتسم له حتى ولو لم تكن صادقاً ولكن من أجل أن تدخل قلبه، فالابتسامة هذه مثل البنج للمريض، فالذي يريد أن يضرب إبرة للمريض ماذا يصنع؟ يضع له بنجاً حتى لا يشعر بدخول الإبرة.
فكذلك أنت تريد أن تدخل الإيمان إلى قلب هذا العاصي، فتجيء وتقول له: أنت عاصٍ، وصاحب منكر، وما فيك خير، يقول لك: وأنت ما فيك خير، ويقوم ليضاربك، لكن إذا أتيته وقلت له: السلام عليكم، كيف حالك يا أخي؟ بارك الله فيك، الله يوفقك، الله يرشدك، أنت من أهل الخير، ووجهك مملوء بالإيمان، حتى ولو كنت لست بصادق، أقل شيء يقول لك إذا دعيته: جزاك الله خيراً.
وهنا قلت الكلمة وانتهى منها، ويجيء الثاني ويقولها، ويجيء الثالث ويقولها، ويجيء الرابع، فيقول صاحب المنكر: الناس كلهم يقولون بأني على منكر، أما أستحي؟ فيستحي ويترك المنكر.
الأسلوب الثالث: بالقلب.
إذا لم تستطع عند العجز فبقلبك، إذا أنكرت بقلبك عند العجز برئت ذمتك، مهما كانت المنكرات والله يعلم أنك تكرهها ولا تحبها، ولو كان بيدك إنكارها لأنكرتها، فإن الله يعفيك عن مسئوليتها ولا يلحقك من جهتها إثم.
حسناً ما موقفك تجاه ولي الأمر؟ هنا -أيها الإخوة- مكمن الخطورة، في أن بعض الشباب لا يعرف منهج أهل السنة والجماعة في قضية التعامل مع أولي الأمر.
قضية التعامل مع ولي الأمر قضية مهمة، وأصل من أصول أهل السنة والجماعة؛ قرروه وأكدوه، وما من كتاب من كتب السنة التي ألفها العلماء والمحققون من أهل السنة إلا وفيها باب: طاعة ولاة الأمور.
لماذا يقيدون طاعة ولي الأمر: هل لأن الأئمة يريدون من ولي الأمر مالاً، أو منصباً أو شهادة أو أي شيء؟ لا.
لكنهم يتعاملون معه من منطلق الشرع، وأصول أهل السنة والجماعة؛ لأن قضية التعامل مع الولي لا تحكمها المصلحة والمنفعة، ولا قضية الحب ولا الكراهية، فبعض الناس يقول: أنا أكره ولي الأمر أو أنا أحبه، أو أنا ما لقيت منه شيئاً، فمسألة تحبه أو تكرهه أمر يخصك، سواء أعطاك أو منعك هذا لك، لكن نحن نطالبك بما طالبت به الشريعة، فقد طالبت الشريعة بثلاثة أشياء تجاه ولي الأمر: الأول: مطلوب منك إن كنت صاحب هدى وسنة أن تدعو له، يقول الإمام أبو الحسن محمد بن علي البربهاري وهو عالم من أئمة أهل الس
стр. 2621
آداب حامل القرآن
أنزل الله القرآن ليكون مصدر تشريع ومنهج حياة ولكن لابد لهذا الدستور ممن يحمله، ومن ثم لابد لهذا الحامل من التحلي بصفات وآداب تخوله القيام بهذا الواجب على أكمل وجه، وقد وردت هذه الآداب والأخلاق في هذه المادة بشيء من التفصيل.
стр. 2622
شرح القصيدة البائية للإمام الصنعاني
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: اللهم اجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، واجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تبق معنا ولا منا ولا فينا ولا إلينا شقياً ولا محروماً؛ إنك أنت أرحم الراحمين.
يقول الإمام الصنعاني في قصيدته البائية: يتحدث فيها عن كتاب الله ويقول:
أما آن عما أنت فيه متاب وهل لك من بعد البعاد إياب
تقضت بك الأعمار في غير طاعةٍ سوى عمل ترضاه وهو سراب
стр. 2623
التوبة قبل الندم
يخاطب المكلفين ويقول لهم: أمْا آن لكم أن تتوبوا إلى الله، لماذا يسوِّف الإنسان؟ ولماذا يماطل؟ ولماذا يؤخر التوبة؟ وهو لا يستفيد من هذا التطويل أو هذه المماطلة، أو هذا التأخير إلا ضرر على المستويين إما أنه يزيد من المعاصي، أو يفاجئ بالموت فيخسر الدنيا والآخرة.
يقول: لِمَ تؤخر التوبة؟ أما آن لما أنت فيه، ووقعت فيه من الذنوب والمخالفات والمعاصي أن تتوب منها؟ إلى متى وأنت عاصٍ أيها الإنسان؟! هل قررت أن تعيش هذه الحياة للمعاصي؟ زودك الله بالسمع والبصر والفؤاد للتتعرف بهذه الحواس عليه، فاستعملتها فيما يغضبه، يقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٢٦] ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨] إن وسائل الإدراك هذه التي أعطاها الله لك من أجل أن تتعرف عليه وتشكره عليها لا من أجل أن تحاربه بها.
ولذا من استعملها في الغرض التي خلقها الله له سعد بها، ومن استعملها في الضرر والمعاصي قال الله فيه: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٢٦].
فيخاطب العقلاء ويقول:
أما آن عما أنت فيه متاب وهل لك من بعد البعاد إياب
تقضت بك الأعمار
انصرمت بك الليالي، وذهبت الشهور، ومرت الدهور والأعوام، وأنت على ما أنت عليه فلم تتغير، تقضت بك الأعمار من غير طاعة سوى عمل تتصور أنه ينفع وترضاه وهو سراب.
ثم يقول:
ولم يبق للراجي سلامة دينه سوى عزلةٍ فيها الجليس كتاب
كتابٌ حوى كل العلوم وكل حواه من العلم الشريف صواب
فإن رمت تاريخاً رأيت عجائباً ترى آدم مذ كان وهو تراب
إذا رأيت التاريخ ارجع فيه إلى السجل التاريخي، فالقرآن سجل بشري للعالم منذ خلق الله آدم إلى يومنا هذا، ثم قال في النهاية:
ففيه الدواء من كل داءٍ فثق به فوالله ما عنه ينوب كتاب
стр. 2624
القرآن الكريم منة الله على الأمة
يقول الله : ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١] لو خُوطب بهذا الكتاب الجبال الرواسي لرأيتها خاشعة متصدعة من خشية الله، وأنت قلبك أقسى من الجبل، وأعظم صلابة من الجبال الشم الرواسي، تهجر القرآن وترفضه وتعرض عنه وتدير مؤشر المذياع منه إلى غيره، وقد ورد في بعض الآثار أن العبد إذا وقف في صلاته وصرف بصره أو قلبه عن الله قال الله: (أإلى خير مني) أي: أين تذهب بقلبك وأنت بين يدي؟ قال الله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١] ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢].
يقول الحارث الأعور -وقد خرج وسمع الناس يخوضون في حديث رواه الترمذي، والحديث فيه مقال ولكنه يستشهد به- قال: فحدثت علي بن أبي طالب فقال: أوقد فعلوها؟ قلت: نعم.
قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنها ستكون فتنة، فقلت: فما المخرج منها يا رسول الله! قال: كتاب الله، فيه حكم ما بينكم، ونبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أذله الله، هو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، من قال به صدق، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم، ومن حكم به عدل، وهو الذي لا يشبع منه العلماء، ولا يبلى على كثرة الرد، ولا تلتبس به الألسن، وهو الذي ما سمعت به الجن حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ١ - ٢]).
هذا الكتاب الكريم العظيم الذي يقول الله فيه مخاطباً عقول الناس، يقول: أو لم يكفهم يا محمد دلالةً عليك وعلى صدق رسالتك أنا أنزلنا عليهم الكتاب؟ ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت:٥١] أليس في هذا الكتاب دلالة واضحة كافية معجزة وباقية بقاء الليل والنهار إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؟!! هذا الكتاب العظيم يوم القيامة يتقدم رسول الله ﷺ بشكوى، يشكو فيها من أعرض عن هذا الكتاب وهجره، ويقول كما قال الله في سورة الفرقان: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان:٣٠].
الله أكبر! كم هو عظيم يا أخي أن تكون يوم القيامة ممن يعزل ويصبح مما يشتكى به أمام الله، وأنك اتخذت كتاب الله مهجوراً، نور أنزله الله لك لتسير على هديه، كما قال الله : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣].
стр. 2625
هجر القرآن والإعراض عنه
إن هجر القرآن والإعراض عنه، وعدم تعلمه وتعليمه، وعدم العمل به، كل هذا من أسباب الدمار، ومن أسباب عذاب القبر؛ لأن المعاصي الكبيرة يرتب الله عليها عذاباً في الدنيا والآخرة، ومن ضمن المهالك الكبيرة التي توعد الله أصحابها بالعذاب: هجر القرآن والإعراض عنه.
وفي هذه الليلة نذكر لكم حديثاً في صحيح البخاري وهذا الحديث الذي معنا في موضوع أسباب عذاب القبر هو حديث سمرة بن جندب ﵁، والذي فيه: أنه ﷺ انطلق مع اثنين من الملائكة، ثم سار معهم ورأى مناظر ومشاهد مما يحصل للمعذبين في دار البرزخ في القبور، ومن ضمن ما رأى (رأى رجلين: رجلٌ مستلقٍ على قفاه -أي: على ظهره- وآخر واقفٌ على رأسه ومعه حجرٌ كبير يحمل الحجر فيرضخ به رأسه، ثم يتدهده هذا الحجر، فيذهب هذا الرجل ويأتي به فلا يعود إلى صاحبه إلا وقد أعاد الله رأسه كما كان فيضربه الضربة الثانية ويتدهده الحجر -وهكذا-).
أي: أنه يرضخ رأسه والله يعيده، فتعجب رسول الله ﷺ من هذا المنظر وقال: (ما هذا؟ -ما هو سبب هذه المصيبة العظيمة؟ فقالا له: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا -وفي نهاية الرحلة أخبراه- فقالا له: أما الرجلان المستلقي على قفاه والآخر يضرب رأسه ويرضخ رأسه في الحجر: هو الرجل يعلمه الله القرآن ثم ينام عنه في الليل ولا يعمل به في النهار).
إذاً: ينام عن القرآن في الليل، ولا يتشرف بأن يقوم لله ولو بركعتين في جوف الليل، وتعرفون منزلة القيام، فالقيام: هو المطية التي يمتطيها أهل الآخرة إلى الله إذا نام الغافلون: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [الإسراء:٧٩].
وقال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧] * ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨].
وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] وقال ﷺ : (ركعتان في جوف الليل خير من الدنيا وما عليها).
وقال ﷺ : (ينزل ربنا في الثلث الأخير من الليل نزولاً يليق بجلاله فيقول: هل من سائلٍ فأعطيه سؤله، هل من تائبٍ فأتوب عليه، هل من مستغفرٍ فأغفر له) فمن صادفها ولقيها فهنيئاً له؛ لأن قيام الليل مركب الصالحين، وهو ضمان لأداء صلاة الفجر، إذ أن الذي يقوم الليل لا يمكن أن يضيع صلاة الفجر إلا إذا كان مخذولاً لعب عليه الشيطان وأقامه في الليل، ثم نام بعد قيام الليل وأضاع صلاة الفجر، فهذا من لعب الشيطان على الإنسان أن يقيمك للقيام ويضيعك عن الفريضة؛ لأن الفريضة أهم عند الله في الميزان من النافلة: (فهو الرجل ينام عن القرآن في الليل، ولا يعمل به في النهار) أي: لا يتخلق بأخلاق القرآن ويسير في الطرق التي حرمها القرآن، ولا يسير في الأوامر التي أمر بها القرآن، فالقرآن مهجورٌ في قلبه، مهجورٌ بالتلاوة، ومهجورٌ بالتدبر، ومهجورٌ بالعمل، ومهجورٌ بالانصياع والانقياد، ومهجور بالحكم والتحاكم، فقد هجر القرآن من كل جانب، ويوم القيامة يكون خصمه القرآن، ومن كان خصمه القرآن قهره، كما جاء في الحديث: (واجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك).
إن القرآن يأتي يحاج صاحبه يوم القيامة أو يحاج له، فإن كان من أهله يحاج عنه حتى يدخله الجنة، وإن كان ليس من أهل القرآن، فإنه يحاجه عن كل معصية عملها ويقول له: لماذا عملتها وأنا في جوفك وقد قلت لك، ثم يحاجه حتى يدخله النار والعياذ بالله، وإن شاء الله سوف نذكر شيئاً من التفصيل في بعض الأشياء المتعلقة بكتاب الله .
قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٢٩ - ٣٠] وهذه الآية يسميها المفسرون: آية القراء وهي آية في سورة فاطر.
يتلون كتاب الله أي: يملئون حياتهم به؛ لأن ما يعانيه الناس اليوم من جفافٍ في القلوب وقسوة؛ سببه هجر القرآن، وعدم تلاوة القرآن، وأنتم تعرفون إذا دخل رمضان وأقبل الناس على القرآن، وبدأ كل واحد يقرأ، تدخل المسجد وتجد الناس لهم دوي في التلاوة، وتجد الشخص في المكتبة يقرأ، وقبل الصلاة يقرأ، وبعد الصلاة يقرأ، وفي الليل يقرأ، كيف تتحول أخلاق الناس؟ أما ترون أثراً في سلوك الناس، وليناً في قلوبهم، واستقامة في حياتهم، وصفاءً في أرواحهم بسبب القرآن؟ فإذا انتهى رمضان ودعوا المصاحف وعادوا إلى حياتهم، فيأتي بعدها قسوة القلوب والهجر للقرآن وهجر المساجد ونسيان الآخرة، وعدم ذكر الله .
فما من مشكلة يعاني منها الناس اليوم إلا وسببها هجر القرآن، هل يمكن للإنسان التالي لكتاب الله أن يزني؟! أن يغني؟! أن ينظر إلى الحرام؟! فالقرآن حاجز بينك وبين المعاصي، فإذا هجرت القرآن استغل الشيطان الفراغ، وملأه بالمعاصي والعصيان، ولذلك يقول : ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٢٧] ويقول النبي ﷺ : (اقرءوا القرآن فإنه يأتي شفيعاً لأصحابه يوم القيامة).
فهذه آية القراء فيها وعدٌ عظيم، وبشرى عظيمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩] يرجون، أي: يأملون ويرغبون بالتجارة مع الله، الذي من تاجر معه ربح.
(لن تبور) لن.
يسميها علماء اللغة: لن الأبدية الزمخشرية، فتجارتك لا تبور مع الله أبداً، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والحرف من القرآن بعشرة أمثاله إلى سبعمائة ضعف، يقول النبي ﷺ : (لا أقول: (ألم) حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف) هذه تجارة رابحة مع الله، لا تبور ولا تخرب ولا تتعرض أبداً لأي خسارة؛ لأنك تتاجر مع غني، والذي يتاجر مع الغني لا يخسر، كل التجارات معرضة للربح والخسارة إلا التجارة مع الله، فإنها تجارة رابحة، قال الله وهو يبين تفاصيل التجارة: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ [فاطر:٣٠] أي: يعطيهم ثواب أعمالهم، وهذا كافٍ، إن التجارة الرابحة هي أن تجعل ثمناً لعملك.
وقال : ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٣٠] يزيدك من فضله وفضل الله واسع، ففضل الله عظيم إذا ما تعرضت لفضله.
стр. 2626
أحاديث في فضل تعليم القرآن وتعلمه
عن عثمان والحديث في البخاري ومسلم قال ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) أي أن أشرفكم وأعلاكم منزلةً وأعظمكم مكانة عند الله في الدنيا والآخرة: من تعلم هذا القرآن أو علمه.
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (الذي يقرأ القرآن وهو ماهرٌ به مع السفرة الكرام البررة) فالذي ليس عنده صعوبة فيه، وطوع نفسه ولسانه، وأمضى جهداً كبيراً في سبيل تذليل عقبة الهضم والإجادة لكتاب الله على الطريقة الشرعية بالتجويد حتى أصبح ماهراً فيه، هذه هي منزلته عند الله .
وعنها قالت: قال ﵊: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهرٌ به مع السفرة الملائكة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو يتعتع فيه وهو عليه شاقٌ له أجران).
وهنا وقفة بسيطة حتى لا يتصور بعض الناس الذين يتعتعون في القرآن أن هنالك أجرين إذا كان هناك تعتعة، قال العلماء: إن التعتعة هذه التي يعاني منها الإنسان وله فيها أجرين، هي التي تكون أثناء تعلم العلم، أو أثناء تحسين وضعك في التلاوة، تجلس إلى العلماء وأنت تتعتع ويردك العالم فتذهب وتذاكر، ثم يردك فتذاكر، وهكذا حتى تصبح ماهراً، فأثناء فترة التعليم لك أجران: أجر المشقة، وأجر التلاوة، أما شخص لا يتعلم القرآن ولا يجوده، بل يلحن فيه اللحن الجلي، وإذا قلت له: يا أخي! اتقِ الله، واطلب العلم، واجلس مع العلماء ومع المشايخ ومع القراء قال: أريد أجرين، فهذا ليس له أجران؛ لأنه مهمل ولا يريد أن يقرأ القرآن كما أمر الله، وقد قال الله : ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل:٤].
لما سئل علي ﵁ عن الترتيل قال: [هو إخراج الحروف، ومعرفة الوقوف] فتعرف كيف تقف، وكيف تبدأ، وتخرج الحرف من مخرجه الشرعي.
أما أن تقف على ما تريد، وتخرج كما تريد، فترفع المنصوب، وتنصب المرفوع، وتقول: إن لك أجراً فلا، بل ربما يكون عليك وزر العياذ بالله.
والحديث أيضاً رواه البخاري ومسلم في الصحيحين، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة بلفظ: (من يقرأ القرآن وهو ما هرٌ به).
стр. 2627
الفرق بين قارئ القرآن وغيره
أيضاً روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجه، ريحها طيب وطعمها طيب) والأترجه: فاكهة من فواكه الدنيا، لكنها غير موجودة عندنا، وقدر لي قبل أيام كنت فيها في زيارة للدعوة إلى منطقة العلا ومنطقة العلا تبعد عن المدينة المنورة بـ (٤٠٠) كيلو متر، فلما دخلت على الأخ الذي دعاني للكلمة في بيته قبل صلاة الظهر وإذا بشجرة كبيرة جداً في داخل الفناء، والفناء مملوء بالأشجار؛ لأن عندهم مياه غزيرة وأرضهم أرض طيبة، فعندهم النخيل وأكثر الحمضيات، فلما دخلت وإذا بي أرى هذه الشجرة العظيمة ذات الأوراق العريضة وفيها ثمار صفراء اللون كبيرة جداً مثل أكبر كرة، فقلت له: ما هذا؟ قال: هذه الأترجة التي في الحديث، قلت: بشرني لعلها ناضجة، فإني أريد أن أكل منها، قال: على أحسن وضع، فأتى إلي بحبة كبيرة فأوصلها إلى أهله فقطعوها وقشروها كمثل الأناناس، وذروا عليها قليلاً من السكر، وجاء بها وأكلنا منها، فكان طعمها وريحها من أروع ما يمكن؛ لأن النبي ﷺ قال: (طعمها طيب وريحها طيب) فشممت رائحتها وإذا بها من أزكى الروائح.
هذا مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن طعمه طيب، وريحه الذي يخرج على الناس هو أثره وسلوكه الطيب.
القسم الثاني: قال ﷺ : (ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن) وهو المؤمن الذي يقف عند حدود الله، ولا يمكن أن يقع في معصية، ولا يمكن أن يدع لله أمراً، ولكنه مسكين، ما قرأ القرآن ولا تعلم: (مثله كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو) فإذا أتيت إليه تجده صاحب ريح طيب، أي: صاحب إيمان، ولكن لا تنبعث منه رائحة تنفع الناس عن طريق قراءة القرآن، وتعليم القرآن والدعوة إليه.
قال ﷺ : (ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر) إذا سمعت كلامه تقول: ما شاء الله هذا قارئ مجود، لكن إذا دخلت إلى قلبه وفتشت في خصائصه، وبحثت عن طعمه إذا به علقم مر يؤذيك، فإن هذا الصنف لا ينفعه الريح، فإن الريح في الدنيا فقط، لكن الطعم هو الذي ينفع في الآخرة.
وقال ﷺ : (ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمه مر وريحه خبيث) والحنظل شجر ينبت في الأرض ليس له أغصان يقوم عليها، وإنما يثمر ثمرة مثل الليمون الكبير، إذا فتحته وذقته كان طعمه مراً أمر من العلقم، فهذا مثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن، وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، أي: رواه أصحاب الكتب الستة.
стр. 2628
القرآن عزة لأقوام ذلة لآخرين
عن عمر بن الخطاب رضي عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى ليرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين) إن هذا القرآن عزة لأقوام وأيضاً يوضع به آخرين، فيرفع به من يحمله، ومن يعمل به ويجعله أمامه وإمامه، ويوضع به من أعرض عنه واستدبره، ومن لم يقف عند حدوده، ولا عند أوامره ولا زواجره ولا نواهيه، وهذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه.
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه) وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.
وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (لا حسد) أي: لا غبطة، لا تغبط أحداً في الدنيا على شيء: (إلا في اثنتين) وليس حسداً تتمني به زوال النعمة؛ لأن الحسد في الشرع ممقوت، وهو: تمني زوال النعمة عن المُنعم عليه، ولكن الحسد المشروع هو: الغبطة، أن تغتبط بما عند الناس، وتتمنى أن يكون لك مثلهم دون أن يزيل الله نعمهم، فلا تغبط أحداً ولا تتمنى أن يكون لك مثل ما عنده إلا في اثنتين: الأولى: (رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار -في الليل يقرأ القرآن ويصلي به، وفي النهار يعمل به ويطبقه- ورجلٌ آخر آتاه الله مالاً -فتح الله عليه الدنيا- فهو ينفقه في سبيل الله آناء الليل وآناء النهار) فهذا تغبطه وتتمنى من الله أن يعطيك مثل ما عنده، وإذا أعطاك الله فخير، وإن لم يعطك أعطاك الله بنيتك، تأتي يوم القيامة وأنت في منزلة صاحب المال؛ لأن الناس أربعة كما جاء في الحديث: (الناس أربعه: رجل آتاه الله مالاً وعلماً، فأنفقه على هلكته في الخير، فهو في أرفع المنازل، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فهو يقول: لو أن عندي مالاً لصنعت به مثل ما يصنع به فلان فهو في منزلته، وهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً فأنفقه في وجوه الشر، فهو في أخبث المنازل، ورجلٌ ما آتاه الله علماً ولا مالاً فهو يقول: لو أن عندي مالاً لصنعت به مثل فلان، فهو في منزلته، وهما في الإثم سواء).
وهذا الحديث أيضاً رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجلٌ آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار).
стр. 2629
قراءة القرآن كنز من الحسنات
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (ألم) حرف، ولكن (أ) حرف، و (ل) حرف، و (م) حرف) والحديث رواه أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي وقال: حديثٌ حسن صحيح.
هذا الحديث فيه بشرى عظيمة لمن يقرأ القرآن، فبإمكانك أن تدخل المسجد وتقرأ وتخرج وأنت مليونير حسنات، فإذا كانت سورة الفاتحة فيها (١٥٠) حرفاً إذا قرأتها مرةً سجَّل الله لك في موازينك (١٥٠٠) حسنة، وهذه أصغر سورة في القرآن هي (الإخلاص) فيها (٦٦) حرفاً، إذا قرأتها سجل الله لك (٦٦٠) حسنة، وأنا قرأت مرة صفحة من الصفحات وعددت حروفها، وكانت من الصفحات التي فيها (١٥) سطراً فوجدت في الصفحة الواحدة أكثر من (٤٥٠) حرفاً، اضربها في عشرة ستكون (٤٥٠٠) حسنة، من يترك هذه التجارة؟ والله لا يتركها إلا خاسر، تقرأ الجريدة أو المجلة والقرآن عندك؟!! مد يدك إلى القرآن واقرأ وتاجر تجارة رابحة مع الله، حتى تكون عبداً ربانياً بإذن الله .
وفي الحديث الذي رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وقد وافقه النووي في تحسينه، قال: عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: (يقول الله : من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله تعالى على سائر خلقه).
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الذي ليس في جوفه شيءٌ من القرآن كالبيت الخرب) والتشبيه هنا تشبيهٌ رائع؛ لأن الذي لا يحفظ شيئاً من القرآن شبهه النبي ﷺ بالبيت الخرب، والبيت الخرب الذي لا يعمر لا يمكن أن يسكن فيه أحد، فيعمره الغربان والبوم والحيوانات السائبة، ويدخل فيه الناس لقضاء الحاجة، وكذلك القلب الذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب الذي لا تنزله الملائكة ولا الرحمة، فيسكن فيه الشياطين تتغوط فيه وتتبول.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي ﷺ قال: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها).
وقد اختلف العلماء هنا في معنى (آخر آية تقرؤها) هل هي آخر آية تحفظها؟ أم هي آخر آية تتقن قراءتها وتقرأها باستمرار؟ فقال بعضهم: إن منزلتك عند آخر آية تحفظها من القرآن الكريم؛ ليتم بهذا التفاضل بين من يحفظ القرآن وبين من لا يحفظه؛ لأن حفظ القرآن من أعظم المنازل ومن أعظم الدرجات، يقول الله : ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] ويقول ﵊: (إن أناجيل أمتي في صدورهم) أي: القرآن معهم في صدورهم.
وقال بعض العلماء: لا.
إن فضل الله واسع، والحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال: حديثٌ حسن صحيح، لم يتضمن الحفظ وإنما تضمن القراءة، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها أي: عند آخر آية تتقن قراءتها ولو بالنظر، ففضل الله واسع، فالذي يقرأ القرآن كله وهو ماهر به يقال له يوم القيامة: اقرأ من أول القرآن إلى آخره، وآخر منزلة لك في الجنة عند آخر آية تقرؤها.
وعن معاذ بن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (من قرأ القرآن وعمل بما فيه) وهذه بشرى للآباء الذين يوفقهم الله لإلحاق أبنائهم بمدارس القرآن، سواءً الرسمية أو الخيرية، وبشرى للأبناء الذين يحفظون القرآن ثم يوفقون للعمل به، أما الذي يحفظ ولا يعمل، فهذه لعنة في جبينه والعياذ بالله، وهنا شرط يقول: (من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس الله والديه تاجاً يوم القيامة ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا) فما ظنكم بمن عمل بهذا، وهذا الحديث رواه الحافظ أبو داود.
стр. 2630
فضائل قارئ القرآن
عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: (اقرءوا القرآن فإن الله تعالى لا يعذب يوم القيامة قلباً وعى القرآن) فالله لا يعذب قلباً يعي القرآن الكريم: (وإن هذا القرآن مأدبة الله -أي: الوليمة، والضيافة التي جعلها الله لعباده- فمن دخل فيه فهو آمن، ومن أحب القرآن فليبشر) فإذا أردت أن تعرف منزلتك عند الله فاعرف منزلة القرآن في قلبك، إن كنت تسمع القرآن فتفرح به وتستأنس فاعلم أن الله يحبك، وإن كانت الأخرى، وهي إنك إذا سمعت القرآن انقبضت أو سمعت الذكر أعرضت عنه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦] فاعلم أن الله يبغض الأخرى والعياذ بالله، وهذا الحديث رواه الدارمي بإسناده.
وعن الحميدي قال: سألت سفيان الثوري عن الرجل يغزو أحب إليك أو يقرأ القرآن؟ قال: يقرأ القرآن لحديث البخاري ومسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) ولكن يوفق ابن القيم ﵀ ويقابل بين هذا الحديث وبين حديث معاذ بن جبل (الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام) -فهي أعلى مكانة- فيقول: لا شك أن المجاهد في سبيل الله في أرفع المنازل، ولكن إذا جمع مع منزلة الجهاد منزلة القرآن كان في أعلى شيء، ولكن الذي يقرأ القرآن أفضل من الذي لا يجاهد، والذي يجاهد أفضل من الذي لا يقرأ القرآن، والذي يقرأ القرآن ويجاهد أفضل من الذي يقرأ القرآن ولا يجاهد، هذا نوع من التفضيل، والتفاضل بين الأعمال بحسب قوة الأدلة وبحسب مدلولاتها الشرعية.
وثبت أيضاً في الحديث الذي رواه مسلم -وفي هذا تفضيل وترجيح لأهل القرآن- قال ﵊: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى) فدل الحديث على أن أهل القرآن مفضلين، ودليل تفضيلهم أن أقرأهم هو الذي يؤمهم في الصلاة، إذ لا يمكن أن يؤم القوم في الصلاة ويتقدم بهم إلا أفضلهم ديناً وقرآناً وعلماً وسلوكاً.
وعن ابن عباس ﵄، والحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه قال: [كان القراء أصحاب مجلس عمر وأهل مشورته] كان لا يجالس إلا أهل القرآن ويشاورهم، وقال الإمام النووي: واعلم أن المذهب المختار الذي عليه اعتماد أكثر العلماء.
أن قراءة القرآن أفضل عند الله في الميزان من التسبيح والتهليل وغيرهما من سائر الأذكار.
وقد ورد في الشرع الحث على إكرام صاحب القرآن، ففي الحديث الذي رواه أبو داود وهو حديث حسن، قال: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن) إذا عظمت وأجللت ذا الشيبة المسلم وقدمته وأكرمته وقربته واحترمته، فإنك تجل بهذا وتكرم الله ؛ لأن ما من مسلمٍ يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نوراً على الصراط يوم القيامة، معنى هذا أن له خبرة وله أقدمية في خدمة الدين، ولذا كان له منزلة، وهذا واقع لدى كل الناس حتى في الدوائر الحكومية، فالذي عنده خبرة طويلة يكون له منزلة في الإدارة، ويكون له منزلة في العمل، فيقدم ويرقى ويعطى فرص أكثر؛ لأنه قديم وعنده خبرة طويلة، كذلك الشيبة المسلم الذي عنده أقدمية وأهلية كبيرة وقدم راسخة في الدين حتى شاب رأسه في دين الله، فهذا يقدم ولكن متى؟ هل الشيبة المسلم الطائع، أما الشيبة المسلم الفاجر والعياذ بالله، فهذا ممن لا ينظر الله إليه يوم القيامة، ففي الحديث: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، منهم: شيخ زانٍ) وفي بعض الروايات: (أُشيمط زانٍ) أي: عمره ستين سنة أو سبعين سنة وهو لا يزال ينظر في النساء ويتتبعهن، ويتمنى الزنا، بل إن بعضهم شيخ كبير ويسافر إلى الخارج ليزني والعياذ بالله.
فالشيبة المسلم التقي الورع الملتزم يجب أن تكرمه، لكن كيف تعرف أنه شيبة؟ بعضهم لا تعرف أنه شيبه؛ لأنه يحلق لحيته فكيف تدري أنه شيبة؟ وبعضهم ينتف الشيب، كلما ظهرت شعرة بيضاء انتزعها لا يريدها حتى لا يقال: إنه شيبة، وبعضهم إذا كثر الشيب لا يستطيع أن ينتفه كله، فيصبغه بالسواد وكلما صبغ وجهه بالسواد وجلس يومين أو ثلاث أيام ظهرت الشعر الأبيض فيصبغها.
وهناك حديث كنت متوقفاً عنه ولكن بعد أن راجعته عليه ظهر لي أنه صحيح، أخرجه وذكره الإمام السيوطي في صحيح الجامع قال: (يأتي أقوام آخر الزمان يصبغون لحاهم بالسواد كحواصل الطير لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها).
الأمر ليس سهلاً فلا تسود وجهك يا أخي! فيسود الله وجهك في الدنيا والآخرة، اترك الشيب في وجهك وإذا أردت تغييره فغيره بما جاءت به السنة بالحناء والكتم، والكتم موجود، تطحنه ثم تخلطه مع الحناء فتخضب به لحيتك.
أما أن تصبغ وجهك بالسواد من أجل أن تخدع النساء وتخدع الناس وتخدع نفسك، وتقول: أنا شاب وأنت شايب فهذا لا ينبغي.
ولذا قال العلماء: من صبغ وجهه بالسواد ثم خطب امرأة وقبلته بناءً على ما رأت من ظاهره، ثم بعد ذلك اكتشفت أن شيباً فيه فإن لها فسخ العقد، وله أن يطلقها بالقوة؛ لأنه بنى عقده على غرر وخداع وكذب، فاترك الشيب في وجهك يا أخي!
الشيب في رأس الفتى لوقاره فإذا تعلاه المشيب توقرا
فإن من إكرام الله إكرام الرجل ذي الشيبة المسلم، وإكرام حامل القرآن غير الغالي فيه أو الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط، وهو الرجل الذي مكنه الله بسلطته، والسلطة لا نتصور أنها على مستويات سلطة الملك أو الوزير، لا.
السلطة مقسمة من الملك إلى آخر مسئول في الدولة، فكل شخص يلي أمر المسلمين ولو أمر اثنين، لو كنت رئيس قسم وعندك اثنان، أو مدير مدرسة وعندك خمسة مدرسين، أو كاتب وعندك كاتب آخر، فأنت مسئول ولديك سلطة يجب أن تكون عادلاً فيها، فإذا كنت ذا سلطة في أي مستوى وعدلت في هذا الأمر ينبغي إكرامك؛ لأن إكرامك إكرام لله .
وعن جابر ﵁ (أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين في قتلى بدر وأحد ثم يقول: أيهما أكثر أخذاً للقرآن، فإن أشير إلى أحدهما قدمه وجعله الأول في اللحد)؛ لأنه الأقرب إلى الله .
следующие страницы →