Полный текст (2 982 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
أحاديث في فضل تعليم القرآن وتعلمه
عن عثمان والحديث في البخاري ومسلم قال ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) أي أن أشرفكم وأعلاكم منزلةً وأعظمكم مكانة عند الله في الدنيا والآخرة: من تعلم هذا القرآن أو علمه.
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (الذي يقرأ القرآن وهو ماهرٌ به مع السفرة الكرام البررة) فالذي ليس عنده صعوبة فيه، وطوع نفسه ولسانه، وأمضى جهداً كبيراً في سبيل تذليل عقبة الهضم والإجادة لكتاب الله على الطريقة الشرعية بالتجويد حتى أصبح ماهراً فيه، هذه هي منزلته عند الله .
وعنها قالت: قال ﵊: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهرٌ به مع السفرة الملائكة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن وهو يتعتع فيه وهو عليه شاقٌ له أجران).
وهنا وقفة بسيطة حتى لا يتصور بعض الناس الذين يتعتعون في القرآن أن هنالك أجرين إذا كان هناك تعتعة، قال العلماء: إن التعتعة هذه التي يعاني منها الإنسان وله فيها أجرين، هي التي تكون أثناء تعلم العلم، أو أثناء تحسين وضعك في التلاوة، تجلس إلى العلماء وأنت تتعتع ويردك العالم فتذهب وتذاكر، ثم يردك فتذاكر، وهكذا حتى تصبح ماهراً، فأثناء فترة التعليم لك أجران: أجر المشقة، وأجر التلاوة، أما شخص لا يتعلم القرآن ولا يجوده، بل يلحن فيه اللحن الجلي، وإذا قلت له: يا أخي! اتقِ الله، واطلب العلم، واجلس مع العلماء ومع المشايخ ومع القراء قال: أريد أجرين، فهذا ليس له أجران؛ لأنه مهمل ولا يريد أن يقرأ القرآن كما أمر الله، وقد قال الله : ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل:٤].
لما سئل علي ﵁ عن الترتيل قال: [هو إخراج الحروف، ومعرفة الوقوف] فتعرف كيف تقف، وكيف تبدأ، وتخرج الحرف من مخرجه الشرعي.
أما أن تقف على ما تريد، وتخرج كما تريد، فترفع المنصوب، وتنصب المرفوع، وتقول: إن لك أجراً فلا، بل ربما يكون عليك وزر العياذ بالله.
والحديث أيضاً رواه البخاري ومسلم في الصحيحين، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة بلفظ: (من يقرأ القرآن وهو ما هرٌ به).
стр. 2627
الفرق بين قارئ القرآن وغيره
أيضاً روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجه، ريحها طيب وطعمها طيب) والأترجه: فاكهة من فواكه الدنيا، لكنها غير موجودة عندنا، وقدر لي قبل أيام كنت فيها في زيارة للدعوة إلى منطقة العلا ومنطقة العلا تبعد عن المدينة المنورة بـ (٤٠٠) كيلو متر، فلما دخلت على الأخ الذي دعاني للكلمة في بيته قبل صلاة الظهر وإذا بشجرة كبيرة جداً في داخل الفناء، والفناء مملوء بالأشجار؛ لأن عندهم مياه غزيرة وأرضهم أرض طيبة، فعندهم النخيل وأكثر الحمضيات، فلما دخلت وإذا بي أرى هذه الشجرة العظيمة ذات الأوراق العريضة وفيها ثمار صفراء اللون كبيرة جداً مثل أكبر كرة، فقلت له: ما هذا؟ قال: هذه الأترجة التي في الحديث، قلت: بشرني لعلها ناضجة، فإني أريد أن أكل منها، قال: على أحسن وضع، فأتى إلي بحبة كبيرة فأوصلها إلى أهله فقطعوها وقشروها كمثل الأناناس، وذروا عليها قليلاً من السكر، وجاء بها وأكلنا منها، فكان طعمها وريحها من أروع ما يمكن؛ لأن النبي ﷺ قال: (طعمها طيب وريحها طيب) فشممت رائحتها وإذا بها من أزكى الروائح.
هذا مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن طعمه طيب، وريحه الذي يخرج على الناس هو أثره وسلوكه الطيب.
القسم الثاني: قال ﷺ : (ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن) وهو المؤمن الذي يقف عند حدود الله، ولا يمكن أن يقع في معصية، ولا يمكن أن يدع لله أمراً، ولكنه مسكين، ما قرأ القرآن ولا تعلم: (مثله كمثل التمرة، لا ريح لها وطعمها حلو) فإذا أتيت إليه تجده صاحب ريح طيب، أي: صاحب إيمان، ولكن لا تنبعث منه رائحة تنفع الناس عن طريق قراءة القرآن، وتعليم القرآن والدعوة إليه.
قال ﷺ : (ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر) إذا سمعت كلامه تقول: ما شاء الله هذا قارئ مجود، لكن إذا دخلت إلى قلبه وفتشت في خصائصه، وبحثت عن طعمه إذا به علقم مر يؤذيك، فإن هذا الصنف لا ينفعه الريح، فإن الريح في الدنيا فقط، لكن الطعم هو الذي ينفع في الآخرة.
وقال ﷺ : (ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمه مر وريحه خبيث) والحنظل شجر ينبت في الأرض ليس له أغصان يقوم عليها، وإنما يثمر ثمرة مثل الليمون الكبير، إذا فتحته وذقته كان طعمه مراً أمر من العلقم، فهذا مثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن، وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، أي: رواه أصحاب الكتب الستة.
стр. 2628
القرآن عزة لأقوام ذلة لآخرين
عن عمر بن الخطاب رضي عنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى ليرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين) إن هذا القرآن عزة لأقوام وأيضاً يوضع به آخرين، فيرفع به من يحمله، ومن يعمل به ويجعله أمامه وإمامه، ويوضع به من أعرض عنه واستدبره، ومن لم يقف عند حدوده، ولا عند أوامره ولا زواجره ولا نواهيه، وهذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه.
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه) وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.
وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (لا حسد) أي: لا غبطة، لا تغبط أحداً في الدنيا على شيء: (إلا في اثنتين) وليس حسداً تتمني به زوال النعمة؛ لأن الحسد في الشرع ممقوت، وهو: تمني زوال النعمة عن المُنعم عليه، ولكن الحسد المشروع هو: الغبطة، أن تغتبط بما عند الناس، وتتمنى أن يكون لك مثلهم دون أن يزيل الله نعمهم، فلا تغبط أحداً ولا تتمنى أن يكون لك مثل ما عنده إلا في اثنتين: الأولى: (رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار -في الليل يقرأ القرآن ويصلي به، وفي النهار يعمل به ويطبقه- ورجلٌ آخر آتاه الله مالاً -فتح الله عليه الدنيا- فهو ينفقه في سبيل الله آناء الليل وآناء النهار) فهذا تغبطه وتتمنى من الله أن يعطيك مثل ما عنده، وإذا أعطاك الله فخير، وإن لم يعطك أعطاك الله بنيتك، تأتي يوم القيامة وأنت في منزلة صاحب المال؛ لأن الناس أربعة كما جاء في الحديث: (الناس أربعه: رجل آتاه الله مالاً وعلماً، فأنفقه على هلكته في الخير، فهو في أرفع المنازل، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فهو يقول: لو أن عندي مالاً لصنعت به مثل ما يصنع به فلان فهو في منزلته، وهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً فأنفقه في وجوه الشر، فهو في أخبث المنازل، ورجلٌ ما آتاه الله علماً ولا مالاً فهو يقول: لو أن عندي مالاً لصنعت به مثل فلان، فهو في منزلته، وهما في الإثم سواء).
وهذا الحديث أيضاً رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجلٌ آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار).
стр. 2629
قراءة القرآن كنز من الحسنات
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (ألم) حرف، ولكن (أ) حرف، و (ل) حرف، و (م) حرف) والحديث رواه أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي وقال: حديثٌ حسن صحيح.
هذا الحديث فيه بشرى عظيمة لمن يقرأ القرآن، فبإمكانك أن تدخل المسجد وتقرأ وتخرج وأنت مليونير حسنات، فإذا كانت سورة الفاتحة فيها (١٥٠) حرفاً إذا قرأتها مرةً سجَّل الله لك في موازينك (١٥٠٠) حسنة، وهذه أصغر سورة في القرآن هي (الإخلاص) فيها (٦٦) حرفاً، إذا قرأتها سجل الله لك (٦٦٠) حسنة، وأنا قرأت مرة صفحة من الصفحات وعددت حروفها، وكانت من الصفحات التي فيها (١٥) سطراً فوجدت في الصفحة الواحدة أكثر من (٤٥٠) حرفاً، اضربها في عشرة ستكون (٤٥٠٠) حسنة، من يترك هذه التجارة؟ والله لا يتركها إلا خاسر، تقرأ الجريدة أو المجلة والقرآن عندك؟!! مد يدك إلى القرآن واقرأ وتاجر تجارة رابحة مع الله، حتى تكون عبداً ربانياً بإذن الله .
وفي الحديث الذي رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وقد وافقه النووي في تحسينه، قال: عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: (يقول الله : من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله تعالى على سائر خلقه).
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الذي ليس في جوفه شيءٌ من القرآن كالبيت الخرب) والتشبيه هنا تشبيهٌ رائع؛ لأن الذي لا يحفظ شيئاً من القرآن شبهه النبي ﷺ بالبيت الخرب، والبيت الخرب الذي لا يعمر لا يمكن أن يسكن فيه أحد، فيعمره الغربان والبوم والحيوانات السائبة، ويدخل فيه الناس لقضاء الحاجة، وكذلك القلب الذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب الذي لا تنزله الملائكة ولا الرحمة، فيسكن فيه الشياطين تتغوط فيه وتتبول.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي ﷺ قال: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرؤها).
وقد اختلف العلماء هنا في معنى (آخر آية تقرؤها) هل هي آخر آية تحفظها؟ أم هي آخر آية تتقن قراءتها وتقرأها باستمرار؟ فقال بعضهم: إن منزلتك عند آخر آية تحفظها من القرآن الكريم؛ ليتم بهذا التفاضل بين من يحفظ القرآن وبين من لا يحفظه؛ لأن حفظ القرآن من أعظم المنازل ومن أعظم الدرجات، يقول الله : ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] ويقول ﵊: (إن أناجيل أمتي في صدورهم) أي: القرآن معهم في صدورهم.
وقال بعض العلماء: لا.
إن فضل الله واسع، والحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال: حديثٌ حسن صحيح، لم يتضمن الحفظ وإنما تضمن القراءة، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها أي: عند آخر آية تتقن قراءتها ولو بالنظر، ففضل الله واسع، فالذي يقرأ القرآن كله وهو ماهر به يقال له يوم القيامة: اقرأ من أول القرآن إلى آخره، وآخر منزلة لك في الجنة عند آخر آية تقرؤها.
وعن معاذ بن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (من قرأ القرآن وعمل بما فيه) وهذه بشرى للآباء الذين يوفقهم الله لإلحاق أبنائهم بمدارس القرآن، سواءً الرسمية أو الخيرية، وبشرى للأبناء الذين يحفظون القرآن ثم يوفقون للعمل به، أما الذي يحفظ ولا يعمل، فهذه لعنة في جبينه والعياذ بالله، وهنا شرط يقول: (من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس الله والديه تاجاً يوم القيامة ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا) فما ظنكم بمن عمل بهذا، وهذا الحديث رواه الحافظ أبو داود.
стр. 2630
فضائل قارئ القرآن
عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: (اقرءوا القرآن فإن الله تعالى لا يعذب يوم القيامة قلباً وعى القرآن) فالله لا يعذب قلباً يعي القرآن الكريم: (وإن هذا القرآن مأدبة الله -أي: الوليمة، والضيافة التي جعلها الله لعباده- فمن دخل فيه فهو آمن، ومن أحب القرآن فليبشر) فإذا أردت أن تعرف منزلتك عند الله فاعرف منزلة القرآن في قلبك، إن كنت تسمع القرآن فتفرح به وتستأنس فاعلم أن الله يحبك، وإن كانت الأخرى، وهي إنك إذا سمعت القرآن انقبضت أو سمعت الذكر أعرضت عنه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦] فاعلم أن الله يبغض الأخرى والعياذ بالله، وهذا الحديث رواه الدارمي بإسناده.
وعن الحميدي قال: سألت سفيان الثوري عن الرجل يغزو أحب إليك أو يقرأ القرآن؟ قال: يقرأ القرآن لحديث البخاري ومسلم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) ولكن يوفق ابن القيم ﵀ ويقابل بين هذا الحديث وبين حديث معاذ بن جبل (الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام) -فهي أعلى مكانة- فيقول: لا شك أن المجاهد في سبيل الله في أرفع المنازل، ولكن إذا جمع مع منزلة الجهاد منزلة القرآن كان في أعلى شيء، ولكن الذي يقرأ القرآن أفضل من الذي لا يجاهد، والذي يجاهد أفضل من الذي لا يقرأ القرآن، والذي يقرأ القرآن ويجاهد أفضل من الذي يقرأ القرآن ولا يجاهد، هذا نوع من التفضيل، والتفاضل بين الأعمال بحسب قوة الأدلة وبحسب مدلولاتها الشرعية.
وثبت أيضاً في الحديث الذي رواه مسلم -وفي هذا تفضيل وترجيح لأهل القرآن- قال ﵊: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى) فدل الحديث على أن أهل القرآن مفضلين، ودليل تفضيلهم أن أقرأهم هو الذي يؤمهم في الصلاة، إذ لا يمكن أن يؤم القوم في الصلاة ويتقدم بهم إلا أفضلهم ديناً وقرآناً وعلماً وسلوكاً.
وعن ابن عباس ﵄، والحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه قال: [كان القراء أصحاب مجلس عمر وأهل مشورته] كان لا يجالس إلا أهل القرآن ويشاورهم، وقال الإمام النووي: واعلم أن المذهب المختار الذي عليه اعتماد أكثر العلماء.
أن قراءة القرآن أفضل عند الله في الميزان من التسبيح والتهليل وغيرهما من سائر الأذكار.
وقد ورد في الشرع الحث على إكرام صاحب القرآن، ففي الحديث الذي رواه أبو داود وهو حديث حسن، قال: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن) إذا عظمت وأجللت ذا الشيبة المسلم وقدمته وأكرمته وقربته واحترمته، فإنك تجل بهذا وتكرم الله ؛ لأن ما من مسلمٍ يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نوراً على الصراط يوم القيامة، معنى هذا أن له خبرة وله أقدمية في خدمة الدين، ولذا كان له منزلة، وهذا واقع لدى كل الناس حتى في الدوائر الحكومية، فالذي عنده خبرة طويلة يكون له منزلة في الإدارة، ويكون له منزلة في العمل، فيقدم ويرقى ويعطى فرص أكثر؛ لأنه قديم وعنده خبرة طويلة، كذلك الشيبة المسلم الذي عنده أقدمية وأهلية كبيرة وقدم راسخة في الدين حتى شاب رأسه في دين الله، فهذا يقدم ولكن متى؟ هل الشيبة المسلم الطائع، أما الشيبة المسلم الفاجر والعياذ بالله، فهذا ممن لا ينظر الله إليه يوم القيامة، ففي الحديث: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، منهم: شيخ زانٍ) وفي بعض الروايات: (أُشيمط زانٍ) أي: عمره ستين سنة أو سبعين سنة وهو لا يزال ينظر في النساء ويتتبعهن، ويتمنى الزنا، بل إن بعضهم شيخ كبير ويسافر إلى الخارج ليزني والعياذ بالله.
فالشيبة المسلم التقي الورع الملتزم يجب أن تكرمه، لكن كيف تعرف أنه شيبة؟ بعضهم لا تعرف أنه شيبه؛ لأنه يحلق لحيته فكيف تدري أنه شيبة؟ وبعضهم ينتف الشيب، كلما ظهرت شعرة بيضاء انتزعها لا يريدها حتى لا يقال: إنه شيبة، وبعضهم إذا كثر الشيب لا يستطيع أن ينتفه كله، فيصبغه بالسواد وكلما صبغ وجهه بالسواد وجلس يومين أو ثلاث أيام ظهرت الشعر الأبيض فيصبغها.
وهناك حديث كنت متوقفاً عنه ولكن بعد أن راجعته عليه ظهر لي أنه صحيح، أخرجه وذكره الإمام السيوطي في صحيح الجامع قال: (يأتي أقوام آخر الزمان يصبغون لحاهم بالسواد كحواصل الطير لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها).
الأمر ليس سهلاً فلا تسود وجهك يا أخي! فيسود الله وجهك في الدنيا والآخرة، اترك الشيب في وجهك وإذا أردت تغييره فغيره بما جاءت به السنة بالحناء والكتم، والكتم موجود، تطحنه ثم تخلطه مع الحناء فتخضب به لحيتك.
أما أن تصبغ وجهك بالسواد من أجل أن تخدع النساء وتخدع الناس وتخدع نفسك، وتقول: أنا شاب وأنت شايب فهذا لا ينبغي.
ولذا قال العلماء: من صبغ وجهه بالسواد ثم خطب امرأة وقبلته بناءً على ما رأت من ظاهره، ثم بعد ذلك اكتشفت أن شيباً فيه فإن لها فسخ العقد، وله أن يطلقها بالقوة؛ لأنه بنى عقده على غرر وخداع وكذب، فاترك الشيب في وجهك يا أخي!
الشيب في رأس الفتى لوقاره فإذا تعلاه المشيب توقرا
فإن من إكرام الله إكرام الرجل ذي الشيبة المسلم، وإكرام حامل القرآن غير الغالي فيه أو الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط، وهو الرجل الذي مكنه الله بسلطته، والسلطة لا نتصور أنها على مستويات سلطة الملك أو الوزير، لا.
السلطة مقسمة من الملك إلى آخر مسئول في الدولة، فكل شخص يلي أمر المسلمين ولو أمر اثنين، لو كنت رئيس قسم وعندك اثنان، أو مدير مدرسة وعندك خمسة مدرسين، أو كاتب وعندك كاتب آخر، فأنت مسئول ولديك سلطة يجب أن تكون عادلاً فيها، فإذا كنت ذا سلطة في أي مستوى وعدلت في هذا الأمر ينبغي إكرامك؛ لأن إكرامك إكرام لله .
وعن جابر ﵁ (أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين في قتلى بدر وأحد ثم يقول: أيهما أكثر أخذاً للقرآن، فإن أشير إلى أحدهما قدمه وجعله الأول في اللحد)؛ لأنه الأقرب إلى الله .
стр. 2631
من آداب حامل القرآن
هناك آداب لحامل القرآن ينبغي مراعاتها.
стр. 2632
حامل القرآن والتحلي بأكرم الصفات والشمائل
ينبغي لحامل القرآن أن يكون على أكمل الأحوال وأكرم الصفات والشمائل، ما دمت من أهل القرآن فأنت قرآن يمشي، وعليك لوحة أنك من أهل القرآن فلا تخرب؛ لأن أي تخريب يأتي منك إنما ينال أثره من الدين، يقولون: انظروا إلى (المطوع).
وأذكر مثالاً: ففي مرة من المرات كنت أريد أن أقطع الشارع لأدخل المسجد لكي أصلي بالناس، وهناك شخص واقف بجواري، فمر شخص في سيارة ولكنه من أهل القرآن ومن أهل الدين إن شاء الله، لديه لحية، فكان مسرعاً يريد أن يدرك الإشارة، فالذي بجواري قال لي: انظر إلى لحيته، فكررها، قلت: ماذا بك؟ قال: انظر إلى لحيته وكيف يسرع؟ قلت: الذي أسرع لحيته أم رجله؟ قال: رجله! قلت: ما ذنب لحيته تحمّلها أثر السرعة، فلحيته لم تنزل تضغط البنزين، رجله هي التي سببت السرعة للسيارة، فقال لي: يا شيخ! هذا (مطوع) الأصل أنه لا يسرع، فقلت له: صدقت! لأن خلق الشاب الملتزم يجب أن يكون معتدلاً حتى في السير، إذا جئت وأردت أن تسير في طريق وهناك شخص يريد أن يقطع الشارع ووقفت له وأشرت إليه بأن يمشي، ونظر إلى وجهك ورأى أثر السنة فيقول: هذا (المطوع) جزاه الله خيراً، انظروا كيف الدين يعلمهم الأخلاق، الدين يعلمهم حتى الأخلاق في السير.
أما إذا شاغلته وزاحمته فيقول: انظروا إلى هذا (المطوع) المعقد، فيصب لعناته على الملتزمين وأنهم معقدون، ورغم أنه قد يكون أمامك أناس زاحموه قبلك ولكن لم يسخط عليهم كما يسخط عليك؛ لأنه ينتظر منك أن تكون صاحب خلق.
كذلك في البيع والشراء: فبعض الناس إذا جاء يبيع ويشتري، والرسول ﷺ قال: (رحم الله امرأ سمحاً إذا باع، سمحاً إذ اشترى، سمحاً إذا قضى، سمحاً إذ اقتضى).
هذه دعوة من الرسول ﷺ ، إلى من يتعامل مع الناس أن يكون سمحاً إذا باع، لا تكون شديداً وإذا اشتريت أيضاً لا تبخس صاحب المحل، يقول لك: السلعة بعشرة تقول له: بريالين.
فهذه ليست سماحة في البيع والشراء، إذا فعلت هذا الفعل وأنت شاب ملتزم وملتحٍ فمباشرة هذا الرجل يكره الدين ويقول: لا تبايع (مطوعاً) فتراه يخرج روحك، بينما قد يكون هناك شخص ليس (مطوعاً) وقد بايعه وأخرج روحه فلم يعب عليه، لكن صاحب القرآن عاب عليه لأنه يعتبره قدوة للآخرين.
فإذا أردت أن تشتري فلا تزعج الآخرين، وإذا رأيت السلعة ورغبت بها فخذها وإلا فقل له: بارك الله لك ثم اذهب إلى غيره.
ولذا فاجعل من نفسك قدوة للآخرين، وكن سمحاً إذا اشتريت، وسمحاً إذا بعت، وسمحاً إذا اقتضيت شخصاً لك مال عنده فأردت أن تأخذه منه فلا تضيق عليه في أحرج الظروف، ولا في الفرص الصعبة، فهكذا ينبغي لحامل القرآن أن يكون سمحاً، وأن يتحلى بأحسن الصفات وأكرم الشمائل وأكمل الأحوال؛ ليكون قرآناً يمشي على رجلين، يدعو إلى الله .
стр. 2633
حامل القرآن والترفع عن كل ما نهى عنه القرآن
ومن آداب حامل القرآن: أنه ينبغي له أن يرفع نفسه عن كل ما نهى عنه القرآن؛ إجلالاً للقرآن الذي في جوفه.
فلا يصلح لك أن تذهب إلى أماكن الرذيلة؛ لأن في جوفك قرآناً كريماً فلا تهينه، يقول أحد الشباب: هداني الله واهتديت، ودرست القرآن والتزمت وأصبحت في أحسن حالٍ، وفي يومٍ من الأيام وأنا خارج من صلاة العشاء وذاهب إلى البيت سمعت زيراً يطرق وزلفة تنقع -في زواج- يقول: وأنا لي مدة مع الزلفة والزير قبل التزامي، فكنت أذهب إليها ولو كانت على بعد عشرات الكيلوهات، قال: فلما سمعتها استغل الشيطان هذا السماع فدخل في قلبي وفي أذني وفي جوارحي، فأخذت ألعب وأنا في مكاني قبل أن يأتي اللعب، ونسيت أنني قد اهتديت والتزمت، فما وجدت نفسي إلا وأنا أفرّق الصفوف لأدخل.
فأخذت ألعب وأرقص بلحيتي بعد أن خرجت من المسجد، فبعد أن وقفنا لكي نسمع أنشودة جديدة وإذا بشخص يقبص ظهري، فقال: يا فلان! قلت: نعم.
فأخذني إلى خلف الملاعب وقال: يا فلان! إنك قبل وقت قصير كنت تقرأ علينا في المسجد والآن تلعب، انظر شمالاً ويميناً من الذي بجوارك! إنهم السفلة من الناس، فقد كنت في المسجد تقول: قال الله وقال رسوله والآن تلعب؟!! فهذا العمل لا يصلح، إما أن تلعب وتترك الدين لأهله، وإما أن تتمسك بالدين وتسير مع أهله، فوقع كلامه مثل الرصاص في قلبي، فقلت له: صدقت! والله لن ألعب.
يقول: فخرجت إلى البيت وجلست طوال الليل لم يأتِ إليَّ النوم من خوف الله والبكاء، وأنا أصلي وأبكي وأطلب من الله المغفرة.
لا يليق أن تذهب بالقرآن إلى أماكن الرذيلة؛ لأنك تهين الذي في قلبك، فعليك أن تكرم القرآن، ونعمة والله يا أخي! أن أنعم الله عليك بالقرآن الذي يحول بينك وبين المعاصي؛ لأنه سور حاجز بينك وبين المعاصي، فإذا أعانك شخص على أن تمتنع من المعاصي فهذا خير عظيم.
стр. 2634
حامل القرآن شريف النفس متواضع للصالحين
ومما ينبغي لحامل القرآن: أن يكون شريف النفس، مترفعاً عن الدنايا، متواضعاً للصالحين، مكرماً للمساكين، وهذا خلق أهل القرآن؛ لأن الله يقول: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤] لكن بغير القرآن لا.
يصبح الذي ليس عنده قرآن ذليل عند الكفار عزيز عند المؤمنين، فإذا رأى كافراً تراه متذللاً له، وإذا رأى مؤمناً تراه متعالٍ عليه؛ لأنه لا يوجد في قلبه شيء من القرآن، فلو وُجد في قلبه القرآن حقيقةً لتواضع لأهل الإيمان.
وإذا كان رسول الله ﷺ ، وهو سيد الأولين والآخرين، كان جلساؤه هم الضعفاء والبسطاء والمساكين والمماليك (صهيب الرومي - وبلال الحبشي، وسلمان الفارسي، وابن أم مكتوم الأعمى) ولما جاء في يوم من الأيام وأراد أن يجمع المشركين للجلوس معهم قالوا له: لا نجلس مع العبيد والضعفاء والفقراء، نحن أعزاء وصناديد قريش، فاجعل لنا يوماً ولهم يوماً، فأراد أن يفعل هذا، فقال الله له: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] أي: لا تجلس مع هؤلاء، ولما دخل عليه الأعمى ابن أم مكتوم، عبد الله بن قيس ﵁، وهو يريد أن يتعلم من الدين، وكان الرسول ﷺ مشغولاً في مجلسه مع بعض صناديد قريش طمعاً في هدايتهم، والرجل ينادي ويقول: يا رسول الله! علمني مما علمك الله، ولم يعرف بأن النبي ﷺ مشغولاً، ولو أنه عرف أن النبي ﷺ مشغولاً ما تكلم، فكره منه الرسول ﷺ هذا الموقف؛ لأنه جاء في وقت غير مناسب وهو مشغول مع هؤلاء، والنبي ﷺ يطمع أن يجري معهم صفقة الإيمان، حتى إذا أسلموا أسلمت مكة بأسرها، فإنه لم يكن ﷺ مشغولاً بصفقة دنيوية أو بصفقة معاملات، وإنما كان مشغولاً بالدين، ولكن قطّب وعبس ولم يتكلم، أي: كشر فقط، فنزل القرآن من السماء يخطّىء الرسول ﷺ ويعاتبه ويقول: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس:١] عبس أي: قطب جبينه، لماذا؟ ﴿أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس:٢ - ٣] ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ [عبس:٥] فالذي استغنى بماله وسلطته وجاهه من هؤلاء الكفار فأنت له تصدى: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس:٧] أي: وما يضرك سواء أسلم أم لم يسلم، الجنة عندنا لأهل الإيمان، والنار لأهل الكفر والنفاق، لا تحرص على هداهم: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل:٣٧] ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس:٣ - ٧] ما لك منه شيء، ثم: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ [عبس:٨] أي: الأعمى ﴿وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس:٩ - ١٠].
ثم قال: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس:١١] أي: هذا الموقف وهذا العمل الذي عملته يا محمد تذكرةٌ لك، وتذكرة للأمة من بعدك، أَن الناس لا يوزنون ولا يقاسون ولا يفاضل بينهم بموازين الأرض وإنما بموازين السماء: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] أحب النبي ﷺ ابن أم مكتوم وعرف منزلته عند الله، فكان إذا دخل عليه وهو لمفرده يفرش له رداءه ويقول له: (أهلاً ومرحباً بمن عاتبني ربي فيه).
وهذا يبين لك أخلاق النبي ﷺ ، وأنه ليس عنيداً، فلو كان شخصاً آخر لكان أخذها نقطة عليه ويقول: هذا الذي سبب لي المشاكل فينتقم منه، ولكن النبي ﷺ كان يفرش له الفراش ويقول: (أهلاً بمن عاتبني ربي فيه) فعليك أن تكرم المؤمنين وألا تعز الفاجرين؛ لأنك من أهل القرآن.
стр. 2635
حامل القرآن مظهره ووقاره
وأيضاً ينبغي لحامل القرآن أن يكون مظهره مجللاً بالسكينة والوقار والخشوع، فقد جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال: [يا معشر القراء! استبقوا الخيرات، ولا تكون عيالاً على الناس] لأن السكينة التي تظهر الإنسان بالضعف ليست من الدين، والتكبر والتعالي الذي يظهر للناس العظمة هذا أيضاً ليس من الدين، وإنما التواضع في غير ذلة: من سكينة وخشوع ووقار لأن الوقار جزء من سمات المؤمنين.
стр. 2636
حامل القرآن وقيام الليل
ينبغي لحامل القرآن أيضاً كما قال ابن مسعود ﵁: [أن يعرف بليله إذا الناس نائمون -فإذا نام الناس فصاحب القرآن لا ينام معهم- وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يضحكون، وببكائه إذا الناس يفرحون، وبصمته وخشوعه وسكوته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه وتواضعه إذا الناس يختالون ويتكبرون].
فإذا دخلت مجلساً ورأيت فيه رجلاً صامتاً والناس يخوضون فإنما يلقّن الحكمة، وسكوته إذا كان خوضهم في باطل، بل لا ينبغي أن يجلس ولا بد أن ينصرف، لكن إذا خاضوا في أمور مباحة من الدنيا، ليس فيها غيبة ولا نميمة وهو ساكت لضرورة تعرف من صمته ووقاره وخشوعه أنه يلقّن الحكمة؛ لأنه من أهل القرآن.
وعن الحسن ﵁ قال: [إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسالةً إليهم من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل ويعملون بها في النهار] لقد كان السلف يرون القرآن تعاليم ربانية ورسائل إلاهية إليهم، فهم يتدبرونها ويراجعونها ويعرفون أحكامها في الليل، وفي النهار يطبقونها في الواقع العملي، هذا هو شأن أهل القرآن.
وقال الفضيل بن عياض: [لا ينبغي لحامل القرآن أن يحتاج إلى أحد غير الله].
стр. 2637
حامل القرآن وسؤال الناس
قيل: دخل سالم بن عبد الله بن عمر الكعبة فلحقه أحد خلفاء بني أمية وهو داخل الكعبة، فقال له: هل من حاجة يا أبا عبد الله؟! قال: إني أستحي أن أسأل غير الله وأنا في بيته! فسكت عنه، فلما طاف بالبيت وخرج من البيت لحقه، فقال: يا أبا عبد الله! هل لك من حاجة، ها قد خرجت من بيت الله؟ تريد شيئاً قال: أمِن حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ قال: من حوائج الدنيا أما حوائج الآخرة فليس عندنا، قال: والله ما طلبت الدنيا ممن يملكها وهو الله، أفأطلبها منك وأنت لا تملك منها شيئاً فخجل الأمير خجلاً وتركه وولى.
وكان الفضيل بن عياض ﵁ في ليلة من الليالي في بيته، فخرج هارون الرشيد وقال لـ يحيى البرمكي وزيره: اذهب بي إلى عالم من أهل العلم يلين قلبي، فدخل به إلى عالم من العلماء فوعظه وأعطاه مالاً وأخذه ومشى، ثم ذهب إلى آخر فوعظه فأعطاه، ثم أتيا الفضيل فسلما عليه، فرأى يد أمير المؤمنين رطبة، فقال الفضيل: ما أرطب هذه اليد إذا نجت من النار يوم القيامة ثم قال له: عظني فوعظه حتى بكى الخليفة، فقال وزيره: أشفق على أمير المؤمنين، فقال الفضيل: أتقتلونه وأنا أشفق عليه؟! فقال الخليفة: اسكت يا يحيى فسكت! فوعظه ثم وعظه حتى أنه كاد يموت من البكاء، يقول: ثم أعطاه عشرة آلاف درهم فردها إليه وقال: ندله على النجاة، ويدلنا على النار، فتهلل وجه الخليفة من الفضيل وانصرف وهو يثني عليه.
يقول الفضيل بن عياض: لا ينبغي لحامل القرآن أن يكون له حاجة إلى أحدٍ غير الله.
يقول الشاعر:
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب
لا تسألن بُني آدم حاجةً وسل الذي أبوابه لا تغلق
اسأل ربك في كل شيء، والله ينزّل عليك كل شيء، وخذ بالأسباب والدعاء، وإذا أردت أن تنجح ادع الله وذاكر وهكذا، إذا أردت أن تتوظف اطلب الله في الليل، ولكن في الصباح اذهب وتقدم إلى ديوان الخدمة المدنية، أو على أي مؤسسة حكومية، وإذا أردت زوجة اطلب الله واذهب وابحث واخطب، خذ بالأسباب ولا تجلس وتعطل الأسباب وتقول: إني أدعو الله.
وهنا مثال: يذكر أن رجلاً مسكيناً ضاقت عليه سبل الرزق، فكان يذهب كل يوم يبحث عن رزق فلا يجد شيئاً، ولكن الله لا يضيعه فيرسل إليه الرزق، وفي يوم من الأيام لقيه أحد التجار الأثرياء فقال له: أين تعمل؟ قال: ليس عندي عمل، فقال له: من أين تأكل؟ قال له: أبحث عن الرزق فلم أجده، ولكن الله لم يتركني فيرسل إلي رزقاً من عنده! قال له: من أين يأتيك؟ هل ينزل إليك من السماء كيس فيه بر وسمن وعسل؟ قال: الله على كل شيء قدير، فسخر منه وتوعده وتركه، وبعد يومين عاد إليه التاجر، وقال له: عندي لك شغل، فقال له: نعم، فأدخله التاجر إلى مزرعته وفي المزرعة بئر ليس فيها ماء، وقال له: لقد ضاعت عليَّ صرة في هذه البئر فيها نقود، فلم أستطع إخراجها فأريد أن تنزل في هذه البئر وتأخذ الصرة وتأخذ منها أجرتك، فوافق الرجل.
فأخذ التاجر الحبل وربطه فيه وأنزله إلى البئر، فعندما وصل إلى البئر رمى التاجر بالحبل، وقال له: اجلس مكانك حتى يأتيك من السماء كيس فيه بر وسمن وعسل -من باب النكاية والاستهزاء به- فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، وذهب التاجر وعاد إلى دكانه، وكان هذا التاجر شديد البخل، وعنده مخازن من الطعام، والمفتاح في جيبه يخرج طعام كل يوم في يومه، ويخرج لامرأته قليلاً من الطحين، وقليلاً من السمن، وقليلاً من اللحم، فكانت المرأة إذا أعطاها شيئاً ادخرت منه شيئاً يسيراً للأيام الطارئة إذا نزل عليهم ضيف، أو يكون غير موجود، فكانت خلال مجموعة من الأيام قد وفّرت كميةً من الدقيق والعسل والسمن، وفي ذلك اليوم الذي جاء التاجر بالعامل وأدخله في البئر تذكرت هي وخادمتها أنها جائعة، فصنعت البر والسمن والعسل، ولكن التاجر طرق الباب والطعام جاهز وهن يأكلن، وإذ بالتاجر يدخل البيت يريد غرضاً، فقالت المرأة: إذا دخل ورأى الأكل فسيذبحنا واحدة تلو الأخرى، فسيقول: من أين سرقتموه؟ فقالت الخادمة: أين نذهب به؟ فقالت المرأة: ضعيه في كيس واربطيه بحبل وأنزليه في البئر إلى أن يخرج فنأتي به ونأكله، قالت الخادمة: نعم.
فأتت بكيس ووضعت فيه السمن والبر والعسل، وربطته بحبل وأنزلته إلى البئر وإذا بالرجل جالساً يذكر الله، فلم يشعر إلا والكيس على رأسه، فنظر إليه وإذا بالكيس فيه السمن والعسل والبر، ثم أخذه فأكله وجلس يذكر الله إلى المغرب، فأتى التاجر قبل غروب الشمس وقال للرجل في البئر: هل أتاك البر والسمن والعسل، قال: نعم والله، أتاني كيس فيه بر وسمن وعسل.
فأنزل له حبلاً وقال له: اربط نفسك واصعد؛ فربط نفسه وصعد، وقال الرجل وعليه أثر السمن: الحمد الله لقد شبعت، فقال التاجر: هذا أمر عجيب!! ثم ذهب التاجر إلى زوجته فقال لها: من الذي ترك السمن والبر والعسل في البئر؟ فقالت المرأة: لا تذبحنا نحن نقر لك بالخبر، أنت كلما أعطيتنا طعام يوم أبقينا منه شيئاً حتى إذا أتى إلينا ضيف أو حصل أمر طارئ جمعناه وإذا بنا نأكل منه، فبينما نحن نأكل أتيت علينا فتركناه في البئر وإذا بالجن قد أكلوه، فعلم الرجل وقال: آمنت بالله.
إن التوكل والاعتماد على الله عظيم، ولكن مع الأخذ بالأسباب، فلا تأخذوا كلامي هذا وتجلسوا في البيوت وتقولون: إن كل واحد منا يأتيه بر وسمن وعسل، وإنما خذوا بالأسباب والله هو الرزاق ذو القوة المتين.
فالرجل كان يمشي ويعرض نفسه على الناس، لهذا لما عرض عليه التاجر العمل لم يتردد، ولم يقل: إنه سيأتيني كيس، وإنما قال: أذهب وأشتغل.
стр. 2638
حامل القرآن والإكثار من التلاوة
أيضاً: ينبغي لمن يقرأ القرآن: أن يحافظ على تلاوته ويكثر منها، وقد كان السلف ﵏ شأنهم الإكثار من تلاوة كتاب الله، ويتفاوتون في قدر ما يقرءون من القرآن الكريم، فمنهم من كان يختم في كل شهر مرة وهذا أقلهم، يقرأ في كل يومٍ جزءاً، وهذا أمر سهل، وقد ذكرته مرة من المرات في جلسة من الجلسات، وأخبرني بعض الإخوة أنهم تمسكوا به وأنهم ما ملوا منه أبداً، بل من أسهل الأشياء أن تجعل لك في كل يوم جزءاً، وليكن الجزء الموافق للتاريخ نفسه مثلاً: في اليوم التاسع والعشرين ينبغي أن تكون في الجزء التاسع والعشرين، وغداً يكون التاريخ واحداً تختم الجزء الثلاثين في الليل، ثم في الصباح تبدأ بالجزء الأول وهكذا؛ لأن هذا يسهل عليك عملية المراجعة فتستطيع أن تقرأ وأنت في المكتب أو المسجد أو البيت؛ وبذلك تعرف أنك في الجزء العاشر إذا كنت في اليوم العاشر من الشهر، وفي الجزء الثامن إذا كنت في اليوم الثامن من الشهر وهكذا، وبالتالي تختم القرآن في كل شهر مرة.
أما إذا لم تعمل هذا العمل فإنه يصعب عليك، ويمكن ألا تختم القرآن في السنة ولو حتى مرة.
وكان بعضهم يختم في كل عشر ليالٍ ختمة، وبعضهم وهو الأكثر من السلف كان يختم في كل أسبوع مرة، وكان بعضهم يختم في كل ثلاثة أيام، ولا أقل من ذلك، فقد روى أبو داود والنسائي والترمذي أن رسول الله ﷺ قال: (لا يفقه من يقرأ القرآن في أقل من ثلاث) وقد وردت بعض الآثار أن عثمان ﵁ كان يختم في كل يوم مرة، وكذلك الشافعي أثر عنه أنه ختم في رمضان ستين مرة -ختمة في الليل وختمة في النهار-؛ لأن ألسنتهم أصبحت مثل الآليات على القراءة، مارسوا فيها قراءة القرآن ممارسة عظيمة جداً، فلا يجدون تعباً في القراءة.
ويستطيع الشخص منهم أن يقرأ القرآن في عشر ساعات أو في إحدى عشرة ساعة، وقد جربت أنا هذا، فعندما كنت في مسجد النمصا استطعت أن أختمه في أقل من ثلاث عشرة ساعة يتخللها الصلوات، لكن لو أن شخصاً جلس لا ينصرف أبداً عن القرآن، فإنه يستطيع أن يختم في عشر ساعات أو في ثمان ساعات؛ لأنه يقرأ الجزء في ربع ساعة أو الثلاثة أجزاء في ساعة واحدة.
ينبغي لكل شخص أن يكون له ورد من صلاة الليل، يقرأ فيه القرآن سواء نظراً أو غيباً؛ لأن الله أثنى على من يقرأ القرآن في قيام الليل، فقال: ﴿ومِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران:١١٣] * ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران:١١٤] إذ أن قراءة القرآن في الليل أجمع للقلب، خصوصاً إذا كان بصوتٍ نديٍ طري، وهو أبعد عن الشواغل والملهيات؛ لأن الناس في سكون ولا يوجد أحد يشغله، وهو أصون عن الرياء، فتدخل غرفتك وتضيء المصباح إضاءة خفيفة، وتأخذ مصحفك ثم تصلي لله كما تشاء، ركعتين أو أربع أو ست أو ثمان أو عشر، إلى قريب الفجر، ثم توتر قبل أن يؤذن لصلاة الفجر.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قام بعشر آيات -أي: من صلى الليل بعشر آيات خمس آيات في ركعة وخمس أخرى في ركعة- لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتبه الله من القانتين، ومن قام بألف آية كتبه الله من المقنطرين) الذين يأتون يوم القيامة بقناطير، وهذا الحديث رواه أبو داود وغيره.
فعليك أن تجعل هذا الحديث نصب عينيك، فلا تفوت الفرصة، ولا تجعل الليل يذهب بدون قيام مهما كانت أشغالك، ومهما كانت التزاماتك، فليس لديك عذر أبداً.
فصل حتى ولو ركعتين، نعم.
قد تجد صعوبة في بداية الأمر ولكن هذه الصعوبة تتذلل إذا علم الله منك صدق اللجوء وقوة اليقين، بل ويعينك ويوقظك قبل الموعد بدقائق، بإذن الله، وهذا شيء مجرب.
وعليك إذا كنت متزوجاً أن تنبه زوجتك أن تكون لك عوناً على هذا الأمر، ولا بد أن توقظك لقيام الليل وأن تقوم معك، وعليك أن تبين لها هذه الأحاديث والأدلة على فضله، وليس شرطاً أن تقوم كثيراً، لا.
وإنما تقوم بثمان طويلات أو أربع، وأقل شيء ركعتين ولو كانت خفيفتين.
стр. 2639
حامل القرآن والحذر من النسيان
ينبغي لحامل القرآن أن يتعاهد القرآن وأن يحذر من أن ينساه؛ لأنه ثبت في الصحيح عند البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : (تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها).
فالبعير إذا رأيته معقلاً هل يرغب بالعقال أم يريد أن ينفك منه؟
الجواب
لا يمكن أن يرضى إلا أن يفك القيد وينطلق.
فكذلك القرآن في قلب من يحفظه أشد تفلتاً من الإبل من عقلها، ولكن عليك أن تلتزم به وبتلاوته المستمرة وبتدبره، أما إذا لم تعمل به أو لم تقرأه أو تتلوه فإنه يذهب ولا يبقى معك منه حرف واحد والعياذ بالله.
وعن ابن عمر ﵁ قال: [إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة إن عاهد عليها رباطها وعقالها أمسكها وإن أهملها أطلقت نفسها وذهبت].
فالقرآن إن تعاهدته فإنك تحتفظ به، وإن تركته فإنه ينفلت منك.
وعن سعد بن عبادة ﵁ قال: [من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله يوم القيامة وهو أجذم] والحديثان كلاهما في الترمذي وفيهما مقال، ولكن كما يقول أهل العلم: لهما شواهد، أي: بعضها يعضد بعضاً، قال ﷺ : (عرضت عليَّ ذنوب أمتي فلم أر فيها ذنباً أعظم من رجل أوتي شيئاً من القرآن ثم نسيه) فحاول يا أخي المسلم! يا من وفقت للقرآن أَلا تنسى كلام الله؛ لأن نسيانك له يدل على الحرمان والخيبة -والعياذ بالله- وعلى سوء المنقلب والمصير.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 2640
الأسئلة
стр. 2641
حكم أداء فريضة الحج عن الميت
السؤال
والدتي نوت قبل وفاتها أن تحج عن أمها أو تؤجر من يحج عنها، ولكنها توفيت قبل أن تفي بما نوت، علماً بأن لدي خال (شقيق والدتي) وهو في مكة وعلى قيد الحياة، ولكنه لم يعمل شيئاً لوالدته، فما الحكم؟ علماً بأني أرغب بتنفيذ رغبة والدتي؟
الجواب
جزاك الله خيراً، مادامت جدتك لم تحج وأمك لم تحج عنها، وقد نويت أن تحج عنها، وأنت ترغب في أن تقوم بهذا الأجر العظيم، فبارك الله فيك، وفي هذه السنة حج عن جدتك، ولك مثل أجرها دون أن ينقص من أجرها شيء، وتسقط الفريضة عن جدتك، وإن لم تكن قادراً على الحج، فإنه بإمكانك أن تبحث عمن يحج مقابل مبلغ تعطيه له، ولكن اختر من طلبة العلم المخلصين الذين يعرفون كيف يؤدون هذه الشعيرة ولا يتاجرون بها؛ لأن من الناس من يأخذها تجارة، لم يحج لنفسه وقد حج لغيره ستين حجة، وكل سنة يأخذ ألفين ريال أو ثلاثة ألف ريال، فيصبح تاجراً للحجج.
أما من حج حجة الإسلام وكان محتاجاً إلى أن يحج، وأدى هذه الأمانة على خير وجه، وقام بها على أفضل أداء، فإن له أجراً إن شاء الله، وله أيضاً أجرة إن شاء الله.
стр. 2642
كيفية التعامل مع من يصلي أحياناً ويتركها أحياناً
السؤال
أسكن مع عمي وهو الذي رباني؛ لأن أبي قد توفي، ولكن عمي لا يصلي، ويعرف حكم الصلاة ولا يبالي، وحتى الصلاة إذا صلى لا يصليها إلا في البيت ما عدا صلاة المغرب، ولكن في رمضان فقط يصليها في المسجد، ومشكلتي هي: هل أواصل دراستي في الجامعة وأقبل منه المصروف، وهل أقبل أن يزوجني على حسابه الخاص؟ وهل أعيش معه في البيت؟ وهل يجوز أن أقابل زوجته علماً بأن المكان ضيق، وأنا أسكن معهم في البيت الضيق؟
الجواب
أولاً: واصل دراستك في الجامعة بارك الله فيك؛ لأنك لا تستطيع أن تنفصل عن عمك في إمكانياتك الذاتية، فواصل دراستك.
ثانياً: مسألة زواجك من ماله فإن كان ماله الذي يدخل عليه من طريق حلال فلا مانع من أن تقبل ذلك وتستفيد من زواجك إن شاء الله بهذا المال وتحصن فرجك، أما إذا كان ماله يجمعه من الحرام فلا يجوز أن تأخذ منه.
ثالثاً: عيشك معه في البيت: فما دمت محتاجاً فلا مانع أن تبقى معه في البيت، وإثمه على نفسه، لكن إذا كنت قد تخرجت من الجامعة وأصبحت مستقلاً فينبغي عليك أن تفارقه وتنصحه وتهديه إلى الله، فإن استجاب وإلا فتحول أمرك إلى الله.
رابعاً: أما العيش في البيت، وزوجته التي تكشف عليك والبيت ضيق، فأنت لا تستطيع أن تلزمها أن تتغطى، ولكن تستطيع أن تلزم نفسك بأن تغض بصرك، ولا تنظر إليها إلا نادراً بقدر الضرورة، ولا تحملق ببصرك فيها، غض بصرك حتى إذا كلمتك تكلمها وأنت غاض لبصرك، وإذا قالت: ما لك غاض لبصرك؟ قل لها: لأن الله أمرني بغض بصري، وأمركِ بالحجاب، لكنك ما تحجبتِ، أنا أغض بصري، لأن لي أمراً على عيوني.
стр. 2643
ضوابط تعامل الخاطب مع مخطوبته
السؤال
لي خطيبة وهي ابنة عمي، والخطبة سوف تستمر طويلاً، وأنا لا يمكن أن أتزوج حتى أتخرج، فكيف أعامل خطيبتي؟ وهل يجوز لي أن أهدي لها شيئاً؟ وهل يجوز أن أختلي بها لفترة بسيطة حتى أحدثها عن أمور الزواج؟
الجواب
المخطوبة على نوعين: إما خطيبة قد عٌقد بها، فهذه خطيبة يجوز لك أن تفعل معها كل شيء؛ لأنها زوجتك فتجلس معها وتختلي بها.
وأما مخطوبة تنوي أن تتزوج بها، ولكن إلى الآن لم تصبح زوجة لك فهذه يحرم عليك حرمةً قاطعة أن تحدثها، أو تجلس معها، أو تختلي بها، أو تهدي لها، أو تصنع معها أي شيء، إلا شيئاً واحداً وهو: الرؤية المجردة من الفتنة بحضور وليها.
فيجوز لك أن تدخل عليها في مجلس وأبوها موجود، أو وليها أو أمها، وتنظر إليها مقبلةً ومدبرةً ثم تنصرف، أما أن تصنع كل شيء على أساس أنك سوف تتزوج بها بعد سنين فهذا لا يجوز.
стр. 2644
الحزن من هموم الدنيا والبكاء من خشية الله
السؤال
كلما تكثر علي هموم الدنيا أذهب إلى فراشي في الليل وأستمع إلى القرآن وأبكي بكاءً شديداً، وفي الصباح أقول لنفسي: كيف أبكي من هموم الدنيا ولا أبكي من خشية الله، والسؤال: هل يجوز لنا أن نحزن من أجل الدنيا خصوصاً والأيام صعبة؟
الجواب
أولاً: كونك تحزن من هموم الدنيا فهذا شيء طبيعي في البشر، هكذا ركب الله الفرح في البشر من أجل الدنيا، والحزن من أجل الدنيا، ولكن ينبغي أن توطن نفسك بأن يكون الحزن والهم كله للآخرة؛ لأن من جعل الهم هماً واحداً وقاه الله شر كل هم، ومن تشعبت به الهموم لم يبالِ الله فيه بأي وادٍ هلك، فلا تجعل همك الوظيفة، ولا تجعل همك الزوجة، اجعل همك الأول والأخير كيف يكون الله راضٍ عنك؟ كيف تنجو من عذاب الله؟ كيف تدخل الجنة؟ كيف تكون على أحسن وضع يرضاه الله لك؟ فإذا جعلت هذا همك، يسر الله لك كل شيء؛ لأنه من يتق الله يجعل له مخرجاً، وإذا جاءك بكاء في ليلة من الليالي وأنت تسمع القرآن وكان هذا من أجل خشية الله، كان ذلك من أعظم المنازل، أما إذا كان البكاء من أجل الدنيا والحزن عليها، فعليك أن تعوَّد نفسك على أَلاَّ تحزن إلا من أجل الله ﵎.
стр. 2645
حكم تخصيص شهر رجب بعبادة مستقلة
السؤال
قلت لبعض الناس في القرية: لا يجوز تخصيص شهر رجب دون غيره بصيام؛ لأن الناس يعظمون هذا الشهر، ولكن سمعت أن هذا الشهر عظيم والصيام فيه أعظم فأرجو التبيين؟
الجواب
ليس في شهر رجب عن غيره من سائر الشهور فضيلة في صيامٍ أو قيام أو صدقةٍ، وما ورد فيه من أحاديث فيه تدور بين الضعف والوضع، هكذا يفتي سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، أنه لم يكن ﷺ يخصص رجب بأي شيء من العبادات، وإنما هو شهر من الشهور، وأما ما يخصصه الناس من ليلة سبع وعشرين أنها ليلة الإسراء والمعراج فيحيون ليلها بالقيام، ويتصدقون فيها، ويصنعون هذه الاحتفالات فهذا من البدع، وهذا لم يفعله رسول الله ﷺ ، فإنه أسري به وأخبر الصحابة، ولو أن هذا الأمر مشروع لاحتفل به هو؛ لأنه صاحب العلاقة الأولى، ولو كان هذا الأمر مشروعاً لاحتفل به أصحابه أو سلف هذه الأمة، فلما لم ينقل أنه فعله ولم يفعله أصحابه ولا سلف هذه الأمة دل هذا على أن هذا الأمر مبتدع، وما لم يكن في ذلك الزمان بدين فليس في هذا الزمان بدين، بل إن علينا أن نتبع ولا نبتدع.
والله يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] هذا رغم أن المؤرخين اختلفوا في كون ليلة الإسراء والمعراج في السابع والعشرين أو في غيرها، ولكن على فرض صحة كونها في ليلة سبع وعشرين فإنه لا يجوز أن نعمل بأي عمل إلا بأمرٍ من الله، أو من رسوله ﷺ .
стр. 2646
حكم ترك الطبيب لصلاة الجماعة
السؤال
أنا طبيبٌ في المستشفى، وكثيراً ما يشغلني عملي وكثرة المرضى في وقت الصلاة، فأضطر إلى تأخيرها، وأحياناً أصلي الجمعة صلاة ظهرٍ فما رأيكم؟
الجواب
الطبيب في المستشفى أحد طبيبين: إما طبيب يمارس العلاج العادي للمرضى الذين يقفون أمامه، والذين لا يترتب على تأخير علاجهم مفسدة، فهذا المفروض في حقه أنه إذا سمع المؤذن أن يضع قلمه وسماعته ويذهب إلى وضوئه ومسجده ثم يعود ويعالج، ولا يجوز له أن يؤخر الصلاة متذرعاً على أنه يعالج، فإن هذا الطبيب الذي يعالج وهو يؤخر الصلاة ليس في علاجه بركة، أما الطبيب الذي يصلي يجعل الله في علاجه بركة بإذن الله .
الطبيب الثاني: هو الذي تدركه الصلاة وهو في عمل جراحي خطير لو تركه وذهب يصلي مات الإنسان، مثل الطبيب الجراح إذا دخل غرفة العمليات -مثلاً الساعة التاسعة صباحاً- وكان من المتوقع أن ينتهي من العملية الساعة الثانية عشرة ويصلي الظهر، لكن طالت العملية ولم ينته إلا الساعة الواحدة ظهراً وأذن المؤذن فلا يجوز له أن يترك هذا المريض يموت ويذهب ليصلي؛ لأنه يترتب على ذلك ضرر ومفسدة، فذهابه ضرر لهذا المسلم، فعليه أن ينهي عمله ويكمل عمليته ثم يذهب ليصلي وله أجر الجماعة بإذن الله ؛ لأن الذي منعه مصلحة المسلمين وحرصه على حياة هذا المسكين.
أما يوم الجمعة: فإنه إذا كان هذا الطبيب مطلوب منه المناوبة ولا يوجد في المستشفى خطبة جمعة، فإنه يجوز له أن يصلي ظهراً شأنه بذلك شأن الجندي المرابط على الحدود، أو الجندي المطلوب منه حراسة على إدارة، أو الموظف المطلوب منه المداومة أو المرابطة في عمل، فلا يجوز له أن يترك هذا الموقع ويذهب ليصلي بل يصليها ظهراً.
стр. 2647
حكم ترك صلاة الجماعة
السؤال
ماذا تقول في الذين يصلون جميع الفروض في البيت؟
الجواب
الذي يصلي جميع الفروض في البيت ولا يصلي في المسجد هذا والعياذ بالله على خطرٍ عظيم، وقد قال بعض أهل العلم بأن صلاته غير صحيحة، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقد ذكر في الاختيارات الفقهية أن صلاة الجماعة شرطٌ في صحة الصلاة، ووضح الأحاديث التي في الصحيحين أن صلاة الرجل مع الجماعة تفضل على صلاة الفرد بسبعٍ وعشرين درجة، فقال بعض أهل العلم: ما دام أن صلاة الإنسان في بيته بدرجة فإنها مقبولة، قال: لا.
إن المفاضلة هنا بسبعة وعشرين درجة، ودرجة لمن صلى في البيت لعذر، صلى في البيت لإنه كان نائماً، أو صلى في البيت لأنه كان مريضاً، أو صلى في البيت لأنه كان خائفاً، فهذا له درجة، أما من صلى في المسجد فله سبعة وعشرون درجة، وليس هناك مجال للمفاضلة بين ما هو واجب وبين ما هو محرم؛ لأن علماء الأصول يقولون: المفاضلة بين الأمور المستوية بالحكم، أو تفاضل في الواجبات، أو تفاضل في المستحبات، تفاضل في المسنونات، أما تفاضل بين واجب ومحرم فلا.
فالواجب هو إتيان الصلاة في المسجد، والمحرم هو إتيان الصلاة في البيت، فلا يمكن أن نقول: إن صاحب المحرّم له درجة، وصاحب الواجب له سبعة وعشرون درجة، فالذي لا يصلي جميع الفروض في المسجد فهذا عطل سنة الله، والحديث في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: (من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هذه الصلوات الخمس حيث يُنادى بهن، فإنهن من سنن الهدى، وإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق).
والله يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] أي: مع المصلين، ويقول : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور:٣٦] * ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧] * ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:٣٨] ويقول الله حكايةً عن أهل النار حينما يسألهم أهل الجنة: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:٤٢] * ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٣].
يقول المفسرون: يمكن أنهم كانوا يصلون ولكن لم يكونوا مع المصلين، فلا ينبغي لمسلم يخاف الله أَلا يصلي الفريضة إلا في المسجد، وإلا لماذا بنيت المساجد؟ وحديث الأعمى في الصحيحين: (قال: يا رسول الله! إني رجل أعمى شاسع الدار -أي: بعيد- ليس لي قائد يقودني، والمدينة كثيرة الهوام والسباع، فهل أجد رخصة أصلي في بيتي، قال: أتسمع النداء قال: نعم.
قال: أجب، فلا أجد لك رخصة) من يقوده؟ ومن يمنعه؟ فكيف تصلي في بيتك والمساجد تحيط بك من كل جانب، وتسمع النداء يخرق أذنك من كل مأذنة والشوارع مزفلتة ومضاءة كأنك تخرج في النهار ولست بأعمى، وأنت شابع في بطنك، آمن في وطنك، معافى في جسدك، تقوم من غرفتك إلى حمامك الماء حار تغسل في إناء نظيف تلبس من أحسن الملابس تخرج إلى المسجد فهل لك عذر أن تصلي في البيت؟ إذا كان الله لم يعذر هذا الأعمى ولا رسوله فكيف يعذرك إلا النفاق؟ أما المنافق: فلا يريد الصلاة في المسجد ولكنهم جنوا على أنفسهم يوم القيامة، سوف يندم ندامة لا يمكن أن يخرج منها والعياذ بالله.
هذا وأسأل الله لي ولكم التوفيق في الدنيا والآخرة.
стр. 2648
الإيمان حقيقته وشعبه
لقد بعث الله بالإيمان الرسل، وأنزل به الكتب، إلا أن من حكمة الله أن هذا الإيمان لا يمثل حقيقته كل أحد، إذ أن حقيقته لا تتحصل إلا بتحقيق لوازمه اللفظية، والقلبية، والعملية.
وكما أن لهذا الإيمان حقيقة، فله أيضاً شعب بعضها قوليّ، وبعضها قلبي، أو عملي، وعلى قدر الإتيان بهذه الشعب يزيد الإيمان وينقص.
стр. 2649
الإيمان زاد الرحيل إلى الآخرة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الأحبة في الله: أعظم ما يملكه الإنسان ويحرص على تحصيله في هذه الحياة هو الإيمان الإيمان الذي تتحقق به للإنسان سعادة الدارين، والفوز والفلاح في الحياتين، فلا سعادة في الدنيا إلا بالإيمان، ولا فلاح من العذاب في الآخرة إلا بالإيمان؛ بالإيمان تعرف حقيقة الخلق وحكمة الوجود، وتشعر بلذة وطعم الحياة، وتتصل بخالق الأرض والسماء، ويستقيم سيرك على درب الحياة، وتعرف كيف تتعامل مع الكون والحياة من حولك.
وحينما تغادر الحياة في الرحلة الإلزامية، والسفر الإجباري الذي كتبه الله تعالى على كل مخلوق -لا بد من الرحيل إلى دار القبور، لا أحد يستطيع أن يمنع نفسه من الموت- حينما تلزم بالارتحال، وتخرج من الدنيا رغم أنفك.
لهوت وغرتك الأماني وحينما أتمت لك الأفراح فوجئت بالقبر
والآخر يقول:
ما للمقابر لا تجيب إذا رآهن الكئيب
حفر مسقفة عليهن الجنادل والكثيب
فيهن أطفال وولدان وشبان وشيب
كم من حبيب لم تكن عيني لفرقته تطيب
غادرته في بعضهن مجندلاً وهو الحبيب
في تلك الرحلة لا تنتفع بشيء: لا مال، ولا ولد، ولا جاه، ولا منصب، ولا رتبة، ولا مرتبة، ولا ينفعك في تلك اللحظات الحرجة وفي تلك الأيام الصعبة إلا الإيمان، في بيت الوحشة والظلمة والدود، لا ينفع هناك أحد.
يا من بدنياه اشتغل وغرَّه طول الأمل
وقد مضى في غفلة حتى دنا منه الأجل
الموت يأتي بغتةً والقبر صندوق العمل
لا ينفعك في القبر وعرصات القيامة إلا الإيمان: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] لا ينجو من تلك الأهوال إلا أهل الإيمان.
يوم تزفر جهنم، وتتزين الجنة: ﴿وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق:٣١ - ٣٤].
هنا الفخر والمجد والشرف والعزة، هنا الفوز والفلاح أيها الإخوة! لكن لمن؟ لمن آمن وعمل صالحاً، ولكن: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥].
стр. 2650
حقائق الإيمان الثلاث
هذه الكلمة: (الإيمان) لها حقيقة وصورة، ولكن الصورة لا تغني عن الحقيقة شيئاً، فالصورة تعطي فكرة عن الحقيقة لكن لا تؤدي دور الحقيقة، إذا رأيت صورة سيارة، تعرف من الصورة أن هذه سيارة، لكن هل تستطيع أن تقطع بها مسافة؟ أو أن تركب عليها وهي في الورق؟
الجواب
لا.
إذا أريتك صورة عمارة، تعرف من الصورة أنها عمارة، لكن هل تسكن في شقة في الورق؟ الجواب: لا.
إذا أخذت فئة خمسمائة ريال -ورقة مالية- وصورتها وكانت الصورة طبق الأصل: الرقم، والتوقيع، والفئة، وكل شيء، هل تستطيع أن تشتري بالصورة حزمة كراث بريال؟ الجواب: لا.
لماذا؟ لأنها صورة.
وإذا أعطيتها صاحب المخبز، وتريد رغيفاً، يقول: اذهب، هذه صورة لا تنفع، لكن أظهر الخمسمائة الريال الحقيقية، تشتري بها حمولة سيارة، لماذا؟ لأن هذه حقيقية وتلك صورة.
والإيمان له حقيقة، وله صورة، صورته النطق باللسان، والادعاء والبيان دون أن تقيم على هذا الادعاء والبيان دليلاً من العمل الصالح لا ينفع، أما حقيقة الإيمان فهي: حقيقةٌ غالية ذات قيمة باهظة، وتكاليف ثقيلة، الإيمان له ثلاث حقائق عند أهل السنة والجماعة: حقيقة لفظية، وحقيقة قلبية، وحقيقة عملية، ولا بد من توفر الثلاث، وإذا نقصت واحدة فسد الإيمان وتحول إلى إيمان صوري.
стр. 2651
حقيقة الإيمان اللفظية
والحقيقة الأولى: حقيقة لفظية لسانية، وهي الإعلان والشهادة بأنه لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ، وهذه هي الركن الأعظم من أركان الإسلام، وهي أساس الدين، وهي أول مطلب يطلب من أي إنسان يريد الدخول في الإسلام، فإذا أراد الإنسان -وهو كافر- أن يدخل في دين الله، فإنه لا يقبل منه أي شيء حتى يعلن هذه الكلمة، فلو صلى قبل أن يشهد أن لا إله إلا الله، فما حكم صلاته؟
الجواب
مردودة، لو صام قبل أن يشهد أن لا إله إلا الله، فما حكم صيامه؟ الجواب: باطل ومردود، لو قاتل حتى مات، ما حكم قتاله وموته؟ الجواب: مات على الكفر؛ لأنه ما شهد أن لا إله إلا الله، وما أعلن هذه الكلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ولا بد منها، وهي أول واجب، وهي أيضاً آخر كلمة يقولها الإنسان حينما يموت، والذي يلهم هذه الكلمة عند الموت هذا دليل على أنه صادق قد أدى مقتضياتها حينما كان حياً، ولهذا جاء في الحديث قال ﷺ : (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة).
فمن علامات حسن الخاتمة أن يلهم المسلم كلمة: (لا إله إلا الله) عند الموت، ولكن من هو الذي يوفق لها؟ هو الذي قالها وصدق وحققها، أما من قالها بلسانه، ولم يحققها بفعلها بجوارحه؛ فهذا يصرف عنها، ولا يوفق إليها عند الموت، بل إذا قيل له: قل: (لا إله إلا الله) يرفض، ولا يستطيع أن ينطق بها؛ لأنه خانها وما أدى أمانتها، هذه كلمة (لا إله إلا الله) وهي تمثل أساس الدين.
وطبعاً من متضمنات (لا إله إلا الله): (محمد رسول الله)، هي كلمة الإخلاص، ولهذا؛ أركان الإسلام خمسة: الركن الأول: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فليست ركنين بل ركن واحد.
ومعنى (لا إله إلا الله): تجريد الإخلاص في العبادة لله وحده، ومعنى (محمد رسول الله): تجريد المتابعة في العبادة لرسول الله ﷺ وحده، فلا معبود بحق إلا الله، ولا مُتَّبَع بحق إلا رسول الله ﷺ ، هذا معنى (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وهي الحقيقة الأولى.
стр. 2652
حقيقة الإيمان القلبية
الحقيقة الثانية: حقيقة قلبية: وهي أن تصدر هذه الكلمة من قلبٍ يعتقدها ويقر بها ويصدقها، لا تكون كلمة من اللسان؛ لأن الكلمة من اللسان بغير تواطؤ القلب عليها نفاق، والله قد رد هذا الإيمان في أول سورة البقرة، قال : ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] هم قالوا: آمنا، ولكن الله يقول: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] أي: كاذبين، وقال: ﴿مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة:٤١] فلا بد من تواطؤ القلب واللسان، فاللسان يعبر، والقلب يعتقد، ثم تأتي الحقيقة الثالثة من حقائق الإيمان.
стр. 2653
حقيقة الإيمان العملية
الحقيقة الثالثة: العمل: وهي العمل، والتطبيق، والاستسلام، والخضوع لله في فعل الأوامر، وترك النواهي بالجوارح، ويقول أهل العلم: إن الحقيقة الثالثة هي التي تصدق كلمة اللسان، واعتقاد القلب، فإذا اعتقد بقلبه، وقال بلسانه؛ برز هذا الاعتقاد في سلوكه وواقع حياته، أما إذا قال بلسانه وزعم أنه يعتقد بقلبه، ثم نظرنا إلى أعماله فلم نجد أثراً لهذا الاعتقاد الذي زعمه أو لهذا القول الذي لفظه، ولم نجد له أثراً ولا فعاليةً في سلوكه، ولا في ممارساته، ولا عبادته، عرفنا أنه كاذب.
ولذا ما جاء لفظ الإيمان في القرآن مجرداً، وإنما جاء مقروناً بالعمل الصالح: قال تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء:٢٢٧]، وقال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [سبأ:٣٧].
إذ لا يكفي أن تقول: آمنت، بلسانك، ولا يكفي أن تدعي أنك آمنت بلسانك وصدقت بقلبك، حتى تقيم على هذا الادعاء دليلاً من فعلك، وهو التكاليف الشرعية، أمراً ونهياً، والتكليف الشرعي له شقان أوامر أمر الله بها: عقيدة صافية، صلاة، صيام، زكاة، حج، بر، صلة، فعل خير، أمر بمعروف، نهي عن منكر، ذكر الله، دعوة إلى الله، تلاوة لكتاب الله هذه اسمها أوامر.
ونواهٍ ومحرمات، تمنع شرعاً حتى الاقتراب منها: عينك غضها عما حرم الله، لسانك كفه عن الحرام، أذنك احفظها من الحرام، يدك كفها عن الحرام، رجلك لا تمش بها إلى الحرام، بطنك لا تدخل فيها حراماً، فرجك لا تطأ به في حرام، هذه نواهٍ.
فإذا رأينا رجلاً يمتثل الأوامر، ويجتنب النواهي؛ عرفنا أنه صادق، أما رجل يقول: آمنت بالله، وأنا مصدق بالله، ولكن لا يفعل أمراً، ولا ينتهي عن نهي؛ فهذا كاذب.
стр. 2654
زيادة الإيمان بالطاعات ونقصه بالمعاصي
هذه هي حقائق الإيمان الثلاث، وهي معتقد أهل السنة والجماعة، عندما يعرفون الإيمان يقولون: الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالقلب والجنان، وتطبيق بالجوارح والأركان.
ثم يضيفون: يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان؛ لأنه ما دام له علاقة بالعمل، والعمل ليس بمستوى واحد عند الناس، ويتفاوت، فلذلك الإيمان يزيد وينقص، يزيد بماذا؟ بالطاعات، فكلما زدت في الطاعات زاد إيمانك، وينقص، ويتضاءل، ويضمحل بالمعاصي، وكلما وقعت في معصية نحتت في إيمانك، وقطعت فيه، وجرحته إلى أن يزول -والعياذ بالله-.
стр. 2655
أثر الإخلال بإحدى حقائق الإيمان
هذه -أيها الإخوة- هي حقيقة الإيمان، فلا يكفي أن تأتي بواحدة، من قال: آمنت بلسانه، ولم يصدق بقلبه، ويعمل بجوارحه؛ فهو منافق.
ومن زعم أنه مؤمن بقلبه، ولم يعلنها، وعمل، ولكن لم يقل: (لا إله إلا الله)؛ فهو كافر ولو عمل، فـ أبو طالب قام بأعمال عظيمة لا يقوم بها أحد، من حماية الإسلام، والدفاع عن النبي ﷺ ، لكنه لم يقل: (لا إله إلا الله) حتى قال له الرسول ﷺ : (يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله) أي: أتخذها حجة؛ لأنك عملت بعمل عظيم، الرجل آمن بأن النبي رسول حق من عند الله، ولهذا قال في أبيات شعرية له:
ولقد علمت بأن دين محمدٍ من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا
فهو عرف أن الدين حق، وأن الرسول ﷺ صادق، ولكن ماذا منعه؟ خشي أن يلومه أحد من الناس؛ لأنه أسلم، فقال له النبي ﷺ في آخر لحظة من حياته: (قل: (لا إله إلا الله) يا عم!) قال: هو على ملة عبد المطلب، فما نطق بـ (لا إله إلا الله) فقال النبي ﷺ : (والله لأستغفرن لك! ما لم أُنْهَ عنك) فلماذا يستغفر له النبي ﷺ ؟ ليس بدافع القرابة، وإنما بدافع المواقف المشرفة التي كان يفعلها أبو طالب معه، ثم إن الله نهى النبي ﷺ والمؤمنين أن يستغفروا للمشركين، وقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣].
فالإنسان إذا لم ينطق بـ (لا إله إلا الله) وآمن بقلبه، وعمل بجوارحه؛ فهو كافر.
ومن عمل بجوارحه الأعمال الصالحة، ولكنه ما نطق بلسانه، ولا اعتقد بقلبه؛ فهو أيضاً كافر، الآن في الشرق والغرب في العالم، أناس يعملون الصالحات، إذا رأيتهم تقول: هذه أعمال أهل الإسلام.
فإذا قالوا صدقوا، فلا يكذبون، بعض الكفار لا يكذب أبداً بأي حال من الأحوال، وإذا وعدوا لا يخلفون، ولهذا إذا قال لك أحد: موعد، تقول له: نعم.
قال: موعد إنجليزي؟ تقول: إنجليزي، يعني: موعد مضبوط (١٠٠%) أما وعد المسلم فكذب، يقول: آتيك الساعة السادسة، ويأتيك الساعة الثامنة، فلا إله إلا الله! وإذا اشتغلوا في صناعات لا يغشون، فتفتح العلبة وتجدها مليئة إلى آخرها، ولا ينقص منها شيء، بينما المسلمون يغشون، إذا باع الطماطم يضع الفاسدة بالأسفل والجيدة بالأعلى، ويدقدق العلبة من الجوانب من أجل أن توفر له شيئاً من الطماطم، ذلك عمل صالح: كونه صادقاً في صناعته، ومتقناً في شغله -أيضاً- وفي دوامه: إذا كان يعمل في شركة، والدوام يبدأ الساعة السابعة تجده الساعة السابعة وهو حاضر، ولا ينصرف إلا نهاية الدوام بالضبط، ولا يمكن أن يخرج من العمل في الدولة، أي عمل؛ أو في الشركة أو في العمل دقيقة واحدة، بينما تجد بعض المسلمين يتلاعب، يأتي الساعة التاسعة ويوقع: السابعة والنصف، وهو يعرف أنه كاذب، وينصرف الساعة الواحدة ويكتب الانصراف: الثانية والنصف، ويمرر وقت الدوام في الكلام، وقراءة جرائد، وتلفونات، وضحك، وغير ذلك، وأعمال المواطنين عنده أكوام، وكلما جاء مراجع، قال له: غداً، فالمعاملات كثيرة، ويدعي شهادة: أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهذا مخطئ، وذاك مخطئ، والحق أن تقولها بلسانك، وأن تعتقد بقلبك، وأن تطبق بجوارحك.
فهؤلاء الكفار رغم أنهم يصدقون في أقوالهم، ويوفون بوعودهم، ويخلصون في أعمالهم لكن هل ينفعهم هذا عند الله يوم القيامة؟ ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٦] لأنهم ما قالوا: آمنا بالله، ولا قالوا: (لا إله إلا الله محمداً رسول الله)، هذه أيها الإخوة حقيقة الإيمان.
стр. 2656
التكاليف الشرعية امتحان لإثبات الإيمان
حتى تربح الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، لا بد أن تحقق هذه الثلاثة الأمور: أن تقول بلسانك، وتعتقد بقلبك، وتطبق بجوارحك، وهذا الأمر ليس أمراً سهلاً بل هو صعب، ولهذا رد الله على من يظن أن هذا الأمر سهل، وقال في أول سورة العنكبوت: ﴿ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:١ - ٢] أي: كيف لا يفتنون ويختبرون، وقد قالوا: آمنا؟ إذ لا بد من الاختبار والابتلاء.
وقد فتن الله واختبر العباد بالتكاليف الشرعية، أما تدري أن هذه التكاليف التي فرضها الله علينا نوع من الامتحان؟ صلاة الفجر امتحان؛ لأن الله جعلها في وقت النوم والراحة، صيام رمضان امتحان، خاصة عندما يأتي في فصل الصيف، الحج جزء من الامتحان، المداومة على الصلاة في المسجد وبرمجة الحياة على أساس الصلاة، هذا من الامتحان.
كذلك تحريم المحرمات والشهوات نوع من الامتحان، كونك ترى شيئاً وقلبك يتطلع إليه، وعندك ميل إليه، لكنه محرم فتمتنع عنه؛ ابتلاء، يقول الله تعالى: ﴿ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:١ - ٢] ويقول : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
فلا تتصور أن السلعة بسيطة، لا، السلعة غالية ولهذا فثمنها غالٍ، يقول الشاعر:
تهون علينا في المعالي نفوسنا ومن خطب الحسناء لم يغلها المهر
فأنت تخطب الجنة، ولهذا لا تتصور أن السلعة رخيصة، يقول ابن القيم في النونية:
يا سلعة الرحمن لست رخيصةً بل أنتِ غالية على الكسلان
يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحد لا اثنان
من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في جهنم وواحد إلى الجنة، فليست حظيرة بقر، كل من جاء دخل، لا.
لا يدخلها إلا واحد من الألف:
يا سلعة الرحمن كيف تصبَّر الـ خُطَّاب عنكِ وهم ذوو إيمان
يا سلعة الرحمن سوقكِ كاسد بين الأراذل سفلة الحيوان
هذا أيها الإخوة هو الشق الأول من عنوان المحاضرة، الإيمان حقيقته.
стр. 2657
شعب الإيمان
أما الشق الثاني فهو: (شعبه) أي: طرقه ومجالاته، وجاءت هذه الشعب محددهً في صحيح البخاري وصحيح مسلم، يقول النبي ﷺ : (الإيمان بضعٌ وستون شعبة، أعلاها: شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).
(بضع وستون) هذه رواية البخاري، أما رواية مسلم: (بضع وسبعون) والبضع هو: من الواحد إلى التسعة، يقال للواحد، أو الاثنين، أو الثلاثة إلى التسعة: بضع، قال الله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف:٤٢] أي مجموعة من السنين: من واحد إلى تسعة.
شعبة: أي مجالاً، أو طريقاً، أو فجاً، أو معنىً، أو مفهوماً، ثم ذكر ﷺ ثلاث شعب، فذكر أعلى شعبة وأدنى شعبة، وذكر شعبة تضم كل الشعب، وهي: (الحياء).
يقول أهل العلم: لماذا ذكر النبي ﷺ أعلى شعبة وأدنى شعبة، ثم ذكر الحياء من بين سائر الشُعب؟ قالوا: أما ذكره لأعلى شعبة وهي: (لا إله إلا الله) فهذا واضح، من كون العقيدة أهم ما في الدين؛ لأنها الأساس الذي يبنى عليه الدين، فلا يقبل الله عملاً إلا إذا كان التوحيد صحيحاً، فلو قمت في المسجد قيام هذا العمود، ولو حججت طوال الأزمنة، ولو أنفقت ما في الدنيا والعقيدة فاسدة؛ فإن الله لا يقبل هذا العمل مطلقاً.
يقول الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] ويقول : ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨] ويقول : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] فأهم شيء في دين الله هو العقيدة والتوحيد، وهي الأساس، إذا وجدت العقيدة؛ وجد إعمار، وقامت بناية الدين، وإذا لم توجد عقيدة، أي: ليس عند الإنسان دين، حتى ولو كان عنده وَهْمٌ أنه صلى صلاة ولكنها باطلة، أو زكاة لكنها مردودة، أو حج لكنه باطل، لماذا؟ لأنه منسوف من أساسه، لا يوجد له أساس، ولا قاعدة، إذ القاعدة هي: الدين، فذكر ﷺ أعلى شيء في شُعب الإيمان، وهي كلمة التوحيد (لا إله إلا الله): أي لا معبود بحق إلا الله، تنفي جميع الآلهة، وتثبت الألوهية الحقة، والعبودية؛ لله .
أما ذكر أدنى شعبة من شعب الإيمان، وهي: إبعاد الأذى عن الطريق، فلبيان أن هذا الدين منهج حياة، وأنه ينتظم كل شئون الحياة في الدنيا والآخرة، حتى عملية بسيطة من أعمال الناس، وهي تنظيف الشوارع، بالرغم من أن هذا العمل من أعمال البلديات، لكن الإسلام يجعله من شُعب الإيمان، ومن مسئوليات المؤمنين، إذا مررت في الشارع ورأيت منديلاً، أو قرطاساً، أو مسماراً، أو زجاجة، أو أي أذىً يؤذي المسلمين؛ من الإيمان أن ترفعه وتبعده، أما إذا رميت به في الشارع فأنت بهذا تخالف شعبة من شعب الإيمان.
والشعبة الثالثة: الحياء: قالوا: لأن الحياء يمثل ستاراً يستطيع الإنسان أن يغطي به جميع شعب الإيمان، إذا فقد الحياء فقد الإيمان، قال ﷺ : (الإيمان والحياء مقرونان، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر) (وكان ﷺ أشد وأعظم حياءً من العذراء في خدرها) والحياء يحجزك عن المعاصي، وتستحي أنك تعصي الله، وأن تتأخر عن الفريضة، وأن تهجر القرآن، وألا تقوم إلى طاعة الله، وأن تنظر وتسمع ما حرم الله، لكن من هو الذي يأتي هذه المحارم ويترك الطاعات؟ هو قليل الحياء السيء، الذي لا يستحي من الله -والعياذ بالله- ولهذا فإن الحياء شعبة من شُعب الإيمان.
الآن عرفنا ثلاث، وبقي ست وستون شعبة لم يحددها النبي ﷺ ، ولكن أهل العلم -رحمة الله عليهم- غاصوا في نصوص الشرع في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، مثلما يستخرج الغواص اللؤلؤ من أعماق البحار؛ استخرج العلماء الشُعب من بطون الكتب والمراجع، وحددوها بتسع وستين شعبة، وقد ذكرها الإمام ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري، نقلها عن الإمام ابن حبان ثم قسمها ثلاثة أقسام: قسم يتعلق باللسان، وقسم يتعلق بالقلب، وقسم يتعلق بالجوارح.
تسع وستون شعبة: منها سبع شُعب يقولها اللسان، ومنها أربع وعشرون شعبة يعتقدها القلب، ومنها ثمان وثلاثون شعبة تتعلق بالجوارح، المجموع كله تسع وستون شعبة، ثم ذكرها بالتفصيل، وسوف نتكلم عنها على سبيل الإجمال، لن نفصل في سردها؛ لأن كل واحدة من هذه الشعب تحتاج إلى محاضرة، ولكن على سبيل الإجمال والإيضاح المقتضب.
ونبدأ بالسبع التي تتعلق باللسان:
стр. 2658
شعب الإيمان المتعلقة باللسان
الشعبة الأولى: التلفظ بكلمة الإخلاص: (لا إله إلا الله)، وهذه من أعظم شعب الإيمان، يقول موسى ﵇ لربه : (يا رب! قل لي قولاً أذكرك به؟ قال: يا موسى! قل: (لا إله إلا الله)، قال: يا ربِّ كل عبادك يقولون هذا -يقول: أريد شيئاً خاصاً أعظم من هذه الكلمة- قال: يا موسى! لو أن السماوات السبع والأراضين السبع وعامرهن غيري في كفة و (لا إله إلا الله) في كفة لرجحت بهن (لا إله إلا الله)) فهذه الكلمة أعظم كلمة في الوجود، أن تقول: (لا إله إلا الله) وهي أساس الإيمان، بل أعلى كلمة وأعلى شعبة من شعب الإيمان.
الشعبة الثانية من الشعب التي تتعلق باللسان: قراءة القرآن، وهي من الإيمان، ولهذا إذا قرأت القرآن، ماذا يحصل؟ يحصل لديك زيادة في الإيمان، يقول الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ [الأنفال:٢ - ٤] فهذه شهادة من الله تعالى، أن المتصفين بهذه الصفات مؤمنون حقيقيون، وليسوا مؤمنين صوريين: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٤]، فقراءة القرآن أيها الإخوة من أعظم شعب الإيمان، والذي يداوم ويكثر الصلة بالقرآن تلاوةً، وتدبراً، وتجويداً، وعملاً، وتطبيقاً، يزيد إيمانه حتى يصير مثل الجبال، والذي يهجر القرآن، ويقطع الصلة بالقرآن، يتضاءل إيمانه، وينحسر دينه إلى أن يضعف، بل يذبل، وربما يموت وينتهي إيمانه.
ولهذا ترون في الناس من جفاف في الأرواح، وقسوة في القلوب، وتحجر في العيون، وجرأة في المعاصي، وكسل في الطاعات؛ السبب الأول والأخير في ذلك بُعد الناس عن القرآن، وإذا أردت أن تعرف مقدار درجة الإيمان عند أي شخص فانظر إلى علاقته بالقرآن.
وإذا أردت أن تعرف منزلتك عند الله؛ فاسأل نفسك عن منزلة القرآن في قلبك، إن كان للقرآن في قلبك مكان ومحل ومنزلة ولك به علاقة، فاعلم أن لك منزلة عند الله، وإن كان القرآن مهجوراً في حياتك وليس له مكانة، فليعلم العبد البعيد ألا مكانة له عند الله.
فالله الله أيها الإخوة! عودة إلى كتاب الله، إن قراءتك للقرآن ذكرٌ لك في الأرض، وذخرٌ لك في السماء، ولا يوجد أعظم أجراً من تلاوة القرآن، فالذين يقرءون القرآن عندهم ملايين من الحسنات، بل أكثر، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٢٩ - ٣٠].
فلابد أن تعيد ترتيب حياتك بحيث ترتبها على ضوء القرآن الكريم، وتجعل في برنامجك وقتاً للتلاوة، بعد الفجر، بعد المغرب، عقب كل صلاة، قبل كل صلاة، المصحف في الجيب، وفي السيارة، وفي المكتب، وعند سرير نومك، وكلما وجدت فرصة تمد يدك إلى القرآن، وتقرأ القرآن ولك بكل حرف عشر حسنات، قال ﷺ والحديث في السنن والمسند: (من قرأ حرفاً من القرآن فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) فأي تجارة أعظم من هذا أيها الإخوة.
الشعبة الثالثة من شعب الإيمان المتعلقة باللسان: ذكر الله، وهذه يقول أهل العلم: إنها إذا ما وجدت فهي دليل على حياة القلب بالإيمان، وعدم وجودها دليلٌ على موت القلب، وعدم وجود الإيمان فيه، لحديث النبي ﷺ الذي يقول فيه: (مثل الذي يذكر الله، والذي لا يذكر الله؛ كمثل الحي والميت).
والذكر هذا عمل عظيم، في سنن أبي داود وغيره -يعظمه شيخ الإسلام ابن تيمية - حيث قال ﷺ : (ألا أدلكم على أفضل الأعمال عند مليككم، وأزكاها عند ربكم، وخيرٌ لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخيرٌ لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم؟! قلنا: بلى يا رسول الله! قال: ذكر الله) فذكر الله عظيم، إذا ذكرت الله ذكرك الله، إذا ذكرت الله في نفسك ذكرك الله في نفسه، وإذا ذكرت الله في مجموعة من الناس ذكرك الله في ملأ خير منهم في السماء: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] وقد طلب الله من العباد أن يكثروا من ذكره: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٤١] ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
وطلب من العبد أن يشغل لسانه بالذكر دائماً: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١] فلا يوجد حالة رابعة، إما قائم، أو قاعد، أو راقد، فتذكر الله قائماً، وقاعداً، وعلى جنب.
ولكن -أيها الإخوة- ما أصعب الذكر على الغافلين.
لقد غفل كثير من الناس عن ذكر الله، وملئت حياتهم بما يصد عن ذكر الله، ملئت حياتهم بشيء يقعدون أمامه الساعات الطوال لا يذكرون الله، يجعل أحدهم دشاً فوق البيت ثم يأخذ معه الجهاز، ويقفز من شر إلى شر، ومن قناة إلى قناة، حتى يقوم وقد جف قلبه، وتحجرت عينه، ويأتي لينام فترفض عينه أن تغمض؛ لأنها قد جفت من الدمع، من النظر إلى الحرام -والعياذ بالله- وقلبه أقسى من الحجر، وجسمه أكسل ما يكون في طاعة الله، لماذا؟ لأنه غفل عن ذكر الله.
وما كانت في الماضي هذه الأمور فالله الله! ذكراً لله، لا بد أن تكون ذاكراً لله بأنواع الذكر الخمسة: الأول: ذكر الله عند ورود أمره.
الثاني: ذكر الله عند ورود نهيه.
الثالث: ذكر الله في الأحوال والمناسبات.
الرابع: ذكر الله بالأذكار العددية.
الخامس: ذكر الله المطلق.
(لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله) كما قال ﷺ .
الشعبة الرابعة من الشعب المتعلقة باللسان: تعلم العلم وتعليمه: فإن هذا من أعظم الشعب، ومجيئكم إلى هذا المجلس جزءٌ من شعب الإيمان، ولهذا سوف تجدون بعد نهاية الجلسة أن قلوبكم أرق وأرقى في الإيمان منها قبل أن تدخلوا، لن يكون قلبك بعد نهاية الجلسة مثلما كان قبل أن تأتي، لماذا؟ لأن إيمانك زاد، وكيف؟ بسماع العلم، سمعت آية من كتاب الله، وحديثاً من أحاديث رسول الله ﷺ ، وكلمة ترقق قلبك، وتقربه إلى الله، ولذا لا بد أن تتعاهد قلبك حتى يزيد إيمانه عن طريق مجالس العلم.
اجعل في جيبك ورقة وفيها الندوات والمحاضرات التي بين المغرب والعشاء في أي مكان في الرياض -مثلاً- واجعل هذا الوقت لله، وقل: ليس لي عمل عند أحد، ولست مدعواً عند أحد، ولا أنا مشغول بأحد، لماذا؟ عندي محاضرة في مسجد كذا، وغداً في مسجد كذا، وتابع حلق الذكر بهذا بعد فترة تجد إيمانك مثل الجبال، زاد إيمانك عن طريق تعلم العلم.
الشعبة الخامسة: الدعاء: دعاء الله، وتفويض الحاجات إلى الله، وطلبها من الله، هذا يدل على قوة الإيمان؛ لأن الذي يدعو عنده ثقة، ويقين على أن المدعو قادر، ولذا تجد دائماً كل من كان إيمانه بالله أقوى كانت صلته بالله أقوى، ودعاؤه لله أقوى، ورسول الله ﷺ كان أكثر الناس دعاءً لربه، ما كان يعمل شيئاً إلا ويدعو الله، في كل أمر يدعو ربه، وكلما دعوت ربك استجاب لك، لكن لا تعجل، وتقول: قد دعوت، وقد دعوت! لا.
مشيئة الله ليست على ما تريد، ادع وعندك يقين أن الله لن يضيع دعاءك، يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وخصوصاً إذا خلا الدعاء من الموانع التي تمنعه من الوصول إلى الله ، ومن أعظمها أكل الحرام، الذي يتغذى بالحرام لا يستجيب الله دعوته، والحديث في صحيح مسلم: (الرجل أشعث أغبر يطيل السفر، يمد يده إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟!!) يعني: يستبعد أن يستجاب له؛ لأنه قد أكل الحرام والعياذ بالله.
الشعبة السادسة: الاستغفار: وهو إعلان الانكسار والتضرع بين يدي الله، وهو مشروع عقب الطاعات فضلاً عن المعاصي، يقول الله : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:١٩٩] بعد يوم عرفة، وأنتم واقفون طوال اليوم في عرفة وقد غفر الله الذنوب، أفيضوا واستغفروا الله: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨].
إذا صلينا الآن العشاء، من وقت أن يسلم الإمام وكل واحد منا يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، تستغفر من ماذا؟ هل كنت تغني، أو تلعب أم تصلي؟ والصلاة أعظم عمل، لكن تستغفر الله، لماذا؟ لأنك قد تكون قصرت في صلاتك سهوت أو غفلت، أو أنقصت أو زدت، تستغفر الله، فإذا كان الاستغفار مشروعاً ومطلوباً عقب الطاعة، فكيف لا يكون مشروعاً عقب المعصية؟! ولهذا قال الله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُو
стр. 2659
شعب الإيمان المتعلقة بالقلب
أما المتعلقة بالقلب فهي أربعٌ وعشرون شعبة: فمن الأولى إلى السادسة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالقدر خيره وشره، وباليوم الآخر، والإيمان باليوم الآخر يشمل: الإيمان بعذاب القبر، وبالحساب يوم القيامة، وبالميزان الذي توزن فيه أعمال الخلق، وبالصراط، وهو جسر يضرب على متن جهنم لا عبور إلى الجنة إلا عن طريقه، والإيمان بالجنة وبالنار، فهذه كلها من شُعب الإيمان.
السابعة: محبة الله من شعب الإيمان.
الثامنة: الحب في الله والبغض في الله، وهذه من أقوى شُعب الإيمان.
التاسعة: محبة النبي ﷺ .
العاشرة: الصلاة على النبي ﷺ ، وهي من الإيمان، فلا ينبغي أن يُذكر الرسول وما تقول: اللهم صلِّ وسلم عليه، لماذا؟ لأن الله تعالى أمرك بهذا، وامتثال أمر الله من الإيمان، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٦]، فإذا ما صليت عليه فقد صلى عليه الله وملائكته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]، وقال ﷺ : (من صلى عليَّ صلاة واحدة، صلى الله عليه بها عشراً) والصلاة من الله رحمة، والصلاة من العبد دعاء، فإذا صليت على النبي ﷺ صلاة واحدة رحمك الله عشر مرات.
وفي صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ صعد المنبر فقال: آمين، آمين، آمين، ثلاث مرات، قلنا: يا رسول الله! ما آمين؟ قال: جاءني جبريل وقال لي: رغم أنف من ذكرت عنده ولم يصلِ عليك، قل: آمين، فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنف من أدرك رمضان ولم يغفر له، قل: آمين، فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنف من أدرك أبويه أو أحدهما ولم يدخلاه الجنة قل: آمين، فقلت: آمين).
(رغم أنفه) أي: تمرغ أنفه بالرغام، والرغام هو التراب الدقيق وهذه خسارة -والعياذ بالله- والثانية: (من أدرك رمضان) أي: أن رمضان دخل وخرج وهو على عادته ومعاصيه وفسقه وفجوره -والعياذ بالله- والثالثة: (من أدرك أبويه)؛ لأن وجود الأب والأم من أعظم الفرص لدخول الجنة، وهو باب عظيم اغتنمه قبل أن يموتا أو قبل أن تموت.
ومن الشعب المتعلقة بالقلب: الحادية عشرة: الإخلاص.
الثانية عشرة: التوبة.
الثالثة عشرة: الرجاء.
الرابعة عشرة: الشكر.
الخامسة عشرة: الوفاء.
السادسة عشرة: الرضا بمر القضاء.
السابعة عشرة: التوكل.
الثامنة عشرة: الرحمة.
التاسعة عشرة: التواضع.
العشرون: توقير كبير المسلمين ورحمة صغيرهم.
الحادية والعشرون: ترك الكبر.
الثانية والعشرون: ترك الحسد.
الثالثة والعشرون: ترك الحقد.
الرابعة والعشرون: ترك الغضب.
فهذه شُعب إيمانية متعلقة بالقلب.
стр. 2660
شعب الإيمان المتعلقة بالجوارح
أما الشعب المتعلقة بالجوارح فهي كما أسلفت ثمان وثلاثون شعبة: الأولى: الطهارة؛ لأنها مفتاح العبادة.
الثانية: ستر العورة.
الثالثة: الصلاة.
الرابعة: الزكاة.
الخامسة: فك الرقاب.
السادسة: الكرم.
السابعة: الصيام.
الثامنة: الحج.
التاسعة: العمرة.
العاشرة: الاعتكاف.
الحادية عشرة: التماس ليلة القدر.
الثانية عشرة: الفرار بالدِّين.
الثالثة عشرة: الوفاء بالنذر.
الرابعة عشرة: التحري في الأيمان.
الخامسة عشرة: أداء الكفارات.
السادسة عشرة: التعفف بالنكاح.
السابعة عشرة: القيام بحقوق العيال وتربيتهم.
الثامنة عشرة: بر الوالدين.
التاسعة عشرة: صلة الرحم.
العشرون: العدل.
الحادية والعشرون: لزوم الجماعة.
الثانية والعشرون: طاعة أولي الأمر.
الثالثة والعشرون: الإصلاح بين الناس.
الرابعة والعشرون: المعاونة على البر.
الخامسة والعشرون: الأمر بالمعروف.
السادسة والعشرون: النهي عن المنكر.
السابعة والعشرون: إقامة الحدود.
الثامنة والعشرون: الجهاد.
التاسعة والعشرون: أداء الأمانة.
الثلاثون: الوفاء بالدين.
الحادية والثلاثون: إكرام الجار.
الثانية والثلاثون: حسن المعاملة.
الثالثة والثلاثون: عدم التبذير.
الرابعة والثلاثون: رد السلام.
الخامسة والثلاثون: تشميت العاطس.
السادسة والثلاثون: كف الأذى.
السابعة والثلاثون: اجتناب اللهو.
الثامنة والثلاثون: إماطة الأذى عن الطريق، وهي آخرها.
стр. 2661
علاقة شعب الإيمان بزيادته أو نقصانه
هذه أيها الإخوة! هي مجموع شُعب الإيمان التسع والستين، من حققها كلها فقد حقق الإيمان كاملاً، ومن نقص منها نقص من إيمانه بقدر ما أنقص من هذه الشعب، إلا أن يكون النقص في الأركان؛ لأن الأركان التي ذكرت في صحيح البخاري وصحيح مسلم من حديث جبريل: (أخبرني عن الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالبعث بعد الموت، وبالقدر خيره وشره من الله) فهذه الستة إذا نقص منها واحد بطل الإيمان كله، لا بد من الأركان، وبقية الشُعب إذا نقص منها شيء إن كان من أركان الإسلام مثل الصلاة فقد بطل الإيمان كله، وإن كان غير ذلك خدش وجرح في الإيمان، فهو يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان.
أسأل الله أن يرزقنا جميعاً حقيقة الإيمان، وأن يوفقنا إلى القيام بتكاليف الإيمان وبشُعب الإيمان، كما أسأله أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، وأن يبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، إنه سميع الدعاء.
اللهم احفظ لنا ديننا وأمننا واستقرارنا ونعمك علينا، اللهم من أرادنا في ديارنا أو غيرنا من ديار المسلمين، بسوءٍ، أو شرٍ، أو كيدٍ، أو مكرٍ، فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، وأنزل عليه بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم احفظ ووفق ولاة أمورنا وعلماءنا ومشائخنا ودعاتنا، وشبابنا، وشاباتنا، وجميع المسلمين، وفقهم للعمل بهذا الدين، والدعوة إليه، ومناصرته، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2662
الأسئلة
стр. 2663
الفرق بين حلاوة الإيمان ولذة العبادة
السؤال
ما هو الفرق بين حلاوة الإيمان ولذة العبادة، وما هو الطريق للوصول إليهما، وما هي العوائق لهذه الأشياء؟
الجواب
ليس هناك فرق بين حلاوة الإيمان ولذة العبادة، فإن العبادة عمل بالجوارح، واللذة والحلاوة عمل قلبي، قد تجد اثنين يصليان مجتمعين، ولكن بين صلاتيهما مثلما بين السماء والأرض، أحدهما يمارسها وقلبه جاف، وعينه جامدة، وجوارحه مشغولة، وآخر يمارسها بقلبه وقالبه، ويشعر بلذة لها، فاللذة والحلاوة هي شيء واحد.
وأما كيف يحققها الإنسان؟ فيمكنه ذلك بكثرة العبادة والمجاهدة، والتلاوة للقرآن والذكر، والذي ينغصها ويقلل هذه اللذة المعاصي، فإنك كلما وقعت في معصية من المعاصي نقص من إيمانك بقدر المعاصي حتى يذهب، ولهذا ترى بعض الشباب الآن يشكون ويقولون: والله! ذهبت منا لذة الإيمان وحلاوته التي كنا نمارسها منذ أن التزمنا، فتقول له: التزمت وأول ما التزمتَ جاهدتَ، ودخلت الالتزام بمجاهدة وبرغبة فحصلت لك اللذة، الآن بدأت تقل في التزامك وتقل في مجاهدتك، وبدأت تتراجع في سيرك إلى الله، كنت كلما سمعت طرباً أو أغنية تغلقها، الآن تراجعت قليلاً أصبحت تبحث عنها، كنت إذا رأيت امرأة أمامك تنصرف عنها، والآن أصبحت تنظر إليها من قريب أو بعيد، هذا الذي جعل إيمانك يضعف، وجعل قلبك لا يحس بحلاوة الإيمان.
الحلاوة بيدك فإذا زدت في الإيمان؛ تزداد حلاوة الإيمان، وإذا أنقصت في الإيمان؛ تنقص الحلاوة، ولهذا قال ﷺ في الصحيحين: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار).
стр. 2664
أثر المعصية على الإيمان
السؤال
متى يعرف الإنسان أنه بلغ مرتبة الإيمان الكامل، وهل من عصى الله ﵎ أنه خالٍ من الإيمان بتاتاً؟
الجواب
لا.
ليس من عصى الله خالياً من الإيمان بتاتاً، لكنه ناقص الإيمان، ولهذا عقيدة أهل السنة والجماعة في أهل الكبائر: أن صاحب الكبيرة مؤمنٌ بإيمانه، فاسق بمعصيته، عنده إيمان بالإيمان الذي عنده، وعنده فسق بالمعصية التي عنده، ويكون تحت مشيئة الله في الدار الآخرة إن شاء الله تعالى عذبه، وإن شاء غفر له.
أما كيف تعرف أنك كامل الإيمان أو ناقصة؟ فهو بعرض نفسك على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، هذا هو الميزان، زن أعمالك بالكتاب السنة، فإن كنت تقوم بأوامر الله الموجودة في الكتاب والسنة، وتنتهي عما نهى الله عنه في الكتاب والسنة؛ فأنت كامل الإيمان، ولا يعني هذا أنك ستبقى كامل الإيمان دائماً، لا بد من حصول نقص، لكن إذا حصل نقص تصلحه بالاستغفار؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣] وفي الحديث قال ﷺ : (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون).
стр. 2665
مزية القلب على الجوارح
السؤال
من المعلوم أن القلب هو محل الإيمان، ومكان النية، ومنزل المحبة وغير ذلك، لكن ما سبب تميز القلب بذلك عن سائر الجوارح؟
الجواب
إن الله جعل القلب ملك الجوارح، فحينما خلق الأعضاء وخلق الجسم جعل لها مديراً ومسئولاً، ولذا من يقول أنا التزمت بالدين، ما الذي حصل؟ تغير فيه قلبه، أما عينه ما تغير فيها شيء، لكن قلبه حصلت عنده مفاهيم جديدة، وحصل عنده إيمان، وتفكير ونظر أنه ليس له مخرج في الحياة إلا بالإيمان والدين؛ لأن الدين يكسبه السعادة في الدنيا، والسعادة عند الموت، وبعد الموت، فلما قرر القلب أن يلتزم التزمت الجوارح، العين التي كانت تنظر في الحرام، قال: كفى يا عين! قالت: حسناً، الأذن التي كانت تسمع الحرام قال: لا تسمعي! قالت: سمعاً وطاعة، اللسان الذي كان يتكلم بالحرام صار لا يتكلم، لماذا؟ لأنه صلح القلب، ولهذا قال ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) فتميز القلب بهذا؛ لأنه صاحب السيطرة والهيمنة والقرار، وجعل الله هذه الجوارح تحت إمرة القلب، يأمر وينهى، ولذلك كانت القلوب هي ميادين الإصلاح للأنبياء، ما جاء الأنبياء يصلحون الأجساد أبداً، بل جاءوا يصلحون القلوب؛ لأنه إذا صلح القلب صلح كل شيء.
следующие страницы →