Полный текст (2 982 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
وصية أمامة بنت الحارث لابنتها
وأوصت أمامة بنت الحارث ابنتها حين زفتها إلى زوجها فقالت: "يا بنية! لو أن الوصية تترك لفضل أدب أو لتقديم حسب لزويت عنك؛ ولكنها تذكرة للغافل -أي: الوصايا- ومئونة للعاقل, أي بنية! لو أن امرأة استغنت عن زوجها لغنى أبويها وشدة حاجتهما إليها لكنت أغنى الناس عن ذلك, ولكن للرجال خلق النساء, ولهن خلق الرجال.
أي بنية! احفظي عني عشر خصال: ١ ٢/ الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بالسمع والطاعة, فإن في القناعة راحة القلب, وفي الطاعة مرضاة الرب.
٣ ٤/ تعاهدي موضع عينه، وتفقدي موضع أنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح, ولا يشمنّ منك إلا أطيب ريح.
٥ ٦/ تحري وقت طعامه، واهدئي حين منامه, فإن حرارة الجوع ملهبة, وتنغيص النوم مغضبة.
انظروا هذا الكلام، يمكن أن يكون أصول الحياة, يدرس في الجامعات، وهي امرأة عادية؛ لكن تقول: انتبهي وقت الطعام ووقت المنام, لا تؤخري طعامه ولا تنغصي منامه, فإن تأخير الطعام على النار يغلي، وهو يسمع القدر يصدر الصوت وهي نائمة إلى الساعة الثانية ثم تقوم تطبخ! فيغضب لذلك, يقول: بدل ما كنت أداوم سبع ساعات، الآن أداوم ثمان ساعات من أجلها، هذا بدون إضافي, وبدل ما كنت أرتاح قبل العصر الآن ليس عندي راحة, فيغضب ويأكل كأنه يأكل في دمه, لكن ما أجمل أن تكون الزوجة مهيئة للطعام بمجرد دخوله والطعام جاهز, ثم بعد ذلك اهدئي عند منامه إذا أراد أن ينام، تأخذ أطفالها وأولادها وتذهب بهم في شقة بعيدة، وتسكتهم، وترقدهم، وتجلس معهم ولا يسمع لهم صوتاً, وتراعي الوقت إذا قال: أيقظيني الساعة كذا تضع الساعة عند عينها, ثم تأتي توقظه بلطف, لكن بعض النساء إذا قال زوجها: أريد أن أنام قامت تضرب أولادها يبكى ذلك ويصيح الآخر!! مسكين هذا, أين يذهب لينام؟ أيذهب في الشارع؟ أم في المكتب؟ أم في القهوة أو الفندق؟ إذا كان بيتك الذي هو سكن لك ما وجدت راحة أين ترتاح أيها الإنسان؟! ٧ ٨/ احرصي على ماله، وراعي عياله, وملاك الأمر في المال حسن التدبير، وفي الأهل والعيال حسن التقدير.
٩ ١٠/ لا تفشي له سراً, ولا تعصي له أمراً, فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره, وإن عصيت أمره أوغرت صدره".
стр. 2802
القول الجامع في أدب الزوجة
القول الجامع في أدب الزوجة: أن تلتزم بيتها, ولا تكثر الخروج إلا لحاجة ضرورية, وأن تكون قليلة الكلام, تحفظ بعلها في غيبته, وتطلب مسرته ورضاه في حضرته, ولا تخونه في نفسها ولا في ماله, ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه, فإن خرجت لضرورة خرجت مختفية في هيئة رثة، وتحترز أن يسمع لها صوتاً أو يعرفها أحد, فهمها صلاح زوجها, وتدبير بيتها, والإقبال على صلاتها وصيامها, وقراءة كتاب ربها, قانعة بما رزقها الله .
وفي اعتقادي أيها الإخوة وأيها العروسان: أنه إذا قام كل من الزوج والزوجة بالحقوق التي ذكرناها فإنه لن يكون هناك مجال للخلاف, إذا التزم كل واحدٍ بهذه الحقوق وقام بالواجبات فلن يكون هناك خلاف, وسيترتب على ذلك قيام الحياة الزوجية السعيدة، ولكن مع كل ذلك لا تخلو الحياة الزوجية من مشاكل ومنغصات مهما كان, حتى بيت النبي ﷺ كان يحدث فيه بعض المشاكل, وهذا شيء طبيعي في حياة البشر, فالكمال لله, والزوجة التي ليس فيها عيب ولا نقص هي في الجنة, والزوج الذي ليس فيه نقص هو في الجنة, ومهما حاول الزوج أو الزوجة أن يجتهدا إلا أنه قد يحدث، ليس في كل يوم إنما في السنة أو في كل ستة أشهر.
стр. 2803
وسائل حل المشاكل الزوجية والقضاء على الخلاف
أما إذا حدثت مشكلة في كل أربعة أشهر أو خمسة أشهر فهذا شيء طبيعي مشكلة في غمرة الدنيا وفي حالة الضعف البشري فعليك أن تقوم بحل هذه المشكلة والقضاء على الخلاف بوسائل:
стр. 2804
من وسائل حل المشاكل الزوجية: التحلي بالصبر
على كل من الزوجين التحلي بالصبر والتحمل وعدم التصرف السريع في حالات الغضب والانفعال, فيلزم على الزوجة ألا ترد على زوجها في كلمة يقولها, كلما يقول لها: كذا قالت له: وأنت كذا, وقال: أنتِ فتقول: وأنتْ فلا ينفع الكلام, فماذا يفعل هو؟ قد يستعمل وسيلة أخرى، يضربها على وجهها, فإن ضربته رجمها، فإن رجمته قام خبطها، فإذا خبطته طلقها, فماذا بقي معه ماذا يفعل؟ لكن إذا قال لها كلمة وسكتت انطفأت, لكنها عندما ترد عليه لا بد أنه سينفعل, فالرجل باستمرار يحب أن تكون له السلطة في نهاية الأمر, لا يحب أن تكون آخر كلمة تقال له, يريد أن تكون آخر كلمة منه هو, فعلى المرأة بالدرجة الأولى ألا ترد عليه بكل كلمة يقولها.
كما يلزمه أيضاً أن يترفع عن السباب والشتائم, وأن يكون عتابه لائقاً وأدبياً.
стр. 2805
من وسائل حل المشاكل الزوجية: الانتقال من مكان المشكلة
على الزوج في حالات الخلاف والمشاكل أن يخرج من الغرفة التي وقع فيها الكلام, إذا رأيت المشكلة كبرت قم وقل: أعوذ بالله من الشيطان، واذهب إلى غرفة أخرى, وإذا اقتضى الأمر فليخرج من المنزل, حتى تهدأ العاصفة، ويذهب الغضب، وتعود الأمور إلى مجاريها، وإذا عدت إلى المنزل فيجب عليك أن تبدأ بالسلام, لا تدخل وأنت مغضب, ومع السلام ابتسامة ولو كنت غاضباً, ويجب على المرأة أن ترد ﵇ بابتسامة, ولو كانت غير راضية؛ لأن هذه أول خطوة في سبيل الوفاق ونزع الخلاف والقضاء على المشكلة.
стр. 2806
من وسائل حل المشاكل الزوجية: ألا تخبر المرأة أهلها بما حدث بينها وبين زوجها
لا ينبغي لكِ أيتها الزوجة الكريمة أن تنقلي شيئاً، وهذا مهم وأنا أوصي به كل شخص يعلم امرأته في أول ليلة ويقول لها: لا تنقلي شيئاً مما يحدث بينكِ وبين زوجك من الخلافات إلى أهلك، فمن حين أن تذهب إلى أهلها تقول: والله إنه قال لي وعمل بي هذا لا يجوز, لماذا؟ لأنك بهذا توسعين شقة الخلاف, وتكرهين زوجك إلى أهلك, ولا تستفيدين شيئاً، إذ أن أهلك ليس بمقدورهم أن يعملوا شيئاً, ماذا يفعلون؟ أيضربونه؟! سوى أن ينظروا إليه بعين الكراهية, وأن يحملوا هذا الخلاف في قلوبهم, ولا ينسونه, بينما أنتِ سوف تصلحين مع زوجك وتنسين الخلاف معه, مع أول ابتسامة أو نظرة أو قبلة.
فعليك -أيتها الزوجة- ألا تنقلي شيئاً مهما حدث إلى أهلك، لأنك سوف تنسين المشكلة وأهلك لا يزالون يعيشونها، فلا تخبري أهلك بأي مشكلة بينكما ما دمت تؤملين البقاء مع زوجك، حتى على فرض أن الحياة أصبحت مستحيلة -لا سمح الله- وقررت القرار النهائي فهناك لا ينبغي -أيضاً- التشهير بالزوج؛ لقول الله : ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧] ولا ينبغي تشويه سمعته, ولا الإساءة إليه, إذا طلقت المرأة وجاءها شخص وقال: ما الذي حصل؟ قالت: نصيب وقدر وانتهى, لكن بعض النساء تقول: فيه وفيه وفيه , هذا الكذب عندما تنشره يأتي النساء الأخريات ويقلن: لن نتزوجه, وهو ما كان يضربها إلا لأنها هي السيئة؛ لأنها لو كانت طيبة ما ضربها, فالضرب الذي أتى بها والعتاب الذي حصلت عليه وسوء التعامل بسببها هي, فتشرع تشوه سمعته، وتشهر به بين الناس, وهذا لا يجوز.
стр. 2807
من وسائل حل المشاكل الزوجية: ألا يخبر الزوج أحداً بما حدث بينه وبين زوجته
أنت أخي الزوج -أيضاً- لا تخبر أهلك ولا أهل زوجتك, ولا تشتك منها على أهلها, بعض الأزواج بمجرد أن يحصل بينه وبين امرأته شيء يأخذ نفسه ويذهب إلى أبيها ويقول: ابنتك فعلت وفعلت , فيقول الأب: هذا واجبك وهذه مسئوليتك، أنا لا دخل لي بها, أنا أعطيتك بنتاً تتعامل معها بالأسلوب الذي تريد, لا يجوز لك أن تشتكي إلى أهلها، فهذه مشكلتك وعليك مباشرتها بنفسك, وعدم إشغال الآخرين بمشاكلك, فلديهم من المشاكل ما يلهيهم ويغنيهم.
стр. 2808
من وسائل حل المشاكل الزوجية: مبادرة كل من الزوجين إلى الصلح
وإذا غضبتِ أختي الزوجة، وسمعت أي مبادرة بالصلح من زوجك فاستجيبي بسرعة, وبادري واشكري له طيب الخلق.
وأنت أيها الزوج! إذا بادرت زوجتك إلى استرضائك فسارع إلى الاستجابة, ولا تفكر -أخي الزوج- أثناء الغضب والخلاف بالطلاق, فكر في كل شيء إلا الطلاق, ولا يخطر لك على بال، فإن الشيطان قد يستغل نقطة الضعف التي تعيشها أثناء الغضب فيقحمك في هذه الورطة, ثم تحطم حياتك وتندم ولكن حين لا ينفع الندم, فالطلاق مخرج نهائي شرعه الإسلام عند فشل الحياة الزوجية، وعند عدم إمكانية استمرارها وليس سوطاً أو سيفاً تسله على زوجتك كلما غضبت عليها, وقد يظن بعض الشباب أن الطلاق هو الحل الوحيد لجميع المشاكل.
في حين كان بإمكانه أن يطرق وسائل أخرى، منها إعطاء الفرصة للتجربة بإرسال الزوجة إلى أهلها شهراً أو شهرين أو ثلاثة ليعرف الإنسان مدى قدرته على الصبر عنها, ولتعرف هي مدى قدرتها على الصبر عنه.
يقول لي أحد الإخوة حدث بينه وبين زوجته خلاف, وأدى الخلاف بعد أن تصاعد جداً، فغضبت هي وقالت: طلقني الآن, طلقني الآن, قال: عازمة الآن, فقالت: نعم, فقامت وأتت بالورقة, قال: دعيني أفكر إلى غدٍ, وأعطيك الخبر غداً, قالت: حسناً, وذهبت ونامت في غرفتها وأغلقت الباب, وهو نام في غرفته مغلقاً على نفسه, وفي الصباح ذهب للدوام, وجاء من الدوام ودخل وقال: هات الورقة التي معك أمس، قالت: لا أريد الطلاق، لو أنه أطاعها في تلك اللحظة وطلقها لندمت وندم هو أيضاً, أنت إذا رأيت المواضيع تأزمت وتأزمت قل: اذهبي إلى عند أهلك واجلسي شهراً, وبعد شهر تقبل عليك وأنت تقبل عليها, لكن لو تسرعت وطلقت ستندم ثم تذهب تستفتي ولكن لا ينفع الندم.
وأنتِ أيتها المسلمة! لا تحاولي أن تطلبي من زوجك الطلاق, وإذا لاحظت عليه رغبة في التصرف بهذا فسارعي إلى تهدئة الوضع علك أن تثنيه عن هذا التهور, حتى قال بعض العلماء: عليها أن تسد فمه، إذا رأته يتلفظ بها فلتلجمه, وتقول: والله لا تطلقني, يا أبا أولادي!! فتذكره.
وقد يحصل إذا رأيت -يا أخي المسلم- قصوراً أو نقصاً في القيام بالواجب فعالج هذا القصور والنقص بألطف الأساليب وأقرب الطرق، بالكلمة الطيبة والتوجيه الحسن بعيداً عن العصبية والإثارة.
стр. 2809
من وسائل حل المشاكل الزوجية: ألا تطلب المرأة من زوجها الطلاق
وأنتِ أيتها المسلمة! لا تحاولي أن تطلبي من زوجك الطلاق, وإذا لاحظت عليه رغبة في التصرف بهذا فسارعي إلى تهدئة الوضع علك أن تثنيه عن هذا التهور, حتى قال بعض العلماء: عليها أن تسد فمه، إذا رأته يتلفظ بها فتلجمه, وتقول: والله لا تطلقني, يا أبا أولادي!! فتذكره.
وقد يحصل إذا رأيت يا أخي المسلم قصوراً أو نقصاً في القيام بالواجب فعالج هذا القصور والنقص بألطف ا s أسلأساليب وأقرب الطرق، بالكلمة الطيبة والتوجيه الحسن بعيداً عن العصبية والإثارة.
стр. 2810
من وسائل حل المشاكل الزوجية: الابتعاد عن المحرمات
من الأمور الهامة التي ينبغي التنبيه عليها لما لها من أثر كبير في سعادة الزوجين: الابتعاد عن المحرمات، والمعاصي كبيرها وصغيرها؛ فهي سبب كل مشكلة في البيوت؛ خصوصاً تلك المعاصي التي عمت وطمت وانتشرت وتساهل الناس بها، رغم ورود تحريمها والتحذير منها في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [الجن:٢٣] فهذه المحرمات والمعاصي هي سبب كل مشكلة في البيوت, والمعاصي كبيرها وصغيرها خصوصاً تلك المعاصي التي عمت وطَّمت وانتشرت، وتساهل الناس فيها حتى أصبحت أمراً عادياً ومقبولاً عند كثير من المسلمين، منها: ترك الصلاة, والكذب, والكبر, والغيبة، والنميمة, واليمين الفاجرة, والاختلاط, والتبرج, وحضور الحفلات المختلطة, وأكل الحرام, وأكل الربا, والتهاون في الواجبات, وعدم أداء الصلاة في المسجد, كل هذه المنكرات ظاهرة.
стр. 2811
من وسائل حل المشاكل الزوجية: الحرص على الطاعات والنوافل
كما ينبغي التنبيه على الحرص على الطاعات والنوافل، مثل: كثرة قراءة القرآن، وذكر الله, وقيام الليل, قال رسول الله ﷺ : (رحم الله امرأً استيقظ من الليل فصلى ركعتين وأيقظ امرأته، فإن لم تستيقظ نضحها بالماء حتى تستيقظ, ورحم الله امرأة استيقظت من الليل فصلت ركعتين ثم أيقظت زوجها، فإن لم يستيقظ نضحته بالماء).
أحد الإخوة بارك الله فيه وفي زوجته, يقول: منذ أول ليلة وأنا لم أتعود قيام الليل, ولكنه تزوج بامرأة صالحة يقول: بعد أن قضى غرضه منها, قامت واغتسلت وهو نائم وجاءت إليه, يقول: فجلست تقرأ القرآن ثم مدت يدها على كأس عندها وأخذت ماءً بسيطاً ونضحته -فلم تصب كوباً, بعض النساء تقول: نضحته أي: تغرقه من أجل أن يضربها- أخذت قليلاًَ من الماء ثم أنزلته كالرذاذ على وجهي, وينزل عليّ الماء كأنه من مكيف, ماء من أصابع دافئة فاستيقظت, وجاءت بالحديث وقالت: (رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن لم يستيقض نضحته بالماء) قالت: فأنا إن استجبت لدعوة النبي ﷺ رحمني الله , يقول: فلما ذكرت الحديث خفت من الله, يدعو لها الرسول ﷺ بالرحمة وأنا أقعد نائماً مثل الثور، يقول: فأقوم وأتوضأ وأصلي, ومن تلك الليلة ما تركت قيام الليل, يقول: فنتسابق أنا وهي من أجل رحمة الله فهي تقوم من أجل الدعوة, وأنا أحياناً أقوم من أجل الدعوة, ولكن أكثر الأوقات هي التي تقوم وتسبقني رغم أن عندها أولاداً وتنام متأخرة, لكنها تقوقظني وتنضح في وجهي الماء وتقول: قم: (رحم الله امرأة) وتذكره.
هذا أعظم شيء.
وينبغي للمرأة أن تذكر زوجها بقيام الليل، وقراءة كتب العلم، والاستماع إلى الشريط الإسلامي.
стр. 2812
من وسائل حل المشاكل الزوجية: الابتعاد عن الإسراف
ومما ينبغي الإشارة إليه: ضرورة الابتعاد عن الإسراف بجميع صوره وأشكاله في المآكل والملابس والمساكن، إذ أن الإنسان المسلم مجبول على الاعتدال، والاقتصاد، والاكتفاء بما هو ضروري، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١] والمبالغة أو الاستغراق في مطالب البطن والجسد يدل على فراغ الإنسان، وعدم إدراكه للهدف الذي من أجله خلقه الله، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨].
فعليكما أن تبتعدا كلياً عن الإسراف، وأن يتم الاكتفاء بأقل الأمور, وتوفير المبالغ الزائدة وإرسالها إلى الأفغان وإلى المجاهدين في فلسطين , وإلى الفقراء والمساكين, وإنفاقها في وجوه البر، إذ ربما يوجد بقربكما أو من جيرانكما من هو في أمس الحاجة إلى الريال والمساعدة في أمور لا تؤثر عليكما، ولكنها ستكون ذات أثر كبير ونفع جليل لهم, فقد تكون الثياب المبتذلة عندكما ثياب عيد عند غيركما، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٢٧٤] وهكذا.
ليس من خلق المرأة الجري وراء بيوت الأزياء والموضات، ومتابعة كل جديد وتقليد العمي, بل.
إن المؤمنة مستقلة النزعة وليست ذيلية تتبع كل ناعق، وتلهث وراء كل مستحدث.
فانتبهي أيتها الأخت الفاضلة! ولا تجعلي اهتماماتك محصورة في اهتمام الساذجات من النساء, اهتمي بالجوهر والمضمون, ولا ترهقي زوجك ولا تثقلي كاهله بكثرة الطلبات والكماليات.
من أهداف الزواج في الإسلام كما ذكرنا من قبل: تكثير سواد المسلمين, وعلى الزوج والزوجة المبادرة إلى الإنجاب والحذر من الاستجابة للدعوات المضللة التي ينادي بها أعداء الإسلام, والتي يقصدون من ورائها إضعاف المسلمين وكسر شوكتهم، وتقليل عددهم على المدى البعيد حتى يسهل القضاء عليهم, فتكاثروا فإن الرسول ﷺ مكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة.
стр. 2813
من وسائل حل المشاكل الزوجية: عدم تجاهل أم الزوج
في كثير من الأحيان تحدث مشاكل بسبب أطراف غير الزوج والزوجة، إما من أهل الزوج أو من أهل الزوجة, ولكن لو فكرنا قليلاً لوجدنا أن السبب الأول والأخير إما الزوج أو الزوجة, فمثلاً: تحدث المشاكل بين أم الزوج والزوجة بسبب تصرف الزوج حين ينصرف بكليته إلى زوجته -ويتجاهل والدته- في النظرة والابتسامة، والسهرة والتمشية والنزهة مما يوغر قلب أمه عليه وعلى زوجته التي تعتبرها سبباً لهذا الإعراض, وبالتالي تتولد الكراهية في نفسها لها.
والطريق الأمثل أن تتجنب -يا أخي- ملاطفة زوجتك أو مداعبتها أو التوجه إليها بالكلام في المجلس الذي تجلس فيه أمك, وقل لزوجتك على انفراد: هذا التصرف من أجل مداراة الأم, وأن بإمكانكما ممارسة كل ما تريدانه من الأنس والملاطفة ولكن عند عدم وجود الوالدة, كما ينبغي عليك أن تعرض على الوالدة الخروج معكما إلى النزهة مهما كانت, وأن تركبها في مقدمة السيارة وألا تدعها في البيت لمفردها, صحيح أنك ربما تريد حريتك مع زوجتك, وترى أن وجود الأم ربما يشكل عليك نوعاً من الضغط أو المضايقة, لكن لا.
إذا تركت أمك تولد في قلبها ناراً عليك وعلى زوجتك وتغضب, وعندما تخرج تقول لها: اذهبي معنا يا أمي! فإذا قالت: لا أريد أن أخرج, قل: لابد أن تخرجي, وتركب أنت وهي في مقدمة السيارة ولا تدعها في البيت وتخرج مع زوجتك فهذا يسبب لها ضيقاً شديداً ينعكس على التصرفات تجاهك وتجاه زوجتك.
أما الهدية والملابس والطيب والعطور مهما كانت، فلا تقدم شيئاً خاصةً لزوجتك إلا بعد تقديم ما هو أفضل لأمك, ولا تتذرع أنها كبيرة في السن, فإن القضية في نظرها قضية اعتبارية, تنظر إليها والدتك من عدة زوايا، فهي لا تريد أن تشعر أنها غير ذات أهمية في بيتك، وأنك قد اتجهت إلى غيرها.
стр. 2814
وصية إلى الزوجين بالتزام الطريق الصحيح
أخي الزوج! وأختي الزوجة: هذه بعض الوصايا التي أوجهها إليكما, وقبل أن أودعكما أود أن أذكركما بالآثار العظيمة التي تعود عليكما في الدنيا والآخرة إن أنتما التزمتما الطريق الصحيح، وسرتما على النهج الإسلامي القويم, أما في الدنيا: السعادة, والبركة, والرزق, والراحة, والأمن، والطمأنينة, وصلاح الذرية, ودوام الذكر: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] وأما في الآخرة: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:٨٩] الجنة سببها الهداية والعمل الصالح ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس:٩] الجنة ريحانة تهتز, وقصر مشيد, ونهر جارٍ, وثمرة ناضجة, وزوجة حسناء جميلة, وحلل كثيرة, ومقام أبدي في دار سليمة, وفاكهة وخضرة, أرضها وترابها المسك والزعفران, وسقفها عرش الرحمن, وملاكها المسك الأذخر: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد:١٥] وحصباؤها اللؤلؤ والجوهر, ثمارها ألين من الزبد، وأحلى من العسل, وفاكهتها مما يتخيرون, ولحم طير مما يشتهون: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾ [ص:٥١] غلمانها وخدمها ولدان مخلدون ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً﴾ [الإنسان:١٩] هذا وأعظم نعمة يمن الله بها على أهل الجنة, أن الله يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبداً, ويحادثهم، ويتجلى لهم، ويرونه سبحانه من فوقهم, فيا لذة الأسماع بتلك المحاضرة! ويا قرة العيون بالنظر إلى وجه الله في الدار الآخرة! ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
هذه آثار الهداية من أخذ بها نفعته في الدنيا والآخرة، ومن تركها ضل في الدنيا وشقي في الآخرة, ففي الدنيا الحيرة والضلال والقلق والاضطراب والفساد, وإفساد الأولاد ومحق بركة الرزق: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] رفض لأنه لا يريد الهداية, الطريق واضحة أمامه أعلامها واضحة, وأماراتها واضحة, كالمحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك, فله وجبتان: الوجبة الأولى في الدنيا: قال الله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٣] والوجبة الثانية: قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] تصوروا! رجلاً يحشر أعمى ويؤمر بالسير على الصراط, أعمى ويمشي على الصراط كيف يمشي؟! ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٥ - ١٢٦] الجزاء من جنس العمل, كذلك أتتك آياتنا في الدنيا فنسيتها وتعاميت عنها وتجاهلتها, كل شيء له في ميزانك ولبرنامجك مكان إلا القرآن والدين والهداية لا تريدها, للمباريات مكان, وللتمشيات مكان, وللمسلسلات, وللألعاب وللدوام وللنوم وللطعام, لكن للعلم للقرآن للصلاة للهداية لا.
هذا البرنامج فارغ, تأتي تقول له: هناك ندوة نحضرها؟ قال: ليس عندي وقت, أشغل نفسه بما لم يشغله الله به, أشغل نفسه بما يضره في الدنيا والآخرة -والعياذ بالله- فنعمة الهداية نعمة عظيمة جداً والله، وهي جديرة بكل اهتمام.
ويكفينا أنك بالهداية تنجو من عذاب الله من النار, يقول الله : ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٤ - ٧٧] هذه أمنيتهم, يقولون: نريد الموت, وعرفوا أن النجاة منها مستحيلة، فقالوا: نريد الموت ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] لماذا؟ ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف:٧٨ - ٨٠] وهم مضيعون، لا والله، سرك ونجواك -فضلاً عن ظاهرك- مسجل عند الله ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف:٨٠] كل شيء مسجل عليك: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩].
﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج:١٩] التفصيل من نار, ثياب من نار ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج:٢٠ - ٢١] إذا تعبوا من العذاب بالمقامع ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:٢٢] أعاذنا الله وإياكم منها, ففيها ما لا يتصوره العقل، يقول الله : ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧].
وفي الختام أرجو قبول تحياتي وأحلى أمنياتي مع دعائي لكما من القلب بالتوفيق والسداد, وأن يثبتكما الله بالقول الثابت, وأن يأخذ بأيديكما إلى ما يحبه ويرضاه, وأن يجنبكما ما يسخطه ويأباه محبكما في الله: سعيد بن مسفر بن مفرح في مدينة أبها في يوم الثلاثاء الموافق (٨/ ٧ / ١٤٠٩هـ) على صاحبها صلوات الله وسلامه عليه, والله أعلم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2815
كيف تنال محبة الله ؟
إن أعظم ما يحصل عليه الإنسان من نعمة هي محبة الله محبة العلي الكبير محبة الغفور الرحيم، والله سبحانه إذا أحب عبداً حفظه وكلأه في الدنيا والآخرة؛ لذلك لابد على العبد أن يحرص على نيل محبة الله، متتبعاً في ذلك كل ما يحبه الله من الأعمال والأقوال، ومعرضاً عن كل ما يوجب بغض الله وغضبه، وقد ذكر الشيخ حفظه الله عشرة أسباب ينال بها العبد محبة الله ورضوانه وحمايته .
стр. 2816
الذين يحبهم الله
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الإخوة في الله! يروي أهل السنن دعاءً مأثوراً عن النبي ﷺ ، وأفضل الأدعية، وأعظم الأذكار ما كان مأثوراً عنه صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه أعرف الناس بربه، وأعبدهم لله ، فإذا أردت أن تدعو أو أن تذكر الله، فابحث عن الدعاء المأثور الذي نقل عن رسول الله ﷺ ، ولا مانع من أن تدعو بما شئت ولكن إن أردت الأفضل فأفضل الدعاء هو دعاؤه صلوات الله وسلامه عليه.
أُثر عنه ﷺ أنه كان يقول: (اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب كل عملٍ يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أحب إليَّ من نفسي وأهلي، ومن الماء البارد على الظمأ) هذا الدعاء يتضمن رغبة النبي ﷺ في نيل محبة الله ؛ لأنه إذا أُحب من قبل الله فقد ضمن النجاة، إذ أن الله إذا أحب عبداً لم يعذبه، إذا أحب عبداً تولاه، إذا أحب عبداً سدده ووفقه وهداه، فكان يسأل صلوات الله وسلامه عليه من ربه أن يرزقه حبه، وحب كل عملٍ يقربه إلى حبه، ثم يطلب أن يكون حبه لله أحب إليه من النفس ومن الأهل ومن الماء البارد على الظمأ.
وأيضاً يروي الترمذي مع أهل السنن حديثاً آخر فيه دعاءٌ مماثل يقول فيه النبي ﷺ : (اللهم ارزقني حبك، وحب من ينفعني حبه عندك) تأملوا دقة الألفاظ النبوية.
ثم يقول: (اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوةً لي فيما تحب) أي: ما رزقتني من مال، وما رزقتني من جمال، وما رزقتني من منصب، وما رزقتني من جاه، وما رزقتني من أولاد، وما رزقتني من زوجات، وما رزقتني من ثروات (اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوةً لي على ما تحب) صلواته وسلامه على الرسول ﷺ ، اجعل المال الذي رزقتني وأنا أحبه قوةً لي فيما تحبه من العمل الصالح، واجعل المنصب الذي أنا أحبه قوةً أستعين به على ما تحب من العمل الصالح، واجعل الزوجة والأولاد والجاه والعمارة والسيارة، واجعل كل شيء رزقتني وأنا أحبه قوةً لي فيما تحب.
إذ أن من الناس من يرزق من هذه النعم فيجعله قوةً على ما يبغضه الله ، يستعين بالمال على معصية الله، ويستعين بالمنصب على معصية الله، ويستعين بالزوجة على معصية الله، ويستعين بالأولاد على معصية الله، ويصرف كل هذه النعم التي مَنَّ الله بها عليه في معصية الله، فيستعيذ النبي ﷺ بالله، ويسأل الله أن يجعل كل ما يرزق مما يحب عوناً وقوةً له فيما يحب ﵎.
ويقول: (اللهم اجعل ما زويت عني مما أحب) ما زويت وما صرفت ولم تعطني إياه مما أحب.
وحب الطمع: لا تطمع فيما عند الناس؛ لأن الناس لا يملكون شيئاً أصلاً، والناس أيضاً فقراء، والله لو كان الشخص منهم مليونيراً وعنده ملايين الدنيا فإنه فقير؛ لماذا؟ يخاف على المال، لكن إذا طمعت فيما عند الله أغناك الله، وعلم الله منك صدق التوجه واليقين، وصدق العبودية فيغنيك الله من فضله، ولا تطمع فيما في أيديهم فيعطيك الله، فازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس، واطمع فيما عند الله يحبك الله ﵎.
стр. 2817
الأذلة للمؤمنين الأعزة على الكافرين
فعليك يا أخي! أن تجعل همك الأول والأخير كيف تنال محبة الله ، وقد جاءت الأوصاف في الآيات الكريمة وفي الأحاديث النبوية تبين من هم الذين يحبهم الله ، فيقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤] هذه صفاتهم: أذلةٍ على المؤمنين: رحماء، وأرقاء، ومتواضعين، ومتعاطفين كالعبد لسيده، وكالوالد لولده، لكن لمن؟ للمؤمنين وفي المقابل أعزة على الكافرين، أشداء كالأسد على فريسته، وكالعقاب على طريدته، لكن على من؟ على الكفار.
انظروا كيف الخلق؟ الإنسان ذو شخصيتين وهو مؤمن يحمل شخصيتين: شخصية الذلة والتواضع والرحمة والعطف والتسامح، وعدم الأخذ على الأخ، والتغاضي عنه والعفو عن زلته لكن للمؤمنين، أما على الكفار فأسد هصور لا يذل، لكن هل المؤمنون الآن في هذا الوضع؟! لا.
إلا من رحم الله، فهم -الآن- أعزة على المؤمنين وأذلة على الكفار ولا حول ولا قوة إلا بالله! هؤلاء لا يحبون الله ولا يحبهم الله.
من هم الذين يحبهم الله ويحبونه؟ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] لأنهم اتصفوا بهذه الصفات ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] بعد أن اتصفوا بهذه الصفات، لم يحبهم إلا لاتصافهم بها، ولم يعملوا هذه الصفات ولم يذلوا للمؤمنين ويعزوا أنفسهم على الكفار إلا لأنهم يحبون الله : ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ [المائدة:٥٤] بالنفس والمال واللسان، لا تأخذهم في الله لومة لائم، هذه علامة صدق محبتهم في الله؛ لأن المحب الذي يخاف اللوم في محبوبه ليس بمحبٍ على الحقيقة، يقول:
أجد الملامة في هواك لذيذةً حباً لذكرك فليلمني اللَّوم
يقول: إذا لاموني أني أحبك فرحت وأجد الملامة لذيذة من أجل أن أتذكرك، ويقول:
إذا مرضنا تداوينا بذكركم فنترك الذكر أحياناً فننتكس
فذكر الله أعظم شيء عند المؤمن حتى أنهم لا يخافون في الله لومة لائم، من يلومهم وهم في طاعة الله؟ لا يخشون أحداً إلا الله.
من الناس الآن من يخشى ملامة الناس في طاعة الله، يريد أن يطلق لحيته فيقول: الناس يلومونني عندما أطلق لحيتي، سبحان الله! أتخشى في الله لومة لائم؟ يريد -مثلاً- أن يلتزم بطاعة الله فيقول: الناس يلقبونني (مطوعاً) ويصنفونني في مكان! أتخشى في الله لومة لائم؟ يريد أن يقيم مشروعاً، يريد أن يغير منكراً، يريد أن يعمل عملاً صالحاً فيراقب الناس، هذا يخشى في الله لومة لائم، فهذا ليس ممن يحبهم الله، ولا ممن يحبون الله، فالذين يحبهم الله ويحبونه لا يخافون في الله لومة لائم، يخافون الله فقط، أما غير الله فلا يخشونه، ولا يخافون لومته؛ لأنهم يخافون الله ويخشونه ويحبونه، ويحبهم الله .
стр. 2818
أهل الصبر
أيضاً الذين يحبهم الله كثير وقد ذكرهم الله في القرآن وفي السنة، يقول : ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦] يحب من يتصف بصفة الصبر، والصبر هو نصف الدين، الصبر هو القاعدة التي يقوم عليها الدين، والذي لا يصبر لا يمكن أن يكون مؤمناً، لابد من الصبر في طاعة الله، ولابد من الصبر عن معصية الله، ولابد من الصبر على أقدار الله المؤلمة.
أتريد أن تمارس العبادة بدون صبر؟! لا.
لا يمكن، فالعبادة مشقة، كونك تصلي الصلوات الخمس، كونك تقوم جزءاً من الليل، كونك تصوم، كونك تزكي، كونك تحج، كونك تعتمر، كونك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر أو تقرأ أو تذكر أو تدعو، هذا جهد لابد فيه من ممارسة ومعاناة.
ولابد من صبر عن معصية الله؛ لأن في ترك المعاصي مشقة، والمعاصي محببة إلى النفس، والأغاني محببة، والنظر المحرم محبب، والغفلة محببة، والغيبة والنميمة محببة، والنوم والفراش الوفير والزوجة الجميلة والمتعة والشهوات، والأغاني والخمور والزنا كل هذه شهوات محببة، لكن المؤمن يحجز نفسه عنها ويستعين على ذلك بالصبر: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣] فالصبر إذا تحليت به كنت ممن يحبهم الله بنص القرآن، يقول الله : ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦].
стр. 2819
أهل الإحسان
وأيضاً يقول الله : ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] المحسن هو: الذي بلغ مرتبةً من مراتب الدين هي أعلى المراتب، فمراتب الدين ثلاثة: المرتبة الأولى: الإسلام.
والمرتبة الثانية: الإيمان.
والمرتبة الثالثة: الإحسان.
والناس يتفاوتون -فدوائر الدين والمكلفين هي خمس دوائر- الدائرة الأولى أوسع دائرة، وهي دائرة الكفار، والدائرة الثانية: دائرة المنافقين، والدائرة الثالثة: دائرة المسلمين، والدائرة الرابعة: دائرة المؤمنين، والدائرة الأخيرة: دائرة المحسنين، هذه لا يدخلها إلا قليل من الناس، وقد عرفها جبريل للنبي ﷺ في الحديث الصحيح فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه) أي: أن تنكشف أمامك الحُجب، وتزول عن عينيك الحواجز والموانع، وتصبح تمارس العبادة كأنك ترى الله، تراقب الله كأنك تراه، تشعر برقابة الله عليك في جوف الليل وأنت ليس معك إلا الله فتمتنع عن المعاصي، تمر يدك على الإذاعة وتسمع أغنية كنت تتقطع لها وتحبها، وليس هناك من يراك أو يسمعك لكنك تعلم أن الله يراك، فتغلق (الراديو) وتزيل المؤشر منه خوفاً من الله، هذه مرتبة الإحسان، تمر في الشارع فترى امرأة متبرجة فاتنة وليس هناك من يراك لو نظرت إليها لكنك تعلم أن عين الله تراك، سئل الحسن البصري: بم نستعين على غض البصر؟ قال: [بعلمك بأن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه] فإذا تيقنت هذا وعرفت أن الله ينظر إليك غضضت بصرك خوفاً من الله، وهذا هو معنى الإحسان، وهذه درجته، فالله يحب المحسنين، والمحسن هو: الذي يمارس عمله على أحسن درجة من الأداء، محسن في صلاته، محسن في زكاته، تجد الرجل والرجل يصليان وبينهما كما بين السماء والأرض، وشخص قلبه بين يدي الله وآخر قلبه في الحمامات.
نعم.
بعض الناس لا يفكر في صلاته إلا في أقذر شيء، بعضهم يفكر في صلاته في الحرام، كيف يصنع؟ كيف يغني؟! وهو في الصلاة يخطط للمعاصي -والعياذ بالله- وهما يصليان هذا محسنٌ وهذا مسيء، وسمي مسيئاً بنص الحديث، المسيء في صلاته لما عجل فيها وجاء إلى النبي ﷺ قال: (ارجع فصلِ فإنك لم تصلِ) بينما المحسن هو الذي يمارس أداء العبادة على أحسن قدر من الإتقان، ولهذا كتب الله الإحسان في كل شيء حتى في الذبح وأنت تذبح الذبح موت وليس إحساناً، فهو إساءة وموت، لكن أحسن فيه، كيف تحسن؟ أرح الذبيحة، وحد شفرتك، وأجهز عليها: (وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) هذا من الإحسان كما قال ﷺ ، فالله يقول: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] وأيضاً هذه الآيات منطوقها يتضمن مفهومها: أن الله لا يحب غير الصابرين، وأن الله لا يحب غير المحسنين.
стр. 2820
التوابون المتطهرون
أيضاً يقول : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢] والتواب هنا صيغة مبالغة، لم يقل هنا: يحب التائبين، قال: (يحب التوابين) كثير التوبة الذي كلما وقع في ذنبٍ تاب إلى الله، والذي يستغفر الله في كل حين، والذي يتوب إلى الله في كل لحظة وفي كل وقت من الخلل الذي قد يقع فيه أثناء حياته ومعيشته في هذه الدنيا، فالله يحب التوابين ويحب المتطهرين.
المتطهر: هو الذي يتطهر ويتزكى ويترفع عن الآثام، وعن الذنوب، والمعاصي، وأيضاً يتطهر ظاهراً وباطناً، فظاهراً عن النجاسات، وباطناً عن المعاصي والذنوب والحماقات التي تبعده عن الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ [الصف:٤] هذه خاصة بالمجاهدين في أول سورة الصف: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [البقرة:٢٢٢] وفي آية كريمة يقول الله : ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:٧٦] الذين يجعلون بينهم وبين عذاب الله وقاية بفعل أوامره وترك معصيته.
стр. 2821
صفات لا يحبها الله
الله لا يحب أشياء كثيرة ذكرها الله في القرآن الكريم، منها ما في قوله : ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥] ما هو الفساد؟ الفساد هو: عمل ضد الإصلاح، هناك إصلاح وهناك إفساد، فالإصلاح يكون على منهج الله، والإفساد يكون ضد منهج الله، والمنافقون يفسدون ولا يصلحون: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة:١١] يتصورون عملهم السيئ الذي هو إفساد إصلاحاً، وهو في الحقيقة إفساد، قال الله : ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة:١٢] فالله لا يحبهم ولا يحب عملهم: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:٢٠٥]
стр. 2822
الفخر والاختيال في الأرض
﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد:٢٣] مختال ومتكبر، ومتعجرف ومتعالٍ، ومتعاظم على الناس لا يحبه الله؛ لأنه يجهل نفسه، فالذي يعرف نفسه لا يختال ولا يتكبر، الذي يعرف نفسه يعرف حقيقتها أنه عبد وأنه ضعيف، وأن الكبرياء والعظمة والاختيال كلها لله، ليست لك.
أيها الإنسان: تواضع حتى يحبك الله؛ فالله لا يحب كل مختالٍ فخور.
стр. 2823
الظلم بجميع صوره وأشكاله
﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:٥٧] الظلم بكل صوره وأشكاله، ظلم العبد لنفسه بالمعاصي، وظلم العبد لربه بمزاولة الشرك وصرف العبادة عن الله، ظلم العبد لغيره بالعدوان على حقه من مالٍ أو عرضٍ أو دم، فهذا يعرض الإنسان لبغض الله ولعدم محبة الله؛ لأن الله لا يحب الظالمين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ [النساء:٣٦] وفي الحديث يقول ﵊: (أحب الأعمال إلى الله: الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم جهادٌ في سبيل الله) وفي آخر يقول ﵊ وقد سئُل عن أحب الأعمال إلى الله: (إيمانٌ بالله، قيل: ثم أي؟ قال: جهادٌ في سبيل الله، قيل: ثم أي؟ قال: حجٌ مبرور) ويذكر صلوات الله وسلامه عليه يوماً من الأيام أحب الأعمال إلى الله فيقول: (أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل) لأن القليل مع الاستمرار يفعل فعلة في القلب وفي السلوك أعظم من كثير مع الانقطاع.
ويضرب العلماء هذا المثل يقولون: ائتِ بإناء واجعله يقطر قطرات على صخر وانتظر ثم ائتِ بعد فترة تجد القطرات هذه قد حفرت حفرة في الصخر.
قطرة وقطرة وقطرة، كل يوم تجدها تتقاطر، تعال بعد فترة تجد هذا الحجر قد نقر وأصبحت فيه حفرة بتأثير قطرات الماء؛ لأنها مستمرة، لكن اجمع هذا الماء كله في إناءٍ واحد ثم صبه دفعةً واحدة على الحجر هل يؤثر في الحجر؟ لا يؤثر فيها ولو كان واحداً من مليون من الملي، لا يمكن لماذا؟ لأنه عارض.
كذلك عمل العبادة إذا داومت عليها أثرت في قلبك، ونقشت في قلبك محبة الله، وفي حياتك مراقبة الله عن طريق مداومتك، إذا داومت على صيام يوم، أو على قيام يوم، أو على أذكار معينة، أو على صدقة معينة، أو على قراءة قرآن بجزء معين من القرآن فإنه يؤثر في قلبك حدد لنفسك في القرآن تلاوة أن تتلو كل يوم جزءاً، وداوم عليه وهذا أحب الأعمال إلى الله، أحب من أن تقرأ في يومٍ واحدٍ ثلاثين جزءاً ثم تترك المصحف عشرة أيام أو عشرين يوماً أو شهراً كاملاً، لكن اقرأ كل يوم جزءاً باستمرار وبانتظام عظيم، حدد لنفسك ركعتين في جوف الليل قبل صلاة الفجر أو في أي وقت من الليل أفضل من أن تقوم ليلة من الليالي ثمان ركعات وتترك القيام أسبوعاً أو أسبوعين؛ لأن (أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل).
стр. 2824
أسباب نيل محبة الله
أما السؤال أيها الإخوة! كيف تنال محبة الله؟ وهو عنوان الدرس، متى يبلغ العبد هذه المحبة؟ ومتى يصل إليها؟ وكيف ينالها ويحصل عليها؟ يذكر ابن القيم في كتابه العظيم مدارج السالكين أسباباً، فهذه عشرة أسباب يستطيع المؤمن والمسلم أن ينال بها محبة الله إذا داوم عليها، وهذه الأسباب أسباب عملية نريد أن يأخذها الشخص كمنهج، وهذه ثمرة حِلق العلم وحضور الدروس والمحاضرات، يجب أن يكون لها أثر ومردود عليك بأن تجد من نفسك تحولاً وتعديلاً، وتغيراً في كل محاضرة تحضرها، أما أن تحضر وتسمع وتخرج ولا تتأثر فهذا لا ينفع، وهذا كان شأن الصحابة ﵃ مالك بن الحويرث ﵁ جلس مع النبي عشرين يوماً ورجع معلماً لأهله في الدين، وهو الذي روى حديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) وهو الذي روى حديث جلسة الاستراحة، كثير من الصحابة بعضهم ما جلس مع النبي ﷺ إلا يوماً أو يومين ورجعوا دعاة إلى الله.
الجن سمعوا الرسول ﷺ يقرأ في وادي نخلة لما رجع ﷺ من الطائف مكلوماً مطروداً وجلس في الوادي وإذا بجن كانوا مسافرين من الشام إلى اليمن سمعوه، فلما سمعوه رجعوا إلى قومهم منذرين فقالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف:٣٠] ولو إلى قومهم منذرين يدعونهم ويقولون: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف:٣١].
فلابد أيها الإخوة! أن تكون مجالسنا مجالس علم وعمل، نستفيد منها ونأخذ منها فوائد بحيث نطبقها ونرجع إلى بيوتنا للمحاسبة والمعاتبة والمراقبة للنفس، بحيث أستفيد من كل جلسة، أي عمل أتعلمه أحوله إلى سلوك أسير عليه، وهذه الأسباب العشرة لنيل محبة الله هي:
стр. 2825
قراءة القرآن الكريم وتدبره
أولها: قراءة القرآن الكريم بالتدبر والتمعن؛ لأن القرآن كلام الله ، وهو خطاب الله وإلى أهل الأرض، والذي يكثر منه يدل ذلك على محبته لله، وإذا أكثرت من تلاوة كلام الله أحبك الله الذي لا إله إلا هو.
لو أتتك رسالة من حبيبك أو من صديقك أو من أبيك أو أمك أو من زوجتك -وبالطبع نحن نتكلم مع أهل الإيمان في رسائل الطهر والعفة، لا نقول رسالة من حبيبتك، وإن كانت حبيبة على الحرام فهي لعينة شيطانة رجيمة؛ تحبك الآن لكنها تلعنك وتلعنها يوم القيامة؛ لأنه حبٌ أقيم على معصية الله، حبٌ أقيم على الحرام، فلا يجوز هذا، وإنما نعني الحب الحلال حبك لزوجتك- وأنت مسافر وتأتيك رسالة منها تقرؤها القراءة الأولى، والقراءة الثانية، والقراءة الثالثة، وكلما ضاق صدرك أخذت رسالتها وقرأتها، وكلما قرأتها انشرحت نفسك، هذه رسالة محبوبك من الأرض، حسناً فرسالة محبوبك في السماء، رسالة الله إليك، خطاب الله إليك، كلما قرأته أحببت ربك، وكلما قرأته أحبك ربك.
ولهذا قال ﵊: (من أراد أن يناجي ربه فليقرأ القرآن أو ليقم إلى الصلاة) والذي يقرأ القرآن كما جاء في الأحاديث له ثوابٌ عظيم عند الله حتى ينال به أعلى الدرجات، يقول ﵊: (من قرأ حرفاً من القرآن كان له حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول (ألم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) أي: إذا قلت: (ألم) كتب الله لك ثلاثين حسنة، إذا قرأت سورة الإخلاص عدد حروفها ستة و (٦٦) حرفاً كتب الله لك (٦٦) حسنة، إذا قرأت سورة الفاتحة عددها (١٥٠) بـ (١٥٠٠) حسنة، إذا قرأت صفحةً من القرآن -في مصحف المدينة المنورة - هذا المصحف في كل صفحة (١٥) سطراً، وفي كل سطر (٤٠) حرفاً، في المتوسط (١٥×٤٠) (٦٠٠) حرف، إذا قرأت صفحةً واحدةً كتب الله لك (٦٠٠٠) حسنة، وفي كل جزءٍ (٢٠) صفحة، إذا قرأت جزءاً واحداً كتب الله لك مائة وعشرين ألف حسنة، إذا كان وردك اليومي من القرآن جزءاً واحداً تقرؤه في ربع ساعة، أو في ثلث ساعة، أو في نصف ساعة على أبعد التقدير يسجل الله لك مائة وعشرين ألف حسنة، من الذي يأتي بهذه التجارة إلا تالي القرآن، عظيم جداً.
يقول ﵊: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهرٌ به مع السفرة الكرام البررة -مع الملائكة- والذي يقرأ القرآن وويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران: أجر المشقة وأجر التلاوة) فتلاوة القرآن من أعظم الأذكار ومن أعظم ما يتقرب به العبد إلى الله، فإذا أكثرت من التلاوة فإن الله يحبك، والله قد أمر بالقرآن وبالتلاوة فقال في القرآن الكريم: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [العنكبوت:٤٥] ويقول : ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل:٤] ويثني الله على أهل القرآن فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٢٩ - ٣٠].
والذي يقرأ القرآن -أيها الإخوة- يحفظ من الزيغ، يثبت على الدين، ما عهدنا وما علمنا رجلاً داوم على تلاوة القرآن وعكف على قراءته إلا وثبته الله، الذين يضلون وينحرفون وينتكسون، ويضعفون ويتراخون ويميلون؛ هؤلاء هم الذين هجروا القرآن، يقول الله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان:٣٢] فيثبتك الله على الإيمان إذا داومت على تلاوة القرآن، فاجعل لك ورداً من القرآن، وانتبه واحذر! أن تنسى القرآن إذا كنت حفظته، احذر أن تهجر القرآن إذا كنت تقرؤه، لابد أن يكون لك ورد معين من كتاب الله، تقرؤه كل يوم، إما في الليل أو في النهار أو قبل النوم، وأحسن الأوقات -كما يقول بعض أهل العلم- للتلاوة: هو الذي يسبق الصلاة، أي: أن تعود نفسك باستمرار ألا يؤذن إلا وأنت في المسجد، لا تأت الصلاة متأخراً إذا أذن المؤذن جلست ثم قمت تتوضأ إذا قربت الصلاة، ثم تهاونت إلى أن تقام الصلاة، ثم تأتي وقد فاتتك تكبيرة الإحرام، وقد تفوتك الركعة الأولى أو الثانية، وبعضهم تفوته الصلاة كلها، لا.
عندك ساعة وتعرف الأوقات يؤذن للعشاء -مثلاً- الساعة الثامنة إلا عشر دقائق حاول أن تخرج من بيتك الثامنة خمس عشرة خمس بحيث تدخل ثمانية إلا عشر أو تدخل قبل الأذان فتصلي ركعتين ثم تجلس، ومعك وقت ما بين الأذان والإقامة (ربع ساعة) (ثلث ساعة) (خمسة وعشرين) دقيقة يمكن أن تقرأ فيها جزءاً، في الفجر كذلك، في الظهر كذلك، في العصر كذلك، إذا داومت على هذا ربح عظيم، يمكن أنك تقرأ خمسة أجزاء، تستطيع أن تقرأ في كل جلسة جزءاً، فتكون خمسة أجزاء، فإذا لم تقدر فثلاثة أجزاء بحيث تختم في كل عشرة أيام، أقل شيء أن تختم في كل شهر مرة، هذا أقل شيء، جهد المقل، ولكن فيه بركة كبيرة جداً.
هذا أول سبب من أسباب نيل محبة الله، وهو ممكن، أليس ممكناً أيها الإخوة؟! هل هناك صعوبة بأن نقرأ القرآن نحن الذين جعل الله ألسنتنا ألسنة عربية؟ هذه نعمة من نعم الله علينا أيها الإخوة! هناك إخوة لكم في بلاد العالم الإسلامي في الباكستان وفي الهند وفي أفريقيا وفي الشرق وفي الغرب ألسنتهم أعجمية لا يستطيعون قراءة القرآن، ويجدون صعوبة في النطق به، ويبذلون من أعمارهم السنوات الطوال حتى يتعلمون كيف ينطقون بالقرآن، ثم إذا جاء أحدهم يقرأ القرآن لا يدري ما معناه، يقرؤه ويجوده ولا يدري معنى حرف واحد، وأنت تعرف معناه بسهولة، وتجد ثوابه بسهولة ثم تترك القرآن بعد هذه النعمة!! هذه علامة من علامات عدم محبتك لذكر الله -أيها الإنسان البعيد- أما إذا قرأت القرآن وداومت على تلاوة القرآن فإن هذا من أعظم العلامات على حبك لله، وبالتالي سوف يحبك الله ﵎.
стр. 2826
كثرة التقرب إلى الله بالنوافل
الثاني: كثرة التقرب إلى الله بالنوافل بعد أداء الفرائض: والدليل على هذا حديث في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه (ما تقرب إليَّ عبدي بعمل أحب إليَّ مما افترضته عليه) أعظم عمل تتقرب به إلى الله هو الفريضة؛ لأنها شيء مطلوب محتم عليك، ولابد أن تأتي به، فمن فضل الله أن جعله محبوباً عنده كأعظم ما يكون ما دام أنك ملتزم به، لكن لا يكفي بأن تنال به محبة الله، صحيح أن العمل الذي تقدمه من صلاتك للفريضة محبوبٌ عند الله، لكن لا تنال بهذا العمل محبة الله فمحبة الله لك أنت تنالها بشيء آخر، قال: (ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه).
(حتى) هنا للغاية أي: العبد يتقرب يصلي الفريضة ويقول: لا يا ربِّ هذه الفريضة مفروضة مني، مفروغ منها، مالي فضل فيها، أريد أن أقدم شيئاً زائداً عليها حتى أحبك، فأنا أصوم الفريضة، وأصوم معها النافلة، وأنا أصلي الفريضة وأصلي معها النافلة، وأنا أقرأ القرآن نافلة، وأنا أحج فريضة، وأعمل معها نافلة، وأنا أتصدق بفريضة الزكاة وأعمل معها نافلة، لماذا؟ قال: لأنال محبة الله.
(ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه) فيصبح العبد ربانياً مثل ما قال الجنيد: بالله يقسم، وبالله يسمع، وبالله يبطش، وبالله يسير، يقول : (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها).
ما معنى هذا الكلام؟! قال العلماء: معناه: أنه يبصر بالله فلا تقع عينه إلا على ما يحبه الله، ويسمع بالله فلا تسمع أذنه إلا ما يحبه الله، ولا تسير رجله إلا إلى ما يحبه الله، ولا تمتد يده إلا إلى ما يحبه الله، أصبح عبداً ربانياً يسير في كل شئونه على أمر الله .
متى نال هذه الدرجة؟ ومتى بلغ هذه المنزلة؟ بالنوافل، قال العلماء: النوافل هي إدامة الطرق على باب الله، تطرق باب الله بالفريضة فيفتح لك، لكن بعد الطرق والفتح تديم وتزيد فيفتح لك أكثر، وتقبل أكثر، وتنال محبة الله .
ولذا كان السلف ﵃ يتنافسون في هذا المجال منافسة عظيمة: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨] كانوا يصومون كثيراً، ويتصدقون كثيراً، ويجاهدون كثيراً، ويقرءون كثيراً، ويذكرون كثيراً يتنافسون في العمل هذا، لماذا؟ لينالوا محبة الله ، ونحن نريد -أيها الإخوة- أن نصبغ أنفسنا بهذه الصبغة، لا نريد لشبابنا.
ولا من شباب الصحوة فينا أن يجعلوا اهتماماتهم اهتمامات لا جدوى منها، نريد أن يصلحوا أول شيء البواطن من الداخل، صحيح أن من الناس من يتحرك قلبه من الداخل، ثم بعد ذلك ينطلق فيرى منكرات ويرى آثاماً ومعاصي، فيضطر أن يصطدم بها ويعمل على إزالتها؛ لكن يهمل جانب الإيمان هنا، فتجده لا يصلي الفريضة في المسجد وهو يتقطع قلبه على الدين، تفوته صلاة الفريضة وينام عنها، وتجده لا يصلي نافلة في الليل، لا يصوم النافلة، يقصر في النوافل فيحرم أعظم شيء وهو محبة الله .
قال ﵊ فيما يرويه عن ربه: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه) فتصبح العلاقة بينه وبين الله علاقة قوية، بمجرد السؤال يعطيه الله، والتعبير هنا (لأعطينه) مؤكد بمؤكدين: لام القسم ونون التوكيد المثقلة (لأعطينه) ما قال أعطيه (ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) ثم قال في رواية ليست للبخاري رواية في السنن: (وما ترددت في شيءٍ أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته، ولابد له منه) هذا الثاني -أيها الإخوة- كثرة النوافل.
стр. 2827
دوام ذكر الله
الثالث: دوام ذكر الله؛ لأن من أحب شيئاً أكثر من ذكره، الذين يحبون الرياضة يكثرون من ذكرها، ويقرءون الجرائد ويفتحون على الصفحات الرياضية مباشرةً، ويحبون أخبار الدوري، وأخبار الكأس، وأخبار البطل، وأخبار الوصيف، وأخبار النجم، وأخبار هذه الأشياء، لماذا؟ لأنهم أحبوها.
والذين يحبون السيارات والموديلات يتابعون أخبارها: الأمريكي والياباني والألماني والجديد، حتى أن بعضهم ليعرف السيارة على بعد كيلو متر يقول: هذه موديل واحد وتسعين، وما يدريك؟ قال: (الطيس).
والثاني قال: هذه (٩١)، قلت: بماذا؟ قال: لوحة سوداء يضعونها عند الكَفَر، واحد أنا والله ما أدري، قلت: كيف تفرق بين (٩٠) و (٩١)، قال: بهذه (طرنبيل) قطعة بلاستيك سوداء علقوها عند الكَفر الأخير، هذا الفارق بين (٩١) و (٩٠)، والشخص الذي معه (٩٠) يذهب بسيارته يبدل الرخصة تكون واحد وتسعين، لماذا؟ قال: فيها (طرنبيل)، والثاني، قال: فيها مرايا جيدة ورهيبة، و (الطيس) تولع، لا حول ولا قوة إلا بالله! كيف استخف الناس بعقولنا إلى هذه الدرجة! أتدرون -أيها الإخوة- أن هذه الأساليب أساليب الكفار؟ أساليب اليهود الذين يغرقون الأسواق الإسلامية بالسلع الاستهلاكية الرخيصة من أجل امتصاص ثرواتها، فهم يجددون ويضعون لنا في كل عام موديلاً وفي كل موديل خيط، بعضها يكون خيطاً أحمر أو أصفر، قال: واحد وتسعين فيذهب الشخص يبيع سيارته من أجل أن يأخذ خيطاً أصفر، قال: يا شيخ! هذه ممتازة، هذه خيطها أحسن من خيط تلك السيارة، والله هي هي، بل الموديلات الأولى أفضل، فلعبوا على عقول الرجال في السيارات، ولعبوا على النساء في الذهب وفي موضات الملابس والتشكيلات التي أضلت الناس والعياذ بالله.
فتجد الشخص الذي يحب السيارات يهتم بها ويسأل عن دقائق الأمور فيها، والذي يحب الأراضي والعقارات معلق قلبه بها، والذي يحب المزارع معلق قلبه بها، والذي يحب الله ورسوله معلق قلبه بالله ورسوله، فإذا رأيت إنساناً يذكر الله كثيراً فاعلم أن الله يحبه وهو يحب الله، وإذا رأيت إنساناً ساكتاً لا يذكر الله، فاعلم أنه مبغض عند الله، وقد بين الله هذا في القرآن الكريم، فقال : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] يذكرون الله لكن قليلاً وهم منافقون، أما الذي لا يذكر الله بالكلية فهذا ميت -والعياذ بالله- (مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله كمثل الحي والميت).
وذكر الله من أحب الأعمال إلى الله لما روى أصحاب السنن حديثاً في السنن يقويه ويشده ويبجله الإمام ابن القيم ﵀ في كتابه الكلم الطيب، يقول فيه ﵊: (ألا أخبركم بأفضل أعمالكم وأزكاها عند مليككم وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم؟ قلنا: بلى يا رسول الله! قال: ذكر الله والله يقول في القرآن الكريم: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩١] فاستغرق الذكر جميع أحوالهم، فهم في ثلاث حالات ليس هناك حالة رابعة، الإنسان إما قائماً أو قاعداً أو نائماً، لكن المؤمن يذكر الله قائماً، ويذكر الله قاعداً، ويذكر الله على جنبه، فماذا بقي معه من وقت لا يذكر الله فيه؟ وبعد ذلك يذكرون الله في كل حين ووقت: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران:٤١] ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف:٢٠٥] فالذي يغفل عن ذكر الله هذا دليل على موت قلبه، وعلى عدم محبته لله، وعلى عدم محبة الله له.
والأذكار كما بينته في بعض الدروس خمسة أنواع أذكرها باختصار: ١) ذكر الله عند ورود أمره: إذا ورد عليك أمر الله ونفذته فأنت ذاكر.
٢) ذكر الله عند ورود نهيه: إذا ورد عليك نهي الله وتركت النهي فأنت ذاكر.
٣) ذكر الله في الأحوال والمناسبات: إذا دخلت المسجد وخرجت من المسجد، ودخلت بيتك وخرجت من بيتك، وأكلت الطعام وشبعت منه، وجئت زوجتك، وخرجت من الحمام ودخلت إلى الحمام، أي عمل تفعله فيه ذكر مأثور عن رسول الله ﷺ .
٤) ذكر الله المقيد بعدد معين، جاء في النص من قال مائة مرة، من قال كذا هذا تأتي به كما قال.
٥) ذكر الله المطلق وهو أن تذكر الله وأن يكون ذكر الله على لسانك، لما روى الترمذي عن عبد الله بن بسر ﵁، قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! كثرت عليَّ شرائع الإسلام، فأخبرني بعملٍ أتشبث به وأوجز، فقال ﵊: لا يزال لسانك رطباً بذكر الله).
وفي هذا يقول العلماء: إن هذا من دلائل نبوته ومن إعجازه صلوات الله وسلامه عليه، فإنه جمع له الدين كله في كلمة واحدة: (لا يزال لسانك رطباً بذكر الله) ومن هو الذي لا يزال لسانه رطباً من ذكر الله؟ إنه الذي يحب الله.
هل الزاني لسانه رطب من ذكر الله؟ أبداً.
لا يزني الزاني وهو يذكر الله، ولا يرابي المرابي وهو يذكر الله، ولا يغني المغني وهو يذكر الله، ولا ينظر في الحرام وهو يذكر الله، ولا ينام عن الصلاة وهو يذكر الله، من هو الذي يعمل هذا؟ الغافل عن الله.
أما الذي يذكر الله أبداً لا يمكن أن يعمل مثل هذه الأعمال، ولهذا وصاه النبي ﷺ بدوام ذكر الله حتى قال: (لا يزال لسانك رطباً) وهذه استعارة بلاغية عظيمة بمعنى: أن الذي لسانه ليس فيه ذكر الله لسان ناشف، لسان حجري، لسان جاف، وقلبه قاسٍ -والعياذ بالله- قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢] إذا قسا القلب من ذكر الله قسا اللسان عن ذكر الله، وتحجرت العين عن البكاء من خشية الله، وقسا السمع من سماع كلام الله، وجفت الجوارح، وعجزت وتكاسلت عن القيام بأوامر الله لماذا؟ لأن القلب قاسٍ من خوف الله، قاسٍ من رحمة الله، قاسٍ من ذكر الله، أما إذا لان القلب لذكر الله دمعت العين من خشية الله، ورطب اللسان بذكر الله، وسمعت الأذن كلام الله، وسارت الرِجل إلى مساجد الله، وامتدت اليد في طاعة الله، وعَمَر الإنسان وقته كله بالإيمان بالله .
فلابد -أيها الإخوة- من هذا الأمر وهو من أهم الأمور ومن أيسرها على الإنسان.
стр. 2828
إيثار ما يحبه الله على ما تحبه النفس
الرابع: إيثار ما يحبه الله على ما تحبه النفس: لابد أن يحصل تصادم وتعارض بين محاب الله ومحاب النفس، فأين أنت؟ مع من تقف؟ هناك شد حبل بين الهوى وبين الدين والشرع، الهوى يجذب وأمر الله وشرعه يرفع، والشيطان مع الهوى، والنفس الأمارة مع الهوى، والدنيا مع الهوى، وأنت مع من؟! إن كنت عاونت شيطانك ونفسك وهواك ودنياك سقطت عن طريق الله ومن عين الله، وإن كنت مع الشرع في صراع: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١] وإن كنت مع الشرع في صراع ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية:٢٣] لابد أن تقف دائماً مع الشرع، وأن تؤثر محبة الله وأمره على محبة النفس، إذا تعارض أمر الله مع أمر النفس، أمر الله بالقرآن، وأمر الشيطان والنفس بالغناء، فمع من أنت؟ مع الله.
أغلق الراديو واقرأ القرآن، أمر الشيطان بالنوم وأمر الله بصلاة الفجر وأنت على فراشك تتقلب تسمع الأذان، وفي إمكانك أن تقوم وفي إمكانك أن تنام، صراع نفسي، معركة تدور على الفراش بين نوازع الإيمان وبين نوازع الشر والشيطان، فمع من أنت؟ إذا قمت فأنت تحب الله، إذا آثرت النوم على أمر الله فالبعيد لا يحبه الله، فهل تريد أن يحبك الله؟ عليك أن تؤثر أمر الله وتقدمه على هوى النفس ومحبتها.
وهذا -أيها الإخوة- ميدانٌ واسع وفسيح، وعقبة كئود سقط فيها الكثير من الناس؛ لأنها نقطة عملية قد ينجح الشخص في القرآن وتلاوته؛ لأنه كلام يصرفه، وقد ينجح في ذكر الله؛ لأنه كلام يقوله، وقد ينجح في بعض النوافل، لكن متى التعارض؟ في هذه المشكلة، هنا العقدة، هنا الامتحان وفيه يكرم المرء أو يهان.
ستعلمي إذا انجلى الغبار أفرسٌ تحتك أم حمار
стр. 2829
العمل بآثار أسماء الله وصفاته
الخامس: العمل بآثار أسماء الله وصفاته: الله له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأحد أقسام التوحيد هو الإيمان بأسماء الله وصفاته، نؤمن ونثبت لله كل ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات من غير تشبيهٍ ولا تمثيل، ولا تكييفٍ ولا تعطيل، بل نؤمن أنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ولكن هذا الإيمان يقتضي منا أن تنعكس آثار هذه الأسماء والصفات علينا، فإذا آمنا بأن الله هو الرزاق طلبنا الرزق بطاعة الله، لا نطلب الرزق بمعصية الله.
بعض الناس تجده يبيع ويشتري في الدخان لماذا؟ قال: هذا الدخان يجلب الناس، فهذا لم يعرف أن الله هو الرزاق، هذا عنده قدح في عقيدته، عنده عقيدة إن الرزاق هو الدخان.
وآخر عنده عمارة وفيها دكاكين أجرها على حلاق، لماذا؟ قال: يا أخي! مغلقة لها سنة، ليس هناك من يستأجرها، هذا ليس عنده يقين أن الله هو الرزاق، عنده يقين أن الدكان هو الرزاق، والدكان ما دام أنه لم يأتِ له شخص يستأجره غير الحلاق، فأجره للحلاق، فيفتح قلعة وثكنة لمحاربة سنة النبي ﷺ ، ولحيته ملء وجهه، هو يعفي لحيته لكن يحلق لحى المسلمين في دكانه، لو أنه حلق لحيته لوحده وليس عنده دكان كان ذلك أخف؛ لأنه ما من لحية تحلق في الدكان إلا وعليه إثمها وإثم من حلقها إلى يوم القيامة.
وقد رأيت ذات مرة رجلاً علق على دكانه -صالون الحلاقة- لوحة مكتوب فيها: صالون اللحية الغانمة -إيه والله رأيتها بعيني- صالون اللحية الغانمة، قلت: سبحان الله! أي غنمٍ لهذه اللحية وهي تحت القدم، يحلقها الحلاق ويضعها تحت قدمه، ثم يكنسها بالمكنسة ويأخذها في صندوق الزبالة، وفي آخر اليوم إذا مرت البلدية قال: قف قف يا ولد! تعال خذ الصندوق عندي هنا لحى المسلمين، وأخذها عامل البلدية ورماها مع الزبالة في صندوق البلدية، وحملتها سيارة البلدية، انظروا هذه اللحية المعذبة (هذه اللحية الغانمة) وأين الغنم؟! هذا الغرم! هذا الشؤم -والعياذ بالله- ثم يأخذها إلى المحرقة وتحرق مع النفايات، هذه لحية صالون اللحية الغانمة! فالذي يؤجر دكانه على محل غناء أو على محل الفيديو أو محل يباع فيه الحرام هذا ليس عنده عقيدة في أن الله هو الرزاق.
الذي لا يقول كلمة الحق خشيةً من قطع الرزق هذا مسكين لم يؤمن بأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.
فلا بد أن تنعكس آثار هذه الأسماء والصفات عليك، إذا علمت بأن الله سميع لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء فإنك تخاف الله ولا تقدر بأن تتكلم بكلمة حرام؛ لأنك تعلم أن الله يسمعك، إذا علمت بأن الله بصير يرى ويسمع دبيب النملة السوداء، في الليلة الظلماء، على الصخرة الصماء، تقول عائشة: [سبحان الذي وسع سمعه الأصوات] لما جاءت المرأة المجادلة تشتكي، تقول: [والله إنها تشتكي للرسول ﷺ في الغرفة المجاورة ما سمعتها، والله سمعها من فوق سبع سماوات وقال: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١]] فإذا آمنت بأن الله بصير، فإنك تستحي أن تمارس معصية، فأنت تعلم أن الله يراك وأنت في غرفتك في جوف الليل:
وإذا خلوت بريبةٍ في ظلمةٍ والنفس داعية إلى الطغيانِ
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
فهذا مقتضى أنك آمنت بأن الله سميع بصير، إذا آمنت بأن الله حكيم عرفت حكمته، إذا آمنت بأن الله قوي خفت من قوته، إذا آمنت بأن الله جبار خفت من جبروته، إذا آمنت بأن الله منتقم خفت من نقمته، لماذا؟ لأنك آمنت بهذه الصفات.
إذا آمنت بأن الله عزيز رُمت عزته وطلبت العزة في جنابه، إذا آمنت بأن الله رحيم طمعت برحمته، إذا آمنت بأن الله مالك يوم الدين طمعت بأن تنالك هذه الرحمة في ملكه يوم القيامة، لماذا؟ لأنها انعكست آثار أسماء الله وصفاته عليك، إذا تخلقت بهذا كنت ممن يحبهم الله ، وهذه مهمة جداً وينبغي أن نعود أنفسنا عليها.
стр. 2830
التأمل والتفكر والتدبر في نعم الله وفضله
السادس: التأمل والتفكر والتدبر في نعم الله وفضله وإحسانه عليك أيها الإنسان! وهذه -أيها الإخوة- نغفل عنها كثيراًَ، وما أعظم نعمة الله علينا: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] نعمة الخلق، فمن الذي خلقك أيها الإنسان؟! ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨] نعمة الخلق والإيجاد، نعمة الرزق والإمداد، نعمة الإيمان والإسعاد، نعمة العافية، نعمة الأمن، نعمة الجوارح، تفكر يا أخي في نفسك! تأمل في نعمة العين التي في رأسك، تصور أنك أعمى في هذا المسجد -عافاك الله- وتريد أن تخرج إلى المسجد بعد صلاة العشاء فمن يذهب بك إلى البيت؟ من يقود لك السيارة؟ كيف تعرف الألوان؟ كيف تعرف الأشكال؟ الأعمى الآن مسكين لا يرى من العالم شيئاً، يقول: كيف الطيارة؟ لا يعرفها! كيف السماء؟ لا يراها، كيف الجبال؟ لا يراها، كيف البحار؟ لا يراها! كيف العمارات؟ لا يدري عنها شيئاً، والله جعل لك عينين: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد:٨] فسخِرها فيما يحبه الله، تأمل في أفضال الله عليك، تأمل في نعمة الله عليك بالأذنين، وتصور أنه لا يوجد لديك سمع تسمع وأنت جالس في المجالس والناس يتكلمون وأنت مثل (المسند) جالس لا تسمع شيئاً! تقول: ماذا يقولون؟ لا تدري ماذا يقولون؟ يشيرون لك إشارة لا تسمع، ولا تدري ماذا يقصدون بالإشارة، فالسمع نعمة من نعم الله عليك: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨] نعمة اللسان هذه نعمة، يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً﴾ [البلد:٨ - ٩] اللسان نعمة تفصح به عما في نفسك، وتعبر به عما في خاطرك، تُعلم الناس ما تقول، الآن الأعجم يومئ بكلام غير واضح وغير مفهوم، لكن كلمتان تخرجهما من لسانك يفهمك الناس، فاستعمل هذا اللسان في طاعة الله .
﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد:٩] نعمة من نعم الله عليك؛ لأن الشفتين واللسان هي التي تتحكم في إخراج الحروف، هناك حروف لا تخرج إلا بالشفتين، وهناك حروف لا تخرج إلا من طرف اللسان، وكذلك باللسان تتذوق الأطعمة، تصور نفسك مصاباً بالنزول وأهلك يحضرون لك الطعام وأنت لا تتذوقه، تقول: لا أجد فيه طعماً؛ لماذا؟ لأنك مريض، فهذه نعم.
نعمة اليدين، نعمة الأصابع، نعمة الإبهام وديتها في الشرع نصف دية اليد، لو فقدت أو لو أن الناس ما عندهم إبهام لتعطلت الحضارة كلها، من يشد مسماراً بإصبعين؟ لا أحد يستطيع أن يشد مسماراً بإصبعين أبداً، لكن هذه تشد وتقبض، إذا حدث لأصبعك شيء لن تستطيع أن تصنع شيئاً، فاعرف نعمة الله عليك، من فصَّل لك هذه اليد؟ كلها مفاصل من أجل ماذا؟ لكي تستعملها في كل اتجاه، لكن لو أن الله أعطاك يداً مثل (العصا) فكيف ستستعملها؟ لن تستعملها إلا في الضرب، لكن الله لم يخلقك لتضارب الناس حتى يعطيك عصاً معلقة، لكن الله جعل يدك في الجزء العلوي من أجل أن تصل بها إلى رأسك، وتصل بها إلى رجلك، لكن لو أن يديك في أرجلك، وجدت حمامة أو طائراً وقفت في رأسك فكيف تمتنع؟! وجعل رأسك أعلى شيء، وجعل العينين في المقدمة، وجعل الأذنين في الجنبين، والرأس مركب على رقبة، والرقبة لولبية تحركها يميناً وشمالاً لماذا؟ من أجل أن تستعملها، لكن لو أن رأسك على رقبتك على عظم، فكيف تتلفت؟ هذه نعمة أم ليست نعمة أيها الإخوان؟! انظروا إلى من يصاب بشد عضلي كيف تراه؟ تقول: كيف حالك؟ يقول: بخير، لا يستطيع أن يلتفت وإذا التفت قال: آه رقبتي! ماذا بك؟ قال: عصبة صغيرة، عضلة صغيرة، اشتدت عليه أرقته في نومه، إذا جاء لينام لا يستطيع أن ينام من أجل شيء بسيط، أليست هذه كلها نعماً؟! في كل النعم التي يمن الله بها عليك لا تغفل عنها لحظةً من لحظاتك، وأنت تأكل الطعام تأمل في النعم التي ساقها الله إليك، وأخرج لك من الطين ومن الماء هذه النعم المتعددة، وصنفها وحلاها، وجملها وشكلها من كل نوع، ثم تأمل كيف يخرجها الله منك بعد أن تأكلها، ويفصل ما ينفعك فيبقيه فيك، ويفصل ما يضرك فيخرجه الله منك، وتأمل لو أن الله حبس فيك هذا الضرر كيف تصنع؟ لو احتبس فيك البول لأصبحت حياتك مريرة، ولانعدمت حياتك أيها الإنسان! وكل هذه النعم، والمجال لا يتيح لي التوسع فيها؛ المهم أن تتأمل في فضل الله وإحسانه عليك؛ في عافيتك، وفي ستر الله عليك، وفي رزق الله لك، وفي كل النعم التي من الله عليك بها، فإذا تأملت فيها وشكرت الله أحبك الله، هذا مما يعرضك لمحبة الله .
стр. 2831
انكسار القلب والشعور بالخضوع الكامل لله
السابع: انكسار القلب والشعور بالخضوع الكامل له، والإذعان لأمره فلابد من الإذعان والانكسار؛ لأن الله رب وأنت عبد ولا ينبغي للعبد إلا أن ينكسر أمام سيده، لا يتعالى ولا يتعاظم، وإنما يستذل: (أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي) يقول الله : (أنين المذنبين أحب إليَّ من زجل المسبحين) فالذين تنكسر قلوبهم ويخشون الله ويخافون الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠] ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [الأنفال:٢] أي: تنكسر وتخاف قلوبهم، هؤلاء يعرضون أنفسهم لمحبة الله ، أما الذي قلبه قاسٍ ومتعالٍ ومتعاظم ولا يخاف من الله هذا لا يعرف الله، وبالتالي لا ينال محبة الله .
стр. 2832
مجالسة الصالحين
الثامن: مما يعرضك لمحبة الله مجالسة الصالحين: الحرص على أن تكون مجالسك دائماً مطعمة بالطيبين، وأن يكون وقتك كله مع الطيبين، لِمَ؟ لأنهم يؤثرون فيك، والمرء من جليسه، المرء من خليله:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
...
إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
...
فلا تصحب أخا الفسق وإياك وإياه
فكم من فاسقٍ أردى مطيعاً حين آخاه
يقاس المرء بالمرء إذا ما المرء ما شاه
وللقلب على القلب دليلٌ حين يلقاه
وللناس على الناس مقاييس وأشباه
فعليك إذا كنت تريد أن تنال محبة الله أن تجلس مع من يحبهم الله، حذار من الجلوس مع من يبغضهم الله، فإنك وإن كنت محبوباً عند الله ثم جلست مع من يبغضهم الله عرضت نفسك لبغض الله، كيف تجلس مع من يبغضهم الله وتريد أن يحبك الله؟! إن مقتضى محبة الله لك ومحبتك لله أن تحب في الله، وأن تبغض في الله، ولهذا جاء في الحديث، عنه ﵊، والحديث في الصحيحين عن أنس ﵁: (ثلاثٌ من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: منها: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله) أن يبني علاقاته وأواصره الاجتماعية على أساس دينه وعقيدته، فلا يحب إلا من يحبه الله ولا يبغض إلا من يبغضه الله، أما إذا ذاب بين الناس ولم يتميز بإيمانه ولا عقيدته، ولم يحب في الله ولم يبغض في الله، فهذا إنسان لا يعرض نفسه لمحبة الله بل ربما عرضها لبغض الله .
стр. 2833
قطع كل سبب يحول بين القلب وبين الله
التاسع من أسباب نيل محبة الله : قطع كل سبب والقضاء على كل عقبة تحول بين القلب وبين الله: هناك عقبات، وهناك موانع، وهناك حواجز تحجز قلبك عن الله، فعليك أن تزيل هذه الحواجز، وأن تقطع هذه العلاقات حتى تصل إلى الله ، مثل من؟ مثل رفيق السوء، هناك رفيق؛ لكنه رفيق سوء قاطع طريق بينك وبين الله، أنت تريد الله وهو يريدك إلى الشيطان، فاقطع الصلة به.
مثل زوجة السوء: هناك زوجة تعينك على طاعة الله، وهناك زوجة تعينك على معصية الله قاطعة الطريق بينك وبين الله، أنت تريد الله وهي تريد النار.
مثل عمل السوء، عمل تمارسه أنت وترتضيه وتأخذ عليه راتباً أو تمارس فيه أجراً، ولكنه عملٌ سيئ يقطعك عن الله، فاترك هذا العمل واترك وظيفة السوء، جار السوء تخلص منه، كل شيءٍ يحول بينك وبين الله ولا يوصلك إلى الله تخلص منه، إذا وقف هذا عائقاً بينك وبين أن تنال محبة الله.
стр. 2834
قيام الليل
وآخر شيء وهو أصعب شيء ولكنه من أسهل الأشياء على الإنسان ويحصل عليه الإنسان عن طريق الاستمرار والتدرب وعن طريق الصبر، يقول أحد السلف وهو ثابت البناني: [كابدت قيام الليل عشرين عاماً، وتلذذت به عشرين عاماً].
آخر شيء مما يجعلك من أحباء الله هو قيام جزء من آخر الليل ولو ركعتين لحديث النبي ﷺ : (ركعتان في جوف الليل خير من الدنيا وما عليها) وهذه من أفضل الأشياء في آخر الليل؛ لأن الله -كما صح في الأحاديث الصحيحة وهي عقيدة أهل السنة والجماعة - أن الله ينزل في الثلث الأخير من الليل نزولاً يليق بجلاله فيقول: (هل من سائلٍ فأعطيه؟ هل من تائبٍ فأتوب عليه؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له) فإذا وافقها عبدٌ سعد في الدنيا والآخرة.
أيها الإخوة! هذه علامات محبة الله وأسباب نيل هذه المحبة، فنريد أيها الإخوة! أن نتصف بها.
نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا وإياكم جميعاً من المحبوبين إليه، ونعيد دعاء النبي ﷺ : اللهم ارزقنا حبك، وحب من يحبك، وحب كل عملٍ يقربنا إلى حبك، اللهم اجعل حبك أحب إلينا من أنفسنا، ومن أهلينا، ومن الماء البارد على الظمأ، إنك على كل شيءٍ قدير.
والله أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 2835
الأسئلة
أما السؤال أيها الإخوة! كيف تنال محبة الله؟ وهو عنوان الدرس، متى يبلغ العبد هذه المحبة؟ ومتى يصل إليها؟ وكيف ينالها ويحصل عليها؟ يذكر ابن القيم في كتابه العظيم مدارج السالكين أسباباً، فهذه عشرة أسباب يستطيع المؤمن والمسلم أن ينال بها محبة الله إذا داوم عليها، وهذه الأسباب أسباب عملية نريد أن يأخذها الشخص كمنهج، وهذه ثمرة حِلق العلم وحضور الدروس والمحاضرات، يجب أن يكون لها أثر ومردود عليك بأن تجد من نفسك تحولاً وتعديلاً، وتغيراً في كل محاضرة تحضرها، أما أن تحضر وتسمع وتخرج ولا تتأثر فهذا لا ينفع، وهذا كان شأن الصحابة ﵃ مالك بن الحويرث ﵁ جلس مع النبي عشرين يوماً ورجع معلماً لأهله في الدين، وهو الذي روى حديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) وهو الذي روى حديث جلسة الاستراحة، كثير من الصحابة بعضهم ما جلس مع النبي ﷺ إلا يوماً أو يومين ورجعوا دعاة إلى الله.
الجن سمعوا الرسول ﷺ يقرأ في وادي نخلة لما رجع ﷺ من الطائف مكلوماً مطروداً وجلس في الوادي وإذا بجن كانوا مسافرين من الشام إلى اليمن سمعوه، فلما سمعوه رجعوا إلى قومهم منذرين فقالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف:٣٠] ولو إلى قومهم منذرين يدعونهم ويقولون: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف:٣١].
فلابد أيها الإخوة! أن تكون مجالسنا مجالس علم وعمل، نستفيد منها ونأخذ منها فوائد بحيث نطبقها ونرجع إلى بيوتنا للمحاسبة والمعاتبة والمراقبة للنفس، بحيث أستفيد من كل جلسة، أي عمل أتعلمه أحوله إلى سلوك أسير عليه، وهذه الأسباب العشرة لنيل محبة الله هي:
стр. 2836
نصيحة لمن انقطع عن الدروس والمحاضرات في الدراسة النظامية
السؤال
أحد الإخوة يعاتبني كثيراً ويقول: إنني انقطعت عن الدروس والمحاضرات في هذه المدينة، يقول: وهذا شيء أثر على الشباب وهم غاضبون جداً وينصحني بألا أواصل الدراسة وأن أرجع وأقطع الدراسة؟
الجواب
جزاه الله خيراً وجزى الله الإخوة خيراً على هذا الكلام، ولكني أقول له: إن الدراسة كلها خير، وطلب العلم -كما تعرفون- فضيلة، واطلبوا العلم من المهد إلى اللحد، وقد وجدت متعة في طلب العلم، وأسأل الله أن يعينني على إنهائه وسواء كنت هنا أو هناك فالإنسان سيكون له عمل في أي مجال وأي مكان، والساحة -والحمد لله- مملوءة بالدعاة والعلماء في هذه المنطقة، وسأعود قريباً بإذن الله، أما أني أترك العلم فهو ليس شيئاً عاطفياً أو جاء من فراغ، إنما شيء جاء بعد دراسة وتصميم وقدمت فيه تضحيات حتى إني خرجت من وظيفتي وتركت عملي الوظيفي حتى أتفرغ للدراسة؛ لأن هذا شيء مهم جداً، ووجدت فيه مصلحة وفائدة كبيرة جداً.
أسأل الله أن ينفعني وإياكم بما نقول، وبما نسمع وبما نتعلم، إنه على كل شيءٍ قدير.
стр. 2837
كيف ندعو إلى الله ؟
إن الله خلق الجنة والنار، وجعل لكل واحدة منها طرقاً موصلة إليها، فالجنة لها طرق ومسارات إذا بحث عنها الإنسان وسار عليها بلغ مقصده، والنار لها طرق ومسارات؛ فإذا أعرض الإنسان عن الله وجنته والطرق الموصلة إليها سار في طرق الشيطان والنار والعياذ بالله، ومن الأسباب المؤدية لدخول الجنة الدعوة إلى الله، مع الأخذ بالرصيد الكافي من العلم الشرعي، والصبر على ما يعرض للمرء في طرق الدعوة.
стр. 2838
خطوات في اختيار الطريق إلى الجنة
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله على نعمه وآلائه التي لا تحصى ولا تعد، له الحمد ﵎، وله الفضل والمنة، له الحمد بالإسلام، وله الحمد بالإيمان، وله الحمد بالقرآن، وله الحمد بكل نعمة أنعم بها علينا من قديم أو حديث، أو سر أو علانية، أو حي أو ميت، أو شاهد أو غائب، له الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: فضيلة مدير المعهد أيها الإخوة الكرام المشرفون على برنامج التوعية في هذه المؤسسة العلمية أيها الإخوة الطلاب الذين حرصوا على الحضور في هذا اللقاء المبارك، الذي لم أكن قد تهيأت له بالمادة العلمية التي تليق به، على اعتبار أنه لقاء أخوي فقط، وليست محاضرة أو كلمة، وإن كنت لست من فرسان هذه الميادين، وقد أنفع في مجال ولا أنفع في مثل هذا المجال أمام العلماء، وأمام طلبة العلم المتقدمين في العلم والسن؛ ولكن قِدتُ إليه فنسأل الله أن يعينني وإياكم.
هذه الدنيا أو هذه الحياة -أيها الشباب- ورطة، من خلق فيها فقد ورط، ولا مخرج له من هذه الورطة إلا باللجوء إلى الله، يقول الله : ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠ - ٥١].
الورطة: هي المهلكة والابتلاء والمحنة والفتنة، الله يقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف:٧] ويقول : ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] أي: ليختبركم وليوجدكم على مسرح هذه الحياة من أجل الافتتان، ومن أجل الابتلاء والاختبار؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينة.
لم يؤخذ لنا رأي في قضية وجودنا في هذه الحياة، هل أخذ رأي أحدنا؟ لا.
خلقنا رغم إرادتنا، ولم يؤخذ لنا رأي في قضية انتقالنا من هذه الحياة، ولو أخذ لنا رأي ما كان أحدنا يريد أن يموت؛ لأن الإنسان يكد ويتعب ويحصل ويتوظف ويبني ويتزوج ويصير له أولاد، فإذا صلحت له الدنيا من كل جانب جاء الموت ليشطبها من كل جانب.
لهوت وغرتك الأماني وعندما أتمت لك الأفراح فوجئت بالقبر
فليس لنا رأي في المجيء، وليس لنا رأي في الانتقال، وإنما نحن مطلوب منا أن نعمل في هذه الدنيا عملاً صالحاً، والله سيجازينا في الآخرة على ضوء ما نعمل في هذه الحياة، فالذي يريد أن يخلِّص نفسه من الورطة، والذي يريد أن يخلِّص نفسه من هذه الفتنة ومن هذا الابتلاء ليس له مجال ولا طريق إلا باللجوء إلى الله؛ لأنه سيقدم على الله شاء أم أبى، وستكون له المعاملة في الآخرة على ضوء معاملته لله في هذه الدنيا.
إذا كنت في الدنيا كما يريد الله، كان الله لك في الآخرة كما تريد، وإذا كنت في الدنيا بعكس مراد الله، كان الله لك بعكس مرادك في الدار الآخرة، وأنت الآن تكسب وتعمل، وسوف ترحل وتقدم على الله، وتجيء بشيء مثقل إما بالحسنات أو بالسيئات، والله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٨٩ - ٩٠] ويقول في آية أخرى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام:١٦٠].
فأنت الآن تحصد وتعمل، سواء تعمل في طريق الخير أو في طريق الشر، والناس مذ خلقوا ووطئوا هذه الأرض وهم مسافرون، وما من يوم يمر ولا شهر ينتهي ولا سنة تتبدل إلا وأنت تقطع بهذه السنة وبهذا الشهر؛ وبهذا اليوم وبهذه الساعة وبالدقيقة مرحلة من مراحل عمرك إلى الله وإلى الدار الآخرة، وهذه اللحظة أو هذا اليوم أو هذا الشهر فيه عمل.
هل يستطيع الإنسان أن يقف على عجلة الزمن فلا يعمل لا عملاً صالحاً ولا عملاً سيئاً؟ لا.
فلا بد من عمل؛ لأنه بين أمر ونهي، وبين طاعة ومعصية، وبين استجابة لله واستجابة للشيطان، فإذا استجاب لله لم يستجب للشيطان، إذا رفض أمر الله استجاب للشيطان، إذا أمره الله بالصلاة وقام إلى الصلاة أطاع الله، وإذا أمره الله بالصلاة ولم يقم قام الشيطان بدعوته إلى النوم وترك الصلاة، فترك الصلاة فأطاع الشيطان، فهو بين أمر الله أو نهيه، وبين أمر الشيطان أو نهيه.
وهو يستجيب إما لهذا وإما لهذا، وتنتقل الساعة والشهر واليوم والسنة، وهو يملأ هذه الخزائن بهذا العمل، ثم يقدم على الله ﵎، وهناك يجازى على ضوء ما سبق أن قدم وعلى ضوء ما سلك في هذه الدنيا، هذه قضية ليس فيها جدال بين أهل العقول.
لكن لسائل أن يقول: كيف الطريق إلى الله؟ ومن أي السبل نسلك على الله؟ لأن الشيطان يسول للناس أن طريق الهداية والالتزام والتدين والاستقامة طريق شائك وطريق صعب، ولا يمكن أن يسير فيه أحد، وأنه طريق معتم ومظلم، والحقيقة عكس ذلك، الطريق إلى الله من أسهل الطرق، يقول الرسول ﷺ : (وإنه ليسير على من يسره الله عليه) اللهم يسره علينا يا رب العالمين! طريق سهل ممهد مضاء واضح، كما سمعتم في خطبة الشيخ سعد كالمحجة البيضاء -المحجة: هي الطريق الواضح- ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، هذا الطريق -طريق الجنة، طريق الإيمان، طريق الهداية، طريق الالتزام- له أربع مسارات، وله أيضاً قبل ذلك ثلاث خطوات:
стр. 2839
الخطوة الأولى: تصحيح الماضي بالاستغفار
أول خطوة: تصحيح الماضي: حتى نربط بين ما قيل وبين ما سيقال، حتى لا يفوت الإخوة الذين جاءوا شيئاً نقول: إن طريق الجنة طريق السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة عبر أربع مسارات، مسارين موجبين للجنة، ومسارين في عكس الاتجاه مانعين من الجنة ومؤديين إلى النار، وقبل السير هناك ثلاث خطوات يجب أن يتخذها الإنسان وهي: أن الإنسان بين ماض ومستقبل وحاضر أليس كذلك؟ هل في الزمن شيء غير الماضي والحاضر الذي فيه الإنسان والمستقبل؟ لا يوجد شيء غير هذا.
ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها
فالماضي: حياتك التي أمضيتها في السابق المملوءة بما ملئت به من خير أو شر، إذا أردت السير في طريق الله فينبغي قبل كل شيء أن تصحح الماضي، ومن رحمة الله ﵎ أن جعل تصحيح الماضي من أيسر السبل ومن أسهل الإمكانات، ولا يكلف الإنسان شيئاً أبداً إلا عملاً لسانياً وعملاً قلبياً: فالعمل القلبي: وهو العزم على التوبة.
والعمل اللساني: وهو أستغفر الله وأتوب إليه هل يعجز الواحد أن يستغفر ويتوب من المعاصي من الجرائم من الذنوب من الزنا من الخمور من اللواط من الغناء من الفجور من أي عمل قد عملت من الشرك من قطع الصلاة، أي مهلكة أي جريمة؟ الله يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٣ - ٥٤] فإذا أناب الإنسان إلى الله، وأسلم لله، ووجه وجهه إلى مولاه، فإن الماضي كله يغفر: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠].
فهل في الاستغفار وتصحيح الماضي فيه صعوبة؟ لا.
لا يوجد أحد يقول: لا والله لا أستطيع أن أستغفر، إلا إذا كان لا يريد أن يستغفر ويظل عاصياً، ويريد أن يبقى عدواً لنفسه عدواً لدينه عدواً لرسوله عدواً لكتابه عدواً لمولاه هذا هالك خاسر لا خير فيه، لا تحزن عليه واتركه، لا تتصور أنه يعادي الناس أو يعادي القبيلة بل إنه يعادي نفسه فيهلكها ويوردها موارد الدمار، يوردها في النار، ثم يقول: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٧ - ١٢٨] ﴿فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ * نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان:٢٣ - ٢٤] ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣] ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف:٨٣].
стр. 2840
الخطوة الثانية: إصلاح المستقبل بالنية الطيبة
هذا الذي يرفض ولا يريد أن يستغفر أو يتوب لا تحزن عليه: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥ - ٢٦] دعه يلهو دعه يلعب دعه يغني دعه يسهر دعه يسكر دعه يفجر لكن من أين الطريق؟ هل توجد طريق غير طريق الله؟ هل يستطيع أن يمتنع إذا دعاه داعي الله؟ إذا تخلى عنه الرجال، وتخلت عنه الأموال والأولاد، وتخلت عنه المناصب، من يمنعه من الله؟ من يمنعه من رب العالمين؟ وهناك يقبض الله عليه قبضة لا يفلته إلا في النار، هذا ليس فيه حيلة، فالله يقول: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٤٠ - ٤١] مهما خوفته لا يخاف؛ لأن الله يقول: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَاناً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٦٠] مهما رغبته في رحمة الله وفتحت له الآيات الساطعات الواضحات، يقول الله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام:٢٥] ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [الأعراف:١٤٦].
هؤلاء ما عندهم قابلية للسير في طريق الله، لا يريدون أصلاً هداية الله، فهؤلاء يقول الله ﵎ فيهم: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [الحجر:٨٨] أي: اتركهم والمرجع إلينا.
لكن شخص يقول: أريد أن أرجع يا رب إليك، وأريد أن أتحول بقلبي وقالبي إليك، فكيف الطريق؟ نقول له: الطريق سهل، الماضي تمحوه بالاستغفار، والمستقبل تصلحه بالنية الطيبة، وهل في أن تنوي النية الطيبة تعب عليك؟ ليس هناك تعب أن تنوي وتعقد العزم في المستقبل أن لا تعمل سيئاً، ولا تترك لله طاعة، هذه النية خير من عملك، بحيث أنك لو مت فكل هذه النية الطيبة الله يكتبها لك.
следующие страницы →