Полный текст (2 982 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
نصيحة لمن انقطع عن الدروس والمحاضرات في الدراسة النظامية
السؤال
أحد الإخوة يعاتبني كثيراً ويقول: إنني انقطعت عن الدروس والمحاضرات في هذه المدينة، يقول: وهذا شيء أثر على الشباب وهم غاضبون جداً وينصحني بألا أواصل الدراسة وأن أرجع وأقطع الدراسة؟
الجواب
جزاه الله خيراً وجزى الله الإخوة خيراً على هذا الكلام، ولكني أقول له: إن الدراسة كلها خير، وطلب العلم -كما تعرفون- فضيلة، واطلبوا العلم من المهد إلى اللحد، وقد وجدت متعة في طلب العلم، وأسأل الله أن يعينني على إنهائه وسواء كنت هنا أو هناك فالإنسان سيكون له عمل في أي مجال وأي مكان، والساحة -والحمد لله- مملوءة بالدعاة والعلماء في هذه المنطقة، وسأعود قريباً بإذن الله، أما أني أترك العلم فهو ليس شيئاً عاطفياً أو جاء من فراغ، إنما شيء جاء بعد دراسة وتصميم وقدمت فيه تضحيات حتى إني خرجت من وظيفتي وتركت عملي الوظيفي حتى أتفرغ للدراسة؛ لأن هذا شيء مهم جداً، ووجدت فيه مصلحة وفائدة كبيرة جداً.
أسأل الله أن ينفعني وإياكم بما نقول، وبما نسمع وبما نتعلم، إنه على كل شيءٍ قدير.
стр. 2837
كيف ندعو إلى الله ؟
إن الله خلق الجنة والنار، وجعل لكل واحدة منها طرقاً موصلة إليها، فالجنة لها طرق ومسارات إذا بحث عنها الإنسان وسار عليها بلغ مقصده، والنار لها طرق ومسارات؛ فإذا أعرض الإنسان عن الله وجنته والطرق الموصلة إليها سار في طرق الشيطان والنار والعياذ بالله، ومن الأسباب المؤدية لدخول الجنة الدعوة إلى الله، مع الأخذ بالرصيد الكافي من العلم الشرعي، والصبر على ما يعرض للمرء في طرق الدعوة.
стр. 2838
خطوات في اختيار الطريق إلى الجنة
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله على نعمه وآلائه التي لا تحصى ولا تعد، له الحمد ﵎، وله الفضل والمنة، له الحمد بالإسلام، وله الحمد بالإيمان، وله الحمد بالقرآن، وله الحمد بكل نعمة أنعم بها علينا من قديم أو حديث، أو سر أو علانية، أو حي أو ميت، أو شاهد أو غائب، له الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: فضيلة مدير المعهد أيها الإخوة الكرام المشرفون على برنامج التوعية في هذه المؤسسة العلمية أيها الإخوة الطلاب الذين حرصوا على الحضور في هذا اللقاء المبارك، الذي لم أكن قد تهيأت له بالمادة العلمية التي تليق به، على اعتبار أنه لقاء أخوي فقط، وليست محاضرة أو كلمة، وإن كنت لست من فرسان هذه الميادين، وقد أنفع في مجال ولا أنفع في مثل هذا المجال أمام العلماء، وأمام طلبة العلم المتقدمين في العلم والسن؛ ولكن قِدتُ إليه فنسأل الله أن يعينني وإياكم.
هذه الدنيا أو هذه الحياة -أيها الشباب- ورطة، من خلق فيها فقد ورط، ولا مخرج له من هذه الورطة إلا باللجوء إلى الله، يقول الله : ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠ - ٥١].
الورطة: هي المهلكة والابتلاء والمحنة والفتنة، الله يقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف:٧] ويقول : ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] أي: ليختبركم وليوجدكم على مسرح هذه الحياة من أجل الافتتان، ومن أجل الابتلاء والاختبار؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينة.
لم يؤخذ لنا رأي في قضية وجودنا في هذه الحياة، هل أخذ رأي أحدنا؟ لا.
خلقنا رغم إرادتنا، ولم يؤخذ لنا رأي في قضية انتقالنا من هذه الحياة، ولو أخذ لنا رأي ما كان أحدنا يريد أن يموت؛ لأن الإنسان يكد ويتعب ويحصل ويتوظف ويبني ويتزوج ويصير له أولاد، فإذا صلحت له الدنيا من كل جانب جاء الموت ليشطبها من كل جانب.
لهوت وغرتك الأماني وعندما أتمت لك الأفراح فوجئت بالقبر
فليس لنا رأي في المجيء، وليس لنا رأي في الانتقال، وإنما نحن مطلوب منا أن نعمل في هذه الدنيا عملاً صالحاً، والله سيجازينا في الآخرة على ضوء ما نعمل في هذه الحياة، فالذي يريد أن يخلِّص نفسه من الورطة، والذي يريد أن يخلِّص نفسه من هذه الفتنة ومن هذا الابتلاء ليس له مجال ولا طريق إلا باللجوء إلى الله؛ لأنه سيقدم على الله شاء أم أبى، وستكون له المعاملة في الآخرة على ضوء معاملته لله في هذه الدنيا.
إذا كنت في الدنيا كما يريد الله، كان الله لك في الآخرة كما تريد، وإذا كنت في الدنيا بعكس مراد الله، كان الله لك بعكس مرادك في الدار الآخرة، وأنت الآن تكسب وتعمل، وسوف ترحل وتقدم على الله، وتجيء بشيء مثقل إما بالحسنات أو بالسيئات، والله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٨٩ - ٩٠] ويقول في آية أخرى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام:١٦٠].
فأنت الآن تحصد وتعمل، سواء تعمل في طريق الخير أو في طريق الشر، والناس مذ خلقوا ووطئوا هذه الأرض وهم مسافرون، وما من يوم يمر ولا شهر ينتهي ولا سنة تتبدل إلا وأنت تقطع بهذه السنة وبهذا الشهر؛ وبهذا اليوم وبهذه الساعة وبالدقيقة مرحلة من مراحل عمرك إلى الله وإلى الدار الآخرة، وهذه اللحظة أو هذا اليوم أو هذا الشهر فيه عمل.
هل يستطيع الإنسان أن يقف على عجلة الزمن فلا يعمل لا عملاً صالحاً ولا عملاً سيئاً؟ لا.
فلا بد من عمل؛ لأنه بين أمر ونهي، وبين طاعة ومعصية، وبين استجابة لله واستجابة للشيطان، فإذا استجاب لله لم يستجب للشيطان، إذا رفض أمر الله استجاب للشيطان، إذا أمره الله بالصلاة وقام إلى الصلاة أطاع الله، وإذا أمره الله بالصلاة ولم يقم قام الشيطان بدعوته إلى النوم وترك الصلاة، فترك الصلاة فأطاع الشيطان، فهو بين أمر الله أو نهيه، وبين أمر الشيطان أو نهيه.
وهو يستجيب إما لهذا وإما لهذا، وتنتقل الساعة والشهر واليوم والسنة، وهو يملأ هذه الخزائن بهذا العمل، ثم يقدم على الله ﵎، وهناك يجازى على ضوء ما سبق أن قدم وعلى ضوء ما سلك في هذه الدنيا، هذه قضية ليس فيها جدال بين أهل العقول.
لكن لسائل أن يقول: كيف الطريق إلى الله؟ ومن أي السبل نسلك على الله؟ لأن الشيطان يسول للناس أن طريق الهداية والالتزام والتدين والاستقامة طريق شائك وطريق صعب، ولا يمكن أن يسير فيه أحد، وأنه طريق معتم ومظلم، والحقيقة عكس ذلك، الطريق إلى الله من أسهل الطرق، يقول الرسول ﷺ : (وإنه ليسير على من يسره الله عليه) اللهم يسره علينا يا رب العالمين! طريق سهل ممهد مضاء واضح، كما سمعتم في خطبة الشيخ سعد كالمحجة البيضاء -المحجة: هي الطريق الواضح- ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، هذا الطريق -طريق الجنة، طريق الإيمان، طريق الهداية، طريق الالتزام- له أربع مسارات، وله أيضاً قبل ذلك ثلاث خطوات:
стр. 2839
الخطوة الأولى: تصحيح الماضي بالاستغفار
أول خطوة: تصحيح الماضي: حتى نربط بين ما قيل وبين ما سيقال، حتى لا يفوت الإخوة الذين جاءوا شيئاً نقول: إن طريق الجنة طريق السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة عبر أربع مسارات، مسارين موجبين للجنة، ومسارين في عكس الاتجاه مانعين من الجنة ومؤديين إلى النار، وقبل السير هناك ثلاث خطوات يجب أن يتخذها الإنسان وهي: أن الإنسان بين ماض ومستقبل وحاضر أليس كذلك؟ هل في الزمن شيء غير الماضي والحاضر الذي فيه الإنسان والمستقبل؟ لا يوجد شيء غير هذا.
ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها
فالماضي: حياتك التي أمضيتها في السابق المملوءة بما ملئت به من خير أو شر، إذا أردت السير في طريق الله فينبغي قبل كل شيء أن تصحح الماضي، ومن رحمة الله ﵎ أن جعل تصحيح الماضي من أيسر السبل ومن أسهل الإمكانات، ولا يكلف الإنسان شيئاً أبداً إلا عملاً لسانياً وعملاً قلبياً: فالعمل القلبي: وهو العزم على التوبة.
والعمل اللساني: وهو أستغفر الله وأتوب إليه هل يعجز الواحد أن يستغفر ويتوب من المعاصي من الجرائم من الذنوب من الزنا من الخمور من اللواط من الغناء من الفجور من أي عمل قد عملت من الشرك من قطع الصلاة، أي مهلكة أي جريمة؟ الله يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٣ - ٥٤] فإذا أناب الإنسان إلى الله، وأسلم لله، ووجه وجهه إلى مولاه، فإن الماضي كله يغفر: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠].
فهل في الاستغفار وتصحيح الماضي فيه صعوبة؟ لا.
لا يوجد أحد يقول: لا والله لا أستطيع أن أستغفر، إلا إذا كان لا يريد أن يستغفر ويظل عاصياً، ويريد أن يبقى عدواً لنفسه عدواً لدينه عدواً لرسوله عدواً لكتابه عدواً لمولاه هذا هالك خاسر لا خير فيه، لا تحزن عليه واتركه، لا تتصور أنه يعادي الناس أو يعادي القبيلة بل إنه يعادي نفسه فيهلكها ويوردها موارد الدمار، يوردها في النار، ثم يقول: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٧ - ١٢٨] ﴿فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ * نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان:٢٣ - ٢٤] ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣] ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف:٨٣].
стр. 2840
الخطوة الثانية: إصلاح المستقبل بالنية الطيبة
هذا الذي يرفض ولا يريد أن يستغفر أو يتوب لا تحزن عليه: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥ - ٢٦] دعه يلهو دعه يلعب دعه يغني دعه يسهر دعه يسكر دعه يفجر لكن من أين الطريق؟ هل توجد طريق غير طريق الله؟ هل يستطيع أن يمتنع إذا دعاه داعي الله؟ إذا تخلى عنه الرجال، وتخلت عنه الأموال والأولاد، وتخلت عنه المناصب، من يمنعه من الله؟ من يمنعه من رب العالمين؟ وهناك يقبض الله عليه قبضة لا يفلته إلا في النار، هذا ليس فيه حيلة، فالله يقول: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٤٠ - ٤١] مهما خوفته لا يخاف؛ لأن الله يقول: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَاناً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٦٠] مهما رغبته في رحمة الله وفتحت له الآيات الساطعات الواضحات، يقول الله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام:٢٥] ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [الأعراف:١٤٦].
هؤلاء ما عندهم قابلية للسير في طريق الله، لا يريدون أصلاً هداية الله، فهؤلاء يقول الله ﵎ فيهم: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [الحجر:٨٨] أي: اتركهم والمرجع إلينا.
لكن شخص يقول: أريد أن أرجع يا رب إليك، وأريد أن أتحول بقلبي وقالبي إليك، فكيف الطريق؟ نقول له: الطريق سهل، الماضي تمحوه بالاستغفار، والمستقبل تصلحه بالنية الطيبة، وهل في أن تنوي النية الطيبة تعب عليك؟ ليس هناك تعب أن تنوي وتعقد العزم في المستقبل أن لا تعمل سيئاً، ولا تترك لله طاعة، هذه النية خير من عملك، بحيث أنك لو مت فكل هذه النية الطيبة الله يكتبها لك.
стр. 2841
الخطوة الثالثة: إصلاح الحاضر بفعل الأوامر وترك النواهي
وماذا بقي معك بعد الماضي والمستقبل؟ بقي الحاضر الذي نعنيه الآن، ما من لحظة تمر عليك الآن إلا ولله أمر ونهي عليك، اجتهد أن تنفذ الأمر وتترك النهي فقط، إذا أمر الله بالصلاة تصلي، إذا أمر الله بالصوم تصوم، إذا أمر الله بالحج تحج، إذا كنت صاحب مال وأمر الله بزكاته فزك، ثم ماذا بعد؟ نهى الله عن النظر إلى الحرام فلا تنظر إلى الحرام نهى الله عن سماع الغناء والحرام فلا تسمع نهى الله عن الغيبة والنميمة فلا تغتب ولا تنم نهى الله عن البطش باليد في الحرام فلا تبطش بيدك حراماً نهى الله عن أن تسعى بقدمك إلى الحرام فلا تمش لماذا؟ أنت مقيد، أنت عبد رباني تسير على نور من الله أنت تنظر بالله وتسمع بالله وتتكلم بالله وتبطش بالله وتمشي بالله لأنك عبد مع الله نور الله قلبك فتح الله بصيرتك ربطك به لست عبداً حيوانياً لست عبداً شهوانياً لست إنساناً شيطانياً لست عبد هواك ولا عبد شيطانك لا.
أنت إنسان تسير في الأرض ومعلق بالسماء: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٢] ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢] ليس هذا كهذا أبداً.
هذه هي المراحل الثلاث التي تصلحها أيها الشاب قبل الهداية: أن تصلح الماضي بالاستغفار، وتصلح المستقبل بالنية الحسنة، وتصلح الحاضر بالعزم على أنك لا تعصي الله فيه، ولا ترتكب معصية ولا تترك لله فيه طاعة.
стр. 2842
الطريق إلى الجنة تمر عبر مسارات
أما الطريق فكما يوضحها الشيخ: أبو بكر الجزائري في رسالة له، يقول: الطريق بالنسبة للجنة سهلة جداً، فهناك أربعة مسارات: اثنين في اتجاه الجنة، واثنين في اتجاه النار، الذي في اتجاه الجنة طريق واضح أبيض، محجة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فيها مساران لا بد من السير فيهما:
стр. 2843
المسار الأول: الإيمان بالله
المسار الأول: اسمه مسار الإيمان.
المسار الثاني: اسمه مسار العمل الصالح.
ولذلك قرن الله بين المسارين في كل القرآن: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء:٢٢٧] ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [سبأ:٣٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧] المهم أنه لا يمكن أن تصل إلى الجنة إلا إذا سرت في المسارين، خطوة في الإيمان وخطوة في العمل الصالح، لكن إيمان بدون عمل صالح كذب وادعاء، الذي يقول: إنه مؤمن ولا يعمل عملاً صالحاً هذا مدعٍ، ما أقام على صدق دعواه وإيمانه برهاناً ودليلاً، من انقياده وطاعته لله وبعده عن معصية الله، وعمل صالح بغير إيمان لا يقبله الله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] لا بد من اقتران الإيمان بالعمل الصالح.
وهذا الطريق طريق الإيمان واضح جداً.
أولاً: لنعتقد جازمين ومعنى: نعتقد أي: نجزم ونؤمن في أعماق نفوسنا لا في مخيلاتنا، وانتبه: الإيمان السطحي الذي لا يغير من سلوكك ولا يبلغ حد الجزم في نفسك، ولا يدخل إلى أعماق نفسك، ولا يترجم هذا إلى الانقياد والإذعان والخضوع لمولاك وخالقك، ولا تظهر منه حرارة وجدانية، والتهاب وتحرك في قلبك على دينك وعلى عقيدتك وعلى خوفك من الله، هذا ليس بإيمان، هذا يسمى فكرة أو رأياً أو أي كلام، إنما الإيمان أن يدخل قلبك، ويستقر في أعماق نفسك هذا هو المؤمن.
فلتعتقد أولاً جازمين: أن الخالق لهذا الكون ولهذا الإنسان ولكل من على وجه البسيطة هو الله الذي لا إله إلا هو، وأنه المدبر، وأنه الرازق، وأنه هو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى هذه أول قضية.
ولنعتقد بعد ذلك: أنه ما دام هو الخالق لوحده فيجب أن يكون هو الآمر لوحده: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] لا يصلح أن الله يخلق وغيره يأمر، هذا شرك لا يصح، فما دام أنه الخالق وحده فيجب أن يكون هو الآمر وحده، فإذا أمر غير الله بأمر يناقض ويصادم ويرد أمر الله، فيجب أن يرفض المسلم أمراً يتناقض مع أمر الله؛ لأنه: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) فالأمر الأول والأخير لله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠].
هذه قضيتان: القضية الأولى: أن الخالق للكون وللإنسان والعوالم سفليها وعلويها، ليلها ونهارها، شمسها وقمرها، أشجارها وجبالها، أنهارها وبحارها، كل من على وجه البسيطة، هو الله: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] ما من مخلوق في الكون من الذرة إلى المجرة، إلا وهو على هداية من الله، وقد درستم في العلوم: أن الذرة هي أصغر جزيء في المادة، أي: أن كل مادة من مواد هذا الكون لها ذرات، الحديد له ذرة، الألمنيوم له ذرة، البلاستيك له ذرة، الخشب له ذرة، الطين له ذرات هذه مواد، الذرة هي أصغر جزء، وما هي الذرة؟ الذرة لو أتيت بقطعة سكر وسحقتها في المهراس أو طحنتها في مكينة القهوة حتى صيرتها مثل البودرة، ثم أخذت واحدة من هذه البودرة (واحدة صغيرة ما تراها أنت) وجعلتها على رأس دبوس مثلاً وأدخلتها في المجهر (الميكروسكوب) (المجهر الإلكتروني الحديث) الذي يكبر ثلاثة ملايين مرة، يجعل من (المليمتر) ثلاثة كيلو، (المليمتر) الذي هو واحد على عشرة من (السنتيمتر) وتضع هذه الذرة ثم تنظر فيه إلى الذرة وترى في هذه الذرة عالماً، كاملاً مكوناً من حركة، فيه نواة في الوسط يسمونها النيترون، وفيه شحنة كهربائية سالبة، وفيه حول هذه النواة والنيترون إلكترونات، هذه الإلكترونات تدور باستمرار بعكس اتجاه الساعة، تدور مثل دوران المعتمر والحاج حول الكعبة.
لما تأتي لتطوف فإنك تجعل الكعبة على يسارك وتطوف، بينما الساعة تدور عكس ذلك، الآن هذه النواة تدور مثلما يدور الطائف، وكل مادة فيها إلكترونات تختلف عن المواد الأخرى، فمثلاً: الإلكترونات في الحديد ثلاثة عشر إلكترون في كل نواة، إلكترونات النحاس ستة عشر إلكتروناً في كل نواة، الإلكترونات في الألمنيوم عشرون إلكتروناً، الإلكترونات في اليورانيوم ثلاثة وخمسين إلكترون، وكلما زادت الإلكترونات في هذه الذرة كان هذا العنصر أو هذه المادة أقدر على نقل الشحنة الكهربائية، وكلما قلَّت هذه الإلكترونات كلما كانت هذه الحركة والقدرة على نقل القوة الكهربائية والشحنة الكهربائية غير قوية بمعنى: أن هناك تعادلاً كهربائياً بين الشحنة السالبة الموجودة في الإلكترونات والشحنة الموجبة الموجودة في النواة، فإذا تخلخل هذا التعادل حصل انفجار، وما تسمعون عنه الآن من تفجير الذرة، ما هو تفجير الذرة؟ تفجير الذرة هو خلخلة النظام والتعادل الكهربائي بين الإلكترونات وبين النواة، وجاءوا طبعاً بأغلى مادة يوجد فيها أكثر عدد من الإلكترونات وهي اليورانيوم، واليورانيوم معدن غالي الآن، ومنه تصنع القنبلة الذرية.
هذا اليورانيوم استطاعوا أن يشحنوا ذراته، واستطاعوا أن يفصلوا هذه الشحنات الموجودة -السالبة والموجبة- يحصل من هذا الانفصال تفجير، وبقدر قوة وعدد الإلكترونات والذرات يحصل قدرة التفجير، هذه الذرة عالم! من المجرة إلى أعلى شيء في الكون وهي المجرات التي تتكون منها المجموعات الشمسية.
كل شيء في هذا الكون خلقه الله وأعطاه الهداية، وأعطاه القدرة على أن يسير في الخط الذي رسمه له الله، ولا تتصوروا أن الحيوانات والطيور والحشرات تعيش هكذا من غير نظام لا.
هذه عوالم لها أنظمة لها سنن لها قوانين لها أحكام لها شرائع تعرفون وتسمعون النملة التي مر عليها سليمان ودخل وادي النمل: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾ [النمل:١٨] واحدة من النمل رأت الوفد والموكب آتياً، فخشيت أن يتعرض هذا الخلق للإبادة؛ نظراً لأنه لم يعد يراهم، أنت عندما تمشي في الطريق لا تنظر في الأرض حتى ترى النمل الصغير، فلما رأته قامت هي ونادت وقالت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨].
يقول المفسرون: إنها نادت وأمرت ونهت وحذرت واعتذرت فنادت قالت: (يا أيها النمل) وأمرت: (ادخلوا مساكنكم) ونهت وحذرت فقالت: (لا يحطمنكم سليمان وجنوده) واعتذرت، قالت: (وهم لا يشعرون) لا يدرون، لا يرونكم! هذه هل عندها عقل أم ليس عندها عقل؟! عندها عقل.
يذكر ابن القيم ﵀ في كتاب له اسمه " مفتاح دار السعادة " يقول: إن رجلاً كان في سفر، وفي الطريق مر على شجرة، فجلس تحتها يستظل، وبينما هو مستظل إذا بمجموعة وقوافل من النمل تمشي، يقول: ونملة من النمل خرجت من السير ورأت لها رجل جرادة فأرادت أن تحمله ليكون لهم غذاء، يمكن أن يعيش عليه النمل شهراً، فحاولت حمله من كل جانب فلم تستطع، فتركته ورجعت إلى الخط العام، وأمسكت لها ست نمل من جماعتها، فأخبرتهن فجئن إليها.
يقول: لما رأى الست نملات قام وحمل رجل الجرادة، وفي المنطقة نفسها بحثت النمل فلم تجد رجل الجرادة؛ فاعتذرت منهن وودعتهن فرجعن، ولما دخلت النمل في الخط العام رجعت في رحلتها فوضع الرجل في مكانها؛ فلما جاءت ورأتها رجعت بسرعة لتستدعي النمل، فقالت: ارجعوا! فرجع النمل فقام هذا الإنسان وأخذ رجل الجرادة (منكد هذا الإنسان!) ينكد على هذه الضعيفة، فاعتذرت منهن، وقالت: الحقيقة أنا وجدتها لكن لا أدري أين ذهبت! فسامحنها في المرة الثانية ورجعن، ولما رجعت وضعها مرة ثالثة، فلما رأتها جاءت مسرعة جداً ودعت الست نملات، فرجعن معها ولكنه أخذها للمرة الثالثة، فلما أتت النمل في المرة الثالثة ولم تجدها مباشرة أحطن وأمسكن بها انتهى الأمر مقبوض عليها! هذه كذابة! هذه تقدم معلومات غير صحيحة وغير دقيقة تكذب على الأمة! فما الذي حصل؟ أخذتها مجموعة النمل حتى أتت إلى الخط العام، فوقفت على الخط وأعلنت حالة تنفيذ حكم واحد على هذه الكذابة، وقام النمل كله وتجمع من أول الطريق ومن آخر الطريق وعمل دائرة وأخذوها ووضعوها في الوسط ثم انقضوا عليها من كل جانب وقطعوها قطعة قطعة هذا نظام أم ليس بنظام؟! عالم النحل -تعرفون النحل- كيف هذا العالم الدقيق؟ كل مخلوق وكل موجود من الذرة إلى المجرة، كله يمشي وفق الاتجاه الذي خلقه له الله تعالى من أجله، فيجب أن تعتقد أنت عقيدة جازمة، أن الله هو خالق كل شيء؛ لأن الله يقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢] متصرف، مالك الملك، مالك كل شيء، له الأمر ﵎ من قبل ومن بعد هذه الأولى.
الثانية: أن تعتقد أنه ما دام أنه الخالق لوحده، فيجب أن يكون هو الآمر لوحده ولا ينازع في أمره.
الثالثة: أن حكمة الله اقتضت إرسال الرسل لبيان مراد الله، فقال: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥].
فاقتضت حكمة الله أن يرسل الرسل، وأن ينزل عليهم الكتب، من أجل بيان الطريق إلى الله ﵎، وهذا الطريق بدأه من الأنبياء نوح ﵇، وختم بمحمد ﷺ ، ثم ختم بالكتاب الكريم المهيمن وهو القرآن العظيم الذي فيه كل شيء: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨].
وتضمن الكتاب الكريم الشريعة والعقيدة، وتضمن الإيمان كله مع أركانه: الإيمان بالله الإيمان بالكتب الإيمان بالرسل الإيمان بالملائكة الإيمان بالبعث بعد الموت الإيمان بالقدر خيره وشره من الله الإيمان بالجنة الإيمان بالنار الإيمان بالحوض الإيمان بالصراط الإيمان بالميزان الإيمان بالقبر الإيمان بكل المغيبات التي أخبر بها
стр. 2844
المسار الثاني: العمل الصالح
وبعد الإيمان الطريق الثاني وهو العمل الصالح الذي هو ممثل في الشريعة، فلنصل الصلوات الخمس بكمال الطهارة والخشوع والخضوع في جماعة المسلمين، ولنؤد الزكاة، ولنصم رمضان، ولنحج البيت الحرام، ولنقرأ القرآن، ولندع إلى الله، ولنأمر بالمعروف، ولننه عن المنكر، ولنتعلم دين الله؛ لأن هذه رسالة الرسول ﷺ ونحن ورثته: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨].
ولكن "على بصيرة" هذه كلمة مهمة؛ لأن من الناس من يدعو إلى الله على غير بصيرة فيعميها، يريد أن يكحلها فيعميها، والبصيرة: هي الفقه في الدين والفهم لسنة النبي ﷺ ، وأسلوبه وهديه في الدعوة، هدي الرسول ﷺ واضح، وهو: الحكمة واللين، وعدم العنف، والصبر، والتؤدة، لكن القسوة والعنف والشدة والمضاربة هذه ما تؤدي إلى دعوة، تؤدي إلى ردود فعل تجعل الناس أعداءً للدين، حتى في بيتك أنت الآن عندما تأتي وأنت مستقيم ملتزم متدين وتريد الهداية، تدخل البيت وربما تجد أشياء لا تحبها، وتجد أنها مغايرة ومناقضة لما ينبغي أن يكون.
وتريد أن تغير الوضع في البيت بمجرد قلم منك، فتقوم بالصياح على أبيك وأمك وعلى إخوانك، وتظن بهذا أنك تدعو إلى الله! ليس هذا أسلوب الدعوة، أنت بهذا الأسلوب عندما تقف بقوة وبعنف وبمجابهة مع أمك وأبيك وإخوانك تضطرهم إلى أن يقفوا ضدك، ويكرهوك ويكرهوا دعوتك ودينك، وبالتالي يعادونك، وأي شيء يرون أنه يغيظك يعملونه بدلاً من أن يكونوا أنصاراً لك على الخير وأعواناً على الدين.
أذكر لكم قصة لشاب من الشباب الطيب عمره ست عشرة سنة -وقد هداه الله ووفقه- ولكنه مسكين بحكم عدم السعة بالعلم، دخل إلى البيت وأخذ يغير من قريب ومن بعيد، ويخاصم، ويصيح على أمه وأبيه وإخوانه المهم أن أمه ضجرت منه وتصدت له، وأصبحت تبحث عن كل شيء يغيظه تفعله قال لها: لا تخرجي إلى السوق، قالت: لا.
والله سأخرج.
وكانت تخرج إلى السوق وهي متغطية فأصبحت تخرج وهي كاشفة! إذا دخل ورأته وكان الراديو مغلقاً ترفع الصوت جداً، وتقول: إن كنت رجلاً تعال وأغلقه، وإذا اقترب منها ضربته بالعصا المهم صارت تعاديه في كل شيء، وأخيراً اضطر المسكين إلى أن يخرج من البيت، والخروج من البيت هدف من أهداف الشيطان من أجل زعزعة كيان الأسرة وفك رباطها، وفي نفس الوقت إظهار أنك -ما شاء الله- تحب في الله وتبغض في الله، وكنت فاشلاً في دعوتك مع أرفق الناس بك أمك وأبيك، فأعلنت التمرد عليهم والسلبية.
وهذه طريق سهلة يستطيع كل واحد أن يعملها: أن أترك أهلي وأذهب لأقعد في المسجد هذه سلبية، الإيجابية أنني أستطيع أن أصلح هذه الأم، وأن أصلح هذا الأب وأصلح الإخوان، فبم أصلحهم؟ بالصبر بالأسلوب بالحكمة أصبر عليهم ولا أجادلهم، حتى ولو أراهم على المنكرات، أنا نفسي آخذ بالكمال أنا نفسي كإنسان ملتزم لا أسمع حراماً لا أمشي في الحرام لا آكل الحرام لا أسهر على حرام آخذ نفسي بكل كمال لكن غيري آخذهم بالقوة؟ كلا.
كلا، بل آخذهم باللين، والذي يطيعني الله يحييه والذي لا يطيعني الله يجزيه الخير أدعو له في الليل والنهار.
أما أن الذي يطيعني الله يحييه، والذي لا يطيعني الله يلعنه، والله لا يُرد عليه إلا بقول: هذا خبيث، هذا ليس فيه خير، وأبغضه وأخاصمه.
سبحان الله! أنت كنت من قبل هكذا، أنت متى اهتديت؟ بعض الشباب ليس له سوى شهرين أو ثلاثة أو أربعة أو سنة، حسناً أنت كنت ضالاً، لو أنه جاء أحدهم وأنت عاصٍ وضال وجاءك بهذا الأسلوب، بالله كيف يكون وضعك؟ أكنت تطيعه أو تضاربه؟ تضاربه رأساً، وتقول له: اذهب يا شيخ وريحنا منك لكن ربي هداك، ولهذا يقول الله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيكُم﴾ [النساء:٩٤] الله منَّ عليك بالهداية فارحم هؤلاء الناس.
فهذا الشاب يقول: بعدما تعب منها خرج، وجاءني يشكو عليَّ، فلما شكا عليَّ قلت له: يا أخي أنت أخطأت، حقيقة أنت السبب في فساد أمك، أمك طيبة وصالحة، ولكن أسلوبك هو الذي أفسدها، وعليك أن تصلح ما أفسدت.
قال: كيف أصلح ما أفسدت؟ قلت له: ارجع إلى البيت.
قال: كيف أرجع والمنكرات؟ قلت له: في غرفتك لا تسمع المنكرات ولا تنظر إلى المنكرات، لكن لا تقل لهم شيئاً، جئت وهم على المنكرات دعهم، أمك تريد أن تخرج إلى السوق اذهب معها، يقول الله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت:٨] لكن: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] فأنت في نفسك لا تطعهم في المعصية لكن دعهم على ما يريدون وتدرج رويداً رويداً.
اغتنم الفرص، اهتم بالمناسبات، استغل الأوقات التي يكون فيها يقظة عندهم مثل الوفاة، مثل المرض، مثل الموعظة، عظهم بكلمة، لا تعطهم الكثير، بل مثل المريض، الآن المريض إذا أتيت عليه وهو مريض سوف يموت هل تفتح فمه وتدخل الأرز غصباً؟ هو لا يريد الزاد، هو مريض الآن، تأتي له بالأرز واللحم وتأتي له بالإدام والفاكهة، وتقول له: كل.
يقول: لا والله.
فماذا يحصل؟ ماذا تقول له؟ تقول له: من فضلك، لأجل خاطري، هذه الملعقة فقط، والله إذا لم تأكل الزاد لن آكل ولن أتغدى، أكرمني هذه المرة، فيقول: يا ولدي أنا لا أريد أن آكل، أو تقول أمك -إذا كبرت-: يا ولدي أنا لا أريد أن آكل، يا ولدي أنا مريضة، فتقول: لقمة فقط، فتقول: هات هذه اللقمة، وتأكلها بغصب.
أو أنك تقول: لا والله لا بد أن تأكل غصباً عنك، ثم تأخذ وتمسك لحيته من فوق ومن تحت ثم تأتي بالصحن وتصبه! لو فعلت هذا ماذا يحصل؟ ماذا يقول لك أبوك أو أمك؟ يقول: الله لا يكثر خيرك، ولا يجمل حالك أنت ولا زادك، لا أريد الزاد بهذه الطريقة، أكثر الشباب الآن لا، يريد أن يغصب أمه أو أباه ويدحس الدين دحساً في قلوبهم، اسمعي اسمعي، خذي حتى تكرهك، وتقول: اتركنا منك ومن كتبك وأشرطتك ودينك يا أخي! هذا الأسلوب ليس من أساليب الدعوة، الأسلوب يكون باللين، تأخذها مرة بالسيارة وتسمعها شريطاً، إذا قالت: أغلق، تقول: طيب.
فقال لي هذا الرجل: والآن ماذا أفعل؟ فقلت له: الآن اذهب إلى البيت وثلاثة أشهر لا تقل لها ولا كلمة، إلا عندما تحييها في الصباح وفي المساء، وتسلم على يدها ورأسها، وتقبلها، وتطيعها، ولا تغير منكراً، قال: طيب، جزاك الله خيراً.
ذهب الرجل ثلاثة أشهر وهو مثل العسل في البيت، جالس معهم في البيت، وأي طلب يرسلونه يذهب هو، وكان في السابق لا يدخل البيت وإنما يبقى مع الإخوان في الله، مع الزملاء، لا يشتري لأهله شيئاً ولا ينفعهم بشيء، لكن الآن عندما ذهب وأصبح موجوداً باستمرار، أي طلب إلا وهو الأول؛ أحبوه فهو معهم موجود في البيت.
بعد ثلاثة أشهر قالت الأم: تعال يا ولدي -الله يوفقك- الحمد لله الذي هداك -انظر اعتبرت سكوته هداية على مفهومها هي- ماذا بك؟ فقال لها: الحمد الله، الحقيقة أنا كنت من قبل مخطئاً، كنت أغير عليك، وأنت فيك خير، وأنت طيبة، وأنت فيك دين وإيمان، لكن أنا المخطئ، أنا قليل الدين، أنا الذي ما عرفت كيف أتكلم ولا شيء، الآن ماذا تريدين؟ قالت: يا ولدي ما رأيك في السوق؟ قال: ليس فيه شيء، اخرجي، ولو خرجتِ ماذا يضر؟ أنت صاحبة دين، وأنت فيك غيرة، قالت: يا ولدي والله لن أخرج مرة ثانية لأجل خاطرك، انظر كيف أتت المبادرة منها هي، والله لن أخرج مرة ثانية وهذا السوق خبيث، ليس فيه إلا رجال وليس فيه شيء، اذهب يا ولدي وائت لنا بالمقاضي، قال: أبشري، ما دام عرفتِ فأنا خادمكِ، أي طلب تريديه أنا آتي لكِ به، وأرجع الذي لا يصلح، ولو يطلع ويرجع عشر مرات.
قالت: وهذا الفيديو -لديها فيديو وأفلام- ما رأيك فيه؟ قال: ليس فيه شيء، اتركيه، الذي يريد أن يشاهد يشاهد، والذي لا يريد أن يشاهد على (كيفه) قالت: أعوذ بالله! كيف أتركه في بيتنا، وأنت ولدنا وفيك خير وأنا إن شاء الله فيَّ خير، وأبوك فيه خير؟ والله لن يجلس في البيت، أخرجه، أصبحت أمه داعية، ذهب أبوه في الليل يريد أن يسهر، قالت: انظر ربي رزقنا بولد صالح وطيب، ونحن نعاديه وضده، لماذا؟ ما رأيك لو ولدنا فاسق أو زاني أو يبيع مخدرات أو مع الخمور أو في القهاوي؟ هل نحن نغضب؟ قال: نعم والله نغضب، قالت: طيب لما هداه ربي هل يصلح أن نعاديه؟ قال: لا والله، بل نعينه.
وبعد ذلك وإذا بالأسرة كلها، جاء الإخوان يقول الولد: كنت أذهب إلى المسجد وأصلي في الأمام، وآخذهم بالعصا أضربهم بها، فيخرج واحد يختبئ في الحمام، والثاني يختبئ في (الحوش) وأضاربهم ولا أقول لهم شيئاً، أما الأب فقال: انظروا والله لو يتأخر واحد عن المسجد لأن كلمة الأب ليست مثل كلمة الأخ، أنت تهدد لكن ليس لك عليهم سلطة فهم إخوانك، لكن أبوك إذا هدد يملك أن يصنع شيئاً، فكان الأب وكانت الأم وكانت الأسرة كلها في سبيل الهداية بسبب لطف الولد، الدعوة تكون بأسلوبك ومنهجك ولكن باللطف، لا تستعجل.
الهداية تنقسم إلى قسمين: هداية إرشاد ودلالة، وهداية اتباع واهتداء.
الأول: على الأنبياء وأتباعهم.
والثاني: لله.
حسناً أنت تريد أن تبقى على ما تشاء، تريد أن تدعو الآن، أو تريد أن تدعو الناس غداً، أو أنت على مراد الله؟! أنت على مراد الله، وليس الله على مرادك، الله إذا أراد لك الهداية التزمت، أنت اسلك فيها فقط، ولذلك يقول الله : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] وقال: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨] ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٧٢] هداهم ليس بيدك، ما أدراك لعلك يوماً من الأيام تقول لواحد: قال الله وقال رسوله، وإذا لم طعك تقاطعه، تقول: والله هذا خبيث وليس فيه خ
стр. 2845
الطريق إلى النار يكون عبر مسارات
بقي الطريقان المانعان من الجنة المؤديان إلى النار، وهما طريقان في عكس الاتجاه وهما: طريق الشرك بالله وطريق المعاصي.
стр. 2846
المسار الأول: الإشراك بالله
فالشرك بالله: أن تعبد مع الله غيره، وأن تجعل لله نداً وقد خلقك، أن تحب إنساناً أكثر من الله، أن تخاف من إنسان أكثر من الله، أن تصرف أي شيء من أنواع العبادات من رهبة أو رغبة أو خشوع أو خضوع، أو استغاثة أو استعانة لغير الله ﵎، أو دعاء أو نذر، أو رجاء أو توكل أو أي شيء من أنواع العبادة يجب ألا يصرف إلا إلى الله.
ثم لا ندعو ولياً ولا نبياً، ولا نذهب إلى كاهن ولا إلى عراف ولا مشعوذ، ولا نصدق أحداً من هؤلاء الكاذبين الذين يدعون أنهم يعالجون علاجاً عربياً، إنما هي كهانة وشعوذة، أما العلاج الشرعي من كتاب الله وسنة رسول الله أو من أدوية محسوسة مثل الحبوب، أما كتاب وتذهب تمحيه وتشرب ماءه، فهذا كله كهانة وشعوذة هذا هو الطريق الأول وهو الشرك بالله.
стр. 2847
المسار الثاني: المعاصي والذنوب
المسار الثاني: مسار المعاصي والذنوب، وطريق المعاصي والذنوب ووصولها إليك من سبعة أبواب:- باب العين: ومعصيته النظر المحرم إلى النساء، أو إلى ما متع الله به الناس من متاع الحياة الدنيا.
والأذن: ومعصيتها سماع الغناء، أو الغيبة أو النميمة، أو ساقط القول، أو رديء الكلام.
الجارحة الثالثة هي اللسان: وهو كثير الآفات، فيه أكثر من تسع عشرة آفة: الكذب الغيبة النميمة الجدال المراء القول بالزور القول على الله بغير حق الخوض فيما لا يعني الخوض في الباطل الحلف الفاجر إخلاف الوعد كل هذه من اللسان.
هذه ثلاث جوارح.
الجارحة الرابعة: اليد، ومعاصيها أن تمدها إلى ما حرم الله، أو أن تكتب بها شيئاً حرمه الله، أو أن تأخذ بها شيئاً حرمه الله.
الجارحة الخامسة: الرجل، ومعصيتها أن تنقلك إلى مكان لا يرضى الله عنه.
الجارحة السادسة: الفم والبطن، ومعصيته أن ينزل فيه شيء حرمه الله من رباً أو حرام، أو رشوة أو تبغ أو دخان، أو (شمة) أو (جراك) أو (قات) أو أي شيء من هذه الخبائث، أو خمر أو مخدرات.
والجارحة السابعة: جارحة الفرج، يزني به الإنسان أو يلوط.
هذه هي المعاصي، إذا استطعت أن تقيم من نفسك حارساً على أبواب المعاصي السبعة وخلصت من الشرك إلى التوحيد، وقمت بالإيمان والعمل الصالح فقد نجوت، وقد خلصت من الورطة التي ورطها أكثر الناس في هذه الدنيا، ولا مخلص لك من ورطة هذه الحياة إلا بهذا الطريق إن كنت تريد النجاة في هذه الدنيا والآخرة، أما إذا كنت لا تريد فانتظر، قال تعالى: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [الأعراف:٧١].
أسأل الله ﵎ أن يسلك بي وبكم سبيل المؤمنين، وأن ينجينا وإياكم من عذابه إنه على كل شيء قدير، والله أعلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2848
الأسئلة
стр. 2849
الدعوة إلى الله أفضل الطرق المؤدية إلى الجنة
السؤال
أي الطريقين أفضل: أن أمكث بمصحفي في محرابي متفرغاً لعبادة الله، هارباً من غضب الله، وأستزيد من الأجر، أو أن أدعو إلى الله، وهذا الطريق بلا شك أنه أقل من الأول في كسب الأجر، فأي الطريقين أسلك؟
الجواب
من قال لك: إن الطريق الثاني هو أقل أجراً من الطريق الأول؟ بل العكس، الطريق الثاني هو أعظم أجراً وأبقى وأدوم من الطريق الأول، الطريق الأول طريق منفعته لازمة لك فقط، حسنات تجمعها لنفسك، لكن الطريق الثاني طريق منفعته متعدية إلى غيرك.
إذا دعوت إلى الله، وهدى الله على يديك رجلاً واحداً فإنه خير لك من حمر النعم، أو خير لك من الدنيا وما عليها، وأيضاً فإن هداية الإنسان الواحد على يديك ستكون كل أعماله من صلاة وزكاة وصيام وحج وبر وكل حسناته، تأتي يوم القيامة تجدها صورة كأصل في ميزان حسناتك؛ لأن من دل على هدى كان له مثل أجر فاعله دون أن ينقص من أجر صاحبه شيء، ومن دل على إثم أو ضلال كان عليه من الوزر مثل ما على فاعله دون أن ينقص من وزر فاعله شيء.
فعملية الجلوس في المحراب متضرعاً تقرأ، هذه ليست طريقة الرسل، هل بعث الله الرسل على هذا المنوال، وتركهم يجلسون في المساجد والزوايا يعبدون الله ويتضرعون؟ لا أبداً.
بعث الله الرسل في أواسط أقوامهم وكلفهم بحمل الرسالة، ثم لما انتصر الدين هل جلس الصحابة في مكة والمدينة يتعبدون أم تشتتوا وتفرقوا وماتوا في كل بقاع الأرض؟ ما من بقعة في السند ولا في الهند ولا في الشرق والغرب إلا وفيها قبر مسلم، كان في إمكانه أن يجلس في زاوية من الزوايا ويقرأ ويتعبد، لكن لا، ما هذا بصحيح، الطريق الدعوة والانتقال بها، ودعوة الناس لكن على هدي الرسول ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] الذي لا يدعو إلى الله على بصيرة لا يدعو إلى الله حقيقة، بل يدعو إلى الشيطان وإلى نفسه: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] نسأل الله لي ولك أن نكون من أهل البصيرة في دين الله.
стр. 2850
كيفية معالجة مرض ضعف الإيمان
السؤال
أنا شاب أجد في نفسي الثقل أمام الأوامر الشرعية، فهل هذا نفاق؟ وكيف السبيل إلى تقبل الأوامر الشرعية بنفس طيبة؟
الجواب
هذا ليس نفاقاً ولكنه ضعف في الإيمان، الآن إذا جئت إلى مريض وطلبت منه أن يحمل لك كيساً هل يستطيع حمله؟ مريض على السرير، وقلت له: من فضلك ارفع لي هذا الكيس على السرير -كيس أرز أو كيس حبوب أو سكر- لا المريض لا يستطيع، لكن إذا أصبح متعافي نشيطاً فإنه يستطيع، فأنت ثقل الطاعات والأوامر الشرعية عليك يدل على ضعف ومرض في قلبك.
كيف تعالجه؟ بالعلاج الإيماني: عن طريق حلق الذكر، ومجالسة العلماء، وكلام الله وكلام رسول الله ﷺ ، ومؤاخاة الطيبين، والبعد عن السيئين هذه وسائل العلاج، وبعد ذلك بالمجاهدة؛ لأن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩].
والعلم بالتعلم، والصبر بالتصبر، والدين بالمجاهدة، جاهد، أنت يصعب عليك أنك تقوم أو يثقل عليك أن تقوم لصلاة الفجر، ولماذا؟ لأنك تريد النوم، جاهد نفسك حتى تصبح العبادات والطاعات في حقك ملكات راسخة، وعادات ثابتة تمارسها بسهولة، هذه تحتاج إلى مبادرة من نفسك، لا أحد يستطيع أن يداويك في هذا الموضوع، لا تتصور من العالم أن يقول لك: أنا سأحمل عنك جزءاً من الصلاة، لا.
ولا المدرس ولا الزميل ولا بل أنت أنت، البداية منك، والمبادرة من جانبك، لأنها داخلة ضمن دائرة مسئولياتك أنت، في أن تهتدي وتحمل دين الله بقوة إن شاء الله.
стр. 2851
حكم من أصبح جنباً في رمضان من العادة السرية ولم يغتسل
السؤال
رجل يعمل العادة السرية ليلة رمضان ثم يتسحر وينوي الصوم ولا يغتسل بل يكتفي بالوضوء، فما رأيكم في ذلك؟
الجواب
العادة السرية عادة محرمة بالكتاب وبالسنة، والمسلم الوقاف عند أوامر الله لا يعملها، قبل أن نعطيك ونفتيك في سحورك وفي صيامك، نقول: إن هذا محرم؛ لأن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المعارج:٢٩] ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يعني: الإماء ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المعارج:٣٠ - ٣١] هل تريد أن تكون معتدياً على حدود الله ﵎؟ هذه الآية قد جاءت في سورة المؤمنون، فالله أخبر في هذه الآية أن الذي لا يقتصر على الزوجة أو على ملك اليمين، ويبحث عن شيء فوق ذلك أنه ما أفلح، وأنه عادٍ، وأنه غير حافظ لحدود الله ، فليتق الله هذا الشاب في نفسه، ولا يعمل هذه العادة.
والرسول ﷺ في السنة يقول: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة -يعني: الزواج والنفقة- فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم -ولم يقل: عليه بيده- فإنه له وجاء).
نكاح اليد الذي يسمونه "العادة السرية" اسمه في الشرع "نكاح اليد" وصاحبه ملعون (لعن الله ناكح يده) وفي الأثر: أنه يأتي يوم القيامة ويده حبلى منه، ما من حيوان منوي يخرج منك عن طريق العادة السرية إلا حملت منه يدك ولكن لا يظهر منه الحمل الآن، ويظهر الحمل يوم القيامة.
فيا أخي المسلم تب إلى الله أول شيء.
أما قضية الصوم حال أنك تسحرت ولم تغتسل، فإن الرجل إذا أصبح جنباً -من الحلال أو من الاحتلام- وصام فإن صيامه صحيح؛ لأنه لا يشترط في نية الصوم الطهارة، تقول عائشة (كان رسول الله ﷺ يصبح جنباً فيصوم ثم يغتسل ويتوضأ) أما هذا الذي يقول: أنه مارس العادة السرية وتوضأ، فوضوءه غير رافع للحدث الأكبر؛ لأن العادة السرية خروج ماء هو مني وفي الحديث (الماء من الماء) أي: ماء الغسل يجب بخروج الماء وهو (المني) أي: أنه يوجب الغسل، فلا يرتفع الحدث الأكبر عنك بالطهارة الصغرى وهي الوضوء، فينبغي لك أن تعود إلى البيت وأن تغتسل وأن تقضي جميع الصلوات التي صليتها بالوضوء؛ لأنها لم تقبل منك.
стр. 2852
كيفية قراءة القرآن وختمه في رمضان
السؤال
هل يستطيع الإنسان أن يختم القرآن الكريم في شهر رمضان المبارك بكثرة القراءة؟ الشيخ: حسناً، أولاً: يستطيع الإنسان أن يختم القرآن ليس في رمضان مرة بل في رمضان مرات ومرات، وقد قرأت في كتب العلم وكنت أقف عندهم وأتحير: كيف أن بعض أهل العلم كان له في رمضان ستون ختمة، الشافعي ﵀ كان يختم في رمضان ستين ختمة، في كل يوم ختمتين، ختمة في الليل وختمة في النهار! فأقول في نفسي: كيف؟ هل نقعد شهراً ونختم مرة واحدة؟ فجربت مرة من المرات اعتكفت في أحد المساجد، وقلت: لأجربن هذا اليوم، هل أستطيع أن أختم القرآن مرة، فبدأت بعد صلاة الفجر في تلاوة القرآن وانتهيت منه قبل المغرب بحوالي ساعة، ختمته كله، لكنني لم أكن أتوقف إلا للصلاة، فعرفت أن ما ذكر وما نقل أنه صحيح.
وبعد ذلك قراءتهم ﵏ قراءة متمكنة، القرآن اختلط بدمائهم، وأصبحت ألسنتهم وشفاههم كأنها مصنوعة للقرآن، لم يعد فيها تعب، يمارسون القرآن وهو سهل عليهم، رسول الله ﷺ يقول: (الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به -يعني: متمكن، أصبح مثل الآلة- مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران: أجر القراءة وأجر المشقة).
لكن في سبيل التحصيل، لا يقعد يتعتع في البيت ويقول: أنا أريد أجرين لا.
إذا كان يتعتع ولا يتعلم هذا يمكن أن يكون عليه وزر، لكن يتعتع عند التعلم والتلقي، فلا بد أن يتعلم حتى يستقيم لسانه، فهذا الأخ الذي يقول: هل يستطيع الإنسان؟ نعم يستطيع الإنسان أن يقرأ القرآن في رمضان ليس مرة بل مرات كثيرة، ولكن ورد في بعض الآثار: أن السنة ألا يختم في أقل من ثلاثة أيام بلياليها؛ لأنه لو ختم في أقل من ثلاث فسيؤدي هذا إلى انقطاعه عن مصالحه، وربما لا يفهم المراد من القرآن، ولكن الشافعي ﵀ كان متفرغاً للعلم، ليس له مصلحة واحدة في الدنيا، حتى قيل أنه قال: من اشتغل عن العلم بشراء بصلة لم فاتته مسألة، يقول: من اشتغل عن العلم بشراء حزمة بصل لا يتعلم، فكيف أنه يشتغل عن العلم بشراء (كشف) كل يوم ومعه بيان من زوجته بالحاجات، كيف يتعلم هذا؟ لا يتعلم والله المستعان!
стр. 2853
صلِ وانتظر النتيجة
للصلاة مكانة عظيمة في جميع الأديان السابقة، والمحافظة عليها مما امتدح الله به الأنبياء.
إلا أن الله اختص هذه الأمة عمن سبقها بأن جعل الصلاة عمود هذا الدين، وميزها عن سائر العبادات بأن افترضها على أمة الإسلام في السماء، حين عرج نبينا محمد ليلة الإسراء.
ولعظم هذه العبادة كان التشديد على المحافظة عليها، والوعيد الشديد لمن فرط في شيء منها، حتى أنها جعلت فاصلاً بين الكفر والإيمان.
стр. 2854
أهمية الصلاة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين سيدنا وحبيبنا وإمامنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره وسار على دربه واتبع شريعته ودعا إلى ملته وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: أيها الأحبة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأسعد الله جميع أوقاتكم، وأسأل الله كما جمعنا في هذا المكان الطاهر وفي هذه الليلة المباركة وبعد أداء هذه الفريضة العظيمة أسأله أن يجمعنا بمنه ورحمته وفضله وكرمه في جناته جنات النعيم وآبائنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا وزوجاتنا وذرياتنا وجميع إخواننا المسلمين برحمته إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
أيها الأحبة: من أعظم الدلائل ومن أبرز البراهين على صدق إيمان العبد وعلى قوة يقينه هو: حرصه على أداء هذه الصلاة التي هي صلة بين العبد وبين الله، وكلما كانت علاقتك بالصلاة قوية وحرصك عليها شديداً وحبك لها عظيماً كان هذا دليلاً على حبك لله وعلى قوة إيمانك به ويقينك عليه.
وإذا نظرنا إلى هذه الفريضة العظيمة وجدنا أنها تحتل مكاناً عظيماً في الإسلام بل في كل الرسالات، فإنه ما من نبي بعث ولا رسالة نزلت إلا وفيها الأمر بإقامة الصلاة كما فيها الأمر بتوحيد الله ، فهي عبادة مشتركة لجميع أمم الأرض منذ أول الأنبياء إلى خاتمهم محمد ﷺ ، يقول : ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ﴾ [الأنبياء:٧٣] فبعد أن سرد قصص بعض الأنبياء ذكر أنه أوحى إليهم فيما أوحى إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة.
стр. 2855
اهتمام الأنبياء بالصلاة
يذكر الله عن بعض الأنبياء بصفة صريحة ظاهرة الأمر بالصلاة: - إبراهيم ﵇: يقول تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم:٣٧] وكان من دعائه: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ [إبراهيم:٤٠].
- إسماعيل ﵇: يثني الله عليه ويقول: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ﴾ [مريم:٥٤ - ٥٥].
- موسى ﵇: وذلك حينما حصل له التكليم من الله ؛ لأن الله اختصه واصطفاه بالكلام ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤] ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] حينما عاد من رحلة العمل التي قضاها في خدمة عمه وهي إجارة عشر سنين مهراً لابنته التي تزوجها ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص:٢٧] ثم قضى أفضل الأجلين وهي العشر سنوات ثم استأذن عمه في أن يعود إلى بلاده وسار بأهله، فلما كان في الطور في سيناء وكانت ليلة باردة ومطيرة وشاتية وكانت زوجته في حال الوضع، والمرأة في حالة الوضع تحتاج إلى الدفء وتحتاج إلى الطعام ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً﴾ [طه:١٠] رأى نوراً فظنه ناراً: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٠ - ١٤] هنا الشاهد في أول الأمر (فاعبدني وأقم الصلاة).
عيسى ﵇ لما حملت به مريم ابنة عمران وكان حملها به بطريقة تختلف عن البشر، أراد الله أن يظهر قدرته في خلق الإنسان من غير أب واختار لهذه الآية مريم، وسبب اختيار الله لمريم؛ لأن الله قد عصمها من الشيطان؛ ولأن أمها وهبتها لله وكانت تظن أنها ذكر، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران:٣٥] وهبته لله حتى يكون خادماً لـ بيت المقدس ولكنها لما وضعت إذا بها أنثى، والأنثى لا تصلح لأن تخدم بيت المقدس الذي يرتاده الرجال ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [آل عمران:٣٦] قال الله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً﴾ [آل عمران:٣٧].
ولهذا ثبت في الصحيح أنه: (ما من مولود يولد إلا ويضربه الشيطان على ضلعه عند خروجه من بطن أمه إلا مريم وابنها) لم يستطع لهم الشيطان؛ لأن الله أعاذهم ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [آل عمران:٣٦] من ذريتها؟ عيسى ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران:٣٧].
كان الحمل عن طريق جبريل ﵇؛ نفخ في جيب درعها وقالت له حينما جاء: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً﴾ [مريم:١٨ - ٢١] أراد الله بخلق عيسى التدليل على قدرته على خلق الأشياء من غير ما اعتاد الناس، فإن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وقد خلق الناس على أربعة أشكال: الشكل الأول: من غير أم ولا أب وهو آدم، قبضه ربنا من التراب وقال له: كن.
فكان آدم من غير أم وأب.
الشكل الثاني: من أب بلا أم، وهي حواء: مخلوقة من ضلع آدم لكن ليس لها أم.
الشكل الثالث: من أم بلا أب وهو عيسى.
الشكل الرابع: من أب وأم وهم سائر البشر، ولهذا يقول الله : ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران:٥٩] إذا كنتم تستبعدون أن يخلق الله إنساناً من أم بلا أب فلماذا لا تستبعدون أن يخلق الله إنساناً من غير أم ولا أب ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩].
حملته وانتبذت به مكاناً قصياً، حملها ووضعها كله كان في آن واحد ليس في تسعة أشهر، وبعد ذلك قال: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً﴾ [مريم:٢٢] والفاء هنا يسمونها فاء الفجائية وبعضهم يسميها تعقيبية تقول: جاء فلان ففلان ففلان وراء بعض، حملته وانتبذت به وجاءها المخاض وشعرت بالألم ليس ألم الوضع، إنما ألم مواجهة المجتمع بهذا المخلوق الجديد الذي ليس له أب، ماذا تقول للناس؟! فقالت: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٣].
وليس أشق على النفس العفيفة والطاهرة والشريفة من أن تدنس أو يدار حولها أو حول عرضها أي شيء فيتمنى الإنسان العفيف الشريف الطاهر وتتمنى المرأة الطاهرة الشريفة أن تدفن في الأرض ولا يدور حول عرضها شيء، فالعرض غالٍ، والعرض كالتاج على الرأس؛ أي شيء يلوثه يكسره، فرأت وضعها وعانت نفسياً وقالت: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٣] فناداها لما خرج مباشرة وكلمها وهو من الأربعة الذين تكلموا في المهد ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي﴾ [مريم:٢٤] كيف لا تحزن؟! ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً﴾ [مريم:٢٤ - ٢٦].
وفي هذا الوضع النفسي المؤلم يقول لها: (وقري عيناً) وقرير العين هو الإنسان المرتاح الذي يعيش أفضل حياة السرور؛ لأن عين الإنسان المرتاح تقر -أي: هذه السوداء- لكن الذي في قلبه قلق ترى عينيه غير مستقرة، لا عيناً ولا نفساً، ولدها -وهي في حالة نفسية صعبة- يقول لها: قري عيناً، يقول المفسرون: قري عيناً؛ لأنك موضع اختيار من الله لإظهار هذه الآية! وهذا تشريف وتكريم أن يختارك الله من بين سائر العالمين ليظهر عن طريقك آية من آياته وقدرة من قدراته سبحانه! يقول تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٦] أي: لا داعي للاعتذار؛ لأن الاعتذار لا يجدي.
ولذلك إذا رأيت التطويل مع شخص في الكلام ليس له نتيجة فكف.
فأي كلام تستطيع أن توجهه للناس وتقنعهم بولدها؟ فالأحسن السكوت والله يدافع عنها: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّا * فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم:٢٦ - ٢٧] في الصباح لم يكن معها شيء والآن قد أصبح معها ولد فاستغربوا: ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾ [مريم:٢٧] الفري: الشيء العظيم، ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم:٢٨] أخوها من عباد بيت المقدس، ودائماً العروق والأصول السليمة لا تنبت إلا الثمار الطيبة؛ فذكروها بأخيها ثم ذكروها بأبيها وأمها: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ [مريم:٢٨] كيف تشذين عن المنهج السوي؟! أبوكِ عابد وأمكِ عابدة وليست بغياً، وأخوكِ عابد، وأنت تعملين هذا؟! ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم:٢٩] لم تتكلم؛ لأنها مأمورة ألا تتكلم، فاستغربوا وقالوا: عجيب! الطفل يتكلم؟! تكلمي أنتِ.
فتكلم الطفل ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم:٢٩ - ٣٠].
هذه أول كلمة قالها وهي تنسف عقيدة أكثر من مليار ونصف نصراني على وجه الأرض الذين يعتقدون أن عيسى ابن الله -تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً- هو الذي يعرف نفسه ويكذبهم في أول عبارة منه، فيقول: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم:٣٠] لأن الله ليس له ولد؛ صفة الولد في الرب صفة نقص، وصفة الولد في العبد صفة كمال، الذي عنده أولاد يرفع رأسه، لماذا؟ لأنه يحتاج إليهم إذا كبر ومرض وشاب وهرم، فمن نقصه يحتاج إلى الولد، أما الله فمن كماله لا يحتاج إلى ولد ولهذا يقول الله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا ي
стр. 2856
الصلاة عمود الإسلام
احتلت الصلاة المكانة العالية والرفيعة في دين الله حتى جعلها الرسول ﷺ عمود الإسلام، وأهم أجزاء الشيء عموده، فإذا عندك خيمة فالخيمة أهم جزء فيها هو العمود الذي بعدمه لا توجد خيمة، وإذا كان عندك خيمة ولا يوجد معها عمود ماذا تعمل بها؟ تصبح بطانية أو لحافاً فقط، لكن الخيمة لا بد لها من عمود، فإذا وجد العمود وجدت الخيمة، وإذا نقص وتد أو نقص شيء خاص بالخيمة تسقط، كذلك الصلاة عمود الإسلام، بحيث إذا وجدت وجد الإسلام وإذا انتفت وضاعت ضاع الإسلام.
جاء في حديث معاذ الصحيح في السنن وفي مسند أحمد أنهم كانوا في سفر -في غزوة- فقال معاذ: (أصبحت وإذا بناقتي بجوار ناقة رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار) انظروا همة الصحابة! نفوسهم عالية، لا يسألون إلا عن هذه الجنة وعن هذه النار، لو أن شخصاً منا كان في هذا الموضع لقال: أسألك سيارة أو أرضية، همنا الأراضي فقط، وهؤلاء همتهم عالية، يريد الجنة ويريد الفوز بها ويريد أن ينجو من النار، فقال له النبي ﷺ : (لقد سألت عن عظيم).
ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁ يقول: (كنت بواب رسول الله ﷺ في الليل فأخذت إداوة ووضعت فيها ماء أرقبه ليقوم فأقدمه له، فقام من الليل ففتح الباب وأنا عند الباب، فقلت: هذا الماء يا رسول الله! قال: من؟ قلت: ربيعة، قال: سلني يا ربيعة! قلت: أسألك مرافقتك في الجنة قال: أو غير ذلك؟ قلت: ما هو إلا ذلك، قال: أعني على نفسك بكثرة السجود).
يقول معاذ بن جبل ﵁ للرسول ﷺ : (أخبرني بعمل يدخلني الجنة وينجيني من النار) لأن هذا هو السعادة وهو الفوز وما قيمة دنيا بعدها نار، وما قيمة قصر بعده قبر، وما قيمة جسد بعده تراب تأكله الدود لكن عندما تدخل الجنة ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥] اللهم إنا نسألك من فضلك يا أرحم الراحمين.
والله إن هذا هو الفوز أن تنادى يوم القيامة، ما هو يوم القيامة؟ يوم قيامتك أنت، وهذا قريب لأن العبد إذا مات فقد قامت قيامته، وأنت في بيت أهلك يأتي إليك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب فإن جاء ملائكة الرحمة شاهدتهم من بعيد فتحب لقاء الله، كما قال ﵊: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، قالت عائشة: يا رسول الله! كلنا يكره الموت؟ قال: ليس ذلك، لكن المؤمن إذا رأى ملائكة ربه أحب لقاء الله) اللهم لا تحرمنا من فضلك العظيم.
ساعات حرجة أن تنظر وتقول وتعلن سعادتك التي تبدأها بأن تأخذ روحك ملائكة الرحمة وتضعها في حنوط من الجنة وكفن من الجنة، ثم تصعد إلى السماء ولها ريح كأطيب ريح وجد على ظهر الأرض، ثم تستفتح لك الملائكة في السماء فيفتح لك حتى يكتب كتابك عند الله في عليين وتعاد روحك إلى جسدك هذا والله هو الفوز وهذا ممكن وسهل جداً كما جاء في الحديث: (لقد سألت عن عظيم، ثم قال: وإنه ليسير على من يسره الله عليه) اللهم يسره علينا يا أرحم الراحمين، ثم ذكر (تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وبعد ذلك قال: ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله).
وفي الصحيحين يقول ﵊: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة) فهي عمود الإسلام، بل كانت قرة عين النبي ﷺ حيث قال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) وكان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، من هو الذي إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة؟! بل نفزع للتليفون، نفزع للجار وللمدير وللوزير ولم نفكر أن نفزع إلى الله.
شخص من الناس ظلم بشهادة زور على قطعة أرض، والأرض له وملكه وملك أبيه وجده والناس يعرفون ذلك، لكنَّ شخصاً أراد أن يأخذها؛ لأنها أمام البيت فهو يريدها للضيوف وموقفاً للسيارات، فذهب وسوّرها، وجاء صاحبها وقال له: يا أخي! هذه الأرض ملكي، قال: هذه ليست لك، فاشتكى ذاك، قال: تحت يدي هل عندك بينة؟ قال: عندي بينة، فذهب وأتى بشهود زور أن هذه الأرض المحددة شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً ملكاً لفلان بن فلان أباًَ عن جدٍ لا ينازعه فيها منازع ولا يشاركه فيها مشارك والله على ما نقول شهيد، وعلمهم الشهادة في الليل والله ينظر إليهم في الليل وأغراهم بنقود وقال: الدنيا دوارة؛ اليوم عليك وغداً لك، إذا شهدتم لي غداً أنا سوف أشهد لكم مرة أخرى، قالوا: مالنا بك عذر وشهدوا، قال القاضي للمشهود عليه: عندك فيهم جرح هؤلاء الشهود، قال: لا يحتاجون، التزكية أنا أزكيهم لكن كلمة أقولها يا قاضي! قال: نعم.
قال: والله إني أعلم إن هذا يعلم -صاحب الدعوة- والشهود أنهم كاذبين وأن الأرض لي ولكن أرادوا أن يأخذوها غصباً فأنا أحيلهم إلى الله فينصفني منهم رب العالمين، قال: توقع أن عندك اعتراض على الصك، قال: لا.
ليس عندي اعتراض، خرج من المحكمة ودخل إلى المسجد ورفع برقية عاجلة إلى الله؛ لأن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الله تعالى: (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين) لكنه ما كان يريدها بعد حين، صلى ركعتين، وقال: اللهم إنك تعلم أن فلاناً ظلمني وأخذ الأرض وهي أرضي، وشهد اثنين ظلماً وزوراً، وإنه الآن يحوطها ويبني عليها وأنا أشاهده بعيني، فإن قتلته قتلوني وإن مكثت أشاهده كل يوم آلمني قلبي، اللهم إني أسألك أن تنصرني هذا اليوم وليس غداً، يقول: أريد الإجابة عاجلاً.
وخرج من المسجد وذهب إلى بيته ودخل البيت مكسور الفؤاد حزيناً، قالت له زوجته: ماذا بك؟ قال: لا شيء، أريد أن أنام، فرشت له الفراش ونام قبل الظهر، وقليل وإذا بالصارخ يصرخ في القرية، ماذا حصل؟ قالوا: حادث مروري، لمن؟ للثلاثة؛ الشاهدين وصاحب الصك قد أخذ الصك في جيبه والشهود معه وقال لهم: الغداء في البيت في القرية وفي نشوة الفرحة بالأرض دار بقوة فانقلبت السيارة أكثر من مرة ومات الرجل ومات الشاهدان وما أمسوا تلك الليلة إلا في قبورهم، وفي اليوم الثاني بعد العزاء تأتي المرأة وتأخذ الصك من ثياب زوجها وهو ملطخ بالدم لتذهب إلى القاضي وتقول: يا قاضي! والله ما قتل زوجي إلا هذا الصك، قالت: والله إن الأرض ليست لنا لقد ذهب زوجي فلا أريد أن يذهب جميع أولادي.
стр. 2857
أحاديث في فضل الصلاة
كان ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة وكان يقول لـ بلال: (أرحنا بها يا بلال) ليس مثلنا الآن ونحن نصلي الآن ونقول: دعونا نصلي الآن من أجل أن نرتاح منها كأنها حمل نبعدها عن أكتافنا من أجل السمر، يقول: نسمر، لقد صلينا وارتحنا من الصلاة، لا.
يقول: (أرحنا بها يا بلال) أي: أدخل الراحة والأمن واللذة والمتعة في قلوبنا بها، هل نجد الراحة والأمن والمتعة في الصلاة الآن؟ أم أن بعضنا يأتي وهو مغصوب، وبعضنا في الصلاة تشاهده يراوح بين رجليه ويحك ويريد أن ينفك بأي وسيلة وينتظر حتى تنتهي الصلاة.
وكان ﷺ يقول كما في الصحيحين: (سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله وذكر منهم: رجل قلبه معلق بالمساجد) وفي صحيح مسلم يقول ﵊: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قلنا: بلى يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط).
والأحاديث في فضل الصلاة وأهميتها كثيرة جداً في دين الإسلام، هذه العبادة العظيمة حتى الملائكة تعبد الله بالصلاة يقول ﵊: (أطت السماء) أي: انحنت واحدودبت (وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك راكع أو ساجد).
هناك ملائكة ركع من يوم أن خلقهم الله إلى يوم القيامة، فإذا قامت القيامة رفعوا ظهورهم وقالوا: سبحانك ربنا ما عبدناك حق عبادتك، والملائكة سُجَّد منذ خلقهم الله إلى يوم القيامة يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
стр. 2858
من خصائص الصلاة
هذه الصلاة -أيضاً- لها خصيصة في دين الله وهي أن جميع التكاليف الشرعية فرضت على النبي ﷺ في الأرض إلا الصلاة لأهميتها، لما جاء الأمر بفرضيتها استدعي النبي ﷺ فأسري به من مكة إلى بيت المقدس ثم عرج به من بيت المقدس إلى السماء حتى بلغ سدرة المنتهى وفي مكان في السماء تركه جبريل، قال: تقدم، قال: أنت، قال: لا.
﴿وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات:١٦٤] ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:٩ - ١٣] إلى آخر الآيات.
فرض الله عليه خمسين صلاة، هذا في أصل مشروعية الصلاة، ولو أن الرسول ﷺ كان في الأرض وفرضت عليه الخمسين لما كان بالإمكان المراجعة! مثل الزكاة؛ هل راجع الرسول ﷺ في الزكاة؟ هل راجع في الصوم؟ ليس هناك مراجعة في أي شيء إلا في الصلاة، لماذا؟ لأنه في السماء بين الله وبين موسى نزل الرسول ﷺ وحمل التكليف خمسين صلاة، أي: لو كانت خمسين صلاة انظروا كم نصلي في مدى (الأربعة والعشرين) الساعة نصلي كل (ثمانٍ وعشرين) دقيقة صلاة! أقل من نصف ساعة؛ لأن كل نصف ساعة صلاة، أي: ثمانية وأربعون صلاة، ويبقى معنا صلاتان ندخلها في النص نأخذ من كل نصف ساعة دقيقتين حتى نغطي، بمعنى: أنه ليس معنا إلا الصلاة نصلي ونسلم، وأذن الثانية ونصلي، وأذن الثالثة إذاً نصف ساعة تتوضأ وتصلي وتسلم وأذن الثانية، أي: أنه ما معنا إلا الصلاة، وهذا هو الصحيح؛ فالله ما خلقنا إلا للصلاة وللعبادة، فالله فرضها خمسين من أجل أن تستوعب علينا وقتنا كله.
ونزل ﷺ ومر على موسى، فقال له موسى: (ما فرض الله عليك؟ قال: خمسين صلاة، قال: ارجع فاسأل ربك أن يخفف فإن أمتك لا تطيق -يقول: بني إسرائيل فرض الله عليهم صلاتين فضيعوها وأمتك ستضيعها- فرجع إلى الله وسأله التخفيف، فخففها الله خمساً، ونزل، قال: خمساً، قال: ارجع، فرجع ثانية ونزل قال: خمساً.
بقي أربعون، فقال: ارجع فلا يزال بين الله وبين موسى حتى صارت خمساً، قال موسى: ارجع، يريد أقل من خمس، فقال ﷺ : لقد استحييت من ربي) فقال الله عند هذه الكلمة: (إنه لا يبدل القول لدي، هي خمس في الأداء وخمسون في الأجر).
ولذا عندما تصلي خمساً فأنت تصلي خمسين؛ الحسنة بعشر أمثالها، فوالله إنه محروم من يضيع هذه الصلاة، خمس فقط! نصلي الآن العشاء وبعد ذلك كم نمكث حتى نصلي؟ إلى الفجر نحو (ثمان ساعات) إلا لمن أراد ووفقه الله للتهجد، ثم نصلي الفجر ركعتين ونمكث بعدها إلى الظهر من (أربع ونصف) أو من (خمس) إلى (اثني عشر) وليس هناك صلاة ومع هذا نضيعها؟! إذاً لماذا خلقنا الله؟! ما فهمنا -أيها الإخوة- لماذا خلقنا الله! أكثر الناس يظن أن الله خلقه من أجل أن يعمر ويتوظف ويدرس ويأكل ويشرب وهذه الصلاة في ذيل الاهتمامات آخر ما يفكر فيه الصلاة، أي: برنامجه معروف: استيقاظ دوام غداء نوم تمشية تسوق سهر نوم هذا برنامج أكثر الناس، والصلاة على الهامش، إن كان يوجد وقت وضع لها مجالاً وإن لم يكن نسيها وضيعها، هذا ضائع ليس فيه خير -والعياذ بالله- هذه خصيصة الصلاة أن الله فرضها في السماء لأهميتها.
ومن خصائص الصلاة أيضاً: أنها العبادة الوحيدة التي لا تسقط على الإنسان في أي حال من الأحوال ما دام يملك عقله، جميع الشرائع تسقط، الزكاة ركن لكن إذا لم يكن عندك مال فليس عليك زكاة، أو عندك مال لم يبلغ النصاب ليس عليك زكاة، أو عندك مال وبلغ النصاب لكن لم يحل عليه الحول ليس عليك زكاة وهي ركن.
والصوم ركن من أركان الدين ومن كان مريضاً أو مسافراً أفطر ويقضي بعد ذلك، والمريض مرضاً لا يرجى برؤه والأطباء يقولون: مرضك مزمن لا يمكن أن تشفى، أفطر طول حياتك ولا تصم وأطعم ويسقط عنك الصوم.
والحج ركن، وإذا كنت لا تستطيع الحج يسقط عنك الحج كل الشرائع تسقط إلا الصلاة! الصلاة لا تسقط بعدم الاستطاعة، صلِّ قائماً، لم يقل: لا تصل، لا.
قال: صل وأنت جالس، يا رب لا أستطيع أن أصلي وأنا جالس، صلِّ على جنب، يا رب لا أستطيع أن أصلي وأنا على جنبي، صل بالإيماء؛ أومئ إيماءً برأسك وأنت على السرير، كبر، الله أكبر اخفض رأسك في الركوع قليلاً وفي السجود أكثر، لا تستطيع تحريك رأسك فبعينك، لست متوضأً تيمم، لا تستطيع التيمم ليس عندك تيمم صل بغير وضوء، سريرك أو فراشك على القبلة الحمد لله، لا تستطيع أن تصلي إلى القبلة صل إلى غير القبلة ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١١٥] ثيابك طاهرة ونظيفة الحمد لله، وإن كان فيها نجاسة غيرها إذا لم يوجد أحد يغير لك صلِّ في ثيابك.
المهم، لا تترك الصلاة، لماذا؟ لأهميتها.
صلاة الأمن شرعها الرسول ﷺ ، لكن صلاة الخوف من الذي بينها: الله، صلاة الأمن صلاة المغرب ثلاثاً، والعصر أربعاً، والعشاء أربعاً، والفجر اثنتين، والظهر أربعاً، ما جاءت في القرآن، جاءت في السنة الثابتة الصحيحة، لكن صلاة الخوف جاءت في القرآن بالتفصيل حتى لا يقول شخص من الناس: نحن في معركة، نحن في جهاد، نحن نفتح الأرض لدين الله، فليس هناك داعٍ للصلاة، نصليها في وقت آخر، لا.
الصلاة حتى وأنت تجاهد تصلي، قال : ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء:١٠٢] تفصيل لكيفية صلاة الخوف، فليس هناك صفوف يا رب! الحرب محتدمة والسيوف مشتبكة، قال: ﴿فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البقرة:٢٣٩] إذا كنتم راجلين أو راكبين؛ على طائرتك أو على دبابتك أو في خندقك أو راجل صلِّ، لا تضيع الصلاة وذلك لأهمية الصلاة!
стр. 2859
كيفية الصلاة الصحيحة
لكن حتى تجد نتيجة لصلاتك صلِّ وانتظر النتيجة، فلا تسمى الصلاة صلاة إلا إذا توفرت فيها أشياء أساسية، وليس كل من صلى يعتبر مصلياً، كم من مصلٍ لم تتجاوز صلاته رأسه، المنافقون كانوا يصلون، يقول الله : ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٥٤] فأثبت الله لهم صلاة لكن بكسل، ونفقة لكن بإكراه ثم ذكر أنهم كفار: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ﴾ [النساء:١٤٢] سماهم الله منافقين وقال: إنهم يقومون للصلاة ولكنهم يقومون وهم كسالى،، وإذا أردت أن تعرف هل أنت مؤمن أم منافق: اسأل نفسك عن قيامك للصلاة، إذا كنت تقوم وأنت تسحب نفسك سحباً وهذا يظهر فيمن يوجد في الصفوف الخلفية يؤذن ولا يأتي، وتقام الصلاة ثم يأتي، لماذا؟ يقول أحد السلف: بئس العبد الذي لا يأتي إلا إذا دعي، يقول: بئس العبد الذي لا يأتي إلا بعد الأذان.
يقول ابن المسيب: [والله ما سمعت الأذان من خارج المسجد أربعين سنة ولا نظرت إلى ظهر مصلٍّ ولا خرجت يوماً من بيتي إلى المسجد فلقيني الناس وقد صلوا].
وكان السلف لا يسمعون الأذان إلا وهم في المسجد؛ لا ينتظرون الأذان، الأذان هو الإعلام بدخول الوقت فقط، ليس الإعلان لكي تأتوا للصلاة، هم يأتون قبل أن يدعوا، والآخر يقول: إذا رأيت الرجل تفوته تكبيرة الإحرام فاغسل يديك منه، يقول: هذا ليس بشيء.
وإن مما يؤسف له أن نرى بعض الملتزمين الذين عليهم علامات الدين وعلامات السنة في لحيته وثوبه ووقفته لكن تجده دائماً يصلي في آخر الصف، تكبيرة الإحرام لعب عليه الشيطان فيها، وتجد بعض عوام الناس في الصف الأول، هذا الذي في الصف الأول هو الملتزم الصادق، أما ذاك الملتزم الصوري ملتزم بالشكل لكن القلب فيه مرض، أدى به إلى أن يكون متخلفاً دائماً.
يؤذن المؤذن لكن لا يجيبه، ولو قلنا للناس: تعالوا قبل الأذان لن يأتي أحد، لكن تقول لنا عائشة: (كان رسول الله ﷺ يحدثنا ونحدثه فإذا سمع: حي على الصلاة حي على الفلاح قام كأنه لا يعرفه منا أحد) وكان الرجل يبيع ويشتري والميزان في يده، فإذا سمع الأذان وضع الميزان لا أحد يستطيع أن يغلق هذه الوزنة، انتهى.
لا يجوز، إذا عملت كذا معناه أنك تحب الله تحب الصلاة، أنت عندما يعزمك شخص تحبه، قال: الغداء عندنا أو العشاء الليلة عندنا، وأنت تحبه تأتي قبل الناس كلهم، تقول: والله آتي قبل الناس كلهم من أجل أن أتكلم أنا وإياه قبل أن يأتي الناس، لكن شخصاً لا تحبه ولا تطيقه ولكن تلزمك الظروف إما نسب وإما جيران وإما عمل نلزمك إن تذهب له فتقول: متى العشاء؟ فيقول: بعد العشاء، تقول: بعد العشاء وقت طويل، متى تضعون السفرة، لماذا؟ والله أنا مشغول وتنظر إلى الساعة فإذا جاءت الدقيقة تلك أتيت السفرة وعيناك على الصحن تأكله من عند الباب وتمشي مثل بعض الناس لا يأتي إلا إذا أقيمت الصلاة، يأتي آخر شخص ويخرج أول شخص؛ من أجل أن يسلم الإمام وهو عند الباب، ماذا بك؟ أنت مجنون؟ بينما المؤمن يأتي أول شخص ويخرج آخر شخص، بل يخرج هو يسحب نفسه بالقوة؛ لأنه يعرف أنه يدع روضة من رياض الجنة ويخرج إلى أماكن قد لا يحبها الله .
وحتى تكون الصلاة صحيحة ننتظر نتائج هذه الصلاة ولا بد أن تتوفر في الصلاة هذه الأشياء:
стр. 2860
الهيكل العام للصلاة
أولها: وهو الهيكل العام للصلاة والمعبر عند الفقهاء بشروط الصلاة وأركان الصلاة وواجبات الصلاة وسنن الصلاة، هذه لابد منها، لابد قبل أن تقف في المسجد بين يدي الله أن تتوفر فيك تسعة شروط -مثل- شروط الوظيفة قبل أن يدخل الشخص إلى الامتحان هل تتوفر فيه الشروط؟ إذا كانت تتوفر فيه الشروط، قالوا: ادخل، وإذا نقص شرطاً واحداً قالوا: لم تنطبق عليك الشروط، نقص شرط واحد فخذ ملفك, كذلك الصلاة لا تقف فيها إلا بعد توفر تسعة شروط، إذا توفرت هذه الشروط فادخل إلى الامتحان فإن نقص شرط اخرج.
ثم أركان الصلاة الهامة أربعة عشر ركناً لابد منها، ثم واجبات الصلاة لابد منها، ثم السنن والابتعاد عن المنهيات والمكروهات والمبطلات.
هذه لابد أن يعرفها المسلم وأن يحرص على توفرها في صلاته، وهذا ما يحتاج إلى التوسع فيه؛ لأن الطالب من أول صف إلى أن يتخرج من الجامعة وهو يدرس هذه الأمور، ومناهجنا -والحمد لله- مثالية في تعليم الدين، لكن أين التطبيق؟ عندي طفل صغير في صف رابع ابتدائي وعندهم في الفقه: الصلاة وأركان الصلاة ومن ضمنها الطمأنينة في جميع الأركان، فكنا نصلي في المسجد فقام وصلى السنة فعلى عادة الصغار يصلون بسرعة، ثم مشى وذهب إلى البيت، قلت: تعال يا ولدي! أنت صليت في المسجد، قال: نعم، والسنة، قال: نعم.
قلت: أسرعت، قال: كل الناس هكذا، قلت: لا.
ما علينا من الناس لكن أنت أخذت في الفقه (الطمأنينة) هات الكتاب، أتى بالفقه وقرأ علي أركان الصلاة أربعة عشر: القيام مع القدرة، تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة والركوع والرفع منه والجلوس والاعتدال والطمأنينة قلت له: ما معنى الطمأنينة في جميع الأركان؟ قال: لا أعلم، قد حفظها لكن لا يعلم ما هي الطمأنينة؟ قلت: الطمأنينة معناها أن تطمئن في صلاتك ولا تسرع، قال: لماذا أطبقها أليست مثل المحفوظات والقواعد ومثل الجغرافيا؟ هل شخص يطبق الجغرافيا يذهب يأخذ له خريطة ويذهب يمسح الدنيا؟ فالمصيبة الآن أن الناس يتلقون دروس الدين على أنها مناهج دراسية للنجاح وليست مناهج دراسية للعمل والتطبيق والتربية، فهذا معروف عند كثير من الناس، من الذي ينكر أن أركان الصلاة أربعة عشر؟ كل شخص يعرف من الصغار إلى الكبار، لكن من الذي يطبق؟ هنا المسألة.
стр. 2861
الخشوع في الصلاة
الأمر الثاني المهم في الصلاة: الخشوع.
الخشوع هو روح الصلاة، الصلاة جسد وروح؛ فجسدها: القيام والركوع والسجود والقراءة، وروحها: الحضور القلبي والخشوع، والجسد بدون روح ليس له قيمة، والصلاة بدون خشوع ليس لها قيمة، ولهذا لا يكتب لك من صلاتك إلا ما حضر فيها قلبك، وهل يحضر قلبك في كل الصلاة؟ مستحيل! ولهذا بدأ النبي ﷺ بالنصف، قال: (يكتب للعبد من صلاته نصفها) أي: الذي يجيد النصف هذا أكثر واحد، (نصفها ثلثها ربعها خمسها سدسها سبعها ثمنها تسعها عشرها) بعد العشر لا يبقي شيء، لماذا الشخص لا يستطيع أن يجيد الصلاة كلها؟ لأن أقدس موقف بين يدي الله هي الصلاة.
وهناك قوة خفية وهي: قوة الشيطان التي لا تريد لك أن تقف هذا الموقف فهي تصدك عن الصلاة بكل وسيلة، وإذا أردت أن تصلي تسلط على قلبك وأشغلك، ولذا لا يجد الإنسان وساوس ولا خطرات ولا أفكار إلا في الصلاة، هل يوسوس أحدنا وهو يتغدى أو يتعشى؟ ما رأيكم إذا وضعوا السفرة أمام أحدنا هل يأتيه وسواس؟ أو يأتيه تفكير؟ لا.
يفكر في اللحم وفي الأرز وفي الإدام والمحلبية والسلطة والخضرة فقط، تفكيره بالسفرة، هل يوسوس أحدنا أو يفكر وهو يشاهد المباراة؟ لا.
بل بعضهم لو أخذت الذي في يده لا يشعر، لكن لماذا يوسوس في الصلاة؟ لأن الصلاة كنز والشيطان يريد أن يسرقها عليك، ولذلك يقول أحد السلف: إذا نسيت شيئاً وأردت أن تذكره فقم إلى الصلاة، مباشرة يأتيك الشيطان من أجل أن يلهيك عن الصلاة، ولا يأتيك الشيطان بأهم شيء إلا إذا صليت، يعرف الشيطان من خلال ملابسته لك ما هو موضع اهتمامك، إن كنت تاجراً اهتمامك بالتجارة، وإن كنت تبني عمارة فتفكيرك كله في العمارة، كيف التفصيل؟ ومن المقاول؟ وأين نضع المجلس؟ وأين نضع الرخام؟ يضع العمارة كلها بين يديك، فإذا أكملت الصلاة ضيعها عليك فإذا بك لا صلاة ولا عمارة وهكذا.
أذكر قصة وقعت لي قبل نحو (٢٥ سنة) وكنت في أبها فأرسل لي أحد المحسنين مبلغاً من المال لتوزيعه على فقراء منطقة تهامة (مائة وخمسين ألفاً) وجاء بها في حقيبة دبلوماسية تركتها في ليلة من الليالي قبل التوزيع؛ لأني أرسلت إلى تهامة إلى بعض طلبة العلم لكي يأتوا ويوزعونها، فأردت زيارة أرحامي فأخذت أهلي وركبت فلما ركبنا في السيارة تذكرت الحقيبة، قلت: يمكن أن يسرقها لص وأنا ليس لدي إلا بيتي أبيعه وأعوض، فذهبت وأخذت الحقيبة ووضعتها في السيارة فإذا وصلنا البيت أنزلها، فوصلنا بيت الأهل وإذا بالمؤذن يؤذن فأنزلتهم وذهبت أصلي وجعلت الحقيبة في الحوض، أخرجتها من الحرز إلى الشارع! دخلت المسجد وصليت الركعتين -تحية المسجد- وجلست أقرأ وجاء الإمام فلما رآني قال: يا شيخ! أريد منك كلمة بعد الصلاة، قلت: خيراً إن شاء الله، فلما أقيمت الصلاة قدمني ولما قلت: الله أكبر، قال الشيطان: والحقيبة، لا حول ولا قوة إلا بالله! أي: لو أنه قال لي قبل الصلاة لخرجت، ولو تركني على الأقل أصلي وبعد ذلك يقول لي، أجل، المصيبة وقعت لكن مع بداية الصلاة، فأصابتني هزة أشبه بالصعق الكهربائي! (مائة وخمسون ألف ريال) أتركها في الشارع وأنا لا أملك في الدنيا إلا بيتاً لو بعته ما يأتي (بخمسين ألفاً)، و (المائة والخمسون الألف) في تلك الأيام تعدل مليوناً ونصف.
فما عرفت ماذا أقرأ من بداية الصلاة أردت أن أنصرف! صعب، أواصل! أصعب! جمعت نفسي وقرأت الفاتحة وأتى الشيطان وأنا في الركعة الأولى، قال: بسيطة ويضع لي حلولاً فخرجت من الصلاة وأنا لا أعلم ماذا صليت، ولما انتهيت من الصلاة أردت أن أخرج وإذا بأخينا إمام المسجد يقوم، قال: معنا في هذه اللحظة المباركة فضيلة الشيخ سعيد بن مسفر وقد أكرمنا الله به في هذه الساعة فنطلب من فضيلته أن يتحفنا بكلمة.
قلت: يا شيخ! لا يوجد لدي كلمة ألقيها.
قال: والله لابد أن تتكلم، لا حول ولا قوة إلا بالله! أنا ليس عندي كلام وحالتي النفسية مضطربة فقمت واستفتحت وتكلمت بكلمتين وقد قيدت الجالسين وما أردت أحداً أن يخرج خفت أن يخرج شخص من أمامي فيأخذها، فقيدتهم بالجلوس في مجالس الذكر وفضيلة مجالس الذكر وأن الذي يخرج من مجلس الذكر منافق، المهم سلمت وخرجت وإذا بالحقيبة مكانها فأخذتها ودخلت سجدت لله سجدة شكر، قلت: والله ما حفظها إلا ربي أما أنا فقد ضيعتها، لكن الشاهد أن الشيطان لا يذكر بالشيء إلا في الصلاة وأعدت صلاتي تلك.
لابد أن نحرص على مجاهدة أنفسنا في الصلاة، لا نقول: إنك تسلم (١٠٠%) لكن لا تستسلم (١٠٠%) كما قال ابن القيم: فهذا في صلاة وجهاد؛ لأنه قسم المصلين إلى خمسة أقسام، يقول: رجل ضيع حدودها وطهارتها فهذا خاسر، ورجل حفظ الحدود والطهارة والوضوء والركوع والسجود وضيع القلب والخشوع فهذا معاقب، ورجل يأخذ منه الشيطان ويأخذه من الصلاة، يقول: فهذا في صلاة وجهاد -والرجل الرابع والخامس ليسا موجودين الآن إلا أن يشاء الله- يقول: ورجل وضع قلبه بين يدي ربه واستشعر عظمة مولاه وعظمة الموقف الذي هو فيه، ففكر فيما بعد هذه الحياة -أين هو هذا؟ الله أكبر- يقول: فهذا مقرب.
стр. 2862
أسباب الخشوع في الصلاة
كيف تكون خاشعاً في صلاتك؟ للخشوع في الصلاة أسباب قبل الصلاة، وأسباب أثناء الصلاة، وأسباب بعد الصلاة.
فالذي قبل الصلاة: أن تأتي مبكراً وتصلي ركعتين تحية المسجد أو السنة القبلية وتقرأ القرآن وتتهيأ، ويسمونها عملية إحماء لكي تدخل في الصلاة وأنت جاهز، لكن أن تقعد في البيت حتى تقام الصلاة ثم تأتي من هناك وأنت متعب فكيف ستخشع؟ وبعضهم إذا دخل والإمام في الركوع صاح عليه من عند الباب: (إن الله مع الصابرين) لا ترفع ظهرك، دعني ألحق هذه الركعة -أعوذ بالله من الخزي- أليس هذا موجود الآن؟ وتراه من باب المسجد يلقي بأحذيته كأنه مجنون، هل يفعل هكذا إذا دخل على أمير أو وزير أو على ملك؟ الذي يذهب الآن ليسلم على الأمير أو الوزير ماذا يعمل؟ يجلس ساعتين وهو ينتظر، فلو دخل المجلس بهذه الطريقة ماذا يقال عنه؟ هذا مجنون ويمسكونه ويطردونه ويقولون له: أنت لا تعرف أين تذهب.
زيد بن علي بن الحسين كان إذا توضأ اصفر لونه، فيقال له: ماذا بك؟ فيقول: أتدرون بين يدي من سأقف بعد قليل، كانوا يضطربون ويخافون.
أحد السلف وهو من التابعين - حاتم الأصم - كان من أخشع عباد الله في الصلاة وكان يقول: لأن تختلج الأسنة في ظهري أحب إلي من أن أذكر شيئاً من الدنيا في صلاتي، يقول: تطعن في ظهري السهام ولا أذكر شيئاً من الدنيا في صلاتي، قالوا: كيف تصنع؟ قال: إذا سمعت نداء ربي توضأت ثم أقبلت على مسجدي فأقف بين يدي ربي فأتصور أن الجنة عن يميني والنار عن يساري والكعبة أمامي والصراط تحت قدمي وملك الموت خلف ظهري يريد أن يقبض روحي بعد هذه الصلاة، من يضمن منا أنه سيصلي الفجر أو يصلي العشاء؟ لا أحد يضمن! صل صلاة مودع، يقول: ثم أكبر بتحقيق: الله أكبر.
ولهذا لا داعي لأن أذكر شيئاً مع الكبير سبحانه، إذا كان الله أكبر في قلبي إذاً لماذا أذكر الدنيا؟ الله أكبر، يقول: وأقرأ بترتيل، وأركع في خضوع، وأسجد في خشوع، وأجلس في طمأنينة، وأتشهد في يقين، وأسلم في حذر ورجاء، ولا أدري أقبلت مني صلاتي بعد هذا أم ردت علي.
فالخشوع في الصلاة مطلب رئيسي يتوقف عليه قبول صلاتك أو رفضها، وما دمت قد تعبت وجئت إلى المسجد وتوضأت وتركت شغلك وقمت تصلي فجاهد الشيطان، كلها عشر دقائق.
الآن سنصلي العشاء ونعمل اختباراً لأنفسنا، سيأتيكم الشيطان ويأتيني، لكن الشخص إذا جاءه الشيطان يتذكر ويشغل نفسه بالتفكر في الآيات التي يقرأها الإمام ويقرأها هو، والتفكر في الأذكار ويجاهد الشيطان، ثم بعد الصلاة -بعد العشاء- الذي عنده وسوسة يوسوس إلى الفجر، لكن لا.
لا تأتي الوسوسة إلا في العشر الدقائق وبعدها لا يوجد وسوسة.
السبب الثالث حتى تكون الصلاة صحيحة: أن تكون في المسجد؛ إذ لا تقبل صلاة الرجل إلا في المسجد إلا من عذر مرض أو خوف، وشيخ الإسلام ابن تيمية يرى أن الجماعة شرط في صحة الصلاة بمعنى: أن الذي لا يصلي في المسجد وهو قادر وليس هناك مانع من خوف أو مرض أن صلاته غير صحيحة ويستدل على ذلك بأدلة قوية.
الأمر الرابع: أن يكون للصلاة أثر في حياتك ولا يكون عندك انفصام بين الصلاة وبين السلوك؛ لأن الله شرع الصلاة لكي تنهانا عن الفحشاء والمنكر: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] فلا يصلح أن تصلي في المسجد ثم تخرج تبارز الناس، تصلي وتكذب! تصلي وتغتاب! تصلي وتأكل الحرام وتشهد زوراً وتغش وتخون الناس، أين الصلاة؟! ما قيمة الصلاة إذا كانت الصلاة في وادٍ وسلوكك في وادٍ ثان؟! المصلي لابد أن يعرف في المسجد بصلاته وفي المجتمع بسلوكه، هذا مصلٍ لا يستطيع أن يكذب لكن إذا كان يصلي ويقع في الفحشاء فهو في الحقيقة لم يصل وإنما أدى دوراً تمثيلياً، والممثل غير الحقيقي، الممثل ممثل يؤدي دوراً مثل المسرحية، وهذا -أيضاً- ممثل، ولو أنه يصلي حقيقة لمنعته صلاته عن الفحشاء والمنكر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥].
الأمر الخامس وهو مهم جداً: أن تكون الصلاة قضيتك وشغلك مع نفسك وزوجتك وولدك وابنتك وعمالك وموظفيك، الصلاة هي عندك فوق وما معك إلا هي، وتحاسب الناس عليها وتقيمهم على قدر ما يحافظون عليها، كما قال : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه:١٣٢] وكما أثنى الله على إسماعيل، فقال: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ [مريم:٥٥] عندك عمال؟ حاسبهم على الصلاة، الذي لا يصلي أعطه خروجاً بلا عودة إلى يوم القيامة، لا يرجع ما دام أنه لا يصلي؛ لأنه كافر.
عندك أولاد؟ حين تدخل البيت تسأل ولدك: هل صليت؟ وتسأل المرأة: هل تصلي؟ عندك موظفون وأنت رئيسهم تقول لهم: هل صليتم؟ لا.
الذي لا يصلي ليس له عندي قيمة، الذي يخون صلاته هذا يخون عمله، الصلاة لك وليست لي، لكني أعينك على أدائها، والذي لا يصلي تجعله في آخر اهتمامك، يريد إجازة، تقول له: لا يوجد إجازة، يريد رخصة لا يوجد رخصة، كل ساعة وأنت على رأسه، إذا غاب حاسبه، لماذا؟ تربيه لكي يصلي، وذاك الذي يصلي تتجاوب معه وتعطيه تقديراً خاصاً؛ لأنه يصلي، وطبيعي إذا كان مصلياً سوف يكون طيباً في العمل.
стр. 2863
نتائج الصلاة
أيها الإخوة: هذه هي الصلاة التي يريدها الله منا، صل وانتظر النتائج وهي توفيق الله لك في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا: التيسير والرزق اليسير والحب في قلوب الخلق والرعاية من الله ، وفي القبر يجعل الله قبرك نوراً، وفي عرصات القيامة الخفة في الحساب، وبعد ذلك الفوز بالجنة والنجاة من النار، فنعيم الدنيا والآخرة وسعادة الدنيا والآخرة تتوقف على أشياء من أهمها: الإيمان بالله وتوحيده، ومتابعة النبي ﷺ والصلاة.
فحافظ عليها وأدها كما أراد الله لتشعر بهذه النعمة التي يقول فيها ابن القيم: والله لو سلمت قلوبنا ما شبعت من الصلاة ولا من كلام الله، وعندما نقرأ سير السلف نعلم أنهم كانوا يقومون الليل كله، ثم نفكر نحن فنرى أننا لا نستطيع أن نقوم حتى دقائق منه، تقول: كيف كانوا؟ نقول: هؤلاء عرفوا، يقول ثابت البناني: [كابدت قيام الليل عشرين سنة وتلذذت به عشرين سنة أخرى وما صليت الفجر إلا بوضوء العشاء] لا يعرفون النوم ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨] لماذا؟ لأنهم أحبوا الصلاة، أما نحن الآن نؤديها غصباً فقط، ومرة نقوم ومرة نسقط لضعف إيماننا ولعدم يقيننا بالله .
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا وإياكم من المصلين، وأن يحبب إلينا هذه الصلاة، وأن يجعلها قرة عيوننا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
стр. 2864
الأسئلة
стр. 2865
انحراف الشباب عن طريق الحق
السؤال
إن مما يحز في النفس أن نرى شباب المسلمين يضلون عن الطريق السوي وهو واضح لديهم وضوح الشمس، وبعض إخواني منهم؛ لذلك أسألكم بالله أن تدعو لهم خاصة ولشباب المسلمين عامة لعل الله أن يقبل هذا الدعاء في هذا المجلس المبارك؟
الجواب
صدقت هذه الأخت المباركة! إنه مما يحز في النفس فعلاً ويقطع الفؤاد والقلب أن نرى أبناء الإسلام أبناء العقيدة أبناء التوحيد أبناء الفطرة وهم يتساقطون صرعى في طريق الضلال والفسق بل وصل بعضهم إلى طريق الكفر والردة عن دين الله، وذلك بترك الصلاة؛ لأن ترك الصلاة كما هو مقرر عند أهل العلم كفر مخرج لصاحبه من الملة.
وترك الصلاة ليس معصية، ولكن كما قال ﵊: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) فهذه الأخت تتألم لما ترى من تصرفات لا تليق من بعض الشباب الصغار الذين في المدارس المتوسطة والثانوية وربما في الجامعات ولا يدركون مسئولياتهم أمام الله، ألا يعرفون أنهم مسلمون؟! وأن من أولويات إسلامهم المحافظة على الصلاة في المساجد بدون أن يلزمه أبوه أو أخوه بذلك؟! إلى متى تريد أباك يقول لك: صلِ صلِ، أنت رجل قد بلغت وأصبحت مكلفاً لا تحتاج من أحد أن يقول لك: صلِ، لكن هذا بسبب ضعف التربية وقلة التوجيه وتأثير وسائل الشر التي عمت وطمت وارتفعت فوق بيوت المسلمين وانفتح عليها الشباب والشابات والرجال والنساء وشغلوا بها حتى سرقت دينهم وسرقت عقائدهم وأخلاقهم فأصبحوا يتمنون أو يتصورون أنهم مثل هؤلاء يريدون أن يعيشوا مثلهم ويتخلوا عن هويتهم الدينية وعن شخصيتهم الإسلامية التي اختصهم الله بها وأكرمهم بها.
وهذه الأخت تقول: حتى إخواني، إخوانك وكثير لكن لا نملك إلا أن نوجه الآباء إلى الشعور بمسئوليتهم أمام الله في حماية أبنائهم، يقول الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢] ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] والذي يضع هذه الآلات وهذه الأجهزة في بيته فقد خان رعيته وغشهم، ومن مات وهو غاش لرعيته كما في الحديث الصحيح: (من مات وهو غاش لرعيته لم يرح رائحة الجنة) وندعو الله في هذا المجلس فلعله مجلس مبارك في هذه الساعة أن يهدي شباب المسلمين وأن يردهم رداً جميلاً إلى هذا الدين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 2866
حكم من منع الخادمة من الصيام
السؤال
إذا كانت عندي شغالة تصوم الإثنين والخميس، هل علي إثم إن منعتها من الصيام خوفاً عليها من التعب والمرض؟
الجواب
نعم، عليك إثم إذا منعتها من الصيام؛ لأنكِ قاطعة طريق بينها وبين الله، هذه خادمة! المفروض أنتِ الخادمة التي تخدميها، فلا تمنعيها من الصيام ولكن خففي عليها من الأعباء يوم الإثنين والخميس أو اجعليهما إجازة لها لتتفرغ لذكر الله وعبادته، والأعمال المنزلية في هذين اليومين قومي أنتِ بها، ليس حراماً أن تشتغلي في بيتك، بل من المآسي التي حلت على أسر المسلمين وأفسدت صحة النساء إسناد الأعمال المنزلية للخادمات! فتهطلت أجسام النساء وانتفخت وامتلأت بالشحم واللحم ثم ابتلوا بالأمراض بالسكر والضغط والذبحة الصدرية، تأكل من كل جميل وتجلس، حتى الهاتف لا تقوم له إذا دق تقول: هاتي الهاتف يا شغالة! وهي لا تتحرك أياماً وليالٍ حتى أصيبت بالمرض، بينما النساء الأوائل ما كان عندهن خادمات ولا متن جوعاً لا والله، بل إنهن مثل الغزلان بطنها لاصقة بظهرها وتقوم بالعمل داخل الدار وخارجها، والتي لا تقوم بشيء وهي جالسة كل شيء يخدمها ومع ذلك هي مريضة، تنام إلى الظهر وتقوم ووجهها منفوخاً مثل الكرة لا تدري أين وجهها من رأسها، وهذه الخادمة تريد أن تصوم، تقول: أمنعها، لا تصوم هي ولا تترك الناس يصومون، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
стр. 2867
حكم أخذ مال الزوجة
السؤال
موظفة تساعد أهلها بمبلغ شهري وزوجها يرفض ويحتج على ذلك، فهل تستمر أم تخالفه وتعطيهم في الخفاء؟
الجواب
لا يجوز للزوج أن يتدخل في راتب زوجته؛ لأن الشريعة قد كفلت لها حق التملك، فمن الظلم الذي يمارس الآن نحو النساء استبداد بعض الأزواج وظلمهم في أخذ رواتبهن وتهديدهن؛ إما أن يهددها بالطلاق أو يهددها أن يفصلها، وبعضهم يقول: لا، الدوام هذا في وقتي مشروع لي، من قال لك: إنه وقتك؟ هل هي أمة، هل هي ملك يمين؟ لا.
هي امرأة حرة تملك وقتها، لك حقوق تقوم بها، إذا قصرت في الحقوق التي نحوك هناك يجب أن تحاسبها، لكن ما دامت تقوم بحقوقك سواء كانت حقوقاً شخصية أو حقوقاً منزلية وعندها إمكانية أن تنفع نفسها وتنفع بيئتها أن تدرس وتربي بنات المسلمين ولا يترتب على هذا التعليم والوظيفة ضرر في دينها ولا دنياها، فلا يجوز لك أن تمنعها ولا يجوز لك أن تأخذ من راتبها شيئاً، وهي حرة التصرف في مالها، أشعرها بأنها شخصية مستقلة، لا تمارس عليها طغياناً ولا تهديداً، لماذا؟ هذا ظلم! والله سينتقم منك، وسوف تدعو عليك ولو سكتت، وتأتيك حينها مصيبة من السماء لا تعلم إلا وقد حصلت من السماء.
لا تظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله، نعم.
المرأة ضعيفة، والرسول ﷺ يقول: (استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عندكم عوان) ولا يكرم المرأة إلا كريم، ولا يهينها ويظلمها إلا لئيم، فلا تكن لئيماً: (خيركم خيركم لأهله).
راتبها لها وهي حرة التصرف فيه، وإذا أعطت والديها فأعنها؛ لأنها بارة، هذه امرأة صالحة تبر أمها وأباها لا تعنها على عقوق أمها وأبيها، بل أنت كن عوناً لها، قل لها: أعطي أمك وأباك -وأيضاً- إذا هي كريمة فيجب أن تشارك معنوياً في مهام البيت، تقوم بحقوقها الشخصية من راتبها تشتري ملابسها وأدواتها ووملابس أولادها، لا تكن أنانية؛ لأن بعض النساء أنانية ومادية تقول: والله لا أعطيك فلساً، فينظر إليها ويقول: هل هذه امرأة مستقبل؟ فيفكر أنها غير مخلصة وبالتالي ربما يتركها، لكنه عندما يراها تبذل معه وتشارك في بيته، وإذا جاء بسلعة تعطيه منها، وإذا اشترى سيارة تساعده: خذ مني ألفين أو خمسة آلاف أو عشرة آلاف وإذا خرجوا رحلة قالت: العشاء اليوم مني، تساهم معه، يأتيه شعور، يقول: هذه والله امرأة العمر، هذه شريكة الحياة، فلا ينبغي أن يكون الرجل طماعاً في حق المرأة -وأيضاً- لا ينبغي أن تكون المرأة بخيلة، يجب أن يكون كلاً منهما سمحاً في التعايش والتعاون على الحياة.
стр. 2868
كيفية معاملة الزوج لزوجته والعكس
السؤال
رسالة طويلة مضمونها: أن امرأة متزوجة وعندها أربعة أبناء، هجرها زوجها في بيتها وهي عنده في البيت بمثابة الخادمة، والسؤال يقول: هل يجوز أن أجلس معه في نفس البيت مع أنه لا يقوم بالنفقة علي بتاتاً فمعاملتي كمعاملة الخادمة التي تقوم بتلبية طلباته لا غير، فهل في جلوسي معه إثم علي؟ أفيدوني جزاكم الله خيراً.
الجواب
هذه المشكلة لا يمكن الجواب عليها إلا بعد معرفة أطرافها، ورأي الطرف الثاني، فإننا لا نتوقع أن زوجاً يهجر زوجته من غير سبب، الذي نوصي به هذه الأخت أن تبحث عن أسباب هجران زوجها لها.
بعض النساء تقول: لا يوجد أي سبب؛ لأنها لا ترى هي عيوب نفسها، فالجمل لا يرى اعوجاج رقبته، ولهذا لو سألته: كيف رقبتك يا جمل؟ لقال: مثل المسطرة وهي أعوج رقبة في الدنيا لكن لا يراها، عيونه مرتفعة يشاهد الدنيا كلها إلا رقبته، فالمرأة أحياناً لا ترى عيوبها، ترى الجوانب الحسنة فيها، لكن من الذي يرى المرأة ويقيمها ويرى عيوبها وحسناتها؟ ألصق الناس بها، من ألصق الناس بها؟ زوجها، فلذلك إذا هجرها نقول: لماذا هجرها؟ لا يهجرها إلا لسبب.
فلتكن المرأة واقعية ولتتخلى عن الأنانية ولتراجع نفسها بنوع من الجدية: ما الذي جعل زوجها يهجرها؟ ثم تبتعد عن هذه الأسباب وستجد في النهاية أن زوجها يرجع لها.
وأعرف أنا كثيراً من القضايا التي عرضت علي وعرفت أن السبب من المرأة، ولما عالجت المرأة الأخطاء رجعت الأمور كما كانت؛ لأن الرجل كما يقول بعض المربين: الرجل طفل كبير تستطيع أن تلعب به المرأة، تريده حلواً يكون حلوا، تريده مراً يكون مراً وناراً.
المرأة تشبه الرجل إذا كانت طيبة ماذا يصير هو؟ هل يصير بطالاً؟ لا.
والله لا يصير بطالاً أبداً، وإذا كانت المرأة طيبة وطائعة له؛ كلما قال لها قالت: أبشر، وإذا دعاها قالت: لبيك، نذهب؟ أبشر، لا نذهب؟ حسناً، كل شيء طيب، ماذا يصبح هو؟ يصبح أطيب منها، لكن إذا كانت عنيدة فكيف يكون هو؟ أعند منها، وهو يملك قدرات أكثر من المرأة، المرأة مسكينة لا تملك إلا القليل لكنه يملك كل شيء، يملك الضرب يملك النهر يملك الهجر يملك الطلاق يملك الطرد من البيت، فيستخدم هذه القدرات في الإضرار بالمرأة إذا أساءت، لكن لو أحسنت لا نتوقع إلا أن يكون مجنوناً أو شاذاً، أما إذا كانت تحسن إليه وتطيعه، وتعمل كل شيء يريده، وهو يأبى إلا الإعوجاج، فهذا لا يصلح أن يكون زوجاً، ولهذا شرع الله الطلاق.
لكن تجرب المرأة مع زوجها في أن تكون طيبة بطاعته الطاعة المطلقة في غير معصية الله، تطيعه في الشيء الذي لا تريده هي، كأن تقول له: اليوم نذهب نتمشى؟ فيقول: لا، فتقول: حسناً، وكذلك إذا قالت: نذهب للجيران أو للسوق، فأجابها بلا، فرضيت، لكن بعضهن يغضبن ويختلقن المشاكل؟ فيقول: والله لا نتمشى مدى الحياة، لكن لو أنها قالت: اليوم نتمشى وقال لها: لا، فقالت: إذاً لا نريد، فإنه سيأتي في اليوم الثاني بنفسه ويقول: هيا انهضي! لماذا؟ لأن الحياة أخذ وعطاء تأخذ بقدر ما تعطي.
ولهذا المرأة التي زفت ابنتها قالت لها: كوني له أمة يكن لك عبداً، وكوني له أرضاً يكن لكِ سماءً، وكوني له مهاداً يكن لكِ عماداً، لكن لا تعانديه مثل ما تعمل بعض النساء الآن، توصي ابنتها فتقول لها: لا ترضخي له! اجعليه يعلم أن معه امرأة، فتوصيها من أول ليلة بالعناد فلا يمر الأسبوع إلا وهي بعفشها وسيارتها مطلقة، الزوج يريد امرأة غير معاندة؛ لأن الحياة الزوجية هي شركة لها مدير، من المدير؟ الزوج، بعض النساء تقول: لا.
أنا المدير، فيقول: والله لا آخذ مديراً علي فيقوم ليطلقها، ومعظم قضايا الطلاق الآن الموجودة في المجتمع سببها عدم طاعة المرأة لزوجها، لوجود خلل في التفكير عند بعض النساء.
تظن بعض النساء أن طاعة الزوج نوع من الامتهان، وهذا خطأ، طاعة الزوج عبادة لله وتكريم للمرأة؛ لأنكِ حين تطيعينه يطيعك غصباً بعد ذلك، هكذا هندسة الأسرة تقتضي أن تكون هناك طاعة للآمر، فلو كنتِ مُدرسة ألستِ تطيعين مديرة المدرسة، فإذا غابت مدرسة وقامت المديرة بتوزيع جدولها على المدرسات الموجودات وكان لك نصيب من ذلك، ألست تطيعينها؟ هل قيام المدرسة بتدريس الحصة هو امتهان؟ لا.
يمكن أن تكون المدرسة أفضل من المديرة في شهادتها أو تفكيرها أو دينها، لكن ما دام أنها مديرة لابد أن تطاع، وما دام وزيراً لابد أن يطاع، وما دام ملكاً لابد أن يطاع، وما دام رجلاً لابد أن يطاع، وإذا ما أطيع الرجل في بيته شعر بنقص في رجولته فيصبر يصبر ثم ينقلب.
بعض النساء تمضي أمرها على زوجها وهو يقول: قد خسرنا! ولعل الله أن يهديها ويصبر أسبوعاً شهراً أو أكثر وتحسب أنه هكذا ولا تعلم إلا وقد تغير إما بطلاق وإما بزوجة ثانية، فنحن نوصي أختنا هذه رغم عدم علمنا بملابسات قضيتها مع زوجها وقد يكون هو المخطئ وقد تكون هي المخطئة لكن نقول كوصية أولية: ابدئي بالمبادرة منك وكوني طيبة وجربي وستجدين إن شاء الله أن زوجك سيكون طيباً.
стр. 2869
حكم وضع العباءة على الكتف
السؤال
ما حكم وضع العباءة على الكتف وإن كانت العباءة واسعة وفضفاضة؟
الجواب
العباءة على الكتف بشت والبشت للرجال، أما المرأة فيجب أن تكون عباءتها على رأسها؛ لأن العباءة إذا كانت على الرأس سترت الجسد كله، أما إذا وضعت على الكتف وكشفت الأكتاف وكشفت الأرداف وظهر جزء من الجسم وبالتالي وقعت المرأة في التبرج، وهذه المصيبة التي يقنع الشيطان بها الناس خطوة خطوة، الآن هي على الكتف وبعد أيام تنزل إلى الوسط، وبعد أيام تنزل كأنها رجل.
стр. 2870
حكم ترك الصلاة في المرض وكيفية القضاء
السؤال
امرأة مرضت بسبب إجراء عملية ولم تصل، فهل تقضي الصلاة؟ فإذا كانت تقضيها فكيف تقضيها؟
الجواب
هذه المصيبة وهي أن بعض الناس إذا مرض ترك الصلاة خصوصاً أهل العمليات الذين أصبحوا بجوار الموت، يصلي طيلة حياته فإذا أصبح في غرفة العمليات ترك الصلاة ومات على الكفر -والعياذ بالله- قال: أنا مريض، أنت مريض صلِّ، لست متطهراً، لا تحتاج إلى طهارة، اتقوا الله ما استطعتم، صلِّ ما دام عقلك معك.
يعفى عنك فترة التخدير، وإذا كان عقلك معك وفاتتك صلاة الظهر صلها، صلاة العصر صلها، وبعدها كل الصلوات تستطيع أن تجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بدافع المرض، وهذه المرأة التي عملت العملية وتركت الصلاة أخطأت وارتكبت جرماً عظيماً يخشى عليها من الكفر؛ لأن من ترك صلاة واحدة متعمداً حتى يخرج وقتها فقد كفر.
فهذه عليها أن تتوب إلى الله وأن تقضي الصلوات التي فاتتها مرتبة تقضيها الليلة، ليس كما يقول بعض الناس: أقضي الظهر مع الظهر والعصر مع العصر لا.
تصلي الظهر الآن -مثلاً- ترتب الأيام: ظهر، عصر، مغرب، عشاء، فجر، انتهت اليوم الأول، اليوم الثاني: فجر، ظهر، عصر، مغرب، عشاء، حتى تنهي أيامها، إن استطاعت كل الليل الحمد لله! قضت لها يومين أو ثلاثة وتعبت ترتاح ثم تقضي بحيث لا ينتهي يومها إلا وقد قضت جميع صلواتها التي فاتتها.
стр. 2871
حكم لبس البنطلون للنساء
السؤال
امرأة تسأل عن حكم لبس البنطلون سواء للنساء أو للبنات؟
الجواب
صرح العلماء بحرمة لبس البنطلون لسببين: الأول: أنه لبس مختص بالكافرات، والمرأة مأمورة بعدم التشبه بها؛ لأنه: (من تشبه بقوم فهو منهم) والتشبه بهم في الظاهر مظنة الحب والولاء لهم في الباطن.
الثاني: أن البنطلون مما اختص -أيضاً- به الرجال ولا يجوز للمرأة أن تتشبه بالرجال: (لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال) ولا نعلم لماذا المرأة المسلمة تحرص على هذا؟ لماذا البنطلون؟ أمك وجدتك إلى فاطمة بنت محمد ﷺ لا يعرفن البنطلون، هذا ما جاءنا إلا من الكفار والغرب، لماذا تحرصين على أن تتشبهي بالكافرات؟ إذا كان عندك بناطيل أحرقيها ولا تلبسيها، وخليك بثيابكِ العادية الساترة؛ لأنكِ مؤمنة مسلمة لست مثل هؤلاء.
والله أعلم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد
стр. 2872
ما هي رسالتك أيها الإنسان ؟
إن رسالة الإنسان في هذه الحياة عظيمة جداً، وحقيقة وجوده في هذه الحياة إنما هي لغاية كبرى، وهي عبادة الله وحده سبحانه، ولذا ترى كثيراً من النظريات الغربية المنحرفة في فهم حقيقة هذه الحياة مبتورة، لا يمكن بها الوصول إلى الغاية التي من أجلها وجدت الحياة؛ لأن هذه النظريات ابتكرها أناس بعقولهم القاصرة، بسبب البيئة التي عاشوا فيها وأرادوا أن يفرضوها على العالم، لكن سرعان ما تصرّمت وانحلت، ولم يثبت في هذه الحياة إلا ما شرعه الله تعالى في كتابه وسنة نبيه.
стр. 2873
حقيقة الحياة في هذه الأرض
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الضيوف الأعزاء: أنتم ضيوف على الجميع، ليس على المعهد فقط، وإنما على المنطقة بأسرها، حياكم الله ومرحباً بكم.
أيها الإخوة الأفاضل من المدرسين، وأيها الأبناء الكرام من الطلبة: أشكر بالدرجة الأولى الشيخ محمد بن أحمد بارك الله فيه، والإخوة المشرفين على برنامج التوعية الإسلامية في المعهد المبارك، أشكرهم على إتاحة هذه الفرصة التي ألتقي فيها بكم، وإن كنتُ حقيقةً لا أقول هذا تواضعاً، وإنما هي الحقيقة التي أعرفها من نفسي، قد أنفع في مجالات في بعض المساجد وأمام بعض المستويات التعليمية، ولكن أمام طلاب العلم في المستويات المتقدمة، في الثانوية، وفي المعاهد العلمية، وأمام العلماء، لا أجد لديَّ شيئاً أستطيع أن أقوله، وليس لدي بضاعة أستطيع بيعها؛ لأن بضاعتي مزجاة، وباعي قصير، ومتاعي قليل، ولكن قد أرغمت على النزول في هذا الميدان، فكان لا بد من النزول عند رغبة الإخوة، رغم علمي -مقدماً- بأن الفائدة محدودة، ولكن نسأل الله ﵎ أن يجعل البركة فيما نقول ونسمع.
أيها الإخوة: ما هذه الحياة؟ من الذي ألبسنا ثوبها؟ ومتى سنخلع هذا الثوب؟ ولماذا جئنا إليها؟ هذه الحياة سرٌ غامض، ولغزٌ محير، حارت في فهمه العقول والألباب في القديم والحديث، ولم تجد الإجابة الصحيحة عليه، وظلت البشرية حائرة، وستظل حائرة إلى أن تجد الجواب الصحيح الذي يجيب على تساؤلاتها، تلك التساؤلات التي تتردد في ذهن كل إنسان من أين جئت؟ وإلى أين سأذهب بعد أن يتم دوري على مسرح الحياة؟ ولماذا جئت؟ وما هي رسالتي؟ وما هي مسئوليتي؟ وما هو دوري؟ هذه الأسئلة -أيها الإخوة- أسئلة محيرة في الحقيقة، وحينما يطلب من البشرية أن تجيب عليها من ذاتها فإنما يُطلب منها المستحيل؛ لأنه لا يمكن أن تجد الإجابة الصحيحة من عندياتها ومن ذاتها، إلا بتلقٍ آخر من عند الذي خلق هذه الحياة وأوجد هذا الإنسان، وهو الله الذي لا إله إلا هو.
وكما يقول العلماء: العقل لوحده ليس كافياً لإدراك العلوم والمعارف.
العقل والذكاء والعبقرية والتفرد والنجابة، هذه لا تكفي فقط لإدراك العلوم والمعارف إلا عن طريق معلم، فلو جئنا بطفلٍ صغير، أو شابٍ من الصحراء، أو من أغوار تهامة، أو من شعث الجبال، وهو لا يعرف مفردات اللغة العربية، وطلبنا منه أن يقرأ رسالة بعقله وبذكائه وعبقريته، هل يستطيع؟ لا يستطيع ولو كان ذكياً، لا بد أن يتعلم الحروف الأبجدية، ولا بد أن يتعلم كيف يفك الكلمة، وكيف يحللها إلى مفرداتها، ثم بعد ذلك سوف يقرأ.
وعلى هذا قس كل العلوم، إذا أتيت بمسألة رياضية من المعادلات ذات المجهول أو المجهولين، وطلبت من إنسان لا قرأ الرياضيات ولا درسها أن يحلها بذكائه، فلن يستطيع، وإذا أتيت برسالة باللغة الإنجليزية، وطلبت من مدرس اللغة العربية الذي يعرف أسرار اللغة العربية كلها وقواعدها ومشتقاتها، وقلت له: اقرأ لي هذه الرسالة باللغة الإنجليزية، لقال لك: لا أستطيع، وإذا قلت له: أنت أستاذ في اللغة العربية، أنت ذكي وتفهم، اقرأها، لقال: لا أعرف؛ لأني ما درست هذا العلم! أجل، نصل إلى نتيجة وهي: أن العلوم لا تدرك بالعقل لوحده، بل لا بد من معلم، وما هذه المنجزات الحضارية التي تعيشها البشرية اليوم إلا وليدة مراحل متعددة من التجارب، مر بها الإنسان من بدايته إلى يومنا هذا، وأدخل بعض التحسينات على هذه المراحل، حتى وصلت البشرية إلى ما وصلت إليه من العلوم والمنجزات والمخترعات، لكن علم الآخرة؛ علم ما بعد هذه الحياة، علم لماذا جئت أنت لهذه الحياة؟ رسالتك ووظيفتك، هل يمكن أن تهتدي إليها بالعقل لوحده؟ لا.
لا بد من وجود معلم يعلمك ويقول لك: أيها الإنسان! أنت جئت لغرضٍ هو هذا، وأنت بعد هذه الحياة سيحصل لك شيء هو هذا، ومن الذي يستطيع أن يجيب على هذه الأسئلة؟ لا يستطيع أن يجيب عليها إلا الذي أوجد الحياة، والذي خلق الإنسان وأرسل الرسل، وبين للإنسان مهمته ووظيفته على هذه الحياة، وبين له ما سيكون بعد هذه الحياة في الدار الآخرة.
وإذا أرغم إنسان على أن يجيب إجابةً على علمٍ لا يعلمه، فإن الإجابة بالطبع ستكون خطأ، أليس كذلك؟ إذا أرغم إنسان على الإجابة على شيء لا يعرفه وعبر هو عن عجزه وقال: والله لا أعرف أن أقرأ الإنجليزي، قلنا: إما أن تقرأ وإلا ذبحناك، لا بد أن تقرأ الإنجليزي، فماذا سيكون الجواب؟ سيقرأ، لكن هل سيقرأ إنجليزي؟ سيأتي برطانة من عند نفسه، ويشعر فيها السامع أنها ليست عربية ولا هي أي نوع آخر، وإنما كلام ملفق، وستكون الإجابة خطأ، والنتائج تبعاً لذلك ستكون غلطاً وخطأ، وهذا هو الذي حدث للبشرية يوم أن طلب منها أن تجيب على أسرار هذه الحياة: ما هذه الحياة؟ من أين جاء الإنسان؟ وإلى أين سيكون بعد أن يموت؟ ولماذا جاء؟ لا تدري البشرية لماذا، ولكن لما أرغمت على الإجابة أجابت من عندياتها بإجاباتٍ خاطئة؛ وترتب على هذه الأخطاء أن بقيت النتائج كلها خطأ، وأصبحت البشرية تئن من ويلات تلك الأخطاء، وتعاني منها رغم تطورها المادي، فإنها وإن استطاعت أن تسبح في الفضاء، وأن تخوض في غمار العلم، وتغوص في الماء، وتخترع كل هذه الإنجازات، إلا أنها لم تستطع أن تسير شبراً واحداً أو خطوة واحدة في طريق الخير والنفع العام والصالح للبشرية، بل كل خطواتها من أجل تدمير البشرية، أجل.
كيف حصلت الإجابات الخاطئة؟
стр. 2874
نظرية ماركس في الحياة والرد عليها
سئل شخص من البشر عن هذه الحياة واسمه ماركس، وهو زعيم الثورة البلشفية الشيوعية في روسيا، أصله يهودي وابن زنا ليس له أب، دعيّ، نشأ في الملاجئ وفي ظل الحرمان، وتولدت في نفسه عقد نفسية نتيجة الظروف التي عاشها من الحرمان والفقر؛ ترتب على هذه الظروف أن أحس بإحباط وبحقد وبحرمان شديد مما في أيدي الناس، فلما كبر انعكست هذه الظروف على فكرته، ونادى في الجماهير الكادحة من أمثاله من المحرومين ومن الأدعياء وأبناء الزنا، نادى بأنه: لا إله والحياة مادة.
هذه نظرته، أن الحياة كلها في تصوره مادة، لماذا مادة؟ لأنه يشعر بالفقر تجاه المادة، يشعر بالحرمان تجاه المادة، ولذا نادى بدعوته الشيوعية، وألغى الملكية الفردية، وقال: الناس شركاء في كل شيء، حتى في الأعراض، ولما برزت هذه النظرية إلى حيز التطبيق أفرزت الفشل، وأعلنت أنها غير صالحة؛ لأنها لباس لا يليق بالبشرية.
الملكية الفردية هي غريزة عند كل إنسان، لا يستطيع ماركس أن يلغيها بجرة قلم؛ لأنها سنة من سنن الله في خلق الإنسان؛ لتعمير هذه الأرض، الله أوجد في كل نفس رغبة في التملك للشيء، إذا كان عندك إخوان في البيت أو أبناء وليكونوا مثلاً اثنان، واشتريت لهم لعبة مشتركة، فإنه سيحصل على هذه اللعبة شجار، كل واحد يمسكها من جانب، هات وفك، قال: فك، هذه لي، والله لآخذنها، المهم تشاجرا، وإذا وجدها أحدهما كسرها، حتى لا يأخذها الآخر وهي ما زالت سليمة، وإذا أخذها ذاك قال: أعطل فيها شيئاً، لأنها ليست ملكه وحده، لكن لو اشتريت لهم من السوق لعبتين وسلمت لكل واحد منهما لعبة، وقلت: أنت لك هذه اللعبة الحمراء، وأنت لك هذه اللعبة البيضاء، ماذا سوف يحصل؟ يحافظ عليها أم لا؟ يحافظ عليها ولن يحطمها، وتعيش معه مدة طويلة؛ لأنها له، ويشعر بأنها له.
فالملكية الفردية غريزة في النفس، وماركس لما قال: ليست هناك ملكية فردية، ومورست هذه الفكرة في المجتمع الشيوعي، والذي حصل أن الإنسان الروسي ما أصبح يحس بأهمية للعمل، ولا بأهمية للآلة، ولا بأهمية للنظام؛ لأنه مسمار في آلة الدولة، ولذا نتج عن هذا انخفاض في الإنتاج، وفساد في الإدارة؛ حتى إن روسيا التي كانت في الماضي سلة خبز العالم، أصبحت أفقر دولة تعيش على الهبات والمعاونات من أمريكا، وبدءوا ينقضون أفكارهم، ويلغون بعض أسس دعوة ماركس؛ لأنها دعوةٌ ليست حقيقية، وإنما هي جوابٌ خاطئ لعلم لا يعلمه ماركس، وألغيت النظرية التطبيقية الشيوعية في نفس الدول الشيوعية، التي ما زالت تتبناها وإلى الآن لم تلغ فيها.
هذا مثال على أن الإنسان إذا طُلب منه أن يجيب على علمٍ لا يعلمه أجاب بالخطأ.
стр. 2875
نظرية فرويد في الحياة والرد عليها
وهناك شخص كان اسمه فرويد؛ وهو عالم من علماء النفس، وكما يقول أحد الإخوة: إنهم علماء العفس والرفس.
الرفس أي: الرمح -تعرفون من هو الذي يرمح- هؤلاء العلماء يقولون: إنهم علماء نفس، علم النفس حقيقةً لا يعلمه إلا خالق هذه النفس، وكل العلوم التي تقدم لتفسير أسرار النفس من غير الكتاب والسنة، كلها هراء وكذب ولا تصح؛ لأن الله يعلم ما في نفوس هؤلاء العباد، وهو خالق النفس، وعارف أسرارها، وهذا جهاز مكبر الصوت، أصدق إنسان يتحدث عن أسرار هذا الجهاز هو صانعه، وإذا تعطل هذا الجهاز عند من نصلحه؟ عند صانعه، وإذا تعطل الجهاز ولم نذهب به عند صانعه ماذا يفعل به؟ يخربه، الآن هذا مسجل صغير خرب وذهبت به عند صاحب البنشر، وقلت: يا بنشري! من فضلك أصلح هذا المسجل، قال: هاته.
وعبأه زيتاً وشحَّمه ما رأيكم! أيصلح هذا الجهاز أم يخرب؟ وإذا خربت ساعتك في يدك، العقل يقول: اذهب بها إلى مهندس الساعات ليصلحها، لكن لو ذهبت بها إلى النجار، وقلت له: أمسك، لا صديق إلا وقت الضيق، الساعة وقفت ونريدك أن تصلحها، قال: ما عندي علم، ما أعرفها، قلت: كيف ما عندك علم؟ عندك المطارق وعندك المناشير والمسامير، مهندس ولا يستطيع أن يصلح ساعة!! تصلح باباً ولا تعرف إصلاح ساعة!! قال: أبشر، هات، وضربها بمسمار في وسطها، ونشرها ودقها بالفأس، أتصلح أم تخرب الساعة؟ تخرب.
هذا الإنسان، وهذه النفس البشرية الله خالقها وصانعها وبارئها: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢] ﴿خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:٢] ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:١ - ٣].
الله خالق هذه النفس فهو أعلم بأسرارها، أما النفس نفسها فلا تعرف أسرار النفس، جاء فرويد وهو من علماء (العفس والرفس)، فقيل له: يا فرويد! ما الحياة هذه؟ وكان عالماً كبيراً من علماء النفس، وكان الرجل معروفاً عنه في تاريخه وسيرته أنه إنسان شهواني من عبدة الجنس -أي: حمار شهوة- فقال: الحياة جنس.
يريد أن يفسر الحياة من منظاره الأسود، ومن منطلقه النجس، إنسانٌ هابط وشهواني، يعيش في أوحال الشهوات، ويريد أن يحول حياة البشر كلهم من الطهر والعفاف، والنقاء والكرامة، إلى حياة القردة والكلاب، والحمير والخنازير.
ويقول: لا توجد قيود على الجنس، يجب أن يعيش الناس ويمارسوا الجنس بإباحية كاملة.
قيل له: كيف؟! إن هذه حياة الكلاب، من يمارس الجنس الآن بإباحية كاملة إلا الحيوانات الهابطة؛ القردة والكلاب والخنازير والحمير وجميع الحيوانات، أما الإنسان فله قيود على الجنس؛ لأن الجنس في حياة الناس وسيلة لغاية وليس غاية، الجنس وسيلة لغاية بقاء الجنس البشري، إذ لو لم يجعل الله ميلاً في قلب الرجل إلى المرأة، وميلاً في قلب المرأة إلى الرجل؛ لانقرض الجنس البشري، وما بقي خلافة في الأرض تتحقق بها عمارة الأرض بطاعة الله ، فالله تعالى من حكمته أن أوجد ميلاً في الرجل والمرأة، كل منهما تجاه الآخر؛ من أجل أن يلتقوا عند الزواج، ويحصل من هذا اللقاء أولاد شرعيون؛ يحققون الرسالة والخلافة في هذه الأرض، ولكن فرويد يريدهم أن يلتقوا كما تلتقي الحمير.
والجنس حينما أوجده الله في الإنسان ضبطه، وحدَّد مساراً له، ما تركه فوضى؛ لأنه لو ترك فوضى فهي حياة الحمير والكلاب والحيوانات، إنما جعل الله له مساراً؛ هذا المسار هو مسار الزواج، يتحقق به الغرض الذي من أجله أوجد هذه الغريزة، ولا يترتب على هذا مفاسد من تحلل الروابط، وانفكاك الأسر، واختلاط الأنساب، وانعدام الثقة؛ فهذه كلها وليدة الإباحية الجنسية الموجودة في أوروبا والشرق، ودول الإلحاد والكفر.
أما الإسلام فقد أباح الزواج وشرعه، وندب إليه، وضبطه بمسار معين؛ من أجل أن تحصل فائدته، ولا يحصل له أي سلبيات أخرى، وكل شيء غير محكوم بنظام فإنه يتحول إلى فوضى، أليس كذلك؟ حتى اللعب الذي هو لعب وليس فيه نظام ولا هو جد، اللعب إذا لم ينضبط بنظام يصير فوضى كذلك؛ فكرة القدم مجرد لعبة رغم أنها تعيش في دواخل قلوبنا الآن، هذه اللعبة محكومة بنظام يسمونه قانون كرة القدم، وهذا القانون مكون من أكثر من مائة وعشرين مادة، ويشرف على تنفيذ هذا القانون الحكم، ويسمون الحكم سيد الملعب، ينزل الملعب كأنه يقطع الرءوس، وهو يحكم على جلد حمار منفوخ، ويساعده في تحكيم المباراة حكم رجال الخط، وشخص من هنا يغير معها، والآخر يغير معها من هنا، وحكم احتياطي جالس هناك؛ يمكن أن يموت الحكم أو يمرض أو يتعب فيدخل مكانه، ومائة وعشرون مادة من مواد تطبيق هذه اللعبة تبين لك أطوال الملعب، الطول مائة وعشرة، وعرض الملعب: سبعون، وطول القوائم -مثلاً- متران ونصف، وعرض العارضة التي فوقها ثمانية أمتار ونصف، ومنطقة الستة ياردة، ومنطقة الثمانية عشرة ياردة، ونقطة البلنتي تبعد عن الحارس باثنتي عشرة ياردة، وخط النصف، و (السنتر هاف) و (الباك فورد)، و (الونجلفت)؛ هذه كلها اسمها: قانون كرة القدم.
بالله لو قيل لأحد عشر لاعباً: تعالوا أنتم يا فريق أحد عشر هنا، وأنتم هنا، وهذه الكرة بينكم، ونريد منكم من يحرز هدفاً بدون حكم وقانون، إلى ماذا تتحول هذا المباراة؟ إلى معركة فعلاً؛ لأن أول واحد يمسك الكرة يريد هدفاً، وذاك أمسكه برجله، وذاك ركب عليه، وبعد قليل تجد اثنين وعشرين لاعباً كلهم فوق بعض والكرة تحت، ويحصل قتل ولا يخرج منها سالماً.
فإذا كان اللعب نفسه مضبوطاً بنظام، ولا يمكن أن يصير أبداً لعباً إلا بنظام، فكيف نريد أن يتصل الإنسان بالمرأة مثل ما يريد فرويد -هذا الملعون- عن طريق الإباحية الجنسية، وبغير نظام ولا تتدمر البشرية؟! لا يمكن أبداً، وما هو الآن واقع ومشاهد في أوروبا هو نتيجة دعوة فرويد.
الآن في أوروبا وفي أمريكا سلط الله عليهم جندياً من جنوده اسمه: الإيدز، جندي بسيط من جنود الله، والله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفتح:٤] جندي لا يرى بالعين المجردة، لا تستطيع أن تراه إلا إذا أدخلته في عدسة أو أدخلته في ميكروسكوب إلكتروني يكبر الحجم ثلاثة ملايين مرة، أي: يجعل الملي الذي هو واحد من عشرة من السنتيمتر، يجعله ثلاثة كيلو، يمكن أن ترى هذا الفيروس بالمجهر، هذا الجندي أقلق أمريكا وأوروبا ودمرها الآن، وشبحه يبرز في كل ميدان وشارع وملهى، وفي كل مكان؛ لأنه من جنود الله المسلطين الذين فيهم شدة الله وبأسه، وغضب الله ، هذا جاء نتيجة الإباحية الجنسية، حتى إن وزير الصحة السويدي ورئيس الصليب الأحمر عندهم، نادى نداءً عظيماً جداً قرأته بعيني في جريدة الشرق الأوسط، لما عملت إحصائية عن المصابين بالإيدز في العالم، وجد أنهم أكثر من اثنين وستين ألف مصاب والزيادة مستمرة! وأن أمريكا لوحدها فيها أكثر من أربعين ألفاً والبقية في أوروبا، وفي السويد وحدها ألف وستمائة واثنان وعشرون مصاباً بالإيدز، والسويد هذه من الدول الإباحية في العالم، وهي من الدول الاسكندنافية المتطورة جداً كـ الدنمارك والنرويج، لقد قال: إن علينا أن ننادي الشعب السويدي بتنظيم علاقته الجنسية، يقول: فهذا لا يجدي في محاربة الإيدز، ولكن علينا أن ننادي بقوة وبحزمٍ إلى أن يكون لكل رجلٍ سويدي امرأة واحدة فقط، يعني الإسلام، أي: أن تبقى علاقة الرجل بالسويد مع امرأة واحدة -أي: زوجة- لأن عندهم الزوجة واحدة في العرف والصديقات مائة في التطبيق العملي، وليس عندهم طلاق، لكن بإمكانها أن تأخذ لها مائة عشيق، وهو يأخذ له مائة صديقة، وهذا شيء يبيحه عندهم النظام.
هذا فرويد الخبيث قال مقولته هذه وثبت فشلها؛ لأنها جاءت من إنسان شهواني لا يعرف هذه الحياة إلا من منظاره، ولا يريد أن يفسرها إلا من شهواته.
وجاء غيره من العلماء، وليسوا بعلماء بل هم أجهل الناس بحقائق الكون، وحقائق هذه الحياة، بل بأنفسهم.
следующие страницы →