← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

حكم لبس البنطلون للنساء السؤال امرأة تسأل عن حكم لبس البنطلون سواء للنساء أو للبنات؟ الجواب صرح العلماء بحرمة لبس البنطلون لسببين: الأول: أنه لبس مختص بالكافرات، والمرأة مأمورة بعدم التشبه بها؛ لأنه: (من تشبه بقوم فهو منهم) والتشبه بهم في الظاهر مظنة الحب والولاء لهم في الباطن. الثاني: أن البنطلون مما اختص -أيضاً- به الرجال ولا يجوز للمرأة أن تتشبه بالرجال: (لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال) ولا نعلم لماذا المرأة المسلمة تحرص على هذا؟ لماذا البنطلون؟ أمك وجدتك إلى فاطمة بنت محمد ﷺ لا يعرفن البنطلون، هذا ما جاءنا إلا من الكفار والغرب، لماذا تحرصين على أن تتشبهي بالكافرات؟ إذا كان عندك بناطيل أحرقيها ولا تلبسيها، وخليك بثيابكِ العادية الساترة؛ لأنكِ مؤمنة مسلمة لست مثل هؤلاء. والله أعلم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد

стр. 2872

ما هي رسالتك أيها الإنسان ؟ إن رسالة الإنسان في هذه الحياة عظيمة جداً، وحقيقة وجوده في هذه الحياة إنما هي لغاية كبرى، وهي عبادة الله وحده سبحانه، ولذا ترى كثيراً من النظريات الغربية المنحرفة في فهم حقيقة هذه الحياة مبتورة، لا يمكن بها الوصول إلى الغاية التي من أجلها وجدت الحياة؛ لأن هذه النظريات ابتكرها أناس بعقولهم القاصرة، بسبب البيئة التي عاشوا فيها وأرادوا أن يفرضوها على العالم، لكن سرعان ما تصرّمت وانحلت، ولم يثبت في هذه الحياة إلا ما شرعه الله تعالى في كتابه وسنة نبيه.

стр. 2873

حقيقة الحياة في هذه الأرض الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الضيوف الأعزاء: أنتم ضيوف على الجميع، ليس على المعهد فقط، وإنما على المنطقة بأسرها، حياكم الله ومرحباً بكم. أيها الإخوة الأفاضل من المدرسين، وأيها الأبناء الكرام من الطلبة: أشكر بالدرجة الأولى الشيخ محمد بن أحمد بارك الله فيه، والإخوة المشرفين على برنامج التوعية الإسلامية في المعهد المبارك، أشكرهم على إتاحة هذه الفرصة التي ألتقي فيها بكم، وإن كنتُ حقيقةً لا أقول هذا تواضعاً، وإنما هي الحقيقة التي أعرفها من نفسي، قد أنفع في مجالات في بعض المساجد وأمام بعض المستويات التعليمية، ولكن أمام طلاب العلم في المستويات المتقدمة، في الثانوية، وفي المعاهد العلمية، وأمام العلماء، لا أجد لديَّ شيئاً أستطيع أن أقوله، وليس لدي بضاعة أستطيع بيعها؛ لأن بضاعتي مزجاة، وباعي قصير، ومتاعي قليل، ولكن قد أرغمت على النزول في هذا الميدان، فكان لا بد من النزول عند رغبة الإخوة، رغم علمي -مقدماً- بأن الفائدة محدودة، ولكن نسأل الله ﵎ أن يجعل البركة فيما نقول ونسمع. أيها الإخوة: ما هذه الحياة؟ من الذي ألبسنا ثوبها؟ ومتى سنخلع هذا الثوب؟ ولماذا جئنا إليها؟ هذه الحياة سرٌ غامض، ولغزٌ محير، حارت في فهمه العقول والألباب في القديم والحديث، ولم تجد الإجابة الصحيحة عليه، وظلت البشرية حائرة، وستظل حائرة إلى أن تجد الجواب الصحيح الذي يجيب على تساؤلاتها، تلك التساؤلات التي تتردد في ذهن كل إنسان من أين جئت؟ وإلى أين سأذهب بعد أن يتم دوري على مسرح الحياة؟ ولماذا جئت؟ وما هي رسالتي؟ وما هي مسئوليتي؟ وما هو دوري؟ هذه الأسئلة -أيها الإخوة- أسئلة محيرة في الحقيقة، وحينما يطلب من البشرية أن تجيب عليها من ذاتها فإنما يُطلب منها المستحيل؛ لأنه لا يمكن أن تجد الإجابة الصحيحة من عندياتها ومن ذاتها، إلا بتلقٍ آخر من عند الذي خلق هذه الحياة وأوجد هذا الإنسان، وهو الله الذي لا إله إلا هو. وكما يقول العلماء: العقل لوحده ليس كافياً لإدراك العلوم والمعارف. العقل والذكاء والعبقرية والتفرد والنجابة، هذه لا تكفي فقط لإدراك العلوم والمعارف إلا عن طريق معلم، فلو جئنا بطفلٍ صغير، أو شابٍ من الصحراء، أو من أغوار تهامة، أو من شعث الجبال، وهو لا يعرف مفردات اللغة العربية، وطلبنا منه أن يقرأ رسالة بعقله وبذكائه وعبقريته، هل يستطيع؟ لا يستطيع ولو كان ذكياً، لا بد أن يتعلم الحروف الأبجدية، ولا بد أن يتعلم كيف يفك الكلمة، وكيف يحللها إلى مفرداتها، ثم بعد ذلك سوف يقرأ. وعلى هذا قس كل العلوم، إذا أتيت بمسألة رياضية من المعادلات ذات المجهول أو المجهولين، وطلبت من إنسان لا قرأ الرياضيات ولا درسها أن يحلها بذكائه، فلن يستطيع، وإذا أتيت برسالة باللغة الإنجليزية، وطلبت من مدرس اللغة العربية الذي يعرف أسرار اللغة العربية كلها وقواعدها ومشتقاتها، وقلت له: اقرأ لي هذه الرسالة باللغة الإنجليزية، لقال لك: لا أستطيع، وإذا قلت له: أنت أستاذ في اللغة العربية، أنت ذكي وتفهم، اقرأها، لقال: لا أعرف؛ لأني ما درست هذا العلم! أجل، نصل إلى نتيجة وهي: أن العلوم لا تدرك بالعقل لوحده، بل لا بد من معلم، وما هذه المنجزات الحضارية التي تعيشها البشرية اليوم إلا وليدة مراحل متعددة من التجارب، مر بها الإنسان من بدايته إلى يومنا هذا، وأدخل بعض التحسينات على هذه المراحل، حتى وصلت البشرية إلى ما وصلت إليه من العلوم والمنجزات والمخترعات، لكن علم الآخرة؛ علم ما بعد هذه الحياة، علم لماذا جئت أنت لهذه الحياة؟ رسالتك ووظيفتك، هل يمكن أن تهتدي إليها بالعقل لوحده؟ لا. لا بد من وجود معلم يعلمك ويقول لك: أيها الإنسان! أنت جئت لغرضٍ هو هذا، وأنت بعد هذه الحياة سيحصل لك شيء هو هذا، ومن الذي يستطيع أن يجيب على هذه الأسئلة؟ لا يستطيع أن يجيب عليها إلا الذي أوجد الحياة، والذي خلق الإنسان وأرسل الرسل، وبين للإنسان مهمته ووظيفته على هذه الحياة، وبين له ما سيكون بعد هذه الحياة في الدار الآخرة. وإذا أرغم إنسان على أن يجيب إجابةً على علمٍ لا يعلمه، فإن الإجابة بالطبع ستكون خطأ، أليس كذلك؟ إذا أرغم إنسان على الإجابة على شيء لا يعرفه وعبر هو عن عجزه وقال: والله لا أعرف أن أقرأ الإنجليزي، قلنا: إما أن تقرأ وإلا ذبحناك، لا بد أن تقرأ الإنجليزي، فماذا سيكون الجواب؟ سيقرأ، لكن هل سيقرأ إنجليزي؟ سيأتي برطانة من عند نفسه، ويشعر فيها السامع أنها ليست عربية ولا هي أي نوع آخر، وإنما كلام ملفق، وستكون الإجابة خطأ، والنتائج تبعاً لذلك ستكون غلطاً وخطأ، وهذا هو الذي حدث للبشرية يوم أن طلب منها أن تجيب على أسرار هذه الحياة: ما هذه الحياة؟ من أين جاء الإنسان؟ وإلى أين سيكون بعد أن يموت؟ ولماذا جاء؟ لا تدري البشرية لماذا، ولكن لما أرغمت على الإجابة أجابت من عندياتها بإجاباتٍ خاطئة؛ وترتب على هذه الأخطاء أن بقيت النتائج كلها خطأ، وأصبحت البشرية تئن من ويلات تلك الأخطاء، وتعاني منها رغم تطورها المادي، فإنها وإن استطاعت أن تسبح في الفضاء، وأن تخوض في غمار العلم، وتغوص في الماء، وتخترع كل هذه الإنجازات، إلا أنها لم تستطع أن تسير شبراً واحداً أو خطوة واحدة في طريق الخير والنفع العام والصالح للبشرية، بل كل خطواتها من أجل تدمير البشرية، أجل. كيف حصلت الإجابات الخاطئة؟

стр. 2874

نظرية ماركس في الحياة والرد عليها سئل شخص من البشر عن هذه الحياة واسمه ماركس، وهو زعيم الثورة البلشفية الشيوعية في روسيا، أصله يهودي وابن زنا ليس له أب، دعيّ، نشأ في الملاجئ وفي ظل الحرمان، وتولدت في نفسه عقد نفسية نتيجة الظروف التي عاشها من الحرمان والفقر؛ ترتب على هذه الظروف أن أحس بإحباط وبحقد وبحرمان شديد مما في أيدي الناس، فلما كبر انعكست هذه الظروف على فكرته، ونادى في الجماهير الكادحة من أمثاله من المحرومين ومن الأدعياء وأبناء الزنا، نادى بأنه: لا إله والحياة مادة. هذه نظرته، أن الحياة كلها في تصوره مادة، لماذا مادة؟ لأنه يشعر بالفقر تجاه المادة، يشعر بالحرمان تجاه المادة، ولذا نادى بدعوته الشيوعية، وألغى الملكية الفردية، وقال: الناس شركاء في كل شيء، حتى في الأعراض، ولما برزت هذه النظرية إلى حيز التطبيق أفرزت الفشل، وأعلنت أنها غير صالحة؛ لأنها لباس لا يليق بالبشرية. الملكية الفردية هي غريزة عند كل إنسان، لا يستطيع ماركس أن يلغيها بجرة قلم؛ لأنها سنة من سنن الله في خلق الإنسان؛ لتعمير هذه الأرض، الله أوجد في كل نفس رغبة في التملك للشيء، إذا كان عندك إخوان في البيت أو أبناء وليكونوا مثلاً اثنان، واشتريت لهم لعبة مشتركة، فإنه سيحصل على هذه اللعبة شجار، كل واحد يمسكها من جانب، هات وفك، قال: فك، هذه لي، والله لآخذنها، المهم تشاجرا، وإذا وجدها أحدهما كسرها، حتى لا يأخذها الآخر وهي ما زالت سليمة، وإذا أخذها ذاك قال: أعطل فيها شيئاً، لأنها ليست ملكه وحده، لكن لو اشتريت لهم من السوق لعبتين وسلمت لكل واحد منهما لعبة، وقلت: أنت لك هذه اللعبة الحمراء، وأنت لك هذه اللعبة البيضاء، ماذا سوف يحصل؟ يحافظ عليها أم لا؟ يحافظ عليها ولن يحطمها، وتعيش معه مدة طويلة؛ لأنها له، ويشعر بأنها له. فالملكية الفردية غريزة في النفس، وماركس لما قال: ليست هناك ملكية فردية، ومورست هذه الفكرة في المجتمع الشيوعي، والذي حصل أن الإنسان الروسي ما أصبح يحس بأهمية للعمل، ولا بأهمية للآلة، ولا بأهمية للنظام؛ لأنه مسمار في آلة الدولة، ولذا نتج عن هذا انخفاض في الإنتاج، وفساد في الإدارة؛ حتى إن روسيا التي كانت في الماضي سلة خبز العالم، أصبحت أفقر دولة تعيش على الهبات والمعاونات من أمريكا، وبدءوا ينقضون أفكارهم، ويلغون بعض أسس دعوة ماركس؛ لأنها دعوةٌ ليست حقيقية، وإنما هي جوابٌ خاطئ لعلم لا يعلمه ماركس، وألغيت النظرية التطبيقية الشيوعية في نفس الدول الشيوعية، التي ما زالت تتبناها وإلى الآن لم تلغ فيها. هذا مثال على أن الإنسان إذا طُلب منه أن يجيب على علمٍ لا يعلمه أجاب بالخطأ.

стр. 2875

نظرية فرويد في الحياة والرد عليها وهناك شخص كان اسمه فرويد؛ وهو عالم من علماء النفس، وكما يقول أحد الإخوة: إنهم علماء العفس والرفس. الرفس أي: الرمح -تعرفون من هو الذي يرمح- هؤلاء العلماء يقولون: إنهم علماء نفس، علم النفس حقيقةً لا يعلمه إلا خالق هذه النفس، وكل العلوم التي تقدم لتفسير أسرار النفس من غير الكتاب والسنة، كلها هراء وكذب ولا تصح؛ لأن الله يعلم ما في نفوس هؤلاء العباد، وهو خالق النفس، وعارف أسرارها، وهذا جهاز مكبر الصوت، أصدق إنسان يتحدث عن أسرار هذا الجهاز هو صانعه، وإذا تعطل هذا الجهاز عند من نصلحه؟ عند صانعه، وإذا تعطل الجهاز ولم نذهب به عند صانعه ماذا يفعل به؟ يخربه، الآن هذا مسجل صغير خرب وذهبت به عند صاحب البنشر، وقلت: يا بنشري! من فضلك أصلح هذا المسجل، قال: هاته. وعبأه زيتاً وشحَّمه ما رأيكم! أيصلح هذا الجهاز أم يخرب؟ وإذا خربت ساعتك في يدك، العقل يقول: اذهب بها إلى مهندس الساعات ليصلحها، لكن لو ذهبت بها إلى النجار، وقلت له: أمسك، لا صديق إلا وقت الضيق، الساعة وقفت ونريدك أن تصلحها، قال: ما عندي علم، ما أعرفها، قلت: كيف ما عندك علم؟ عندك المطارق وعندك المناشير والمسامير، مهندس ولا يستطيع أن يصلح ساعة!! تصلح باباً ولا تعرف إصلاح ساعة!! قال: أبشر، هات، وضربها بمسمار في وسطها، ونشرها ودقها بالفأس، أتصلح أم تخرب الساعة؟ تخرب. هذا الإنسان، وهذه النفس البشرية الله خالقها وصانعها وبارئها: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢] ﴿خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:٢] ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:١ - ٣]. الله خالق هذه النفس فهو أعلم بأسرارها، أما النفس نفسها فلا تعرف أسرار النفس، جاء فرويد وهو من علماء (العفس والرفس)، فقيل له: يا فرويد! ما الحياة هذه؟ وكان عالماً كبيراً من علماء النفس، وكان الرجل معروفاً عنه في تاريخه وسيرته أنه إنسان شهواني من عبدة الجنس -أي: حمار شهوة- فقال: الحياة جنس. يريد أن يفسر الحياة من منظاره الأسود، ومن منطلقه النجس، إنسانٌ هابط وشهواني، يعيش في أوحال الشهوات، ويريد أن يحول حياة البشر كلهم من الطهر والعفاف، والنقاء والكرامة، إلى حياة القردة والكلاب، والحمير والخنازير. ويقول: لا توجد قيود على الجنس، يجب أن يعيش الناس ويمارسوا الجنس بإباحية كاملة. قيل له: كيف؟! إن هذه حياة الكلاب، من يمارس الجنس الآن بإباحية كاملة إلا الحيوانات الهابطة؛ القردة والكلاب والخنازير والحمير وجميع الحيوانات، أما الإنسان فله قيود على الجنس؛ لأن الجنس في حياة الناس وسيلة لغاية وليس غاية، الجنس وسيلة لغاية بقاء الجنس البشري، إذ لو لم يجعل الله ميلاً في قلب الرجل إلى المرأة، وميلاً في قلب المرأة إلى الرجل؛ لانقرض الجنس البشري، وما بقي خلافة في الأرض تتحقق بها عمارة الأرض بطاعة الله ، فالله تعالى من حكمته أن أوجد ميلاً في الرجل والمرأة، كل منهما تجاه الآخر؛ من أجل أن يلتقوا عند الزواج، ويحصل من هذا اللقاء أولاد شرعيون؛ يحققون الرسالة والخلافة في هذه الأرض، ولكن فرويد يريدهم أن يلتقوا كما تلتقي الحمير. والجنس حينما أوجده الله في الإنسان ضبطه، وحدَّد مساراً له، ما تركه فوضى؛ لأنه لو ترك فوضى فهي حياة الحمير والكلاب والحيوانات، إنما جعل الله له مساراً؛ هذا المسار هو مسار الزواج، يتحقق به الغرض الذي من أجله أوجد هذه الغريزة، ولا يترتب على هذا مفاسد من تحلل الروابط، وانفكاك الأسر، واختلاط الأنساب، وانعدام الثقة؛ فهذه كلها وليدة الإباحية الجنسية الموجودة في أوروبا والشرق، ودول الإلحاد والكفر. أما الإسلام فقد أباح الزواج وشرعه، وندب إليه، وضبطه بمسار معين؛ من أجل أن تحصل فائدته، ولا يحصل له أي سلبيات أخرى، وكل شيء غير محكوم بنظام فإنه يتحول إلى فوضى، أليس كذلك؟ حتى اللعب الذي هو لعب وليس فيه نظام ولا هو جد، اللعب إذا لم ينضبط بنظام يصير فوضى كذلك؛ فكرة القدم مجرد لعبة رغم أنها تعيش في دواخل قلوبنا الآن، هذه اللعبة محكومة بنظام يسمونه قانون كرة القدم، وهذا القانون مكون من أكثر من مائة وعشرين مادة، ويشرف على تنفيذ هذا القانون الحكم، ويسمون الحكم سيد الملعب، ينزل الملعب كأنه يقطع الرءوس، وهو يحكم على جلد حمار منفوخ، ويساعده في تحكيم المباراة حكم رجال الخط، وشخص من هنا يغير معها، والآخر يغير معها من هنا، وحكم احتياطي جالس هناك؛ يمكن أن يموت الحكم أو يمرض أو يتعب فيدخل مكانه، ومائة وعشرون مادة من مواد تطبيق هذه اللعبة تبين لك أطوال الملعب، الطول مائة وعشرة، وعرض الملعب: سبعون، وطول القوائم -مثلاً- متران ونصف، وعرض العارضة التي فوقها ثمانية أمتار ونصف، ومنطقة الستة ياردة، ومنطقة الثمانية عشرة ياردة، ونقطة البلنتي تبعد عن الحارس باثنتي عشرة ياردة، وخط النصف، و (السنتر هاف) و (الباك فورد)، و (الونجلفت)؛ هذه كلها اسمها: قانون كرة القدم. بالله لو قيل لأحد عشر لاعباً: تعالوا أنتم يا فريق أحد عشر هنا، وأنتم هنا، وهذه الكرة بينكم، ونريد منكم من يحرز هدفاً بدون حكم وقانون، إلى ماذا تتحول هذا المباراة؟ إلى معركة فعلاً؛ لأن أول واحد يمسك الكرة يريد هدفاً، وذاك أمسكه برجله، وذاك ركب عليه، وبعد قليل تجد اثنين وعشرين لاعباً كلهم فوق بعض والكرة تحت، ويحصل قتل ولا يخرج منها سالماً. فإذا كان اللعب نفسه مضبوطاً بنظام، ولا يمكن أن يصير أبداً لعباً إلا بنظام، فكيف نريد أن يتصل الإنسان بالمرأة مثل ما يريد فرويد -هذا الملعون- عن طريق الإباحية الجنسية، وبغير نظام ولا تتدمر البشرية؟! لا يمكن أبداً، وما هو الآن واقع ومشاهد في أوروبا هو نتيجة دعوة فرويد. الآن في أوروبا وفي أمريكا سلط الله عليهم جندياً من جنوده اسمه: الإيدز، جندي بسيط من جنود الله، والله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفتح:٤] جندي لا يرى بالعين المجردة، لا تستطيع أن تراه إلا إذا أدخلته في عدسة أو أدخلته في ميكروسكوب إلكتروني يكبر الحجم ثلاثة ملايين مرة، أي: يجعل الملي الذي هو واحد من عشرة من السنتيمتر، يجعله ثلاثة كيلو، يمكن أن ترى هذا الفيروس بالمجهر، هذا الجندي أقلق أمريكا وأوروبا ودمرها الآن، وشبحه يبرز في كل ميدان وشارع وملهى، وفي كل مكان؛ لأنه من جنود الله المسلطين الذين فيهم شدة الله وبأسه، وغضب الله ، هذا جاء نتيجة الإباحية الجنسية، حتى إن وزير الصحة السويدي ورئيس الصليب الأحمر عندهم، نادى نداءً عظيماً جداً قرأته بعيني في جريدة الشرق الأوسط، لما عملت إحصائية عن المصابين بالإيدز في العالم، وجد أنهم أكثر من اثنين وستين ألف مصاب والزيادة مستمرة! وأن أمريكا لوحدها فيها أكثر من أربعين ألفاً والبقية في أوروبا، وفي السويد وحدها ألف وستمائة واثنان وعشرون مصاباً بالإيدز، والسويد هذه من الدول الإباحية في العالم، وهي من الدول الاسكندنافية المتطورة جداً كـ الدنمارك والنرويج، لقد قال: إن علينا أن ننادي الشعب السويدي بتنظيم علاقته الجنسية، يقول: فهذا لا يجدي في محاربة الإيدز، ولكن علينا أن ننادي بقوة وبحزمٍ إلى أن يكون لكل رجلٍ سويدي امرأة واحدة فقط، يعني الإسلام، أي: أن تبقى علاقة الرجل بالسويد مع امرأة واحدة -أي: زوجة- لأن عندهم الزوجة واحدة في العرف والصديقات مائة في التطبيق العملي، وليس عندهم طلاق، لكن بإمكانها أن تأخذ لها مائة عشيق، وهو يأخذ له مائة صديقة، وهذا شيء يبيحه عندهم النظام. هذا فرويد الخبيث قال مقولته هذه وثبت فشلها؛ لأنها جاءت من إنسان شهواني لا يعرف هذه الحياة إلا من منظاره، ولا يريد أن يفسرها إلا من شهواته. وجاء غيره من العلماء، وليسوا بعلماء بل هم أجهل الناس بحقائق الكون، وحقائق هذه الحياة، بل بأنفسهم.

стр. 2876

نظرية داروين في الحياة والرد عليها جاء شخص ثالث واسمه دارون، ينقل عنه المؤرخون أن شكله شكل قرد، وقال: إن الإنسان تطور عبر سلسلة من المراحل حتى صار إنساناً، وأنه في الأصل كان قرداً. كيف كان قرداً؟ ما دام أن القضية تطورات، والإنسان كان قرداً وصار إنساناً، فلماذا لم يتطور الإنسان ويصير جملاً، أو ثوراً، أو وعلاً، أو يصير أي شيء؟ لماذا بقي عند الإنسانية؟ ما دامت القضية تطورية! لأن الشيء الذي يقبل التطور لا يقف بمنطق العقل. ورُدَّ عليه وثبت بطلان نظريته ونسفت من أساسها؛ لأن الإنسان إنسانٌ منذ خلقه الله، نعرف ذلك من كلام الله الذي خلق الإنسان، وهو قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].

стр. 2877

نظرية فروبل في حقيقة الحياة والرد عليها جاءت كثير من النظريات التي لا مجال لتعدادها، منهم شخص اسمه فروبل، يقول: إن نظريته قائمة على اللعب، وإن الله خلقنا في هذه الحياة من أجل أن نلعب. هذا مطرب يحب اللعب! ويقول: إن الناس ما خلقوا إلا للعب، ولما سئل: لِمَ يا فروبل؟ قال: ألا ترون الطفل الصغير لا يجلس إلا للعب دائماً باستمرار، يقول: لو أردت أن تجلس في مجلس وتلاحظ حركة طفل في السنة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة أو السادسة، فإنك تلاحظ فيه أنه لا يمكن أن يجلس خمس دقائق على نفس الجلسة، ثم يقوم يجلس ويتوقف ويقوم، لا بد أن يتحرك، فقال: هذا اللعب عند الإنسان دليل على أن الحياة كلها لعب. قيل له: يا فروبل! لا، اللعب في حياة الطفل لغرض؛ وهو أن الطفل ينمو، وما من يومٍ يمر عليه إلا وهو في زيادة في النمو، هذا النمو يجب أن يقابل بحركة من الإنسان، فإذا توقف الإنسان عن الحركة، توقف النمو، فحتى ينمو لا بد أن يتحرك، فإذا اكتمل بنيان الإنسان فلن يتحرك حركة إلا حركة إرادية؛ عندما يكون عمره عشرين سنة لو تحرك كيف ما تحرك لن يطول، ولذلك إذا فصَّل ثوباً وعمره عشرون سنة فلن يطول سنتيمتراً واحداً، انتهى، لكن من عمر سنة إلى أن يبلغ الإنسان وهو ينمو وينمو، فيجد أنه يتحرك حتى تنمو فيه العضلات، وتساعد على نمو جسمه، لكن لو توقف نموه عند سن معين يتوقف، ولو وقفت حركته لتوقف نموه، وهكذا. أجل! من الذي يجيب على هذه الأسئلة؟ ومن الذي يخبرنا عن حقيقة هذه الحياة؟ ومن الذي يخبرنا عن سر وجودنا في هذه الحياة؟ ولماذا جئنا؟ إن الجواب الصحيح لا يمكن أن يوجد إلا من خالق هذه الحياة، وموجد هذا الإنسان، ألا وهو الله الذي لا إله إلا هو. أما هذه الحياة فقد أخبرنا الله ﵎ أنها دار عمل، وأنها سوق ونحن نخوض غماره؛ فلنعمل فيه صالحاً، أو لنعمل فيه سيئاً، وأن الجزاء في الآخرة على ضوء السلوك في هذه الدنيا؛ قال : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٨٩ - ٩٠]، وقال : ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠].

стр. 2878

حقيقة وجودنا في الحياة الدنيا أما لماذا جئنا؟ فقد أخبرنا الله بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] هذا هو الهدف. هناك عالمٌ من علماء أوروبا، وهو بروفيسور، لكن في علم الآخرة لا يعرف شيئاً، أجهل من ثور أهله، قيل له: لماذا خلقت؟ قال: لآكل، ولماذا تأكل؟ قال: لأعيش؛ لأنه لو لم يأكل سيموت، قيل له: أنت تأكل لتعيش، لكن لماذا تعيش؟ لا بد لعيشك هذا من هدف، قال: لآكل، ولماذا تأكل؟ قال: لأعيش، وإذا به من آكل لأعيش، وأعيش لآكل، قال: وبعدما تأكل وتعيش، وتعيش وتأكل، وتصبح وتمسي من أجل أن تعيش وتأكل، وفي النهاية أين تذهب؟ قال: أموت. تموت!! الله خلقك لأجل أن تموت؟ لو أن الهدف من أن الله خلقك من أجل أن تموت، فإنك كنت ميتاً، وليس هناك حاجة ليوجدك وتمر عبر هذه المرحلة في بطن أمك، وبعدها ولادة وطفل ودراسة من أجل أن تموت؟! أجل كل موجود هنا فهو ميت، ولكن أنت وجدت لهدف: ما هو؟ قال: لا أدري، يعرف كل شيء في علم الدنيا، لكنه لا يعرف شيئاً في علم الآخرة، لا يدري! حتى قال شاعرهم: جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت كيف جئت؟ كيف سرت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري ولماذا لست أدري؟ لست أدري هذا منتهى الضلال والضياع، لا يدري لماذا جاء، ولو أنك وقفت مرة -مثلاً- على العقبة المتجهة إلى جيزان، ووقفت مع العسكري وهو يسمح للسيارات بالصعود والهبوط، وجاء صاحب سيارة وأوقفه العسكري، قال له: أين ذاهب؟ قال: لا أدري. من أين جئت؟ قال: لا أدري والله. ولماذا نازل؟ قال: والله لا أدري. ما رأيكم في هذا العسكري أيوفقه أم يتركه؟ يوقفه مباشرةً، ويقول: هذا أخبل ومجنون، لا يعرف إلى أين هو ذاهب، ولا من أين جاء، ولا يعرف لماذا نازل، هذا سكران سيعمل كارثة أو مجنون! ولا يسمح له بقيادة سيارة في رحلة مدتها ساعتان إلى جيزان أو ثلاث ساعات. لكن البشرية اليوم العاقل الكبير لا يدري من أين أتى، ولا يدري إلى أين هو ذاهب، في رحلة طويلة، ستون أو سبعون سنة يعيشها على ظهر هذه الأرض وهو لا يدري، ونقول: إنهم عقلاء ومفكرون، وإنهم أصحاب حضارة وإنجاز، وهم مفلسون، والله تعالى يقول: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] غفلوا عن الحقائق الأزلية التي من أجلها خلقوا، ولا يعرفون إلا ظاهراً من هذه الحياة، قال الله تعالى قبلها: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٦]، ثم أثبت لهم علماً ظاهراً لا يغني عنهم شيئاً إذا قدموا على الله . فالإيمان أيها الإخوة! هو الذي يجيب على هذه التساؤلات.

стр. 2879

طرق تعرف البشرية على الإيمان الحقيقي .

стр. 2880

الاستجابة لداعي الفطرة في النفس الإيمان قضية رئيسية في حياة الإنسان، ليست أمراً على هامش الوجود، إنها قضية سعادة أبدية أو شقاوة أبدية، إنها قضية جنة أو نار، ولذا كان حريٌ بالعقلاء أن يجعلوا أولى اهتماماتهم بالإيمان كيف يدعمونه، وكيف يرسخونه، وكيف يعرفون حقائقه، ولقد مارست البشرية طرقاً عدة في سبيل التعرف على الإيمان الحقيقي. فمنهم من استجاب لداعي الفطرة في النفس؛ فإن الله فطر كل نفسٍ بشرية على الإيمان به، قال الله : ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] وقال ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة -أي: على الإسلام- فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه) وقال ﵊ في الحديث القدسي عن الله : يقول الله : (إني خلقت عبادي حنفاء -أي: مستقيمين على الفطرة- فاجتالتهم الشياطين) أفي الله شك فاطر السماوات والأرض؟ ما من نفسٍ مفطورة إلا وعندها يقين أن الله خالقها، ولهذا سمي الإلحاد بالكفر؛ لأنه تغطية للحقائق، ألحد أي: مال وانحرف، وما استجاب لداعي الفطرة في نفسه.

стр. 2881

الاعتماد على مبدأ السببية في إثبات الإيمان ومنهم من اعتمد على مبدأ السببية في إثبات الإيمان وقال: إنه لا يوجد شيء إلا بسبب، ولا يكون حركة إلا بمحرك، ولا يكون خلق إلا بخالق، فقال كما قال الأعرابي: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فأرض ذات فجاج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحارٌ تزخر، أفلا يدل ذلك على السميع البصير؟ إن هذا الكون بما فيه من أسرار في كل شيء، بل ما فيك أنت أيها الإنسان من أسرارٍ في نفسك، فأنت كلك أسرار وألغاز من رأسك إلى أظافر قدمك، في نفسك وفي جميع أجهزتك من الذرة الموجودة فيك إلى المجرة الموجودة في العالم الخارجي، كلها تدل على الله . وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فمبدأ السببية مبدأ عقلاني؛ لأن هذه الحياة لا بد لها من خالق، والله خاطب العقول وقال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ [الطور:٣٥]، طبعاً العقول تقول: لا. ما خلقنا من غير شيء؛ لأن العدم لا يخلق شيئاً، قال بعدها: ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، هل خلقتم أنفسكم يا ناس؟! طبعاً يقولون: لا. ثم ما دام أنهم ما خلقوا من غير شيء، ولا خلقوا أنفسهم؛ تعين كنتيجة حتمية أن يكون لهم خالق وهو الله الذي لا إله إلا هو. ولو قلت لكم الآن: أتظنون أو تعتقدون فيَّ أنني أخاطبكم الآن وأنا بكامل قواي العقلية؟ ليس عندكم شك الآن أني عاقل، إذ لو كنتم تشكون أني أتكلم معكم من منطلق الجنون، ما جلستم أمامي وعطلتم حصصكم وجئتم تجلسون، لكن تريدون أن تسمعوا كلاماً يفيد، ولو قلت لكم وأنا أتحدث عن أسرار خلق هذا الميكرفون: لو سألني طالب وقال: يا أستاذ! كيف صُنع هذا الميكرفون؟ فقلت لكم: هذا الميكرفون كان في قديم الزمان قطعة من الحجر، ومرت عليه الرياح الشمالية والشرقية والجنوبية، وأيضاً عوامل التعرية من الأمطار والرياح ونحتته من هذا الجانب ومن ذاك الجانب، وجاءت حديدة ودخلت من هنا، وجاءت حديدة أخرى ودخلت من هنا، ومع الزمان صار (ميكرفوناً)، ما رأيكم، هل تصدقونني أم تكذبونني؟! لا تصدقونني. وقد يقول شخص: يا أستاذ! صحيح، لكن تلك الساعة كيف جاءت؟ قلت: هذه أصلاً كانت حديدة بيضاء في جبل من الجبال البيض، وجاءت الرياح وأخذتها ولطخت بها هنا، وهذا الهور كذلك كان حجراً ولطخت به الرياح وضرب هناك، ومع الزمن تجوف مع الرياح، وأصبح له (زقم) بارز في وسطه يا أستاذ! هذا كلام غير معقول! وجاء شخص آخر وقال: السلك المربوط من هنا إلى هنا، من أين جاء؟ هيا حلها الآن؟ قلت: أنت عقليتك قديمة، أنت رجعي، هذا السلك يا ولدي! مرت به الرياح على ظهور الغنم والإبل، وحملته الخرفان السود في نجد وانغزلت مع الزمن، وصار سلكاً وفجأة ارتبط هناك، وارتبط هنا وصار صوتاً، بالله هذا كلام عاقل؟!! تقولون: والله إنه أخبل، هيا قوموا نكمل دروسنا، هذا الأستاذ والله ما معه عقل، لماذا؟ لأني أتكلم بكلام يرفضه العقل ولا يمكن أبداً. هناك جهاز اسمه جهاز (الأمبيرفاير) الذي يكبر الصوت، فيه طاقة، وفيه جهد، ومائتين وعشرين، ومائة وعشرة، أحدهما يرفع والآخر للمايك وهذا، وهذا يا أستاذ! قلت: وهذا يا أخي! الله يهديك، كلما أجبنا لك على سؤال تأتيني بسؤال آخر، يا أخي! حرر عقلك، كن متطوراً ومتنوراً مثلما يقولون، افهم، هذه جاءت كذا، وطلعت كذا، وأضاءت لمبة من هنا، وكلها صدفة. هل تقبل العقول هذا الكلام؟! لا تقبل العقول هذا في جهاز بسيط، لكن كيف تقبل العقول أن يكون هذا الكون، بما فيه من أبراج ونجوم وعوالم ومجرات، ومن آخر العلوم المكتشفات قرأت قبل حوالي شهر في المجلة يقولون: كان العلم البشري يتوقع أن أعلى شيء في الموجودات هي المجرة؛ والمجرة: هي مجموعة من المجموعات التي من ضمنها المجموعة الشمسية، والمجموعة الشمسية تشتمل على عدة كواكب من ضمنها الأرض والشمس والقمر، ومن ضمنها: نبتون، وزحل، والمشتري، وعطارد، والمريخ؛ هذه كلها اسمها المجموعة الشمسية، وهي واحدة، يقولون: إن المجموعة الشمسية بالنسبة لبعض المجرات مثل قبضة رمل على شاطئ بحر، ويقولون الآن: إن هناك شيئاً استطاعوا أن يصلوا إليه وأن يكتشفوه بواسطة (الميكروسكوب الراديوي) ليس (الإلكتروني البصري)، الراديوي أي: يكتشفون بالميكروسكوب عبر موجات الراديو، التي تطلق ذبذبات على بعد ملايين ملايين المسافات والكيلوهات والسنوات الضوئية، يقولون: إنهم استطاعوا أن يكتشفوا أن هناك شيئاً سموها (الكواسار)، هذا الكواسار يقولون: لو أردنا أن نقيس حجمه نأتي بحجم المجرات التي اكتشفناها، ونضع واحداً صحيحاً وأمامه مائة صفر، ومن يقرأ هذا العدد؟ ستة أصفار: مليون، سبعة أصفار: عشرة مليون، تسعة أصفار: مليار، اثنا عشر صفراً: بليون، لكن مائة صفر من أين نعطي له اسماً؟! هذا الكون كله، وهذا الإنسان، وهذه الحياة كلها الله خالقها! ويأتي الإنسان هذا البليد ويقول: ليس لها خالق، إنها الطبيعة! هل الطبيعة التي تدوسها أنت بقدمك، هذه الطبيعة الصماء العمياء تخلقك أنت أيها السميع البصير؟! فاقد الشيء لا يعطيه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]. فمبدأ السببية هو مبدأ عقلي اعتمد عليه العقلاء في القديم بدون رسالات، وأثبتوا أن لهذا الكون خالقاً هو الله الذي لا إله إلا هو.

стр. 2882

إثبات الإيمان بقضية حسابية تجارية ومنهم من مارس القضية على أساس أنها قضية حسابية تجارية، فقالوا: نحن في الإيمان نكسب ولا نخسر شيئاً، ونحن بالكفر نخسر ولا نكسب شيئاً، حتى قال فيلسوف غربي اسمه باسكال: إن عليك قبل أن تقرر بين أن تؤمن أو لا تؤمن، عليك أن تقيس وتفكر فيما يمكن أن تربحه في الإيمان وما يمكن أن تخسره، وما يمكن أن تربحه بالكفر وما يمكن أن تخسره، ثم قال: إنك بالإيمان تكسب كل شيء ولا تخسر شيئاً مهماً، وإنك بالكفر تخسر كل شيء ولا تكسب شيئاً مهماً، بالإيمان ماذا تكسب؟ تكسب الصدق، والعفة، والوفاء، والكرم، والشجاعة، وتكسب كل شيء، وتخسر ماذا؟ تخسر الزنا، والزنا خسارة إذا لم تزنِ؟ العقول بدون دين ترفض الزنا، وتخسر الخمور، وهل الخمور مكسب؟ هي خسارة. كيف يسعى في جنون من عقل تخسر الكذب، والجبن، والخصال الرذيلة، فهذه ليست خسارة، بل تركها كسبٌ لك أيها الإنسان. وقال أبو العلاء المعري؛ وهو فيلسوف ملحد، قادته فلسفته إلى الإلحاد والكفر -والعياذ بالله- يقول بيتين من الشعر: زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأجساد قلت: إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما يقول: أنا سأموت، فإن جاء في الآخرة بعث ونشور فأنا لم أخسر شيئاً، لكن لو جاء يوم القيامة وليس هناك بعث ولا نشور فأنت الخاسر، أنا ما خسرت شيئاً، وطبعاً نحن لا نأخذ إيماننا من هذه النظرية القائمة على الاحتمال، هذه نظرية أبي العلاء المعري الذي يقول: أنت خاسر وأنا سأكسب مباشرة، وليس عنده يقين، ولذلك ألحد. لكن. نحن نأخذ إيماننا عن طريق الجزم والحق الذي نجزم بأنه هو الحق، وأن ما عداه فهو الباطل، وأن دين الله الذي شرعه الله، وأنزله الله ﵎، هو دين الله الذي يصلح لكل حياة، والمؤمن -أيها الإخوة- حينما يهتدي لا يخاطر بدنياه من أجل أن يربح في آخرته، بل هو يربح دنياه ويربح آخرته؛ لأن هذه الحياة ستبقى شقاءً، وستبقى غايةً في الضلال إلا أن يعمرها الإنسان بطاعة الله .

стр. 2883

حال المجتمعات بدون إيمان أيها الإخوة: إن هذه الحياة لا يمكن أن تهدأ فيها النفس البشرية، ولا يمكن أن تعيش سويةً إلا في ظل الإيمان بالله ﵎، يقول الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧]، والإيمان -أيها الإخوة- من الضروريات لسعادة الإنسان في هذه الحياة، سواءً كان فرداً أو كان مجتمعاً، فإن الإنسان بغير دينٍ في ظل الكفر -والعياذ بالله- سيعيش ريشةً في مهب الريح، تتقاذفه الأمواج، وتتلاطمه الشبهات، وتستحوذ عليه الشهوات، ولا يدري من يجيب، ولا يدري من يستمع له، فسيكون في ضلالٍ وحيرةٍ، حتى يرجع إلى الله ﵎، وكذلك ستبقى هذه التساؤلات في نفسه، فهو حيوان شرسٌ، وسبع ضارٍ، لا تستطيع الثقافات ولا النظم ولا المراقبات أن تحد من شراهيته، أو أن تحد من طغيانه، بل إنه يدور فقط مع مصالحه وفي فلك منافعه والعياذ بالله. أما على مستوى المجتمع؛ فإن المجتمع بغير دين سيتحول إلى مجتمع غابة، وإن لمعت فيه بوارق الحضارة؛ فإنه مجتمع غابة، بل والله إن في مجتمع الغابات رأفةً ورحمةً أعظم مما في مجتمع الإنسان بغير الدين. وأنتم ترون الآن كيف تمارس أفظع أنواع الوحشية مع المسلمين في فلسطين في القرن العشرين، أنا ما رأيت المنظر لكن أحدهم أخبرني به، والله إني ما استطعت أن أنام الليل، يقول: جاء اليهود باثنين أو ثلاثة من الشباب المسلمين، وأوقفوهم وأخذوا الحجارة يدقون بها على أكواعهم، ويدقون أكتافهم، ويدقون ركبهم، تكسير، وما يمارس هذا التعذيب مع تيس، إذا أردت أن تذبح تيساً كيف تفعل به؟ تريح ذبيحتك عندما تذبحه، فلو ذبوحهم وأطلقوا النار عليهم لكان هيناً، لكن يرضونه على مرأى من العالم كله، ولا أحد يتحرك، لا مسلم يغار، ولا كافر يرحم، أين الإنسانية؟ يقول الشاعر: عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وغرد إنسان فكدت أطير المجتمع بغير دين مجتمع غابة حقيقةً، ولو لمعت فيه بوراق الحضارة الحياة فيه للأقوى لا للأتقى، مجتمع تعاسة حقيقةً وإن توفرت فيه أسباب الرفاهية، مجتمع تافه؛ لأن اهتمامات أهله تدور فقط في فلك شهوات البطون وملذات الفروج فقط، ولذا لم تتحقق السعادة للناس في ظل الكفر في أوروبا، وقد وفروا لأنفسهم أكثر الإمكانات البشرية والمادية فعاشوا عيشة البهائم. إن في العالم من الشباب من له وظيفة وتجده في الأخير يأخذ حبوباً ويشربها ليموت! أو يذهب إلى قمة جبل ويلقي بنفسه منه، أو يأخذ المسدس ويقتل نفسه؛ لأنه تعيس، يبحث عن السعادة في كل شيء فلم يجدها؛ لأن السعادة لا يمكن أن تكون إلا في ظل الإيمان بالله . المجتمع بغير دين -أيها الإخوة- هو مجتمع ضلال، ومجتمع حيرة وانتكاسية؛ لأنه طوَّر المادة لكنه دمر الإنسان. وهل الإنسانية الآن مطورة أم مدمرة؟! إنها مدمرة، يقول أبو الحسن الندوي وقد سافر إلى أمريكا وعاد وكتب كتاباً، يقول: زرت أمريكا فوجدت فيها ناطحات السحاب، ووجدت فيها الشوراع الفسيحة، والموانئ العظيمة، وسمعت فيها هدير المصانع والآلات، ووجدت فيها كل شيء، غير الإنسان ما وجدته. يقول: ما رأيت الإنسان بإنسانيته ومبادئه، وبغايته الكريمة، يقول: وجدت مسخاً يمشي على قدمين وفي يده كلبٌ يأكل معه في صحفة واحدة. فالمجتمع بغير الدين مجتمع ضلال وحيرة؛ لأنه طوَّر المادة، ودمر الإنسان، فهو وإن استطاع أن يحقق شيئاً من الماديات إلا أنه لم يحقق شيئاً من سعادة البشر، إلا من أجل تدميره ومن أجل -والعياذ بالله- القضاء عليه، وما حرب النجوم عنا ببعيد، تسمعون الآن وقبل فترة مشاريع ضخمة ترصد لها المليارات من الدولارات من أجل المسابقة إلى غزو الفضاء، وإلى السيطرة على العالم الأرضي من خلال حرب النجوم، هذه ملايين تؤخذ من البشر ولو قسمت عليهم لما كان في الأرض شقي ولا فقير، لكن لما كانت البشرية بغير دين أصيبت بهذه الويلات والنكبات. هذه أيها الإخوة! بعض اللمحات عن الإيمان وأهميته وأثره في حياة الفرد والمجتمع، وقد يقول قائل: ما هو الإيمان الذي نعنيه؟ ما هو الإيمان الذي نريده؟ أهو مجرد تصورات، أو سلوك، أو عبادات؟ ما هو الإيمان الحقيقي الذي ينفع؟ ثم ما أسباب زيادة الإيمان؟ وما أسباب ضعف الإيمان؟ وما أسباب إحباط الإيمان؟ هذه الأسئلة الأربعة تحتاج إلى وقتٍ مثل الذي قضينا فيه، وأسأل الله ﵎ أن يعين وأن يوفق على اللقاء بكم مرة أخرى للإجابة عليها؛ لأن الوقت محدد لي من قبل الشيخ فقد حدده بالدقيقة، قال: لا تزد ولا تنقص، هذه حصة، وليست فلتة، قال: لك خمسة وأربعون دقيقة، فأظن أني أخذت أكثر من خمس وأربعين دقيقة، فأستميحه عذراً وأستسمحكم أيضاً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 2884

الأسئلة .

стр. 2885

الأمور التي تعين على تقوية الإيمان السؤال ما هي الأمور التي تقوي الإيمان في قلب المسلم؟ ومتى يجب على المسلم أن يداوم على ذلك حتى يصبح قوي الإيمان؟ الجواب يقول السلف: كنا لا نتجاوز العشر آيات من القرآن حتى نعيهن ونتدبرهن ونعمل بهن ونطبقهن، هذا الذي ينفع، أما فقط قراءة هذرمة، لا تنفعك ولا تغني عنك يوم القيامة، الله أنزل القرآن لا لتقرأه هكذا، الله تعالى يقول: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] هذا الأول: قراءة القرآن، ولكن تستعين أيضاً بالله، ثم ببعض الكتب المفسرة للقرآن الكريم، بعض الكتب التي تفسر لك بعض مفردات القرآن، وبعض أسباب النزول، وبعض الأقوال المأثورة فيه، أو القول بالرأي فيه، حتى تكون عندك ثقافة قرآنية كبيرة، تفهم فيها مراد الله . الأمر الثاني: قراءة سنة النبي ﷺ -أي: الحديث الشريف- وليكن في كل يوم تقرأ حديثاً واحداً، ولو استمريت على هذا سيكون معك في الشهر ثلاثون حديثاً، وفي السنة ثلاثمائة وستون حديثاً، وفي عشر سنوات تصير محدثاً كبيراً، تعرف الحديث، ودرجة صحته ومفرداته اللغوية، والأحكام الشرعية المستنبطة منه، وماذا يعنيك منه؟ وهل طبقته أو ما طبقته؟ وأخصر كتاب أدلكم عليه هو كتاب رياض الصالحين، الذي احتوى على الأحاديث الصحيحة وليس فيه حديث موضوع، والأحاديث الضعيفة فيه قليلة، فما فيه إلا بضعة عشر حديثاً ضعيفاً، ولكنها من فضائل الأعمال، وهو من أصح الكتب، وهو مبوب على أبواب تستفيد منها في كل شئون حياتك، لا بد يومياً بعد ما تغلق القرآن تأخذ رياض الصالحين وتقرأ فيه حديثاً، وتسأل نفسك فيه، وتطبقه حتى تحفظه؛ لأنه لا يمكن أن تحفظ حديثاً وما عملت به، فمن وسائل حفظ الأحاديث العمل بها. الثالث: الحرص على ممارسة العبادات والفرائض وفي جماعة المسلمين، وبكامل الطهارة والخشوع والخضوع، وفي الصف الأول، وتحرص باستمرار على الصلاة في الصف الأول، وأن تحج، وأن تصوم أحسن صيام، وتؤدي كل الفرائض الشرعية، وتحرص على ممارستها حرصاً قوياً. الرابع: البعد كل البعد عن المعاصي والذنوب؛ فإنها تحرق الإيمان وتنسف الإيمان من الأساس، فإن الإيمان مثل الشجرة يغذيها الماء ويحرقها البنزين، لو وضعت تحت شجرة ناراً، ماذا يصير؟ تحترق، أو صابوناً أو بنزيناً أو جازاً تحترق، فأكثر الناس الآن يريد إيماناً وهو يغني، يحرق الإيمان بالأغاني، ويحرق الإيمان بالنظر المحرم، ويحرق الإيمان -والعياذ بالله- بقلة الدين، فلا تعص الله؛ لأنك إن عصيت الله ضعف إيمانك، فحاول أن تبني وتحمي، لا أن تبني وتهدم. هذه الرابعة؛ الحرص كل الحرص على الابتعاد عن الذنوب صغيرها وكبيرها، دقيقها وجليلها، ظاهرها وباطنها، المتعلق بالقلب وبالجوارح، كل الذنوب حاول ألا تقع فيها، وإذا وقعت في شيء فسارع بالتوبة والرجعة إلى الله . الخامس: أن يكون لك قرين وصاحب خير، زميل تختاره اختياراً كما تختار الذهب الأحمر؛ لأنه: إذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي عليك أن تختار القرين الصالح، والزميل المناسب، الذي في مثل دينك أو أكثر؛ لأنه إذا كان أكثر منك سيسحبك معه، أما إذا كان أقل منك سينزلك معه. هذه الخامسة؛ أن يكون لك زميل صالح. كيف تختاره؟ من خلال الممارسة تراه، من أين تتعرف عليه؟ من المسجد، في الصف الأول، يقرأ كلام الله، فيه حب للخير، تمشي معه أول يوم، أقيمت الصلاة وإذا به مباشرةً معك، كذلك إذا قرأت القرآن، لكن من يوم أن ترى منه دعوة إلى أي معصية أو إلى تثاقل عن طاعة الله فاحذر منه فإنه شيطان. السادس من الأمور التي تقوي الإيمان وتحفظه وتزيده: الحرص كل الحرص على الابتعاد من قرناء السوء؛ لأن قرين السوء مثل الجمل الأجرب الذي يعدي ولا ينفع، فلو أدخلنا جملاً أجرب بين سبعين جملاً صحاح، هل تتعاون السبعين على أنها تقيه العافية من الجرب، أم هو يستطيع أن يعديها كلها؟ هو يعديها كلها وتصير بعد سنة جرباء كلها، لكن هي لا تتعاون على أن تصلحه؛ لأن الشر ينتشر، والخير يصعب انتشاره إلا بصعوبة. هذه هي وسائل تقوية الإيمان إن شاء الله تعالى، نسأل الله أن تداوم عليها يا أخي السائل! وأن يزيد الله إيمانك، وأن ينور الله بصيرتك.

стр. 2886

مكفرات السيئات السؤال ما هي المكفرات التي تكفر سيئات المسلم في الدنيا والآخرة؟ الجواب المكفرات عشرة، ذكرها الإمام ابن تيمية ﵀، منها في الدنيا ومنها في الآخرة، ذكرها في الجزء العاشر من الفتاوى في باب السلوك: مكفرات الذنوب عشرة أشياء، لكن ليس مقامها الآن.

стр. 2887

نصيحة للشباب الغير متزوج السؤال نريد منكم يا فضيلة الشيخ! نصيحة للشباب المسلم غير المتزوج الذين طغى عليهم الجنس وممارسته بطرق غير مشروعة؟ الجواب الجنس غريزة موجودة في كل كائن، والله شرع لنا وسيلة لتفريغ هذه الغريزة عبر مسار نظيف اسمه: مسار الزواج، ولهذا قال النبي ﵊: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة -أي: النفقة والقدرة على الزواج- فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج) هذا الزواج، (ومن لم يستطع) فعليه بيده! مثل ما يفعلونه الآن ويسمونها العادة السرية، أي: نكاح اليد؛ لأن العصاة والمجرمين قدموا المعاصي في قوالب مقبولة بتسميات مختلفة، فيسمون نكاح اليد: عادة سرية، التي بها لعنة الله ورسوله، والتي أخبر النبي ﷺ أنه يأتي يوم القيامة ويده حبلى له؛ يبعث يوم القيامة ويده مثل الجبل فيها ستمائة أو سبعمائة ولد، ما هذا؟ قال: هؤلاء عيالك في الدنيا، لا إله إلا الله!! نكاح اليد محرم، وفيه فتوى صادرة من هيئة كبار العلماء، نحتفظ بها، وهي موقعة من كبار العلماء، ولا تنظروا لمن قال لكم: إنها أهون من الزنا، الباطل لا يحارب بباطل، والبديل لا يكون منكراً، الرسول ﷺ يقول: (فعليه بالصوم) فقط، وقال الله في الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المعارج:٢٩ - ٣٠] فقط، زوجتك أو ملك يمينك، ثم قال ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون:٧] أي شيء حتى ولو يده: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٧] أي: المعتدون على حرمات الله ، فأنت أيها المسلم! إن استطعت أن تتزوج فالحمد لله، وإن لم تستطع أن تتزوج فعليك وسائل تتبعها حتى تقلل من لهيب الجنس ولوعته في قلبك: أولاً: غض بصرك ولا تفتح عينك؛ لأن الشاعر يقول: والمرء ما دام ذا عينٍ يقلبها في أعين الغير موقوف على الخطر غض البصر؛ لأن غض البصر هذا من أعظم وسائل الحماية للإنسان. ثانياً: لا تستمع للأغاني؛ لأنها تهيج الشهوة إلى جانب كونها محرمة؛ لأن الغناء كله يتحدث عن الحرام، ليس فيه كلام إلا: يا ليل، ويا عين، ويا حبيبة، ويا طولها، ويا عرضها فقط، كلام فاضٍ، فلا تسمع الأغاني بأي حالٍ من الأحوال. لا تنظر إلى النساء، وغض بصرك، وكذلك لا تنظر إلى المسلسلات والروايات والمسرحيات؛ لأنها تحرض على الجنس والحب والغرام والعشق والهيام. أيضاً: لا تقرأ في كتب الروايات، ولا تشترِ المجلات؛ لأن فيها أصحاب الصور العارية الرخيصة. أيضاً: لا تفكر في هذه الأمور تفكيراً يستغرق عليك وقتك، وإنما إذا جاءك التفكير قم إلى القرآن، خذ المصحف واقرأ القرآن، أو قم إلى الصلاة، وبعد ذلك عليك بالصوم وهو أول وأفضل دواء، كما قال ﵊، وإذا كنت تقول: كيف أصوم؟ فلتصم الإثنين والخميس من كل أسبوع، أو تصم ثلاثة أيام من كل شهر، فإنه -إن شاء الله- يعينك إذا قصدت بذلك وجه الله تعالى، والاستعانة على كبح الشهوة في نفسك، فهذا دواء ناجع بإذن الله تعالى، وإذا ابتليت بحكم جاهليتك في الماضي بالتعرف على فتاة، ووقع في قلبك ميلٌ نحوها، فابحث من الآن إمكانية الزواج بها، قبل أن تتخرج، دع أهلك يتقدمون لها، أو يعقدون لك عليها، فإن كانت الطرق مهيأة، والسبل ممكنة، وأهلها موافقون، فحاول أن تعقد، وإذا صارت زوجتك فأحبها كثيراً، لا نقول لك: لا؛ لأن الحب الحلال حلال، واذهب وتكلم واجلس معها. وإن كنت بحثت عن الطريق الموصل إلى الزواج بهذه البنت وقالوا لك: لا. والله لا نزوجك، رفض أبوها أو رفضت أمها، أو رفض أبوك أو رفضت أمك، وطبيعي أنك لن تتزوج بفتاة غصباً عن أبيها وأمها، أتأخذها غضباً؟! لا، لا بد من رضا الولي: (لا نكاح إلا بولي وشاهدين)، فإذا عرفت أن الطريق مسدود إلى الزواج بها، فإن البقاء في العلاقة معها لا طائل تحته، لماذا؟ لأنك تلهب قلبك وليس هناك طريقة للحل؛ لأن أصل الحب هو ميل المرأة إلى الرجل، ولا يمكن أن يطفئه إلا اللقاء بها، ولا يمكن ذلك إلا عن طريق الزواج، وإذا تم اللقاء بها من غير زواج يزيد النار لهيباً هل هو حلال أن تزني بها؟ أو أن تجلس معها؟ بل هو حرام وليس بحلال، صحيح أنه يغضب الله، ومعصية من معاصي الله، وكبيرة من كبائر الذنوب، ولكن إلى جانب ذلك مشكلة عليك أنت، لا تنحل المشكلة، لا يحل مشكلتك من حب الفتاة إلا الزواج بها، فإن كان الزواج ممكناً فالحمد لله، وإن كان غير ممكن فقف واقطع طريق الرجعة عليها وعلاقتك بها، وافصلها بحزم الرجال وقوة الأبطال، ولا تفكر في شيء حتى تتزوج، ثم إذا تزوجت كما مال قبلك إلى الأولى سيميل قلبك إلى زوجتك؛ لأن بعض الناس يقول: لا والله إني لو أخذت مائة امرأة أني ما أحب إلا تلك، نقول له: لا والله إنك تحب زوجتك أكثر منها، وشيء مجرب، أول شيء كيف أحببت هذه وأنت كنت لا تعرفها؟ من طريق تعرفك عليها، أو رأيتها وكلمتها، وكذلك زوجتك الجديدة إذا تزوجت بها، إذا رأيتها وجلست معها ستحبها أكثر من تلك إن شاء الله. وبعضهم يقول: كيف أفعل؟ نقول: أنت رجل مؤمن وعاقل، تعرف أنك بهذا الكلام والاتصال والمراسلة، أو بأي اتصال مع المرأة، تعرف أنك لا يمكن أن تلتقي بها عن طريق الزواج، إنما تدمر نفسك وعرض مسلم وعرضها، وبعد ذلك النهاية فشل في فشل، فمن الآن كن قوي الإرادة، عظيم النفس، عالي الهمة، أعلن التمرد القوي على نفسك وعلى عاطفتك وقل لها: والله لا يمكن، وقد وضعت هذا الجواب لشخص من الشباب، وكان رجلاً حقيقةً بارك الله فيه ووفقه، والآن عنده ولدان من زوجته الجديدة، فقد جاءني وهو يبكي من لوعة الحب في قلبه تجاه بنت رفض أبوها أن يزوجه إياها، وقال له: والله لا تنكحها وأنا حي، فجاء الولد يقول: ماذا أفعل؟ رفض أن يزوجني، قلت: ماذا تريد؟ تريد أن تغصبه على ابنته، لو أن عندك بنتاً ورفضت أن تزوجها لشخص، هل يغصبك أحد على ابنتك؟ هذا يكون في غير الإسلام، يكون في الشيوعية، أما نحن فمسلمون، هذه ابنتي لا أزوجها إلا ممن أريد، وكذلك هذا الرجل هو حر في اختيار زوج ابنته، أنت لا تصلح لها، ولهذا هو ما يريدك يا أخي! قال: ماذا أفعل؟ قلت: الآن اتصل بها. فاتصل من مجلسي وأنا أمليه الكلام في ورقة، كلاماً شديداً قوياً، وعندما أكمل قلت له: ابصق في وجهها، فبصق في التلفون في وجهها، فهي وضعت السماعة؛ لأن عندها كرامة عندما تكلم عليها وقال: أنتِ خبيثة، وأنتِ مجرمة، وأنا لا أريدكِ، وأنا أعلن قطع الصلة بكِ، ومن الآن لا تكلميني ولا أكلمكِ، ووضع السماعة وذهب الرجل، وبعد يومين جاءني وقال: اتصلت بي، قلت: ماذا فعلت؟ قال: تفلتها، قلت: وهي ماذا صنعت؟ قال: بكت، قلت: فما موقفك أنت؟ قال: والله يا شيخ! يوم أن بكت تألم قلبي، قلت له: أنت ضعيف، أنت لا تصلح للجنة، تريد الجنة وأنت عبد شهوتك! كيف تعلن عبوديتك لله ثم تصير عبداً لامرأة، حرامٌ عليك! ثم قلت له: ارفع السماعة، فرفع السماعة وقال لها مثل كلامه الأول، فردت عليه وقالت: الله لا يردك، ولعن الله أباك وأمك، قالتها له، ويوم لعنت أمه وأباه، يقول: والله إن الله أخرج حبها من قلبي كما تخرج الشعرة من العجين، قلت: اذهب وابحث لك عن امرأة الآن، فذهب وتزوج بامرأةٍ، وبعد ما عقد عليها ودخل بها أحبها، وصار عنده ولدان منها، يقول لي: والله إني من أسعد الناس بهذه الزوجة. فقضية الجنس ولهيبه لا تعالج بأنك تبكي، فإنك إذا أتيت على نار مشتعلة هل تطفئها أم تؤججها؟ إذا أججتها التهبت، وإذا أطفأتها خمدت، فإذا كان عندك شيء في قلبك كبشرٍ فأخمد هذه الشهوة بعدم سماع الغناء، والنظر إلى النساء، وقراءة المجلات والخزعبلات، والنظر إلى المسرحيات، وقراءة الروايات، وبعد ذلك صم، والله يوفقنا وإياكم، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2888

من أين نبدأ ؟ ابتدأ الشيخ محاضرته بالحديث عن محاسبة النفس، والحث عليه، مبيناً خلال ذلك أهمية استغلال الأيام والليالي في مرضاة الله وطاعته، كما تحدث أيضاً عن المخرج من ورطة الحياة، وذكر أنه لا مخرج من ذلك إلا بطاعة الله والتمسك بدينه، ثم بدأ بتناول الأمور التي يتوجب على المسلم أن يبدأ بها في رسم طريقه نحو نيل مرضاة الله .

стр. 2889

وقفة محاسبة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أيها الإخوة في الله: يدور الزمان دورته، وتمر الليالي والأيام، ويعود إلينا شهر رمضان، فرصة يتيحها الله للمؤمنين، وتمديد في الأعمار، وتأجيل للآجال، وقد يأتي رمضان ونحن في عالم آخر؛ في عالم الأموات، كما صنع بغيرنا من الناس، فكم من أسرة كانت -في رمضان الماضي- ترى يد رب الأسرة وهي تمتد إلى الطعام في وجبة الإفطار والعشاء والسحور، افتقدت هذه اليد في هذا الشهر، وكم من أسرة افتقدت يد الأم وافتقدت يد الولد وافتقدت يد البنت، وما حصل للناس يمكن أن يحصل لنا، وما لم يحصل لنا في هذا العام فقد يحصل لنا في العام القادم، والخاسر هو الذي يفوت مثل هذه الفرص، كما سمعتم قول الله : ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام:٣١]. أما آن للإنسان أن يتوب -أيها الإخوة! - إلى متى وهو يتعاقب عليه الليل والنهار وهو يسير إلى النار؟! لماذا يقطع رحلة المصير والنار إلى جهنم؟! يقول : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]. أنت تسير يا أخي! ولا تدري أنك راكب على مطية الليل والنهار وهي تنزل بك في منازل الآخرة وأنت لا تشعر، فهل الأولى والخيار المناسب لك أن تنتقل عبر مطايا الليل والنهار إلى السعادة والفوز والفلاح والنجاح، أم إلى الشقاء والدمار والهلاك؟ لا خيار لك، فالخيار الأفضل والبديل الأمثل أن تستجيب لداعي الله، يقول الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦]. ما لك خيار في الجنة والنار، لا بد لك -وقد قضى الله أن تعبده، يقول : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣] فما دام قضى الله أن تعبده -وليس لك خيار فيما قضى الله- فلا بد أن تستجيب، والذي لا يستجيب ويأبى إلا أن يركب رأسه ويسير إلى النار، فهذا يقول الله فيه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ [لقمان:٢٣] ويقول : ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات:٤٦] ويقول: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣] ويقول : ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥ - ٢٦]. هذه الأيام مطايا أين العدة قبل المنايا؟ أين الأنفة من دار الأذايا؟ أين العزائم أرضيتم بالدنايا؟ إن بلية الهوى لا تشبه البلايا إن خطيئة الأحرار لا كالخطايا يا مستورين!! ستظهر الخفايا سرية الموت لا تشبه السرايا قضية الزمان لا تشبه القضايا ملك الموت لا يعرف الوساطة ولا يقبل الهدايا أيها الشاب! ستسأل عن شبابك أيها الكهل! تأهب لعتابك أيها الشيخ! تدبر أمرك قبل سد بابك يا مريض القلب! قف بباب الطبيب يا منحوس الحظ! اشك فوات النصيب لذ بالجناب ذليلاً وقف على الباب طويلاً واستدرك العمر قبل رحيله وأنت بداء التفريط عليلاً إخواني! أين من أدرك مقامات المقبولين؟ أين من خفت مطاياه خلف المشمرين؟ أين من تأهب لأفزاع يوم الدين؟ أين من اتصف بصفات أهل اليقين؟ لله در نفوس تطهرت من أدناس هواها وتدرعت بلباس الصبر عن عاجل دنياها فرضي الله عنها وأرضاها سهرت تطلب رضى المولى فرضي عنها وأرضى يا من عليه نذر الموت تدور يا من هو مستأنس في المنازل والدور لا بد من الرحيل إلى دار القبور والتخلي عما أنت به مغرور غرك والله الغرور بجنون الخداع والغرور يا مظلم القلب وما في القلب نور الباطن خراب والظاهر معمور إنما ينظر إلى البواطن لا إلى الظهور لو تفكرت في القبر المحفور وما فيه من الدواهي والأمور كانت عين العين منك تدور يا من يجول في المعاصي قلبه وهمه يا معتقد صحته فيما هو سقمه يا من كلما زاد عمره زاد إثمه يا طويل الأمل! وقد دق عظمه يا قليل العبر وقد تيقن أن اللحد عما قليل يضمه أما وعظك الزمان وزجرك ملمه

стр. 2890

الحث على محاسبة النفس قال الفضيل بن عياض ﵀: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم، كبلتك خطيئتك. وقيل لـ ابن مسعود ﵁: [لا نستطيع قيام الليل، قال: قيدتكم خطاياكم]. قال الأصمعي: خرجت حاجاً إلى بيت الله الحرام وزيارة مسجد النبي ﷺ ، فبينما أنا أطوف حول الكعبة الشريفة في الليل وكانت ليلة قمراء، إذ أنا بصوت حزين، فاتبعت الصوت فإذا أنا بشاب حسن الوجه ظريف الشمائل عليه أثر الخير، وهو متعلق بأستار الكعبة، وهو يقول: إلهي وسيدي ومولاي، غارت النجوم ونامت العيون وأنت ملك حي قيوم، إلهي أغلقت الملوك أبوابها، وقامت عليها حجابها، وبابك مفتوح للسائلين، وها أنا سائل واقف مذنب ببابك مسكين ثم قال في أبيات له: يا من يجيب دعا المضطر في الظلم يا كاشف الضر والبلوى مع السقم قد نام وفدك حول البيت وانتبهوا وأنت يا حي يا قيوم لم تنم أدعوك ربي حزيناً راجياً فرجاً فارحم بكائي إله البيت والحرم أنت الغفور فجد لي منك مغفرة واعطف عليَّ بفضل الجود والكرم إن كان عفوك لا يرجوه غير تقي فمن يجود على العاصين بالنعم قال: ثم رفع رأسه إلى السماء وهو يقول: إلهي وسيدي ومولاي أطعتك بمنتك فلك الحمد عليَّ، وعصيتك بجهلي فلك الحجة عليّ. قال الأصمعي: فكان يردد هذا الكلام حتى وقع على الأرض مغشياً عليه، قال: فدنوت منه ورفعته فإذا هو زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، قال: فرفعت رأسه فإذا هو يبكي، فبكيت لبكائه فوقعت قطرتان من دموعي على خده فأفاق. وقال: من هذا الذي شغلني عن ذكر مولاي؟. فقلت: أنا الأصمعي، فما هذا البكاء وما هذا الجزع، وأنت من أهل بيت النبوة أليس الله يقول: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب:٣٣]. قال: هيهات هيهات يا أصمعي، إن الله خلق الجنة لمن أطاعه وإن كان عبداً حبشياً، وخلق النار لمن عصاه وإن كان حراً قرشياً، أما سمعت قول الله : ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون:١٠١ - ١٠٢] يعني: بالعمل الصالح ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١ - ١٠٤]. إخواني: هذه الحياة منهل يرده الناس كلهم ويختلفون فيما يردون ويريدون: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠]. فالمحب لربه يتلذذ بمناجاة محبوبه. والخائف على ذنبه يتضرع بين يدي مولاه ويبكي على ذنوبه. والراجي يلح في سؤال مطلوبه. والغافل المسكين أحسن الله عزاءه في حرمانه وفوات نصيبه.

стр. 2891

الحث على استغلال الأوقات أيها الإخوة في الله: هذه الأيام المباركة، وهذه الليالي الزاهرة، وهذه الأوقات الفاضلة، لا ينبغي أن تمر دون تدارك ولا استغلال، ينبغي للعبد العاقل أن يتدارك هذه الأوقات بالأعمال الصالحة، وأن يبادر إلى الإيمان وإلى التوبة والإقلاع عن الذنوب والمعاصي قبل انقطاع الآجال، وقبل الرحيل إلى القبور والانتقال، قبل قفل الباب، وطي الكتاب، وانقطاع الأسباب، وهجوم الموت، وحضور الفوت؛ لأن من تذكر القبر وأن مآله إليه ومورده عليه، وأنه لا بد من مجاورة الأموات، والانتقال من القصور والديار والفلل العامرات، إلى حفر ضيقة مظلمات، يكون فيها مقيماً إلى يوم قيام الناس لعالم الخفيات، والوقوف بين يدي الحكم الذي لا يخفى عليه مثاقيل الذرات. إذا تذكر الإنسان هذا؛ فإنه لا بد له من أن ينظر في خلاصه، وأن يراجع نفسه، وأن يقف وقفات جازمة مع هذه النفس، ليعرف أين هي؟ وما مركزه الإيماني؟ وما مكانته عند الله؟ أين هو من أوامر الله؟ أين هو من نواهي الله؟ ما علاقته بكتاب الله؟ ما صلته ببيوت الله؟ كيف هو في عينه إذا نظرت؟ كيف هو في أذنه وما سمعت؟ كيف هو في لسانه وما نطقت؟ كيف يده وما بطشت؟ كيف رجله وأين سارت؟ كيف بطنه وما أكلت؟ كيف فرجه وأين وفع؟ محاسبة حازمة جادة مع هذه النفس؛ لأنه إن لم يفعل هذا فقد خسر، فإنا لله وإنا إليه راجعون. روى أبو نعيم والحاكم أن عمر بن عبد العزيز ﵁ شيع جنازة من أهله، ثم أقبل على الناس فوعظهم وذكرهم بالموت، وذكر الدنيا وتنعمهم بها، وما سيصيرون إليه بعد الموت، من ظلمات القبور، وكان من كلامه ﵀ أنه قال: إذا مررت بالمقابر فنادهم إن كنت منادياً، وادعهم إن كنت داعياً، ومر بعسكرهم وانظر إلى تقارب منازلهم، سل غنيهم ما بقي من غناه، وسل فقيرهم ما بقي من فقره، وسل عن اللسان الذي كانوا به يتكلمون، وعن الأعين التي كانوا بها إلى الحرام ينظرون، وسلهم عن الجلود الرقيقة والوجوه الحسنة والأجساد الناعمة ما صنعت بها الديدان، محت الألوان، وأكلت اللحمان، وعفت الوجوه، ومحت المحاسن، وأبانت الأعضاء، وأخرجت الأشلاء. أين حجابهم وكيانهم؟ أين خدمهم وعبيدهم؟ أين جمعهم وكنوزهم؟ والله ما وضعوا لهم في القبر فراشاً، ولا وضعوا معهم هناك مسكاً، ولا غرسوا لهم هناك شجراً، ولا أنزلوهم من اللحد قراراً، أليسوا في الخلوات، أليسوا في الظلمات، أليس الليل عندهم والنهار سواء؟ أليسوا في مدلهمات ظلماء، قد حيل بينهم وبين العمل، وفارقوا الأحبة والأهل، وأصبحوا ووجوههم بالية، وأجسادهم عن أعناقهم بائنة، وأوصالهم متفرقة، وقد سالت الحدق على الوجنات، وامتلأت الأفواه صديداً، ودبت دواب الأرض في أجسادهم، وتفرقت أعضاؤهم، ثم لم يلبثوا حتى أصبحت العظام رميماً، قد فارقوا الحدائق والبساتين، وساروا بعد السعة في الضيق، تزوجت نساؤهم، وترددت في الطرقات أولادهم، وتوزعت القرابات ميراثهم، فمنهم والله الموسع له في قبره، ومنهم من هو في حفرة من حفر النار والعياذ بالله؟ مر علي بن أبي طالب على مقبرة فسلم على القبور وقال: [يا أهل المقابر! أما الديار فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، وأما الزوجات فقد تزوجت، هذه أخبارنا فما أخباركم؟ ثم بكى وقال: والله لو تُركوا لقالوا: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧]]. يا ساكن القبر غداً ما الذي ضرك من الدنيا؟ هل تعلم أنها تبقى لك أو تبقى لها؟ أين دارك الفيحاء؟ أين قصرك الواسع؟ أين سيارتك الفارهة؟ أين ثمارك اليانعة؟ أين رقاق الثياب؟ أبن الطيب والبخور؟ أين كسوتك في الصيف والشتاء؟ أما والله وقد نزل الأمر فما يدفعه عنك أحد، وخلا الوجه يرشح عرقاً، ويتلمظ عطشاً، ويتقلب في سكرات الموت، جاء الأمر من السماء، وجاء طالب القدر والقضاء، فهيهات هيهات!! يا مغمض الوالد والولد وغاسله! يا مكفن الميت وحامله! يا تاركاً له في القبر وراجعاً عنه! ليت شعري كيف كنت على خشونة الثرى، ومتى ستكون أنت المحمول؟ كم حملت من الأموات؟ ومتى تكون أنت المحمول؟ كم سمعت من الأخبار عن الأموات؟ ومتى ستكون أنت الخبر بالموت؟ كم تركت في القبور من الأموات؟ ومتى ستكون أنت المتروك في القبر ويذهب الناس إلى بيتك؟ لا إله إلا الله أيها الإخوة في الله!! ما أغفلنا عن ذلك المصير، لا حول ولا قوة إلا بالله. أما والله لو علم الأنام لما خلقوا لما هجعوا وناموا لقد خلقوا لأمر لو رأته عيون قلوبهم تاهوا وهاموا ممات ثم قبر ثم حشر وتوبيخ وأهوال عظام ليوم الحشر قد عملت رجال فصلوا من مخافته وصاموا ونحن إذا أمرنا أو نهينا كأهل الكهف أيقاظ نيام

стр. 2892

المخرج من ورطة الحياة يا أيها الإخوة في الله! ما هو المخرج من ورطة هذه الحياة؟ من خلق فقد ورط، وليس له من مخرج إلا مخرج واحد، المال ليس مخرجاً، فقد رأينا أرباب الأموال يوم أن ماتوا كيف سلبوا أموالهم، لم تغن عنهم أموالهم شيئاً، قارون جمع الأموال، قال الله عنه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص:٨١] ما نفعته أمواله، وليس المنصب والجاه والرتبة والمكانة والوظيفة بديل ولا مخرج، فقد رأينا أصحاب المناصب والرتب كيف يموتون ويخلسون من مناصبهم، ويودعون في الحفر المظلمات، وليست الزوجات ولا الأولاد ولا البنات ولا الريالات؛ ليست كل هذه مخارج من ورطة الحياة، المخرج من ورطة الحياة الإيمان بالله والعمل الصالح، يقول : ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ:٣٧]. أموال وأولاد لا تنفع كلها، حتى الكفن الذي تخرج به من الدنيا لا ينفعك في الآخرة، هل ينفع الكفن؟ لو ينتفع الإنسان بالكفن لتكفن الأثرياء في أكفان من ذهب، لكن الكفن يواري عورتك إلى أن تدس في القبر، ثم تحل الأربطة ويتحلل في التراب ولا تنتفع به، سواء جديداً أو قديماً، ولهذا يقال: إن أبا بكر الصديق لما جيء له بكفنين نظيفين جديدين قال: [أعطوها الأحياء وهاتو لي كفناً بالياً، قالوا: لم يرحمك الله؟ قال: إن كنت على خير فعند الله أفضل منه، وإن كنت على شر فما يغني هذا الجديد شيئاً]. تكفنت في جديد أو قديم لا ينفع شيئاً، ما الذي ينفعك؟ ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [سبأ:٣٧] فقط. هل وطنا أنفسنا على هذا المخرج أيها الإخوة؟ هل نحن مرتبون أوضاع حياتنا على أن نعيش لهذا الغرض؟ هذه هي الوظيفة الرئيسية لنا في هذه الحياة، وقد وضحها الله في محكم التنزيل بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] هذا هو الغرض من خلقك ووجودك على ظهر هذه الحياة؛ أن تعبد الله، أن تؤمن بالله، أن تعمل الصالحات، وما تعمله من وظائف أخرى كلها مسخرة لخدمة هذا الغرض، فتأكل لتعبد الله، وتشرب لتعبد الله، وتتزوج لتعبد الله، وتنجب الولد ليعبد الله، وتتوظف لتعبد الله، وتنام لتعبد الله، وتستيقظ لتعبد الله، كل حياتك تسخرها من أجل الغرض الرئيسي الذي من أجله خلقك الله . هذا هو الهدف، لماذا؟ لأنه هو المخرج لك، ليس المخرج لك غير هذا أبداً بأي حال من الأحوال، ولما جاء النبي ﷺ إلى الأمة، وكانت تعيش في دياجير الجهل والشرك والظلم والبعد عن الله ، وأخبر الناس أنه جاء لإنقاذهم وقال لهم: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، عرفوا معنى هذه الكلمة، وعرفوا أن مضمون الكلمة يشمل ويغطي جميع حياتهم، ولم يفهموها كلمة مجردة، أو كلمة عارية عن المعنى، لا. بل فهموها على أنها كلمة تشمل حياتهم كلها وتغطي مسار حياتهم كله، في الليل والنهار، في السر والجهار، في البيت والمكتب والمزرعة وفي كل مكان. لا إله إلا الله تحكم العين فلا تنظر إلى ما حرم الله. لا إله إلا الله تحكم اللسان فلا يتكلم به فيما حرم الله. لا إله إلا الله تحكم الأذن فلا تسمع ما حرم الله، وتحكم الفرج فلا يطأ ما حرم الله، وتحكم البطن فلا ينزل فيه ما حرم الله، وتحكم اليد فلا تبطش فيما حرم الله، وتحكم الرجل فلا تسير حرم الله. لا إله إلا الله؛ لا مطاع إلا الله، ولا معبود إلا الله، ولا مرجو إلا الله، ولكن لما قالوا هذه الكلمة قدموا البراهين عليها، فأُخرجوا من ديارهم ولا أحد يتصور أنه يخرج من بيته منهم. حتى النبي ﷺ لما رجع من بعد أن أوحي إليه ودخل على خديجة ﵂ وأخبرها بالخبر وقال: (زملوني). يعني: غطيني، كان في حالة نفسية صعبة، إذ نزل عليه الوحي بأمر لم يكن يتوقع -فكان في حالة نفسية- فقال لها: ما حدث له فقالت: والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتقري الضيف، وتعين على نوائب الدهر والله لا يخزيك الله] ثم ذهبت إلى ورقة بن نوفل ابن عمها وأخبرته، فدعا النبي وقال: (إنه الناموس الذي نزل على موسى وعيسى -يعني: إنه الوحي الذي ينزل على الأنبياء- ليتني كنت فيها جذعاً أنصرك نصراً مؤزراً إذ يخرجك قومك، قال: أومخرجي قومي؟!! -أمعقول يخرجونه وهم يحبونه وهو الأمين عندهم- قال: إنه ما جاء نبي قومه بمثل ما تأتي به إلا أخرجوه قومه وآذوه، فقال: الله المستعان!). فهم الصحابة هذا الفهم فقدموا التضحيات في سبيل هذا الدين، أُخرجوا من ديارهم وأموالهم، صهيب الرومي ﵁ لما خرج من مكة مهاجراً وكانوا قد أقاموا حصاراً حول الفقراء من المؤمنين، لكن الأغنياء والأقوياء خرجوا عنوة مثل عمر خرج فقال: [الذي يريد أمه أن تبكي عليه فليلحقني في الوادي] وخرج في نصف النهار، لكن المساكين لا يقدرون، فأقاموا حراسة عليهم، فخرج يوماً صهيب ﵁ إلى الخلاء ثم تأخر قليلاً حتى غفلوا عنه، ثم فر بدينه، فلما افتقدوه ركبوا الخيل وطاردوه ولحقوه على أطراف مكة، قالوا: جئتنا صعلوكاً والآن تريد أن تذهب، فخرج على دابة وأخرج قوسه ثم قال: [والله ما أضعها إلا في كبد واحد منكم، دعوني أفر بديني] قالوا: تفر بدينك لكن الأموال لا تأخذ منها شيئاً، قال: [أرأيتم إن دللتكم على مالي تدعوني؟] قالوا: نعم. فأعطاهم الذي معه ودلهم على الذي في مكة ثم خرج بنفسه، ونزل فيه قول الله : ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٠٧]. ولما قدم إلى المدينة رآه النبي ﷺ وقال: (ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى) عرف كيف يبيع نفسه، باعها لله، فربح الدنيا والآخرة. من الناس الآن من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الشيطان، يشتري المجلة بعشرة ريالات: مجلة عارية ساخرة قذرة، ويشتري الفيلم بخمسين ريالاً ليفسد نفسه وزوجته وأولاده، ويشتري الدخان، ويشتري المعاصي والعياذ بالله، يحجز بآلاف الريالات ويأخذ أسرته بالكامل ليخرج إلى بلاد غير مسلمة من أجل ألا يسمع فيها الله أكبر، ولا يرى فيها بيوت الله، ولا يرى فيها داعي الله، لماذا؟ قلبه منكوس، يشري نفسه ابتغاء مرضاة الشيطان والعياذ بالله، أولئك الصحابة فهموا هذا الدين هذا الفهم، وقدموا التضحيات وعاشوا للإسلام وأُخرجوا وأوذوا، وكان منهم بلال الحبشي ﵁ الذي كان يوضع على رمضاء مكة في الحر الشديد -وأرض مكة إذا كانت حارة لا يتحمل الإنسان أن يمشي بقدمه عليها- وهو عار من ثيابه، ثم يمرغ على الرمضاء التي مثل الجمر الأحمر، ثم توضع الحجارة المحماة على صدره ويسحب ويقلب عليها وهو يقول: أحد أحد، أحد أحد، أحد أحد. وآل ياسر يعذبون بالنار ويكوون بالجراح ويأتي أبو جهل ويطعن سمية بنت خياط أم عمار بن ياسر ﵂ أول شهيدة في الإسلام، يطعنها بالرمح في بطنها ويخرج من سوءتها ميتة، ويمر عليها النبي ﷺ ويقول: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة). ويخرجون إلى الحبشة ويطردون، ويخرجون مرة ثانية إلى الحبشة ويرجعون، ويخرجون إلى المدينة ويحبسون قبلها في الشعب ثلاث سنوات حتى أكلوا ورق الشجر، وفي بيعة العقبة لما بايع النبي ﷺ أهل المدينة -الأنصار- على البيعة قام أسعد بن زرارة وقال: (يا قوم! أتدرون على ما تبايعون؟ قالوا: بايعنا، قال: تبايعون على أن ترميكم العرب بقوس واحد، بايعتم على قطع الرقاب وعلى الخروج من الأموال وعلى ترك الأولاد والأهل فإما أن تصدقوا ولكم الجنة، وإما ألا تبايعوا ولكم عند الله عذر، فقام عبد الله بن رواحة وقال: يا رسول الله! مالنا إن صدقنا؟ -إن وفينا في هذه البيعة مالنا؟ - فقال ﵊: لكم الجنة). ما عند الرسول ﷺ وظائف، ولا عنده عمارات ولا سيارات ولا أراضي، قال: (لكم الجنة). فقال عبد الله بن رواحة: [لا نقيل ولا نستقيل]. وفعلاً ﵃ وأرضاهم- أتموا البيعة، ولما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة استقبلوه، وتكالبت عليهم قوى الأرض وحوربوا. وكان النبي ﷺ في معركة بدر متخوف من موقف الأنصار، ولما قال: (أيها الناس! ما تقولون؟ قال سعد بن عبادة: يا رسول الله! كأنك تعنينا؟ قال: نعم. قال: سر بنا يا رسول الله حيث شئت، حارب بنا من حاربت وسالم بنا من سالمت، والله لو خضت بنا هذا البحر ما تخلف منا رجل واحد، لا نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا كما قال قوم موسى لموسى، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون). هكذا فهم الصحابة ﵃ وأرضاهم. عبد الله بن أنيس ﵁ صحابي جليل لما سمع النبي ﷺ أن خالد بن سفيان الهذلي -رجل شرس من أشرس العرب قوي الجثة، كبير الرأس، شجاع من أشجع الناس- جمع حوله مجموعة من أشاوس القوم في الجزيرة العربية، وأعد لهم معسكراً في عرفات بجانب مكة، ودربهم على أعلى تدريب من أجل اقتحام المدينة وقتل النبي صلى الله ع

стр. 2893

الأشياء التي يبدأ بها المسلم لإصلاح نفسه من أين يبدأ المسلم في إصلاح نفسه أيها الإخوة في الله؟ أولاً: لا خيار لك في هذا الطريق، لا بد من طريق الإيمان. ثانياً: لا مجال لك في تأخير التوبة؛ لأن التأخير مجازفة، والمجازفة خاسرة، فلا بد من التوبة من الآن؛ لأنك لا تعلم متى تموت، لو أننا نعلم متى نموت لكنا برمجنا الحياة بحيث إذا كان قبل الموت بيومين أو ثلاثة ضبطنا الأمور وتبنا، لكن من منا يضمن أنه يعيش هذه الليلة؟ لا ندري والله، والله يركبون السيارات ولا ينزلون منها، ويلبسون الثياب ولا يخلعونها، وينامون على الفرش ولا يستيقظون منها، ويركبون الطائرات ولا ينزلون منها، كثر الموت، والموت آت لكل منا، والذي لا يموت اليوم يموت غداً والذي لا يموت غداً يموت بعده، فأنت لا خيار لك في أن تتوب الآن. ثالثاً: تستشعر وتعرف وتفهم أن هذا الدين تضحية، هذا الدين دين امتحان وابتلاء، يقول الله ﵎: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك:٢] ويقول الله : ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف:٧] الله خلقنا للابتلاء، والابتلاء صوره وأشكاله كثيرة من ضمن أنواع الابتلاء: الابتلاء بالتكاليف الشرعية، توحيد وعقيدة صافية خالية من الغش ومن الخداع ومن البدعة ومن الضلال ومن الشرك، وبعدها عبادة: صلاة صيام زكاة حج عمرة أمر بمعروف نهي عن منكر حب في الله بغض في الله قراءة لكتيب صلة للأرحام إحسان إلى الناس فعل الخيرات في كل مجال، هذه ابتلاءات وهذه الأعمال فيها مشقة وفيها كلفة، لكن كلفتها تنظيمية من أجل تنظيم حياتك -أيها المسلم! - عند الله . وابتلاك الله بشيء آخر وهو ترك المعاصي، فترك المعاصي نوع من الابتلاء؛ لأن المعاصي محببة إلى القلوب، شهوات مزينة وملمعة، زنا أغاني نوم عن الصلوات أكل ربا شرب خمور، هذه شهوات، والله ابتلانا بتحريمها، لماذا؟ ابتلاء، (ليعلم الله من يخافه ورسله بالغيب) وليعلم من يقف عند أوامره وينتهي عن نواهيه، حتى يكون أهلاً لدخول الجنة، ولهذا جاء في الحديث في الصحيحين قول الرسول ﵊: (حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره) فإذا تجاوزت المكاره وصبرت دخلت الجنة، وإذا اتقيت الشبهات والشهوات دخلت الجنة، أما إذا انهزمت أمام المكاره وضعفت، وانهزمت أمام الشهوات ووقعت، وقعت في النار والعياذ بالله. فلا بد من توطين النفس على أن هذا الدين ابتلاء، ابتلاء بالأوامر وابتلاء بالنواهي، وابتلاء في الأموال، وابتلاء في الأعراض، وابتلاء في الأنفس، وابتلاء في كل شيء، يقول الله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧]. والله يؤكدها بتأكيدات كثيرة: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) كم فيها من مؤكدات؟ بشيء من الخوف والجوع هذه كلها ابتلاءات لماذا؟ تمحيص من أجل أن يقول المؤمن: إنا لله، إذا ذهبت نفسي في سبيل الله فالنفس من الله، إذا ذهب مالي في سبيل الله فالمال مال الله، إذا مات ولدي فالولد من الله. أم سليم لما مرض ولدها ﵂ وأرضاها- وكان محبوباً عند أمه وأبيه، ولما مرض مات ودخل أبو سليم قال: ما صنع الغلام؟ قالت: [هو أهدأ ما يكون -وصدقت؛ لأنه قد مات ولم يعد يتحرك- وغطته بغطاء ثم ذهبت وتجملت وتعطرت، وجاءت إليه وعرضت نفسها عليه حتى واقعها، فلما انتهى قالت له: أرأيت لو أن قوماً لديهم عارية لقوم آخرين، فجاء أهل العارية وطلبوها أيرجعونها أم يرفضون؟ قال: بل يردونها، قالت: احتسب ولدك عند الله ، إنه عارية قد أخذه الله، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون]، ثم لما كان الصباح ذهب إلى النبي ﷺ ولما رآه ضحك وقال: (بارك الله لكما في ليلتكما). فرزقوا في تلك الليلة بولد ورزق الولد بتسعة أولاد كلهم حفظوا القرآن؛ لأنها امرأة صالحة، آمنت بالله، عرفت أن الموت بيد الله، الله هو الذي أخذ الولد وهو الذي يأخذ البنت وهو الذي يأخذ الأب، مؤمنين بالله . فيا إخوتي في الله: لا بد أن نفهم هذا المفهوم، أن الإيمان بالله كلفة وأنه ابتلاء وامتحان، وأن نوطن أنفسنا على أن نخضع لأوامر الله، وعلى أن ننزجر عن نواهي الله، وبعد ذلك نكون قابلين لكل ما جاء من الله ، إنا لله وإنا إليه راجعون. رابعاً: يبدأ الإنسان بنفسه، فيعرض عليها أوامر الله وينفذها بسرعة، عرفت أن الصلاة واجبة وأنها لا بد أن تكون في المسجد من الآن تلتزم وتقول: والله لا أصلي إلا في المسجد، من يمنعك إلا الشيطان، لا تطع الشيطان، عرفت أن الصيام واجب فصم، عرفت أن الزكاة واجبة فزك، عرفت أن بر الوالدين واجب فبرهما، أوامر الله نفذها كاملة، تأتي إلى النواهي فتنتهي عن كل ما نهى الله عنه، والنواهي معروفة، وتدخل النواهي من سبعة أبواب: من باب العين ومعصيتها النظر، ومن باب الأذن ومعصيتها سماع الغناء والكلام الساقط، ومن باب اللسان ومعصيته اللعن والسب والشتم والغيبة والنميمة والكذب والفجور والأيمان الفاجرة والعياذ بالله، ومن باب الفرج ومعصيته الزنا واللواط، ومن باب البطن ومعصيته أكل الحرام من ربا أو رشوة أو من غش أو من دخان، أو مخدرات أو خمور أو أي شيء خبيث، ومن باب الرجل ومعصيتها أن تمشي بها إلى ما حرم الله، ومن باب اليد ومعصيتها أن تمدها إلى معصية الله ، وبعد أن وقفت على ذلك، وأقمت الإسلام في نفسك، وبدأت البداية الصحيحة من نفسك، تنتقل بعدها إلى الأسرة، وتعقد حلقة علم في بيتك، من تتصور أنه يكفيك أمك وأبوك أخواتك وإخوانك وزوجتك وأولادك، تريد الجماعة يدخلون بيتك يعلمونهم؟!! يخبرني أحدهم أن زوجته لها عنده خمس عشرة سنة ويوم أن سألها يوماً من الأيام بعد خمس عشرة سنة أن تقرأ الفاتحة يقول: والله ما استطاعت أن تقرأها، يقول: فخجلت من نفسي أن زوجتي معي خمس عشرة سنة وهي لا تستطيع أن تقرأ الفاتحة، فلما عاتبتها قلت: لماذا لم تتعلمي؟ قالت: لا أحد يعلمني، وخشيت أني أطلب من ابنتي أن تعلمني فتضحك عليّ، أو أطلب من ولدي أن يعلمني فيضحك عليّ، أو أطلب منك أنت أن تعلمني فتضحك عليّ، قال الزوج: أنت أمية لا تقرئين حتى الفاتحة؟ يقول: فأدركت أنني أنا المقصر يقول: فعقدت حلقة في البيت وبدأت أقرأ الفاتحة وهي تقرأ بعدي وكلما أخطأت رديت عليها، وقرأ الولد وقرأت البنت وقرأنا الفاتحة، يقول: مر علينا أكثر من شهرين وأصبح البيت كله يحفظ جزء عمَّ. فعليك أن تبدأ من الأسرة، في أن نعقد حلقة ليلية في كل بيت، أليس هذا ممكن -أيها الإخوة؟ - إن رسول الله ﷺ لما طلب من الصحابة أن يخرجوا من بيوتهم وأموالهم إلى مكة خرجوا، وعندما أمرهم أن يخرجوا إلى المدينة خرجوا، وعندما أمرهم أن يهاجروا إلى الحبشة هاجروا، نحن الآن نطلب من الناس شيئاً سهلاً لا نأمرهم أن يخرجوا من ديارهم ولا من بيوتهم وأموالهم ولا يتركون وظائفهم، نقول لهم: أدخلوا نور الإيمان في بيوتكم؛ لأن النور إذا دخل ماذا يخرج؟ الظلام، الآن لو أطفأت الكهرباء -ونسأل الله ألا تطفأ هذه الليلة- لو أطفأت الكهرباء ماذا يحصل؟ يظلم المسجد، كيف نخرج الظلام؟ بإيقاد النور، فإذا أشعلنا النور ذهب الظلام. الآن في البيوت ظلام في الأعين ظلام في الألسن ظلام، والدليل أن العيون تنظر إلى الحرام، لو أن العين فيها نور ما نظرت والله إلى الحرام، ولو أن الآذان فيها نور الله ما سمعت الحرام، ولو أن الألسن فيها نور الإيمان ما تكلمت بالحرام، ولو أن الأجسام فيها نور ما نامت عن الصلوات، ولو أن المرأة في قلبها نور ما سمعت الأغاني، ولو أن المرأة في قلبها نور ما كشفت الحجاب وتبرجت؛ لأن الحجاب ليس عادة ولا تقليداً، الحجاب شرع ودين وعقيدة تنبعث من النفس، الحجاب شريعة الله وفريضة في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ ، فإذا قلبها ليس مملوءاً بالإيمان وما عندها نور الإيمان تجدها تتحجب تقليداً، لكن لو وجدت فرصة للخلاص من هذا الحجاب لقذفته إلى غير رجعة، لكن المؤمنة التي عندها نور الإيمان في قلبها تتحجب، والله لو رميتها في البحر ستبقى متحجبة، لماذا؟ لأن القناعة بالحجاب تنبعث من داخل نفسها، فالآن في البيوت ظلام ما في ذلك شك، الولد نائم عن الفريضة؛ لأن في قلبه ظلمة المعاصي، البنت لا تصلي إلا بالمتابعة؛ لأن في قلبها ظلمة، نريد أن نخرج هذه الظلمات من البيوت، كيف نخرجها؟ بإدخال النور، ما هو النور؟ نور القرآن وسنة النبي ﷺ ، أما القرآن فقد سماه الله نوراً في القرآن، قال : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] فهو نور، إذا دخل القرآن في بيتك وعلمت أولادك القرآن وشرحت لهم القرآن ذهب الظلام من قلوبهم، وندخل سنة النبي ﷺ ؛ لأنه نور بنص القرآن يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦]. فإذا دخل القرآن والسنة في بيوتنا وعقدنا تلك الجلسات الإيمانية ذهب الظلام، ولتكن بعد صلاة العشاء، ويجب أن نبرمج أوقاتن

стр. 2894

الحث على استغلال شهر رمضان أيها الإخوة! أدعوكم في هذا الشهر الكريم المبارك إلى الاستغلال والاستثمار والمتاجرة. أولاً: بكثرة التلاوة، فإن تلاوة القرآن في هذا الشهر من أعظم القربات؛ لأنه شهر القرآن: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] فيجب أن يكون لك ورد يومي لا يقل عن عشرة أجزاء، كان بعض السلف يختم في ثلاثة أيام في رمضان، وكان بعضهم يختم في اليوم مرة، وكان بعضهم له ختمتين في كل يوم، ختمة في الصباح وختمة في المساء، فمنذ أن سمعت هذا الكلام استغربت وقلت: كيف يختم في اثني عشرة ساعة؟! ولكن قدر لي في يوم من الأيام أن أعتكف وبدأت من صلاة الفجر مع القرآن وما أتى العصر إلا وقد انتهيت منه، ما رقدت ذلك اليوم لأني أقرأ. فنقول للناس: أكثروا من التلاوة في هذا الشهر فإنه شهر القرآن والتسبيح. ثانياً: أكثروا من الصلاة والقيام، خصوصاً مع الإمام الذي يطيل، فإن هذا فيه ثواب عظيم، في البخاري ومسلم يقول ﵊: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) الشروط: إيماناً: تصديقاً، واحتساباً: تحتسب على الله هذه الوقفة، الإمام يطيل ويقرأ مثلاً في كل ركعة صفحة أو صفحتين، نعم أنت تتعب، لكن تتعب في سبيل من؟ واقف بين يدي من؟ كم يتعب أصحاب اللعب وأصحاب الفوضى وأصحاب المقاضي، كم يدورون بالشوارع من ساعات، بعضهم يخرج إلى الأسواق يدور من الساعة العاشرة إلى الساعة الثانية من الليل، يشتري حذاء لامرأته ويرجع وما وجد حذاء، وكلما اشترى حذاء ردته وقالت: أرجعه لا أريده هذا ليس جيداً، ضيع أربع ساعات في حذاء لكن أنت قضيت ساعة بين يدي الله إيماناً واحتساباً، يعني: طلباً للمثوبة والأجر من الله . ثالثاً: كثرة الذكر في الصباح والمساء. رابعاً: كثرة الإنفاق في هذا الشهر، فإن رسول الله ﷺ (كان أجود من الريح المرسلة، وكان أجود ما يكون في رمضان). يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب حتى عصى ربه في شهر شعبان ها قد أظلك شهر الصوم بعدهما فلا تصيره أيضاً شهر عصيان اتل الكتاب وسبح فيه مجتهداً فإنه شهر تسبيح وقرآن كم كنت تعرف ممن صام في سلف من أهل وجيران وإخوان أفناهم الموت واستبقاك بعدهم حياً فما أقرب القاصي من الدان ومعجب بثياب العيد يقطعها فأصبحت في غدٍ أثواب أكفان حتى متى يعمر الإنسان مسكنه مصير مسكنه قبر لإنسان استغل هذه الأيام في الإنفاق في سبيل الله؛ لأنك تحت ظل صدقتك يوم القيامة، كما جاء في الحديث يقول ﵊: (المرء تحت ظل صدقته يوم القيامة) و (ما نقص مال من صدقة) بل تزيد ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] إذا كان عندك مليون ريال وأخرجت منه مائة ألف تتصور أنه نقص المليون، والله ما نقص، بل زاد، لماذا؟ قال الله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٦] وماذا؟ ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦] والحسنة في هذا الشهر بألف حسنة، وقد اعتاد الناس أن يخرجوا زكاة أموالهم، ولو أخرجت الزكاة على القدر الصحيح الشرعي ما بقي فقير. فأنا أدعو أصحاب الأموال الأثرياء أن يخافوا الله في أموالهم وأنفسهم، ولا يضحكوا على أنفسهم، هذه الأموال والله إن لم تخرج زكاتها فستتصفح يوم القيامة صفائح من نار ثم تمشي عليها وتقلب على ظهر العبد وبطنه وجنبه ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٥] ماذا تريد من ملايين تتصفح ناراً يوم القيامة على جنبك؟! أخرج زكاة المال، احصر الأموال الموجودة المنقولة والأموال الثابتة من العقار الذي للبيع والشراء، أما العقار الممتلك لقصد البنية والامتلاك فليس فيه زكاة، لكن في دخله إن كان مؤجراً، ثم احصر الديون التي عند الناس واجمعها كلها ثم اضربها كلها في اثنين ونصف وأخرج الزكاة طيبة بها نفسك، ولا تظن أن لك منة أو فضلاً فالمال مال الله، فالله أعطاك مائة وطلب منك اثنين ونصف، جئت من بطن أمك وأنت لا تملك ريالاً واحداً. فأخرج هذه الزكاة وابحث عمن يستحقها، لا تبرأ ذمتك بإلقاء الأموال على عواهنها وإعطائها من لا يستحقها، ابحث عمن تثق فيه في دينه وأمانته ليكون وكيلاً لك على تزكية الأموال، ولا تنسوا إخواناً لكم من الفقراء، في بقاع كثيرة من المملكة، كثير من الناس يرسل أمواله إلى الخارج، وهذا يجوز إذا كان قد حصل الاكتفاء، لكن في المملكة فقراء، وأنا أعرف في منطقة الجنوب في سواحل تهامة وفي جبال تهامة من الفقراء من يفتقدون كسرة العيش، ومن يحتاجون إلى قطعة القماش، ومن يعيشون تحت كهوف الجبال، وتحت ظلال الأشجار، يحتاجون إلى كل شيء من الأموال. وأنا مستعد بالتعاون مع الأثرياء الذين يملكون مالاً ويريدون إيصالها إلى هؤلاء، مستعد أن أتعاون معهم وأذهب إلى هؤلاء المساكين، رغم أن في الأمر مشقة وفيه جهد وتعب ولكن نحتسبه عند الله ، وأذكر في العام الماضي أن رجلاً من الأثرياء من هذه المدينة المباركة بعث لي بمائتي ألف ريال وقال: وزعها على الفقراء في تهامة، فأرسلت إلى مجموعة من الشباب الذين قد طلبوا العلم في أبها في كليات الشريعة وهم من تلك الجهات، أرسلت إليهم فجاءوني وطلبت من كل واحد أن يقدم لي كشفاً بالفقراء في قبيلته وحالة الفقير الاجتماعية، كم عدد أزواجه وكم أولاده، كم دخله من الوظيفة أو من الضمان الاجتماعي، والله لقد رأيت ما يقطع القلوب -أيها الإخوة! - يمكن (٩٠%) كلهم غير موظفين، وقليل منهم الذين هم مسجلون في الضمان الاجتماعي، والبقية يعيشون على قليل من العيش يتتبعون تلك الماعز في ظهور الجبال ويتتبعون بها منازل القطر والمطر وليس معهم شيء، وبعضهم عنده زوجتان وعنده عشرة أو أحد عشر ولداً أو اثنا عشر طفلاً لا يعرفون الفاكهة، لما نزلنا وقسمنا عليهم العيش قالوا: ما هذا؟ لم يروه في حياتهم، فأخذت الكشوف هذه وبدأت أقسم المبالغ هذه وجعلت للأسرة الكبيرة خمسمائة والذي بعده أربعمائة والذي بعده ثلاثمائة وأقل شخص الذي لم يوجد معه أحد ولا زوجة نعطيه مائة ريال. يقول لي الإخوة بعد ما نزلوا يقولون: إن المائتا ألف غطت مساحة كبيرة في منطقة تهامة، ودعا الناس كلهم لذلك الرجل الصالح الذي أنفق هذا المال، ويمكن أنها زكاة عشرة ملايين، المليون زكاته خمسة وعشرون ألفاً، والعشرة الملايين فيها مائتين وخمسين ألف -ربع مليون- لكنها تبلغ عند الله مقاماً كبيراً، وعنواني لمن يريده هو عند فضيلة الشيخ عادل الكلباني مستعد للتعاون رغم أن في هذا مشقة وأنا والله ما عندي وقت، لكن لدينا من يخدمنا من إخواننا المخلصين الصالحين بحيث يوصل تلك الأموال إلى من يستحقها ونؤدي زكاة أموالنا. أسأل الله الذي لا إله إلا هو لي ولكم التوفيق، والله أعلم، وباختصار سوف أجيب على بعض الأسئلة.

стр. 2895

الأسئلة

стр. 2896

التأثر الوقتي بالموعظة وعلاجه السؤال نسمع الآيات وتخشع القلوب، وكذلك إذا سمعنا المواعظ تأثرنا، ولكن إذا خرجنا من المسجد انشغلنا بالدنيا، هل من كلمة حول ذلك؟ الجواب شيء طبيعي ألا تبقى النفوس كلها على مستوى واحد من الإيمان، لكن ما هو سلوكك بعد خروجك خارج المسجد؟ هل تغفل وتقع في المعاصي والذنوب، أم تغفل وتبقى في المباحات؟ إن كنت تقع في الذنوب والمعاصي فمعنى هذا أنك لم تستفد من الموعظة، أما إذا خرجت من المسجد وعدت إلى ملابسة الدنيا ومعافسة النساء والأزواج لكن في حدود الحلال فهذا شيء طبيعي، وقد شكا حنظلة إلى أبي بكر قال: (نافق حنظلة، قال: ما هو؟ قال: نكون مع رسول الله فكأن على رءوسنا الطير، ثم نخرج ونعافس النساء والأموال وننسى، قال: وأنا كذلك، فذهبوا إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله! إننا نكون معك على حال فإذا خرجنا ورجعنا إلى الضيعات والأولاد والنساء تغيرت أحوالنا، قال: لو بقيتم في بيوتكم وفي الشوارع كما كنتم عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن ساعة وساعة). فالقلب لا يبقى على ما هو، المهم أنه لا يقترب إلى الحرام، لا تخرج من المسجد فتنظر إلى النساء، لا تخرج من المسجد فتسمع الأغنية وأنت في السيارة، لا تخرج ثم تذهب إلى الأسواق لتعاكس وتنظر إلى الحرام، معناه: أنك ما استفدت من الجلسة هذه، بل كانت وبالاً عليك يوم القيامة والعياذ بالله، لكن اذهب من الآن إلى البيت واجلس مع زوجتك ونم معها ولاعبها أو لاعب أطفالك أو اسمر معهم، لا شيء عليك؛ لأنه حلال إن شاء الله.

стр. 2897

كلمة عن الحجاب السؤال بعض النساء موجودات وهن كثير في هذا المسجد فهل من كلمة للفت أنظارهن إلى الحجاب؟ الجواب قد قلت لهن: إن الحجاب هو شريعة ليس قطعة سوداء تغطي بها المرأة وجهها، وليس عباءة تلفها حول جسدها، ولكنه شريعة الله المنزل في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فكما أمر الله المرأة بالصلاة أمرها بالحجاب، وكما أمرها بالزكاة أمرها بالحجاب، وكما أمرها بالصيام أمرها بالحجاب، وآية الحجاب محكمة في كتاب الله . أما ركوب المرأة مع السائقين من غير محارم فهذا محرم، ولا يجوز للمرأة ذلك حتى ولو جاءت للمسجد، لا يجوز شرعاً أن تركب المرأة مع سائق أجنبي من غير محرم لأنه في تلك الحال تكون هناك خلوة؛ في الحديث: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) أما إذا لم تكن خلوة ولم يكن سفر يعني: من الحي إلى هنا، من أي حي من أحياء الرياض إلى المسجد وهم مجموعة من النساء ولو كان لا يوجد رجل لكن مجموعة نساء وتؤمن الفتنة فلا بأس، المهم الخلوة، أما أن تأتي المرأة لوحدها والسائق لوحده وليس معهم أحد إلا الشيطان فقد حذر وحرم رسول الله ﷺ هذا الأمر.

стр. 2898

حكم الحركة الكثيرة أثناء الصلاة السؤال ما حكم كثرة الحركة في الصلاة، وهل تصل إلى درجة البطلان؟ الجواب أركان الصلاة أربعة عشرة ركناً منها الطمأنينة، والطمأنينة: هي السكون وعدم الحركة، وإذا رأيت إنساناً يكثر الحركة فاعلم أن قلبه غير خاشع، وإذا رأيت شخصاً يعبث بلحيته، أو يحك ظهره، أو يثبت عقاله وغترته، فاعلم أن قلبه غير موجود في المسجد؛ لأن القلب إذا سها سهت اليد، وسهت العين، وتعبت قدماه، وقامت يده تحك لماذا؟ لأن ملك الجوارح غير موجود وهو القلب، لكن إذا سكن وحضر القلب حضرت الجوارح. نظر أحد السلف إلى رجل يعبث بلحيته في الصلاة فقال: والله لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه. فكثرة الحركة في الصلاة التي تؤدي إلى الإخلال بها مبطلة. أما إذا كانت الحركة يسيرة وأيضاً ليست مستديمة وتقتضيها ظروف أو ضرورة، مثل: وضع شيء من المتاع، أو أخذ شيء ضروري جداً، ولم يكن كثيراً فنسأل الله أن يغفره.

стр. 2899

التوبة تمحو ما قبلها السؤال أنا شاب سافرت مرة واحدة إلى الخارج، وإني أتعذب حتى الآن من هذه السفرة هل لي توبة، وهل يحرمني هذا من الحوريات؟ الجواب أبداً يا أخي! لا يحرمك هذا السفر من الحوريات إذا تبت وحسنت توبتك، فإن الله يغفر الذنب، ومهما كان ذنبك فإن رحمة الله ومغفرته أعظم من ذلك، يقول الله : ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر:٤٩] ويقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] ويقول: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠] بل يقول بعض أهل العلم: إن العاصي إذا تاب وحسنت توبته يمكن أن يرتفع إلى درجة أعظم من الطائعين، ليكون قد بدل الله له سيئاته حسنات، وأما حرمانك من الحور العين فلن يكون بإذن الله إذا صحت توبتك واستمريت على التوبة إن شاء الله. أسأل الله ألا يحرمني وإياك من الحور العين.

стр. 2900

الحث على إعفاء اللحية وبيان ميزاتها السؤال أريد أن أربي لحيتي ولكن أشعر بتعب من جراء قوة الشعر الذي يخرج؟ الجواب صدق، اللحية الآن في معركة مع صاحبها هو عليها بالسلاح الأبيض فما موقفها هي؟ تخرج عليه مثل الرماح تقول: تذبح وأنا أطعن، فالمعركة قائمة، لكن إذا أعلنت الهدنة ووضعت السلاح عنها فإنها سوف تعلن الهدنة وتضع السلاح معك، وستنبت بداية مثل الدبوس لكن بعد أن تكبر قليلاً تنبت مثل الحرير، وتعلن المهادنة معك، أما ما دمت تحاربها؛ لا بد من حاربك أن تحاربه، واللحية -أيها الإخوة! - ليس من الضروري أن الواحد يتفكر في الموضوع على أنه مسألة شعر لا. اللحية معلم من معالم الرجولة، وهدي من هدي النبي ﷺ . الله خلق الرجل رجلاً وخلق المرأة امرأة أليس كذلك؟ أليس هناك ميزات وفروق بين الرجل والمرأة؟ بلى. ومن ضمن الفروق هذه اللحية، يخرج الطفل والطفلة من البطن سواء عندهم شعر في الرأس، وشعر في الحواجب الولد والبنت سواء، وشعر في الجفون الولد والبنت سواء، فإذا اكتملت رجولة الرجل وأنوثة الأنثى طلع شعر في العانة عند الرجل والمرأة سواء، وشعر في الإبطين للمرأة والرجل سواء، لكن شعر في الوجه للرجل وليس للمرأة شعر، يظهر لها أثداء في الصدر ويغلظ صوته ويرق صوتها، وتعظم أكتافه وتعظم أردافها، فروق فردية، فالله أراد أن تكون رجلاً فميزك بهذه اللحية، ولذا لا تصلح أنت إلا بلحية والمرأة لا تصلح بلحية، ما هو رأيك الآن إذا ذهبت البيت وامرأتك معها لحية؟ فقلت: ماذا بكِ؟ قالت: أريد أن أكون مطوعة، هل تقبلها بلحية؟ لا تقبلها أبداً، فكما أنك لا تقبلها بلحية هي أيضاً لا تقبلك بغير لحية، وقد تقول: أنا حليق وامرأتي قابلة لي، نقول: ماذا تعمل صابرة بالغصب، لكن لو عندك لحية فهي تفضل ذلك. وقد أجري استفتاء لمجموعة من النساء؛ أربعمائة امرأة وسئلن: هل تفضل المرأة الرجل الأمرد، أم الرجل الذي له لحية؟ وكلهن بالإجماع قلن: نريد رجلاً له لحية؛ لأن المرأة تشعر أمام الرجل الذي معه لحية تشعر بالأنوثة؛ لأنها أمام شكل مغاير لها، انظروا لأسلاك الكهرباء؛ سلك حار وسلك بارد، ضع بارداً مع بارد ماذا يكون؟ تكون كهرباء؟ لابد من حار وبارد حتى تولع النار، وكذلك رجل وامرأة لا تكون الحياة مضبوطة إلا برجولة وقد تقول أنت: إن هناك معالم للرجولة ثانية، صدقت هناك معالم أخرى، لكن هذا معلم بارز، وهي مثل الظرف الذي عليه عنوان، قد يكون في الظرف شيكات لكن لا أحد يعلم ماذا فيه، وقد يكون في قلبك شيكات من الإيمان والعمل الصالح لكن لا يعلم الناس ماذا في قلبك، أظهر على وجهك سنة النبي ﷺ وأكرمها، فإن الله قد أمرك بها، وقد قال ﵊: (أكرموا اللحى) وإكرام اللحية أن تتركها في أكرم موضع فيك وهو وجهك، لكن إذا حلقتها هل أكرمتها؟ أين يحلق الرجل الآن؟ في الحمام، يحلق على المغسلة وتذهب لحيته مع الماء وتذهب في البلاعة، هذه لحية المسلم الذي أمر بإكرامها؟ والذي لا يحلق في الحمام يحلق عند الحلاق في السوق، وتنتقل اللحية بعد الحلق إلى تحت قدم الحلاق، وبعد ذلك يكنسها بالمكنسة ويضعها في الزبالة، عشرين ثلاثين سبعين لحية، وإذا جاءت سيارة البلدية قال: يا ولد! تعال احمل اللحى، وجاء عامل البلدية وأخذ اللحية ووضعها فوق الزبالة وذهب بها إلى المحرقة، رحلة معذبة، مسكينة هذه اللحية مع هذا الرجل، وبعد ما راحت طلعت الأسبوع الثاني وقام عليها. يا أخي: اتق الله في وجهك لحيتك اتركها تملأ وجهك، كم وزن اللحية؟ كم كيلو هي؟ أطول لحية وأكبر لحية لا تزن خمسين غراماً، لا تعب في حملها يا أخي! فاترك لحيتك؛ لأنها معلم وفي نفس الوقت تعينك على طاعة الله، إذا الرجل ملأت وجهه لحيته يستحي أنه ينزل في منازل السوء، لماذا؟ قال: ما تستحي على وجهك، لكن إذا كان أحلس أملس سهل عليه الاندساس ولا أحد يلومه. أسأل الله الذي لا إله إلا هو لكم التوفيق، والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 2901

أهمية الإيمان إن للإيمان أهمية عظيمة، فهو بلسم الحياة، ومفتاح دار السعادة، والإنسان بدون إيمان، شأنه شأن البهائم، بل أدنى منها. إن الحياة الحقيقية لا تكون إلا بالإيمان، فبالإيمان يكون الأمن، والاستقرار، والطمأنينة، والعفة، والكرامة، وبدون الإيمان يصير الخوف، والقلق، والضنك، والرذيلة. فيا أيها القارئ الكريم! عليك بالإيمان، عض عليه بالنواجذ، واسأل الله الثبات عليه، والله الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 2902

أهمية الإيمان للوجود الإنساني السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله هذه الوجوه الطيبة، وجمعنا الله وإياكم في الدنيا على طاعته، وفي الآخرة في دار كرامته، ومستقر رحمته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أشكر نادي الشباب الرياضي في مدينة الرياض، ممثلاً في مجلس إدارته وهو سمو الأمير خالد بن سعد بن فهد، وبقية أعضاء المجلس وهيئة الإدارة، والرياضيين، وأشكر هذه الوجوه الطيبة التي جاءت لا تريد شيئاً إلا الله، طابت فطاب مسعاها وممشاها، وأسأل الله أن يجعل مصيرها طيباً، وأن يجعلنا جميعاً ممن يقال لهم يوم القيامة: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣]. أشكر النادي على ترتيب هذه المحاضرة، التي تلبي الحاجة الماسة في قلوب الشباب، وتقدم البناء المتكامل لهم، والرعاية الشاملة لأرواحهم، كما تقدمها لأجسادهم، فإن المسئولية الملقاة على عاتق مسئولي رعاية الشباب، تقتضي منهم توجيه الاهتمام للإنسان بشقيه: المادي والروحي، وأما التركيز على الجانب الجسدي، وإهمال الجانب الروحي، فلا يمكن القول به؛ لأن الإنسان بروحه لا بجسده. يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته أتطلب الربح مما فيه خسران أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان إن توجه الأندية الرياضية إلى هذا الأمر هو مقتضى الواجب، ونرجو الله أن يبارك في هذا التوجه، وفي جهود المخلصين، الذين يرعون شباب هذه الأمة؛ هذه الأمة التي شرفها الله بهذا الإيمان وهذا الدين، والتي أكرمها الله بهذه الرسالة السماوية الخالدة، التي ينبغي أن تعتز بها كمظهر حضاري تتميز به على سائر أمم الأرض وشعوبها. نحن أمة القرآن أمة الإسلام أمة الإيمان ولنا الشرف والفخر أن نقف على أرض صلبة، من العلم الراسخ في الأعماق، الذي يقدم لنا التفسير الحقيقي لغوامض هذه الحياة، يوم أن ضلت البشرية، وتاهت في متاهاتها، وضاعت في دياجيرها وظلماتها، ولم تعرف إلا العلم الظاهر المتمثل في المادة: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]. هذا التوجه توجه مبارك، ينبغي زيادته وتشجيعه؛ لأنه الوضع الصحيح، فالأندية الرياضية مراكز تربوية، إنما وضعت في الأصل لرعاية الشباب في جميع نواحي الحياة: روحياً، وجسدياً، وثقافياً، واجتماعياً، وفي جميع دور الحياة، حتى نُخرج للمجتمع شاباً متكاملاً مرعياً من كل جانب، دون تغليب جانب على آخر، بل في توازن وتكامل واتساق، فلقد ارتضى الله لنا دين الإسلام حيث قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣] فأسأل الله أن يبارك في هذه الجهود، وأن يزيد منها. أيها الإخوة في الله: إن قضية الإيمان قضية رئيسية من قضايا الإنسان، بل هي لب حياته، فالإنسان بغير إيمان لا معنى لوجوده ما الذي يشعرك من أنت؟ ما الذي يجيبك على التساؤلات التي تتردد في صدرك؟ هل تستطيع المادة أن تفك مغاليق قلبك؟ أو أن تحل أسرار هذا الكون؟ لا. إن الإيمان هو الذي يقدم لك هذا، ليست قضية الإيمان قضية هامشية يمكن للإنسان أن يناقشها، أو أن يتجاهلها، لا. إنها قضية الوجود الإنساني المكرم، أو الوجود الحيواني الهابط، إنها قضية سعادة أبدية، أو شقاء أبدي، إنها قضية الجنة أو النار. إن الإنسان بغير إيمان سعفة في مهب الريح، انظروا إلى الدول الكافرة يوم أن غاب عنها الإيمان، وعاشت في ظل المادة، التي طورتها وطوعتها، واستغلتها أعظم استغلال، ما قيمة الإنسان في ظل المادة بعيداً عن الإيمان؟ لا قيمة له، قيمته أقل من قيمة حذائه الذي في قدمه، فلو أنك سألت الرجل صاحب المنصب الكبير: ما الحكمة من حذائك الذي في قدمك؟ لقال: الانتعال، ووقاية القدم، وما الحكمة من قلمك الذي في جيبك؟ لقال: الكتابة، وما الحكمة من معطفك الذي على كتفك؟ فيقول: الدفء، وتقول له: ما الحكمة من عينك التي في رأسك؟ فيقول: النظر، وما الحكمة من يديك التي في أعلى جسدك؟ فيقول: الحماية، فتقول له: إذاً وما الحكمة منك أنت؟ يقول: لا شيء. فحذاؤه في قدمه لها حكمة، أما هو بكامله لا حكمة له، والذي لا حكمة له لا معنى له ولا قيمة له. إن الإنسان بغير إيمان يبقى سعفة في مهب الريح، وحشرة من الحشرات في هذا الكون، بل بهيمة من بهائمه، لا هم له إلا الاستغراق في شهوات البطن والفرج، والتنافس والتكالب على المادة والرغيف، يعيش بعقلية الحيوانات، يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] ويقول: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤]، ويقول: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩]. زودهم الله بإمكانيات وقدرات يستطيعون بها أن يتعرفوا على سر وجودهم، والحكمة من خلقهم، فعطلوا هذه الوسائل كلها، واستعملوها فقط فيما يستعملها الحيوان، ولذا إذا أتينا بحيوان، ووضعنا أمامه العلف، انطلق إليه بفكره، وإذا عطش انطلق وراء الماء، وإذا رأى أنثاه انطلق إليها ونزا عليها، فهو يفكر في كل ما يفكر فيه الإنسان الذي يعيش بغير دين، وما تفكير الكافر والإنسان الذي بغير دين إلا في الطعام، والشراب، والزوجة، والعمارة، والسيارة، والوظيفة، أما ما عدا هذا فلا يفكر فيه، فهذه عقلية الحيوانات، وقضية التطور والتحسين في مستوى المعيشة ليست هي سر الوجود. في أمريكا قمة التطور الإنساني، هناك كلاب تعيش في ناطحات السحاب، وقد رأيت صوراً لكلاب تلبس بدلات، الكلب يلبس بدلة (وكرفتة)، وقال لي أحد الإخوة: إنه رأى كلباً يأكل في المطعم، وهو جالس على كرسي، وأمامه شوكة وملعقة، هذا كلب متحضر! لكن هل بين الكلب المتحضر الذي يعيش في ناطحات السحاب، وبين الكلب الذي يعيش في المزبلة فرق؟ لا. فهذا كلب متحضر، وهذا كلب بدوي، والجميع كلاب. إن الحضارة ليست عمارة، أو لباساً، أو مركباً، أو منصباً، الحضارة هي: مبادئ مفاهيم عقائد أخلاق فإذا تجرد الإنسان من المبدأ والعقيدة والخلق الإنساني فماذا بقي له؟ ولهذا تجدون أناساً في الدول الغربية الكافرة لا يألفون أمهاتهم، ولا آباءهم، ولا إخوانهم، ولا أبناءهم، ولا بناتهم، وإنما يألفون كلابهم، فتراه يمشي والكلب معه، ويأكل وهو بجواره، لقمة له ولقمة لكلبه، والطيور على أشباهها تقع. إن الإنسان بغير الإيمان حيوان، وليته حيوان لكنه أضل، كما قال الله : ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩]. بل إنهم يقرون بهذا يوم القيامة، يوم يحشرون إلى النار، وتصبح الحيوانات تراباً، فيتمنون لو أنهم كانوا حيوانات في الدنيا، ليصبحوا تراباً في الآخرة، يقول : ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ [النبأ:٤٠] أي: عندما يرى الحيوانات وقد تحولت إلى تراب، يقول: يا ليتني كنت واحداً منها، شاركها في الحياة، ولم يشاركها في المصير، بل وينفون عن أنفسهم العقول يوم القيامة، ويقولون: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠ - ١١]. فالإيمان ليس شيئاً هامشياً حتى تأخذ به، أو تُخيّر فيه، بل إنه قضية وجود. هل تريد أن تعيش الوجود الإنساني المكرم، الذي كرمك الله به؟ إذا كان الجواب نعم، فعليك أن تأخذ بالإيمان، وبغير الإيمان تهبط إلى الوجود الحيواني، وتشارك سائر الحيوانات فيما هي فيه، مع الفارق، والفارق في ماذا؟ في الظاهر فقط، فالحيوان ينام في الحضيرة، وأنت تنام في العمارة، لكن العقلية والتفكير والآمال واحدة، فأنت عقليتك محصورة في بطنك كيف تملؤها، وفي شهوتك كيف تقضيها، وفي آمالك وأطماعك كيف تحققها!

стр. 2903

سر تكريم الله للإنسان الإيمان -أيها الإخوة- ضروري؛ لأنه يرفع الإنسان إلى الدرجة التي كرمه الله بها، لقوله : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠] بم كَرّم الله الإنسان؟ فكر، وانظر إلى سائر المخلوقات، ثم قم بإجراء موازنة ومقارنة، لتعرف سر التكريم، هل التكريم بالقوة؟ لا. فالحيوانات فيها من هو أقوى من الإنسان وأشجع، الأسد ملك الغاب، أشجع من أي حيوان، ولو أن التكريم بالشجاعة لكان الأسد أفضل مخلوق، لكن ليس التكريم بهذا. يقال: إن أسداً وضبعاً وثعلباً خرجوا إلى الغابة للصيد، فاصطادوا كبشاً وغزالاً وأرنباً، فقال الأسد للضبع: قسّم العشاء، فقال: الأمر سهل! الكبش لي، والغزال لك، والأرنب للثعلب، فغضب الأسد غضبة قوية، وضربه على رأسه فقتله، ثم قال للثعلب: قسّم أنت. قال: الأمر سهل! الكبش غداؤك، والغزال عشاؤك، والأرنب فطورك يا سيدي، فقال الأسد: ما أعظم هذه القسمة! من علمك هذا يا ذكي؟ قال: علمني هذا الغبي وهو ميت. فحياة الحيوانات قائمة على شريعة الغاب، والبشرية الآن في ظل غياب الدين قائمة على شريعة الغاب. لمن الحياة في العالم؟ للأقوى. ليس للأفضل، ولا للأكمل، بل الفاضل الكامل إذا كان ضعيفاً فليس هناك من يقدره، والخبيث الفاشل إذا كان قوياً فالكل يخاف منه، في ظل غياب الإيمان والدين، ولو كان الإيمان موجوداً لكانت الحياة للأتقى لا للأقوى، وللأعلم لا للأجهل. فَسِرُّ التكريم الذي كرم الله به الإنسان، ليست الشجاعة، ولا القوة، ولا ضخامة البدن، إن سر التكريم: الدين، والإيمان، والإسلام، وقد يقول شخص: لا. بل سر التكريم العقل، فنقول له: لا. إن العقل مع كل مخلوق، حتى مع أبلد الحيوانات، فأبلد حيوان يضرب به المثل في البلادة وهو الحمار، ضرب الله به مثلاً لليهود، وقال فيهم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة:٥] يقول العلماء: وهذا مثلٌ ينطبق على كل من تشبه بأخلاق اليهود، حينما يحمل القرآن ولا يستفيد منه شيئاً، فمثله كمثل الحمار يحمل أسفاراً. فبالرغم من أنه بليد، ولكن مع بلادته معه عقل، يستطيع أن يستعمله في الوظيفة التي خلقه الله لها، فما هي وظيفة الحمار؟ بينها الله في القرآن حيث قال : ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] الوظيفة: أنه وسيلة للركوب، ولذا يعرف كيف يقف، وينتظر حتى تحمل عليه، فإذا نزلت مشى، وإذا سافرت به في طريق يعرفها أو يحفظها فإنك تراه يمشي فيها لوحده، وإذا سافرت به بعد سنة في تلك الطريق الأولى فإنه لا يجهلها أو ينكرها، هذه وظيفته، وإذا دفعته إلى النار فإنه يرفض، إذا أوقدت ناراً، أو حفرت حفرة، وأتيت بحمار وأنت تجره بخطامه إلى طرفها، هل ينقاد لك ويلقي بنفسه في النار؟ لا. ودائماً أذكر قصة قالها لي أحد العلماء من اليمن، قصة فيها عبرة لمن له قلب، وأنا لا أكررها عبثاً، بل أريد من أصحاب العقول أن ينتبهوا لها، يقول هذا الشيخ: إن هناك أناساً يزرعون التبغ (الدخان) ويحصل عندهم قحط شديد، وينحبس المطر، ويوفرون الماء في الآبار لسقيا أشجار التبغ (الدخان) وتضعف الحيوانات، ويبدو عليها الهزال، حتى تظهر أضلاعها على ظهورها، ولا تجد من الأكل إلا الطين من الأرض، يقول: فيؤتى بمجموعة من التبغ الأخضر كالبرسيم، فيقدم إلى الحمار، فإذا اقترب منه وشمه رفضه وهز رأسه، الحمار يترك هذا التبغ وهو أخضر، وبعض البشر يشربونه وهو محروق يابس، لماذا لم يأكله الحمار؟ لأن عنده عقلاً، يعرف أن هذا حار ومزعج وأنه يضره. لكن بعض البشر يشتري علبة الدخان وقد كُتب عليها: تحذير رسمي: (التدخين يضر بصحتك فلا تدخن!) فلا يقرأ، ولو اشترى علبة مانجو أو بسكويت، ووجد تاريخ الصلاحية قد انتهى لأقام الدنيا وأقعدها، وذهب إلى البلدية وخاصم صاحب البقالة، وقال له: كيف تبيع طعاماً قد انتهت صلاحيته؟ وفعلاً لا يجوز غش المسلمين، ولكن الشاهد كيف أنه يشتري علبة الدخان ولا يفكر؟ وكل طعام معلب في الدنيا عليه تاريخ صلاحية، إلا الدخان ليس عليه تاريخ صلاحية؛ لأنه فاسد من يوم أن صنعوه، بل كتبوا عليه: (التدخين مضر بصحتك فلا تدخن!) وعلبة الدخان بأربعة ريالات، وعلبة البسكويت بريال، أين عقول بعض البشر؟ إنهم يلغونها، وإلا لو حكموا عقولهم وفكروا لوجدوا أن ممارسة التدخين عادة سيئة، ينبغي التمرد عليها، والانتصار عليها، وإعلان رفضها، والابتعاد منها. صحيح أن العادة تأسر الإنسان، لكنها تأسر الإنسان الضعيف، ضعيف الشخصية، الذي أصبح تافهاً ولا يستطيع أن يتحكم بنفسه، أما القوي فتجده ينتصر على إرادته، ويعلن رجولته. فليس سر التكريم -أيها الإخوة- عند الإنسان هو العقل، ولكنه الإيمان والدين، وسآتي لكم بدليل من القرآن الكريم، نبي الله سليمان أوتي ملكاً لم يكن لأحد من بعده، قال تعالى حاكياً عن سليمان: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥] فسخر الله له الجبال والطير والوحوش والجن والإنس، وكانت مملكته مملكة عظيمة، وكان مجلس الحكم عنده يمثل فيه جميع فئات المخلوقات؛ أمة الطير، وأمة السباع، وأمة الوحوش، وأمة الحشرات، وكل الأمم موجودة، وكان يعرف أفراد المملكة كلها ويتفقدهم، وفي يوم من الأيام تفقد المملكة، وكانت أمة الطير من بينها، وكم أنواع الطيور؟ آلاف الأنواع في الأرض، ولكن لم يغب عن ذهن سليمان واحد منها اسمه الهدهد: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٢٠ - ٢١] قال الله : ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل:٢٢] أي: تأخر فترة غير طويلة، ثم جاء بمنطق الثقة والقوة، ورغم أنه طائر يخاطب ملكاً ونبياً من الأنبياء، إلا أنه يقول له: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل:٢٢] أي: علمت أمراً لم تعلمه أنت، واكتشفت خبراً لا تدري عنه أنت، إنه خبر مهم، إنهم قوم يشركون بالله، يعبدون غير الله: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّه﴾ [النمل:٢٢ - ٢٤]. انظروا إلى العقلية! والله إن عقلية هذا الطائر أعظم من عقلية ملايين البشر في هذا الزمان، هدهد يغضب لله، لا يرضى أن يُعبد غير الله، لا يرضى أن يُشرك بالله، ويقول بعد ذلك: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّه﴾ [النمل:٢٥] أي: كيف يسجدون للشمس؟ من خلقهم؟ من أوجدهم؟ من فطرهم؟ من يميتهم؟ من يبعثهم؟ من يحاسبهم؟ ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّه﴾ [النمل:٢٥] يستغرب هذا الطائر أن تنصرف العقول عن عبادة خالقها وفاطرها وموجدها، إلى عبادة مخلوق وهي الشمس! وهذه عقلية أخرى. أيمكن بعد هذا أن نقول: إن الإنسان أكرمه الله بالعقل؟ لا. فعقلية الطائر أفضل! البعوضة الصغيرة (النامس) يقول ابن القيم في كتاب له اسمه: مفتاح دار السعادة، يتكلم فيه عن أسرار خلق الله بما يدهش العقول: حشرة صغيرة تقف على ست قوائم، وهذه القوائم ذات مفاصل، وهذه المفاصل داخلها عظام رقيقة دقيقة، يجري فيها المخ والدم يقول الناظم: يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليلِ ويرى نياط عروقها في نحرها والمخ في تلك العظام النّحلِ ويرى ويسمع كل ما هو دونه في قاع بحر مظلم متجلجلِ امنن عليّ بتوبة أمحو بها ما كان مني بالزمان الأولِ هذه البعوضة الصغيرة فيها أسرار من الخلق لا يعلمها إلا الله، علماء التشريح عندما يشرحونها يقفون مذهولين، مبهورين، إن تشريح وظائف أعضائها الآن شيء معجز، فمعها في رأسها قرنا استشعار، بمنزلة (الرادار)، ولها خرطوم مثقوب يمص به الدم، أدق من الشعر، ولها رأس، وبطن، وذيل، وأجنحة، وست قوائم بمفاصل وعظام إنها تركيبية عجيبة، وبعد ذلك في رأسها مخ أعظم من مخ الإنسان. إذا أرادت أن تعيش، فإنها تسلب دمك أيها الإنسان؛ لأن قوت البعوض هو دم الإنسان، فهي تعيش على أعلى وأعز شيء في حياتك، وهو الدم، فعدوك إذا أراد أن يتهددك يقول لك: والله لأشربن من دمك، والبعوضة تقول كذلك: والله لأشربن من دمك، ومع هذا كله فهي لا تشرب من دمك في خفية أو ذلة، بل بعد المواجهة، فأنت تنام على سريرك، فتدخل البعوضة التي بإمكانها أن تلدغك في قدمك أو ساقك أو في يدك، لكن تقول: لا يصلح أن ألدغه قبل أن أعلمه، فتأتي إلى أذنيك وتحدث صوتاً: (طنين)، فإذا سمت صوت طنين البعوضة ذهب النوم عنك، لا يأتيك النوم أبداً، وبعد ذلك ماذا تفعل؟ من الناس من يكون متعباً، لا يستطيع أن يقوم ويحاربها، فيتنغص نومه، ثم يأتي ببطانيته ويدخل رأسه تحتها، وكذلك أقدامه وجوانبه، ويبقى محاصراً لنفسه داخل البطانية، خوفاً من البعوضة، ويصبر على الأذى، ولكن مع شدة الأمر فإنه يرفع البطانية قليلاً من عند رأسه، لعله يأتيه الهواء لماذا كل هذا؟ إنها بعوضة يا مسكين! لا إله إلا الله ما أضعفك! بالله هل من حقك أيها الإنسان الضعيف -يا من تخاف من البعوضة- أن تعصي الله؟!! إذا كانت الملائكة الغلاظ الشداد لا تعصي الله ما أمرها، وهي الملائكة العظيمة الخلقة، ذكر الإما

стр. 2904

الإيمان يقدم التفسير الصحيح للحياة السبب الثاني من أسباب أهمية الإيمان وضرورته: أنه يقدم لك التفسير الصحيح للحياة. ما هي الحياة أيها الإخوة؟ اسأل نفسك: ما الحياة؟ ومن أين جئت؟ ولماذا جئت؟ وأين سوف تذهب بعد أن تموت؟ وما دورك في الحياة؟ هذه الأسئلة تتردد في ذهنك فمن يجيب عليها؟ أأنت تجيب؟ لا. لماذا؟ لأنك لم تأت بنفسك أنت، بل إنك لا تعرف كيف خلقت، يقول الشاعر: لا تقل كيف استوى كيف النزول أنت لا تعرف كيف أنت ولا كيف تبول إنك لما خلقت وجيء بك إلى هذه الحياة لم يؤخذ رأيك حتى تقدم التفسير لنفسك؛ بل جيء بك رغماً عنك، ولهذا لا تعرف سر وجودك من نفسك، بل لا بد أن تعلم ذلك ممن خلقك. كنت اليوم في مطار أبها، ونحن ننتظر إقلاع الطائرة التي تأخرت لأسباب، تأخرت قرابة أربع ساعات، فطال الوقت على الناس، وشعروا بالضيق، وكنت في زاوية من الصالة، وتجمَّع عليّ بعض الإخوة، فاستغللت الموقف وقلت لهم: ما رأيكم في هذا الانتظار؟ قالوا: صعب جداً، قلت: ما رأيكم بالانتظار يوم القيامة؟ يقف العباد يوم القيامة سبعين سنة انتظاراً لفصل القضاء، واليوم الواحد من أيام الآخرة كألف سنة: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]. القلوب واجفة، والأبصار شاخصة، والأجسام عارية، والبطون خاوية، والرعب مجلل لأهل الموقف، يقول الله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٨ - ١٩]. فأبصارهم شاخصة في ذلك اليوم الرهيب، وهم وقوف كلهم ينتظرون فصل القضاء. إذا حدثنا الناس عن هذا الكلام، فإنهم يفكرون بعقلية هذه الدنيا، تراهم ينظرون كيف تسير الأيام، وقالوا: اليوم الواحد مثل ألف سنة، كيف؟ اليوم عندنا على دورة الشمس والقمر، إن اليوم أربع وعشرون ساعة، نقول لهم: يا جماعة! الأمر مختلف؛ لأن عالم الآخرة غير عالم الدنيا. إن نسبة عالم الدنيا إلى الآخرة كنسبة عالم البطن إلى الدنيا، فلو أننا جئنا بطفل يريد أن يخرج للحياة قبل خروجه بساعة أو ساعتين، وأمسكنا به وقلنا له: يا طفل! أنت سوف تخرج بعد ساعة إلى عالم فيه جبال، وأشجار، وأنهار، وبحار، وسماوات، وأرض، وطائرات، وسيارات، وملاعب، وعمارات، وشوارع، وناس يمشون ويأكلون ويشربون، ثم فكر هذا الجنين بعقلية بطن أمه، ونظر إلى الأجواء المحيطة به، ورأى الطحال أمامه، والكبد عن يساره، والرئة من هنا، والعمود الفقري بين عينيه، فماذا سيقول لنا؟ سيقول: أنتم رجعيون، عقليتكم قديمة، فأين الجبال التي تقولون؟ وأين الأنهار التي تدعون؟ ليس هناك إلا بطن أمي، لكن متى يراها؟ إذا خرج من هذا البطن ورأى العالم. أما الذين يعيشون ويفكرون بعقلية الطفل الذي لا زال في بطن أمه، فإننا حينما نحدثهم عن الآخرة، يقولون: أين أين؟ فنقول: سترونها والله، كما قال الله : ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:١ - ٨]. إن الإنسان لا يمكنه بمفرده أن يقدم لنفسه التفسير الحقيقي لهذه الحياة؛ لأنه لم يخلق الحياة ولم يخلق نفسه، ولا بد إذا أردنا العلم الصحيح عن الحياة والإنسان والكون أن نسأل خالقها، ألا وهو الله، وكيف نسأله؟ نسأله عن طريق الإيمان به، عن طريق كتابه وسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وبغير ذلك لا نعرف هذه الحياة، نعرف منها الظاهر فقط، نعرف الأكل، والشرب، والنوم، والنكاح، كما أن الحيوانات تعرفه، لكن هل نعرف لماذا جئنا وأين نذهب بعد الموت؟ إن قضية البعث بعد الموت قضية لازمة، مثلها مثل قضية الموت، فكما أن الله خلقنا فإنه يميتنا ويبعثنا؛ لأن الله ذكر قضيتين وجعلهما متلازمتين في القرآن: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] هل استطاع شخص أن يخرج على قاعدة الموت؟ ويقول: أنا فلان بن فلان والله لن أموت؟ لا يستطيع أحد أن يخرج من سنة الله في الموت، ولا أن يفلت من سنة الله في البعث، لأنه قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣١]. فالذي يقدم لك التفسير الحقيقي لهذه الحياة هو الإيمان والدين، ويقدم لك أيضاً تفسيراً لنفسك، فيُعلمك من أنت، فأنت فيك أسرار غير الأسرار الظاهرة، بعض الناس يتصور عندما تقول له: من أنت؟ أنك تسأله عن نسبه، فيقول لك: أنا فلان بن فلان بن فلان، ومم تتكون؟ قال: أتكون من رأس، ورقبة، وجذع، وأرجل، وأيدي، وجهاز هضمي، وتنفسي، ودموي، وعقلي، وسمعي، وبصري من كل هذه الأجهزة، نقول: لا. هذه ليست أنت، بل أنت شيء آخر، بدليل أنه إذا خرج هذا الشيء الآخر منك تذهب قيمتك. الآن إذا مات شخص وخرجت روحه، هل يبقى لعينه قيمة؟ أو لأذنه قيمة؟ أو لرئته قيمة؟ أو لقلبه قيمة؟ أو لكليته قيمة؟ أبداً. ولا شيء، بل الآن في عمليات زرع الأعضاء، إذا مات شخص، فإنهم يأخذون قلبه، ويضعونه في شخص آخر حي، لماذا عمل في هذا ولم يعمل في الأول؟ لأن الراكب نزل، من هو الراكب؟ أنت. فمن أنت؟ أنت الروح. فما الروح؟ اسأل الكافر قل له: ما الروح؟ يقول: لا أدري، نعم إن الكافر لا يدري من هو. لكن المؤمن يعرف الروح عن طريق أمر الله؛ وقد سئل النبيُ ﷺ عن الروح، فقال الله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] إذا أردت أن تعرف روحك فسر على أمر الله تعرف من أنت، إن الكافر لا يعرف من هو، ولكنه يعرف عيونه، ولهذا أبدع في طب العيون، ويعرف أذنيه، ويعرف قلبه، ولكنه لا يعرف روحه؛ لأنه لم يبذل جهداً في معرفة الروح، ومن الذي يخبره عن الروح؟ إنه الله، والإيمان به، والاستقامة عليه، والالتزام به، والرضوخ والانقياد له، فإذا عرفت هذا عرفت نفسك، أما بغير هذا فلن تعرف من أنت هذه الأهمية الثانية.

стр. 2905

السعادة الحقيقية في الإيمان الأهمية الثالثة: إن الإيمان يكسبك أيها الإنسان! طعم الحياة ولذتها. إن الحياة أيها الإخوة! لها لذة وطعم، ولكن هذا الطعم وهذه اللذة ليست في الشهوات، ولا في الملذات، ليست في كأس، ولا غانية، ولا نغمة، ولا نومة، ولا رحلة، ولا نزهة، ولا في شيء من هذا، فمهما تمتعت -والله الذي لا إله إلا هو- مهما تمتعت من متاع الدنيا، وأنت بعيد عن الإيمان، فإنك تعيش في عذاب لا يعلمه إلا الله، العذاب الذي يعاني منه الناس وهو موجود في قلوبهم، سببه بعدهم عن الله ﵎، قد يقول قائل: لم؟ لأنك تلبي فقط متطلبات جسمك وكيانه، فتعطيه الأكل والشرب، والشهوات، والرحلات، والسهرات، والنوم، والعلاج، فتبني هذا الجسد، لكن تهمل روحك وكائنك الداخلي، فكوب البرتقال، والتمشية، والنزهة لا يستفيد منها إلا جسدك، أما روحك فإنها تكون في عذاب، إلى أن يأتيها غذاؤها، وغذاؤها من أين أيها الإخوة؟ إنه من الإيمان بالله، من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ . ولذا يخبر الله أن الذي يعرض عن دين الله، وعن كتاب الله، والإيمان به، وعن السير على منهج رسول الله ﷺ ، فإنما يعذبه الله في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فالضنك والشقاء والضيق، فمهما تمتعت، فمتع الحياة كلها لا تلبي رغباتك من راحة القلب، فأنت تشعر عندما تدخل المسجد وتقرأ آية من كلام الله، أو تركع ركعة لله، أو تسجد سجدة لله، أو تذكر الله وتستغفره، أن سروراً دخل إلى قلبك هو أعظم من جميع لذائذ الحياة، لكن بغير الإيمان والدين فإنه سوف يبقى شيء في الداخل ينغص حياتك مهما تمتعت، سوف يبقى شيء يلذع قلبك، يقول لك: إن الشهوات ليست هي الحل، ولهذا يقول الله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]. إنك لا تخسر بالإيمان شيئاً، إن الإيمان يُصلح لك الدنيا قبل الآخرة، يتصور بعض الناس أن للإيمان آثاره ونتائجه في الآخرة فقط، لا. إن للإيمان آثاراً في الدنيا قبل الآخرة، يقول الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النساء:١٣٤] فثواب الله في الدنيا والآخرة وفي دين الله ﵎: الأمن، والطمأنينة، والاستقرار، والرضا، وأنت لا تفرح بهذه الحياة، لماذا؟ لأنك تعبد الله، تسير على الخط الصحيح، حتى لو جاءك الموت فإنك تفرح، ترجو لقاء الله وتحبه، وهذا لا تجده أبداً إلا في الإيمان والدين، وفي الخضوع لشريعة الرحمن ﵎، وبغيره العذاب، والقلق، والحيرة، والاضطراب. هأنتم ترونهم في الغرب والشرق يعيشون تحت ظل الكفر، ويعانون من ضغط المادة والحضارة ما لو وضع على الجبال الراسيات لأرضها أو صدعها، يتخلصون من الحياة، ويهربون من ضغوطها بالانتحار والموت، وبالأعمال التي يتصورون أنها مبدعة وخارقة، وهدفهم منها الموت سباق السيارات التي يسمونها (الرالي)، هل ترون أنه سباق سيارات؟ هل تتصورون أنها شجاعة منهم، أو رغبة في الرياضة؟ لا. لكنها عملية انتحار، هو يعرف نفسه أنه سوف يذهب منتحراً من أعلى جبل، أو من على بئر، لكن تجده يقول: أنتحر وآخذ لي سيارة، وقبل أن أموت أحقق رقماً قياسياً عالمياً، ويذكر اسمي، فيذهب بسيارته ويسابق، فإذا رأيته تقول: هذا مجنون. هذا ضرب من ضروب الهروب من الحياة، لماذا؟ بسبب الضغوط التي تثقل قلوبهم بكفرهم، وببعدهم عن الله ﵎. فيا أخي في الله! أنت بالإيمان تكسب كل شيء، ولا تخسر شيئاً مهماً، وبالنفاق والكفر والعياذ بالله! تخسر كل شيء، ولا تكسب شيئاً مهماً بالإيمان تكسب سعادة الدنيا، فتعيش مرتبطاً بالله متصلاً به، تتلقى تعليماتك وتصوراتك وأفكارك وتوجيهاتك كلها من الله، في كل دقيقة من دقائق حياتك، وكل جزئية من جزئياتك، حتى في الأكل، نعم تأكل، لكن الأمر من الله علمك كيف تأكل وتشرب، فتأكل وتشرب بيمينك، وعلمك كيف تنام، فإنك تنام على شقك الأيمن ذاكراً لله، وعلمك كيف تدخل دورة المياه، فإنك تقدم رجلك اليسرى، وتستعيذ بالله من الخبث والخبائث، وعلمك كيف تأتي زوجتك نعم، فإنك تمارس هذا باسم الله، لا باسم الشيطان الرجيم. هذا شرف، وأي شرف أيها الإخوة! أي شرف أعظم من أن تعيش في الأرض وتوجيهاتك كلها من الله؛ تسير في الشارع وأنت مأمور من الله بغض بصرك، وبرد السلام، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبمساعدة الضعيف، هذه كلها أوامر من الله تدخل مكتبك لتمارس عملك وعندك أوامر من الله تدخل سوقك لتبيع وتشتري وعندك أوامر من الله أي شرف أيها الإخوة! أعظم من هذا الشرف؟! وأي مجد أعظم من هذا المجد؟! إنه شرف الإيمان بالله، شرف العيش على كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ . هذا في الدنيا أيها الإخوة. وبعد ذلك لا يحرمك الإيمان من شيء، يقول الله في متع الحياة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢] كلْ مما جعله الله طيباً في هذه الأرض كلها ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ [المؤمنون:٥١] تزوج، وإذا لم تكتف بواحدة فاثنتين أو ثلاث أو أربع، لكن الحرام لا. لم؟ لأنك طيب، والله طيب ويأمرك بالطيب، ويجعل لك زوجة طيبة خالصة لك، لكن القذرين الخبثاء لا يألفون إلا الخبث والعياذ بالله! فالإيمان عندما حرم عليك الزنا لم يرد تعذيبك، بل أراد كرامتك، وعندما حرم عليك الخمور لم يرد تعذيبك، وإنما أراد صيانتك، وعندما حرم عليك المخدرات، لم يرد حرمانك من ملذات الحياة، وإنما أراد تكريمك وتفضيلك، وجعلك إنساناً ذا عقلية متميزة، لا تلغيها ولا تذهبها بالمخدرات. إذاً أنت بالإيمان لا تخسر شيئاً، بل تكسب كل شيء تكسب الدنيا، وهل الدنيا فقط هي المكسب؟ لا. يقول ﵊ في الحديث الصحيح، في ضرب نسبة ومقارنة بين الدنيا والآخرة: (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم ثم ينزعها فلينظر بم ترجع؟) هل ترجع إصبعك بقطرات من محيط الآخرة؟ والله خسارة عليك يا أخي! أن تضيع الآخرة من أجل هذه القطرات. ويوم أن تموت وتتخلى عنك الحياة، يأتيك الإيمان ليسعفك في تلك اللحظات، يقول الله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]. وبعد ذلك إذا انسلخت من الحياة، وانتزعت منها، وسللت منها كما تسل الشعرة من العجين، إذا كنت صاحب منصب فإنهم ينزلونك من منصبك، أو كنت صاحب عمارة فإنهم ينزلونك من عمارتك، أو كنت صاحب أولاد فإنهم يتبرءون منك، أين توضع؟ في القبر، في الحفرة المظلمة، من ينفعك هناك؟ ينفعك الإيمان، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١]. وبعد ذلك يوم يُبعث الناس من قبورهم لفصل الجزاء والحساب يوم القيامة، لا خوف عليك ولا أنت تحزن: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧٠ - ٧١]. هل خسرت شيئاً بسبب الدين؟ لا. هل خسرت الزنا؟ لا. لأن الزنا تركه ليس بخسارة بل هو ربح، هل خسرت الربا؟ لا هل خسرت الشرك بالله؟ لا. هل خسرت الخمور؟ لا. هل خسرت المحرمات كلها؟ لا. لكنك ربحت؛ ربحت العزة، والتوحيد، والصلاة، والصلة بالله، ربحت الزكاة، والمواساة لإخوانك في الله، ربحت الصيام وهو أزكى العبادات، ربحت الحج والوقوف بعرفات، ربحت ذكر الله في الأرض، وذكره لك في السماء، ربحت الصدق، والبر، والوفاء، والمروءة، والشهامة، والكرم، والشجاعة، ربحت كل خُلُقٍ كريم أمر الله به. هذا في الدنيا وبعد ذلك تربح الدنيا والآخرة. إذاً: أيها الإخوة! هل الإيمان ضروري أم لا؟ إنه -والله- من أهم ضرورات الإنسان.

стр. 2906

الوسائل المؤدية إلى معرفة الإيمان لقد مارس الإنسان في أطوار حياته ضروباً من الممارسات، في التعرف على قضية الإيمان، فمنهم من اعتمد على مبدأ السببية، وهو أن لكل حدَثٍ مُحدِث، ولكل مخلوق خالق، نظروا بعقولهم، قال البدوي في القديم: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، أفلا يدل ذلك على السميع البصير؟! مبدأ السببية يلزمك أن تؤمن بالله؛ لأن الله يقول: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦] ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر:٦٢ - ٦٣]. وبعضهم استجاب لداعي الفطرة، وداعي الفطرة الذي جعله الله فيك يقضي بأن تؤمن بأنه لا إله إلا الله، يقول الله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠]. فالدين القيم هو الفطرة، وهو اللباس الذي فُصِّل على مقاسك، وإذا أخذت اللباس المناسب استراحت نفسك، وإذا لبست ما ليس لك لم تسترح، ولهذا فصل للشر (ماركس) و (لينين) و (استالين) فصلوا له لباساً، وماركس ولينين يهودٌ أبناء زنا، ليسوا هم الذين خلقوا الإنسان حتى يفصلوا له اللباس، ففصلوا له لباساً لا يصلح، وهو لباس الشيوعية، وبدءوا يُلبسون هذا اللباس للشعوب بالحديد والنار، وسجنوا وقتلوا ملايين البشر في سبيل إبقاء هذا المبدأ، وفي النهاية يصادمون سنة الله، والله غالب على أمره، وإذا بالشعوب تنتفض وتخلع هذا اللباس الخبيث، وتقول: تسقط الشيوعية، لماذا؟ لأنه لباس لم يفصله الله. فلباسك أنت أيها المسلم! الإيمان والدين: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] والذي يلبس لباساً مناسباً يستريح فيه، لكن إذا كان مقاس ثوبك مثلاً (٥٨) وأخذت لك ثوباً مقاسه (٣٠) يصلح لطفل عمره أربع سنوات، ولبسته، ولكنه ليس على قياسك، ويصل الثوب إلى سرتك، وعندما تخرج إلى الشارع، ماذا يحكم عليك الناس؟ يقولون: مجنون! انظروا إلى هذا المهبول، يلبس ثوب ولده! فتقول: يا جماعة أليس هذا بثوب؟ يقولون: ثوب، لكنه ليس مناسباً لك. وإذا لبست حذاءً لولدك، واستطعت أن تدخل إصبعك الكبيرة فيه، ومشيت به في الشارع، أو ذهبت به إلى العمل، ماذا يقول لك الناس؟ يقولون: أصبح مجنوناً جاء في حذاء ولده! سبحان الله! من يلبس حذاء ليست له، أو ثوباً ليس له يقال عنه: مجنون، إذاً كيف بمن يعتنق ديناً محرفاً باطلاً ليس له؟! كيف بمن يعيش على مبدأ ليس له؟ إنه مجنون -والله- ألفُ مجنون، بل يوم القيامة يقولون عن أنفسهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠]. فالبس اللباس الذي أجازه الله، فطرة الله، دين الله، الدين الذي شرعه الله هو الإيمان، حتى تستريح وتسعد في الدنيا والآخرة.

стр. 2907

حقيقة الإيمان ومقتضاه ولكن أيها الإخوة! قد يسأل سائل فيقول: ما هو الدين؟ أو ما هو الإيمان الذي تعنيه؟ الإيمان الذين نريده -أيها الإخوة- هو ما فسره علماؤنا، علماءُ أهل السنة والجماعة، يقولون: الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وأركانه ستة: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالبعث بعد الموت، وبالقدر خيره وشره من الله تعالى. ومعنى الإيمان: الجزم والتصديق، وظهور آثار هذا الجزم على عملك، فتؤمن بالله أي تراقبه وتعبده، وتؤمن بملائكة الله أي تعرف أدوارهم، وتتشبه بأخلاقهم في طاعة الله، وتؤمن برسل الله أي تصدق بهم كلهم، وليكن قدوتك خاتم المرسلين سيدنا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، وتؤمن بكتب الله المنزلة، ثم تخضع لآخر كتاب منزّل، والمهيمن على كل الكتب، وهو القرآن، وتؤمن بالقضاء والقدر من الله، فترضى بما قسم الله لك، وتؤمن بالبعث بعد الموت، فتعمل لما ينجيك من عذاب الله بعد الموت. هذا مقتضى الإيمان، وهناك تعريف جديد، يقول العلماء فيه: إن الإيمان عمل قلبي، وقناعة ذهنية، تبلغ أعماق النفس البشرية، وتحيط بها من جميع جوانبها الثلاثة. وجوانب النفس ثلاثة: إدراك، وإرادة، ووجدان. فالإدراك يعني: المفاهيم والمعارف والحقائق التي تفهمها، قضايا الإيمان هي كل ما أخبر الله به، وأخبر به رسوله ﷺ ، يجب الإيمان بها، ثم تترجم هذا الإيمان في إرادات تبعث على الخضوع والانقياد والإذعان لكل أحكام الشرع، فلا ترفع رأسك على أمر لله، أمرك الله بغض بصرك فلا تنظر به إلى حرام، وأمرك بحفظ سمعك فلا تسمع به حراماً، وأمرك بكف لسانك فلا تطلقه في حرام، وأمرك بصيانة فرجك فلا تقع به في حرام، وأمرك بحفظ بطنك فلا تدخل فيها إلا حلالاً، وأمرك بكف يدك فلا تمدها إلى حرام، وأمرك بكف رجلك فلا تحملك إلى حرام، وأمرك بالعبادة، والصلاة، والزكاة، وببر الوالدين، ونهاك عن كل محارمه، ثم أذعنت وحققت الإيمان. الثالث: الوجدان، وهو أن يكون لك قلب حي، يحترق على الإيمان، قلب يعيش هموم المسلمين، وهموم الدين، ويفرح لله، ويغضب لله، ويحب ويكره في الله، يعيش من أجل الله، يضحي بحياته في سبيل الله، يصبغ حياته كلها بمنهج الله، يبرمج كل شئون دنياه وآخرته على وفق دين الله إذا ركبت معه في السيارة ترى الإيمان معه في السيارة، وإذا نظرت إلى وجهه رأيت الإيمان في وجهه، وإذا رأيت لباسه ترى الإيمان في شكله، وإذا دخلت غرفة نومه ترى الإيمان في غرفة نومه، حياته كلها مبرمجة ومصبوغة بالإيمان، هذا هو الذي نريده ونعنيه، وغير ذلك لا يسمى إيماناً، ومن عاش هذا -أيها الإخوان- فسينعم في الدنيا والآخرة، ومن رفض وأبى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧]. أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقنا وإياكم الإيمان الخالص، واليقين الصادق، وأن يدلنا ويوفقنا للعمل الصالح، وأن يثبتنا عليه حتى نلقاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 2908

حال المجاهدين وواجبنا تجاههم أيها الإخوة: (المؤمن للمؤمن كالبنيان أو كالبنان يشد بعضه بعضاً) (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كأعضاء الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) إخوانكم في العقيدة والدين والإيمان، يعيشون في أفغانستان، وقوى الشر والطغيان والإلحاد تتكالب عليهم من كل حدب وصوب، حتى قرأنا في آخر الأخبار أنهم يتعرضون لمجاعة، وأن المجاهدين الآن يبيعون أسلحتهم ليشتروا طعاماً لأطفالهم ونسائهم، وكتب لي أحد قادة المجاهدين يقول لي: إنه يموت في كل يوم مائتا طفل من الجوع! يموتون جوعاً ونحن نموت شبعاً وتخمة، ونقذف بشتى أصناف الأطعمة في القمائم، أيليق هذا بنا أيها الإخوة؟! تموت الأسد في الغابات جوعاً ولحم الضأن تأكله الكلاب الآن الكلاب في الشوارع لم تعد تأكل اللحم والأرز، لأنها شابعة، وإخوانكم يموتون جوعاًَ، وفي أيديكم فضول أموال منّ الله بها عليكم، إن مقتضى شكر الله على نعمة المال التي بأيدنا أن نواسي إخواننا أولاً، لنسقط عنا جزءاً من عهدة الجهاد، فإن الجهاد ليس فرضاً على الأفغان فقط، إنه فريضة الله على كل مسلم، فعلى كل مسلم الدفاع عن الإسلام، يقول الله : ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٤١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف:١٠ - ١١] فإن قعدت عن الجهاد بنفسك فلا تقعد عن الجهاد بمالك؛ لأن (من جهز غازياً فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا) والآن شهر رمضان على الأبواب، وإخوانكم يصومون ويموتون جوعاً، يموتون جوعاً قبل رمضان، فكيف إذا جاء رمضان؟!! كيف يفطرون؟ ونحن أصابتنا التخمة من كثرة الأكل، معظم الناس الآن يستعد لرمضان بقائمة من الطلبات، بعض النساء قد قدمت كشف الطلبات لزوجها من قبل أسبوع كرتون شعيرية، وكرتون شربة، وكرتون قطر الموز، للمحلبية، والحبة تكفي شهرين، ومع ذلك تريد كرتوناً، لماذا؟ من أجل أن تصنف الأطعمة وتعددها، ثم يأكلون من كل نوع لقمة أو لقمتين، والباقي يرمى في القمامة، وإخواننا يموتون جوعاً. يا إخواني! المؤمن تحت ظل صدقته يوم القيامة، إذا أنفق نفقة وجدها، يقول الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٤٥]. فالمال مال الله، ساقه الله إليك من حيث لا تحتسب، ثم يطلب منك أن تقرضه، سبحان الله! أي فضل هذا؟! المال مال الله، يقول: خذ. ويعطيك، ثم تقرضه من أجل أن يضاعفه لك، ولم ترضَ بذلك!! ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩]. إن صدقتك التي تقدمها اليوم تجدها غداً، فقد جاء في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنهم ذبحوا في بيت النبي ﷺ شاة، فأنفقتها حتى لم يبق منها إلا كتفها، فلما سألها الرسول ﷺ قال: (هل بقي شيء؟ قالت: ذهبت كلها إلا كتفها، قال: لا يا عائشة! قولي: بقيت كلها إلا كتفها) لماذا؟ ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦] ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩]. يا إخواننا! إن علينا مسئولية أمام الله في هذا الأموال التي بين أيدينا، يجب أن نساهم وأن نتبرع في كل فرصة ومناسبة تتاح، لمد إخواننا المجاهدين، ومعنا في هذا المكان المبارك بعض الإخوة المخولين من قبل الهيئات الرسمية، لجمع التبرعات لإخواننا المجاهدين، وسوف يكونون عند الأبواب لجمع التبرعات، ولا تخرج هذه الليلة إلا بمساهمة، اجعل لك نصيباً يا أخي! أطعم واحداً من المجاهدين في هذه الليلة، فلو أن سيافاً طرق عليك الباب، وقال لك: جئتك من الأفغان، وأريدك أن تطعمني هذه الليلة، ماذا تقول له؟ ليس عندي شيء، لا. ستقول: مرحباً، ولو أطعمته من لحمك، لماذا؟ لأنك تحبه في الله، فأطعمه الآن وهو هناك بإرسال مبلغ من المال، خمسمائة ريال، مائتين ريال، مائة ريال، خمسين ريالاً، أو أقل منها؛ لأن بعض الناس يفتح كيس النقود فإذا رأى خمسمائة جعلها على جنب، ومائة على جنب، وخمسين على جنب، وعشرة على جنب، كل هذه لمن؟ هذه للمرأة، امرأتك إذا طلبتك وقالت: أريد أن أخرج إلى السوق لأشتري أشياء، وأعطيتها خمسمائة ستقوم برميها في وجهك، تقول: ما هذه الخمسمائة؟! هذه لا تكفي لشراء نعل، أريد ألفين أو ثلاثة، فيقول: حاضر، خذي، وإذا لم يعطها فقد تضربه، لكن إذا طُلب منه نفقة في سبيل الله فإنه قد يبخل، وقد يخرج خمسة أو أقل من ذلك، كيف تنصر ديننا بخمسة؟! في غزوة العسرة جاء أبو بكر بماله كله، وعمر جاء بنصف ماله، وقال عمر: [لا أسبق أبا بكر إلا هذا اليوم] فلما جاء عمر بنصف ماله، قال له الرسول ﷺ : (ما أبقيت لأهلك؟ قال: نصف المال) وإذا بـ أبي بكر يحمل ماله كله على كتفه، لم يبق درهماً واحداً، فقال له النبي ﷺ : (ما أبقيت لأولادك يا أبا بكر؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله) فقال عمر: [فعلمت أني لا أسبق أبا بكر إلى خير أبداً] هؤلاء الذين يحبون الله ورسوله، نريد مساهمة مجزية، مساهمة تجدها عند الله يوم القيامة. واعلم أنك -والله- ما تقدم شيئاً إلا تلقاه، لن يضيع الله مما قدمت شيئاً، بل يربيه، يربي الله لك الصدقة، كما جاء في الحديث: (إن الله ليربي لأحدكم صدقته كما يربي أحدكم فلوه) فكما تربي فلوك يربي الله صدقتك، تأتي وهي مثل الجبال يوم القيامة. وأذكر لكم قصة واقعية، يحدثني بها من أثق فيه، وعاش أحداثها ويعرف الذي وقعت له في جبال عسير كان هناك رجل مسافر، فآواه المبيت في ليلة مطيرة وذات رياح عاتية إلى أن دخل ونام في غار -كهف في الجبل- وبينما هو نائم -وبهذا الكهف كان قبراً- رأى في المنام رجلاً وامرأة ومعهما بقرة يحلبونها ويشربون لبنها، ولكن الذي أشكل عليه أن البقرة لا جلد لها، جلدها مسلوخ، ودماؤها تقطر من لحمها، فتقدم إلى الرجل وقال: يا أخي! ما شأنك؟ من هذه المرأة ومن أنت؟ وما هذه البقرة التي ليس عليها جلد؟ قال: هذه زوجتي وأما البقرة فإنه عندما كنا في الدنيا أحياء، أصابت الناس مجاعة، فشعرنا بحاجتهم إلى اللحم، فذبحنا هذه البقرة، وقسمناها على الفقراء والمساكين، فما بقي بيت في القرية إلا وأكل من لحمها، غير أننا أخذنا الجلد وبعناه، فلما مت أنا وزوجتي، أعطانا الله بقرة في الجنة غير أنه لا جلد لها. يقول: أتأسف على شيء في حياتي، أتأسف على الجلد، يا ليتني أنفقته في سبيل الله كما أنفقت البقرة، فيا أخي! أنفق في سبيل الله، ضع مبلغاً من المال تجده عند الله ﵎، أسأل الله أن يأخذ بقلوبنا وإياكم إلى ما يرضيه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 2909

الأسئلة .

стр. 2910

علاج نقصان الإيمان السؤال هل الإيمان يزيد وينقص؟ وإن كان يزيد وينقص فما العلاج لزيادته عند النقص؟ الجواب معتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي. والعلاج أن تكثر من الطاعات وتقلل من المعاصي، بل تقضي على المعاصي كلها.
следующие страницы →