← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أثار نعمة الإيمان في الدنيا أما آثار نعمة الإيمان ففي الدنيا وفي الآخرة:

стр. 317

الإيمان والدين يفسران الحياة التفسير الحقيقي أما في الدنيا: فهي أولاً أن الإيمان والدين يُقدم للإنسان التفسير الحقيقي لهذه الحياة، ما هي هذه الحياة؟ من يستطيع أن يعرفها؟ ما حقيقتها؟ من أين جاء إليها الإنسان؟ ولماذا جاء إليها؟ وإلى أين بعد أن يموت الإنسان؟ أسئلةٌ محيرة!! حارت في فهمها العقول في القديم والحديث، وعجزت كل الفلسفات والأفكار والنظريات أن تجيب على هذه الأسئلة، وعاش الإنسان في عذاب، وعاش في شقاء وهو يعيش ولا يدري لماذا يعيش! حتى قال شاعرهم: جئت لا أعلم من أين؟! ولكني أتيت! ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيتُ! وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيتُ! كيف جئت؟! كيف سرت؟! كيف أبصرت طريقي؟! لست أدري! ولماذا لست أدري؟! لستُ أدري؟! لا يدري لماذا يعيش!! ولهذا يعيش الإنسان في عذاب؛ لأنه لا يدري لماذا يعيش، من الذي يقدم لك التفسير الحقيقي؟ إنه الإيمان بالله إنه الدين

стр. 318

بالإيمان والدين ينشرح الصدر ويطمئن القلب إذا عرفت أنك تعيش لعبادة الله، وأنك عبدٌ من عباد الله، وأنك تعمل صالحاً لتلقى الجزاء عند الله، وتترك السيئات لتلقى الأجر عند الله، فإن قلبك يطمئن، وإذا حصل هذا لك انشرح صدرك، وهذا أثر من آثار نعمة الإيمان وهو انشراح الصدر، يقول الله فيه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] حياةً طيبة. هو في الأساس كان حياً، لكن بالإيمان والعمل الصالح الله يحييه حياة أخرى، غير حياة البهائم، حياةً طيبة، هذا في الدنيا: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧]. قال العلماء: الحياة الطيبة هي: هدوء النفس واستقرار القلب والطمأنينة والسكينة، التي قال الله فيها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد:٢٨ - ٢٩]. لماذا يحصل في القلب الأمن والطمأنينة بالإيمان؟ لأن الإنسان عرف لماذا يعيش، استقر قلبه على أنه يعيش لغرضٍ معين فسكنت جوارحه، فالله يطمئنه في حياته، الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بماذا؟ بذكر الله، أي: بدين الله، لا يطمئن القلب بالمال، ولا يطمئن القلب بالزوجات، ولا يطمئن القلب بالوظائف والعمارات، إنما تطمئن الأجساد بهذا. أما القلب فلا يطمئن إلا بالإيمان بالله، فإذا لم يحصل له هذا، عاش عيشةً ضنكاً، كما قال الله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٧]. فهذا أثر عاجل لك في الدنيا، أن تعيش في أمن، وهل للإنسان مطلب غير أن يعيش سعيداً آمناً. الآن التكالب على الدنيا والتنافس والتناحر عليها من أجل السعادة، ولكن والله لا توجد السعادة إلا في الإيمان بالله. ولست أرى السعادة جمع مال ولكن التقي هو السعيد السعادة ليست في أكل ولا في شرب ولا أن تسكن في عمارة، ولا أن تملك ملايين ولا أن تركب سيارة، ولا أن تتزوج زوجة هذه سعادة مادية. السعادة الحقيقية: هي أن تكون على صلةٍ بالله، السعادة واللذة في ركعةٍ لله خاشعة، في تلاوةٍ لكتاب الله، في صيام يومٍ من أجل الله، في انتصارك على شهواتك، في استقامتك على دينك، هذه هي السعادة، والذي ذاقها لا يتخلى عنها ولو قطع قطعة قطعة. يقول ﵊ والحديث في الصحيحين، عن أنس ﵁ قال: (ثلاثٌ من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان -ومن ضمنها قال:- أن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار). لو خُيِّر بين أن يرتد عن الدين أو يقذف في النار؛ لاختار أن يقذف في النار ولا يرجع إلى الكفر، لماذا؟ ذاق حلاوة الإيمان، ذاق طعم الإيمان وقد رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً. ومن آثار نعمة الإيمان أن تعرف لماذا خلقت. ومن الآثار أن الله يرزقك الأمن والطمأنينة في قلبك.

стр. 319

حصول الولاية من الله لأهل الإيمان أما الأثر الثالث: أن الله يتولاك: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:٢٥٧] ومن كان الله وليه، فلا يخاف ظلماً ولا هضماً، يتولاك الله؛ فيسددك وييسر أمرك، ويرزقك من حيث لا تحتسب، وكل أمرٍ تسير فيه تجد أمامك نوراً، لماذا؟ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الحديد:٢٨] كفلان: يعني نصيبان من رحمته نصيبٌ في الدنيا، ونصيبٌ في الآخرة. ويجعل لكم نوراً: أي فرقاناً، أين يجعل النور؟ في نظرك، وفي قلبك، تنظر به الطريق فترى كل ما أمامك بوحيٍ من الله، بنورٍ وهدى من الله ، ويغفر لك إذا أخطأت أو زللت لأنك بشر؛ فإن الله يغفر ذنبك ويرفع كربك لماذا؟ لأنك مع الله، وهل هذا شيءٌ سهل أيها الإخوة! إنه من أعظم النعم على الإنسان أن يكون على نورٍ من الله .

стр. 320

الإيمان يضبط السلوك والأفعال من آثار نعمة الإيمان أن الإيمان يضبط سلوك المكلف، المكلف بغير دين وبغير إيمان، لا يدري أين يتجه، ولكن بالدين والإيمان تراه، متجهاً اتجاهاً واحداً، ولذا كل أمرٍ يُسخط الله يمتنع عنه، كل أمرٍ يرضي الله يسير فيه، يُعرض عليه. الزنا يقول: معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي، يُدعى إلى ممارسة أي شيءٍ من المحرمات؛ فيقول: لا، يستثار إلى القتل فلا يقتل، يستثار إلى السرقة فلا يسرق، ولذا يعيش آمناً منضبطاً، من بيته إلى عمله إلى مسجده إلى مصالحه، ولا يقع في جريمة ولا يقع في مشكلة، فيعيش آمناً مطمئناً، ولو جئنا إلى أصحاب السجون، الذين ينتظرون الأحكام الشرعية، وسألنا كل واحد منهم عن قضاياهم، لوجدنا أن الشيطان هو الذي أوقعهم في هذه المشاكل. تأتي إلى السارق فتقول له: لماذا سرقت؟ فيقول: الشيطان، وأنت ما هي قضيتك؟ قال: أنا قاتل، منتظر للسيف كل جمعة! لماذا تقتل؟ قال: الشيطان، وأنت؟ قال: أنا روجت أو هربت المخدرات لماذا تهربها؟ قال: الشيطان، تسلط عليهم الشيطان، عندما تركوا الإيمان، يقول الله : ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:٩٩ - ١٠٠]. فإذا أصبح عندك إيمان فقد أصبح عندك حصانة ووقاية، يأتيك الشيطان يوسوس لك في أمر تقول: لا، معاذ الله، يعرض عليك جريمة، تقول: معاذ الله، فتعيش آمناً لا تدخل سجناً ولا يقام عليك حد، ولا تقف في موقف شر، لماذا؟ لأن الله حفظك. الآن هناك بشر في هذا اليوم، أنتم الآن ستخرجون من هذه الجمعة بإذن الله، وتذهبون إلى بيوتكم، وتتناولون الغداء مع أزواجكم ومع أولادكم، وليس في قلوبكم إلا الأمن والطمأنينة، فاحمدوا الله على هذه النعمة. لكن من الناس الآن من ينتظر أن يُدعى ويقال له: اكتب وصيتك واغتسل آخر غسله في الحياة، ماذا فيه؟! قالوا: اليوم إعدامك، وتسمعون كل يوم جمعة بعد الساعة الثانية والنصف الأخبار بيانات من وزارة الداخلية عن تنفيذ أحكام الله في المجرمين. وهذه من نعم الله علينا في هذه البلاد، علينا أن نشكر الله على هذه النعم يا إخواني، فإن إقامة الحدود في الأرض تطهيرٌ لها، والله الذي لا إله إلا هو لو لم تُطبق شريعة الله في هذه الأرض لأكل الناس بعضهم بعضاً، ولكن نشعر بالأمن، تنام قرير العين بابك مفتوح وسيارتك مفتوحة، وتمشي السيارة من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، محملة بمئات الآلاف ليس فيها إلا السائق وحده لا يخاف على شيء، لماذا؟ طبقت شريعة الله، وقف كل إنسانٍ عند حده، فلنحمد الله على هذه النعم أيها الإخوة! ولنحمد الله على نعمة الستر أنك مستور، هل تعرف مقدار المعاناة التي يعاني منها ذلك الذي يخرج للقتل؟! لو استطعنا أن نصل إلى نفسيته ونأخذ شريحة من شرائح نفسه، ونحللها أي حالٍ حالته أيها الإخوان؟! وهو يرى العساكر مصطفين حوله، ويرى السياف وهو منتظر من أجل يقطع رقبته بالسيف أو بالبندقية تنفض ظهره وتخرج كبده أمامه! كيف حالته أيها الإخوان؟! حالة ما بعدها حالة، نعوذ بالله وإياكم أن نقف مثل هذه الحالات، ما الذي أوقعه في هذه الورطة، نزغة شيطان، نزغة شيطان بينه وبين أخيه المسلم يتضاربان ويتقاتلان على كلمة، ويقتل بعضهم بعضاً على متر من الأرض، ويقتل بعضهم بعضاً على مبلغ من المال، لكن لو كان عندك إيمان ودين فلا تستطيع أن تقتل، لماذا؟ لأنك تعرف ما بعد القتل. كابني آدم قابيل وهابيل في القرآن قص الله قصتهما علينا، وهو أنهما قربا قرباناً أي: قدما شيئاً لله، فتقبل الله من أحدهما، ولم يتقبل من الآخر؛ لأن الله يعرف من المخلص منهما، فهذا الذي رفض قربانه قال لأخيه الذي قبل قربانه: لأقتلنك، قال: إنما يتقبل الله من المتقين، لماذا تقتلني، أنا وأنت تقدمنا بقربة لله والله قبل مني ولم يقبل منك، ماذا أفعل لك إذا كان الله لم يقبل منك، قال: لأقتلنك، قال: إنما يتقبل الله من المتقين، قال: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة:٢٨] يقول: إذا أنت تريد أن تقتلني فأنا والله ما أقتلك لماذا؟ قال العلماء: كان أقوى وأقدر على الانتقام والبطش؛ لكن منعه خوف الله، قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [المائدة:٢٨ - ٢٩] وبعد ذلك قال: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٣٠] والعياذ بالله. فيا أخي المسلم! نعمةٌ عليك من الله أن تعيش آمناً، لا تعرف السجون، ولا تعرف القضايا، لماذا؟ لأنك تمضي على الطريق المستقيم، كلما دعاك شخص إلى جريمة أو خطيئة تقول: لا، لا أسير إلا في طريق الحق. أحد الناس أعرف قصته، كان نائماً في بيته وقد خلع ملابسه ولبس ثياب النوم، واستسلم للنوم ويأتيه زميل له ويناديه من عند الباب، فتستجيب الأم، تقول: من؟ قال: أنا فلان، من فلان؟ قال: زميل فلان، زميل ولدها أريده، قالت: قد نام، قال: أيقظيه، قالت: يا ولدي قد نام الساعة الثانية عشرة من الليل ماذا تريد منه الآن؟ قال: أريده أيقظيه الأمر مهم، فمسكينة ذهبت وأيقظت ولدها وليتها ما أيقظته، قالت لولدها: فلان يريدك، هو بمجرد أن سمع كلمة فلان قفز مثل الحصان، أما لو أنها أنهضته للصلاة لا ينهض، أو انهضته ليجيب والده فإنه لا ينهض، أو أنهضته لأي غرض فإنه لا ينهض. لكن عندما إذا أيقظته لزميله آه فإنه يقوم، فقام واقتحم ونزل عليه، فقال له زميله عند الباب: أريدك تأتي معي، قال له: أين؟! قال: عندي موعد لدي صيد -يصطادون أعراض المسلمين- وأريد أن تأتي معي تحميني، قال له: أبشر. ثم رجع وخلع ثوب النوم، ولبس ثوبه وأخذ مسدسه في جيبه، ومشى معه إلى عند البيت الذي يصطادون فيه أعراض المسلمين، ثم قال له: اجلس هنا؛ أجلسه عند شجرة ودخل هذا الخبيث واقتحم البيت، قفز من على السور ونزل على المرأة التي قد واعدها، ولما دخل أحس به صاحب البيت، وعرف أن شخصاً دخل بيته، فأخذ مشعابه وفتح الباب، فلما سمع هذا فتح الباب وهرب، وصاحب البيت خرج من الباب واتجه جهة الذي يحميه، فرآه فلما رآه طرده ظناً منه أنه هو الذي دخل البيت، وذلك قد هرب. فلحقه ولما أدركه وضربه بالعصا، أخرج الولد هذا الذي كان قد نام في فراشه المسدس وقتل صاحب البيت، وعندها قبض عليه ولما جاءوا به إلى السجن حققوا معه؛ اعترف قال: أنا القاتل: قالوا: لماذا قتلت؟ قال: أنا كنت نائماً، وكانوا قد جاءوا بالذي دعاه، قال: أبداً لم أدعه ولا أعرفه ولا يعرفني، قال: كيف ما دعوتني؟! قال: أبداً أنا عندي الشهود والثبوت أنني في الليلة الفلانية من أولها إلى آخرها كنت في القرية الفلانية، وأتى بشهود يشهدون لله عن خلق الله، أنه موجود طوال الليل في القرية الفلانية، وجلس أياماً وليالي وأخرجوه، وهذا جلس في السجون سنوات ثم أخرجوه وقطعوا رقبته، لماذا؟ ما الذي أخرجه؟ لو أنه يخاف الله؟ لو كان عنده إيمان ودين ودعاه صاحب السوء، وقال له: أنا ذاهب إلى الحرام، لقال له: اتقِ الله يا عدو الله! تغزو على بيوت المسلمين، تصطاد محارم الله، ورجع إلى فراشه، لكن جره إلى الشر لأنه خبيث، وليس عنده إيمانٌ بالله . فالإيمان يا عباد الله حصن لك أيها الإنسان! وحماية لك، يحميك من الشر، ويحميك من الزلل، هذه آثار نعمة الإيمان في الدنيا قبل الآخرة.

стр. 321

آثار نعمة الإيمان الأخروية أما آثار نعمة الإيمان بعد ذلك فهي الآثار الحقيقية:

стр. 322

حسن الخاتمة أول أثر عند الموت: في ساعات الحرج، في ساعات انكشاف الحقائق، في ساعات زوال الحواجز، هناك في لحظات الموت، لحظات حرجة، لحظات يرى الإنسان فيها الجنة والنار، يتمنى أن يعود إلى الدنيا ليعمل صالحاً، يتمنى أنه قد صلى، يتمنى أنه قد تاب إلى الله، يتمنى أنه قد عمل الصالحات؛ لكن لا ينفع شيء في تلك اللحظات. يثبت الله أهل الإيمان بالقول الثابت وهي شهادة أن لا إله إلا الله، المؤمن عند الموت يودع الدنيا بهذه الكلمة يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وفي الحديث الصحيح: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) هذه علامة من علامات حُسن الخاتمة. إذا حضرت وفاة إنسان ونطق بالشهادة عند الموت ومات عليها، فاعلم أنه من أهل الجنة، ولكن من الذي ثبت عليها أيها الإخوة! من الذي يقولها! لا يثبت عليها إلا من عاش عليها في هذه الدنيا، من عاش على لا إله إلا الله، وحكم عينه بلا إله إلا الله، فلم ينظر بها فيما حرم الله، وحكم أذنه بلا إله إلا الله، فلم يستمع بها ما حرم الله، وحكم لسانه بلا إله إلا الله، فلم يتكلم بما حرم الله، وحكم يده ورجله وفرجه وبطنه وزوجته وأولاده وتجارته وبيته، فحياته كلها متفقة مع لا إله إلا الله، حتى أصبحت لا إله إلا الله تسير في عروقه، وتتردد مع أنفاسه، هذا عند الموت بدون تردد يقول: لا إله إلا الله. لأنه عاش على لا إله إلا الله، وعرف لا إله إلا الله فلا يتردد، بل يقولها: لأن الله يقول: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم:٢٧] أي: لا إله إلا الله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم:٢٧] أي: عند الموت ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] أي: في القبر ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]. فإذا قال: لا إله إلا الله خرج متوجاً برضوان الله ورحمة الله، ومعه هذه البطاقة، وهذه الشهادة، وهذه الرخصة، للعبور إلى الجنة.

стр. 323

تثبيت الله للعبد في القبر بعد ذلك في قبره يسأل ثلاثة أسئلة: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ أسئلة مكشوفة تبدو الإجابة عليها سهلة، هي سهلة الآن، وصعبة عند الموت! في ذلك الموقف اللسان المتكلم يسكت، الله يقول: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]. اللسان الكذاب الذي يأتي بالدعاوي ويكون في الدنيا كالسيف، هناك غير موجود، لا يوجد إلا العمل، من الذي يتكلم؟ تتكلم الجوارح عند الموت، يسأل الميت في قبره: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيثبت الله المؤمن، ويقول: ربي الله، لأنه عرف الله، ديني الإسلام؛ لأنه عاش على الإسلام، نبيي محمد ﷺ ؛ لأنه سار على منهجه واتبع سنته. فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي، فافرشوا له فراشاً من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأتيه من روحها ونعيمها، وينام كما ينام العريس، هذه التي في القبر.

стр. 324

صاحب الإيمان يبعث آمناً يوم القيامة تأتي النعمة الكبرى يوم القيامة، يبعث الناس من قبورهم ويبعث صاحب الإيمان لا يخاف ولا يحزن، الملائكة تؤنسه وتبشره عنده، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١]. يقوم من قبره ويبعث، وإذا بعث فالملائكة عند رأسه، تقول: لا تخف ولا تحزن نبشرك بالجنة؛ لأنك ولي الله في الدنيا، فنحن أولياؤك الآن، وبعد ذلك يأتي على كربات يوم القيامة وأهوالها فيتجاوزها بسهولة. أولاً: يمر على الصراط كالبرق الخاطف. ثانياً: يشرب شربةً من حوض النبي ﷺ ؛ لا يظمأ بعدها أبداً، ينقطع الظمأ إلى أبد الآبدين عند هذه الشربة. ثالثاً: يستظل في ظل عرش الرحمن؛ لأن الشمس تدنو من الرءوس حتى تغلي منها أدمغة العباد كما تغلي اللحوم في القدور من حرارة الشمس، ولا يوجد مظلة ولا سيارة ولا عمارة ولا شيء إلا مظلة الله، من استظل بدين الله وشريعة الله هنا، أظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ومن عاش تحت جحيم وحميم وحر الكفر والفسق والمعاصي، عاش تحت آلام وحرارة النار في النار والعياذ بالله. رابعاًَ: يأخذ كتابه بيمينه؛ لأنه كان من أهل اليمين، كان يمشي على الطريق الصحيح، ولم يكن يعكس السير، يأخذ كتابه بيمينه ويقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٤]. بما عملتم في الأيام الماضية كلوا واشربوا هذا جزاؤكم، ليس بما لعبتم وضيعتم وسرتم في غير ما يريده الله ﵎، ثم يزن موازين ترجح وتميل بالخردلة، الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء:٤٠] ويقول: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]. يُوزن فترجح موازينه؛ لأن لديه عمل وإيمان وعقيدة صافية ومتابعة للنبي ﷺ ، وصلاة في المسجد، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وحب في الله وبغض في الله، وأمر بطاعة الله وذكر لله، وتلاوة كتاب الله وعمل صالح، فهذا ترجح موازينه، قال الله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:٨]. وبعد هذه العقبات وتجاوزها، يقال له: أنت ناجح تجاوزت العقبات، فادخل هذه الكرامة: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٠ - ٧٢]. نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا وإياكم من أهلها، هذا مصيرك يا أخي وهذه حياتك في ظل الإيمان بالله، أما الذي لا يريد هذا، فهو ما سنتكلم عنه في الخطبة الثانية. أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 325

طريق الغواية والضلال الحمد لله على إنعامه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، ونشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسلم تسليماً كثيراً. يا أخي في الله: لا خيار لك في أن تسلك طريق الإيمان أو غيره، إذ أن الخيارات إنما تكون في الأمور المتقابلة والمتقاربة، الخيار أن تتوظف في وظيفة أو أخرى، الخيار أن تتزوج ببنت آل فلان أو بنت آل فلان، الخيار أن تدرس في كلية نظرية أو كلية علمية، لكن الخيار بين الجنة والنار، الخيار بين سعادة أبدية أو شقاء أبدي، يقول الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦]. ظل ضلالاً واضحاً من يرفض طريق الإيمان، ويستمر في طريق الغواية والضلال، فهذا يشقى في الدنيا ويشقى في الآخرة. يشقى في الدنيا لأنه لا يدري لماذا يعيش، يعيش كما تعيش البهائم، كما قال الله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] وكما قال : ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤]. فيعيش كما تعيش البهائم، وبعد ذلك يعيش قلقاً، لماذا؟ لأن جميع متع الدنيا ولذائذها لا تسعد، ولا تستطيع أن تنفس عنك العذاب الداخلي هذا، إلا الإيمان بالله ، فيعيش في قلق وفي عذاب، ولو كان في أعلى وأرقى صور المتاع الدنيوي.

стр. 326

طريق الكفر لا يحقق السعادة وإن توفرت الإمكانيات المادية ها هي أوروبا الكافرة، ها هو الغرب الكافر يعيش قمة في التطور المادي، فجروا الذرة، طوعوا المادة، سبحوا في الفضاء، غاصوا في الماء، عملوا المعجزات في المادة. لكن هل حققت لهم المادة سعادة؟ هل استطاعت المادة أن تحل ألغاز الحياة؟ إن ضغط الحياة المادية قد ضغط على أنفسهم من الداخل حتى فجرها، فتفجرت النفوس في مشاكل ومعضلات من أبرزها الانتحار، فظاهرة الانتحار في الغرب ظاهرة شائعة، وكذلك الأمراض النفسية، الجنون المسرحي والتمثيلي، الجنون الكروي، التحلل الأسري، التفكك الاجتماعي، حياة جحيمية، يألف الإنسان منهم كلبه، ولا يألف أخاه، لماذا؟ لأنهم لم يجدوا الحياة الحقيقية في ظل الكفر بالله ؛ فحرمانهم من هذه الحياة بسبب كفرهم. وبعد ذلك لا يضبط الله سلوكه، فيعيش ملطخاً به في كل أرض والعياذ بالله، لا يتولاه الله، ولا ييسر الله أموره، وكلما سار في طريق عسرها الله عليه، يجعل أمره كله عسيراً؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٨ - ١٠] والعياذ بالله.

стр. 327

الخاتمة السيئة لأهل الكفر والضلال والمعاصي وعند الموت يقال له: قل لا إله إلا الله فلا يستطيع أن يقولها، لا يقدر أبداً ويُلجم على لسانه، اليوم نختم على أفواههم، ولو كان يعرفها قبل؛ لأنه لم يعمل بها فلا يستطيع أن يقولها، وقد ذكر ابن القيم ﵀ في كتابه الجواب الكافي ذكر قصصاً كثيرةً عن قومٍ حضرتهم الوفاة، وقيل لهم: قولوا لا إله إلا الله، فما قالوها. أحدهم قيل له: قل لا إله إلا الله وكان يتعامل بالربا، كان يبيع العشرة بعشرين، يسلف الناس عشرة ويستملها بعد ذلك عشرين، قالوا له: قل لا إله إلا الله، قال: العشرة بعشرين، ومات على العشرة بعشرين. وفي العصور المتأخرة هذه، نُقل إلينا أن رجلاً ممن كان يبيع ويشتري في العقار بطريقةٍ محرمة، لما حضرته الوفاة قالوا له: قل لا إله إلا الله، قال: على شارعين، قالوا له: قل: لا إله إلا الله، قال: برخصة البلدية، ومات على شارعين والعياذ بالله. وشابٌ وقع له حادث مروري، وجاءوا عليه وقد قطع (الدركسون) بطنه، وهو يلفظ أنفاسه، والمسجل شغال وهو في آخر رمق يتكلم ويغني مع المغنية، ويقول: هل رأى الحب سكارى مثلنا؟! مات على هذه الكلمة والعياذ بالله. ما رأى أسكر ولا أفشل منك ولا أجناسك، والعياذ بالله أن تعيش على هذا وتموت على هذا فانتبه يا أخي! لأنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، فعندما يُريد أن يقول: لا إله إلا الله لا يستطيع أن يقولها. رجل كان يُدخن ولما حضرته الوفاة قيل له: قل لا إله إلا الله، قال: هبوا لي دخاناً، يريد يُكيف في القبر، قالوا: لم يعد هناك دخان أنت ستموت الآن، قل: لا إله إلا الله، قال: والله ما أقولها أنا بريءٌ منها، تبرأ من لا إله إلا الله، ثقلت على لسانه؛ لأنه قد لوثه بهذه الخبائث والعياذ بالله.

стр. 328

حال أهل الكفر والضلال في القبور هذه المصيبة على الإنسان عند الموت، وفي القبر يسأل: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيذهن مثل الذاهن من النوم يقول: هَا هَا لا أدري؛ لا يدري من ربه! لا يدري من نبيه! لا يدري، لماذا؟ لأن الله يقول: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]. وبعد ذلك تقول الملائكة: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد على رأسه فيصير طحيناً إلى قدمه، ثم يعذب إلى يوم القيامة، ويُفرش له فراش من النار، ويفتح له باب إلى النار، وينام كما ينام اللديغ والعياذ بالله، إلى أن تقوم الساعة؛ فإذا بعث الناس من قبورهم، قام وعليه الذلة.

стр. 329

حال أهل الكفر في مشاهد يوم القيامة يقول الله : ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٣ - ٤٤]. يمر على الصراط فيسقط، تهبط قدمه الأولى والثانية في سواء النار والعياذ بالله، يأتي إلى مظلة الرحمن فيطرد؛ لأنه ما استظل بظل الله ولا بظل شريعة الله، يأتي إلى الحوض ليشرب فيذاد؛ لأنه لم يشرب من سنة النبي ﷺ ، كان مشربه مشرباً غير شرعي، يأتي ليوزن فيخف ميزانه؛ لأنه رخيص تافه ليس معه عمل، ليس عنده إلا الأغاني والمسلسلات (والأفلام)، ما لديه إلا أمواس يحلق بها لحيته ليل نهار، لماذا؟ لأنه تافه لا قيمة له عند الله ، وبعد ذلك يُعطى كتابه بشماله (الشهادة حقه) يرى الناس يأخذون كتبهم بأيمانهم فيقدم يمينه فتضربه الملائكة على كتفه فتطيح يمينه، فيأخذ الكتاب بالشمال فإذا رأى الكتاب وإذا بعمله كله من يوم أن خلقه الله إلى أن مات وهو مسجل، قال الله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤] أنت الذي أنت عبأته، أنت الذي عبأته بالمنكرات والمعاصي: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٤] ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩]. فإذا رأى كتابه قال: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥] يقول: ليتني ما رأيت هذه الشهادة: ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٦ - ٢٩]. يقول الله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٢]. سلسلة من سلاسل النار، ذرعها سبعون ذراعاً بذراع أهل النار يسلك فيها، تُدخل من فمه وتخرج من دبره ليشوى في النار كما تشوى الدجاجة في المقلاة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولماذا؟ قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة:٣٣]. فيا إخوتي في الله! من كان مستقيماً وملتزماً بمنهج الله؛ فليحمد الله وليطلب من الله الثبات حتى يلقى الله، ومن كان مقصراً وكلنا ذاك الرجل؛ كلنا مقصرون، فلنتب إلى الله . فليتب الإنسان منا ولا يؤجل، فالتأجيل ليس من مصلحتنا، لا تقل: أتوب بعد ذلك، بعد ذلك ما تملكها أنت، قد تقول: أتوب بعد ذلك وتموت اليوم، أو تموت بعد شهر أو بعد سنة، خطر كبير أن تجازف بمصيرك، وأن تخاطر به ولا تتوب، الأفضل والخيار الأمثل أن تتوب الآن، لأنك إذا تبت وفاجأك القضاء والقدر وإذا بك سلمت. وإذا تبت ومد الله في أجلك وإذا بك كل يوم ترتفع درجة عند الله، لكن إذا أخَّرت التوبة وأجلت الرجعة إلى الله، ومت ولقيت الله وهو عليك ساخط كيف تصنع؟! كيف ترقعها مع الله؟! وإن لم تمت مد الله في عمرك، وأنت عاص فإنك كل يوم تزداد إثماً، لو مت اليوم أحسن من أن تموت غداً؛ لأنك تسلم من المعاصي. أجل الأفضل لك أن تتوب الآن، وسوف تجد رباً كريماً يغفر الذنب العظيم، ويقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] لا تقل: أنا كثير المعاصي، أنا فعلت وفعلت، مهما عملت من ذنوب فإن رحمة الله أوسع من ذنوبك، بل إن الله لا يغفر الذنب فقط، ولكن يغفر الذنب ويبدل الذنب كله حسنات، قال الله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠]. فيا إخوتي في الله! لابد من الرجعة إلى الله والعودة إليه، لأننا سنموت، لو كنَّا لن نموت كان من حقنا أن نعصيه، وما دام الإنسان على يقين أنه سيموت، ولن يستطيع أن يفلت من قبضة الله، فإن الأفضل في حقه أن يتوب إذا أراد النجاة في الدنيا والآخرة. ألا وصلوا على خير خلق الله، محمد بن عبد الله فقد أمركم بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، وعن الصحابة أجمعين، وعنا معهم ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

стр. 330

بصيرة المؤمن تحدث الشيخ في هذه المحاضرة عن عدة عناصر فبدأ بالحديث عن زهد النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، ثم بدأ بالحديث عن البصيرة وذكر أسباب تقويتها، وجعلها نافذة، مبيناً أن من هذه الأسباب غض البصر عن الحرام، وكف النفس عن الشهوات، وغيرها من الأسباب المؤدية لنفاذ البصيرة.

стр. 331

زهد الرسول ﷺ وأصحابه الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أيها الإخوة في الله: مرحباً بكم في روضة من رياض الجنة، وحيى الله هذه الطلعات الطاهرة، وهذه الوجوه المباركة التي أقبلت إلى الله، تلتمس طريقاً إلى الجنة، تريد الدخول على الله من أشرف الأبواب باب العلم، يقول ﵊: (ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع). أنتم تأتون إلى حلق الذكر، ولكنكم لا تسيرون على الأرض، وإنما تسيرون على أجنحة الملائكة، تأييداً ورضاً بهذا المسلك النبيل، وبهذا الغرض الجميل، حين يحب الناس الدنيا فتحبون الله، وحين يحب الناس اللهو واللعب والركض فتحبون أنتم الذكر، حينما يحب الناس الطبل والزير فتحبون القرآن والتفسير، حينما يحب الناس العود والناي فتحبون أنتم الحديث والآي، ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة:٦٠]. هذه بضاعتكم وهذه حياتكم وهذا قدركم؛ فاحمدوا الله على ما آتاكم، هذا هو الفضل، هذا هو الخير، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٧ - ٥٨] بفضل الله وبرحمته أي: بالهدى والدين من الله، فمن أوتي العلم وأوتي الدين والإيمان فقد أوتي خيراً كثيراً ولو حرم من الدنيا كلها. لقد عاش رسول الله ﷺ وأصحابه الأجلاء الكرماء العظماء أكرم عيشة عرفتها الحياة، ومع هذا ما كان عنده شيء من الدنيا، بيت النبوة أشرف بيت على وجه الأرض، تقول عائشة ﵂: (كان يدخل الهلال والهلال والهلال ولا يوقد في بيوت آل محمد نار) الله أكبر! تصوروا لو أن بيوتنا لا توقد فيها النار يوماً واحداً كيف تكون؟ الآن توجد النيران وليس ناراً واحدة، لكن هل هذه هي السعادة؟ لا. بيوت آل محمد ليس فيها نار قال: [فما طعامكم يا أماه؟ قالت: الأسودان؛ التمر والماء]. وكان ﷺ ينام على الحصير -لا ينام على الفراش الوثير- حتى يبدو أثر الحصير في جنبه الشريف صلوات الله وسلامه عليه، وكان يخرج في بعض الأيام وهو مربوط على بطنه الحجر، لقد خرج أبو بكر يوماً من الأيام يشكو الجوع فلقيه عمر فقال: ما أخرجك؟ قال: والله ما أخرجني إلا الجوع، ثم كشف عن بطنه وإذا فيه حجر -والحجر تضغط على المعدة فتسكت؛ لأن المعدة إذا خلت من الطعام أرسلت إشارات وأصدرت حركات توحي أنها تريد طعاماً، فيكون في البطن ألم حرقة الجوع، نعوذ بالله من الجوع، فإذا ضغط على الأمعاء والبطن بحجر التقى جدار المعدة بعضها ببعض فتسكت كأنها شبعت لكن بالحجر، وما شبعت بالطعام- فكشف عمر عن بطنه وإذا برسول الله ﷺ يخرج عليهما فيشكوان عليه قالا: يا رسول الله! ما أخرجنا إلا الجوع، ويكشف عن بطنه الشريفة وإذا على بطنه حجران، وهو الذي يقول: (والله لو أردت أن تكون معي الجبال ذهباً وفضة لكانت، ولكن أريد أن أشبع يوماً وأجوع آخر، فإذا شبعت شكرت الله، وإذا جعت سألت الله) هذه حياة القلب حياة الإيمان، فمن رزق هذه النعمة فقد رزق النعمة الكبرى.

стр. 332

الحاسة التي يتميز بها الإنسان عن الحيوان أيها الإخوة: عنوان المحاضرة: بصيرة المؤمن. هناك حواس زود الله الإنسان بها لإدراك ما في هذه الحياة، لمعرفة الوسط الذي يعيش فيه الإنسان، حاسة البصر يطل منها الإنسان على عالم الألوان، فيرى الأبيض والأسود والأحمر والأزرق والأصفر بعينه، فحاسة العين تطل على عالم الألوان، وحاسة الأذن تطل على عالم الأصوات، صوت محمد وعلي وعبد الله وفلان، تعرف الصوت بأذنك، وحاسة الشم يطل منها الإنسان على عالم الروائح، إذا أردت أن تشم رائحة عطر هل تشمه بأذنك، أو تقربه إلى عينك، أو تطعمه بلسانك، أين تضعه؟ في أنفك؛ لأن أنفك هو الذي يعطيك دليلاً على نوعية هذا العطر أو هذه الريح، وحاسة اللسان تطل منها على عالم الطعام والأذواق، إذا أردت أن تعرف طعم التفاح لا تضعه عند عينك، ولا تضعه عند مسمعك، وإنما تذوقها بلسانك، وحاسة اللمس تطل منها على عالم الأجسام، فتعرف الحديد من الخشب، والجدار من الإسفنج؛ فتعرف أي شيء عن طريق حاسة اللمس، هذه خمس حواس. وهذه الخمس الحواس ليست خاصة بالإنسان، بل مع الإنسان ومع الحيوان، بل ربما عند بعض الحيوانات حواس أدق وأقوى من حاسة الإنسان، الطائر الصغير: العصفور يعيش في جو السماء، ولكنه بعينه الصغيرة التي هي مثل حبة البلسن، أو مثل حبة العدس يرى الحبة في الأرض، وهو في السماء فينزل ويأخذها، عينه صغيرة والحبة أكبر من عينه ولكن يراها بعينه الصغيرة، عنده قدرة على رؤية الأشياء البعيدة بأدق إمكانية. حاسة السمع موجودة عند بعض الحيوانات تسمع على مدى بعيد، وكذلك حاسة الشم بشكل عجيب، كل هذه الحواس موجودة عند الإنسان وعند بقية الحيوان، بل بعض الحيوانات كما قلت أكبر، فعين الثور مثلاً كبيرة جداً لكنه ثور، وعين الحمار كذلك كبيرة لكنه حمار لا تنفعه. ولكن يتميز الإنسان عن سائر الحيوان بحاسة سادسة ليست مع الحمار، ولا مع الطائر، ولا مع السمك، ولا مع أي شيء من البهائم والأنعام، إن الحاسة السادسة هي البصيرة التي بها يكون الإنسان إنساناً، وبعدمها يكون الإنسان حيواناً بل أرذل من الحيوان. واسمعوا ماذا يقول الله : ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] فالعمى ليس عمى العين، العمى عمى القلب، عمى البصيرة، يقول الله : ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾ [الإسراء:٧٢] يعني: أعمى القلب ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٧٢] من كان في هذه أعمى هل يعني: أعمى العيون؟ لا. لأن عمى العين ليس باختيارك، هل هناك أحد يغمض عينيه ويخيطها ويعمى، لا. الله يفرضها على الإنسان، فالمؤمن يرضى بقضاء الله إذا ذهبت عيناه ويستسلم، وإذا رضي واحتسب أبدله الله الجنة، ورد في الحديث القدسي: (إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر لم يكن له عوض عندي إلا الجنة) فإذا أخذ الله منك هذه الحاسة وعوضك بحاسة الإيمان ما خسرت، لكن إذا زودك بهذه الحاسة -حاسة البصر- وحرمت حاسة البصيرة فلم تعش حياة الإيمان لم تنفعك هذه العيون، فهو أعمى في الدنيا وأعمى في الآخرة يقول الله : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:١٩ - ٢٢] ويقول الله : ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف:٢٦] ويقول : ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل:٧٨] لماذا؟ ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨] ويقول : ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] ويقول : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] أجل بم تتميز؟ بالبصيرة.

стр. 333

تعريف البصيرة وأهميتها ما هي البصيرة؟ هل نبحث عنها في الصيدليات، أم في المستشفيات؟ لا. هذه لا توجد لا في البقالات ولا في المستشفيات، ولا يحصل عليها بكثرة الريالات، ولا بقوة العضلات، ولا بعلو الرتب والمناصب، بل هي: نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠]. أين النور هذا؟ اسمعوا ماذا يقول الله في النور: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور:٣٥] يعني: في قلب عبده: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور:٣٥] المشكاة: الفتحة التي في الجدار -في الماضي- وفيها مصباح يعني: لمبة ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ﴾ [النور:٣٥] يعني: اللمبة ﴿فِي زُجَاجَةٍ﴾ [النور:٣٥] مغطى بالزجاجة من أجل ألا يؤثر عليه الهواء: ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور:٣٥] ملمعة ونظيفة كأنها كوكب، وبعد ذلك: هذا المصباح من أين يوقد؟ قال: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [النور:٣٥] يعني: الزيت والزاد الذي يوقد منه ليس بنزيناً وإنما من زيت زيتونة ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور:٣٥] يعني: تصيبها الشمس في الشروق وتصيبها الشمس في الغروب فيأتي زيتها أصفى من الشمس: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥] نور المشكاة على نور المصباح على نور الزجاجة على نور الزيت تجمعت أنوار أين هي كلها؟ في قلب العبد المؤمن -اللهم نور قلوبنا يا رب العالمين- ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٥]. هذا النور يقول الله عنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ﴾ [الحديد:٢٨] ماذا؟ ﴿نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد:٢٨] وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]. هذا النور -أيها الإخوة- والإيمان، وهو الهداية، هو التوفيق الذي إذا حل في قلبك حيت بصيرتك وانطلقت، ورأت الأمور على حقائقها وأعادت ترتيب المسائل؛ لأن القضايا والأمور والأحداث في حياة الإنسان غير مرتبة الترتيب السليم لفقدان البصيرة، هناك أشياء غير مهمة تجد الإنسان يقدمها، وأشياء مهمة مرفوضة، غير مقدمة مهملة، لماذا؟ لأن البصيرة التي تعرف أن هذا مهم فيقدم، وهذا غير مهم فيؤخر غير موجودة، فإذا جاءت البصيرة بدأ الإنسان يعيد ترتيب قضايا حياته، ويعطي لكل شيء ما يناسبه من الاهتمام. الآن لما عميت بصائر أكثر الناس، ما عرفوا الأمور على حقائقها ولم يروا إلا ما تراه حواسهم فقط، فرأوا الدنيا، فيعيشون للدنيا التي يرونها ويسمعونها ويشمونها ويتذوقونها ويلمسونها ويتمتعون بها، فلها يعيشون، وبها يفرحون، ومن أجلها يغضبون، وفي سبيلها يموتون، وإذا قلت له: آخرة، قال: يا شيخ! فيما بعد، لماذا؟ لأنها ليست في ذهنه، وليست واردة في حساباته؛ لأنه لا يراها، ليس لديه نور ينظر به، وليست عنده بصيرة يستطيع أن يخترق الحجب وأن ينفذ إلى الآخرة، ولذا لا يرى إلا الدنيا، لماذا؟ قال العلماء: هذه الإصبع إذا وضعتها في المكان المناسب رأيتها بحجمها، تضعها أمام عينك فتراها بوضعها الطبيعي ولكنك تراها وترى ما وراءها، لا تستطيع الإصبع أن تحجب الرؤية عن عينيك وأن تسد أفق النظر عما وراءها، فأنا الآن أرى إصبعي وأرى المجلس المملوء بالمؤمنين، وأرى اللمبات والأعمدة، وأرى الميكرفون، وأرى يدي، لكن إذا قربت الإصبع جداً جداً إلى أن تلصقها بعينك ماذا ترى؟ لا ترى إلا الإصبع فقط، يقولون: وراءها مسجد وراءها أناس، تقول: لا. لا أرى إلا الإصبع، لماذا؟ لأنك ألصقتها، ما وضعتها في المكان المناسب، لكن إذا أبعدتها قليلاً ترى الناس، كذلك الناس ألصقوا الدنيا بقلوبهم، ألصقوا الدنيا بأعينهم، ألصقوا الدنيا بجميع حواسهم فلا يرون إلا الدنيا، ولو أنهم أبعدوا الدنيا قليلاً -لا نقول: يرفضونها وإنما يجعلونها في المكان الصحيح- لرأوا الآخرة، ولرأوا الجنة والنار. حارثة بن وهب ﵁ -وإن كان الحديث فيه مقال، لكنه يستشهد به في مثل هذه الأمور- لقيه النبي ﷺ فقال له: (كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: أصبحت مؤمناً يا رسول الله! قال: انظر ماذا تقول، فإن لكل قول حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ قال: يا رسول الله! عزفت نفسي عن الدنيا وشهواتها؛ فأظمأت نهاري بالصيام، وأسهرت ليلي بالقيام، وأصبحت وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون فيها؛ فقال ﵊: عرفت فالزم، إنك امرؤ نور الله قلبك بالإيمان). إذا أنار الله القلب وفتح البصيرة؛ رأى الإنسان الدنيا والأمور كلها على حقيقتها، ورأى الله في كل شيء. وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد ينظر إلى السماء فيرى آثار قدرة الله في خلق السماء فيقول: لا إله إلا الله! سبحانك ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١]. ينظر إلى البحر فيقول: لا إله إلا الله! سبحان من أجراه. ينظر إلى الجبال فيقول: لا إله إلا الله! سبحان من أرساها. ينظر إلى الأرض فيقول: لا إله إلا الله! سبحان من مدها وبسطها. ينظر إلى الثمار فيقول: لا إله إلا الله! سبحان من حلاها وأنبتها. ينظر إلى العسل وهو يأكل ويقول: لا إله إلا الله! سبحان من أخرج هذا العسل من هذه الحشرة. يأكل الموز فيقول: سبحان من أخرج هذا الشيء من الطين! ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد:٤] لماذا؟ فتح الله بصيرته، لكن البهيمة التي لا تعرف الله وليس عندها إيمان ولا نور تأكل من اللوز ومن الموز ومن اللحم ومن العسل ومن كل شيء، ولا تقول: سبحان الله! ولا تقول: لا إله إلا الله! لماذا؟ مثل الدابة أو الثور أو الحمار -الله يكرمكم- إذا أكل علفاً هل يتفكر في هذا العلف كيف ساقه الله له؟ أبداً، يأكل حتى تمتلئ بطنه ويذهب فيركب أنثاه، وكذلك بعض البشر يعيش حياة البقر وحياة الحمير لا فرق بينه وبين البهائم والعياذ بالله.

стр. 334

الفرق بين المؤمن والكافر في النظر إلى الدنيا المؤمن يتميز بهذه البصيرة التي ينظر بها إلى الأمور، يعيش في الدنيا ويسكن في القصر ولكن بجسده وقلبه يعيش في القبر، يعيش على الفراش الوفير وهو يتذكر الكفن والحفرة المظلمة، يعيش في النور وهو يتذكر ظلمات القبور، يعيش مع الزوجة ومع الأبناء وهو يتذكر الوحشة في أول ليلة من ليالي القبر، يأتي على الإنسان في أول ليلة موحشة في قبره ما لم يتعرض له في حياته قط، يقال: يومان وليلتان ما مر عليهما الإنسان في حياته: أول ليلة في القبر وأول ليلة إما في الجنة وإما في النار، يقول: فارقت موضع مرقدي ليلاً ففارقني السكون القبر أول ليلة بالله قل لي ما يكون إني أبثك من حديثي والحديث له شجون يقول: أعطيك ما في قلبي وهو ذو شجون، يقول: أنا إذا غيرت مرقدي ليلة من الليالي في غير بيتي أتقلب طوال الليل، لماذا؟ قال: لأني غيرت موضع مرقدي، يقول: القبر أول ليلة بالله قل لي ما يكون كيف تلك الليلة يا إخواني! ونحن نعيش في غفلة عن هذا المصير، من الذي يعيش حياة القبور؟ إنهم أهل البصيرة، لا تخدعهم الفلل ولا العمارات ولا السيارات ولا الزوجات ولا غرف النوم، وإنما يعيشون هموم الآخرة قبل أن يصلوها، فيستعدون لها، ويعملون من أجلها. أما البهائم البشرية فهم في غفلة، يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] ويقول : ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات:٤٦] ويقول : ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣]. فبالإيمان وبالبصيرة التي ينور الله بها قلب المؤمن تنضبط حياة الإنسان، يرى الآخرة، ويرى الجنة وما أعد الله فيها للمؤمنين فيعمل، ويرى النار وما أعد الله فيها للعصاة والمجرمين فيتوقف، لا يستطيع أن يقدم على المعصية، يدعى إلى الزنا فيقول: إني أخاف الله. يدعى إلى الحرام فيقول: إني أخاف الله. يدعى إلى الربا فيقول: معاذ الله. لماذا؟ لأنه آمن بالنار فكأنما يراها رأي العين، ورأى الجنة كذلك فيقوم إلى عبادة الله، وإلى طاعة الله، بل يقوم إلى الموت في سبيل الله. حنظلة بن عامر الأسدي ﵁ وأرضاه (غسيل الملائكة) قام من على فراشة في ليلة عرسه ومع زوجته في أول ليلة يبني بها، وليلة الزواج يسمونها: ليلة العمر، كل شخص يخطط لها طوال حياته من أجل أن ينبسط فيها، يأخذ إجازة من العمل قبلها وبعدها يريد أن يرتاح، لكن حنظلة عنده نظرة للآخرة، لما سمع المنادي: يا خيل الله اركبي! قال لزوجته: أسرجي حصاني، فقامت تسرج الحصان، وهو يلبس آلة الحرب -السيوف والدروع- فركب على الحصان ولم يغتسل -خرج جنباً- فقاتل حتى استشهد، ويضحي بزوجته، ولكن الله يعطيه بدلها اثنتين وسبعين زوجة في الجنة، وفي آخر اليوم، يتفقدون القتلى فيجدونه وإذا برأسه يقطر ماء، والماء معدوم في المعارك، فيخبر النبي ﷺ فيقول: (سلوا زوجته، فقالت: خرج وهو جنب، قال: والذي نفسي بيده إن الملائكة لتحمله وتغسله في صحاف من ذهب بماء المزن بين السماء والأرض) ما الذي جعله يقوم من جانب امرأته ويذهب يموت في سبيل الله؟ البصيرة، لكن لما عدمت البصيرة عند بعض الناس لا يقوم من فراشه ليصلي في المسجد، يسمع المنادي فوق رأسه: الله أكبر! وهو يتقلب كالخنزير على فراشه دون أن يصلي، لماذا؟ لأنه مطموس البصيرة، أعمى القلب، والله لو يعلم أن في المسجد مائة ريال لا ينام، لو قيل: لكل صلاة مائة ريال، هل هناك أحد سيترك صلاة بخمسمائة ريال في اليوم، وفي الشهر بكم؟ بخمسة عشر ألفاً، هذا راتب أفضل من أي راتب، لا أحد يتركها، لكن لو كان الجزاء الجنة (من غدا إلى مسجد وراح أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا وكلما راح) فمن يأتي لهذه؟ يأتي لها الذين يرونها، يرونها بماذا؟ يرونها بقلوبهم، ما رأوها بأبصارهم ولكن رأوها ببصائرهم: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] إذا عمي القلب فليس في الإنسان فائدة والعياذ بالله. هذه البصيرة يرى الإنسان بها حقائق الأمور فيرتب أموره على هذا الوضع، ويعيش عيشة الإيمان.

стр. 335

أسباب نفاذ البصيرة لدى المؤمن هل هناك وسائل وأسباب تقوي هذه البصيرة وتجعلها نافذة وقوية؟ نعم. روى البخاري في الصحيح حديثاً قدسياً يرويه النبي ﷺ عن ربه ، والحديث القدسي هو الذي لفظه ومعناه من الله مثل القرآن غير أنه لا يتعبد به في الصلاة، ولكن تقرأ في الصلاة بالقرآن وهو: الكلام الذي أوحي إلى النبي ﷺ لفظه ومعناه، ومتعبد به في الصلاة، والحديث القدسي هو الذي أوحي به من الله إلى النبي لفظاً ومعنىً وغير متعبد به في الصلاة، والحديث النبوي الشريف هو الذي أوحي إلى النبي ﷺ معناه دون لفظه، المعنى من الله واللفظ من محمد ﷺ . هذا الحديث القدسي في صحيح البخاري، يقول ﵊: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) وفي بعض الروايات: (من عادى) من بدأ العداوة والأذى لأولياء الله فقد آذن الله بمحاربته وأعلن الله عليه الحرب، ومن أعلن الله حربه فهو مهزوم؛ فمن يقدر على الله: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف:٢١]. النمرود كان يدعي أنه الإله، ولما دعاه إبراهيم إلى عبادة الله وحده كفر وقال: إنه هو الرب ولا يعرف أنه يوجد رب غيره للناس، وبعد ذلك طلب من إبراهيم أن يبارز الله، قال: هذا الذي تدعي أنه إلهك يا إبراهيم، أريد أن يبرز لي في الميدان، أريد أن أقاتله، فإن غلبني فهو الرب وإن غلبته فأنا الرب؛ فالله أرسل له جندياً من أصغر الجنود وأضعفها، يقول الله: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفتح:٤] هذا الجندي هو بعوضة أرسلها الله للنمرود؛ لأنه أضعف من البعوضة لا يستحق أن يرسل له أسداً أو نمراً أو ثعباناً، البعوضة تسلبه وتمتص دمه ولا يمتنع منها، وبينما كان نائماً في الليل يشخر كالثور دخلت البعوضة من أنفه واستقرت في رأسه، وتربت على دماغه، وكانت تنتفض بجناحها، فإذا انتفضت أحس في رأسه مثل الصواعق دوار وصداع وحركة غريبة في رأسه، فلا تسكن إلا إذا ضرب وجهه بالنعال، وإذا وقف الضرب حركت أجنحتها فيقول: اضرب اضرب، فضرب النعل أخف من حركة البعوضة في رأسه حتى تقطع وجهه، أصبح وجهه تسيل منه الدماء من كثرة الضرب، حتى تقيحت وتقرحت وبدت عظام وجهه، وأخيراً لم يجد فرصة للحياة، لم يتحمل أبداً، إن ضرب تألم، وإن لم يضرب تألم من الداخل ما هو الحل؟ الحل: الموت، دخل عليه عبد من عبيده وفي يده سيف، قال: يا عبدي! قال: نعم. قال: اضرب هامتي -يقول: اضرب رأسي- فسل العبد السيف وفلق رأسه، فنزل السيف على رأسه ونزل على جناح البعوضة فقصه فاشتكت إلى الله، وقالت: يا رب! دخلت في عدوك بأمرك لأعذبه؛ لأنه عدوك، ولكن سلطت عليَّ من قطع جناحي، فقال الله لها: أتريدين جناحك، أم تريدين دية؟ قالت: كم الدية؟ قال: الدية الدنيا منذ خلقتها حتى أفنيها -قصورها وعماراتها وبنوكها ومزارعها وسياراتها وكل ما فيها- ففكرت قالت: ماذا أفعل بالدنيا، وأنا مكسورة الجناح لا أطير؟ فقالت: لا يا رب! أريد جناحي من أجل أن أطير، فأعطاها الله جناحها، ولذا قال في الحديث: (لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة. والجندي الآن الجديد الموجود في العالم اسمه: الإيدز، وهو يهدد أمريكا وأوروبا والعالم كله، أين كان الإيدز، والإنسان موجود منذ القدم ولم يعرفه إلا هذه السنة؟ سلطه الله عليهم لما عتوا عن أمر الله، ولما شاعت فيهم الجريمة والفاحشة، وأصبح الجنس عندهم إلى أرذل درجة من درجات الحيوانية، يعني: الحياة الجنسية عندهم لا تطاق أبداً، وتمارس بشكل بهيمي يستحي منه الحمار والحيوان، فماذا سلط الله عليهم؟ سلط الله عليهم الإيدز، الإيدز فيروس يدخل في الجسم ويسير مع الدم، ويقتل الكريات البيضاء ويقضي على المناعة. الكريات البيضاء تشكل جيشاً داخلياً لمحاربة الأجسام الغريبة، وهي التي تحفظ للجسم مناعته وقوته ضد أي مرض، فإذا ماتت هذه الكريات يصبح الجسم لا يستطيع أن يقاوم أي مرض، وبالتالي أقل زكام يقتله، أقل جرثومة تقتله، والعالم إلى الآن لم يستطع أن يجد لهذا المرض علاجاً. من يستطيع أن يحارب الله؟ ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفتح:٧] أرسل الله على قوم عاد الريح، أتدرون كم فتح عليهم؟ قدر حلقة الخاتم فكانت تحملهم إلى السماء ثم تلقيهم ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧ - ٨]. سلط الله على قوم فرعون الغرق، وسلط الله على قوم لوط الهدم بحيث حمل قريتهم ثم قلبها عليهم، وعلى ثمود الصيحة، وكل أمة يسلط الله عليها عذاباً، والله قادر أن يسلط على الكفار عذاباً لا يعرفه الناس، ولكن الله يقول: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٢ - ١٨٣] ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً﴾ [فاطر:٤٥]. (من عادى لي ولياً -من آذى لي ولياً- فقد آذنته بالحرب) فقد أعلنت عليه الحرب، انتبه يا أخي في الله! لا تعادي أولياء الله، لا تؤذ عباد الله، من هم أولياء الله؟ بعض الناس يتصور أن الأولياء هم الذين في القبور وعليهم قباب ويطاف حول قبورهم، لا. هؤلاء أولياء -إن شاء الله- إن كانوا صالحين، وكل مؤمن بالله فهو ولي لله؛ لأن الله يقول: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] من هم؟ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] فكل مؤمن يتقي الله فهو ولي من أولياء الله؛ لا تؤذه في ماله، ولا تؤذه في نفسه، ولا تؤذه في عرضه، ولا تؤذه بأي أذى، حتى لو دخلت المسجد تتوضأ في دورة المياه وشخص في الحمام لا تطرق عليه الباب؛ لأن هذا إيذاء له، هل هناك أحد في الدنيا يقعد في الحمام باختياره؟ لا. الإنسان يدخل الحمام مضطراً من أجل أن يقضي حاجته، وهو يود أن يخرج في أول فرصة، لكن أحياناً ينتظر، يكون عنده حاجة أكبر يقضيها، فإذا أتيت تطرق عليه الباب ألست تؤذيه؟ الإيذاء لا يجوز. لا تؤذه بدعائه بغير اسمه، كأن تقول: يا طويل! يا قصير! يا متين! يا ضعيف! يا أسود! يا فلان أنت يا علان، لا. بل ناده باسمه، بل بكنيته فإذا كان اسمه محمداً وله ولد اسمه عبد الله تقول: يا أبا عبد الله! وإذا كان اسم ولده خالد فتناده: يا أبا خالد! لماذا؟ لأن الكنى محببة إلى النفس والعرب تحبها، إذا ناديتني بابني أفضل من أن تناديني باسمي، وكان النبي ﷺ يكنى بأبي القاسم صلوات الله وسلامه عليه، فلا تؤذ عبد الله بالنظر إلى بيته، إذا رأيت أهله معه وأنت ماشٍ في الطريق فلا تنظر إلى زوجته، بل ابتعد عنه، لا تؤذه في ماله، (من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) لماذا لا تؤذيه؟ خوفاً من الله حتى لا يحاربك الله؛ لأن الله لو حاربك قصمك.

стр. 336

التقرب إلى الله بما افترض والزيادة من النوافل (من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بعمل أحب إليَّ مما افترضته عليه) أحب عمل تتقرب به إلى الله ما افترضه الله عليك، ما الذي افترض الله عليك؟ افترض الله عليك التوحيد، أول فريضة توحيد الله، إفراد الله بالعبادة، توحيد الله بالألوهية، وتوحيد الله بالربوبية، وتوحيد الله بالأسماء والصفات، وفي الألوهية بألا تصرف شيئاً من أنواع العبادة إلا له، وفي الربوبية بألا تعتقد أن الخالق، أو الرازق، أو المحيي أو المميت، أو المعطي، أو النافع أو الضار، أو المانع إلا الله، في الأسماء والصفات أن تثبت لله كل اسم وكل صفة أثبتها لنفسه أو أثبتها له رسوله، وأن تنفي عنه كل ما نفى عن نفسه ونفى عنه رسوله صلوات الله وسلامه عليه. والمتابعة للنبي ﷺ فريضة؛ لأن الله يقول في القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] ويقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] فمتابعة النبي ﷺ فريضة، ما معنى المتابعة؟ أن تتخذه قدوة لك، فلا تزد ولا تنقص؛ لأنك إذا زدت ابتدعت، والزيادة في الدين بدعة، ولو كانت حسنة كما يقول بعض الجهلة يقول: نحن نزيد في الدين زيادة حسنة، نقول: لا. لا توجد زيادة حسنة: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) الذي يزيد في الدين كالذي ينقص منه، يسعنا ما وسع النبي ﷺ وما وسع الصحابة وما وسع سلف هذه الأمة. من أين جاءت هذه؟ أخذناها من كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا إله إلا الله توحيد الله، محمد رسول الله متابعة الله. ثالث فريضة: الصلاة الزكاة الصيام الحج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الله يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] تنهي عن المنكر بلسانك أو بيدك، وأضعف شيء بقلبك، هل هناك أحد لا يستطيع أن ينكر المنكر بقلبه؟ لا يوجد أحد لا يستطيع؛ لأنك تستطيع ولا أحد يدري ماذا في قلبك، فإذا علم الله أنك تكره المنكر فأنت مؤمن، وإذا الله علم أنك تؤيد المنكر وتحب المنكر فكما يقول ﵊: (وليس بعد ذلك من الإيمان حبة خردل) الذي لا ينكر المنكر حتى بقلبه هل هو مؤمن؟ لا. من جاهد بيده فهو مؤمن، ومن جاهد بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهد بقلبه فهو مؤمن، ولكن من رضي وتابع. الدعوة إلى الله فريضة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل:١٢٥] من يحمل الدعوة إن لم تحملها أنت؟ اليهود والنصارى؟! ليس معنى كونك داعية أن تكون واعظاً وخطيباً وعالماً كبيراً لا. ادع نفسك وادع زوجتك، الذي يدعو زوجته وتهتدي على يديه يبعث مبعث الأنبياء يوم القيامة؛ لأن النبي من بني إسرائيل يأتي يوم القيامة وليس معه أحد، والنبي يأتي ومعه الرجل والنبي يأتي ومعه الرجلان، والنبي يأتي ومعه ثلاثة وهكذا، فالذي يدعو زوجته وأولاده داعية، والذي يدعو زوجته وأولاده وأسرته ومحيطه الأسري فهو أفضل، وكذلك الذي يتوسع قليلاً في حارته ومجتمعه وهكذا كلما زدت زاد الخير. قراءة القرآن فريضة ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل:٤] الحب في الله فريضة، البغض في الله فريضة، هذه الفرائض تتقرب بها إلى الله . يقول ﵊: (وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه) متى يحبك الله؟ إذا عملت النوافل، انظر التفريق بين المحبة للعمل والمحبة للعامل، المحبة للعمل إذا قدمته وهي الفرائض (وما تقرب إليِّ عبدي بعمل أحب إلي -أحب إلى الله- مما افترضته عليه) هذا يحبه الله، لكن أنت متى يحبك؟ إذا عملت شيئاً آخر مع الفريضة، ما هو الشيء؟ النوافل (ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه) يصلي العشاء أربع ركعات، لكن يقول: يا ربِ! أربع قليلة، يمكن أنني ما وفيتها ويمكن غفلت فيها، سأزيد اثنتين نافلة، ويذهب إلى البيت وقبل أن ينام يزيد اثنتين أو أربعاً أو ستاً أو ثماناً، ثم يصلي الوتر، وبعضهم يوفقه الله فينام ثم يستيقظ آخر الليل قبل الفجر بساعة أو ساعة إلا ربع أو نصف ساعة فيصلي اثنتين أو أربعاً أو ستاً أو ثماناً ثم يوتر، هذا يتملق لله، هذا يطلب عفو الله، هذا يقول: يا ربِ! أنت أحببت العمل فقدمته، والعامل أريد أن تحبه يا رب، فكيف تقبله؟ الله لا يقبلك ولا يحبك إلا بالنوافل (ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه) فيصلي الصلاة ويصلي وراءها نوافل، ويصوم رمضان ويصوم بعده ستة أيام من شوال، ويصوم يوم عرفة، ويصوم اليوم التاسع والعاشر من عاشوراء، ويصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ويصوم الإثنين والخميس من كل شهر إذا وفقه الله وقدر على ذلك، ويزكي المال في رمضان أو في غيره إذا حال عليه الحول، وكلما رأى مسكيناً أعطاه، خاصة إذا قال لك المسكين: لله، انتبه! لا تقل: لا يوجد، فيجعله ربي حقاً، فتظل تبحث لا تجد شيئاً يجعلك الله فقيراً. يحدثني أحد الإخوة في مكة المكرمة عن رجل من أهل الخير في مكة خرج من المسجد الحرام وسيارته واقفة أمام الموقف وهو من الأثرياء ومن الوجهاء، وقصد سيارته وركبها وشغلها، فوقف عليه رجل من الفقراء المساكين وقال له: لله ريال أتعشى به -وما أكثر الفقراء في مكة - يقول: ريالاً فقط آخذ به سندوتشاً أو عصيراً أو بسكويتاً أتعشى به -الرجل هذا من أهل الخير وينفق، لكن يقول: قد شغلت السيارة وقد وضعت رجلي على البنزين وأريد أن أمشي، والأمر يحتاج أني أقف، وأدخل يدي في جيبي وأخرج ريالاً أو خمسة أو عشرة وأعطيه- فيقول: تكاسلت عن العمل هذا فقلت له: على الله، يقول: فنظر الرجل إلى سيارتي (١٥٠٠٠٠) ألفاً، وجيوبي وبطني منتفخة، وأقول لا يوجد شيء (على الله) يقول: فنظر لي بعين وقال لي: على الله! نعم. رزقي على الله وليس عليك، أنا ما سألتك لي سألتك لله، وما دام عييت فليس رزقي عليك، الذي خلقني سوف يرزقني ويعطيني أعظم مما تعطيني، يقول: ثم تركني، يقول: وبينما كان يدور الحوار بيني وبينه كان هناك امرأة تبيع (الفصفص) وتبيع الحلويات فنادت الرجل وأدخلت يدها في كيس وأعطته ريالاً -انظر الملايين ما نفعت، وهذه التي يمكن ليس لديها إلا هذا الريال أخرجت الريال وأعطته- يقول: فلما رأيتها تعطيه ريالاً وأنا معي الملايين ولم أعطه ريالاً شعرت كأن شخصاً ضربني في قلبي بخنجر، وقلت: ما قيمة ملاييني وما قيمة حياتي، يقول: فأوقفت السيارة وأدخلت يدي في جيبي وأخرجت عشرة ريال ونزلت أبحث عن الرجل، يقول: بحثت عنه فما وجدته، ويقول: فكأن من سحبني وقادني إلى تلك المرأة فأعطيتها العشرة، أنفقتْ ريالاً فرد الله لها عشرة؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩] ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦] فكان درساً لهذا الغني. فعليك أن تنتبه، الفقير الذي يسوقه الله لك نعمة من نعم الله عليك، إذا ساق الله لك فقيراً وأنت في سيارتك أو في دكانك أو في مكتبك فهو نعمة ساقه الله إليك من أجل أن تنال الثواب على يديه، فلا ترده ولا تنهره انتبه! ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:١٠] أعطه ولا تقل: ليس عندي شيء، إلا إذا لم يكن عندك شيء حقاً، لكن أن يكون جيبك مليء بالمال فتقول: ليس عندي شيء، لكن للببيسي نخرج الأموال، وللماء نخرج الأموال، وللدخان نخرج الأموال، وللجرائد نخرج الأموال، وللغداء وللعشاء وللسمك وللدجاج والأكل والشهوات، واللِعب واللُّعَب والأطفال نخرج الأموال، أمَّا لله فنقول: لا يوجد شيء، إذاً فمن الذي أعطاك المال؟! الله، يقول الله : ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣] الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦] ما الذي غرك بالله؟ غرك المال؟ المال مال الله، جئت إلى الدنيا وأنت عارٍ لا تملك خرقة واحدة، والله رزقك ورفعك وأعطاك مالاً فلماذا تبخل؟ فلا بد أن تنفق من المال في غير الزكاة. وأيضاً الحج تحج الفريضة وتحج النافلة، تعتمر الفريضة وتعتمر النافلة، تقرأ القرآن تأمر بالمعروف تنهى عن المنكر تزيد في النوافل، لماذا؟ لتكون محبوباً عند الله، فإذا أحبك الله ماذا يحصل؟ اسمعوا وهنا الشاهد من الحديث قال: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به) يصبح بصرك بصيرة ربانية، تنظر بنور الله، تسمع بأمر الله، تتكلم بأمر الله، عبداً ربانياً، لا تنظر إلى ما حرم الله؛ لأن نظرك رباني، نظرك محكوم بأمر الله، لا تسمع شيئاً حرمه الله؛ لأن أذنك أذن ربانية تضطرب وتهتز لأقل معصية لا ترضي الله ، (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه) فتقوم العلاقة بينك وبين الله عامرة، إذا سألت الله يعطيك. قد يقول أحد الناس: أنا أسأل ولا يعطيني ربي، الله يعطيك لكن ليس الآن، إذا سألت وأنت حبيب الله فإن الله يستجيب لك بأحد ثلاثة أمور: إما أن يعطيك سؤالك، وإما أن يعطيك إياه في الآخرة، وإما أن يرد عنك من القضاء والقدر المر بقدر هذا الدعاء، فلا ينزل عليك شيء، (ولا يرد القضاء إلا الدعاء) هذا حديث في الترمذي والدعاء والقضاء يصطرعان بين السماء والأرض، فإذا نزل القضاء نزل مخففاً، وأحياناً يكون الدعاء أقوى من القضاء فيرده بإذن الله ، حتى ورد في الحديث: (إن المؤمن يوم القيامة ليعطى حسنات كأمثال الجبال

стр. 337

غض البصر هناك خمسة أسباب ذكرها ابن القيم ﵀ في كتابه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، وهو ينقل عن أحد السلف واسمه شجاع الكرماني وكان من أعظم عباد الله بصيرة، كان له فراسة وبصيرة نافذة يقول: من غض بصره عن الحرام، وكف نفسه عن الشهوات، وعمر باطنه بالتقوى، وعمر ظاهره بالسنة، وأكل الحلال، لم تكد تخطئ له فراسة، وفتح الله بصيرته. قال ابن القيم ﵀: لما غضضت بصرك جازاك الله من جنس عملك، ما هو عملك؟ غض البصر، فماذا حصل؟ فتح بصيرتك، إذا أنفقت مالك يجازيك الله من جنس فعلك، ماذا يعطيك الله؟ تنفق مالاً يرد الله عليك أكثر مما أنفقت، يقول ﵊: (من ترك شيئاً لله -ماذا يعطيه الله؟ - عوضه الله خيراً منه) ما تترك شيئاً لله إلا والله يعطيك أفضل منه، تركت البصر من أجل الله ففتح الله لك البصيرة من أجله، فأنت عندما تغض بصرك عن الحرام ماذا يحصل لك؟ يفتح الله بصيرتك، فتصبح تنظر بنور الله، ويحبب الله لك الإيمان، ويزينه في قلبك، ويكره إليك الكفر، والفسوق، والعصيان، ويجعلك الله من الراشدين، تحب القرآن، تحب المساجد، تحب أهل الخير، تحب الصلاة، تحب حلق الذكر؛ فتصير عندك طاقة، ويصير عندك إيمان وإقبال، ويصير عندك توجه كبير، لماذا؟ لأن الله فتح بصيرتك، وبعد ذلك يحفظك الله عن الوقوع في المعاصي؛ فتكره سماع الأغاني، وإذا رأيت امرأة لا تريد أن تنظر إليها، وإذا كان هناك حرام فيحفظك من الذهاب إليه، يضيق صدرك من الحرام، تضيق مذاهبك من الشر، لماذا؟ فتح الله بصيرتك، عندما غضضت بصرك عن الحرام، ولهذا قال الله في القرآن في سورة النور: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠] أزكى لك أن تغض بصرك، قال العلماء: أزكى لأسباب؛ لأن فيه اثنتي عشرة فائدة، أعظم فائدة وأجل فائدة: أنك امتثلت أمر الله؛ لأنه لا توجد أي قوة في وجه الأرض تستطيع أن تضبط بصرك إلا قوة الله. بإمكان الإنسان أن ينظر في عمارة وهذه العمارة قد يكون فيها شباك، وفي الشباك امرأة متبرجة فينظر لها ويمتع عينه بها، ويأتي صاحب البيت أو أحد الناس من أهل الخير، يقول: اتق الله، لا تنظر إلى المرأة، فيقول: أنا لا أنظر إلى المرأة، أنا عندي عمارة وأريد أن أشتري ألمنيوم مثل الذي في الشباك، ويقول للرجل: نظرتك بعيدة، أنا لا أريد النساء، لكن الله يعلم أنك تنظر إلى المرأة، من الذي يعلم؟ ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] قد تتظاهر أمام الناس أنك تغض بصرك لكنك تنظر شزراً هنا وهناك، ربي يعلم ماذا في قلبك. فإذا غضضت بصرك كان هذا دليلاً على مراقبتك لله، وعلى امتثالك لأمر الله، وعلى شعورك بمراقبة الله، وعلى علمك بأن الله ينظر إليك، هذا هو الإيمان، وهذا هو الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه) فهذه أعظم فائدة. من فوائد غض البصر: أن القلب يبقى سليم. لأن القلب سليم إذا سلم من قنوات الشر، سليم إذا نظرت العين إلى الحلال، لكن إذا نظرت إلى الحرام فهو سهم في القلب، وإذا سمعت الحرام فهو سهم في القلب، وإذا بطشت في الحرام فهو سهم في القلب، ويبقى القلب مطعون من كل جهة، ولذلك بعض الناس الآن قلبه ميت قد طعنه حتى أهلكه، طعنة بالغناء، وطعنة بالزنا، وطعنة بالنظر، وطعنة بالربا، وطعنة باللواط، وطعنة بقطع الصلاة؛ وطعنات من كل جانب، فيبقى القلب مسكيناً من أين تأتيه العافية والسموم تأتيه من كل جانب؟! أما قلب المؤمن كالملك على العرش، جالس محفوف بالعناية والجند من حوله، والأبواب كلها مغلقة، إذا جاء الشيطان يدخل من عند العين قالت العين: ارجع لا تدخل من عندي، يأتي من عند الأذن، تقول الأذن: ارجع لا تدخل من عندي، يأتي من عند اللسان فيقول: لا يدخل من عندي، يأتي من عند الفرج فيبقى القلب سليم مائة بالمائة. لكن قلب العاصي مسكين معذب من كل جهة وطريق، فأول فائدة بعد امتثال أمر الله أن القلب يبقى سليم؛ لأن النظر سهم كما جاء في الحديث الذي في مسند أحمد: (النظر سهم مسموم من سهام إبليس من تركه مخافة الله أبدله الله إيماناً يجد حلاوته إلى يوم يلقاه) والناظم يقول: وأنا الذي جلب المنية طرفه يقول: أنا الذي جلبت الموت لقلبي عيني. فمن المطالب والقتيل القاتل ويقول: وأنت إذا أرسلت طرفك رائداً لقلبك أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر فأنت تنظر إلى أشياء لا تقدر عليها ولا تصبر عنها، وطريق السلامة أن تغض بصرك. في غض البصر كلفة وفيه معاناة ومشقة، لكنها أخف بملايين المرات من معاناة النظر، النظر سهم يحرق القلب، والقلب إذا احترق قوي جندي الشيطان، وإذا قوي جندي الشيطان ونظرت جاءت النظرة الثانية؛ لأن الله يقول: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة:١٦٨] ما قال خطوة بل خطوات، النظرة الأولى خطوة، ثم كلمة، ثم بسمة، ثم كلام، ثم سلام، ثم موعد، ثم لقاء، ثم زنا، ثم جهنم، بدأت بالنظر وانتهت بالنار، يقول الناظم: كل الحوادث مبدؤها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر والمرء ما دام ذا عين يقلبها في أعين الغيد موقوف على الخطر يسر ناظره ما ضر خاطره لا مرحباً بسرور عاد بالضرر ولذلك الذين يغضون أبصارهم الآن مرتاحين، الشاب المؤمن الذي يغض بصره فهو في ألف راحة، لا يعرف إلا زوجته، كلما رأى شيئاً توقف، يقول: "النافذة التي يأتيك منها الريح سدها واستريح" عينك يأتيك منها ريح الزنا كل يوم أقفلها واسترح، لكن تنظر وتنظر وتنظر يحترق قلبك وأنت لم تجد أي شيء، وإن لقيت شيئاً لقيت الحرام ولعنة الله وغضب الله وسخط الله، يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] الإنسان يصبر على مرارة غض البصر من أجل أن يفتح الله بصيرته على النظر إليه في الجنة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] كما أنك الآن تصبر على ألم الإبرة إذا جاء الممرض يدفع إليك بالعلاج في عضلتك أو في الوريد هل أنت تحس براحة، أم بألم؟ ولهذا بعضهم يغمض عينيه منذ أن يبدأ الدكتور بضرب الإبرة، لكن يصبر على ضربة الإبرة ثم يفركها الممرض بالقطنة وينساها لماذا؟ دخلت العافية، نحن كذلك في طريق الإيمان نغض أبصارنا ونصبر من أجل ما عند الله، أما أن أفتح عيني وأنظر والله يغضب عليَّ، ويمقتني، ويحرق قلبي، ويسخط عليَّ، ويحرمني من النظر إليه في الجنة، ثم لا أستفيد شيئاً إلا غضب الله، لا. لا بد -أيها الإخوة- من غض البصر. ومن فوائد غض البصر كما قال ابن القيم ﵀ في كتابه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي يقول: أنه يورث القلب أنساً بالله؛ لأن إطلاقه يشتت القلب ويفرق القلب ولا يبقى القلب مجموعاً على الله، وإنما موزعاً بين المناظر التي رآها، وهذه من أعظم آفات القلب. وكذلك أن غض البصر يورث القلب نوراً يقذفه الله ، وإطلاقه يورثه ظلمة؛ لأن المعصية ظلمة والطاعة نور، فإذا أطعت الله نوّر الله قلبك، وإذا عصيت الله أظلم الله قلبك -والعياذ بالله- ولهذا ذكر الله هذه الآية -آية النور- عقب الأمر بغض البصر في سورة النور لما أمر بغض البصر قال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور:٣٥]. أيضاً: يورث المؤمن فراسة، والتي نسميها البصيرة؛ لأنك يوم أن غضضت بصرك من أجل الله فتح الله بصيرتك على كل ما يحبه الله ويرضاه، وإنما يجازيك الله من جنس فعلك. وأيضاً: فإن النظر إلى الحرام يحول القلب إلى محل لإلقاء القاذورات فيه، فلا يصلح أن يكون محلاً لكلام الله، ولا يصلح أن يكون محلاً للإيمان بالله، لماذا؟ لأنه أصبح مثل الزبالة لا يقع فيه إلا الحرام والخبث، فإذا جاء الكلام الطيب لا يستقر، وإذا جاء النظر الطيب لا يستقر، فإذا أردت أن يكون قلبك محلاً لما يحبه الله ويرضاه فطهر عينك من النظر إلى ما حرم الله ، أما إذا نظرت فإنك تتمتع ولكن متاع عاقبته مرض القلب -والعياذ بالله- وما والله وجدنا -أيها الإخوة- أنفع للمسلم من غض البصر، ولو كان فيه صعوبة بسيطة لكن مع الزمن يتغلب المسلم عليه حتى يهديه ويشرح الله صدره وينور قلبه، ولا يعد له رغبة في أن ينظر إلى ما حرم الله ﵎.

стр. 338

كف النفس عن الشهوات والمقصود بالشهوات الشهوات المحرمة: شهوة الفرج وهي الزنا واللواط، وشهوة البطن وهي أكل الربا والحرام والمخدرات والمسكرات والدخان، وشهوة المال وهي جمع المال من الحلال والحرام، وشهوة التسلط والسيطرة والاستعلاء بالكبر والسطو على الناس والاستعلاء عليهم وظلمهم واستعبادهم واحتقارهم وازدرائهم، هذه شهوات شيطانية يسميها العلماء الذنوب السبعية؛ لأنها تجعل الإنسان مثل السبع يفترس الناس، هذه الشهوات كف نفسك عنها، وكن في دائرة الحلال منها فقط، فشهوة الحلال خذ منها ما تحتاج، فتأكل من شهوة البطن ما أحل الله، وتقع في شهوة الفرج فيما أحل الله، وتجمع من المال فيما أحل الله، حتى تكون في دائرة الحلال فتسلم من الشهوات؛ لأن الشهوات منفذ وباب خطير على النفس البشرية يدخل منها الشيطان.

стр. 339

التقوى التقوى يعني: المراقبة لله، يعني: أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية من الخوف منه والمراقبة له، بأن تتصور أنك تحت الرصد الرباني وتحت النظارة الإلهية، وأن تعلم أن الله مطلع عليك لا يخفى عليه من أمرك خافية؛ لأن الله يقول: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم:٣٢] ويقول: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة:٧] فالله معك، يعلم السر وأخفى، يسمع دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فإذا علمت بهذا الرصد وهذه المراقبة من الله حملك هذا على الخوف منه، هذا معنى المراقبة، أن تعمر باطنك من الداخل بالتقوى والمراقبة، أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بفعل أمره وترك نهيه وبمراقبته ، حتى ولو خلت عنك أعين الرقباء: وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستح من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني إذا حان هذا وحصلت في قلبك المراقبة والشعور بأن الله مطلع عليك فتح الله بصيرتك. أما إذا جعلت الله آخر من تخاف منه، يعني: كثير من الناس عنده مراقبة لأشياء لكن لا يراقب الله، يراقب الناس، يخاف من الناس، يستحي من الناس، فإذا لم يجد الناس ولم يخف من الناس ولم يراقب الناس ولم يبق إلا الله لم يخف من الله، وجرأ على الله، واعتدى على حرمات الله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء:١٠٨] ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:١٣] لا بد أن تكون المراقبة في قلبك أهم من كل مراقبة؛ لأنك إذا أحسست بهذا الشعور فإن قلبك يكون حياً باستمرار وبالتالي تبقى بصيرتك نافذة.

стр. 340

العمل بالسنة السبب الرابع من أسباب نفاذ البصيرة: العمل بالسنة. أعمال الإسلام تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عمل قلوب، وعمل ألسن، وعمل جوارح، فعمل القلب هو: الإيمان والتصديق، وعمل اللسان هو: الإعلان والذكر والشهادة، وعمل الجوارح هي: الطاعات والفرائض التي نمارسها بجوارحنا، وهذه الأعمال تنقسم إلى قسمين آخرين: ظاهرة وباطنة، فالباطنة في القلوب، والظاهرة ما نعمله من أعمال يراها الناس؛ فلا بد أن نعمر هذه الظواهر بسنة النبي ﷺ ، فنصلي كما كان يصلي ﷺ ، فعليك أن تعمر ظاهرك بالسنة يعني: ظاهر عملك، ليس معنى ظاهرك يعني: المظهر الشكلي وإنما الظاهر العملي، (صلوا كما رأيتموني أصلي) ونحج كما كان يحج ﷺ ، قال: (خذوا عني مناسككم) ونزكي كما أمرنا ﷺ ، ونصوم كما شرع لنا ﷺ ، ونعمر حياتنا في كل شئون حياتنا على هديه ومنهجه، ومن ذلك المظهر الخارجي للمسلم، يربي المسلم منا لحيته اقتداء بالنبي ﷺ ؛ لأن الله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١] من كان يرجو الله، من كان يرجو لقاء الله، من كان يرجو النجاة في اليوم الآخر فله في رسول الله أسوة حسنة، يعني: قدوة، والذي ليس له عند الله أمل ولا يرجو لقاء الله لا يتخذ رسول الله قدوة، فخير البرية أفضل من مشى على وجه الأرض هو رسول الله ﷺ ، وهو أولى الناس بأن يكون قدوتك، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧] وقد أمرنا أن نعفي لحانا، والقضية ليست قضية شعر، لا. القضية قضية انتماء وقضية اعتزاز وفخر وشعور بالعزة؛ لأنك تتبع وتنتمي وتقلد خير البشر صلوات الله وسلامه عليه، وبعد ذلك سنة نبوية ثابتة بأحاديث صحيحة، وإطلاقها واجب وإعفاؤها واجب وحلقها معصية، بل صرح العلماء بأن حلقها محرم، ومن أراد التأكد فليشتر شريطاً اسمه زينة الرجال جمع فيه الإخوة مجموعة من الكلمات للشيخ محمد بن عثيمين والشيخ صالح بن عبد الله بن حميد والشيخ عبد العزيز بن باز وبعض الدعاة، وذكروا فيها أحكام حلقها. فنقول: اعمر ظاهرك بالسنة؛ لأنك ما إن تعمر ظاهرك بالسنة إلا ويحيي الله في قلبك الإيمان ويطلق بصيرتك، صحيح أنه شعر، لكن له أثر، هو لا يعبر عن شيء إلا عن انقيادك وخضوعك وإذعانك لسنة النبي ﷺ ، لكن تمردك عليه يشعر بأنك غير راضٍ، بأمر الرسول ﷺ بإعفاء اللحى، يقول الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩] انتبه ينطبق عليك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] نحن نؤكد على هذا الأمر في كل محاضرة لماذا؟ لأنها معصية ظاهرة، نلمسها في إخواننا المؤمنين، وليس معنى هذا أن اللحية كل شيء في الدين، لا. هي شيء من الدين، وبعض الناس ما عنده لحية وعنده في قلبه إيمان مثل الجبال، ولا ينقصه إلا هي، وبعض الناس ليس في قلبه إيمان ومعه لحية، فهذه كلحية أبي جهل لا تنفعه. لكن نطلب أن يكون الظاهر صحيح والباطن صحيح حتى يكتمل الإنسان في الخير إن شاء الله، وهذه سنة نبوية، ومعلم من معالم الرجولة، وقد ذكرت هذا في بعض المحاضرات، وقد سألني بعض الإخوان يقول: هل حلقها مباح؟ قلت: لا. حلقها محرم وإعفاؤها واجب؛ لأن الشرع طلبه في أحاديث كثيرة (قصوا الشوارب) (أعفوا اللحى) (أكرموا اللحى) (خالفوا المجوس) (خالفوا المشركين) (وفروا اللحى) فالذي يحلقها هل أكرمها؟ لا. إكرامها أن تبقى في وجهك، أما أن تحلقها وتجعلها تحت رجل الحلاق هل هذا إكرام لها؟! وبعضهم يقول: أنا لا أحلقها عند الحلاق أنا أحلقها بيدي، أين تحلق بيدك؟ قال: في الحمام، قلنا: ما قصرت، أهذا إكرام للحية؟ لا. إكرامها إعفاؤها في وجهك، وأيضاً فهي معلم من معالم رجولتك يقول الله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦] هناك فروق بين الرجل والمرأة، ومن ضمن الفروق اللازمة، التي لا تتساوى المرأة بالرجل اللحية، شعر الرأس عند الرجل والمرأة هل هو سواء، شعر الجفون عند المرأة والرجل هل هو سواء، وهل شعر الحواجب عند المرأة والرجل سواء، وهل شعر الإبط عند المرأة والرجل سواء، وهل شعر العانة عند الرجل والمرأة سواء، وهل شعر الوجه عند المرأة والرجل سواء؟ لا. عند المرأة ليس فيه شعر وعند الرجل شعر، لماذا؟ لا تصلح المرأة إلا بدون لحية، ولا يصلح الرجل إلا بلحية. ما هو رأيك لو ذهبت إلى بيتك الآن ودخلت ولقيت امرأتك قد معها لحية ترضى أم تغضب؟ تقول: اذهبي عند أهلك، ما تقدر تعيش معها بلحيتها، لماذا؟ لأن الله خلقها متعة لك، وكذلك المرأة لا تريدك إلا بلحية. وقد أجري استفتاء لـ (٤٠٠) امرأة في الرياض: هل تفضل الرجل ذا اللحية أم الرجل الحليق؟ كلهن بالإجماع قلن: نريد الرجل الملتحي، لكن المرأة المسكينة تضطر تحت وطأة الاضطرار والإذعان أنها تقعد معك. وبعض الناس يقول: طيب أنا حليق وامرأتي معي ساكتة، ساكتة لأنها لا تستطيع أن تعمل أي شيء هل تطلقك؟ لكن لو معك لحية والله تنبسط المرأة؛ لأنها ترى فيك معالم الرجولة فهي تضطر أنها تصير أنثى، ولكن إذا لم تكن لديك لحية تجد بعض النساء تضطر أنها تكون الرجل حتى أنها تسير أمامه في الطريق وهو يأخذ الشنطة ويأخذ البنت وراءها، لكن لو معه لحية ما تقدر تسبقه أبداً بأي حال من الأحوال، حتى عند إشارة المرور إذا وقفت ترى أن بعضهم ينظر إلى السيارة التي بجانبه وهذا لا يجوز، فإذا كنت عند إشارة السير لا تنظر في السيارات المجاورة التي فيها عوائل؛ لأن هذا يؤذي الناس، لكن بعضهم ينظر وبعض النساء تكون كاشفة في السيارة، فإذا نظر إليها رجل حليق تنظر إليه، وإذا نظر إليها ملتحٍ ترفضه وتتغطى عليه؛ لأنها رأت إنساناً يختلف عنها، فاللحية معلم من معالم الرجولة ينبغي أن تعفيها وتعمر بها ظاهرك كما قال ﵊: (قصوا الشوارب) (أعفوا اللحى) (أكرموا اللحى) (أرخوا اللحى) فمن عمر ظاهره بالسنة في حلق رأسه، إذا حلق يحلق حلاقة عادية لا (تايسون) لأن اسمه في الشرع قزع والقزع منهي عنه، وهو حلق جزء من الرأس وترك جزء، كأن يحلق شعره من الجوانب ومن الخلف ويترك الشعر الذي في الأمام كما هو. ويعمر ظاهره في لبس الثوب، وبالسواك، وبكل ما أمر الله به وأمر به رسوله ﷺ ، إذا عمرت ظاهرك بالسنة أصبحت إسلاماً يمشي في الأرض، الناس الذين يرونك يرون الدين فيك ممثل، أنت تمثل الإسلام.

стр. 341

أكل الحلال إن أكل الحرام يطمس البصيرة، لماذا؟ لأن (كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به) والحديث في مسلم: (الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب! يا رب!) كل هذه وسائل استجابة الدعوة، يطيل السفر والمسافر له دعوة، بعد ذلك أشعث والأشعث الذي عليه علامات الضعف والذل وشعره أشعث ليس مغسولاً، أغبر ليس عنده ماء يغسل من آثار السفر، ثم يمد يديه إلى السماء والله يستحي أن يرد يد السائل صفراً، ويقول: يا رب! ويكرر: يا رب! بأعظم صفة لله وهي الربوبية يا رب! ولكن (ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام -قال الله-: فأنى يستجاب له) كيف نستجيب له وهذا كله مغذى بالحرام وملغم بالحرام؟ والعياذ بالله. وانتبه أن تعمل في البنوك، أو أن تضع أموالك فيها؛ لأنك تأكل حراماً، وإذا كنت تملك دكاكين لا تؤجرها لصاحب الاسطوانات أو أشرطة الفيديو أو أشرطة المسجلات يعني: تسجيلات غنائية، ولا تؤجرها لحلاق يحلق لحى المسلمين، ما من لحية تحلق إلا وعليك إثمها إلى يوم القيامة، بعض الناس عنده عمارة ولحيته وافية، لكن لحى المسلمين تحلق في عمارته، لا تبع الدخان في دكانك حتى ولو كنت لا تدخن، لو كنت تدخن فعليك ذنبك، لكن إذا لم تدخن والدخان يباع في دكانك، ما من سيجارة تباع في دكانك إلا وعليك إثمها إلى يوم القيامة، لماذا؟ لأن من دل على ضلال فإن عليه وزره ووزر من عمله إلى يوم القيامة، ومن دل على هدى كان له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أجورهم ودون أن ينقص من أوزارهم، فلا بد أن يكون دخلك حلال. إذا كنت موظفاً في الدولة أو في شركة يجب أن يكون دخلك حلالاً، كيف يكون دخلك حلالاً؟ أولاً: بالمحافظة على الدوام، فإذا كان الدوام السابعة والنصف فتأتي من بداية الدوام لا تقعد إلى الساعة التاسعة وتأتي آخر الشهر تأخذ الراتب كاملاً وأنت كل يوم تنقص ساعتين من الدوام، من أخذ الأجر حاسبه الله بالعمل، ولا تقل: أنا موظف، وما عندي شغل، أنت أجير عند الدولة، عندك شغل اشتغل، ما عندك شغل اجلس على مكتبك واستعد للعمل، أما أن يتراكم المراجعون على (ماستك) وعلى بابك إلى الساعة التاسعة أو الساعة العاشرة ثم تأتي متأخراً ثم تقوم تفطر ثم تقرأ الجرائد ثم تقضي نصف الوقت في المكالمات، ثم إذا جاءت الصلاة خرجت وبعد الصلاة تقول: انتهى الدوام ارجعوا غداً، هذا لعب وخيانة لولي الأمر، وفي نفس الوقت خيانة للمسلمين، وفي نفس الوقت خيانة لنفسك لأنك أكلت نفسك الحرام وأكلت أولادك الحرام، اذهب للعمل الساعة السابعة والنصف وابق في مكتبك طوال الدوام ولا تتسيب ولا تصرف دقيقة من دقائق العمل إلا في العمل إلى الساعة الثانية والنصف فإنك بعدها تحس بالتعب لكن تأخذ راتبك حلالاً والله يجعل لك فيه البركة. بعض الموظفين راتبه (١٠٠٠٠) ولا يأتي آخر الشهر إلا وهو يستلف، لماذا؟ لا توجد بركة، وبعض الموظفين راتبه (٢٠٠٠) ويوفر منه ويضيِّف ويبني؛ لأن فيه بركة، ليست البركة في العدد، ولكن في الكيفية التي يجمع منها المال، أما الكم فقد يكون الكم كثيراً منزوع البركة فلا خير فيه، وقد يكون الكم قليلاً فيه بركة ففيه خير كثير. وهكذا في كل دخل لك إذا كنت موظفاً في شركة، أو كنت بائعاً في دكان عند عمك، انتبه أن تأخذ ريالاً واحداً؛ لأنه حرام، بعض الناس راتبه ألفين (٢٠٠٠) ريال أو (٣٠٠٠) آلاف ريال، ويبيع وآخر اليوم تكون المبيعات (٣٠٠٠) آلاف ريال فيأخذ منها خمسين ريالاً أو مائة أو عشرين يقول: هذه حق المقاضي، وعمه لا يدري وهذا حرام، انتبه لا تأخذ ريالاً واحداً، كن كـ المبارك ﵁ المبارك - الذي كان مولى -عبد- في بغداد عند مولاه -سيده- وكان مزارعاً في مزرعة لسيده، ثم جاء سيده يوم من الأيام إلى المزرعة من أجل أن ينظر فيها وكان فيها بساتين وثمار، فقال للعبد المبارك: أعطنا رماناً -ومعه بعض الوجهاء- فأتى برمان حامض مثل الليمون، فلما أكلوا منه فإذا طعمه مثل الليمون قال له: يا ولدي! أعطنا غير هذه الرمانة الحامضة، فذهب فأتى برمانة أحمض من الأولى، فقال: لماذا تأتي لنا بالرمان الحامض؟ قال: والله ما أعرف حلوه من حامضه منذ دخلت هذا البستان، قال: لماذا؟ قال: ما أذنت لي آكل منه والله ما أكلت منه حبة واحدة منذ عرفت البستان، قال: أنت في البستان منذ سنوات وما تعرف حلوه من حامضه من أجل الله؟ قال: نعم. قال لمن معه: أشهدكم أن هذا البستان له -أعطاه البستان كله- ومرت الأيام وتبلغ بنت عند هذا الرجل التاجر بنت ذات دين وذات أمانة وذات خلق، بلغت مبلغ الزواج، فيأتي إلى الرجل هذا المبارك -وهو عبد قد أعتقه لوجه الله وأعطاه البستان- وقال له: يا مبارك! قال: نعم. قال: لدي بنت أريد أن أزوجها، فأشر عليَّ من أزوج، قال له: اليهود يزوجون للمال، والنصارى يزوجون للجمال، والعرب الجاهليون يزوجون للحسب والنسب، وأتباع محمد ﷺ يزوجون للدين، ابحث عن أهل الدين، ابحث عمن تنتمي إليهم، إن كنت من اليهود ابحث عن رجل (مليونير) وإن كنت من النصارى فابحث عن أشقر أو أحمر، وإن كنت من أصحاب أبي جهل فابحث لك عن فلان بن فلان بن فلان، وإن كنت من أتباع الرسول ﷺ فابحث عن مؤمن يخاف الله، فقال الرجل: والله ما أظن أحداً على وجه الأرض أدين منك، أنا زوجتك ابنتي، قال: قبلتها، فتزوجت بهذا الرجل وولدت له عبد الله بن المبارك إمام من أئمة التابعين ﵁ وأرضاه. فاترك المال الحرام، فمن ترك حراماً من أجل الله عوضه الله خيراً منه. تذكر كتب العلم: أن رجلاً حج قبل أربعين سنة من أهل مصر إلى بيت الله الحرام، وانتهى به الحج ولم يرجع، وظل يبحث عن عمل فلم يجد، ومرت عليه أيام وليالي ما ذاق طعم العيش، خرج من المسجد الحرام يوماً من الأيام في صلاة الظهر وإذا به يجد أمام الباب منديلاً أخضر ففتحه وإذا بداخله عقد بمائة ألف درهم -عقد لؤلؤ- فوضعه في جيبه، وقال في نفسه: والله إن فرحتي بهذا العقد لا تعدل حزن صاحبه عليه، ثم جلس في مكانه، وإذا بذلك الرجل يصيح: يا جماعة الخير! من وجد منديلاً صفاته كذا وكذا، فلما سمعه ناداه فقال له: ما هو لونه؟ قال: أخضر، قال: ما الذي داخله؟ قال: عقد، قال: هل هو هذا؟ قال: نعم. قال: تفضل، فأخرج ذاك ألف درهم وأعطاه إياها، قال: والله لا آخذ شيئاً إلا من الله وهو يموت جوعاً، قال: لو أني كنت آخذ المال لأخذت العقد مع أن المال حلال لو أخذه، لكن قال: والله ما آخذ جزائي وثوابي إلا من الله، أخاف آخذ المال فيمنعني مما عند الله. وخرج وظل أياماً وليالياً يبحث عن عمل حتى وجد له عملاً بسيطاً، ثم استطاع أن يصل إلى جدة، ومن جدة ركب البحر يريد بلده، وفي البحر تضطرب السفينة وتغرق ويغرق كل ركابها إلا هذا الرجل نجاه الله على لوح خشب، وظل أياماً وليالياً وهو يسبح في البحر والبحر يتقاذفه والأمواج تتلاطم به، إلى أن قذفت به الأمواج إلى ساحل البحر في منطقة وقام يمشي ووصل إلى قرية من قرى أهل الساحل وجلس عندهم أياماً وليالياً، وكان صاحب دين وصاحب قرآن، وهم أهل خير أحبوه، قالوا: يا شيخ! اجلس معنا، قال: والله أجلس معكم، ولم يرجع إلى بلده، وصار يصلي بهم الصلوات الخمس، وصار يعلم أولادهم القرآن، مكث عندهم حتى أصبح الرجل الأول والأخير فيهم، وعزموا على أن يزوجوه، فقالوا: يا شيخ! أنت الآن منا وأصبحت من أفضلنا، ونريد أن تسكن معنا دائماً ونريد أن نزوجك، قال: ما عندي شيء، قالوا: كل شيء جاهز، استأجروا له بيتاً، ودفعوا المهر، وجاءوا بالبنت وعقدوا ودخل على الزوجة في ليلة العرس، ولما دخل عليها في ليلة عرسها رأى تلك المرأة الجميلة وعلى صدرها العقد الذي رآه في مكة -نفس العقد الذي وجده في مكة هو على صدر البنت- فلما رأى العقد على المرأة رجع وقال: أين والد العروس؟ فلما رآه قال له: هل حجيت قبل سنوات طويلة؟ قال: نعم. قال: حصل لك شيء في الحج؟ قال: نعم. قال: ماذا حصل؟ قال: أنا صاحب مال وعندي بنت وحيدة وحجيت واشتريت لها عقداً بمائة ألف درهم ووقع مني عند باب المسجد فوجده رجل ابن حلال وأعطاني إياه وأعطيته جائزة ولم يأخذها، ونذرت في نفسي إن لقيته في الحياة لأزوجه بهذه البنت، لكن ما لقيته، والبنت كبرت فزوجناك، قال: أنا ذلك الرجل، وبدأ يعانقه ويسلم عليه من جديد، ويدخل البيت على البنت وإذا قد العقد معه امرأة، لماذا؟ (من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه). انتبه يا أخي! لا تأكل الحرام، لا تقل: الدكان إذا أخرجت منه بائع الدخان يبقى الدكان من غير مستأجر، ليكن كذلك، لا تقل: الشقة إذا أخرجت منها المستأجر الذي لا يصلي في المسجد -وأنت تعرف أنه لا يصلي- لا تُؤجر، ولتكن الشقة فارغة طوال حياتها. لا تأوي محدثاً (لعن الله من آوى محدثاً) وأعظم محدث في دين الله من لا يصلي فرائض الله، حتى يكون راتبك حلالاً، وإيجار شققك حلالاً، وإيجار دكاكينك حلالاً، وحياتك حلالاً، وأولادك حلالاً، وطعامك حلالاً، وتكون حياتك حلالاً، من أجل أن يرضى الله عنك، وأيضاً يطلق بصيرتك وتصبح تنظر بنور الله؛ لأنك قدمت محبة الله في الحلال، وقدمت محبة الله في النظر إلى الحلال، وقدمت محبة الله في عمارة ظاهرك بالسنة، وقدمت محبة الله في عمارة باطنك بالتقوى والمراقبة، وقدمت محبة الله بكف نفسك عن الشهوات المحرمة، وأيضاً قدمت محبة الله في فعل الفرائض التي هي أحب شيء إلى الله، ثم قدمت محبة الله في الزيادة في النوافل حتى أصبحت محبوباً عند الله، وإذا أحبك الله توجهت إليك السعادة من كل جانب. أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقنا وإياكم حبه، وحب من يحبه، وحب كل عمل يقربنا إلى حبه، اللهم اجعل ما رزقتنا عوناً لنا على ما تحب، واجعل ما زويت عنا فراغاً لنا فيما تحب، واجعل حبك أحب إلى قل

стр. 342

الأسئلة

стр. 343

حكم من يقتصر في السلام على السلام عليكم دون ورحمة الله وبركاته السؤال رجل إذا قيل له: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قال: ذبحتمونا برحمة الله وبركاته، قولوا: السلام عليكم فقط؟ الجواب هذا مسكين مطموس البصيرة، ولو أتيت تحسب الكلمات التي تكلم بها لوجدت ملايين الكلمات الفاضية، وإذا جاءت رحمة الله وبركاته ثقلت عليه؛ لأنه منكوس. أما عرفت يا أخي! أن في كلمة السلام عليكم عشر حسنات، وفي كلمة السلام عليكم ورحمة الله عشرون حسنة، وفي كلمة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثلاثون حسنة. دخل رجل على النبي ﷺ فقال: (السلام عليكم، قال: وعليكم السلام عشر، جاء الثاني قال: السلام عليكم ورحمة الله، قال: وعليكم السلام ورحمة الله عشرون، دخل الثالث وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ثلاثون، فلما سألوا الرسول قال: الأول قال: السلام عليكم فكانت له عشر حسنات، والثاني قال: ورحمة الله فكانت له عشرون حسنة، وقال الثالث: وبركاته فكانت له ثلاثون حسنة)، لا يضيع ثلاثين حسنة إلا محروم، يعني: لسانك يتعب من رحمة الله وبركاته، لماذا ثقلت عليك هذه الكلمات ولم تثقل عليك الكلمات الأخرى؟ لكن ذكر الله ثقيل على القلوب المريضة -والعياذ بالله- والله يقول: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] إذا قال لك شخص: السلام عليكم، قل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هذه أحسن منها، وإذا ما قدرت قل: وعليكم السلام (أو ردوها مثلها) لكن بعض الناس يقول: السلام عليكم قال: هلا، السلام عليكم قال: مرحباً، قلت: السلام عليكم قال: أهلين، ما هذه الهلهلة والمرحباً، أقول: السلام عليكم يا أخي! فيبقى يهلهل لي طوال الليل، لا. قل: وعليكم السلام؛ لأنه دعاء أما هلا هلا فليست بدعاء.

стр. 344

أساليب المشركين في محاربة الدعوة منذ بداية الدعوة الإسلامية والمشركون يسعون للحيلولة دون وصولها إلى الناس بأساليب مختلفة، منها: محاولتهم صد النبي ﷺ عنها بالتأثير على عمه أبي طالب، وإلصاق التهم به، والاستهزاء به والسخرية منه والتعالي على أصحابه، وتحذير الناس منه وطلب المعجزات للتحدي والإعجاز، ثم ساوموه على التنازل عن بعض مبادئه مقابل إغراءات دنيوية، لكن النبي ﷺ كان ثابتاً أمام هذه التحديات، فلم يفتر ولم يركن إليهم، وواجه تلك الأعباء حتى انتشر نور الإسلام في أرجاء الأرض.

стр. 345

فضيلة مجالس الذكر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. أما بعد: أيها الأحبة في الله! مرحباً بكم وحياكم الله على مائدة العلم والإيمان، تلك المائدة التي ترفع العمر وتباركه وتزكيه، المائدة الربانية، التي من أقبل عليها ورتع فيها وعاش في ظلالها أدرك السعادة بحذافيرها، ونال خيري الدنيا ونعيم الآخرة. ومجالس العلم هي مجالس الهدى، ومجالس النور، ومجالس الروح، ومجالس الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة، وحاجة القلوب إلى سماع العلم الرباني والهدي السماوي أعظم من حاجة الأرض إلى نزول الغيث، فكما أن المطر هو غيث الأرض، كذلك الذكر والعلم هو غيث القلوب، وكما أن المطر إذا انقطع عن الأرض اغبرت وأقفرت وانقطع خيرها وكثر شرها، كذلك القلوب إذا انقطع عنها الغيث السماوي، وانقطع عنها العلم القرآني، والهدي الرباني، قست وتحجرت وأظلمت، وكثر شرها وانعدم خيرها، وما ترونه اليوم في كثيرٍ من الأحوال من قسوة في القلوب وتحجر في العيون، وجرأة على المعاصي وكسل في الطاعات؛ كل هذا بسبب حرمان القلوب من سماع ذكر الله ، ومن بعد القلوب عن مجالس الرحمة، هذه المجالس التي تحفها الملائكة، وتغشاها السكينة، وتنزل على أهلها الرحمة، ويذكر الله الجالسين فيها عنده في الملأ الأعلى، أي كرامة أعظم من هذه الكرامات وأي عزة يبلغها الإنسان أعظم من هذه العزة، أن تجلس والملائكة تحفك، والسكينة تنزل عليك، والرحمة تغشاك، ويباهي بك الله في الملأ الأعلى، فهنيئاً لكم -أيها الإخوة- وأسأل الله أن يجعل هذه الجلسة التي نقضيها في هذا المجلس ثواباً في موازيننا يوم نلقى الله .

стр. 346

دعوة لدراسة السيرة النبوية أيها الإخوة! دراسة السنة أو السيرة النبوية الطاهرة من الضرورات للمسلم؛ لأن السيرة هي التطبيق العملي الصحيح لتعاليم الكتاب والسنة؛ ولأن الرسول ﷺ والجيل الأول جيل الصحابة الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ هم الذين تمثلوا هذه التعاليم، وأبرزوها في واقع الحياة، ولذا من الضروري أن نترجم تلك المعاني التي نقرأها نصوصاً في الكتاب والسنة، نجد لها ترجمة عملية في واقع الحياة في سيرة رسول الله ﷺ وفي تطبيق أصحابه ﵃ في السلف الأول وفي القرون المفضلة. إن دارسة السيرة النبوية من الأوليات ومن الضروريات حتى تعرف كيف تعبد الله، وكيف تتعامل مع الحياة من حولك، وكيف تدعو إلى الله، وكيف تنظر إلى المجتمع، وكيف تنظر إلى الفرد، وكيف تنظر إلى الأمة، تلك النظرات لا تكون صائبة ولا مسددة إلا إذا كان الإنسان على علم وعلى فهم بسيرة النبي ﷺ . وقد درسنا طرفاً من هذه السيرة في الجلسات الماضية، واليوم نستأنف هذه المجالس لنتعرف على سيرة الحبيب العطرة صلوات الله وسلامه عليه، وعنوان هذا الدرس هو: (أساليب المشركين في محاربة الدعوة). حينما أمر النبي ﷺ بأن يصدع بما يؤمر به من الدين وأن يعرض عن المشركين، استجاب الرسول ﷺ لهذا الأمر، وشمر عن ساعد الجد، وصدع بالحق، ودعا إلى هجر الأوثان، وإلى عبادة الرحمن، وبين حقائق الإسلام، ودحض أباطيل وشبهات المشركين التي عشعشت في عقولهم وخيمت على قلوبهم، وعندما رأى المشركون في مكة أن أثر هذه الدعوة لم يكن محدوداً كما كان الحال في الماضي، وإنما رأوا أن هذه الدعوة بدأت تنتشر وتنفذ إلى قلوب الناس في القريب والبعيد، بدءوا في المواجهة للصد عن دين الله ولإطفاء نور الله، وسلكوا في ذلك أساليب متعددة.

стр. 347

محاولة التأثير على عم النبي ﷺ من أبرز تلك الأساليب: محاولة التأثير على عمه أبي طالب حتى يكفه عن الدعوة أو يجرده من الحماية والجوار الذي كان يتمتع به في ظل وجود عمه أبي طالب، فقد ذهبت مجموعة من أشراف قريش إلى أبي طالب وقالوا له: إن ابن أخيك سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفنا أو تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه؛ لأن أبا طالب كان على الشرك ومات عليه، لكنه كان يحمي النبي ﷺ ، حتى قال ﵊: (ما زلت في عز ومنعة حتى مات أبو طالب). وما نال المشركون منه شيئاً حتى مات أبو طالب، كان يشكل الحماية الخارجية، ولهذا سمي العام الذي مات فيه أبو طالب وماتت فيه خديجة سمي (عام الحزن)؛ لأنه انكشف ظهر النبي ﷺ في المواجهة الخارجية، وأيضاً فقد الدعم الداخلي في المنزل من صاحبة الرأي والمشورة، وصاحبة المواقف البارزة وهي خديجة بنت خويلد ﵂ وأرضاها، فحزن ﷺ حزناً عميقاً بعد وفاة أبي طالب ووفاة خديجة، ولذا قال الكفار لـ أبي طالب: إنك على مثل ما نحن عليه. أي: أنت مشرك مثلنا، والذي يتعرض لنا هو -أيضاً- ينالك أنت أولاً، فقال لهم أبو طالب قولاً رفيقاً ورد عليهم رداً جميلاً وانصرفوا عنه، لكن لم يستجب أبو طالب لهم ولم يتكلم على النبي ﷺ . ومضى الرسول ﷺ على ما هو عليه، يدعو إلى دين الله، ويستمر في نشر الدعوة، وهنا غضبت قريش وحقدت على النبي ﷺ ، وجاءوا مرة أخرى إلى عمه أبي طالب، لكن جاءوا إليه بأسلوب آخر، الأسلوب الأول كان طلباً، الأسلوب الثاني تهديداً وقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا -أي: لك مكانة- لست رجلاً مغموراً ولا رجلاً هامشياً؛ لأنه من أشرافهم وكبرائهم، فذكروه بمكانته وبمنزلته، قالوا: لك سن، ولك شرف، ولك منزلة فينا، وإنا قد استنهيناك عن ابن أخيك فلم تنهه عنا، وأقسموا له بأنهم لن يصبروا على أفعاله حتى يكفه عنهم أو ينازلوه -أي: ينازلوا أبا طالب، حتى يهلك أحد الفريقين- عند هذا عظم خطب أبي طالب؛ لأنه شق عليه أن يفارق قومه ويعاديهم، وأيضاً شق عليه أن يسلم الرسول ﷺ ويخذله، ولذا استدعى النبي ﷺ وأبلغه بالذي قاله له الكفار، وطلب منه أن يبقي عليه وعلى نفسه، وألا يحمله من الأمر ما لا يطيقه، وقال له: وضعتني في خيار صعب: إما أن أسلمك لهم، وإما أعاديهم، وكلاهما صعب، فالأفضل والحل الوسط أنك تتركهم وتترك آلهتهم وتترك محاربتهم؛ حتى لا تعرضني أنا لضرر منهم، أو تعرض نفسك لأذى لا تطيقه؛ لأنه ليس بإمكانك أن تواجه القبيلة بأسرها. وفي رواية لـ ابن إسحاق: أن النبي ﷺ لمس من عمه في هذه العبارات الضعف والإشارة إلى عدم القدرة على نصرته، ولذا قال له في جواب عظيم: (والله يا عم! لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه) ثم بكى رسول الله ﷺ . فقد علق ترك الدين والدعوة إليه على المستحيل، يقول: على فرض أنهم جاءوا بالشمس ووضعوها -وهذا مستحيل- في يميني والقمر في يساري -وهذا مستحيل- ما تركت، حتى لو فعلوا المستحيل، حتى يظهره الله أو أموت دون هذا الدين، ثم بكى ﷺ ، ولم يبكِ ﷺ بكاء الضعيف، ولكنه بكاء الشجاع الذي يقول هذه الكلمات العظيمة التي تهتز الجبال الرواسي أمامها وأمام قوتها وصلابتها، ثم يستجيش العاطفة في قلب أبي طالب، وكأنه يقول له: أنت عمي وما أرى أن تخذلني، ثم قام من عند عمه، وولى عنه، فلما ولى ناداه أبو طالب، وقال: أقبل يا ابن أخي، فلما أقبل قال: اذهب على ما أنت عليه فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لهم أبداً. ولهذا كان النبي ﷺ حريصاً على إسلامه؛ ليس لأنه عمه من حيث النسب، لا. ولكن لمثل هذه المواقف التي وقفها في حماية الدعوة، ولهذا كان حريصاً حتى آخر لحظة من لحظات حياته، وهو يلفظ الروح جاء إليه يقول: (يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله) يريد فقط مبرراً وحجة، يقول: لا إله إلا الله، ما عاد في صلاة ولا صوم، لكنه وبتأثير من قرناء السوء الذين قالوا له: أترغب عن ملة عبد المطلب، فنظروا إليه ونظر إليهم، ثم قال في آخر لحظة من لحظات حياته: على ملة عبد المطلب. ومات مشركاً. فالنبي ﷺ قال: (والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك) فاستغفر ﷺ لعمه، فأنزل الله النهي له وللمؤمنين من بعده إلى يوم القيامة، وقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣] لأن القرابة قرابة العقيدة، والصلة صلة الدين، فإذا كان ليس على مثل ما أنت عليه من الدين فلا صلة ولا قربى، ولو كان أباك، ولو كان ولدك، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢] لماذا؟ ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة:٢٢] من كتب الله في قلبه الإيمان تجد في قلبه التجرد، والحب في الله والبغض في الله، يحب عباد الله ولو كانوا من أبعد مكان ومن أي لون ومن أي جنس، ويبغض أعداء الله ولو كانوا أقرب الأقربين إلى نفسه، ولهذا نوح ﵇ لما قال الله له: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [المؤمنون:٢٧] ظن ﵇ أن معنى أهلك أي: أهلك في النسب، زوجتك وأولادك وجماعتك، فركب وركب أهله لكنه ابنه أبى أن يركب، قال: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا * قَالَ سَآوي إِلَى جَبَلٍ﴾ [هود:٤٢ - ٤٣] فقال نوح لربه: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود:٤٥] أنت قلت: وأهلك، وهذا من أهلي، أي: لا تغرقه، دعه يسلم مع بقية الناس، قال الله له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦] وهو ابن نوح، لكن الله ينفي عنه الأهلية، ويقول: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦] ما دام ليس هو على دينك، ليس من أهلك. وكذلك -أيها الإخوة- هذا هو الضابط ويشكل مبدأ من مبادئ المسلم وهو: أن يحب في الله ويبغض في الله، ولهذا جاء حديث في صحيح مسلم وصحيح البخاري: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار). فكان موقف النبي ﷺ من أبي طالب بسبب مواقفه تلك التي وقفها، لكن لما نهاه الله لم يعد يستغفر له، وقد خفف على أبي طالب من العذاب في النار، ولكن لا تخفيف في النار، جعله الله في ضحضاح من نار، والضحضاح في اللغة هو: الماء الذي يغطي الكعب، فالنار تغطي أهل النار كلهم إلا أبا طالب فالنار إلى كعبه فقط، ما رأيكم هل هذا تخفيف؟ هل تستطيع أن تمشي في النار، إذا أتيت مكاناً حاراً هل تمشي عليه؟ جرب عندما تخرج من الحرم وما معك حذاء، فتمشي من الباب إلى السيارة لا تستطيع المشي، تنسلخ رجليك من حرارة الأرض فكيف بالنار! ولهذا لا يرى أبو طالب أن في النار أشد عذاباً منه، وهو في ضحضاح من نار -نعوذ بالله وإياكم من عذاب النار-. في هذا الموقف وفي هذا الأسلوب عبرة وحكمة وهو: أن هذا الموقف القوي من الرسول ﷺ من المشركين ينسجم مع ما أمر به من البلاغ، فإن الله فقال له: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر:٩٤] وبعد ذلك طمأنه قال: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ﴾ [الحجر:٩٥]. موقف فيه عبرة وهو موقف أبي طالب، وهذا الموقف عجيب: مشرك وكافر ولكن يقوم بهذه الخدمة للدين، وليس لهذا تفسير، وقد اجتهد العلماء على هذا منهم ابن كثير قال: إن الله امتحن قلب أبي طالب بحب محمدٍ ﷺ حباً طبيعياً لا حباً شرعياً؛ لأنه لو أحبه حباً شرعياً لأحب دينه، لكن أحبه حباً طبيعياً؛ لأنه ابن أخيه، وكان استمراره على دين قومه من حكمة الله، ومما صنعه لرسوله من الحماية، إذ لو أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي مكة وجاههة ولا مكانة، ولحاربوه مثلما حاربوا غيره من المسلمين، لكن ليحمي رسول الله بقي على دين قومه، ولما هابوه واحترموه، لو عرفوا أنه قد أسلم لتجرءوا عليه ولمدوا أيديهم عليه وألسنتهم إليه بالسوء، ولكن سبحان الله! ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨]. وقد قسم الله العباد إلى أقسام: فهذان العمان كافران، أبو طالب وأبو لهب، اثنان أحدهما يحمي والآخر يحارب، فـ أبو طالب

стр. 348

إلصاق التهم والادعاءات الباطلة بالنبي ﷺ من الأساليب التي طرقها الكفار بعد هذا الاتجاه إلصاق التهم والادعاءات الباطلة؛ لتشويه صورة النبي ﷺ في أذهان الناس؛ لأنهم رأوا النفوذ قوياً، والاستجابة جارفة، وأيديهم تفلس، والناس ليس في مكة فقط بل في الطائف والمدينة في كل مكان بدءوا يدخلون في الدين، فما بقي إلا التضليل الإعلامي والتشويه لصورة النبي ﷺ في أذهان الناس، فألصقوا به العديد من التهم.

стр. 349

اتهام النبي ﷺ بأنه مجنون منها: اتهامه بالجنون، كما قال الله عنهم: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر:٦] وقد أجابهم النبي ﷺ في أول سورة القلم: ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم:١ - ٢] ويكفيه تزكية الله له. وأيضاً يحكي الله هذا عنهم ويقول: إنهم يقولون: ﴿إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم:٥١] وهذا من عجائب الأمور أن تنعكس المفاهيم، وتنقلب التصورات، ويوصف أعقل البشرية وأهدى الإنسانية المعلم الأول للإنسانية بأنه مجنون، وهم أصحاب القلوب المتحجرة، وأصحاب العقول المنكوسة الضالة هم العقلاء، وهم يعبدون الأحجار، ويزنون بحلائل الجار، ويشربون الخمور، ويفعلون المنكرات، ويصفون أنفسهم بأنهم أصحاب العقول، ومن يأتي لينقذهم من هذه الضلالات ويحررهم من هذه الخرافات والخزعبلات يوصف بأنه مجنون، هذا والله من عجائب الأمور، ولذا فقد توجه مثل هذه التهم إلى بعض الناس في كل زمان وفي كل مكان، ولكن يكفيك -يا أخي- أنك على الحق.

стр. 350

اتهام النبي ﷺ بأنه ساحر أيضاً من اتهاماتهم وتشويه صورة النبي ﷺ في أذهان الناس: أنهم اتهموه بأنه ساحر، يقول الله : ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص:٤] ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ [الفرقان:٨]. وقد تحير الوليد بن المغيرة حينما أرسله كفار قريش ليفاوض النبي ﷺ ويساومه على تقديم أي شيء يريده نظير أن يترك الدين، قال له: يا ابن أخي! إن كنت إنما أتيت بما جئت به تريد مالاً جمعنا لك حتى تكون أغنانا، وإن كنت تريد جاهاً سودناك أي: جعلناك ملكاً، وإن كنت تريد زوجاً زوجناك بأجمل فتاة، وإن كان الذي يأتيك رئي من الجن -أي: يأتيك شيء من الجن صرع- بذلنا لك حتى نعالجك، فقال له النبي ﷺ : اسمع يا أبا الوليد، وقرأ عليه فواتح سورة فصلت، حتى بلغ قول الله : ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ [فصلت:١٣] فوضع يده على فم النبي ﷺ وخاف من الصاعقة، قال: أسألك الله والرحم، ثم رجع وقد تغير موقفه، بناء على سماع القرآن، وقال: والله يا قوم! إن لكلامه لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمورق، وإن أسلفه لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، والله ما هو بالشعر ولا بالنثر. فلما قال هذه الكلمات نخر في كفار قريش، قالوا: أصبأت يا أبا الوليد؟ ماذا يقول السفهاء إذا سمعوا كلامك؟ والله لا تقوم حتى تقول فيه قولاً يؤثر عنك، قم فكر، قال: دعوني أفكر، فقام وفكر، ثم فكر، ثم قدم وأخر، فلعن كيف قدر، وقال كما قال الله عنه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ [المدثر:١١] يقول: اتركني يا محمد، اترك هذا الذي يقول هذا الكلام: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيداً﴾ [المدثر:١٢ - ١٦] الآيات الواضحات والدلائل البينات التي سمعها ورفضها موقفه منها العناد ﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيداً﴾ [المدثر:١٦] والجزاء: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ [المدثر:١٧] صعود جبل في جهنم اسمه صعود، سيكلف بصعود هذا الجبل، لماذا؟ قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:١٨ - ٢٥] قال الله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٢٦ - ٣٠] والعياذ بالله. وكانوا يتلقون الركبان والذين يقدمون إلى مكة ويحذرونهم من أمر النبي ﷺ ، وكانوا يقولون: إنه ساحر يفرق بين الرجل وبين ولده، وبين الزوج وزوجته، ولكن لم يكن الناس يستجيبون لهم، إلا البسطاء المغفلين، وأما العقلاء فيقولون: نسمع منه، ومنهم: الطفيل بن عمرو الدوسي، هو من أشراف قومه، ومن نبلاء عشيرته، رجل عظيم من بلاد زهران، من بلاد دوس، دخل مكة وتلقوه على أبوابها، وقالوا: هذا قطن ضعه في أذنك، قال: لماذا؟ قالوا: هناك رجل عند الكعبة إذا سمعته يسحرك، يقول: فوضعت الكرسف -القطن- في أذني وجئت أطوف، وإذا بي أسمع، قلت: حسناً يا طفيل أنت رجل عاقل ولبيب، أخرج القطن واسمع إن كان خيراً، فلما سمع القرآن قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداًً رسول الله. الله أكبر! لا إله إلا الله!

стр. 351

اتهام النبي ﷺ بالكذب أيضاً من الاتهامات الباطلة التي رمي بها النبي ﷺ : اتهامه بالكذب، وهم يعرفون أنهم كاذبون، وأن أصدق البشرية على الإطلاق هو محمد ﷺ ، إذ لم يعرفوا عنه كذبة واحدةً في حياته قبل الرسالة ولا بعد الرسالة، أربعين سنة ما كذب كذبة واحدة على الناس، هل يتصور أن يكذب على الله؟! ولهذا قال هرقل لـ أبي سفيان لما سأله قال: أتتهمونه بالكذب؟ قال: لا. وأبو سفيان كان كافراً، ولو عرف أنه يكذب كذبة واحدة عن الرسول ﷺ لقالها، لكن لا يستطيع، لماذا؟ لأنه يوجد أناس وراءه، قال هرقل: إذا كذب أخبروني. وكان يخشى أبو سفيان أن يقول كلمة فتنقل عنه كذبة، وكانوا يتعيرون بالكذب في الجاهلية، قال هرقل بعد ذلك: سألتك هل جربتم عليه كذباً؟ فقلت: لا. فقلت: ما كان ليدع الكذب على الناس ثم يكذب على الله، بل هو الصادق المصدوق ﷺ . وكانوا يسمونه -أيضاً-: مفترٍ. يقولون: كما قال الله عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان:٤]. وقالوا: إنه يكتتب هذه الآيات، وهذه الآيات سموها أساطير، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان:٥] وقالوا: إن هذا الكلام ليس من عند الله وإنما يتعلمه من الناس، لكن من الذي يتعلمه منه؟ نسبوا هذا إلى رجلٍ أعجمي، كان يصنع السيوف في مكة، وكان النبي ﷺ يجلس عنده ينظر إلى صنعته قبل البعثة، فأخذوا بأثر رجعي، قالوا: نعم كان يجلس عنده إذاً هو الذي علمه. قال الله ليبطل هذه الشبهة: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل:١٠٣] لكن ماذا؟ ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣] كيف يعلمه وهو أعجمي؟! فالأعجمي لا يعرف الكلام بالعربية، وإذا تكلم تكلم بغير الفصحى، وهذا قرآن عربي بلسان مبين، وقد عجزتم أنتم أيها الفصحاء والبلغاء، ملوك البيان وأساطير الفصاحة في العالم -قريش- أن تأتوا بمثله، أو بعشر سور مفتريات من مثله، أو بسورة واحدة، ثم أقام التحدي عليهم وعلى الجن إلى يوم القيامة: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ [الإسراء:٨٨] ليس الإنس فقط ﴿عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨] كيف يأتي به من عند أعجمي؟!! انظروا الضلال والعقول المقلوبة، هذه كلها افتراءات باطلة.

стр. 352

لجوء المشركين إلى الغمز والضحك على النبي ﷺ ولما لم تنجح تلك الأساليب وهي أساليب إلصاق التهم؛ لأن التهم لا تلصق إلا بصاحبها، الثوب النظيف نظيف، لا يلصق به أي شيء، لكن المتسخ والملوث يمكن أن تلصق به أي شي، أما الثوب النظيف فأي شيء تضعه عليه يظهر، فكان النبي ﷺ نظيف في حياته، أنظف مخلوق على وجه الأرض، اختاره الله، كما قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] يقول ﵊: (اختارني الله ، فأنا خيار من خيار) ﷺ ، ما اجتمع عليّ أو لي أبوان على باطل، أو على سوء، من آدم إلى محمد ﷺ . لما عجزوا أن يلصقوا به شيئاً من التهم الباطلة، لجئوا إلى الغمز واللمز والضحك والاستهزاء والسخرية والتعالي على المؤمنين، وأوضح الله جل وعلا هذا في كتابه، يقول الله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام:٥٣] يقولون: لم يجد الله من يمتن عليهم إلا هؤلاء الضعفاء: بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وابن مسعود الهذلي، ضعفاء القوم، أي: أنتم الذين تدخلون، لماذا لم ينزل القرآن على رجل صاحب شخصية؟ وقالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] ما وجد الله إلا أنت يا محمد؟ قال الله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف:٣٢] فالله هو الذي قسم الرحمة بين العباد. وروى البخاري في صحيحه: أن امرأة قالت للرسول ﷺ -امرأة مشركة كافرة- وهي ساخرة ومستهزئة: إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثاً -تقول: لماذا لم يأتك شيطانك؟ أي: تتصور أن الذي يأتي بالوحي أنه الشيطان- فأنزل الله : ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:١ - ٣]. وروى البخاري -أيضاً-: أن أبا جهل قال مستهزئاً متحدياً كما قال الله: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢] فنزل قول الله : ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢] قال الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣] وجود النبي ﷺ كان أماناً من العذاب ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الأنفال:٢٣ - ٣٤]. وذكر ابن إسحاق حديث العراشي الذي باع لـ أبي جهل الإبل ومطل بأثمانها، فـ أبو جهل كافر مماطل خبيث اشترى من شخص من قبيلة عراش قطيعاً من الإبل، ثم وعده بأن يعطيه الثمن بعد ذلك وماطله، فلما جاء الأعرابي إلى قريش قالوا له: ما تريد؟ قال: أبو جهل اشترى مني ولم يعطني المال، قالوا: تريد رجلاً يعطيك؟ قال: نعم. قالوا: اذهب إلى محمد، لماذا؟ من باب الاستهزاء والتهكم؛ لأن وضع النبي ﷺ في مكة مستضعف، لا يستطيع أن يحمي نفسه، وأبو جهل هو سيد القوم وكبيرهم، فالأعرابي جاء إلى النبي ﷺ وشكا إليه، فذهب معه النبي ﷺ إلى أبي جهل، وقال له: أعطه حقه، قال: حسناً وذهب أبو جهل وأعطاه ماله، ما له كاملاً، فلما سمعت قريش أنه أعطاه، سألوه، قالوا: ما هذا؟ كيف تعطيه؟ كيف سلمته؟ قال: ويحكم والله ما هو إلا أن طرق بابي، وسمعت صوته حتى ملئت رعباً وفزعاً، ثم خرجت إليه وإن فوق رأسه لفحلاً من الإبل فاغراً فاه ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه، والله لو أبيت لأكلني. فقد كان فاغراً فاه الناب الأعلى عند رأسي والناب الثاني عند رجلي، يريد أن يبلعني. وقد ذكر الله أنهم كانوا يسخرون من الرسول ﷺ ويستهزئون به، يقول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٠] كل شخص يقول: انظر ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين:٣١]. وهذه الآية وإن كانت تفسر حادثة من حوادث الزمن في عهد النبي ﷺ ، إلا أنها خلق العصاة والمجرمين في كل زمان، وهو الاستهزاء بالذين آمنوا، ولذا انتبه واحذر من أن تستهزئ بشيء فيه ذكر الله؛ لأنه يعرضك للوقوع في الكفر والعياذ بالله. ثبت -أيضاً- من طرق صحيحة في مسند أحمد في بعض الأحاديث: أن أشراف قريش اجتمعوا يوماً في الحجر وتذاكروا أمر النبي ﷺ ، وبينما هم في شأنه إذ طلع عليهم النبي ﷺ وهو يطوف بالبيت، فسكتوا، ثم بدءوا يغمزونه، فقال لهم: (يا معشر قريش أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح) وكان في وقته وقت ضعف الإسلام والمسلمين لا يقدر أحدهم أن يسلم، فالذي يسلم يحارب، ومع هذا يقول لهم هذه الكلمة لرفع شعار من شعارات التقوى، وهذا يدل على قوة النبي ﷺ وشجاعته، وعلى رده على استهزاء هؤلاء، ومن منطلق الاستعلاء والكبرياء على الصحابة قالوا للنبي ﷺ : لا نجالس هؤلاء -أي: صهيباً وبلالاً وخبيباً - اطردهم عنا، اجعل لنا مجلساً، فهمَّ النبي ﷺ أن يوافق ويجعل لهؤلاء مجلساً ولهؤلاء مجلساً طمعاً في إسلامهم، فأنزل الله : ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٢] ويقول : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨]. وفي يومٍ من الأيام مر صلوات الله وسلامه عليه على مجموعة من المشركين فاستهزءوا به، فغاضه وامتلأ قلبه غيضاً، فأنزل الله عليه: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام:١٠]. ومن كبار المستهزئين الذين تولوا كبر الاستهزاء والسخرية بالنبي ﷺ مجموعة: منهم: الأسود بن عبد المطلب بن أسد، والأسود بن عبد يغوث، والوليد بن المغيرة المخزومي أبو خالد بن الوليد ﵁، والعاص بن وائل السهمي أبو عمرو بن العاص ﵁، والحارث بن الطلاطلة الخزاعي، فأنزل الله في هؤلاء: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ﴾ [الحجر:٩٥] أي: سوف نقضي عليهم، وقد ثبت أن جبريل رمى في وجه الأسود بن عبد المطلب ورقة خضراء فعمي، أذهب الله بصره وطمس عينيه؛ لأنه كان مستهزئاً كبيراً، ومر الأسود بن عبد يغوث بجبريل فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه -انتفخ- حتى صار مثل الجرة ثم مات، ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى جرح صغير في أسفل كعبه فانتقض الجرح، وكان قبل سنين قد سل، فانتقض الجرح ثم مات، ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص رجله فخرج على حمار يريد الطائف، فربض به حماره على نبات خفيف فدخلت شوكة في أخمص رجله فقتلته، ومر به الحارث بن الطلاطلة فأشار إلى رأسه فتحرك الصديد فيه وقتله، ومن كبار المستهزئين أبو جهل وأمية بن خلف، والنضر بن الحارث، والأخنس بن شريح، وأبي بن خلف، وهؤلاء كلهم قتلوا وقضي عليهم في معركة بدر وبعدها، نصراً لنبيه ﷺ .

стр. 353

تشويش المشركين على النبي ﷺ وطلب المعجزات من الأساليب -أيضاً-: أسلوب التشويش بإحداث ضجة عندما يقرأ النبي ﷺ القرآن، حتى لا يسمع أحد القرآن فيفهم مراد الله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت:٢٦] أي: أحدثوا لغواً وضوضاء ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦] لكن هذا الأسلوب لم ينجح. طلبوا من النبي ﷺ في نوع من التحدي والتعجيز، أن يأتي بالمعجزات ومزايا ليست عند البشر، من ذلك قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٧] ما هذا؟! رسول يأكل مثلنا ويمشي معنا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان:٧] يمشي معه ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ [الفرقان:٧ - ٨] ويقولون أيضاً: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ [يونس:١٥] يقولون: هذا القرآن لا نريده ﴿أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس:١٥] هات شيئاً آخر، فرد عليهم بقوله: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس:١٥] ما هو من عندي حتى أبدله، ولو كان من عندي وهو لا يصلح لكم سوف آتي بغيره، لكن هذا من عند الله كيف أبدله وهو ليس من عندي؟ ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ [يونس:١٥] بتبديل كلام الله وإعطاؤكم ما تريدون وترك ما لا تريدون ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥]. وقالوا أيضاً: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء:٩٠] لأنه لم يكن عندهم ماء إلا ماء زمزم القليل، فكانوا يريدون ينابيع وأنهار ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ﴾ [الإسراء:٩١] لأنه لا يوجد عندهم مزارع، ومكة منطقة غير زراعية، فيريدون نخيلاً وأعناباً ﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً﴾ [الإسراء:٩١ - ٩٢] يقولون: ائت بربك والملائكة معك من أجل أن نؤمن بك، وبعد ذلك: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء:٩٣] فأنت ساكن في غرف بسيطة، نريد أن يكون لك بيت من زخرف مزخرف وجميل ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ [الإسراء:٩٣] اصعد ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [الإسراء:٩٣] حتى لو صعدت لن نسلم لك، لماذا؟ ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ﴾ [الإسراء:٩٣] أي: ائت بكتاب مكتوب من السماء ليس من الأرض، قال الله للرسول ﷺ : ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً﴾ [الإسراء:٩٣] تطلبون شيئاً ليس مني أصلاً، فأنا بشر رسول مكلف بأداء رسالة، أوحى الله بها إليَّ وأنا أبلغها لكم، أما ما تطلبون ليس إليَّ، فلست إلهاً حتى أعطيكم ما تريدون، وإنما أنا رسول لا أملك إلا الرسالة. وسألوه -أيضاً-: أن يسير لهم جبال مكة، قالوا: هذه الجبال نريدك أن تجعلها أرضاً مبسوطة من أجل أن نزرعها. وطلبوا منه أن يبعث لهم الآباء أمثال قصي ليسألوه عن صدقه، فرد الله عليهم بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ [الرعد:٣١] ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٠٩] وهذا إخبار بأن حقيقة الكفر عندهم ليست ناتجة عن نقص الآيات، الآيات واضحة، لكن الكفر عندهم ناتج عن إصرارهم وعنادهم، ولهذا قال الله : ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام:١١١] وبعد ذلك يقول الله : ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [الأعراف:١٤٦] لماذا؟ قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٤٦] فالقضية ليست نقصاً في الدلالة، أدلة صدق النبي ﷺ وعلى أنه رسول من عند الله أوضح من الشمس، لكن المعاند الذي لا يريد الدليل لا تستطيع إقناعه، ولهذا سمي الكافر كافراً؛ لأنه مغطي للحقيقة، ومعنى الكفر في اللغة: التغطية، كفر الشيء أي: غطاه، فهم يغطون الحقائق، فالحقائق ناصعة والبراهين ساطعة والدلائل واضحة، لكن لا يريدون الإيمان بها أصلاً فيكفرون بها ويغطونها. وسألوا الرسول ﷺ : أن يجعل لهم جبل الصفا المقابل للمروة أن يجعله ذهباً، فسأل الرسول ﷺ ربه وقال: رب اجعلها لهم ذهباً، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت الأمم التي قبلهم، قال: لا. بل أستأني بهم صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ [الإسراء:٥٩] عندما تأتي آية واضحة يرفضها الكافر بعدما تأتي، وبعد ذلك يحصل تدمير مباشرة، كما حصل لقوم صالح، تحدوه وقالوا له: أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء، أي: في الشهر العاشر، حامل، قد لقحت، فدعا ربه، فخرجت الناقة، وقال لهم: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف:٧٣] هذه مخلوقة من عند الله ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء:١٥٥] فعقروها، فماذا حصل لهم؟ قيل لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود:٦٥] فاليوم الأول اسودت وجوههم، واليوم الثاني احمرت، واليوم الثالث قطع الله قلوبهم في أجوافهم، وصاح فيهم جبريل صيحة واحدة فأصبحوا خامدين عن بكرة أبيهم، فمن رحمة النبي ﷺ بالأمة أنه ما سأل الله أن ينزل آية؛ لأنها لو نزلت آية لعرف الرسول أنهم سوف يكذبونه مثل سابقيهم ويحق عليهم العذاب، وهو رسول رحمة وليس رسول عذاب، قال: لا. أستأني بهم، أي: أنتظر وأتمهل لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده، كما قال لجبريل لما رجع من الطائف -هذا سيأتي معناه بعد-: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين -جبلين عظيمين في مكة - قال له: (لا. إني لأرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله) كانت نظرة النبي ﷺ نظرة بعيدة، ما كانت نظرة قصيرة مؤقتة، لا. فهؤلاء الكفار إذا أصروا على كفرهم اتركهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده، وفعلاً تحقق -كما سمعتم- خالد ابن من؟ ابن الوليد بن المغيرة، وعمرو بن العاص بن وائل، وعكرمة بن أبي جهل، أولئك رءوس الكفر وهؤلاء رءوس الهداية والدين والنضال والجهاد في سبيل الله.

стр. 354

مساومة المشركين للنبي ﷺ لما عجزت كل هذه الأساليب في رد النبي ﷺ ومنعه عن مزاولة الدعوة، لجئوا إلى أسلوبٍ آخر: هو المساومة، أي: نعطيك شيئاً وتترك لنا شيئاً، وهو أن يعملوا شيئاً من الدين ويعمل هو شيئاً من الشرك، وقالوا له: اعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، هذا عدل، أما أن تريد منا جميعاً أن نعبد إلهك ونترك آلهتنا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] فقالوا له: إن كنت منصفاً وعادلاً، فنحن نوافقك على أن تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، لكن لا تنفع أوساط الحلول بين الشرك والإسلام، وبين الكفر وبين الحق والهدى، لا يوجد إلا نور، إما أسود وإما أبيض، وإذا أخذت القليل فلا يصح، فأنزل الله عليه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون:١ - ٤] كررها للتأكيد ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ [الكافرون:٦] وهو الكفر ودين الشرك ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] وهو التوحيد ودين الإسلام. وهذه تمثل الآية التالية: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:٣] قاعدة الثبات على العقيدة، وعدم الرضا بالمساومة، لا مساومة على الدين، إما حق وإما باطل، وإما تنازلات في عقيدة المسلم، لا. لأنك بقدر ما تتنازل بقدر ما تضيع من دينك. وساوموا عمه على هذا، ولكنه كما قال ﷺ : (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه). لم يوافقهم النبي ﷺ على هذه المساومة بدءوا بالتحرش المباشر، بسب القرآن، وبسب الرسول ﷺ ، وبسب الذات الإلهية، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، روى البخاري ومسلم في قوله : ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء:١١٠] أن ابن عباس قال: [نزلت ورسول الله ﷺ مختفٍ بـ مكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله لنبيه: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ [الإسراء:١١٠] أي: بقراءتك، فيسمع المشركون قراءتك فيسبوا القرآن ﴿وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء:١١٠] حتى لا يسمع أصحابك، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:١١٠] وهي القراءة المعتدلة التي يسمعها أصحابك فيستفيدون، ولا يسمعها المشركون فيسبوا الله ويسبوا الرسول ﷺ ] وفي هذا إرشاد نبوي وتوجيه للدعاة إلى أن تكون مواقفهم مواقف معتدلة، ومواقف مصلحة ومنفعة للدعوة، من غير تعنت ولا اندفاعات ولا مواقف فيها نوع من التشنجات، إنما للمصلحة التي من أجلها شرعت القراءة، من أجل أن يسمعها المسلمون بعدك، فلا داعي أن ترفع صوتك حتى يسمعك الكفار فيسبونك ويسبوا القرآن، لا. بل نهى الله أصحاب الرسول ﷺ عن سب آلهة المشركين، قال: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] لأن المسلمين كانوا يسبون أصنام الكفار، فأخذ المشركون يسبون الله، فنهاهم الله. وفي هذا تعليم للمسلم أنه إذا كان يترتب على فعلك لأمرٍ معروف مشروع، فعل منكر أعظم لزمك ألا تفعل هذا المشروع، فسب آلهة الكفار أمر مشروع وأمر من الدين أن تسب اللات والعزى والأصنام، لكن لما كان يترتب على هذا السب منكر أعظم؛ وهو أن يسبوا الله، قال الله: لا تسبوا آلهتهم، ولهذا ذكر ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين أن شيخ الإسلام ابن تيمية مر على قوم من التتر وهم سكارى، فأراد بعض تلامذة الشيخ أن يأمرهم وينهاهم عن المنكر عن الخمر، فمنعه الشيخ، فاستغرب الطالب؛ لأن الشيخ كان أمَّاراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، ومن أبرز الناس في الأمر والنهي، فقال له: إنما حرم الله الخمر؛ لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء -أي: التتر- تصدهم عن قتل المسلمين وهتك أعراضهم، فدعهم وما هم فيه. يقول: اتركهم سكرانين؛ لأنك إذا أقمته من السُكر لا يقوم يصلي ويذكر الله بل يقوم يقتل المسلمين ويعتدي على أعراضهم، فأنت عملت أمراً مشروعاً وهو الأمر بالمعروف، لكن ترتب على الأمر المشروع هذا أمر أنكر منه وهو قتل المسلمين، إذاً لا تفعل. هذه قاعدة من قواعد التغيير التي ذكرها ابن القيم وهي أربع درجات: الدرجة الأولى: أن يزول المنكر ويعقبه المعروف، فهذا مشروع باتفاق أهل العلم. الدرجة الثانية: أن يزول المنكر ويعقبه منكر لكن أقل منه، أي: المنكر (١٠٠%) بالتغير يصبح (٥٠%) هذا -أيضاً- مشروع بالاتفاق. الدرجة الثالثة: أن يزول المنكر ويعقبه منكر مثله في درجته، فهذا موضوع نظر واجتهاد. الدرجة الرابعة: أن يزول المنكر ويعقبه منكر أعظم منه، فهذا محرم بالاتفاق، مثلاً: رجل لا يصلي في المسجد ويصلي في بيته، فغضب عليه رجل، بدل أن يدعوه إلى الله ويمارس معه أسلوب الدعوة غضب عليه وهجره، ولم يعد يزوره في البيت، وأبلغه أنه لا يدخل عليه، فسأل هذا وقال: لماذا هو غضبان؟ قالوا: لأنك لا تصلي في المسجد، قال: هذا الذي أغضبه؟ قال: والله لا أصلي حتى في البيت من أجله. هذا هو التغيير الذي لا يريده الشرع، لماذا؟ لأن الهجر دواء، فإذا كان ينفع استعمله، وإذا كان يضر لا تستعمله؛ لأنك إذا هجرته زدته عناداً، لكن لو هجرت زوجتك لا يزيدها عناداً؛ لأنها محتاجة لك، تبحث عن رضاك، لو هجرت ولدك، ما يزيده عناد؛ فهجرك للولد، وهجرك للزوجة، وهجرك للعامل، ولمن تحت يديك وهو محتاج إليك فهذا مشروع، لكن هجرك للناس فهذا ولد الناس، وعلم أنك غضبان، قال: ما شأني وشأنه؟ ما دام أنه غضبان هكذا أغضبه أكثر، والله لا أركع ركعة، فترك الصلاة، هرب من فعل المحرم الذي هو ترك الصلاة في المسجد فوقع في الكفر والخروج من الملة بتركه للصلاة، من الذي حمله على هذا؟ موقف الأخ، أراد أن يكحله فأعماه، ما معنى هذا المثال؟ رأى عنده مرضاً في عينيه، فأخذ المكحل يريد أن يداويه بالمكحلة فأعماه بالكلية، وهذا من الخطأ، فإن من فقه الدعوة: أن تعرف هل التغييرات في صالحك أم في صالح الشر، فمتى كان التغيير مضموناً في أن نتائجه حسنة بعد دراسة وبعد تأمل ونظر من قبلك، اعمل، أما إذا عرفت أن في ذلك ضرراً ومنكراً أعظم من المنكر الذي عليه هذا الرجل، فعليك أن تسلك أسلوباً آخر.

стр. 355

الأسئلة
следующие страницы →