← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

الوسائل المؤدية إلى معرفة الإيمان لقد مارس الإنسان في أطوار حياته ضروباً من الممارسات، في التعرف على قضية الإيمان، فمنهم من اعتمد على مبدأ السببية، وهو أن لكل حدَثٍ مُحدِث، ولكل مخلوق خالق، نظروا بعقولهم، قال البدوي في القديم: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، أفلا يدل ذلك على السميع البصير؟! مبدأ السببية يلزمك أن تؤمن بالله؛ لأن الله يقول: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦] ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر:٦٢ - ٦٣]. وبعضهم استجاب لداعي الفطرة، وداعي الفطرة الذي جعله الله فيك يقضي بأن تؤمن بأنه لا إله إلا الله، يقول الله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠]. فالدين القيم هو الفطرة، وهو اللباس الذي فُصِّل على مقاسك، وإذا أخذت اللباس المناسب استراحت نفسك، وإذا لبست ما ليس لك لم تسترح، ولهذا فصل للشر (ماركس) و (لينين) و (استالين) فصلوا له لباساً، وماركس ولينين يهودٌ أبناء زنا، ليسوا هم الذين خلقوا الإنسان حتى يفصلوا له اللباس، ففصلوا له لباساً لا يصلح، وهو لباس الشيوعية، وبدءوا يُلبسون هذا اللباس للشعوب بالحديد والنار، وسجنوا وقتلوا ملايين البشر في سبيل إبقاء هذا المبدأ، وفي النهاية يصادمون سنة الله، والله غالب على أمره، وإذا بالشعوب تنتفض وتخلع هذا اللباس الخبيث، وتقول: تسقط الشيوعية، لماذا؟ لأنه لباس لم يفصله الله. فلباسك أنت أيها المسلم! الإيمان والدين: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] والذي يلبس لباساً مناسباً يستريح فيه، لكن إذا كان مقاس ثوبك مثلاً (٥٨) وأخذت لك ثوباً مقاسه (٣٠) يصلح لطفل عمره أربع سنوات، ولبسته، ولكنه ليس على قياسك، ويصل الثوب إلى سرتك، وعندما تخرج إلى الشارع، ماذا يحكم عليك الناس؟ يقولون: مجنون! انظروا إلى هذا المهبول، يلبس ثوب ولده! فتقول: يا جماعة أليس هذا بثوب؟ يقولون: ثوب، لكنه ليس مناسباً لك. وإذا لبست حذاءً لولدك، واستطعت أن تدخل إصبعك الكبيرة فيه، ومشيت به في الشارع، أو ذهبت به إلى العمل، ماذا يقول لك الناس؟ يقولون: أصبح مجنوناً جاء في حذاء ولده! سبحان الله! من يلبس حذاء ليست له، أو ثوباً ليس له يقال عنه: مجنون، إذاً كيف بمن يعتنق ديناً محرفاً باطلاً ليس له؟! كيف بمن يعيش على مبدأ ليس له؟ إنه مجنون -والله- ألفُ مجنون، بل يوم القيامة يقولون عن أنفسهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠]. فالبس اللباس الذي أجازه الله، فطرة الله، دين الله، الدين الذي شرعه الله هو الإيمان، حتى تستريح وتسعد في الدنيا والآخرة.

стр. 2907

حقيقة الإيمان ومقتضاه ولكن أيها الإخوة! قد يسأل سائل فيقول: ما هو الدين؟ أو ما هو الإيمان الذي تعنيه؟ الإيمان الذين نريده -أيها الإخوة- هو ما فسره علماؤنا، علماءُ أهل السنة والجماعة، يقولون: الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وأركانه ستة: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالبعث بعد الموت، وبالقدر خيره وشره من الله تعالى. ومعنى الإيمان: الجزم والتصديق، وظهور آثار هذا الجزم على عملك، فتؤمن بالله أي تراقبه وتعبده، وتؤمن بملائكة الله أي تعرف أدوارهم، وتتشبه بأخلاقهم في طاعة الله، وتؤمن برسل الله أي تصدق بهم كلهم، وليكن قدوتك خاتم المرسلين سيدنا محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، وتؤمن بكتب الله المنزلة، ثم تخضع لآخر كتاب منزّل، والمهيمن على كل الكتب، وهو القرآن، وتؤمن بالقضاء والقدر من الله، فترضى بما قسم الله لك، وتؤمن بالبعث بعد الموت، فتعمل لما ينجيك من عذاب الله بعد الموت. هذا مقتضى الإيمان، وهناك تعريف جديد، يقول العلماء فيه: إن الإيمان عمل قلبي، وقناعة ذهنية، تبلغ أعماق النفس البشرية، وتحيط بها من جميع جوانبها الثلاثة. وجوانب النفس ثلاثة: إدراك، وإرادة، ووجدان. فالإدراك يعني: المفاهيم والمعارف والحقائق التي تفهمها، قضايا الإيمان هي كل ما أخبر الله به، وأخبر به رسوله ﷺ ، يجب الإيمان بها، ثم تترجم هذا الإيمان في إرادات تبعث على الخضوع والانقياد والإذعان لكل أحكام الشرع، فلا ترفع رأسك على أمر لله، أمرك الله بغض بصرك فلا تنظر به إلى حرام، وأمرك بحفظ سمعك فلا تسمع به حراماً، وأمرك بكف لسانك فلا تطلقه في حرام، وأمرك بصيانة فرجك فلا تقع به في حرام، وأمرك بحفظ بطنك فلا تدخل فيها إلا حلالاً، وأمرك بكف يدك فلا تمدها إلى حرام، وأمرك بكف رجلك فلا تحملك إلى حرام، وأمرك بالعبادة، والصلاة، والزكاة، وببر الوالدين، ونهاك عن كل محارمه، ثم أذعنت وحققت الإيمان. الثالث: الوجدان، وهو أن يكون لك قلب حي، يحترق على الإيمان، قلب يعيش هموم المسلمين، وهموم الدين، ويفرح لله، ويغضب لله، ويحب ويكره في الله، يعيش من أجل الله، يضحي بحياته في سبيل الله، يصبغ حياته كلها بمنهج الله، يبرمج كل شئون دنياه وآخرته على وفق دين الله إذا ركبت معه في السيارة ترى الإيمان معه في السيارة، وإذا نظرت إلى وجهه رأيت الإيمان في وجهه، وإذا رأيت لباسه ترى الإيمان في شكله، وإذا دخلت غرفة نومه ترى الإيمان في غرفة نومه، حياته كلها مبرمجة ومصبوغة بالإيمان، هذا هو الذي نريده ونعنيه، وغير ذلك لا يسمى إيماناً، ومن عاش هذا -أيها الإخوان- فسينعم في الدنيا والآخرة، ومن رفض وأبى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧]. أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقنا وإياكم الإيمان الخالص، واليقين الصادق، وأن يدلنا ويوفقنا للعمل الصالح، وأن يثبتنا عليه حتى نلقاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 2908

حال المجاهدين وواجبنا تجاههم أيها الإخوة: (المؤمن للمؤمن كالبنيان أو كالبنان يشد بعضه بعضاً) (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كأعضاء الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) إخوانكم في العقيدة والدين والإيمان، يعيشون في أفغانستان، وقوى الشر والطغيان والإلحاد تتكالب عليهم من كل حدب وصوب، حتى قرأنا في آخر الأخبار أنهم يتعرضون لمجاعة، وأن المجاهدين الآن يبيعون أسلحتهم ليشتروا طعاماً لأطفالهم ونسائهم، وكتب لي أحد قادة المجاهدين يقول لي: إنه يموت في كل يوم مائتا طفل من الجوع! يموتون جوعاً ونحن نموت شبعاً وتخمة، ونقذف بشتى أصناف الأطعمة في القمائم، أيليق هذا بنا أيها الإخوة؟! تموت الأسد في الغابات جوعاً ولحم الضأن تأكله الكلاب الآن الكلاب في الشوارع لم تعد تأكل اللحم والأرز، لأنها شابعة، وإخوانكم يموتون جوعاًَ، وفي أيديكم فضول أموال منّ الله بها عليكم، إن مقتضى شكر الله على نعمة المال التي بأيدنا أن نواسي إخواننا أولاً، لنسقط عنا جزءاً من عهدة الجهاد، فإن الجهاد ليس فرضاً على الأفغان فقط، إنه فريضة الله على كل مسلم، فعلى كل مسلم الدفاع عن الإسلام، يقول الله : ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٤١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف:١٠ - ١١] فإن قعدت عن الجهاد بنفسك فلا تقعد عن الجهاد بمالك؛ لأن (من جهز غازياً فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا) والآن شهر رمضان على الأبواب، وإخوانكم يصومون ويموتون جوعاً، يموتون جوعاً قبل رمضان، فكيف إذا جاء رمضان؟!! كيف يفطرون؟ ونحن أصابتنا التخمة من كثرة الأكل، معظم الناس الآن يستعد لرمضان بقائمة من الطلبات، بعض النساء قد قدمت كشف الطلبات لزوجها من قبل أسبوع كرتون شعيرية، وكرتون شربة، وكرتون قطر الموز، للمحلبية، والحبة تكفي شهرين، ومع ذلك تريد كرتوناً، لماذا؟ من أجل أن تصنف الأطعمة وتعددها، ثم يأكلون من كل نوع لقمة أو لقمتين، والباقي يرمى في القمامة، وإخواننا يموتون جوعاً. يا إخواني! المؤمن تحت ظل صدقته يوم القيامة، إذا أنفق نفقة وجدها، يقول الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٤٥]. فالمال مال الله، ساقه الله إليك من حيث لا تحتسب، ثم يطلب منك أن تقرضه، سبحان الله! أي فضل هذا؟! المال مال الله، يقول: خذ. ويعطيك، ثم تقرضه من أجل أن يضاعفه لك، ولم ترضَ بذلك!! ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩]. إن صدقتك التي تقدمها اليوم تجدها غداً، فقد جاء في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنهم ذبحوا في بيت النبي ﷺ شاة، فأنفقتها حتى لم يبق منها إلا كتفها، فلما سألها الرسول ﷺ قال: (هل بقي شيء؟ قالت: ذهبت كلها إلا كتفها، قال: لا يا عائشة! قولي: بقيت كلها إلا كتفها) لماذا؟ ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦] ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩]. يا إخواننا! إن علينا مسئولية أمام الله في هذا الأموال التي بين أيدينا، يجب أن نساهم وأن نتبرع في كل فرصة ومناسبة تتاح، لمد إخواننا المجاهدين، ومعنا في هذا المكان المبارك بعض الإخوة المخولين من قبل الهيئات الرسمية، لجمع التبرعات لإخواننا المجاهدين، وسوف يكونون عند الأبواب لجمع التبرعات، ولا تخرج هذه الليلة إلا بمساهمة، اجعل لك نصيباً يا أخي! أطعم واحداً من المجاهدين في هذه الليلة، فلو أن سيافاً طرق عليك الباب، وقال لك: جئتك من الأفغان، وأريدك أن تطعمني هذه الليلة، ماذا تقول له؟ ليس عندي شيء، لا. ستقول: مرحباً، ولو أطعمته من لحمك، لماذا؟ لأنك تحبه في الله، فأطعمه الآن وهو هناك بإرسال مبلغ من المال، خمسمائة ريال، مائتين ريال، مائة ريال، خمسين ريالاً، أو أقل منها؛ لأن بعض الناس يفتح كيس النقود فإذا رأى خمسمائة جعلها على جنب، ومائة على جنب، وخمسين على جنب، وعشرة على جنب، كل هذه لمن؟ هذه للمرأة، امرأتك إذا طلبتك وقالت: أريد أن أخرج إلى السوق لأشتري أشياء، وأعطيتها خمسمائة ستقوم برميها في وجهك، تقول: ما هذه الخمسمائة؟! هذه لا تكفي لشراء نعل، أريد ألفين أو ثلاثة، فيقول: حاضر، خذي، وإذا لم يعطها فقد تضربه، لكن إذا طُلب منه نفقة في سبيل الله فإنه قد يبخل، وقد يخرج خمسة أو أقل من ذلك، كيف تنصر ديننا بخمسة؟! في غزوة العسرة جاء أبو بكر بماله كله، وعمر جاء بنصف ماله، وقال عمر: [لا أسبق أبا بكر إلا هذا اليوم] فلما جاء عمر بنصف ماله، قال له الرسول ﷺ : (ما أبقيت لأهلك؟ قال: نصف المال) وإذا بـ أبي بكر يحمل ماله كله على كتفه، لم يبق درهماً واحداً، فقال له النبي ﷺ : (ما أبقيت لأولادك يا أبا بكر؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله) فقال عمر: [فعلمت أني لا أسبق أبا بكر إلى خير أبداً] هؤلاء الذين يحبون الله ورسوله، نريد مساهمة مجزية، مساهمة تجدها عند الله يوم القيامة. واعلم أنك -والله- ما تقدم شيئاً إلا تلقاه، لن يضيع الله مما قدمت شيئاً، بل يربيه، يربي الله لك الصدقة، كما جاء في الحديث: (إن الله ليربي لأحدكم صدقته كما يربي أحدكم فلوه) فكما تربي فلوك يربي الله صدقتك، تأتي وهي مثل الجبال يوم القيامة. وأذكر لكم قصة واقعية، يحدثني بها من أثق فيه، وعاش أحداثها ويعرف الذي وقعت له في جبال عسير كان هناك رجل مسافر، فآواه المبيت في ليلة مطيرة وذات رياح عاتية إلى أن دخل ونام في غار -كهف في الجبل- وبينما هو نائم -وبهذا الكهف كان قبراً- رأى في المنام رجلاً وامرأة ومعهما بقرة يحلبونها ويشربون لبنها، ولكن الذي أشكل عليه أن البقرة لا جلد لها، جلدها مسلوخ، ودماؤها تقطر من لحمها، فتقدم إلى الرجل وقال: يا أخي! ما شأنك؟ من هذه المرأة ومن أنت؟ وما هذه البقرة التي ليس عليها جلد؟ قال: هذه زوجتي وأما البقرة فإنه عندما كنا في الدنيا أحياء، أصابت الناس مجاعة، فشعرنا بحاجتهم إلى اللحم، فذبحنا هذه البقرة، وقسمناها على الفقراء والمساكين، فما بقي بيت في القرية إلا وأكل من لحمها، غير أننا أخذنا الجلد وبعناه، فلما مت أنا وزوجتي، أعطانا الله بقرة في الجنة غير أنه لا جلد لها. يقول: أتأسف على شيء في حياتي، أتأسف على الجلد، يا ليتني أنفقته في سبيل الله كما أنفقت البقرة، فيا أخي! أنفق في سبيل الله، ضع مبلغاً من المال تجده عند الله ﵎، أسأل الله أن يأخذ بقلوبنا وإياكم إلى ما يرضيه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 2909

الأسئلة .

стр. 2910

علاج نقصان الإيمان السؤال هل الإيمان يزيد وينقص؟ وإن كان يزيد وينقص فما العلاج لزيادته عند النقص؟ الجواب معتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي. والعلاج أن تكثر من الطاعات وتقلل من المعاصي، بل تقضي على المعاصي كلها.

стр. 2911

الدعوة إلى الله في جميع الميادين السؤال أنا مستقيم والحمد لله، وألعب رياضة الحديد، والأيام التي ألعب فيها ثلاثة أو أربعة أيام من الأسبوع، كما أني أستمع إلى الأشرطة الإسلامية، وأيضاً أوجه زملائي إلى الاستقامة والدعوة، فهل تنصحونني بأن أستمر في هذه اللعبة أم أتركها؟ الجواب لا يا أخي! لا ننصحك بأن تتركها، بل استمر فيها -أظنه يقصد بها لعبة الأثقال حمل الحديد- فليس هناك مانع من أن تمارس هذه الرياضة، اجعل عضلاتك قوية، حتى إذا دعاك داعي الجهاد فتكون بطلاً فيه، وأيضاً حسناً يوم أن استقمت ووجدت نفسك مع طيبين تدعوهم إلى الله ويستجيبون لك، وأنا أقول للشباب الذين يهديهم الله وهم في ممارسة الرياضة: ألا يتركون الرياضة، فلمن يدعون هذه المواقع؟ فإذا صلحوا فعليهم أن يقعدوا من أجل أن يصلحوا إخوانهم الآخرين، أما إذا ذهب كل من صَلُح فمن يدعو إخواننا الباقين؟ إن الوقوف والوجود في مجتمعات الشباب هي الإيجابية، فإن الأنبياء ما بعثوا في القفار ولا الصحاري، وإنما بعثوا في أواسط أقوامهم، وكان النبي صلوات الله وسلامه عليه يغشى مجامع الناس، ويأتي إلى الأسواق، ويبشر بدين الله، فادخل كل ميدان وادع إلى الله، واثبت، والله معك.

стр. 2912

حكم الجهاد على مريض بمرض الإيدز السؤال مرض الإيدز مرض وجد في أناس عن طريق إجراء بعض العمليات ونقل الدم في خارج المملكة، فهل يجوز أن يجاهد الشخص المصاب بهذا المرض في أفغانستان؟ الجواب الذي يصاب بهذا المرض لا يستطيع أن يقوم من مكانه حتى يذهب يجاهد في أفغانستان؛ لأن مرض الإيدز مرض سلطه الله على الدول الكافرة التي استباحت محارم الله وأعلنت التمرد على الله عن طريق اللقاءات الجنسية المحرمة، الزنا واللواط، فسلط الله عليهم هذا الجندي الصغير الذي اسمه فيروس الإيدز، وهو فقدان المناعة المكتسبة، فالذي عنده شيء من هذا لا يستطيع أن يقوم أصلاً حتى نقول له: اذهب وجاهد، لكن نسأل الله أن يشفيه إذا كان مسلماً، وكان سبب هذا المرض عن طريق نقل الدم وليس عن طريق عمل الفاحشة، نسأل الله أن يشفيه.

стр. 2913

حكم الاستهزاء بالعلماء السؤال ما رأيكم فيمن يستهتر بالعلماء ويسبهم، وإذا قيل له: اتق الله! قال: إنني أحترم علمهم ولكن لا أحترمهم شخصياً؟ الجواب يا أخي الكريم! الداعية أو العالم لا احترام لشخصه، وإنما الاحترام للمبدأ الذي يحمله، وأي نيل منه أو استهزاء به استهزاء بالدين؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٢٩] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦] فعملية الاستهزاء والنيل من العلماء والدعاة جريمة قد تؤدي بصاحبها إلى الكفر والعياذ بالله! فننصح أخانا الكريم أن يتوب إلى الله من النيل من العلماء، فإنهم واجهة الإسلام.

стр. 2914

كيفية تعامل الشاب الملتزم مع أسرته المنحرفة السؤال أنا شاب منّ الله عليّ بالاستقامة، والمشكلة أن أسرتي لا يحبون الشباب الملتزم، وإذا أردت الذهاب إلى محاضرة لا يسمحون لي بذلك، فماذا أفعل؟ الجواب عليك يا أخي! ألا تُحدِث إشكالاً بينك وبين أسرتك، ومن الطبيعي أن أسرتك التي عاشت على وضع معين سنيناً طوالاً، يصعب عليك أن تقلبها بجرة قلم، فأسرتك قد وجدت فيك جانب الاستقامة، لكنها لا تحب أن تكون مع مستقيم آخر، فلا تحاول أن تأتي بإخوانك في الله إلى البيت حتى لا تؤذي أهلك، وأيضاً لا تأتي إلى المحاضرات إلا بإذنهم، وإن لم يسمحوا فلا داعي للحضور، وعليك أن تشتري الشريط الإسلامي حتى لا تُحدِث إشكالاً بينك وبينهم، واعمل مع أهلك بلطف وبحب وبخدمة، وببذل وود مستمر في البيت، حتى يحبوك ثم يطيعوك. أما أن تصطدم بهم في بداية الأمر، فسوف يقف أبوك في وجهك، وأمك كذلك، والأسرة كلها، وبالتالي تجد نفسك تحارب في ميدان وأنت لوحدك فيه، وقد يترتب على ذلك ضعف وتراخ وتراجع.

стр. 2915

نصيحة للشباب المراهق الذي لا يقدر على الزواج السؤال ما نصيحتك للشباب في سن المراهقة الغير قادرين على الزواج؟ الجواب نصيحتي لهم هي الوصية بالعفة، الله يقول: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣] والعفة: هي الترفع عن الدنايا والقذارات، وصيانة النفس من هذه الجرائم بوسائل، من ضمنها: أولاً: عدم النظر إلى النساء، فإن النظر باب الزنا. ثانياً: عدم استماع الغناء، فإن الغناء رقية الزنا. ثالثاً: عدم النظر إلى المسلسلات والأفلام الخليعة. رابعاً: عدم قراءة المجلات والقصص الغرامية. خامساً: كثرة قراءة القرآن. سادساً: مزاملة الصالحين. سابعاً: البعد عن الزملاء السيئين. ثامناً: كثرة حضور حلق العلم. تاسعاً: كثرة ذكر الله. عاشراً وأخيراً وهو الطب النبوي العظيم: الصوم، تصوم ثلاثة أيام من كل شهر، أو تصوم الإثنين والخميس من كل أسبوع، وأيضاً تقليل الطعام، فالشاب الذي ليس عنده زوجة لا يكثر في الأكل، وإنما يأكل قليلاً، يأكل لقمتين ويقوم، لماذا؟ لأنه يأكل ويشبع وليس عنده امرأة، فأين يذهب بهذا الطعام؟ فلا تأكل إلا قليلاً، يكفيك لقمة عيش أو لقمتين وقليلاً من الرز وحبة فاكهة، ولا تأكل الشحم ولا اللحم ولا العسل ولا البر ولا السمن إلى أن تتزوج، فإذا تزوجت فدق إلى أن تدوخ ومعك المرأة.

стр. 2916

الحب بين النعيم والعذاب السؤال سئلت عن سؤال سابق كان عن الحب هل هو نعيم أم عذاب، نرجو أن تعيد الجواب؟ الجواب هذا السؤال المفروض ألا يقدم لي وإنما يقدم لأهل الاختصاص، أما أنا فلست مختصاً بالحب، ولكن لنسأل أهل الاختصاص، وسألناهم فقال بعضهم: إن الحب نعيم، تقوله كوكب الشرق، تقول: الحب نعيم، وسألنا بعضهم، فقالوا: الحب عذاب، يقوله شهيد الفن، يقول: الحب عذاب، حبك نار، قربك نار، بعدك نار، نار يا حبيبي نار ومن الصادق منهم؟ كذبوا كلهم. الحب ينقسم إلى قسمين: إن كان حلالاً فهو نعيم، وإن كان حراماً فهو فاحشة وعذاب أليم؛ فعندما تحب زوجتك يصير نعيماً لأنها بيدك، كلما أردتها كانت بجانبك، لكن إذا أحببت بنت العرب، وإذا بها بعيدة، وكلما تذكرتها طار قلبك وتقطع جوفك وهي عند أهلها، فتعيش في عذاب، يقول الناظم: فما في الأرض أشقى من محب وإن وجد الهوى حلو المذاق تراه باكياً في كل حين مخافة لوعة أو لاشتياق فيبكي إن نأى شوقاً إليهم ويبكي إن دنا خوف الفراق فتسكن عينه عند التداني وتسخن عينه عند الفراق إذاً لماذا أحب؟! ولماذا أعذب نفسي؟! وإلى متى؟ إلى أن تتزوج، فإذا تزوجت فأحب زوجتك. كان هناك أحد الشباب كنت أسير معه في طريق من المسجد إلى بيتي، فمررنا بفتيات، فغضضت بصري ثم تلفت فيه؛ لأنه شاب ملتزم، أريد أن أختبره، هل سيغض بصره أم لا؛ لأن من الشباب الملتزم من يحصّل الالتزام بالشكل، فيربي لحيته ويرفع ثوبه، لكن إذا رأى النساء نظر إليهن، وهذا لا يصلح، هذا ليس بملتزم، الالتزام شكل ومضمون تعفي لحيتك عملاً بسنة الرسول، وترفع ثوبك عملاً بسنة المصطفى ﵊، وأيضاً تغض بصرك، وتحفظ سمعك، وتخاف الله وتراقبه في كل شيء، أما مع الناس متدين وإذا كنت لوحدك عاص، فهذا خطر عظيم، جاء في السنن من حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه -والحديث صحيح- قال ﵊: (يكون يوم القيامة أقوام لهم حسنات كأمثال جبال تهامة، ثم يقول الله لها: كوني هباءً، قالوا: لم يا رسول الله؟ قال: كانوا إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها). إذا كان في غرفة النوم شغل الراديو بصوت منخفض ورقد على الأغاني، لكن لو رآه أحد زملائه استحى، يستحي من الناس ولا يستحي من الله. فراقبت الأخ هذا ونحن نمشي، فكانت عيناه عند قدمه والله ما رفعها، وبعد ذلك لما مرينا قلت له: يا فلان، قال: نعم. قلت: ما هو الأحسن غض البصر أو التلفت؟ قال: لا والله غض البصر أفضل، قلت: لماذا؟ قال: لو أني تلفت لكان قلبي الآن يتقطع عليهم، لكن عندما غضيت بصري ولم أر شيئاً استرحت، ولهذا يقول الله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] لماذا؟ قال: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] أحسن لك يا أخي. ويقول ابن القيم: وأنت إذا أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر ويقول: وأنا الذي جلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتل فيا أخي لا تعذب نفسك بعينك، اجعل عينيك في رأسك، انظر بها إلى الحلال إلى أن تتزوج، ثم انظر إلى زوجتك إن شاء الله.

стр. 2917

حكم التخلف عن الجماعة في الفجر السؤال أنا رجل أصلي جميع الصلوات والحمد لله بالمسجد إلا صلاة الفجر، فما نصيحتك؟ الجواب وأنعم بلحيتك، ماذا فعلت ما دام أنك لم تصلِِّ الفجر، كيف تصلي كل الصلوات في المسجد إلا صلاة الفجر! إن صلاة الفجر هي المقياس، هي (الترمومتر) الإيماني، ما ظنكم فيمن يحضر امتحانات الفصول الأربعة ثم لا يحضر الامتحان النهائي، ما رأيكم فيه؟ راسب أم ناجح؟ راسب، فصلاة الفجر هذه هي الامتحان النهائي، وهي الفرق بين المؤمن والمنافق، إذا أردت أن تعرف هل أنت مؤمن أم منافق، فلا تسأل أحداً، وإنما اسأل نفسك عن صلاة الفجر، فإن كنت من أهلها بانتظام واستمرار فاعلم أنك مؤمن، ووالله ما بينك وبين النعيم إن شاء الله إلا أن تموت، لأن الله يقول في القرآن: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء:٧٨] قال العلماء: مشهود من ملائكة الله، ومشهود من عباد الله المؤمنين، ويقول الرسول ﷺ : (من صلى البردين دخل الجنة) والحديث في البخاري ومسلم، وهناك حديث آخر في البخاري ومسلم يقول ﵊: (أثقل الصلوات على المنافقين صلاتي العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً).

стр. 2918

نصيحة لمن يغالي في المهور السؤال بعض الآباء يشدد على بناته في شأن الزواج ويرفض من يتقدم للخطبة، ويطلب طلبات تثقل المتقدم، فرج الله كربك يا شيخ، نرجو منك تعليقاً لطيفاً في غاية الحسن على هذه المشكلة؟ الجواب وأنت فرج الله كربك أيها الشاب، وزوجك بنتاً صالحة إن شاء الله قريباً، ونقول في تعليقنا للآباء: اتقوا الله في فتياتكم، اتقوا الله في بناتكم وفلذات أكبادكم، ابنتك يا أخي قطعة منك، فلذة كبدك، ما هي بأمة عندك تبيعها وتشتريها، أو سلعة تأخذ فيها أعلى سعر، ولا أرضية ولا سيارة، هذه جزء منك، إذا كنت تبحث حقاً عن كرامتها وسعادتها فزوجها، فسعادتها والله مع الزوج، فوالله لو عملت لها قصراً عشرين دوراً، وصنعت لها غرفة عشرة في عشرة، وجعلتها تنام على الحرير والذهب فإنها في عذاب، ولو أعطيتها زوجاً ونامت معه على الحصير فإنها في نعيم، لأن الله يقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١]. فيا من في قلبه إيمان ورحمة ورأفة على بنته زوجها، وإذا لم يأتك الخاطب فابحث لها أنت عن خاطب، وقد أخبرني أحد المشايخ عن رجل صالح في الرياض -رجل موفق نسأل الله أن يوفقه في الدنيا والآخرة- عنده ثلاث فتيات تخرجن مدرسات، ولم يأته أحد لخطبتهن، فذهب إلى المسجد واختار لهن ثلاثة من خيرة الشباب، ومسك كل واحدٍ منهم على حدة، وقال: تعال تريد تتزوج؟ قال: أين هي فقط؟ قال: تعال، فأخذه معه وأدخله المجلس، وأخذ الكبيرة وأدخله عليها وقال: هذا يريد أن يتزوجك فهل تقبلينه؟ فنظرت إليه ونظر إليها، قالت: نعم. وقال هو: نعم. فقال: حياك الله، غداً تأتيني أنت وأبوك وإخوانك، لا تأتيني بأحد غيرهم، جدك وخالك وولد عمك وعم عمك وجيرانك وجماعتك لا أريدهم، أريد فقط ثلاثة أو أربعة. ثم ذهب، وفي المغرب جاء بثانٍ من الشباب الذين قد ضبطهم في ذهنه، وأراه الثانية وقال له: حياك الله في الغد أنت وأبوك وإخوانك. ثم بالثالث في العشاء وقال له مثلما قال لصاحبيه، وبعد مغرب يوم الغد جاءوه الثلاثة ومعهم آباؤهم وإخوانهم للعقد، فطلب من كل واحد منهم مبلغاً زهيداً من المال، وعشاهم بكبش واحد فقط، وبعد ما انتهوا دعا الكبير وقال: أين سيارتك؟ ثم قال: يا فلانة اصعدي، وقال: هذه امرأتك اذهبوا وحياكم الله على الغداء في الغد، والثاني كذلك، والثالث كذلك. وفي الغداء تغدوا عند الرجل، ثم ذهبت كل واحدة مع زوجها، فما رأيكم بهذا العمل؟! هل نستطيع أن نعمل مثله؟ بعض الناس إذا أراد تزويج ابنته عمل قضية كبيرة لا تنحل إلا بسبعين عقدة، فأول شيء لا يريد تزويجها إلا على من يملك راتباً كبيراً، وإذا رأى أنه مبتلى بالزواج، قال: ائت لنا بأبيك وجدك، وبعد ذلك الجلسة الأولى للتفاهم، والجلسة الثانية لأخذ موعد، والجلسة الثالثة للعقد، والجلسة الرابعة للمشاورة في شئون العرس وهل سيكون في فندق فخم أم في صالة أفراح عظيمة، ومن المدعوين، وكم الكروت ونوعيتها، وكيف الشكل، سبحان الله!! فما تخرج هذه البنت حتى تخرج روح زوجها. هذا من التعقيد الذي ما أنزل الله به من سلطان، نحن نقص هذه القصص لتكون عبرة للناس من أهل العقول الذين يسعون في سبيل سعادة بناتهم؛ لأن الأب لما يزوج بهذا الأسلوب يريح ويرتاح، لكن بعض الآباء يشغل نفسه، تراه أسبوعاً يطلع، وينزل، والخيام، والكراسي، والدعوات، والذبائح، والقدور، والصحون، والأكياس، وبعد ذلك يأخذون ابنته ويتركونه هو والكراسي. أكتفي بهذا القدر، وأسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعل فيما سمعنا بركة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 2919

اتقوا فراسة المؤمن بدأ الشيخ محاضرته بتحديد مفهوم البصيرة، وتمييزها عن البصر المادي، ومن ثم بين حرمان العصاة من هذه الصفة، مبيناً بعد ذلك مفهوم الأولياء وكيف يكون المؤمن ولياً لله. ومن ثم بدأ بتوضيح أسباب امتلاك البصيرة، وتطرق إلى كل سبب بشيء من التفصيل.

стр. 2920

البصر والبصيرة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأسعد الله هذه الوجوه الطيبة، وأسأل الله كما جمعنا في هذا المكان الطاهر على طاعته أن يجمعنا جميعاً في دار كرامته. أما موضوع الكلمة التي سوف أتكلم بها هذه الليلة، فهي بعنوان: " اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله "،كل إنسان يمتلك حاسة البصر، وعنده أيضاً حاسة سادسة اسمها: البصيرة أو الفراسة، أما سائر الحيوانات والمخلوقات الأخرى فهي تمتلك حاسة البصر، وتمتلكها بقدر أكبر من امتلاك الإنسان لها، فعين الثور كبيرة، وعين الطائر ترى دقيق الحب من جو السماء، فالطائر الصغير عينه مثل حبة الذرة، ولكنه يطير في السماء ويرى حبة الذرة في الأرض، فينزل ويأخذها ففيها حدة، وعين الغراب دقيقة جداً لكنها عيون مادية تبصر في حدود مادية. والإنسان ببصره وبمقدار الرؤية وبموازين النظر التي عنده له مثل ما عند الحيوانات مع بعض الفوارق، أما الحاسة السادسة والنور الداخلي الذي هو البصيرة، فهذا لا يملكه إلا الإنسان المؤمن الذي فتح الله بصيرته، وبمقدار قوة البصيرة عند الإنسان وضعفها تتحدد سعادة الإنسان أو عكسها، فكلما كانت بصيرة الإنسان نافذة، وميدانها واسع، ومسافتها بعيدة، كان مردود السعادة عليه في الدنيا وفي الآخرة أعظم.

стр. 2921

حرمان العاصي من البصيرة وكلما كانت البصيرة قليلة أو ضعيفة، كان ذلك بمقداره، فيحرم العاصي من البصيرة، والمؤمن يعطى نوراً في قلبه، وبصيرة في عقله، تجعله يرتب الأمور بحسب أولوياتها في الترتيب، تقديماً وتأخيراً، وتعظيماً، مهماً وأهم، هل البصر يرتب هذه القضايا. لا. إن الذي يرتبها هي البصيرة. النور يقذفه الله في قلب المؤمن. والذي لا يملك هذه البصيرة يعيش أعمى ولو كانت عيونه كعيون الثور، والله يقول: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٧٢] ويقول : ﴿إِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] ويقول : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:١٩ - ٢٣]. فالذي ليس معه نور الإيمان فهو أعمى، ولا يعرف كيف يسير في هذه الحياة، ولا يعرف كيف يرتب نفسه، ترتيباته ترتيبات مادية، فيقدم شهوة البطن فيأكل، أو يقدم شهوة الفرج فيبحث عن مواطنها، أو يقدم شهوة الملابس فيظهر في ملبس فاخر، أو يقدم شهوة السكن فيريد عمارة، أوشهوة السيارات فيريد سيارة جديدة فهذه ترتيباته وأولويات حياته كلها محصورة في نطاق مادي، في شهوات البطن والفرج والسيارة والنوم والعمارة وتمشية وأكل، لكن شيء غير هذا. لا. أهم شيء في حياته الذي خلق من أجله، ومصيره كالموت والقبر والحشر والنشر والصراط والحوض والكتب والجنة والنار، هذه مشطوب عليها في ميادينه، ما لها كرت أو ميزان! لماذا؟ لأنه أعمى لا يرى الطريق، وليس لديه البصيرة، لكن لو كان عنده بصر لرفع بصره ونظر إلى الآخرة، ثم نظر إلى الدنيا، بشهواتها، وملذاتها، ومتاعها، وما فيها من اللذائذ كلها إذا وضعتها في موضعها الطبيعي تراها، لكن إذا قربتها إلى قلبك، إلى أن تغطيه فلن ترى إلا هي، ولن تبصر إلا هي، مثل إصبعي هذه، إذا وضعتها أمامي أرى مساحتها (٤×٣×١ سم) لكن لو قربتها من عيني إلى أن أغطي بها عيني فلا أرى شيئاً إلا هي، ولا أرى أن وراءها مسجد، أو أناس، أو عمارات وأراضٍ، ما أرى إلا هي؛ لأني لصقتها لصقاً كاملاً بعيني، فحجبت مجال الرؤية، والناس حين يلصقون الدنيا وشهواتها بقلوبهم، حتى تحجب عنهم كل شيء يرونه فلا يرون إلا الدنيا، ولهذا رب العالمين يقول: ﴿أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى:١٨] ويقول : ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً﴾ [الأحقاف:٢٦] وجعلنا لهم سمعاً من أجل أن يسمعوا، وأبصاراً من أجل أن يبصروا، يسمعون ماذا؟ يسمعون كلام الله، ودينه، وخطابه، يبصرون طريق الله، وأفئدة يعقلون عن الله أسرار خلق البشر، فهم ليسوا كالبقر، الآن هؤلاء أهل الشهوات، وأهل الكفر والمعاصي، الواقعين فيها والبعيدون عن الله، اسأل: ما الفارق بينهم وبين حياة البهائم؟ لا شيء!! اسأل الحمار، قل له ماذا تريد يا حمار؟ يقول: أريد حمارة. فقط تراه يمشي، فإذا رأى حمارة رفع رأسه وجرى وراءها، نعم هل عند الحمار غير هذا الاهتمام؟ وماذا تريد غير الحمارة؟ قال: أريد علفاً آكله، حتى أشبع، وبعد ذلك؟ قال: أرقد. فهذه هي حياة البهائم، والذين يعيشون هذه الحياة. من البشر هم بهائم يعيشون في مسلاخ بشر، والله سماهم بهائماً في القرآن قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] يعني: كالبقر والحمير، فالبقر، والبهائم أفضل منزلة؛ لأن الله تعالى سخرها وسارت فيما سخرها الله فيه، أما الإنسان خلقه وميزه وكرمه وفضله، وأعطاه العقل من أجل أن يعرف طريق الحق فيختاره ويعرف طريق الباطل فيجتنبه، فاختار طريقاً ليست حتى من مراتب الحيوانات، قال الله: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤]. فالله زودهم بهذه الإمكانيات، فاختاروا الخيار الأسوأ والعياذ بالله، وعاشوا لا يعرفون حقيقة الحياة التي هي عندهم ما تراه عيونهم وشهواتهم، أما الحقائق فإذا جئت تكلمه في يوم من الأيام تقول له: يا أخي! الموت قادم؛ فلأنه لا يرى إلا الدنيا، يتضايق من ذكر الموت، يقول لك: أنت تريد أن تميتنا قبل وقتنا دعنا نتمتع الآن، تقول له: أمامك الجنة والنار والقبر، أما ترى أباك من يضعونه في القبر بعد الفراش الوثير، والنور والزوجة فيجعلونه في ثوب ويهيلون عليه التراب ويتركونه؟ هناك عالم آخر. أما المغالطون فيقولون: لا شيء هناك، تضعونه في القبر فحسب، من قال لكم: لا يوجد شيء؟ من هو الذي مات، ونزل القبر وذهب الآخرة وما نظر شيئاً ورجع يقول: لا يوجد شيء؟ هل هناك من رأي ذلك؟ لا. حسناً من قال لنا: لا يوجد لا أحد قال لنا ذلك، ومن قال: إن هناك شيئاً بعد الموت؟ الأنبياء والرسل أخبروا عن الله بإجماع منهم منذ نوح إلى محمد صلى الله عليهم وسلم، ما من نبي إلا ويعلن أن البشر مبعوثون، وأن الناس سوف يحاسبون. وأيضاً هناك دليل عقلي منطقي: لا بد من الحساب، فالذي يقول: لا يوجد بعثاً ولا حساباً، هذا يلغي عقله؛ لأن العدل ما تحقق في الدنيا فلا بد من تحققه في الآخرة جزماً، فالآن ترى الواحد يعيش وهو مؤمن بر تقي صالح ومن أحسن الناس ولكن لا يجد له جزاءً على هذا الصلاح، لكنه قد يؤاخذ، وربما يسجن، أو يؤذى، أو يقتل أو يمرض ويعيش فقيراً، بينما تجد الآخر فاجراً، مجنوناً، مجرماً، خبيثاً، هتاكاً للأعراض، يلغ في الدماء يكذب يسفك يبيع الشعوب يمارس كل أنواع الجرائم، وبعد ذلك يموت، ويموت ذلك البر المؤمن، ولم تصل يد العدالة إلى ذلك المؤمن فتجازيه على عمله الطيب، ولا إلى ذلك الفاجر فتجازيه على عمله السيئ، أتنتهي الحياة بهذا؟ هل يتصور ذلك؟ كلا. يقول الله : ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦] ويقول: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] ويقول: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية:٢١ - ٢٢] فالذي يقول: لا يوجد شيء بعد الموت، نقول له: من قال لك؟ يقول: أنا ما رأيت شيئاً، وكونك ما رأيت شيئاً هل يعني أنه ليس هناك شيء؟ الآن هذا الجدار من يراه يقول: ليس وراءه شيء، لكن افتح الباب وانظر، وسوف ترى أن وراءه أشياء، يقول ﷺ : (ما منكم إلا ويرى مقعده من الجنة أو النار وهو في بيت أهله) في ساعات الاحتضار تزول الحواجز والحجب، ويرى المؤمن وهو جالس في بيته ملائكة الرحمة، ويرى الفاجر ملائكة العذاب، فيفرح المؤمن ويتمنى لقاء الله، ويحزن الفاجر والكافر ويكره لقاء الله، فهنا يحب الله لقاء المؤمن، ويكره لقاء الفاجر. فهذا الذي يعيش في سجن المادة الذي غطى على قلبه بالدنيا والشهوات، حتى لم يعد يرى شيئاً مما يجب أن يراه في هذه الدنيا، إذا حدثته تقول له: الآخرة! يقول لك: لا. لماذا؟ لأن الران قد كسا قلبه، واستحوذ عليه الشيطان فأنساه ذكر الله.

стр. 2922

مفهوم الولاية عند أهل الأتباع وأهل السنة وهذه البصيرة التي يرزقها المؤمن لها أسباب: ففي صحيح البخاري في الحديث القدسي فيما يرويه النبي ﷺ عن ربه يقول: (من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) التعرض لأولياء الله من العلماء، ومن الدعاة الفضلاء، والصالحين والمصلين المؤمنين، فالإيذاء والتحرش بهم، وتشويه سمعتهم، والنيل منهم، وتضخيم أخطائهم إذا كان لهم أخطاء فهم ليسوا بمعصومين؛ فتكبير أخطائهم وتشويه السمعة لهم هذا حرب على الله. لماذا؟ لأنهم أولياء الله، والله يقول: (من آذى لي ولياً) والولاية هنا ضد العداوة؛ لأنه لا يوجد في الدنيا إلا ولي أو عدو: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] من هم؟ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣]. فكل مؤمن تقي فهو ولي لله. أما الولي عند أهل البدعة والضلال: هو الذي على قبره ضريح، وعلى الضريح قبة، ويذبح حوله ويطاف، هذا هو الولي عندهم! ذاك الذي يلبس عمامة كبيرة، وله مسبحة طويلة، وله أذكار وهمهمات، وتجليات وتكشفات، ويذهب إلى الحرم ويصلي فيه، كما يقول أهل البدعة مثل الصوفية. يقول أحد الشباب: زرت شخصاً من الصوفية في بلد من البلدان العربية بعد صلاة المغرب، يقول: فأعطانا من الخزعبلات، والكلام الفارغ عن شخصيته، ومكانته عند الله، وأن الكرسي والقلم في يده، والعرش تحت رجله، وأن الدنيا تحت قدمه، يقول: والمساكين المضللين فهموا هذا الكلام، فلما حان وقت صلاة العشاء قلنا له: قم صل معنا يا شيخ، قال: لا، سأصلي في الحرم -وهو في بلد بعيد عن الحرم- فخرجنا وقال الناس: هنيئاً له يصلي في الحرم، يقول: ولما أقيمت الصلاة، رجعت وذهبت إلى بيته، ونظرت من شق في الباب، وإذا به راقد على السرير؛ لأنه لا يريد أن يصلي أصلاً، فمثل هذا ليس عليه صلاة! فالذي يدعي كل هذه الأشياء هذا طاغوت وفاجر، فيدعي أنه يصلي في الحرم حتى لا يلزمه أحد بالصلاة مع المسلمين يقول: فرقد الرجل وأنا ذهبت أصلي وبعد الصلاة أتينا، فلما دخلوا قالوا: له هنيئاً يا شيخ صليت في الحرم، يقول: نعم. صليت في الحرم، يقول فقلت له: يا شيخ أنا دخلت عليك قبل الصلاة، وأتيت ورأيتك من شق الباب وأنت نائم على السرير، قال: قد رجعت، فهم يصلون مبكراً في الحرم. الولاية بهذا المعنى هي ولاية الشيطان، هذه ولاية باطلة مرفوضة يداس عليها بالأقدام؛ لأنها ولاية شيطانية. أما الولاية الربانية، فهي أن تكون مع الله، كيف مع الله؟ أي على كتاب الله وسنة رسول الله، تقوم بأوامر الله، وتنتهي عما نهى عنه، تكون ولياً من أولياء الله، من آذاك أو تعرض لك؛ فإنه يقع تحت وعيد الله، يقول العلماء: بأي إيذاء، لو أن أحدهم في الحمام يتوضأ وأنت تنتظره، وطرقت عليه الباب يعد هذا إيذاء للمسلم، هل أحد في الدنيا يقعد في الحمام مسروراً، لا يوجد أحد يبقى في الحمام إلا من يقضي حاجته، فلماذا تزعجه وتستعجله بالخروج، تريده يقطع قضاء الحاجة، هو لا يعقد إلا لأجل أن يكمل حاجته، ما في أحد يأخذ له وسادة ومسنداً ويقعد في الحمام إلا طائفة واحدة من الناس يرتاحون في الحمام، وهم أهل الدخان! نعم. بعض أهل الدخان إذا منعوا منه في الدوائر الحكومية ذهبوا إلى الحمام؛ لأنهم يجدون في الحمام رائحة دخان آخر. أما العقلاء فيبقون في الحمام بمقدار الحاجة ويخرجون، فإذا طرقت الباب على شخص منهم فيكون هذا إيذاءً له، وإذا كنت تقف عند إشارة المرور، ووقف بجانبك ومعه عائلته لا تنظر إليه، فهذا إيذاء له؛ لأن الذي أوقفه هو مصلحة المسلمين، بحيث لا يتجاوز أنظمة السير، فلو تجاوز الإشارة ومشى من أجل أن يحمي عرضه من هؤلاء الفضوليين لقطع السير وجوزي، وربما تسبب في حادث، فلا يجوز لك النظر إليه بحال من الأحوال، فهذا إيذاء للمسلم، وغيرها من أوجه الإيذاء، قال تعالى: (من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) يعني: أعلنت عليه الحرب، وإعلان الحرب من الله ، عاقبته التدمير؛ لأن الله غالب على أمره، ومن ذا يغلب الله يا إخوان لا إله إلا الله! من أنت -أيها الإنسان- حتى تقف في مواجهة رب العالمين؟ كم حجمك؟ متران في نصف متر، يعني متر مربع. وكم حجمك بالنسبة لـ أبها وبالنسبة للمملكة، وبالنسبة لـ آسيا وللكرة الأرضية؟ وما الأرض بالنسبة للشمس؟ فالشمس أكبر من الأرض بمليون مرة، وما الشمس بالنسبة للمجرة؟! وما المجرة بالنسبة للمجرات الأخرى؟! وما المجرات كلها بالنسبة للكرسي؟! وما الكرسي بالنسبة للعرش؟! وما العرش بالنسبة لله؟! لا إله إلا الله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنت تقف في مواجهته!! أتظن أن الله غافل عنك عندما يمهلك؟ نعم. إن الله يمهل ولكن لا يهمل، يقول الله : ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٤ - ٤٥] الآن الصياد عندما يأتي إلى البحر يأتي بالخطاف والشبكة ويصنع فيها لحماً أو خبزاً أو أي شيء، ويرميه ويمهله، وتأتي السمكة فتقول ما هذه المناسبة الضخمة، ما هذه الأكلة الفاضلة وتلتهمها، فإذا رأى الصياد أن هذه اللحمة أصبحت في فم السمكة، ماذا يفعل؟ يشد الخطاف بسرعة ثم يخرجها ويأكلها، فالله يمهل ويملي ويضع لك الطعم من منصب أو وظيفة شباب بسطة في الجسم ثم لا تدري إلا وقد خطفك، فلا يفلتك إلا في النار، قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢] وقال ﷺ (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) فلا تغتر بإملاء الله -أيها الإنسان- عنك، فإملاء الله للإنسان في هذه الدنيا من أجل أن يرجع إلى الله، فإذا لم يرجع فهذه مصيبة الإنسان، فيقول الرسول ﷺ : (من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه). أيها -المحارب لله- أنك ستموت، ولا تغتر بما أنت فيه من الجاه أو المنصب، أو المال، أو العافية، أو الشباب، فإنها كلها أشياء مؤقتة سوف تزول، لم تبق لمن قبلك حتى تبقى لك، ولو بقيت للذي قبلك لما وصلت إليك، لكن هذه المفاهيم والموازين تنتقل من إنسان إلى آخر، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، تذكر أنك ستموت، وأنك في ساعات الاحتضار ستكون أضعف ما تكون، وقد لاحظت وربما لاحظتم وحضرتم جنائز وتصورتم وضع الميت وهو في حالات الاحتضار، الله يقول: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٦ - ٢٧] راق: يعني قارئ يقرأ أو طبيب يعالج ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة:٢٨] أي: تيقن أنه الموت ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٩] والتفاف الساقين كناية عن الضعف المنقطع النظير؛ لأنه لا تلتف السيقان إلا من ضعف؛ لأنه لو كان متعافٍ لما التفت ساقاه، المريض في ساعات الاحتضار تلتف ساقاه، وتبرد أطرافه، وتتفصل مفاصله، وتنخسف أصداغه وتصير مثل الحفر، وتميل أنفه؛ لأن الأنف هذه تخرج منها الحياة، وهي أصلها غضروف، فإذا خرجت منها الحياة مالت الأنف، هذا هو الإنسان في هذه الحياة، تذكر أنك ستكون في هذا الموقف، متى؟ يمكن أن يكون ذلك في هذه الليلة، أو غداً وأنت لا تعلم، إذاً كيف تحارب الله وهذا موقفك؟ وقل لي بأي سلاح، وبأي صواريخ تقابل الله ؟ ثم تذّكر أنك ستوضع في الحفرة المظلمة، وسيوضع معك عملك، وسيأتي معك منكر ونكير يسألانك عن عملت في هذه الحياة، وتذّكر أن الله سيبعثك، وأنك ستقف بين يدي الله حافياً عارياً ليس معك أحد، ينجيك عدلك، ويوبقك ظلمك، وتذّكر أنه سيؤمر بك إلى الجنة أو إلى النار، فماذا تقول؟ فلا تؤذ عباد الله، لا تعادي أولياء الله، وقد سمعت عن رجل من الصالحين -وأسأل الله أن يهديه- وهو من عامة الناس، لكن عنده غيرة وحرقة على الإيمان والدين، ومع هذا محسوب من العاديين وليس من الملتزمين أو من الذين لهم شارة كبيرة في الدين، ففي أحد المجالس نال أحد الجالسين من أحد العلماء في المنطقة وتكلم فيه، وقال: إنه لما صافحني في وليمة مدّ رءوس أصابعه فقط، كناية عن الاستهزاء والسخرية من هذا العالم! فقال ذلك الرجل الطيب الموفق: يا أخي! لا تنل منه، والله حرام أنك تمسه بيدك؛ لأنك تنجس يده،، ولو علم الشيخ بك لكف يده؛ لأنك أنجس من الكلب، لسانك هذا تنال به من العلماء، وبدأ يدافع عن الشيخ دفاع المستميت، هذا هو الذي يريد أن يكون عند الله في منزلة عظيمة، عندما تسمع من ينال من عباد الله، أو أولياء الله، أو العلماء أوقفه عند حده، قل: لا يجوز. والثاني يقول معك: لا يجوز والثالث وهكذا فإذا سمع أهل الشر والفساد أن أهل الإيمان يد واحدة يذبون عن عرض بعضهم بعضاً، لا يستطيعون الكلام بكلمة، لكن إذا تكلم هذا وسكت أهل الخير كلهم، بل بعضهم قال: صحيح، لا يفتح فمه بكلمة واحدة، أين الإيمان، وأين الدين؟!

стр. 2923

البصر والبصيرة الربانية يقول الله : (من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بعمل أحب إلي مما افترضته عليه) فأحب شيء عند الله أن تعمل الفريضة: (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) فهذا العمل محبوب عند الله، لكن أنت غير محبوب عند الله بالعمل فقط، انظروا إلى التفريق في الحديث (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) يعني: أفضل عمل تتقرب به إلى الله وهي: الفريضة، لكن لا تكفي لنيل محبة الله لك، فأنت، لا تنال محبة الله إلا بشيء ثانٍ مع الفريضة وهو النافلة قال: (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) فأنت تقدم العمل المحبوب عند الله ثم تزيد العمل الثاني حتى يحبك الله فإذا أحبك الله، قال: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به) تصبح هذه الأذن ليست سمعك، أنت تسمع بالله، فهل يمكن أن تسمع حراماً وأنت تسمع بالله، فبمجرد أن تسمع أغنية تضطرب أذنك وتهتز؛ لماذا؟ لأنك تسمع بالله، أذن ربانية لا يمكن أن تسمع كلمة تسخط الله (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به) عينك لا يمكن أن ترى حراماً، إذا رأت امرأة كأنما ترى شيطاناً لم يعلم أين الآخرة والجنة؟ بينما ذاك المؤمن يغض بصره لماذا؟ لأنه بصر رباني لا يمكن أن يرى ما حرم الله، كونك ترى امرأة منظر جميل، لكن ماذا يغنيك النظر إذا رأيت حراماً؟ ما هي المصلحة؟ الله يقول: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] يعني: غض البصر، لكن النظر ليس أزكى، لماذا؟ لأنك تنظر إلى شيء لا تقدر ولا تصبر عليه، وإذا قدرت عليه فهو حرام، والحرام لا يحل مشكلتك، هب أن أحداً من الناس لم يخف الله ولم يراقبه، واستطاع بعد أن نظر أن يتصل بها ويزني، هل يحل الزنا مشكلته؟! لا. إن الحاجة إلى الجنس كالحاجة إلى الطعام، إذا تغدى لابد أن يتعشى، وإذا تعشى لابد أن يفطر، وإذا أفطر لابد أن يتغدى. هب أنه زنى مرة، هل يستطيع أن يزني كل يوم؟ وهب أنه استطاع أن يزني كل يوم، هل يزني في كل حياته؟ هل يعيش زانياً ملعوناً مطروداً عن الله ؟ ما هو الحل؟ الحل من أول الطريق: لا تنظر. (باب تأتيك منه الريح سدّهُ واستريح) هذه عينك التي يأتيك منها ريح الزنا ماذا تفعل؟ أغلقها، فإذا رأيت امرأة غض بصرك، نعم هناك تعب، لكنه أقل مائة مرة من تعب النظر. يقول الناظم: وأنا الذي جلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتل إذا أنا نظرت إلى الحرام فماذا يحصل؟ الذي يحصل أن مردود الحرام يرجع على قلبي فيكسره ويحطمه، فمن مصلحتي أن أغض بصري ابتداء، ولكن لماذا أشعر بالتعب حين أغض بصري؟ لأن الشيطان يزين النظر أمامي، ولكن حين أحتسب هذا عند الله يحصل لي منه ثواب كثير. فيقول ﷺ في الحديث القدسي: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته، ولا بد له منه) فلا بد من الموت -أيها الإنسان- فالشاهد في الحديث: (كنت بصره الذي يبصر به) فمتى يكون الله بصرك؟ ومتى تبصر بالله؟ ومتى يكون بصرك ربانياً؟ تقدم المواضيع وتؤخرها على ضوء أولويات دينك وعقيدتك، ترى القرآن فتألفه، وترى المجلات فترفضها، ترى المساجد فتحبها، وترى الملاعب والمقاهي والمنتزهات التي فيها المعاصي فتنفر منها، ترى النساء فتغض بصرك ولا تنظر إليهن، ترى زوجتك أجمل ما يمكن أن ترى إن كنت متزوجاً، وإذا لم تكن متزوجاً فاستعفف (ومن يستعفف يعفه الله) والله تعالى يقول: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣] ما هي العفة؟ هي استعلاء، وتطهر وتنزه وترفع عن هذه القاذورات إلى أن تتزوج حلالاً، ثم تسير في طريق الحلال الذي شرعه الله لك.

стр. 2924

أسباب نفاذ البصيرة لدى المؤمن أيها المسلم! فإذا أنت عملت بهذه الأمور، وقدمت وأخرت بحسب مقتضيات هذه العقيدة كان بصرك هذا وبصيرتك ربانية. وهناك خمسة أسباب تجعل بصرك ربانياً وبصيرتك ربانية، ذكرها ابن القيم ﵀ في كتابه الجواب الكافي نقلاً عن أحد السلف اسمه شاه الكرماني يقول: ١ - من غض بصره عن الحرام. ٢ - وعمر باطنه بالتقوى والمراقبة. ٣ - وعمر ظاهره بالسنة. ٤ - وكف نفسه عن الشهوات. ٥ - وعود نفسه أكل الحلال، لم تكد تخطئ له فراسة. فهذه الخمس هي أسباب فتح البصيرة، بحيث لا تخطئ لك فراسة، تنظر إلى الأمور كأنها مجلية أمامك، كأنك تنظر إلى الغيب، كأنك تستقرئ أشياء المستقبل بنور الله ، فمهما حاول الناس، ومهما حاولت الشهوات والمغريات أن تُعمّي عليك، أو أن تقدم أو تؤخر في موازينك فبصيرتك تمنعك؛ لأن ميزان الآخرة والصلاة والقرآن عندك أرفع شيء، وميزان حب الله وحب رسوله وأوليائه في قلبك أعظم شيء، الحلال تسير فيه، والحرام تتركه، لماذا؟ لأن عندك موازين واهتمامات، ولك مبادئ تسير عليها، وهذه الأسباب الخمسة أتحدث عنها بتفصيل.

стр. 2925

غض البصر عن الحرام أولاً: من غض بصره عن الحرام: قال العلماء: إن غض البصر يعقبه فتح البصيرة؛ لأن الجزاء من جنس العمل، تغض بصرك عن الحرام يفتح الله بصيرتك على كل ما يرضي الله في الدنيا والآخرة، وتصبح بصيرتك نافذة. والبصيرة هي التوفيق والتسديد والهداية، أي: أن الله تعالى يَمنُّ عليك بقوة تمكنك من السير في طاعة الله ، إذا سمعت المؤذن وأنت في غاية الراحة والنوم، والأنس بالزوجة، والدفء بالفراش، تسمعه يقول: الله أكبر! بصيرتك هذه توقظك، حتى إذا أردت أن تنام فإن جنبك لا يطاوعك، قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ [السجدة:١٦] ما يطيعك جنبك في أن تنام على فراشك، لماذا؟ لأن الجنب هذا مدفوع دفعاً داخلياً منَّ البصيرة التي منَّ الله تعالى بها عليك من غض البصر عن الحرام. وغض البصر هو وصية الله للمؤمنين في سورة النور، يقول الله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] وجاء بعد الأمر بغض البصر الحديث عن النور الذي ذكره الله ، وأنه في قلب عبده المؤمن كمشكاة فيها مصباح! وأن هذا نور يوجد في المساجد! وجاءت بعده الأوامر كلها التي تدل الناس على سعادتهم في الدنيا والآخرة، ومن ضمنها أن الله أمر الناس بأن يغضوا من أبصارهم، حتى تضيء هذه الأنوار قلوبهم. فهذه الأنوار الربانية التي يبحث عنها الناس ويريدونها -وهي نور البصيرة- إذا أرادها المسلم فلها أسباب، من أول أسبابها: غض البصر، يقول الرسول ﷺ : (من غض بصره عن الحرام، أبدله الله إيماناً يجد حلاوته في قلبه إلى يوم يلقاه) وغض البصر ذكر ابن القيم ﵀ فيه اثنتي عشرة فائدة، وهي من الفوائد التي كل واحدة منها خير من الدنيا وما عليها، ومن أعظمها: تعظيم الله: فأنت تعلم حين تغض بصرك أنك لا تعمل هذا إلا خوفاً من الله، هل من أحد يغض بصره في الدنيا خوفاً من أحد؟ لا أحد يستطيع أن يضبط بصرك في الدنيا إلا الله، أنت إذا أردت أن تنظر في عمارة وفي هذه العمارة نافذة وفي هذه النافذة امرأة، ونظرت أنت إلى المرأة في النافذة، ومرّ بك صاحب العمارة ورآك فقال: لماذا تنظر إلى المرأة؟ أما تستحي؟ فبإمكانك أن تعتذر بأبسط الأساليب وتقول: يا شيخ! أنا لا أنظر إلى المرأة، أنا أنظر في (تلييس) العمارة، (التلييس) ممتاز! أنا أنظر في نافذة الألمنيوم! وعينك أنت في المرأة لكنك أوهمت هذا بقولك أنك تنظر في العمارة، فمن الذي يعلم أن عينك في العمارة أو في المرأة؟ قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩] لا تخفى هذه على الله. فإذا أنت غضضت بصرك، كان هذا دليل قطعي على إيمانك بالله وتعظيمك له، فشعورك بأن الله مطلع عليك ألزمك بأن تغض بصرك خوفاً منه ﵎، وهذا الخوف منه هو تعبير عن منتهى العبودية، وهو درجة من درجات الدين اسمها: الإحسان. فمراتب الدين ثلاثة: إسلام، وإيمان، وإحسان، فالإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فعندما تغض بصرك من أجل الله، كأنك ترى الله ، فغض البصر من أعظم دلائل الإيمان عند العبد المسلم. ومن فوائد غض البصر راحة القلب، فالذي يغض بصره قلبه مرتاح دائماً، وذاك الذي يتلفت مسكين! قلبه يتوقد، مثل الدجاجة التي تدور في الشواية، وهذا الذي يوقد قلبه على (شواية) النظر، وكل يوم يذهب، إلى أين تذهب؟ قال: أنظر، ماذا تنظر؟! ينظر إلى ما يقطع قلبه ثم يرجع، بعضهم لا ينام الليل من نظرة واحدة! يخرج إلى السوق أو الشارع وهو خالي القلب والفؤاد، ليس في باله شيء، ثم يرجع إلى البيت وهو حزين، يقال له: تعشى، قال: لا، ما أريد، راجع دروسك، قال: نفسي مسدودة، ماذا بك؟! قال: لا شيء، ثم يزفر زفرة يتقطع لها قلبه! هل يزفر على الأقصى لأنه الآن بيد اليهود، وأن المسلمين الآن يسامون سوء الذلة في الدنيا كلها؟ هل يزفر على الأفغان أو يزفر على الإسلام؟ لا! بل يزفر على امرأة رآها وتقطع قلبه من أجلها، أعوذ بالله من هذه الهمم الدنيئة، والغايات الهابطة! يزفر ويبيت ليله في مرض، أما ذاك المؤمن الذي رآها وغض بصره، فيتعب قليلاً في لحظة غض النظر وحين يصرف المؤمن بصره يجد قوة تدفعه إلى النظر، لماذا؟ لأن الشيطان يريد أن تنظر وأنت تصارعه، لكن إذا ذهب المنظر، وذهب الشيطان شعرت بإيمان تجد حلاوته في قلبك إلى أن تلقى الله. وأذكر لذلك قصة: ذات يوم وأنا في بيتي جاءني أحد الشباب يزورني، وحان وقت صلاة العصر، وخرجت معه إلى المسجد ثم رجعنا! وفي الطريق قابلنا مجموعة من الفتيات كأنهن عائدات من المدرسة، أو من زيارة، فأنا وهو آخذ بيدي غضضت بصري -وما لي فضل في ذلك- لأني كبير في السن، والشايب الذي ما يغض بصره هذا شايب عائب -والعياذ بالله- ولهذا جاء في الحديث: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة منهم: أشيمط زان) كبير في السن وما زال يتلفت في النساء، ولكن المؤمن الذي هو شابٌّ ويغض بصره هذا عظيم، شاب نشأ في طاعة الله، شاب دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، والشاب المؤمن هذا كان بجواري، المهم غضضنا أبصارنا وكنت أراقبه وجزاه الله خيراً، وكان يغض بصره وعينه في الأرض، وكلما اقتربنا كلما قويت قوة الشيطان على عيوننا، ولما جاوزن من عندنا -وفي قوة لكن في صبر- نظرت إليه وقلت له: غض البصر أفضل أم الالتفات؟ قال: غض البصر أفضل، قلت له: لماذا؟ قال: صبرت قليلاً لكن ليس في قلبي شيء، ولو أني ما غضضت بصري لبقيت مريضاً طوال يومي، فالأفضل أن أصبر قليلاً ولا أصبر كثيراً، الآن الإبرة تصبر عليها من أجل أن تسلم من المرض، لكن بعضهم يقول: لا والله. أظل مريضاً طوال حياتي ولا يضربوا لي إبرة واحدة، وهذا جنون! لكن اضرب نفسك بإبرة وغض البصر من أجل أن تسلم من المرض، إلى أن يعافيك الله سبحانه، ويعطيك عافية كبيرة إن شاء الله بزوجة حلال، أما أن تبقى مريضاً بمرض النظر إلى أن تسكنك عيونك في النار، فلا؛ لأن من ملأ عينيه بالحرام؛ ملأهما الله من نار جهنم والعياذ بالله. ففائدة أخرى من فوائد غض البصر: أن الله يريح قلبك، فترتاح وتعيش هادئ البال، وهل في الدنيا مطلب أعظم من راحة القلوب؟ والله راحة القلب بطاعة الله أعظم من كل راحة.

стр. 2926

إعمار الباطن بالتقوى والمراقبة ثانياً: وعمر باطنه بالتقوى والمراقبة: ما معنى هذا؟ معناه: أن يستشعر الإنسان مراقبة الله له في كل وقت وحين، وأن يشعر بأنه واقع تحت الرصد الرباني، والنظر الإلهي، وأنه لا يخفى على الله منه خافية، وأن الله معه في الليل والنهار، والسر والجهار، وأن الله يرصد ويسجل عليه كل عمل، يقول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [المجادلة:٧] كل شيء تعمله مكتوب عليك فلا تظنن أنك مفلت أبداً: وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء:١٠٨] الله معك وأنت تعمل هذا، والله يراقبك ويراك وينظر إليك، فإذا أحسست بهذا الشعور، وتعمق عندك هذا المعنى، فهل يمكن أن تعصيه وأنت تعلم أنه يراك؟ أبداً! فمن الذي يعصي؟ الذي غاب قلبه عن الله، وشعر أن الله لا يراه، أما من يشعر أن الله يراه ينتهي بسرعة، ولا يفعل معصية، فالحديث الذي في صحيح البخاري وصحيح مسلم عن الرجل الشاب الذي كان يحب بنت عمه كأشد ما يحب الرجال النساء، وبعد ذلك راودها عن نفسها فلم توافق، وبعد ذلك ألجأتها الظروف والحاجة إلى أن تطلبه مبلغاً من المال، فقال لها: لا أعطيك حتى تخلي بيني وبين نفسك، فوافقت تحت وطأة الاضطرار، ولما قعد منها مقعد الرجل من امرأته قالت له: يا هذا اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه. فقام، لماذا؟ لأنه مؤمن تذكر عظمة الله، فقام وتركها. هذا العمل جليل وعظيم عند الله، وكان كفيلاً بأن يزحزح الله عنهم الصخرة ويخرجون؛ لأن هذا العمل لا يفعله إلا شخص عنده إيمان مثل الجبال، فتستشعر مراقبة الله لك، ولو ما يراك أحد، فأنت تمشي في الشارع وترى امرأة وما يراك أحد، ولكن الله يراك فتغض بصرك. أنت في غرفة نومك في الليل ومعك المسجل أو الراديو، ومررت على أغنية، وكنت تحبها من أيام الجاهلية، ونفسك الأمارة بالسوء، وشيطانك الغوي يريدك أن تسمع، فلا تسمع؛ لأن الله تعالى يراك. فإذا أعطيت الراتب وفيه زيادة مائة أو خمسمائة وعددتها مرة ومرتين، وتأكد لك أن هذه زائدة تخرجها وتردها، بإمكانك أن تدخلها في جيبك ولكن الله يعلم أن هذا حرام، وأنت تعلم أن الله يعلم، كيف تقدم على هذا وأنت تعلم أن الله يعلم؟ لا يمكن؛ لأنه توجد مراقبة في قلبه. والمراقبة في قلبك تجعلك كبيراً، لا يمكن أبداً أن تقع في معصية لله، ولا أن تترك لله طاعة، لأنك مراقب من الداخل، فالآن عندما يقولون في الخط: السرعة محددة، والخط مراقب بالرادار، فإذا كانت السرعة محددة وجاء من تجاوز هذه السرعة، فإن سيارة المرور تلتقط رقم السيارة عن طريق الرادار، وتبلغ النقطة التالية، والتي بدورها توقف صاحب السيارة، وتلزمه بدفع الغرامة المحددة، فكل واحد منا عينه تتحرى أثناء السير، لماذا؟ لأن الخط مراقب. وطرق الله -يا إخوان- أما فيها مراقبة؟ بلى فيها مراقبة ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] فالله معك، لماذا لا تستشعر مراقبة الله؟ وبعد ذلك لا يمكن أن تفلت من قبضة الله، يمكن أن تفلت من قبضة سيارة المرور، يمكن جندي المرور أن يعفو عنك، يمكن لا توجد سيارة في الخط، أما هنا أبداً يسمع الله دبيب النملة السوداء، في الليلة الظلماء، على الصخرة الصماء، يعلم السر وما هو أخفى من السر، فلا يخفى على الله شيء، ولهذا قال ﵀: وعمر باطنه، أي جعل في باطنه عمارة، مبنى عظيم من المراقبة والخوف من الله، والاستشعار بعظمة الله، وعَمَر باطنه بالتقوى والمراقبة.

стр. 2927

إعمار الظاهر بالسنة ثالثاً: وعمر ظاهره بالسنة: ليس ظاهرك فقط يعني: شكلك، بل ظاهرك كل مظاهر حياتك، ظاهرك في لحيتك، وثوبك، وسواكك، وأكلك، وشربك، ونومك، ودخولك بيتك، وخروجك منه، وتعاملك، وفراش نومك، وكل شئون حياتك، تعمر هذا بالسنة، والسنة لم تفرط في شيء، حتى دخول الحمام فيه سنة، حتى جلوسك على الكرسي فيه سنة، أي تعظيم للإنسان أعظم من هذا التعظيم، أن الله يتولى رعايتك، ويحدد لك أمورك إلى أقصى شيء، حتى مباشرتك لزوجتك يعلمك الإسلام ما تقول عندما تأتي أهلك، ليست القضية بهيمية أو غريزة جنسية أو نزوة حيوانية، من حيوان على حيوانه، لا. إنها إنسانية، إنها صلة، إنها جنس؛ ولكن يمارس بإذن الله، يمارس باسم الله، ويتحول إلى عبادة، ولهذا قال ﷺ : (إذا أتى أحدكم امرأته وقال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فرزق مولوداً لم يقربه شيطان) وهذا تجدونه فيمن غض بصره عن الحرام، وعمر باطنه بالتقوى والمراقبة، وعمر ظاهره بالسنة. فلا تتهاون -يا أخي- عن سنة النبي ﷺ وهديه ومنهجه، عليك أن تعظمها، ولا تحسبها هينة فهي عند الله عظيمة.

стр. 2928

كف النفس عن الشهوات رابعاً وكف نفسه عن الشهوات: شهوات البطن، شهوات الجسد، وملذات الحياة، وخصوصاً المحرمة؛ لأن الاستغراق في الحرام مصيبة، ومن حام حول الحمى يوشك أن يرتع فيه.

стр. 2929

تعويد النفس على أكل الحلال الخامسة: وعود نفسه أكل الحلال: حرص على أن يكون كسبه طيباً؛ لأن الحلال الطيب ينبت العمل الطيب، والجسم الطيب. والحرام خبيث (وأيما جسد وكل لحم نبت من سحت فالنار أولى به) والرسول ﷺ يقول لـ سعد: (أطب مطعمك تجب دعوتك) والحديث الوارد في صحيح مسلم، يقول ﷺ : (ثم ذكر الرجل أشعث أغبر يطيل السفر، يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له) فيجب أن يكون عندك دقة في مراقبة دخلك بحيث لا يدخل عليك ريال واحد من حرام؛ لأنه إذا دخل عليك ريالاً واحد من حرام أفسد عليك الحلال والعياذ بالله. فهذه الأمور الخمسة أذكرها بإيجاز، وهي من غض بصره عن الحرام، وعمر باطنه بالتقوى، وعمر ظاهره بالسنة، وكف نفسه عن الشهوات، وتعود أكل الحلال، لم تكد تخطئ له فراسة، هذا الكلام قاله: شاه الكرماني، ونقل الكلام عنه ابن القيم في كتابه الجواب الكافي، وكما نقل في كتابه فوائد غض البصر، وهي فوائد عظيمة جداً. يقول: وكان شاه الكرماني لا تخطئ له فراسة، كان ينظر بنور الله جل وعلا. وقبل أن نقدم المفاجأة التي ذكرها الشيخ أجيب باختصار عن بعض الأسئلة.

стр. 2930

الأسئلة

стр. 2931

حكم الحب العفيف السؤال يقول أحد الإخوان: إن سألتم عنا فلله الحمد والمنة. الشيخ: متى سألت عنك يا أخي، الله يحفظك ويطيل عمرك؟!! السائل: ما حكم الحب العفيف؟ الجواب أولاً: أسأل عنك إن شاء الله، أنا أسأل عنك وعن كل أخ في الله، وليس على التخصيص، ولكن على التعميم، والقلوب والأرواح كما جاء في الحديث: (جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) ونسأل الله أن يجمعنا جميعاً في الجنة دار الكرامة، وجزاك الله خيراً. ثانياً: أما الحب العفيف فلا يوجد شيء اسمه (حب عفيف) هناك حب حلال، وحب حرام. فالحب الحرام: هو حب المرأة الحرام. والحب الحلال: هو حب الزوجة الحلال. فإذا كنت تحب زوجتك فهذا حلال، وهو طاعة لله، أما أن تحب بنت الناس التي لا يربطك بها رابط شرعي، وهي ليست زوجتك، وتحبها حباً عفيفاً، فهو حرام، بل هو حب سخيف -والعياذ بالله- وخبيث، ولا يوجد حب عفيف، الحب العفيف هو حب زوجتك الحلال. وقد سئل أحد العلماء ما حكم الحب؟ قال: حب الحرام حرام، وحب الحلال حلال.

стр. 2932

الربط لمنع الحمل لضرورة السؤال عندي زوجة، ولها ثمانية أولاد وبنتان وقد فتح بطنها، وأخرج منها طفل عن طريق العملية، هل يجوز لي الربط لما في ذلك من المصلحة حتى لا تحمل؟ الجواب إذا قال الأطباء إن حملها يتعبها ولا تتم ولادتها إلا عن طريق العملية، وأنت عندك هذا العدد من الأولاد، فقد أفتى العلماء أنه يجوز الربط؛ لأن في ذلك مصلحة، وأنه لا ضرر ولا ضرار في شريعة الله .

стр. 2933

أثر الدعوة في تجديد الإيمان السؤال نشكركم على تفضلكم بزيارة منطقة جيزان في الأسبوع الماضي، ونسأل الله لك السلامة يقول: إنا نحبك في الله، ويعلم الله كم كان لمحاضرتكم من التأثير الكبير في المنطقة، ولكن لنا بعض الشكاوي: الأولى: عدم توفر شريط تلك المحاضرة في تسجيلات أبها. ثانياً: قلة زيارتكم أنتم والشيخ عائض للمنطقة، وأنتم تعلمون ما لكم من التأثير فيها. حقيقة: باسم أهل جيزان أنقل عتابهم للشيخ عائض؛ لأن أولى الناس بالمشايخ في أبها منطقة جيزان، والمناطق المجاورة، وأولى الناس بالمعروف هم، وهذه المنطقة منطقة إيمان، والداعية لا يتعب فيها؛ لأن هناك جهد مبذول في المنطقة من الماضي، هناك جهود الشيخ عبد الله القرعاوي ﵀، وجهود الشيخ حافظ الحكمي ﵀، وجهود الدعاة والمشايخ والعلماء، ليس هناك بيت في منطقة جيزان إلا وفيه شهادة من كلية أصول الدين، والمنطقة مملوءة من أهل العلم، ولكن يحتاجون إلى بعثرة قليلة فقط لإزالة الغبار وتطلع جذوة الإيمان، والله لقد رأيت في منطقة أبو عريش في الأسبوع الماضي ما سر قلبي، وشرح صدري، فقد امتلأ ملعب كرة القدم من العارضة إلى العارضة كلهم جاءوا مرتين، جاءوا المرة الأولى واعتذرت؛ لأني كنت مريضاً، وجاءوا في المرة الثانية، فجزاهم الله خيراً. وفي منطقة سامطة أتيت في نادي التسامح وفي نادي حطين وكان الملعب ممتلئاً، والصالة ممتلئة، فهناك إقبال، ويجب أن يقابل هذا الإقبال بحرص العلماء على الحضور، وأعدهم إن شاء الله أن أكرر الزيارة وباسمهم أنقل إلى الشيخ عائض طلبهم بأن يذهب، ولا يعتذر بأن المكان بعيد، فالمسافة تستغرق ساعتين، وأهل أبها الآن ينتقلون إلى تهامة بيسر

стр. 2934

فضل الحب في الله السؤال لم أجد سؤالاً أكتبه، ولكن أخبرك أني أحبك في الله، وجميع من في هذا المسجد أخبرهم أني أحبهم في الله، وأشهد الله على ذلك، وأسأل الله أن يجمعنا وإياك وإياهم في دار كرامته. الجواب يقول: لم أجد سؤالاً أكتبه، كثر الله خيرك أرحتنا منك، وأنا أنقل لكم أنه يحبكم في الله، والله -أيها الإخوة- أن إن أعظم حب في الدنيا هو هذا الحب، ليس حباً في ورق، ولا عود، ولا حباً في سفرة ولا أكل، ولا حباً في دنيا، إنه حب في أعظم شيء، حب في الله (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله) يقول ﷺ : (عن يمين الرحمن وكلتا يدي ربي يمين، أقوام ليسوا بأنبياء ولا شهداء، قال أحد الصحابة وجثا على ركبتيه: صفهم لنا يا رسول الله؟ قال: أقوام نزاع من القبائل، يجتمعون وينتقون من الذكر أطايبه كما ينتقي آكل التمر أطايبه) فهم نزاع من القبائل من كل بلد، مثلكم الآن، من شرق، ومن غرب، ونجران، وجيزان، وبيشة، وبالقرن، وحائل، ومن كل أرض، واجتمعتم هنا من أجل ماذا؟ هل هناك أموال توزع بعد هذا الدرس؟ هل هناك من يعشيكم؟ لكن يعشيكم الرحمن ﵎، يعشيكم مولاكم بأن يقول لكم في آخر الجلسة: (قوموا مغفوراً لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات).

стр. 2935

مفاسد بيع الدخان والمجلات الخليعة السؤال نفيدكم أن صاحب سوق منهل المركزي استجاب للنصيحة وقام بمنع بيع الدخان، والمجلات العارية، وورق البلوت من محله نرجو أن تدعو له؟ الجواب نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يبارك له في دكانه، وأن يخلف عليه بخير، وليبشر، فوالله ما ترك شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه. ونحن بالمناسبة نناشد كل أصحاب محلات (السوبر ماركت) والأسواق المركزية، ومحلات الفيديو والتسجيلات، نناشدهم بالله، وندعوهم بدعوة الإيمان، ونقول لهم كما قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٢٤] لن تحشروا إلى الأسواق المركزية، ولا محلات الفيديو، ولا محلات التسجيلات، سوف تحشرون حفاة عراة، معكم أوزاركم وأوزار الذين تضلونهم بغير علم، ما من شريط فيديو ولا أغنية يباع في محل من هذه المحلات إلا وعلى صاحب المحل إثمه، وإثم من أضله إلى يوم القيامة، وعلى مالك العمارة مثل ذلك مع اللعنة والتشريد، لماذا؟ لأنه أجر العمارة لعمل حرام، لا يجوز لك أن تؤجر عمارتك على مثل هؤلاء، فليتق الله كل إنسان، نحن نحسن الظن بأصحاب المحلات التجارية، وأصحاب محلات (السوبر ماركت) وأصحاب محلات الفيديو، ومحلات التسجيلات، فلا نظن أنهم يحاربون الله، ولا نظن أنهم يسعون إلى هدم أسس المسلمين، ولا نظن أنهم ينشرون الرذيلة، ولكنهم يريدون تجارة فقط، وأكثرهم يقول: أنا أبيع وأشتري، هذا فاتح صيدلية، وهذا فاتح مواد بناء، وهذا (سوبر ماركت) أنا أفعل شيئاً جديداً، هل أفتح صيدلية؟ لا. بل أفتح شيئاً جديداً، ولكن أخطأت في الجديد، هذا فتح صيدلية لعلاج الأجساد، وهذا فتح سوقاً مركزياً لمصالح الناس، وهذا فتح مواد بناء في أمور مباحة، أما أنت فتحت مكاناً وقلعة لمحاربة الله ورسوله ﷺ . ومحلات الفيديو والأغاني قلاع حرب ضد الله، ورسوله، وكتابه، والمؤمنين، والفضيلة، لماذا تنشر الأغاني؟ أسألك بالله بم تعتذر يا صاحب المحل أمام الله ، وقد أغناك الله؟ والله لأن تعجن من التراب، وتأكل طيناً، خير لك من أن تأكل في بطنك ناراً. إنك تربي أولادك على النار، أرباحك كلها نار، تفرح في نهاية كل يوم، تجيء وتسأل العامل كم بعت شريط فيديو اليوم؟ يقول: بعت مائة شريط اليوم، أفسدت مائة أسرة في ذاك اليوم! أفسدت مائة بنت وولد هذا اليوم! ما أحد يزني على هذا الشريط إلا وعليك مثل وزره هو زنى وأنت زنيت معه؛ لأنه من دل على ضلال كان عليه وزره ووزر من عمل به إلى يوم القيامة، يا صاحب السوق المركزي: بعض الناس يقول: أنا لا أجلب المجلات والجرائد، وكذلك الدخان لذاتها ولكنها تجلب لي المشتري، ليست هي التي تجلب المشتري، إن الذي يجلب المشتري لك هو رزاق السماء والأرض. نعم. إن الله هو الرزاق ليس الدخان هو الرزاق، إذا كنت تعتقد أن الذي يرزقك هو المجلات والجرائد فهذا قدح في عقيدتك، فأنت ما آمنت بأن الله هو الرزاق، أنت عطلت صفة من صفات الله، وتعطيلك لصفة من صفات الله قدح في عقيدتك، ليست المسألة مسألة بيع دخان، ولكن المسألة مسألة خراب ذمة وعقيدة، فعليك أن تعتقد في الله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ [الزخرف:٣٢] وتعتقد في الله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت:٦٠] فليس على الدخان رزقك ولا المسجل، ولا الشريط، رزقك على الذي خلقك، لكنك استعجلت الحرام وأكلته، فعشت حياة ملطخة بالحرام، ويوم تموت والله ما ينفعك ولا يغني عنك شيئا، وسوف تندم وتعض على أصابع الندم وتقول: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٧]. أما المفاجأة وإن كانت غير سارة في نظر الناس، ولكنها سارة عند الله، في الأسبوع الماضي جمعت تبرعات لجماعة تحفيظ القرآن الكريم في هذا المكان، وكانت تبرعات مذهلة، يعني: جمعوا من هذا المجلس المبارك مائة وثمانين ألف ريال، شيء ما يصدقه العقل -يا إخوان- لكن البركة إذا حلت بارك الله في كل أمر، وجاء العشرات والمئات من الشباب، يقولون: ما علمنا بأمر التبرع، ولو علمنا لاستعدينا له. قلنا: إنها (ملحوقة) في الليلة الآتية نفتح صناديق التبرع عند الباب، والذي يريد الأجر يدركه إن شاء الله، والذي تبرع في الأسبوع الماضي ما يمنع أنه يتبرع الآن، لماذا؟ لأن المرء تحت ظل صدقته يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩]. وأذكر لكم قصة حدثني بها أحد الإخوة في مكة: يقول: كنا في وليمة، ومعنا بعض الإخوة والمشايخ يقول: شخص من الأثرياء خرج من المسجد الحرام، وركب سيارته الفارهة -سيارة (لكسز) - وهو ثري يملك الملايين يقول: وأثناء وقوفه وقف بجانبه رجل فقير من فقراء الحرم، وما أكثرهم! وقال له: من فضلك أعطني ما أتعشى به، وهو يملك الملايين ولا يضره لو أعطاه مائة ألف أومليوناً، لكن يقول: أنا مستعجل، وقد شغلت السيارة وقد مشت السيارة قليلاً يريدني أن أقف وأدخل يدي في جيبي وأخرج ريالاً، فالأمر يطول، قال: فقلت له: على الله، قال: فنظر إلي بعينين كأنها تبتلعني، وقال: تقول لي: على الله، تحيلني إلى ربي، أنا أعلم أن رزقي على الله ليس عليك، ولا بريالك، ولا بعشرتك، يقول: فرقعني بنظرته ثم ولى وتركني، يقول: وكان أمامي امرأة فقيرة تبيع حلويات، قال: لما رأته انصرف من عندي وما أعطيته شيئاً قالت له: تعال وفكت كيسها وأخرجت ريالاً وأعطته إياه، فانظروا كيف أن ريالاً سبق الريالات، قال: فلما أعطته قال: ضربني في قلبي شيء مثل السهم، يقول: الله ما أقل بركة هذه الدنيا وما أنا فيه، يُطلب مني ريالاً فلا أعطي، وهذه المسكينة ربما ما معها اليوم إلا هذا الريال، يقول: على الفور أوقفت السيارة وأطفأتها وأدخلت يدي في جيبي وفتحت الشنطة، وأخرجت عشرة ريالات، ونزلت أبحث عن الرجل فلم أجده، وكأن الأرض ابتلعته، يقول: فرجعت كأن هناك من ساقني إلى هذه المسكينة فأعطيتها العشرة، فسبحان الله، أنفقت ريالاً فردها ربي عليها بعشرة. فأنت الآن عندما تضع ريالاً فلا يضيع عند ربي: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] ليكن لكل منا في هذا المكان ريالاً سهماً في سبيل الله، نسهم به في ميدان الله . أسأل الله لنا ولكم التوفيق، والله أعلم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 2936

معوقات الهداية [٢ . ١] تحدث الشيخ في هذه المحاضرة عن معوقات الهداية، وقد بدأ حديثه بمقدمة لهذا الموضوع، فبدأ بالحديث عن نعمة الهداية ثم تحدث عن ثمرة الهداية، كما تحدث عن أهمية محاسبة النفس في سيرها إلى الله ، مبيناً الأسباب التي تعوق تحقق الهداية للمرء وقد فصل فيها تفصيلاً نافعاً.

стр. 2937

فضل نعمة الهداية إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونشكره ولا نكفره، ونخلع ونترك من يفْجُره. اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفِد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجِدَّ بالكفار مُلْحِق. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله وخيرته من خلقه، صلوات ربي عليه صلاة دائمة متتابعة ما تتابع الليل والنهار، وسلَّم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها الإخوة في الله: الإيمان ولزوم طريق الإيمان نعمة يمن الله بها على من يشاء من عباده، ونور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده، نعمةٌ لا ككل النعم، ونور يختلف عن جميع الأنوار، يقول الله في وصف هذه النعمة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] أي: ديني. ويقول للرسول ﷺ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [الفتح:١ - ٢]. ويقول في سورة يوسف على لسان يعقوب: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [يوسف:٦] اللهم أتمم علينا نعمة الدين والإيمان والهداية؛ لأن الإنسان بغير دين لا معنى له، ولا قيمة لوجوده، بل هو سَعفة في مهب الريح، ذرة هائمة من ذرات هذا الكون، حشرة تافهة من حشرات هذا العالم، لكنه بالدين والإيمان والهداية عنصرٌ فريد، إنسانٌ كريم، الله أكرمه، أنزل عليه كتابه، أرسل إليه رسوله، بيَّن له الطريق، أعدَّ له الجنة، كرامات إثر كرامات، متى تستحقها؟ إذا سرت في الطريق، إذا رُزِقت نعمة الهداية. نعمة الهداية نعمة تفسِّر لك هذه الحياة، وتقدِّم لك التفسير الحقيقي لِلُغْزِها، وتدلُّك على الطريق الصحيح الموصل إلى الله ، وتسكب في قلبك الأمن والطمأنينة والسرور والانشراح، وتطمئنك على المستقبل، وتبيِّن لك أن ما أمامك سيكون خيراً لك مما أنت فيه ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣١] لما كنتم أولياء لله كانت الملائكة أولياء لكم؛ لأن الملائكة توالي من والى الله، وتعادي من عادى الله: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ﴾ [فصلت:٣١] منذ كنتم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣١ - ٣٢].

стр. 2938

ثمرة الهداية نعمة الهداية نعمةٌ ثمرتها الجنة، والحديث عن الجنة تُشرق له النفوس، دون أن تعلم حقيقة الحديث، فإن كل ما خطر في بالك فالجنة بخلاف ذلك، كل ما تتصور، اذهب بخيالك واسرح ببالك في آفاق الخيال، وتصور كل ما يمكن أن يهديك إليه بالك وخيالك، ولكن أغلى الأماني عندك وأعظم الخيالات لديك تقف دون أن تصل إلى حقيقة ما في الجنة، يقول الله : ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة:١٧ - ٢٢] جاء الوصف مترتباً بعضه على بعض إلى أن جاء كمال النعمة بزوجات الجنة، غذاء، وطعام، وشراب، وفاكهة، وبعد ذلك لحوم، وبعد ذلك لا بد من شيء بعد هذا، حتى يتم السرور كله، قال الله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة:٢٢] كيف هُنَّ يا ربِّ؟ قال: ﴿كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة:٢٣] الحورية كاللؤلؤة المكنونة ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً﴾ [الواقعة:٢٤ - ٢٦]. نسأل الله وإياكم من فضله. ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧١] وفوق هذا كله طمأنينة، لا خروج ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧١]. هذه نعمة الجنة، ثمرة من ثمار الهداية والإيمان والدين. وثمرة أخرى، لا تقل عن هذه أهمية، هي: النجاة من النار، والله لو ما في الهداية إلا النجاة من النار لكانت السلامة كرامة، لو أمرك الله أن تخر ساجداً منذ خلقك إلى أن تموت من أجل أن تنجو من النار، وبعد ذلك يصيرك الله تراباً، لكان من حقك ألا تعصي الله طرفة عين؛ من أجل أن تنجو، أو لو أن الله أمرك منذ خلقك إلى أن تموت أن تخر له ساجداًَ من أجل أن تدخل الجنة وإذا عصيت يصيرك تراباً؛ لكان من حقك أن تطيع الله، فكيف إذا أطعته أدخلك الجنة ونجاك من النار؟! هل بقي لك مسوغ عقلي أن تعصي الله من أجل شهوة طاغية، ومن أجل لذة زائلة، ومن أجل شُبهة مضللة؟! لا والله. كذلك النار، كلما يمكن أن تتصوره من العذاب مهما سرحت في الخيال، وتصورت في البال فإن ما أعد الله لأهل النار في العذاب لا يخطر على بال، يقول الله : ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] بدا لهم من العذاب ومن النكال والدمار ما لم يكن يخطر لهم على بال ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾ [مريم:٧١ - ٧٢]. ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٥٥]. ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر:١٦]. ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر:٤٧ - ٤٨] على وجهه، أغلى ما في المرء وجهه، تود أن تُسحب على كل شيء إلا على وجهك ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الزمر:٢٤]، لكن: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٨ - ٤٩]. ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر:٧١] أغلال، الغل هو: القيد الواسع، الذي يوضع في الرقبة، ثم إن الغل مربوط بسلسلة (وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٧١ - ٧٢]. ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٦] إذا بلعه فلا ينزل من حلقه إلا بتعب، زقومٌ، ينشف لا يطلع ولا ينزل، ثم إذا نزل فإنه ينزل بدافع الماء الحميم، يشرب الماء فينزله، فإذا نزل اشتعل في بطنه، نفس الطعام ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٤] وما هو نوعه؟ قال: ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان:٤٥] يشتعل في بطنه، لا إله إلا الله! ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:٤٧] أي: إلى وسط النار ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٨] لماذا؟ قال: ﴿ذُقْ﴾ [الدخان:٤٩] ذُقْ يا شخصية! ذُقْ يا عظيم! ذُقْ يا ثري! ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩] كنتَ عزيزاً في الدنيا وكريماً في الدنيا؛ لكن ما كنتَ عزيزاً على الله، ما كنتَ كريماً لدى الله، عزيزاً في الدنيا، في المادة والدرهم والمنصب والجاه والسلطة، ولكن لا وزن لك عند الله، لا قيمة لك عند الله ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩] هذا عذاب ذكره الله، وذكر غيره كثيراً في القرآن. فيا إخواني! من يصبر على هذا العذاب؟! الذي لديه إمكانية يرفع إصبعه ويقوم، وما نذهب به إلى نار مثل هذه النار، نُشعل في يده عود الثقاب فقط -عود كبريت- ونقول له: يا بطل الأبطال! ويا متحدي النيران! أشعل هذا الثقاب واصبر عليه حتى يصل إلى إصبعك، وكن شجاعاً، اصبر لنرى كم تتحمل من نار هذا الثقاب! مهما كانت شجاعتُه، ومهما كانت بطولته، والله لا يستطيع أن يصبر على نار عود الثقاب، ولهذا يقول الله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة:١٧٥] ما أصبرهم على عذاب الله، وقد كان بإمكانهم ألا يطئوا النار وألا يدخلوها، من يصبر على هذا العذاب؟! ومن يصبر أن يفوته النعيم الذي ذكره الله في الجنة؟!

стр. 2939

وقفة محاسبة إخواني! ما هذه الغفلة، وإلى البِلى المصيرْ؟! وما هذا التواني والعمر قصيرْ؟! وإلى متى هذا التمادي في البطالة والتقصيرْ؟! وما هذا الكسل في الطاعة، وقد أنذركم النذيرْ؟! وإلى متى تُماطلون، وتعِدُون، وتكذبون، والناقد بصيرْ؟! انتبهوا -رحمكم الله- فالأمر والله شديد، وبادروا بقية العمر، فالندم بعد الموت لا يفيد! ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]. أين أحبابكم الذين سلفوا؟! أين أترابكم الذين رحلوا وانصرفوا؟! أين أرباب الأموال والمناصب وما خلَّفوا؟! ندموا على التفريط، يا ليتهم عرفوا! حول مقام يشيب من هوله الوليدْ! ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]. واعجباً لك -يا أخي! - كلما دُعيت إلى الله توانَيتْ! وكلما حرَّكتك المواعظ إلى الخيرات أبَيتَ وماطلتَ وتمادَيتْ! وكلما حذَّرك الموت ما انتهيتْ! يا من جسده حي وقلبه مَيْتْ! ستُعايِن والله عند الحسرات ما لا تريدْ! ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]. كم أزعج المنون نفوساً من ديارها؟! فَيَبْنِي الإنسانُ العمارة، والفيلة، وغرف النوم الواسعة، والدواوين، والصوالين العريضة، والسيارات الفارهة، فيأتي الموت يُخرجه منكوس الرأس، يُخرجه من القصر إلى القبر، ومن النور إلى الظلام، ومن الأنس إلى الوحشة، ومن الأهل إلى الوحدة. كم أزعج المنون نفوساً من ديارها؟! وكم أباد البِلى من أجساد منعَّمة ولَمْ يُدارِها؟! وكم نقل إلى القبر أرواحاً بأوزاها؟! أما علمت أن الموت لك بالمرصادْ؟! أما صاد غيرك ولك سيصطادْ؟! أما بلغك ما فعل بسائر العبادْ؟! أما سمعتَ قول الملك المجيدْ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]؟ إخواني! أين مَن بنى وشاد وطوَّلْ؟! أين مَن تأمَّر على العباد وساد في الأوَّلْ؟! أين مَن ظن أنه لا يتحوَّلْ؟! لم يدفع عنه المال ولا العبيدْ؟! ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]. كأنك -يا أخي! - بالموت وقد اختطفكْ! فيهرب منك الأخ وينسى إخاءكْ! ويُعرض عنك الصديق ويرفض ولاءكْ! وتذهل عن أولادك وعن نسائكْ! ويرجعون يقتسمون مالك ومتاعكْ! وأنت في اللحد فريد وحيدْ! ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]. والله لقد رُميت القلوب بالقسوة والغفلة، فلا تنتفع بوعظ ولا تخاف من تهديدْ! فإلى الله نشكي قسوة قلوبنا ونفوسنا الظالمة، إنه يفعل ما يريدْ، ونسأله العفو والعافية. فإنه نعم المولى ونحن بئس العبيدْ. إخواني في الله: لا مجال لنا في المماطلة، ولا مصلحة لنا من تأخير التوبة، إن الخيار الصحيح والبديل الأمثل أن نستجيب لله من أول لحظة، ثم نلزم الطريق ولا ننتكس، فإن العبرة بالخواتيم، لو صمتَ إلى قبل الغروب بلحظة ثم أفطرتَ بطل صيامُك، ولو صليتَ العشاء إلى قبل السلام بلحظة ثم انتقض وضوءُك بطلت صلاتُك، لا تنتفع بشيء إلا مع حُسن الخاتمة، فلا تطل عليك المدة، ﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]. سر في طريق الإيمان والزمه، وعض عليه، واثبت عليه، ولو خالفك العالم كله، إذا عرفت فالزم؛ لكن متى يرجع الإنسان وينتكس؟ إذا لم يعرف، وهو ما سنتكلم عنه في سؤال نجيب عنه إن شاء الله في الأسئلة.

стр. 2940

معوقات الهداية أما الهداية، والموانع والمعوقات التي تمنع الناس منها، فهي كثيرة جداً، طريقٌ لاحِدٌ طويل، وعقبةٌ شاقةٌ كَئود، جنة عالية، سلعة غالية. تهون علينا في المعالي نفوسنا ومن يخطب الحسناء لَمْ يغلها مهرُ الجنة سلعة الله الغالية، في طريقها عقبات، ودونها موانع، ومن بينك وبينها معوقات، إذا استطعت أن تزيح هذه الموانع، وأن تقتحم هذه المعوقات وصلت إلى الهداية، وإن قصُرت بك الهمة، وضعُفت بك النفس، ووقفتَ أمام هذه المعوقات موقف العاجز الضعيف، وتقهقرت إلى الوراء، خسرتَ الدنيا وخسرتَ الآخرة ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١]. ما هذه المعقوقات؟ وما هذه الموانع؟ هي كثيرة جداً، نذكر منها هذه الليلة ستة موانع:

стр. 2941

جليس السوء المعوق الأول -وهو أخطرها، وأهمها، وأعظمها-: الزميل السيئ، والرفيق الفاسد:- هذا قاطع طريق بينك وبين الله، كلما أردتَ أن تسلك إلى الله قطع الطريق بينك وبينه، لا يريدك أن تهتدي، لا يريد منك أن تسير إلى الله، يقطع الطريق عليك، يريدها عوجاً والله يريدها سمحة، يريدها ضلالاً والله يريدها هُدى، يريدها معصية والله يريدها طاعة، يريدها ظلاماًَ والله يريدها نوراً. الزميل السيئ: قد عرفنا من التجربة ومن الواقع كم سبَّبت زمالة السوء من نكبة لأصحابها، يقول علي ﵁: فلا تصحب أخا الفِسقِ وإياكَ وإياهُ فكم من فاسق أردى مطيعاً حين ماشاهُ يُقاس المرء بالمرءِ إذا ما المرء ماشاهُ وللمرء على المرءِ مقاييس وأشباهُ وللقلب على القلبِ دليل حين يلقاهُ ويقول الآخر: عن المرء لا تسل وسل عن قرينهِ فكل قرين بالمقارَن يَقتدي إذا ما صحبتَ القوم فاصحب خيارهمْ ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي ولا تصحب العاصي؛ لأنه يرديك ويُهلكك، ففي الصحيحين عن رسول الله ﷺ قال: (مثل الجليس الصالح، كمثل حامل المسك، إما أن يُحْذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة) أنت رابح مع الزميل الصالح في كل الأحوال، اشتريت، أو أهدى لك، أو وجدتَ ريحاً طيبة (ومثل الجليس السوء، كنافخ الكير، إما أن يُحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة). وقصة أبي طالب؛ عم رسول الله ﷺ في السيرة ثابتة وواضحة، لما حضرتْه الوفاة، وكان ممن يُدافع عن الإسلام وعن رسول الله ﷺ ، دافع عن رسول الله دفاعاً عظيماً، وما استطاعت قريش أن تنال من رسول الله شيئاً يوم كان حياً، يقول في كلامه: ولقد علمتُ أن دين محمد من خير أديان البرية دينا ثم يقول: لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدْتَني سمحاً بذاك مبيناً يقول: أنا أعرف أنه أعظم دين؛ لكن أخاف من اللوم، رأسُه ناشف متعصب جاهلي يخاف من أن يلومه أحد، وما الشيء الذي يلومونك عليه؟! أيلومونك إذا دخلت الجنة وتركت النار؟! هذا مثلما يقول الآن بعض الناس عندما تأتي عنده، وتقول له: حجِّب نساءك، فيقول: يا شيخ! هذه عاداتنا، والله لا أستطيع أن أحجِّب امرأتي على فلان، إذا حجَّبتها فهذا عار عندنا، أعارٌ أن تدخل الجنة؟! العار إذا دخلت جهنم ونُكِّست على وجهك أنت وامرأتك في جهنم، هذا هو العار الصحيح، أما أن تحتجب زوجتك، وتطبق أمر ربك فما هو بعار. فهذا الرجل الجاهلي، لَمَّا حضَرته الوفاة جاءه الرسول ﷺ ، فيقول في أبياته: والله لن يصلوا إليك بضربةٍ حتى أُوسَّد في التراب دفينا يقول: إذا متُّ فهو عُذري، أما وأنا حي فوالله لن ينال منك أحدٌ منهم بشيء، وعندما جاءت قريش تفاوضه، وقالوا: نعطيك شاباً من خيرة شبابنا يكون ولداً لك وتعطينا ولدك نقتله، قال: ما أسفه عقولكم! تعطوني ولدكم أغذوه، وأعطيكم ولدي تقتلوه. ثم طردهم، وبصق في وجوههم. هذا الرجل لَمَّا حضرته الوفاة كان الرسول ﷺ يريد أن يقول كلمة: لا إله إلا الله، من أجل أن يجد له مبرراً يشفع له به عند الله، من أجل المواقف العظيمة النبيلة التي وقفها في حماية الدين والإسلام، فجاء إليه وقال: (يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله) أعطني فقط حُجة أنك قلت لا إله إلا الله؛ حتى أستطيع أن أشفع لك عند الله. فالرجل لان قلبُه لهذه الكلمة، ثم أنه لن يخسر شيئاً، فهو ذاهبٌ ذاهبٌ في تلك اللحظات، لم تبق إلا لحظات ويموت، فلا يصلي، ولا يصوم، ولا يتعب، فقط يقل الكلمة هذه، والبقية على الله ، فأراد أن يقولها؛ لكن قرناء السوء حالوا بينه وبينها، كان عنده أبو لهب وأبو جهل، وعنده الوليد بن المغيرة، وعنده العاص بن وائل، هؤلاء رؤساء الكفر، صناديد قريش واقفون عند رأسه، فلما نظروا إليه وهو يتردد يريد أن يقولها، قالوا: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فضربوه على الوتر الحساس، على العصبية، فعرفوا أن رأسه ناشف، فذكّروه بملة أبيه وجده، قالوا: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فقال: بل على ملة عبد المطلب، ومات عليها، فقال ﷺ بعد أن مات: (والله لأستغفرن لك، ما لم أُنْهَ عنك) واستغفر له الرسول ﷺ ، ونهاه الله، وقال له: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة:١١٣] ولو كان عمّه ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣] وقال فيه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦]. فكان من عذابه أن معه نعلان من نار يغلي منها رأسه مثلما يغلي اللحم في القدر، يرون أهل النار أنه أخفهم عذاباً وهو يرى أنه أشد أهل النار عذاباً. تصوَّر حذاءً من نار! إذا أردتَ أن تعرف العملية بالضبط، فإذا جاء الغد، وأنت خارج من المسجد في القائلة، فاخرج بدون حذاء، وامش على الأسفلت بدون حذاء، هل تستطيع؟! وفي القائلة؟! ودرجة الحرارة (٤٠) درجة مئوية، لا تستطيع أن تمشي. لقد رأيتُ رجلاً وأنا في العُمرة، خرج من المسجد الحرام، وقد سُرقت حذاؤه، فأراد أن يقطع الشارع فقط ليشتري حذاءً، فعَبَر الأسفلت، فانسلخت أرجله من حرارة الأسفلت، وهو يبكي من حرارة الشمس، وهي فقط مسافة خمسة أمتار فقط يقطع فيها الشارع إلى المكان الآخر ليشتري حذاءً، فكيف بمن له نعلان من نار يغلي بها دماغه، وهو في ضحضاح من نار، وهو أخف أهل النار عذاباً، بسبب ماذا؟ بسبب الزميل والرفيق السيئ، فالزميل الصالح: يقول: قل لا إله إلا الله، والزميل السيئ يقول: لا. بل على ملة عبد المطلب، انظروا دور هذا ودور هذا. وأيضاً: في السنة تفسير الآية الكريمة في القرآن الكريم، قصة عُقبة بن أبي مُعيط -عليه لعائن الله المتتابعة- عُقبة هذا كان رجلاً أريباً وعاقلاً ولبيباً، وكان يحب أن يهتدي ويُسلم، ولكن كان له زميل خبيث، يصرفه عن الهداية، ويحول بينه وبين الإيمان، استغل عُقبة سفر زميله هذا إلى الشام، فجاء إلى النبي ﷺ ، واستمع القرآن، وكاد أن يُسلم، ولكنه تأخر، حتى جاء زميله من الشام، ولَمَّا دخل الزميل السيئ البيت سأل زوجتَه عن زميله، قال: ما صنع رفيقي فلان؟ قالت: صَبَأ -صَبَأ أي: أسلم- قال: صَبَأ؟!، قالت: نعم. فخرج من بيته لِتَوِّه، ما نام، وذهب إلى بيت زميله، وطرق عليه الباب، فلما خرج وحياه قال: علمتُ أنك صَبَأتَ، قال: لا. قال: بل صَبَأتَ، قال: لا. قال: إن كنتَ صادقاً فهيا معي الآن إلى المسجد الحرام، وابصق في وجه محمد -الرسول ﷺ قال: أبشِر، فخرج معه إلى المسجد، وجاء والرسول ساجد في الكعبة عند المسجد الحرام، ما كان له أحد يحميه -صلوات الله وسلامه عليه- كان يتعرض لجميع أنواع الأذى، يُصب سلا الجزور على ظهره يُبصَق في وجهه يُرجم بالحجارة يُضرب، ولكنه صابر، ولا يدعو عليهم، وإنما كلما آذوه يقول: (اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون) هذا هو الداعية، هكذا يكون الذي يدعو إلى الله، لكن بعض الناس بمجرد أن تعبس على وجهه قال: الله أكبر عليك أنت لا خير فيك. وذلك بمجرد أن تقول له كلمة واحدة، فلا يحب إلا أن تصفق له وتطبل له، وتقول: جزاك الله خيراً، لكن بمجرد أن يتعرض لأقل ابتلاء فإنه يغضب مباشرة ويسب ويشتم ويشتكي ويعمل الأعمال، ويقول: هؤلاء لا خير فيهم، هؤلاء منافقون، لا يا أخي! أنت داعية، اصبر على ما ينالك، احتسب كل ما يأتيك، لا تشتكِ إلا على الله، اعفُ، اسمح. فجاء عقبة وزميلُه إلى النبي ﷺ بعد رجوعه من حادثة الطائف عندما قال له مَلَك الجبال: أتريد أن أُطبق عليهم الأخشبين؟ فقال: (لا. إني أرجو الله أن يُخرج من أصلابهم من يعبده) حيث كان نَظَرُ النبي ﷺ بعيداً، وحُلُمه واسعاً، ونفسه كبيرة، فهي نفس نبي. جاء عقبة وبصق في وجه النبي ﷺ ، فمسح عن وجهه البُصاق، ودعا له: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون) ولم يقل بعدها أية كلمة، ورجع هذا الشقي عُقبة، وعاش بقية عمره، إلى أن بقيت أيام قليلة، فبعد هذه الحادثة هاجر الرسول، وحدثت معركة بدر الكبرى، وكان مِن ضمن مَن قُتل عقبة بن أبي مُعيط، قُتل إلى النار، وأدخله الله النار، وأخبر الله عنه في النار أنه يعضُّ يديه ندماً؛ لأنه ما اهتدى، قال : ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان:٢٧] لم يقل: على يده ولا إصبعه، بل قال: ﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان:٢٧] يأكل يديه كلها، فأنت إذا دخلت السوق واشتريت لك شماغاً بستين ريالاً، ووجدتها في دكان آخر بثلاثين ريالاً، فما رأيُك؟ وكيف سيكون شعورك؟ ستذهب إلى البيت ولن تتعشى تلك الليلة، يقال لك: تعشَّ، فتقول: لا والله، كيف أشتري الشماغ بستين وغيري اشتراه بثلاثين؟! أين عقلي أنا؟! هل كنتُ مجنوناًَ؟! لماذا لم أبحث جيداً في الأسواق؟! لماذا لم أبحث في عشرة دكاكين واحداً واحداً. فمن أجل ثلاثين ريالاً لن تتعشى؛ لأنك ضيعت شيئاً من حقك بغير حق؛ لكن يوم القيامة غبنٌ أعظم، سمى الله ذلك بيوم التغابن؛ يُغبن أهل ا

стр. 2942

اتباع الهوى المعوق الثاني من معوقات الهداية: اتباع الهوى لا اتباع الشرع:- وذلك كما يقول أكثر الناس اليوم، عندما تعرض على أحدهم الدليل من كتاب الله وسنة رسوله، يقول: صدقت، ولكن -يا شيخ- نفسي تقول لي كذا، وهواي يقول لي كذا. فهذا عبد هواه ولم يعبد مولاه، وهذا لا يهديه الله، يقول الله : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] أي: نفسه، وكيفه، ومزاجه، ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية:٢٣] كيف يهديه الله وقد اتخذ إلهه هواه؟ فلما اتخذ إلهه هواه جاءت العقوبة عليه أن الله ختم على سمعه وعلى قلبه، وجعل على بصره غشاوة، فلا يرى الحق، ولا يرى طريق النور، ولا يسمع الحق ولا يفقهه؛ لأنه اتخذ إلهه هواه. قال الله: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣] فيجب عليك أن تخضع لأمر مولاك، ولا تقل: أنا على كيفي، أو على مزاجي، لا. لا كيف لك ولا مزاج ولا نفس، أنت على مراد ربك، أنت على شرع خالقك، أنت على هدي نبيك، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧]، ولو كان أمر الله لا تقبله نفسُك الأمارة بالسوء بسرعة أقصرها، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:٤٠] فإذا قالت نفسك: اسمع الأغاني، فقل لها: لا. أو قالت نفسك: انظر إلى النساء، فقل: لا. أو قالت نفسك: احلق لحيتك، فقل: لا. أو قالت نفسك: اسحب ثيابك، فقل: لا. أو قالت نفسك: اترك الصلاة، فقل: لا. أو قالت نفسك: عق والديك، فقل: لا. لماذا؟ لأنك تسير وفق شرع ربك وخالقك، هذا هو المؤمن. أما أن تسمع أمر الله وتصر على المعاصي، فهذا ما لا ينبغي، كأن تعرف أن الغناء حرام، وتقول لمن ينصحك بتركه: والله صدقت، لكن ماذا أفعل؟ لا أستطيع، نفسي والله تحب الغناء، أحب الطرب. فهذا الذي يحب الطرب سوف يندم على الطرب يوم القيامة. دخلتُ في سوق من الأسواق في أيام العيد أشتري سلعة، وإذا بصاحب الدكان ينظر إلى جهاز التلفزيون وفيه مطرب -مغنٍ-، وهو يعزف بألحان، والرجل فاغرٌ فاه ينظر إليه، فسألتُه: بكم هذا؟ ما سمعَني، قلت: يا هذا، يا أخي تكلم! ماذا وراءك؟ قال: يا شيخ! ما رأيتَ؟ قلت: ماذا هناك؟ قال: المطرب العظيم هذا، أما تعرفه؟ قلت: لا والله لا أعرفه، نسأل الله أن يجعلني لا أعرفه، معرفة هذا وأشكاله خسارة، لا أعرفه، قال: (أوه!) فاتك نصف عمرك، قلت: وأنت فاتك كل عمرك، كيف فاتني نصف عمري؟! قال: هذا المطرب العظيم الذي كذا وكذا. وجعل يشيد به، قلت: وماذا في المطرب؟ ماذا يفعل؟ هل اخترع شيئاً؟ قال: لا. بل مطرب، يجعل الناس يلحنون ويغنون، قلت: حسناً، إذا مات هل ينفعه الطرب عند الله؟ أجاب مباشرة بنفسه، وقال: لا. قلت: إذاً: ماذا يفعل بهذا الطرب؟! قال: والله لا يحبه الله، قلت: الإنسان خُلق في الدنيا لكي يطرب ويغني فيدخل النار؟! إذا لم يكن في هذه الحياة خير ينفعني في الآخرة فما قيمة حياتي؟! يقول الله : ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣] أي: لم تعد تنفعه الذكرى، فماذا يقول؟! ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤] أين هي حياته؟ أهي هذه التي نحن فيها؟ لا. هذه ليست حياته ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤] أي: للآخرة، التي فيها الحياة الطويلة، قلت: هذا المطرب لن ينفعه شيء من الطرب في الآخرة، قال: نعم. والله لن ينفعه، قلت: وما رأيك في الجماهير الذين يحبونه؟! أيحشرون معه يوم القيامة؟! قال: والله معه، قلت: أوينفعهم هذا؟ قال: لا ينفعهم، قلت: وأنت ما موقفك؟ تبرأْ منه الآن حتى لا تكون معه في الآخرة، أما إذا كان هو يطرب وأنت تشجع، فجمهوره في النار، كما جاء في حديث ابن ماجة عن عمرو بن مرة عن النبي ﷺ قال: (إن المغنين يُبعثون يوم القيامة عرايا، لا يستترون بِهَدَبَة، لهم عواء كعواء الكلاب في النار) الصياح الذي كان يصيحه في الدنيا يتحول من صياح إلى شكل آخر، صياح والنار تصلاه، والعذاب يناله في كل جزء من جسمه، يصيح صياحاً يؤذي أهل النار، لا حول ولا قوة إلا بالله. فانتبه لا تتبع الهوى، واتبع الشرع، فعليك أن تتبع دين الله ، يقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠] أي: لا أحد أضل ممن اتبع هواه، أي: لا يهديه الله، ألستَ تريد الهداية؟ ستقول: نعم. سنقول لك: إذاً الهداية في اتباع الشرع، لا تتبع الهوى، لا تقل: أنا على كيفي وعلى هواي وعلى مزاجي ومع نفسي، لا. بل كن على كيف ربك، على هوى ودين شرع ربك، أما هواك فلا ﴿فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف:٣٠]، لماذا؟ قال: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:٣٠] عندما اتخذ الشيطان ولياً من دون الله صرفه الله عن الهداية، وحقت عليه الضلالة، ﴿وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف:٣٠] والعياذ بالله. هذا المعوق الثاني، وهو اتباع الهوى، وعدم اتباع الشرع. نريد أن نضبط هذه المعوقات واحدة تلو الأخرى، نريد أن تكون هذه المجالس مجالس عمل مجالس منهج، لا نريد كلاماً ثم نخرج وكفى، لا. بل من هذا المجلس تقرر مصيرك، من هذا المجلس تحدد اتجاهك إلى الله، تغير واقعك رأساً على عقب، تغير كل شيء في حياتك؛ لأنك اهتديت إلى الله. أولاً: الزميل السيئ، ارفضه. ثانياً: الهوى المتَّبع، ارفُضْه، فماذا تتبع إذاً؟ تتبع الشرع. فما هو الهوى؟ الهوى: ما تَرِد عليك من خواطر، ومن أفكار، ومن رغبات، ومن شبهات، ومن شهوات، هذا هو الهوى.

стр. 2943

الإعراض عن دين الله المعوق الثالث من معوقات الهداية: الإعراض عن دين الله:- فلا يُتَعَلَّم ولا يُعْمَل به، فتقول للمعرض: خذ هذا الشريط واسمعه، يقول لك: لا. لن أسمع، أرجوك اصرفه، صاحب الشريط صدق كثيراً؛ لكننا إذا سمعنا الشريط فسيكون حجة علينا، ويكون علينا ذنب إذا سمعناه ولم نعمل به، فالأفضل ألا نسمعه ولا نعمل به. انظر إلى الشيطان كيف يغويه! سبحان الله! يقول: إذا سمعنا الشريط وما عملنا به صار علينا ذنب، ولكن نتركه، لا نسمع ولا نعمل؛ لكي لا يكون علينا ذنب. لا. بل لكي يكون عليك ذنبان لا ذنب واحد، ذنب الإعراض وذنب الكفر، لكن لو استمعت فلعل الله أن يهديك، فما تدري، ربما في الشريط هذا خير، خذه -يا أخي! -، إذا عُرض عليك شريط إسلامي فخذه، وإذا رأيت كتاباً إسلامياً فخذه، وإذا سمعت بندوة إسلامية احضرها، وأقبل على الله. أما الإعراض عن دين الله، لا يتعلمه ولا يعمل به، فهذا مانع من موانع الهداية، إذ لا يهدي الله من هو معرض عنه، يقول الله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤]، ويقول: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً﴾ [الزخرف:٣٦] انظر، هذه واحدة بواحدة، اعرض عن ذكر الرحمن فسيسلط الله عليك شيطاناً، ثم إن الشيطان ماذا يفعل بك؟ هل يدلك؟ على الخير قال الله: (فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦] أي: رفيقٌ وصاحب، ماسِكٌ لمقود سيارتِه يقوده، ثم قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [الزخرف:٣٧] لن يهديك إلى الله، بل يضلك عن الله، ثم يقلب الموازين عندك، فيقول الله: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٧]. فيضللك الشيطان ويهديك إلى سوء الجحيم، ويقنعك أنك أنت الذي على الحق، وأن الذين على الحق هم على الباطل، فإذا انكشفت الأوراق يوم القيامة وزالت الحواجب، كل الحُجُب، قال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٨]، قال الله: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [الزخرف:٣٩ - ٤٠] الأصم الذي لا يريد أن يسمع، والأعمى الذي لا يريد أن يرى، أتهديهما؟! ﴿وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ * فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [الزخرف:٤٠ - ٤٣] القرآن ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:٤٣ - ٤٤] سوف تُسأل يوم القيامة عن هذا الدين سواءً أحفظتَه أو ضيعته، أقبلت عليه أو أعرضت عنه. فإياك إياك أن تعرض عن الله. هذا هو المعوق الثالث، وهو: الإعراض، فكثيرٌ من الناس الآن تجد الرجل منهم جاهلاً أجهل من حمار أهله، وإذا قلت له: تعال نتعلم الدين، قال: يا شيخ! نعرف الدين. هذا الشخص لا يريد أن يهتدي، لماذا؟ لأنه معرض، لا يريد أن يهتدي؛ لكن لو قلتَ له: تعال، هناك عشاء، أو كبسة، أو لعبة، أو عَرْضة، ويسمونها عَرْضة شعبية، فسيجيبك، ويتقفز من المغرب إلى الفجر، ويقفز ويرجع، ويقفز ويرجع، وما آخر القفزات هذه؟ لا شيء، يعود إلى البيت وقد تعب، ثم ينام. لكن إذا قلت له: تعال إلى ندوة من ندوات العلم، وحلقة من حلقات الذكر، قال: نحن نعرف الدين، الدين يُسر، نحن أحسن من غيرنا، عَقَّدْتُم أنفسكم بالجلوس في هذه الندوات، وفي هذه الحلقات. وأنت -أيها المعرض- ألست بمعقد، نعم، لقد أوقع نفسه في معصية الله -والعياذ بالله- وسوف يندم يوم يرى الحقائق ماثلة أمام عينيه، ويقول: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤]. هذا هو المعوق الثالث. المعوق الأول: الزميل السيئ. المعوق الثاني: اتباع الهوى. المعوق الثالث: الإعراض عن دين الله، لا يتعلمه ولا يعمل به، بل أقبل -يا أخي- على الله، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:١٧] ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠].

стр. 2944

الكبر المعوق الرابع: الكِبْر: الكبرياء، إذا قلت للمتكبر: تعال قال: لا. أنا شخصية، إذا جئت وأنا شخصية، فربما يجلس بجانبي فقير أو جندي أو فرَّاش، وأنا شخصية، فكيف يكون هذا؟! أََأُسْقِط اعتباري، ستذوب شخصيتي؟! لا لا، إلا إذا كان المجلس كله شخصيات فإنني سآتي. أتدرون من قال هذا التعبير؟ قاله كفار قريش، قالوا للرسول: لا نجلس معك وعندك هؤلاء العبيد، فأبعد من المجلس بلالاً وسلمان وصهيباً لا نجلس معهم، فالرسول ﷺ أراد أن يخصص لهؤلاء جلسة ولهؤلاء جلسة؛ لكن جاء التصريح من الله، قال الله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨] وهؤلاء هم الضعفاء (وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] مفروطة عليه، ضال -والعياذ بالله-، أضله الله، وأموره كلها مَفْلُوتة، فلا تطعه، بل اجلس مع هؤلاء المؤمنين. فالكبرياء مانع من موانع الهداية، لماذا؟ قال الله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٤٦]. الكبرياء، انتبه! لا تتكبر على الله، اجلس في مجالس الذكر، ولو كنتَ عظيماً، ولو كنتَ مديراً، ولو كنتَ وزيراً، ولو كنتَ ثرياً، فأنتَ فقير إلى الله ولو كنتَ عظيماً، أنتَ فقير إلى الله ولو كنتَ مديراً، أنتَ فقير إلى الله ولو كنتَ وزيراً، أنتَ فقير إلى الله ولو كنتَ ثرياً؛ لأن الناس كلهم فقراء، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] لا يوجد أحدٌ يستغني عن الله في شيء، كيف تستغني عن الله وبيده مقاليد الأمور؟! فلا بد أن تَضَعْ نفسَك ولا تتكبر، لا تتكبر على عباد الله؛ لأن الكبرياء لله، يقول الله في الحديث القدسي الصحيح: (الكبرياء إزاري، والعظمة ردائي، فمن نازعني فيهما ألقيته في النار ولا أبالي). فالمتكبرون يوم القيامة يحشرهم الله كأمثال الذر في صور الرجال، يحشر الله المتكبر فيجعله مثل الذرة، لكن في صورة رجل، ويصغره الله إلى أن يصير مثل الذرة لكن في شخصية رجل، يطأه الناس بأخفافهم، ويركضونه بأرجلهم، ولا يعرفون أنه هو، لا يرونه؛ لأنه مثل الذرة، وأخبر ﷺ أن المتكبرين يوم القيامة يحشرون في سجن يُقال له: بُوْنِس -هكذا في الحديث- تشب عليهم فيه نارُ الأنيار، ليست ناراً، بل نار الأنيار، نار من نوع خاص؛ لأن هذا الكبرياء لله، ليس لك. إذاً: فما هو الكبر؟ الكبر: هو غَمْطُ الناس وبَطَرُ الحق. غَمْطُ الناس: أي: يحتقر الناس، كلما جاءه فلان قال: ليس عنده شيء، ما وظيفته؟ فيقال له: فراش، فيشيح وجهه، ثم يقول: كم رصيده؟ فيقال: ليس عنده شيء، ثم يسأل: أعنده مزرعة؟ أو عنده شيء؟ فيحقر الناس، وربما أن هذا الفراش أعظم من ملء الأرض من أشكال هذا المتكبر؛ لأن موازين الله غير موازين البشر ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] فلا تتعاظم. وبَطَرُ الحق: إذا جاء الحق قال المتكبر: لا. من قاله؟ فلان؟ لا. الحق لا يؤخذ من فلان أو فلان، الحق يؤخذ من الله ورسوله. فلا تتعاظم. علامات الكبرياء: العلامة الأولى: الشموخ والأنفة ورفع الرأس، فبعض المتكبرين تراه كأنه مشنوق في السماء، إذا مشى كأنه مربوط بأنفه في السماء، لا يمشي معتدلاً، بل يمشي ورأسه إلى أعلى، ثم بعد ذلك؟ سيَدُسُّون بأنفك هذا -أيها المتكبر- في الطين، فما تنفعك أنفتُك. العلامة الثانية: عدم التسليم على الناس:- إذا دخل الإدارة -مثلاً- لا يسلم؛ فإذا قيل له: لماذا لا تسلم؟ قال: السلام يذيب الشخصية. أتريد بناء الشخصية على الكبرياء، بل والله تسقط شخصيتك بالكبرياء، لكن عندما تدخل على موظفيك وتقول: السلام عليكم، صباح الخير، وتسلم على الفراش، وتصبِّح عليه، وتسأله: كيف أنت يا أبا فلان؟ إن شاء الله مبسوط، مالي أرآك اليوم غضبان، فإن هذا هو الذي يبني لك شخصية، فهذا التصرف إذا متَّ أو أحالوك من الوظيفة، فإن الناس كلهم يقولون: بارك الله فيه، وفقه الله وحفظه في الدنيا والآخرة، لكن ذلك الذي يتكبر، فسيصبرون عليه حتى يرحل من الوظيفة، وإذا رحل ولقوه في الشارع -فوالله- لن يسلموا عليه، بل إذا رأوه يبصقون في وجهه، هذا الذي يريد أن يبني له شخصية، ما عادت له شخصية في تلك اللحظة. العلامة الثالثة: حب تقدم الناس:- إذا مشى المتكبر مع أناس فإنه يريد أن يمشي أولاً. العلامة الرابعة: حب قيام الناس له:- إذا دخل المتكبر على الناس فإنه يريد أن يقفوا له كلهم، لم يقفوا يكون غضبان. لا -يا أخي! -، المتواضع إذا دخل على المجالس وقاموا له: قال: لا. مكانكم مكانكم، وجلس في أقرب مكان، هذا هو المؤمن، هذا هو الْْهَيِّن اللَّيِّن، فهذا رسول الله ﷺ كان إذا دخل على قوم جلس أينما ينتهي به المجلس، ولكن كان الصدر عنده صلوات الله وسلامه عليه، أكرم خلق الله، جاءه رجلان أعرابيان قد سمعوا بذكره، وقد نُصر بالرعب مسيرة شهر، فلما جاءوا إليه وقفا وهما ترتعد فرائصهما، خوفاً من رسول الله ﷺ ، قال: (ما عليكما، لا تخافا، إني ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة) يقول: لا تخافوا مني، أنا لستُ بشخصية ولا شيء، أنا رجل ابن امرأة كانت بـ مكة تأكل القديد. ما هو القديد؟ القديد: اللحم الجاف، الذي يُعَلَّق على المناشير من الفقر، ثم يأكلونه يوماً بعد يوم. فيقول: أنا فقير ما عندي شيء، فما زالا حتى سكن، صلوات الله وسلامه عليه. فلا تتكبر -يا أخي! - على عباد الله، حتى يهديك الله، أما إذا نفخ الشيطان في أنف أحدٍ بالكبرياء فهذا لا يهديه الله.

стр. 2945

معاندة الحق بعد الوضوح المعوق الخامس من معوقات الهداية: معاندة الحق بعد الوضوح:- بعض الناس يتضح له الحق ثم يعاند فيه، فتقول له: قال الله وقال رسوله، يقول: صدقتَ، نعم. قال الله وقال رسوله. لكنه لا يمتنع، فهذا معاند، لا يمكن أن يهديه الله، لماذا؟ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥] أي: نثَبِّتُه في طريق الضلال، وبعد ذلك، ما هي النهاية؟ ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء:١١٥] لأنه مشى في طريق جهنم من أولها، ﴿وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥] فلا تشاقق الرسول. وفي الحديث الصحيح أن رجلاً كان عند الرسول ﷺ يأكل بشماله، وما منعه أن يأكل بيمينه إلا الكبرياء، فقال له الرسول ﷺ : (كل بيمينك، قال: لا أستطيع) أي: أنا شخصية، لا آكل إلا بهذه، لا أستطيع بغيرها، فقال له الرسول ﷺ : (لا استطعت) أي: جعلك الله لا تستطيع. قال العلماء: فما رفعها إلى فمه حتى مات، أصابها الله بالشلل، وصارت يابسة، لا يستطيع أن يحركهاالسبب هو الكبرياء. يحدثني أحد الإخوة الثقات بالأمس، فيقول: كان هناك شاب يلعب الكاراتيه، ولديه عضلات، فدعاه أحد المؤمنين إلى الله، وذكَّره بالموت، وذكَّره بعذاب الله، فسخر منه، وما ألقى له بالاً، قال له الأخ الصالح: حسناً -يا أخي! - إذا جاءك ملك الموت فماذا تفعل؟ يريد أن يهدده بالله وبالموت، قال: أواجهه بالكاراتيه -يعني: أعطيه ضربة كاراتيه- يقول: وفي هذه اللحظة، وبعد أن أكمل الكلمة، ونحن جلوس، إذا بالرجل يضطرب، ويقع على وجهه، ويرتفع ويقع، ثم أخذناه وغسلنا وجهه، وقلنا له: ماذا بك؟! قال: ضربني بعصا على ظهري مثل جذع النخلة -أي: (أحدٌ ضربني بصَمِيْل لا كالصُّمل المعروفة) بل مثل جذع الشجرة في ظهري، فوقعت على وجهي- فقلنا له: من هو؟ قال: لستُ أدري، قال له الرجل الصالح: لماذا لم تعطه ضربة بالكاراتيه؟! قال: إني أشعر بالموت، وأنت تفكر في الكاراتيه، فقال: الحمد لله. فأخذوه وذهبوا به إلى البيت، وجلس أياماً متعباً، ثم تاب وتاب الله عليه. انظر إلى الضربة كيف جاءت من الله عندما عاند الرسول، وأراد أن يلعب كاراتيه. هل سمعتَ -يا أخي-؟! لا تعاند، كلما سمعتَ أمراً لله فارض به، وقل: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥] ولا تقل: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة:٩٣] أو سمعنا ولكن! لا. بل إن لكن هذه ملف الشيطان، وملف المنافقين.
следующие страницы →