Полный текст (2 982 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
جليس السوء
المعوق الأول -وهو أخطرها، وأهمها، وأعظمها-: الزميل السيئ، والرفيق الفاسد:- هذا قاطع طريق بينك وبين الله، كلما أردتَ أن تسلك إلى الله قطع الطريق بينك وبينه، لا يريدك أن تهتدي، لا يريد منك أن تسير إلى الله، يقطع الطريق عليك، يريدها عوجاً والله يريدها سمحة، يريدها ضلالاً والله يريدها هُدى، يريدها معصية والله يريدها طاعة، يريدها ظلاماًَ والله يريدها نوراً.
الزميل السيئ: قد عرفنا من التجربة ومن الواقع كم سبَّبت زمالة السوء من نكبة لأصحابها، يقول علي ﵁:
فلا تصحب أخا الفِسقِ وإياكَ وإياهُ
فكم من فاسق أردى مطيعاً حين ماشاهُ
يُقاس المرء بالمرءِ إذا ما المرء ماشاهُ
وللمرء على المرءِ مقاييس وأشباهُ
وللقلب على القلبِ دليل حين يلقاهُ
ويقول الآخر:
عن المرء لا تسل وسل عن قرينهِ فكل قرين بالمقارَن يَقتدي
إذا ما صحبتَ القوم فاصحب خيارهمْ ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
ولا تصحب العاصي؛ لأنه يرديك ويُهلكك، ففي الصحيحين عن رسول الله ﷺ قال: (مثل الجليس الصالح، كمثل حامل المسك، إما أن يُحْذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة) أنت رابح مع الزميل الصالح في كل الأحوال، اشتريت، أو أهدى لك، أو وجدتَ ريحاً طيبة (ومثل الجليس السوء، كنافخ الكير، إما أن يُحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة).
وقصة أبي طالب؛ عم رسول الله ﷺ في السيرة ثابتة وواضحة، لما حضرتْه الوفاة، وكان ممن يُدافع عن الإسلام وعن رسول الله ﷺ ، دافع عن رسول الله دفاعاً عظيماً، وما استطاعت قريش أن تنال من رسول الله شيئاً يوم كان حياً، يقول في كلامه:
ولقد علمتُ أن دين محمد من خير أديان البرية دينا
ثم يقول:
لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدْتَني سمحاً بذاك مبيناً
يقول: أنا أعرف أنه أعظم دين؛ لكن أخاف من اللوم، رأسُه ناشف متعصب جاهلي يخاف من أن يلومه أحد، وما الشيء الذي يلومونك عليه؟! أيلومونك إذا دخلت الجنة وتركت النار؟! هذا مثلما يقول الآن بعض الناس عندما تأتي عنده، وتقول له: حجِّب نساءك، فيقول: يا شيخ! هذه عاداتنا، والله لا أستطيع أن أحجِّب امرأتي على فلان، إذا حجَّبتها فهذا عار عندنا، أعارٌ أن تدخل الجنة؟! العار إذا دخلت جهنم ونُكِّست على وجهك أنت وامرأتك في جهنم، هذا هو العار الصحيح، أما أن تحتجب زوجتك، وتطبق أمر ربك فما هو بعار.
فهذا الرجل الجاهلي، لَمَّا حضَرته الوفاة جاءه الرسول ﷺ ، فيقول في أبياته:
والله لن يصلوا إليك بضربةٍ حتى أُوسَّد في التراب دفينا
يقول: إذا متُّ فهو عُذري، أما وأنا حي فوالله لن ينال منك أحدٌ منهم بشيء، وعندما جاءت قريش تفاوضه، وقالوا: نعطيك شاباً من خيرة شبابنا يكون ولداً لك وتعطينا ولدك نقتله، قال: ما أسفه عقولكم! تعطوني ولدكم أغذوه، وأعطيكم ولدي تقتلوه.
ثم طردهم، وبصق في وجوههم.
هذا الرجل لَمَّا حضرته الوفاة كان الرسول ﷺ يريد أن يقول كلمة: لا إله إلا الله، من أجل أن يجد له مبرراً يشفع له به عند الله، من أجل المواقف العظيمة النبيلة التي وقفها في حماية الدين والإسلام، فجاء إليه وقال: (يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله) أعطني فقط حُجة أنك قلت لا إله إلا الله؛ حتى أستطيع أن أشفع لك عند الله.
فالرجل لان قلبُه لهذه الكلمة، ثم أنه لن يخسر شيئاً، فهو ذاهبٌ ذاهبٌ في تلك اللحظات، لم تبق إلا لحظات ويموت، فلا يصلي، ولا يصوم، ولا يتعب، فقط يقل الكلمة هذه، والبقية على الله ، فأراد أن يقولها؛ لكن قرناء السوء حالوا بينه وبينها، كان عنده أبو لهب وأبو جهل، وعنده الوليد بن المغيرة، وعنده العاص بن وائل، هؤلاء رؤساء الكفر، صناديد قريش واقفون عند رأسه، فلما نظروا إليه وهو يتردد يريد أن يقولها، قالوا: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فضربوه على الوتر الحساس، على العصبية، فعرفوا أن رأسه ناشف، فذكّروه بملة أبيه وجده، قالوا: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فقال: بل على ملة عبد المطلب، ومات عليها، فقال ﷺ بعد أن مات: (والله لأستغفرن لك، ما لم أُنْهَ عنك) واستغفر له الرسول ﷺ ، ونهاه الله، وقال له: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة:١١٣] ولو كان عمّه ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣] وقال فيه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦].
فكان من عذابه أن معه نعلان من نار يغلي منها رأسه مثلما يغلي اللحم في القدر، يرون أهل النار أنه أخفهم عذاباً وهو يرى أنه أشد أهل النار عذاباً.
تصوَّر حذاءً من نار! إذا أردتَ أن تعرف العملية بالضبط، فإذا جاء الغد، وأنت خارج من المسجد في القائلة، فاخرج بدون حذاء، وامش على الأسفلت بدون حذاء، هل تستطيع؟! وفي القائلة؟! ودرجة الحرارة (٤٠) درجة مئوية، لا تستطيع أن تمشي.
لقد رأيتُ رجلاً وأنا في العُمرة، خرج من المسجد الحرام، وقد سُرقت حذاؤه، فأراد أن يقطع الشارع فقط ليشتري حذاءً، فعَبَر الأسفلت، فانسلخت أرجله من حرارة الأسفلت، وهو يبكي من حرارة الشمس، وهي فقط مسافة خمسة أمتار فقط يقطع فيها الشارع إلى المكان الآخر ليشتري حذاءً، فكيف بمن له نعلان من نار يغلي بها دماغه، وهو في ضحضاح من نار، وهو أخف أهل النار عذاباً، بسبب ماذا؟ بسبب الزميل والرفيق السيئ، فالزميل الصالح: يقول: قل لا إله إلا الله، والزميل السيئ يقول: لا.
بل على ملة عبد المطلب، انظروا دور هذا ودور هذا.
وأيضاً: في السنة تفسير الآية الكريمة في القرآن الكريم، قصة عُقبة بن أبي مُعيط -عليه لعائن الله المتتابعة- عُقبة هذا كان رجلاً أريباً وعاقلاً ولبيباً، وكان يحب أن يهتدي ويُسلم، ولكن كان له زميل خبيث، يصرفه عن الهداية، ويحول بينه وبين الإيمان، استغل عُقبة سفر زميله هذا إلى الشام، فجاء إلى النبي ﷺ ، واستمع القرآن، وكاد أن يُسلم، ولكنه تأخر، حتى جاء زميله من الشام، ولَمَّا دخل الزميل السيئ البيت سأل زوجتَه عن زميله، قال: ما صنع رفيقي فلان؟ قالت: صَبَأ -صَبَأ أي: أسلم- قال: صَبَأ؟!، قالت: نعم.
فخرج من بيته لِتَوِّه، ما نام، وذهب إلى بيت زميله، وطرق عليه الباب، فلما خرج وحياه قال: علمتُ أنك صَبَأتَ، قال: لا.
قال: بل صَبَأتَ، قال: لا.
قال: إن كنتَ صادقاً فهيا معي الآن إلى المسجد الحرام، وابصق في وجه محمد -الرسول ﷺ قال: أبشِر، فخرج معه إلى المسجد، وجاء والرسول ساجد في الكعبة عند المسجد الحرام، ما كان له أحد يحميه -صلوات الله وسلامه عليه- كان يتعرض لجميع أنواع الأذى، يُصب سلا الجزور على ظهره يُبصَق في وجهه يُرجم بالحجارة يُضرب، ولكنه صابر، ولا يدعو عليهم، وإنما كلما آذوه يقول: (اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون) هذا هو الداعية، هكذا يكون الذي يدعو إلى الله، لكن بعض الناس بمجرد أن تعبس على وجهه قال: الله أكبر عليك أنت لا خير فيك.
وذلك بمجرد أن تقول له كلمة واحدة، فلا يحب إلا أن تصفق له وتطبل له، وتقول: جزاك الله خيراً، لكن بمجرد أن يتعرض لأقل ابتلاء فإنه يغضب مباشرة ويسب ويشتم ويشتكي ويعمل الأعمال، ويقول: هؤلاء لا خير فيهم، هؤلاء منافقون، لا يا أخي! أنت داعية، اصبر على ما ينالك، احتسب كل ما يأتيك، لا تشتكِ إلا على الله، اعفُ، اسمح.
فجاء عقبة وزميلُه إلى النبي ﷺ بعد رجوعه من حادثة الطائف عندما قال له مَلَك الجبال: أتريد أن أُطبق عليهم الأخشبين؟ فقال: (لا.
إني أرجو الله أن يُخرج من أصلابهم من يعبده) حيث كان نَظَرُ النبي ﷺ بعيداً، وحُلُمه واسعاً، ونفسه كبيرة، فهي نفس نبي.
جاء عقبة وبصق في وجه النبي ﷺ ، فمسح عن وجهه البُصاق، ودعا له: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون) ولم يقل بعدها أية كلمة، ورجع هذا الشقي عُقبة، وعاش بقية عمره، إلى أن بقيت أيام قليلة، فبعد هذه الحادثة هاجر الرسول، وحدثت معركة بدر الكبرى، وكان مِن ضمن مَن قُتل عقبة بن أبي مُعيط، قُتل إلى النار، وأدخله الله النار، وأخبر الله عنه في النار أنه يعضُّ يديه ندماً؛ لأنه ما اهتدى، قال : ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان:٢٧] لم يقل: على يده ولا إصبعه، بل قال: ﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان:٢٧] يأكل يديه كلها، فأنت إذا دخلت السوق واشتريت لك شماغاً بستين ريالاً، ووجدتها في دكان آخر بثلاثين ريالاً، فما رأيُك؟ وكيف سيكون شعورك؟ ستذهب إلى البيت ولن تتعشى تلك الليلة، يقال لك: تعشَّ، فتقول: لا والله، كيف أشتري الشماغ بستين وغيري اشتراه بثلاثين؟! أين عقلي أنا؟! هل كنتُ مجنوناًَ؟! لماذا لم أبحث جيداً في الأسواق؟! لماذا لم أبحث في عشرة دكاكين واحداً واحداً.
فمن أجل ثلاثين ريالاً لن تتعشى؛ لأنك ضيعت شيئاً من حقك بغير حق؛ لكن يوم القيامة غبنٌ أعظم، سمى الله ذلك بيوم التغابن؛ يُغبن أهل ا
стр. 2942
اتباع الهوى
المعوق الثاني من معوقات الهداية: اتباع الهوى لا اتباع الشرع:- وذلك كما يقول أكثر الناس اليوم، عندما تعرض على أحدهم الدليل من كتاب الله وسنة رسوله، يقول: صدقت، ولكن -يا شيخ- نفسي تقول لي كذا، وهواي يقول لي كذا.
فهذا عبد هواه ولم يعبد مولاه، وهذا لا يهديه الله، يقول الله : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] أي: نفسه، وكيفه، ومزاجه، ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية:٢٣] كيف يهديه الله وقد اتخذ إلهه هواه؟ فلما اتخذ إلهه هواه جاءت العقوبة عليه أن الله ختم على سمعه وعلى قلبه، وجعل على بصره غشاوة، فلا يرى الحق، ولا يرى طريق النور، ولا يسمع الحق ولا يفقهه؛ لأنه اتخذ إلهه هواه.
قال الله: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣] فيجب عليك أن تخضع لأمر مولاك، ولا تقل: أنا على كيفي، أو على مزاجي، لا.
لا كيف لك ولا مزاج ولا نفس، أنت على مراد ربك، أنت على شرع خالقك، أنت على هدي نبيك، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧]، ولو كان أمر الله لا تقبله نفسُك الأمارة بالسوء بسرعة أقصرها، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:٤٠] فإذا قالت نفسك: اسمع الأغاني، فقل لها: لا.
أو قالت نفسك: انظر إلى النساء، فقل: لا.
أو قالت نفسك: احلق لحيتك، فقل: لا.
أو قالت نفسك: اسحب ثيابك، فقل: لا.
أو قالت نفسك: اترك الصلاة، فقل: لا.
أو قالت نفسك: عق والديك، فقل: لا.
لماذا؟ لأنك تسير وفق شرع ربك وخالقك، هذا هو المؤمن.
أما أن تسمع أمر الله وتصر على المعاصي، فهذا ما لا ينبغي، كأن تعرف أن الغناء حرام، وتقول لمن ينصحك بتركه: والله صدقت، لكن ماذا أفعل؟ لا أستطيع، نفسي والله تحب الغناء، أحب الطرب.
فهذا الذي يحب الطرب سوف يندم على الطرب يوم القيامة.
دخلتُ في سوق من الأسواق في أيام العيد أشتري سلعة، وإذا بصاحب الدكان ينظر إلى جهاز التلفزيون وفيه مطرب -مغنٍ-، وهو يعزف بألحان، والرجل فاغرٌ فاه ينظر إليه، فسألتُه: بكم هذا؟ ما سمعَني، قلت: يا هذا، يا أخي تكلم! ماذا وراءك؟ قال: يا شيخ! ما رأيتَ؟ قلت: ماذا هناك؟ قال: المطرب العظيم هذا، أما تعرفه؟ قلت: لا والله لا أعرفه، نسأل الله أن يجعلني لا أعرفه، معرفة هذا وأشكاله خسارة، لا أعرفه، قال: (أوه!) فاتك نصف عمرك، قلت: وأنت فاتك كل عمرك، كيف فاتني نصف عمري؟! قال: هذا المطرب العظيم الذي كذا وكذا.
وجعل يشيد به، قلت: وماذا في المطرب؟ ماذا يفعل؟ هل اخترع شيئاً؟ قال: لا.
بل مطرب، يجعل الناس يلحنون ويغنون، قلت: حسناً، إذا مات هل ينفعه الطرب عند الله؟ أجاب مباشرة بنفسه، وقال: لا.
قلت: إذاً: ماذا يفعل بهذا الطرب؟! قال: والله لا يحبه الله، قلت: الإنسان خُلق في الدنيا لكي يطرب ويغني فيدخل النار؟! إذا لم يكن في هذه الحياة خير ينفعني في الآخرة فما قيمة حياتي؟! يقول الله : ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣] أي: لم تعد تنفعه الذكرى، فماذا يقول؟! ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤] أين هي حياته؟ أهي هذه التي نحن فيها؟ لا.
هذه ليست حياته ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤] أي: للآخرة، التي فيها الحياة الطويلة، قلت: هذا المطرب لن ينفعه شيء من الطرب في الآخرة، قال: نعم.
والله لن ينفعه، قلت: وما رأيك في الجماهير الذين يحبونه؟! أيحشرون معه يوم القيامة؟! قال: والله معه، قلت: أوينفعهم هذا؟ قال: لا ينفعهم، قلت: وأنت ما موقفك؟ تبرأْ منه الآن حتى لا تكون معه في الآخرة، أما إذا كان هو يطرب وأنت تشجع، فجمهوره في النار، كما جاء في حديث ابن ماجة عن عمرو بن مرة عن النبي ﷺ قال: (إن المغنين يُبعثون يوم القيامة عرايا، لا يستترون بِهَدَبَة، لهم عواء كعواء الكلاب في النار) الصياح الذي كان يصيحه في الدنيا يتحول من صياح إلى شكل آخر، صياح والنار تصلاه، والعذاب يناله في كل جزء من جسمه، يصيح صياحاً يؤذي أهل النار، لا حول ولا قوة إلا بالله.
فانتبه لا تتبع الهوى، واتبع الشرع، فعليك أن تتبع دين الله ، يقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠] أي: لا أحد أضل ممن اتبع هواه، أي: لا يهديه الله، ألستَ تريد الهداية؟ ستقول: نعم.
سنقول لك: إذاً الهداية في اتباع الشرع، لا تتبع الهوى، لا تقل: أنا على كيفي وعلى هواي وعلى مزاجي ومع نفسي، لا.
بل كن على كيف ربك، على هوى ودين شرع ربك، أما هواك فلا ﴿فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف:٣٠]، لماذا؟ قال: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:٣٠] عندما اتخذ الشيطان ولياً من دون الله صرفه الله عن الهداية، وحقت عليه الضلالة، ﴿وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف:٣٠] والعياذ بالله.
هذا المعوق الثاني، وهو اتباع الهوى، وعدم اتباع الشرع.
نريد أن نضبط هذه المعوقات واحدة تلو الأخرى، نريد أن تكون هذه المجالس مجالس عمل مجالس منهج، لا نريد كلاماً ثم نخرج وكفى، لا.
بل من هذا المجلس تقرر مصيرك، من هذا المجلس تحدد اتجاهك إلى الله، تغير واقعك رأساً على عقب، تغير كل شيء في حياتك؛ لأنك اهتديت إلى الله.
أولاً: الزميل السيئ، ارفضه.
ثانياً: الهوى المتَّبع، ارفُضْه، فماذا تتبع إذاً؟ تتبع الشرع.
فما هو الهوى؟ الهوى: ما تَرِد عليك من خواطر، ومن أفكار، ومن رغبات، ومن شبهات، ومن شهوات، هذا هو الهوى.
стр. 2943
الإعراض عن دين الله
المعوق الثالث من معوقات الهداية: الإعراض عن دين الله:- فلا يُتَعَلَّم ولا يُعْمَل به، فتقول للمعرض: خذ هذا الشريط واسمعه، يقول لك: لا.
لن أسمع، أرجوك اصرفه، صاحب الشريط صدق كثيراً؛ لكننا إذا سمعنا الشريط فسيكون حجة علينا، ويكون علينا ذنب إذا سمعناه ولم نعمل به، فالأفضل ألا نسمعه ولا نعمل به.
انظر إلى الشيطان كيف يغويه! سبحان الله! يقول: إذا سمعنا الشريط وما عملنا به صار علينا ذنب، ولكن نتركه، لا نسمع ولا نعمل؛ لكي لا يكون علينا ذنب.
لا.
بل لكي يكون عليك ذنبان لا ذنب واحد، ذنب الإعراض وذنب الكفر، لكن لو استمعت فلعل الله أن يهديك، فما تدري، ربما في الشريط هذا خير، خذه -يا أخي! -، إذا عُرض عليك شريط إسلامي فخذه، وإذا رأيت كتاباً إسلامياً فخذه، وإذا سمعت بندوة إسلامية احضرها، وأقبل على الله.
أما الإعراض عن دين الله، لا يتعلمه ولا يعمل به، فهذا مانع من موانع الهداية، إذ لا يهدي الله من هو معرض عنه، يقول الله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤]، ويقول: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً﴾ [الزخرف:٣٦] انظر، هذه واحدة بواحدة، اعرض عن ذكر الرحمن فسيسلط الله عليك شيطاناً، ثم إن الشيطان ماذا يفعل بك؟ هل يدلك؟ على الخير قال الله: (فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦] أي: رفيقٌ وصاحب، ماسِكٌ لمقود سيارتِه يقوده، ثم قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [الزخرف:٣٧] لن يهديك إلى الله، بل يضلك عن الله، ثم يقلب الموازين عندك، فيقول الله: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٣٧].
فيضللك الشيطان ويهديك إلى سوء الجحيم، ويقنعك أنك أنت الذي على الحق، وأن الذين على الحق هم على الباطل، فإذا انكشفت الأوراق يوم القيامة وزالت الحواجب، كل الحُجُب، قال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف:٣٨]، قال الله: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [الزخرف:٣٩ - ٤٠] الأصم الذي لا يريد أن يسمع، والأعمى الذي لا يريد أن يرى، أتهديهما؟! ﴿وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ * فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [الزخرف:٤٠ - ٤٣] القرآن ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:٤٣ - ٤٤] سوف تُسأل يوم القيامة عن هذا الدين سواءً أحفظتَه أو ضيعته، أقبلت عليه أو أعرضت عنه.
فإياك إياك أن تعرض عن الله.
هذا هو المعوق الثالث، وهو: الإعراض، فكثيرٌ من الناس الآن تجد الرجل منهم جاهلاً أجهل من حمار أهله، وإذا قلت له: تعال نتعلم الدين، قال: يا شيخ! نعرف الدين.
هذا الشخص لا يريد أن يهتدي، لماذا؟ لأنه معرض، لا يريد أن يهتدي؛ لكن لو قلتَ له: تعال، هناك عشاء، أو كبسة، أو لعبة، أو عَرْضة، ويسمونها عَرْضة شعبية، فسيجيبك، ويتقفز من المغرب إلى الفجر، ويقفز ويرجع، ويقفز ويرجع، وما آخر القفزات هذه؟ لا شيء، يعود إلى البيت وقد تعب، ثم ينام.
لكن إذا قلت له: تعال إلى ندوة من ندوات العلم، وحلقة من حلقات الذكر، قال: نحن نعرف الدين، الدين يُسر، نحن أحسن من غيرنا، عَقَّدْتُم أنفسكم بالجلوس في هذه الندوات، وفي هذه الحلقات.
وأنت -أيها المعرض- ألست بمعقد، نعم، لقد أوقع نفسه في معصية الله -والعياذ بالله- وسوف يندم يوم يرى الحقائق ماثلة أمام عينيه، ويقول: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤].
هذا هو المعوق الثالث.
المعوق الأول: الزميل السيئ.
المعوق الثاني: اتباع الهوى.
المعوق الثالث: الإعراض عن دين الله، لا يتعلمه ولا يعمل به، بل أقبل -يا أخي- على الله، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:١٧] ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠].
стр. 2944
الكبر
المعوق الرابع: الكِبْر: الكبرياء، إذا قلت للمتكبر: تعال قال: لا.
أنا شخصية، إذا جئت وأنا شخصية، فربما يجلس بجانبي فقير أو جندي أو فرَّاش، وأنا شخصية، فكيف يكون هذا؟! أََأُسْقِط اعتباري، ستذوب شخصيتي؟! لا لا، إلا إذا كان المجلس كله شخصيات فإنني سآتي.
أتدرون من قال هذا التعبير؟ قاله كفار قريش، قالوا للرسول: لا نجلس معك وعندك هؤلاء العبيد، فأبعد من المجلس بلالاً وسلمان وصهيباً لا نجلس معهم، فالرسول ﷺ أراد أن يخصص لهؤلاء جلسة ولهؤلاء جلسة؛ لكن جاء التصريح من الله، قال الله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨] وهؤلاء هم الضعفاء (وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] مفروطة عليه، ضال -والعياذ بالله-، أضله الله، وأموره كلها مَفْلُوتة، فلا تطعه، بل اجلس مع هؤلاء المؤمنين.
فالكبرياء مانع من موانع الهداية، لماذا؟ قال الله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٤٦].
الكبرياء، انتبه! لا تتكبر على الله، اجلس في مجالس الذكر، ولو كنتَ عظيماً، ولو كنتَ مديراً، ولو كنتَ وزيراً، ولو كنتَ ثرياً، فأنتَ فقير إلى الله ولو كنتَ عظيماً، أنتَ فقير إلى الله ولو كنتَ مديراً، أنتَ فقير إلى الله ولو كنتَ وزيراً، أنتَ فقير إلى الله ولو كنتَ ثرياً؛ لأن الناس كلهم فقراء، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] لا يوجد أحدٌ يستغني عن الله في شيء، كيف تستغني عن الله وبيده مقاليد الأمور؟! فلا بد أن تَضَعْ نفسَك ولا تتكبر، لا تتكبر على عباد الله؛ لأن الكبرياء لله، يقول الله في الحديث القدسي الصحيح: (الكبرياء إزاري، والعظمة ردائي، فمن نازعني فيهما ألقيته في النار ولا أبالي).
فالمتكبرون يوم القيامة يحشرهم الله كأمثال الذر في صور الرجال، يحشر الله المتكبر فيجعله مثل الذرة، لكن في صورة رجل، ويصغره الله إلى أن يصير مثل الذرة لكن في شخصية رجل، يطأه الناس بأخفافهم، ويركضونه بأرجلهم، ولا يعرفون أنه هو، لا يرونه؛ لأنه مثل الذرة، وأخبر ﷺ أن المتكبرين يوم القيامة يحشرون في سجن يُقال له: بُوْنِس -هكذا في الحديث- تشب عليهم فيه نارُ الأنيار، ليست ناراً، بل نار الأنيار، نار من نوع خاص؛ لأن هذا الكبرياء لله، ليس لك.
إذاً: فما هو الكبر؟ الكبر: هو غَمْطُ الناس وبَطَرُ الحق.
غَمْطُ الناس: أي: يحتقر الناس، كلما جاءه فلان قال: ليس عنده شيء، ما وظيفته؟ فيقال له: فراش، فيشيح وجهه، ثم يقول: كم رصيده؟ فيقال: ليس عنده شيء، ثم يسأل: أعنده مزرعة؟ أو عنده شيء؟ فيحقر الناس، وربما أن هذا الفراش أعظم من ملء الأرض من أشكال هذا المتكبر؛ لأن موازين الله غير موازين البشر ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] فلا تتعاظم.
وبَطَرُ الحق: إذا جاء الحق قال المتكبر: لا.
من قاله؟ فلان؟ لا.
الحق لا يؤخذ من فلان أو فلان، الحق يؤخذ من الله ورسوله.
فلا تتعاظم.
علامات الكبرياء: العلامة الأولى: الشموخ والأنفة ورفع الرأس، فبعض المتكبرين تراه كأنه مشنوق في السماء، إذا مشى كأنه مربوط بأنفه في السماء، لا يمشي معتدلاً، بل يمشي ورأسه إلى أعلى، ثم بعد ذلك؟ سيَدُسُّون بأنفك هذا -أيها المتكبر- في الطين، فما تنفعك أنفتُك.
العلامة الثانية: عدم التسليم على الناس:- إذا دخل الإدارة -مثلاً- لا يسلم؛ فإذا قيل له: لماذا لا تسلم؟ قال: السلام يذيب الشخصية.
أتريد بناء الشخصية على الكبرياء، بل والله تسقط شخصيتك بالكبرياء، لكن عندما تدخل على موظفيك وتقول: السلام عليكم، صباح الخير، وتسلم على الفراش، وتصبِّح عليه، وتسأله: كيف أنت يا أبا فلان؟ إن شاء الله مبسوط، مالي أرآك اليوم غضبان، فإن هذا هو الذي يبني لك شخصية، فهذا التصرف إذا متَّ أو أحالوك من الوظيفة، فإن الناس كلهم يقولون: بارك الله فيه، وفقه الله وحفظه في الدنيا والآخرة، لكن ذلك الذي يتكبر، فسيصبرون عليه حتى يرحل من الوظيفة، وإذا رحل ولقوه في الشارع -فوالله- لن يسلموا عليه، بل إذا رأوه يبصقون في وجهه، هذا الذي يريد أن يبني له شخصية، ما عادت له شخصية في تلك اللحظة.
العلامة الثالثة: حب تقدم الناس:- إذا مشى المتكبر مع أناس فإنه يريد أن يمشي أولاً.
العلامة الرابعة: حب قيام الناس له:- إذا دخل المتكبر على الناس فإنه يريد أن يقفوا له كلهم، لم يقفوا يكون غضبان.
لا -يا أخي! -، المتواضع إذا دخل على المجالس وقاموا له: قال: لا.
مكانكم مكانكم، وجلس في أقرب مكان، هذا هو المؤمن، هذا هو الْْهَيِّن اللَّيِّن، فهذا رسول الله ﷺ كان إذا دخل على قوم جلس أينما ينتهي به المجلس، ولكن كان الصدر عنده صلوات الله وسلامه عليه، أكرم خلق الله، جاءه رجلان أعرابيان قد سمعوا بذكره، وقد نُصر بالرعب مسيرة شهر، فلما جاءوا إليه وقفا وهما ترتعد فرائصهما، خوفاً من رسول الله ﷺ ، قال: (ما عليكما، لا تخافا، إني ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة) يقول: لا تخافوا مني، أنا لستُ بشخصية ولا شيء، أنا رجل ابن امرأة كانت بـ مكة تأكل القديد.
ما هو القديد؟ القديد: اللحم الجاف، الذي يُعَلَّق على المناشير من الفقر، ثم يأكلونه يوماً بعد يوم.
فيقول: أنا فقير ما عندي شيء، فما زالا حتى سكن، صلوات الله وسلامه عليه.
فلا تتكبر -يا أخي! - على عباد الله، حتى يهديك الله، أما إذا نفخ الشيطان في أنف أحدٍ بالكبرياء فهذا لا يهديه الله.
стр. 2945
معاندة الحق بعد الوضوح
المعوق الخامس من معوقات الهداية: معاندة الحق بعد الوضوح:- بعض الناس يتضح له الحق ثم يعاند فيه، فتقول له: قال الله وقال رسوله، يقول: صدقتَ، نعم.
قال الله وقال رسوله.
لكنه لا يمتنع، فهذا معاند، لا يمكن أن يهديه الله، لماذا؟ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١١٥] أي: نثَبِّتُه في طريق الضلال، وبعد ذلك، ما هي النهاية؟ ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء:١١٥] لأنه مشى في طريق جهنم من أولها، ﴿وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء:١١٥] فلا تشاقق الرسول.
وفي الحديث الصحيح أن رجلاً كان عند الرسول ﷺ يأكل بشماله، وما منعه أن يأكل بيمينه إلا الكبرياء، فقال له الرسول ﷺ : (كل بيمينك، قال: لا أستطيع) أي: أنا شخصية، لا آكل إلا بهذه، لا أستطيع بغيرها، فقال له الرسول ﷺ : (لا استطعت) أي: جعلك الله لا تستطيع.
قال العلماء: فما رفعها إلى فمه حتى مات، أصابها الله بالشلل، وصارت يابسة، لا يستطيع أن يحركهاالسبب هو الكبرياء.
يحدثني أحد الإخوة الثقات بالأمس، فيقول: كان هناك شاب يلعب الكاراتيه، ولديه عضلات، فدعاه أحد المؤمنين إلى الله، وذكَّره بالموت، وذكَّره بعذاب الله، فسخر منه، وما ألقى له بالاً، قال له الأخ الصالح: حسناً -يا أخي! - إذا جاءك ملك الموت فماذا تفعل؟ يريد أن يهدده بالله وبالموت، قال: أواجهه بالكاراتيه -يعني: أعطيه ضربة كاراتيه- يقول: وفي هذه اللحظة، وبعد أن أكمل الكلمة، ونحن جلوس، إذا بالرجل يضطرب، ويقع على وجهه، ويرتفع ويقع، ثم أخذناه وغسلنا وجهه، وقلنا له: ماذا بك؟! قال: ضربني بعصا على ظهري مثل جذع النخلة -أي: (أحدٌ ضربني بصَمِيْل لا كالصُّمل المعروفة) بل مثل جذع الشجرة في ظهري، فوقعت على وجهي- فقلنا له: من هو؟ قال: لستُ أدري، قال له الرجل الصالح: لماذا لم تعطه ضربة بالكاراتيه؟! قال: إني أشعر بالموت، وأنت تفكر في الكاراتيه، فقال: الحمد لله.
فأخذوه وذهبوا به إلى البيت، وجلس أياماً متعباً، ثم تاب وتاب الله عليه.
انظر إلى الضربة كيف جاءت من الله عندما عاند الرسول، وأراد أن يلعب كاراتيه.
هل سمعتَ -يا أخي-؟! لا تعاند، كلما سمعتَ أمراً لله فارض به، وقل: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥] ولا تقل: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة:٩٣] أو سمعنا ولكن! لا.
بل إن لكن هذه ملف الشيطان، وملف المنافقين.
стр. 2946
الكذب
المعوق السادس -وهو من أخطرها-: الكذب:- وأنا جعلتُه الأخير، لأنه مرض منتشر في أكثر الناس.
الكذاب لا يهديه الله أبداًَ، مستحيل أن يهديه، قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٨] فهو كذاب، كيف يهدي الله رجلاً كذاباً دجالاً متلوناً، كل يوم له صبغة، وكل يوم له لون، وكل يوم له فكرة؟ لن يهديه الله.
ويقول النبي ﷺ والحديث في الصحيحين: (عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدُق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صِدِّيقاً، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذاباً) وإذا كتبه الله كذاباً قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٨] لا يمكن أن يهديه الله، ولهذا ترون أن الكذاب من الناس هو أحط درجة في المجتمع، أسفل رجل، وأنقص رجل، لا قيمة له، حتى عند نفسه، فلو سألت الكذاب عن شيء، ستجده في نفسه يعرف أن خبره ليس صدقاً، حتى زوجته لا تثق في كلامه، وأولاده لا يثقون في كلامه، وجيرانه لا يثقون في كلامه، وكل الناس لا يثقون فيه، إذا نُقل خبر قيل: من قائل هذا الكلام؟ فإذا قيل: فلان، قيل: فلان كذاب، فلا يوثق في كلامه، حتى وإن كان صادقاً فسيقال عنه: كذاب؛ لأن الله قد كتبه كذاباً.
فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٨]-والعياذ بالله، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]، ويقول: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [محمد:٢١]، وأيضاً في الصحيحين يقول ﵊: (البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيَّنا بُورِك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما مُحِقت بركة بيعهما) الكذاب الذي يبيع سلعته، ويخفي العيب فيها، ويكتم، ويكذب في استعمال السلعة، هذا يمحق الله بركته، لكن انظروا إلى التاجر الصادق، إذا جئت إليه، وقلت له: ماذا في السيارة؟ قال: السيارة فيها الماطور لا يعمل جيداً، هذا الذي أعرف فيها، وغير ذلك لا أدري، نقصت قيمة السيارة، بدل أن كان سيبيعها بعشرين أصبح يبيعها بعشرة، لكن يبارك الله في العشرة.
وكم من بائع يبيع سيارة بثلاثين ألف ريال، ويقول: ليس فيها أي شيء، فيقال له: أمصدومة هي؟ فيقول: أأبيع لك سيارة مصدومة؟! أتصدق هذا الكلام؟! فلا يعطيه كلمة لا وكفى، بل يعطيه شيئاً أعظم من لا، يقول: وهل تصدق أني أبيع لك السيارة مصدومة؟ أبداً، هذه ليس فيها أي شيء، وإذا سأله عن الكيلو كيف هو؟ قال: الكيلو؟ لم يقف لحظة واحدة.
وهو واقف منذ سنتين، وإذا سأله: كم مشت؟ قال: خمسة آلاف فقط.
من البيت إلى الدوام، لا أذهب إلى أي مكان آخر.
ثم باعها بقيمتها وربما أكثر، لكن محق الله البركة.
قال: (فإن كذبا) أي: في السعر (وكتما) أي: العيب، (محقت بركة بيعهما) وكم رأينا كثيراً من الحالات، أن الكذاب يمحق الله بركة بيعه.
أيضاً: الكذب من علامات النفاق، روى البخاري ومسلم في الصحيحين قال ﵊: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) فالذي يكذب في المواعيد وفي الأقوال هذا -والعياذ بالله- منافق ولا يهديه الله إلا إذا تاب.
وأيضاً في الحديث الصحيح عند البخاري، حديث سمرة بن جندب، حديث الرؤية الطويل، أنه ﷺ انطلق مع اثنين من الملائكة في رحلة طويلة، ومن ضمن أحداث الرحلة أنه قال: (انطلقنا فأتينا على رجل مستلقٍ على قفاه، وآخر معه كلُّوب من نار، فيُشَرْشِر شِدْقه من فمه إلى مسمعه، ثم يُشَرْشِر الثاني، ثم يعود لهذا، فيكون كما كان، قلت: من هذا؟ قال: هذا الرجل يخرج من بيته، فيكذب الكذبة، تبلغ الآفاق).
كذاب، يصنف الكذبات، يصنع ويصدر الكذب، لا يسمع شيئاً إلا ويضيف عليه كذبة، هذا -والعياذ بالله- عذابه في النار، أعاذنا الله وإياكم.
وأيضاً عند البخاري ومسلم حديث صحيح: يقول ﵊: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: -منهم- رجل باع سلعة، فحلف بالله أنه اشتراها بكذا، فصدَّقه ذاك وهي على غير ذلك) هذا -والعياذ بالله- لا يكلمه الله يوم القيامة، فتأتي عنده في الدكان، فتقول: هذه السلعة بكم يا أخي؟ فيقول: نعطيك برأس مالها، فتقول: كم رأس مالها؟ فيقول: والله أنها عليَّ بأربعين، تفضل خذها بأربعين.
ماذا ينتظر من الزبون أن يفعل له؟ أيعطيه ثلاثين، وهو يحلف له بالله أنه أخذها بأربعين؟ أينوي أن يخسره؟ بل يعتبره ما قصَّر وتجمل فيه أنه أعطاه برأس ماله، وما ربح عليه، ولكن عندما يخرج من عنده ويذهب إلى الدكان الآخر يجد السلعة بثلاثين، أي: أنها بعشرين، ذاك أقنعه وصدقه بيمينه، ولكن باع السلعة واشترى النار، واشترى غضب الجبار.
لا تحلف بالله كاذباً ولا باراً، لا حول ولا قوة إلا بالله!!
стр. 2947
هل تريد الهداية ؟
هذه الستة المعوقات التي تعيق المسلم إذا أراد أن يهتدي، فتقف هذه المعوقات حجر عثرة في طريق هدايته.
هل تريد الهداية يا مسلم؟ إن قلت: نعم، فعليك أن تشغِّل دَرَكْتَرات القوة، ودَرَيْدَرات العزيمة الرجولية، وتزيح هذه المعوقات من طريقك، وتلزم طريق الإيمان.
أولاً: لا تصاحب الفسقة والعصاة، واختر الزملاء الصالحين.
ثانياً: لا تتبع الهوى، ولكن اتبع الشرع.
ثالثاً: لا تعرض عن دين الله، ولكن أقبل على الله، وتعلم واعمل بدين الله.
رابعاً: لا تتكبر بل تواضع واخضع؛ تواضع دائماً في ملبسك، وفي مأكلك، وفي مشربك، وفي مركبك، حتى السيارة التي تركبها وأنت ماشٍ امشِ متواضعاً، كيف تمشي متواضعاً؟ أولاًَ: اركب أي سيارة.
ثانياً: إذا ركبتَ فسم الله؛ إذا شغلت السيارة سم الله واذكر الله.
ثالثاً: اجلس جلسة المتواضع.
رابعاً: شغل السيارة بهدوء.
خامساً: حركها بأدب.
سادساً: راعي آداب الطريق، إذا رأيت أحداً ماراً في الطريق يريد أن يقطع فقِفْ له.
سابعاً: إذا رأيت أحداً يريد أن يسبق بسيارته بعد أن كان محبوساً، ولم يسمح له أحد، فقف له وأشر له، ودعه يمشي، وبعض الناس يعاند، تأتي من هنا يعاند، وتأتي من هناك يأتيك، وينظر، يريد أن يقطع عليك، لماذا هذا الحجز دعه يمشي.
هذه كلها من علامات التواضع.
لكن من علامات الكبرياء: أن يأتي الرجل إلى سيارته، ويفتح الباب بأنفة، برأس إصبعه، وبعد ذلك يضع المفتاح دون أن يذكر الله ودون أن يسمي، وبعد ذلك يضبط المراية التي أمامه، وبعد ذلك يشغل ورقبته منحنية هكذا، ثم عندما يحرك السيارة لا يحركها بهدوء، بل يدوس إلى آخر ضغطة في البنزين وينزع رجله من آخر قوة من الكَلَتْش، فتعمل السيارة لفة، يسميها أصحابُها تفحيطة، يريد أن يفحط في النار، فيلف لفة قوية، فإذا كانت هناك حجارة أو تراب أو شيء فإنه يَحْثُوه على وجوه الناس، وعلى وجوه السيارات التي وراءه، ثم يدخل على هذا من هنا، ويأتي من هنا، ويأتي من هنا، وإذا رأى مارَّاً من هناك أتاه يريد أن يخيفه ويلف عليه، وإذا رأى سيارة أمامه اقترب منها وهكذا.
هذا متكبر ومتغطرس، هذا ستأتيه مصيبة في الدنيا أو في الآخرة، وكل من رآه قال: الله أكبر عليه، الله ينتقم منه، جعلها الله في وجهه، فيدعو الناس عليه.
لكن ذاك المؤمن إذا مشى مشى متواضعاً؛ لأن الله يقول: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣]، ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ [الإسراء:٣٧]، حتى بالسيارة، انتبه! (إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ [الإسراء:٣٧] لا.
لا تمشِ في الأرض مرحاً، ولا تتكبر.
إذاً: فهذا الكبرياء، وهو المعوق الرابع من معوقات الهداية.
الخامس: لا تعاند في الحق بعد وضوحه، إذا جاءك نهر الدليل، وإذا جاءك الأمر من الله ومن رسوله، فمباشرة لا تعاند، انتبه! أتعاند خالقك؟! أتعاند الذي بمشيئته يقبض عليك؟! أتعاند الذي مصيرك إليه، وناصيتك بين يديه؟! أتعاند الذي لا يمنعه منك شيء، وهو يمنعك من كل شيء؟! فانتبه! السادس والأخير: لا تكذب.
بل كن واضحاً صادقاً في كل أمورك، وفي كل تصرفاتك، مع مديرك، أو مع أستاذك، أو مع والدك، أو مع والدتك، أو مع زوجتك، أو مع أولادك، أو مع جيرانك، قل الحق ولو كان مرَّاً، لا تكذب ولو حمَّلك الصدق جزءاً من المسئولية والمعاناة؛ لكن لو قارنت بين آلام الصدق، وآلام الكذب، لوجدتَ أن آلام الصدق أخف بمليون مرة من آلام الكذب.
هناك رجل توفي والده وهو طفل صغير، أرسلته أمه مع قافلة إلى بلد ما ليتعلم العلم، وقالت له وهي تقبله: يا بني! أوصيك بتقوى الله، وعليك بالصدق، وإياك والكذب.
فقط، تقوى الله، والصدق، وإياك والكذب، وأعطته مائة وخمسين ريالاً، وركب مع القافلة لينتقل إلى قرية فيها عالم يطلب العلم على يديه، وفي الطريق اقتطعت القافلةَ مجموعةٌ من قُطاع الطريق، وهم السرق، وقد جاءوا بالرجال وكتَّفوهم، وسلبوا الأموال، ثم فتشوا الرجال واحداً واحداً، ولما أتوا إلى الولد وهو جالس، قال سيدهم: لا تفتشوه، فليس عنده شيء، قال الولد: لا.
عندي مائة وخمسين ريالاً، قال: فتشوه، ففتشوه فوجدوا معه مائة وخمسين ريالاً، فأخذوها منه.
أما زعيم اللصوص فقد استرعى انتباهه هذا الموقف، قال: يا ولدي! لماذا قلت هذا الكلام، ونحن قلنا: ليس عندك شيء؟ قال: إن أمي أوصتني بتقوى الله، والصدق، وحذَّرتني من الكذب، فإن الصدق يوصل إلى الجنة، وإن الكذب يورد إلى النار، فأنا خشيت أن أكذب وأدخل النار.
هذا الموقف هز الرجل هزة عنيفة، وقال: سبحان الله! طفل صغير يخاف من الكذب، حتى على ماله الذي هو له، حتى لا يدخل النار، ونحن ما نخاف من الله ، ثم التفت إلى رجاله وقال: ما أنا فيكم؟ قالوا: أنت سيدنا وفحلنا، قال: كلامكم وطعامكم وشرابكم عليَّ حرام إلا أن تشيروا معي فيما أشير به، قالوا: معك -في الخير أو الشر؛ لأنه فحل وبطل- فقال: إلى أين أنت ذاهب يا ولد! قال: أطلب العلم عند العالم الفلاني، أرسلتني أمي، قال: ونحن معك، ثم أمر بفك الرجال كلهم، وأرجعوا مال كل واحد إليه، وأرجعوا مال الولد إليه، وتابوا توبة إلى الله، وأصبح هذا الرجل من خيار الصالحين، هذا بسبب ماذا؟ هذا كله بسبب الصدق.
الناس الآن يقولون: اكذِبْ تَنْجُ! لا.
بل اصدُق تَنْجُ، أما الكذب فليس بجميل بأي حال من الأحوال، كن صادقاً ولو في أحلك الظروف، وفي أحرج المواقف فإن الله سيجعل لك فرجاً إذا صدقتَ؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣].
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يدلني وإياكم على طريق الهداية، وأن ييسر لي ولكم أسبابها، وأن يعيذنا وإياكم من موانعها ومعوقاتها.
ثم إنني أدلكم على شيء قبل هذا كله، وقبل الهداية، ألا وهو: القناعة، فالذي ليس لديه قناعة أن يكون من المهتدين فإنه لا يريد أن يمشي في هذا الطريق كله، لكن إذا اهتديت، وحوَّلت الموجة إلى الله، وسلكت السبيل إلى الله، فالله سيفتح لك الأمور كلها؛ لأن الله يقول: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد:٢٧].
فتُب وارجع إلى الله ، وصحِّح الوضع، وثق بأن الله كريم، ولن يردك، فالله يقول في الحديث القدسي الصحيح: (أنا مع عبدي ما تحركت بي شفتاه، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرتُه في ملأ خير منهم، وإن تقرب إليَّ شبراً تقربتُ إليه ذراعاً، وإن تقرب إليَّ ذراعاً تقربتُ إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيتُه هرولة، وكنتُ إليه بكل خير أسرع).
أكرر سؤالي ورجائي إلى الله الذي لا إله إلا هو أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً.
اللهم كما جمعتنا عليه من أجل طاعتك، فاجمعنا من أجله في دار كرامتك، ووالدِينا ووالدِي والدِينا وإخواننا وأخواتنا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
стр. 2948
الأسئلة
.
стр. 2949
ثمرة الحضور في مجالس الذكر
السؤال
بعض الإخوة الذين يحضرون المحاضرات والدروس، ولكنهم -مع الأسف- لا يغيرون من أنفسهم، ولا من وضعهم، ولا من وضع بيوتهم وأهليهم، ولا من طباعهم، وكأنهم أرض سبخاء لا تستفيد من الماء، فهل هو ممن يقول: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة:٩٣]؟
الجواب
ثمرة الحضور في مجالس الذكر: هو التحول والتغير في حياة الإنسان، أما الحضور مع الاستمرار على الوضع الأول دون تغيير في حياته، فهذا أشبه بالإدمان على المواعظ، أي: أن الموعظة في حياة الناس الذين لا يغيرون شيئاً أصبحت كشيء تعودوه وأدمنوا عليه، يحبونه؛ ولكن إذا جئت لتفتش حياتهم وجدتَ حياتهم هي هي، لم تغير هذه الدروس، ولا المواعظ، ولا الخطب، ولا المحاضرات شيئاً من واقعهم، واستمروا على وضعهم السيئ، فهؤلاء يُخشى عليهم -والعياذ بالله- أن يطبع الله على قلوبهم، فإذا طُبع على قلب الإنسان -أي: ختم عليه- لم يعد ينفع فيه شيء؛ لأن بني إسرائيل كانت تنزل عليهم الكتب، ويُوحى إلى أنبيائهم، ولكن ﴿طُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:٨٧]، يسمعون الكلام من هنا ويخرج من هنا، وحليمة على عادتها القديمة، هذا لا ينتفع، فانتبه! حتى لا يطبع الله على قلبك عليك أن تغير باستمرار، فكل شيء تسمع من دين الله حق، ثم تجد أنك في وضع لا يتلاءم مع هذا الحق، فعليك أن تسعى إلى التصحيح، وستجد كل يوم وأنت تصحح أنك في وضع إيماني أفضل إلى أن تصل -بإذن الله- إلى درجة تنشرح فيها نفسك، وهناك يقول الله لك: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].
أما البقاء في المكان، والمراوحة على الأقدام في مكان واحد وعدم السير إلى الله خطوة واحدة، وتظن أنك مخدوع بهذا السماع وبهذا الحضور، هذا مكر من الشيطان.
стр. 2950
من مآسي المسلمين: الاختلاط والربا
السؤال
نغبط فضيلتكم بما منَّ الله به عليكم من جهد في الدعوة إلى الله، ومن قبول في التوجيه إلى الله، فجزاكم الله خيراً ونفع الله بكم، لقد بُلي الناس بمآسٍ محزنة، تبلَّد أمامها بعض الأشخاص، فما هو علاجها؟ وما هو موقف الشباب منها؟ ومن هذه المآسي: أولاً: الاختلاط الذي يكمُن في المستشفيات، وخاصة في التمريض والاستقبال، وواجهات الجمهور بشكل مخالف لشرع الله ، فما هو موقف الإسلام؟ وما هو تصرف الشباب أمام هذا جزاكم الله خيراً؟ ثانياً: المآسي الربوية، والتي أصبح كثير من الناس يتعاملون بها، فما هو موقف الإسلام منها؟ وما هو العلاج ثبتكم الله بالحق ووفقكم إليه؟
الجواب
أولاً: شكر الله للأخ الكريم دعوته لي بالتوفيق والهداية، وأسأل الله لنا ولكم التوفيق والهداية والثبات.
أما المآسي التي تنتشر في هذا الزمان فهو شيء طبيعي، أخبر به النبي ﷺ بأنه في آخر الزمان يكون القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، وقال: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء) ولكن عودة الناس إلى الله، واستشعارهم بالطريق الصحيح، هذا يُلزمهم ببعض التصرفات الإيجابية أمام تلك الظروف الغير مستصاغة والغير مقبولة، وهي تُبرِز مدى صدقهم مع الله، إذ أن الإنسان في الأجواء الصحيحة التي هي (١٠٠%) لا يبرز ولا نعرف إن كان صادقاً أو غير صادق، لكن إذا أُدخل الإنسان في ساحة البلاء وفي صالة الامتحان عُرف صدق إيمانه من كذب دعواه، فالذين يُبتَلون بالعمل في المستشفيات أو يضطرون إلى مراجعة المستشفيات، ويلمسون ما يجدون أو يشاهدون من الممرضات والعاملات، فهؤلاء يُفترض فيهم أن يكونوا إيجابيين، بِمَ؟ بغض أبصارهم؛ لأن الله قد ركب لك عينين، وركَّب لك على كل عين جفنين (وبابَين أوتوماتيك) أي: أنك لا تحتاج إذا أردتَ أن تغطي عينيك إلى جهد لا، بل افعل هكذا، وأغلق جفنيك مباشرة وأوتوماتيكياً وهذا من فضل الله، والله أمرك في عينيك فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] فإذا راجعت المستشفى، أو كنت تعمل في المستشفى فليس هناك من أحد يستطيع أن يفتح عينك على منظر لا تريده إلا أنت، ولكن بإمكانك أن تغض بصرك وتمشي.
وقد أعجبني طبيب سعودي موفق في أحد المستشفيات عندنا هناك يحمل شهادة الدكتوراه، وذلك عندما كنت مريضاً في مستشفى، حيث جاءني ومعه الممرضات بجانبه، وجلستُ أرصد حركته، -فوالله- كان يتحرك وهن ثلاث واقفات بجانبه، وما رفع نظره إليهن، كان يتكلم ويقول: قولوا كذا، واعملوا كذا، وسوُّوا كذا، وعينه أمامه، ولا يلتفت إليهن أبداً، بل عينه في الأرض، فهل تستطيع أي واحدة أن ترفع عينه؟ لكن بعض الناس مُجرد أن يرى المرأة تظل عينه مُسَمَّرة فيها، ويتكلم معها، و ( Good Morning) بالإنجليزي، أي: صباح الخير, و ( marsih) بالفرنسي، أي، شكراً، وكيف حالك؟ وهل أنتِ بخير؟ ثم يقول: ماذا نفعل؟ إنهن نساء! نقول له: نعم.
نساء؛ لكنك ما اتقيت الله في النساء، ولو أنك حينما رأيت النساء غضَّيت، لكان فعلك هو المنطق، لكن حينما ترى النساء ترفع عينك، وتقول: -والله- وضعوا لنا النساء فلا؛ لأن النساء موجودات، وعينك موجودة في رأسك، وجفنك في تصرفك، وبإمكانك أن تغض بصرك، فهذا ابتلاء.
الثانية: مسألة الربا وما يتعلق به: هذا مما أخبر به النبي ﷺ أن الناس في آخر الزمان يأكلون الربا، ومن لم يأكله يُصبه من غباره.
والربا -كما تعرفون- موبقة عظيمة، ومن أعظم الجرائم، ومن الموبقات -والعياذ بالله-، وقد توعد الله صاحبه بالحرب، ما أذن الله بالحرب على صاحب معصية كما أذن بالحرب على صاحب الربا، وقال ﵊ في صحيح مسلم: (لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه) الحديث صحيح.
وأخبر ﷺ في حديث سمرة بن جندب، الذي في صحيح البخاري، حديث الرؤيا الطويل: أنه انطلق إلى رجل فأتيا على رجل يسبح في نهر من دم، وآخر على طرف النهر معه حجارة، وهذا يسبح إلى أن يأتي إليه، ثم يرمي بحجر في فمه، فيفغر فاه ويلتقم الحجر، ويرجع إلى طرف النهر، ثم يأتي ويرجمه، قال: من هذا؟ قال: هذا آكل الربا.
وأخبر ﷺ أن أكلة الربا يبعثون يوم القيامة وبطونهم كالجبال.
بطن أحدهم كالجبل، مليء بجميع الأموال التي رابى بها في الدنيا، ثم أيضاً ترى الأموال التي داخل بطنه؛ لأنها شفافة، مثل البالونة، فترى السيارات، والأراضي، والعمارات، كلها داخل البطن، وهو تحتها، بطنه مثل الجبل، وهو بجسمه العادي يومئذ، أي: أن رأسه صغير، ورجليه صغيرتان، ويديه صغيرتان، لكن بطنه كبيرة كالجبل، وتصوروا إذا كان بطن أَحَدٍ كالجبل وهو تحته، فكيف سيكون حاله، لا حول ولا قوة إلا بالله! فهذه مصيبة.
فعلى المسلم أن يتقي الله وألا يسير في أمر من أمور الربا، فإذا كان لديك مال، وأردتَ أن تودعه فلا تودعه في البنوك الربوية، ولكن أودعه في البنوك الإسلامية التي انتشرت -والحمد لله- وموجودة الآن، وإذا لم تجد مكاناً فضع أموالك في بيتك، قد تقول: ربما تُسرق، فنقول: لا.
الله سيحفظها -إن شاء الله-، لكن بعض الناس تجده من مجرد أن يحصل على خمسة آلاف أو عشرة آلاف يقول: سأفتح حساباً، وهذا دفتر شيكات، ويضع دفتر الشيك هنا في الجيب، وإذا سأله أحدٌ شيئاً قال: كم تريد؟ أأقطع لك شيكاً أو أعطيك نقداً، بمعنى: أنه يريد أن يكون شخصية، الله أكبر يا هذه الشخصية! لا يا أخي لا يحتاج هذا إلى شخصية، بل إن الشخصية العظيمة تكمن في الطاعة لله، من مراقبة الله ﵎.
أما أن تنفخ نفسك بالكذب، فالنفخة هذه لن تنفعك عند الله يوم القيامة، فاتق الله، اتق الله واحذر من الوقوع في هذه المأساة -مأساة الربا- لأن الله يقول: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥]، ثم قال الله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦]، ويقول: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم:٣٩].
стр. 2951
نصيحة للنساء اللاتي يحضرن المحاضرات
السؤال
فتاة تقول: لو سمحت -جزاك الله خيراً- في إبداء النصح للمستمعات من الأخوات الحاضرات من ناحية رفع الصوت والكلام أثناء المحاضرة، ناسيات بذلك أو متناسيات أو متجاهلات أن ذلك يحبط العمل وهن لا يشعرن، بالإضافة إلى التشويش على الحاضرات جزاك الله خيراً.
الجواب
قد كنتُ أتصور أن مشكلة النساء وكلام النساء، وكيف حالكِ؟ وهل أنتِ بخير؟ وكم لديكِ من أولاد؟ وكنا نريد أن نأتي إلى عمارتكم، وهل معكم سيارة؟ وأين يعمل زوجك؟ وغير ذلك، كنت أتصور أن هذا عندنا في الجنوب فقط، ولكن تبين أن ذلك موجود حتى عندكم في الرياض؛ وطبع النساء واحد، ولا حول ولا قوة إلا بالله! أهل الإيمان يبكون في حِلَق الذكر من خشية الرحمن، وهي جالسة تتكلم مع زميلتها، لم تعلم أين الجنة ولا أين النار، وتطلب من زوجها، وتقول: أوصلنا نحضر الذكر، فتخرج من هنا بالإثم والغضب من الله؛ لأنها معرضة عن الله، تجد العالم ينقطع صوتُه ويَبُحُّ نحرُه، وهو يحذِّر وينذِر، ويرغِّب ويرهِّب، وتجدها تتكلم، وإذا خرج زوجها من المسجد فقال: ماذا عرفتِ؟ قالت: ذكره الله بالخير، لم يدع وادياً إلا أوصلنا إليه، ذكره الله بالخير، وإذا قال: وما عرفتِ؟ قالت: لستُ أدري، كلام الواجب، ما دريتُ أين أوله ولا أين آخره.
وذلك لأنها كانت تتكلم فما درت عن شيء؛ وإذا رأت امرأةٌ أمراةً أخرى لأول مرة منذ سنة أو سنتين أو ربما لا تعرفها، فإنها تسألها مجرد أن تدخل: أين بيتكم؟ وهي لا تعرفها، فتقول لها: بيتنا في حي كذا، فتقول: البيت لكم، أم هو مستأجر؟ وإذا قالت: بل مستأجر، قالت: أرجو أن يكون واسعاً، يحتوي على غرف أربع أو خمس، وهل معكم سيارة؟ وأين وظيفة زوجك؟ وهل عندك أولاد؟ وكم هم؟ وهل الأول في المدرسة؟ وكم سِنُّه؟ وكيف هي ابنتكم؟ وتظل في الحديث إلى الساعة الثامنة والنصف، وتخرج وقد توِّجت بغضب الله.
وليتها ما حضرت -والعياذ بالله-.
إن المؤمنة ينبغي لها إذا جاءت إلى المساجد أن تلتزم بآداب الإسلام: أولاًَ: ألا تلبس من الثياب جميلاً، فلا تخرج إلى المسجد كما تخرج إلى معرض الأزياء، لا.
بل تلبس البذل من الثياب والرديء.
ثانياً: ألا تتطيب؛ لأن شم الريح منها يفتن، وإذا خرجت فشم الرجال ريحها فهي زانية.
ثالثاً: أن تحتجب بالحجاب الشرعي الكامل، فلا يبدو منها شعرة ولا ظفر، وجهها ويداها وقدماها وجسمها بالكامل.
رابعاً: أن تدخل المسجد خاشعة خاضعة، لا ترفع صوتها، ولا تنظر إلى أحد.
خامساً: أن تجلس في مصلاها، وتستقبل القبلة، ولا ترد كلمة على أحد، وحتى التي تسلم عليها تقول لها: لا كلام الآن، اسمعي الواعظ أو الشيخ، إلى أن تنتهي الحلقة.
ثم تخرج -إن شاء الله- وقد استفادت.
أما أن تأتي لتتكلم فليتها ما حضرت، لا حول ولا قوة إلا بالله!
стр. 2952
مسائل تتعلق بلباس المرأة
السؤال
كثير من الإخوة يخبرون الشيخ بأنهم يحبونه في الله .
وهنا سائلة تقول: فضيلة الشيخ! هناك من الزميلات من قد انْسَقْنَ وراء اتباع الموضة، من قص الشعر، ومن لبس الضيق والمفتوح وغيره، مما كان من الغرب، وقد أتلف أبصارهن أيضاً كثرة نظرهن إلى التلفاز، وإلى التمثيليات، وأنا أدعو لهن بالخير، فما هو الحل -جزاك الله خيراً-؟
الجواب
هذه فتنة استطاع الشيطان أن يروجها، وأن يبيعها في سوق النساء؛ لأنهن -كما جاء في الحديث- حبائل الشيطان، إلا من هدى الله وعصم، فتنة التبرج، والتبرج: هو خلق من أخلاق الجاهلية، يقول الله لنساء النبي ﷺ ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والخطاب موجه لهن ولسائر نساء الأمة: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] والتبرج: يشمل كل مظهر من مظاهر الفتنة: في اللباس، أو في المشية، أو في النغمة والصوت، أو في أي مظهر من مظاهر الفتنة، وما نلمسه اليوم ونشاهده هذا تبرج جاهلي من طراز عال جداً، وهو لبس الضيق من الثياب، وقد جاء في الحديث: أن من يصنع هذا فهو من أهل النار، قال ﵊: (صنفان من أهل النار لم أرَهما بعد: نساء كاسيات عاريات)، قال العلماء: كاسية وعارية، كيف تكون؟ قال العلماء في الماضي: كاسية بنعم الله، عارية من شكرها؛ لكن أثبت الواقع اليوم أنها كاسية وعارية؛ لأنها تلبس لباساً ضيقاً يصف جسمها، ويفصل عورتها، كما لو كانت عارية، أي: لو أنها عارية لفَرَّ الناس منها، لكن بهذا اللباس أعراها أكثر، وفضحها أكثر، والحق للمسلمة أن تلبس ثوباً واسعاً فضفاضاً، لا يصف منها عورة، ولا يكشف منها سوءة (نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات)، وقف علماء الحديث في الماضي أمام هذه العبارة، وقالوا: الله ورسوله أعلم من مراده منها! كيف مائلة مميلة؟ أما الآن فرأيناهن مائلات مميلات، مائلة: في باروكتها، فتأخذ لها شعراً، ثم تجمعه فوق رأسها، إلى أن يصل فوق رأسها مثل سنام البعير، كما جاء في الحديث (رؤوسهن كأسنمة البُخت) انظر إلى سنام الجمل إذا مشى كيف يكون، يميل يميناً وشمالاً، وهذه كذلك، تكوِّم الشعر وتلفه وتلفه إلى أن يصل فوق رأسها مثل: سنام البعير، ثم إذا مشت مالت وأمالت، وأيضاً: تلبس الكعب العالي، الذي يقلب المحملة، وقد ذكر علماء الطب: أن المرأة التي تلبس الكعب العالي تنقلب محملتها، وإذا تزوجت لا تحمل؛ لأنه يرفع عجيزتها من الوراء، ويبدي سوءتها للناس، وهذا مظهر من مظاهر الجاهلية، وهذا نوع من التبرج.
أيضاًَ من صور التبرج الموجودة عند النساء اليوم: لبس الثياب المشقوقة من عند الأرجل، تفصل إحداهن ثوباً ثم تشقه من تحت، لماذا؟ ما هذا؟ عيب هذا الفعل، الثوب لا بد أن يكون ساتراً، أما الثوب الفاضح، وإن أرغمت عليه المرأة أن يكون ضيقاً من عند رجلها، فإنها تشقه من عند رجليها من اليمين ومن الشمال، وأعطت تأشيرة دخول للشيطان من يمينها ومن شمالها والعياذ بالله، فلا يجوز هذا.
وأيضاً: الروائح، فتتعطر بعض النساء والبنات بالروائح الباريسية، هذه الكالونية الفاتنة، وتخرج -والعياذ بالله- ليشم الرجال ريحها.
كل هذا من صور الجاهلية، والتبرج الذي نهى الله عنه في القرآن.
وعلى المرأة المسلمة أن تتقي الله ﵎، وأن تعلم أن عذاب الله سيحل بها، وأنها لن تفلت من قبضة الله إذا ماتت وهي على هذا العمل، ولتذكر الوقوف بين يدي الله، ولتذكر دخول القبر، ولتذكر الخلوة فيه، ولتذكر الوحشة والضجة في القبر، لن ينفعها شيء في الدنيا.
اتقي الله أيتها المرأة المسلمة، وتوبي إلى الله، فإنك بعملك هذا تصرفين الناس عن الله، وتصدين عن دين الله، وتضلين الشباب عن هداية الله، وما من شاب ينظر إليكِ إلا ويسمر الله في جسدك مسمارين يوم القيامة، وما من شاب تسببين في إهلاكه وإضلاله عن طريق الله بعبارة أو بكلمة أو بنظرة أو بحركة أو بريحة أو بمنظر يراه منك إلا وأنت سبب في ضلاله وقائدة له إلى عذاب الله في النار والعياذ بالله.
والثوب إذا لبسته المرأة وشقت له فتحتان عن يمين وشمال على حجة أنها لن يراها إلا النساء فسوف يراها الرجال حتماً، أتدرون لماذا شقَّتها النساء؟! لأن هذا بداية لنزع الحجاب؛ لأن النساء تركب السيارات، فإذا جاءت لتركب السيارة وثوبها طويل فلن يرى أحدٌ شيئاً، لكن عندما تقدم رجلاً، وترفع العباءة، فعند الفتحة ينكشف الساق، فيرى الناس ساقها، فتفتن الناس، وإذا قالت: لا أحد يراني، لا يراني إلا زوجي وأهلي، نقول لها: ولكن حينما تركبين السيارة والشارع مليء بالناس، والشياطين يقتنصون، فسوف يراك الناس، لكن لو لبستِ هذا الثوب فقط في البيت بحيث لا تخرج، بل تلبسه للنوم لزوجها، فلا مانع، فإذا كانت لا تلبس هذا الثوب إلا للزوج فلا مانع؛ لأن للزوج كل شيء.
стр. 2953
موقف الشباب المسلم من تعدد الجماعات
السؤال
يسأل السائل بالله العظيم أن يُعْرَض سؤالُه على الشيخ، وهو يقول: نسمع في هذا الوقت بالجماعات التي تدعو إلى الله مثل: جماعة الإخوان المسلمين، وجماعة الدعوة إلى الله، وجماعة السلفية، فما رأيك في ذلك؟ مع بيان موقف الشاب المسلم مما هو موجود؟
الجواب
أولاً: لا يجوز لمسلم أن يُلزم الآخر وأن يسأله بوجه الله في أمر لم يُلزم به من قبل الشرع، فما ينبغي لك أن تسأل بالله العظيم أنه لا بد أن يُقرأ سؤالُك، لماذا؟ لأن الجواب على السؤال إنما يقرر الحاجة له، هو المسئول عن الندوة والمسئول أيضاً عن الإجابة، فكل سؤال يَرِد ليس بالضروري أن يُجاب عليه، فلا تلزم الناس، بل اسأل سؤالك، فإن أجِبْت عليه فالحمد الله، وإن لم تُجَب عليه فبإمكانك أن تسأل سؤالك في الرجل الذي تريد أن تقدمه له على انفراد، أو بالتليفون، أو تذهب إلى غيره، أما أن تفرض على الناس أنهم يجيبون على سؤالك غصباً، وتقول: أسألكم بالله، فهذا لا يجوز.
أما سؤال هذا الأخ الكريم، فنحن إذا دُعينا إلى الله ينبغي أن نسأل الذي يدعونا: إلى ما يدعونا؟ فإن كان يدعونا إلى شخص، أو إلى هيئة معينة، أو إلى جماعة معينة، فلا نستجيب له، وإن كان يدعونا إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله، وإلى دين الله الذي جاء به رسول الله، فنحن نستجيب له، ليس عندنا في الإسلام شعارات، ولا عندنا لوحات، ولا لافتات، بل عندنا شعار واحد، ولافتة واحدة اسمها: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، كتاب الله وسنة رسوله، يقول ﵊: (تركتُكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك)، وقال: (تركتُ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنتي).
فأي واحد يدعوك، إذا دعاك فقل: إلى أي شيء تدعوني؟ إذا قال: أدعوك إلى الإسلام -الكتاب والسنة- فأنت معه، وإذا قال: أدعوك إلى جماعة كذا، أو حزب كذا، أو هيئة كذا، أو مؤسسة كذا، فقل: لا يا أخي، أنا مسلم، ولا أريد أن أعيش إلا على الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ ، وإلا فإن السلف الأول وتابعوهم كانوا من أي جماعة؟ فما عندنا تحزبات في دين الله، وإنما عندنا دين الله الواضح، وشرع الله الكامل الذي جاء من عند الله ﵎، كتابٌ وسنة، وغيرهما فلا.
стр. 2954
موقف الشاب الملتزم من زملائه الذين لا يصلون
السؤال
فضيلة الشيخ! أنا أحبك في الله ، وأنا موظف، وهناك بعض زملائي في الوظيفة، عندما تأتي صلاة الظهر لا يصلون، وقد نصحتهم مراراً، فما هو موقفي منهم جزاك الله خيراً؟
الجواب
أولاًَ: أحبك الله الذي أحببتني فيه.
ثانياً: موقف الموظف وهو رجل محافظ ومجتهد وملتزم أسأل الله أن يثبته، بالنسبة لإخوانه الموظفين معه في العمل فله أولاً: أن يبدأ بالنصيحة، والدعوة ولكن بالصبر والحكمة وبالكلمة الطيبة، سمعتُم في القراءة التي قرأها عليك المقرئ أول اللقاء، سمعتم قول الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] ثم قال الله بعدها مبيناً الأسلوب الصحيح للدعوة، فقال: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت:٣٤] لا يستوي الأسلوب الطيب، والأسلوب السيئ في الدعوة، ﴿ادْفَعْ﴾ [فصلت:٣٤] بماذا؟ ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٤] أي: قابل الأمور وعالج المشاكل بأحسن عبارة وألطف أسلوب ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ [فصلت:٣٤] بأسلوبك الطيب الذي بينك وبينه عداوة تحوله إلى ماذا؟ ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] ثم قال إن هذا الكلام لا يقدر له كل أحد، هو في الذهن سهل لكن في التطبيق صعب، قال الله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥].
أسأل الله أن يرزقني وإياكم من الحظ العظيم في هذا الشيء الكثير، وهو الحِلم والصبر، فإذا جئتَ إلى زميلك، وقلتَ له: صلِّ: يا أخي الصلاة خير، وقال: جزاك الله خيراً، فقد برئت ذمتُك منه، ولكن ليس بالضروري أن تذهب وتبحث عنه في المسجد، وإذا ما لقيتَه في المسجد تتكلم عليه، أو تضاربه، أو تبغضه، لا.
بل عليك بدلالة الإرشاد، أما الاتباع فليست لك، هداية الإتباع لمن هي؟ لله، أنتَ دله على الطريق وكفى، ولكن متى تبغضه؟ تبغضه إذا رفضك، أما إذا حدثته كل أسبوعين أو ثلاثة وجلست معه، وليس كل يوم، كلما مررت عليه قلت له: صلاة صلاة، كأن تقول له اليوم: صلاة، وغداً تقول له: صلاة، وبعد غد تقول له: صلاة، ثم بعدها يغضب عليك ويزهق منك، ويقول: يا رجل! شغلتنا، كل يوم صلاة صلاة، لن أصلي، فتكون أنتَ من جعله يقف هذا الموقف بأسلوبك، بل إذا قلتَ له: صلاة، فقد انتهى الموضوع، فتتحين له فرصة أخرى، أو انظر له مناسبة أخرى، أو زُره في بيته أو في مكتبه، أو اهدِ له شريطاً، اذكر له الحياة الدنيا الآخرة الموت الجنة، بأسلوب طيب وبطريقة حكيمة، حتى يكون عندما تذكر له مرة أخرى قال: جزاك الله خيراً، الحمد لله.
أما إذا نصحتَه ودعاك وقال لك: أرجوك لا تنصحني، فكلما جلستُ معك قلتَ: الصلاة الدين، تريد أن تجلس فاجلس، الدين ما عدتُ أريد أن أسمعه منك، ولا تنصحني، ولا لك علاقة بي، فهناك يلزمك شرعاً أن تبغضه في الله، وتقول له: فِراقٌ، لماذا؟ لأنه حدد منك موقفاً معيناً يلزمك أنت أيضاً أن تحدد منه موقفاً معيناً.
أما إذا كان ما زال يقبل الدواء، فأعطه الدواء، فأنت كالطبيب وهو كالمريض، والمريض في المستشفى كلما يمر عليه طبيب يعطيه علاجاً، ويقبل، والعافية بيد من؟ بيد الله، لكن ما رأيكم إذا قال الطبيب للمريض في الصباح: اشرب هذه الحبوب، فقال: لا أقبلها، فقال له: نعطيك إبرة، قال: والله لا أضربها، فقال له: إذاً: نعطيك أشعة، قال: ما هذه الأشعة، ما رأيكم ماذا سيفعل في الطبيب؟! أيتركه أم يخرجه؟ بل يكتب له ورقة خروج، ويقول: المريض غير متجاوب مع العلاج، لماذا؟ لأن المريض حدد من العلاج موقفاً.
فأنت عنده كالطبيب، وما دام يقبل العلاج منك فأعطِه، مَرَّةً حبوباً، ومَرَّةً إِبَراً، ومَرَّةً أشعةً، ومَرَّةً هديةً، وهكذا، إلى أن يعافيه الله، والعافية لا تنتظرها أنت، الذي ينزل العافية هو الله، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءَُ﴾ [القصص:٥٦].
стр. 2955
ظاهرة الانتكاس وعلاجها
السؤال
يقول: ظاهرةُ الانتكاسِ، ظاهرةٌ ملاحَظةٌ في صفوف الشباب الذين التزموا والشابات اللاتي التزمن، فما الحل؟ وما العلاج؟
الجواب
نعم.
يلتزم الشاب فترة معينة، أسبوع أسبوعين، شهر شهرين، ثم ينتكس، وتلتزم الشابة فترة معينة ثم تنتكس، ويصابون بشيء من الإحباط نتيجة اصطدامهم ببعض القضايا في بيوتهم، أمه ترفض أبوه يرفض أهله ضده، وبعد ذلك يعاكس ويصادم، وبعد ذلك ينهزم، ويرجع رجعة ألعن مما كان عليه قبل الاهتداء -والعياذ بالله-.
أولاً: المنتكس والراجع هذا سببه سوء البداية، فسوء البداية يؤدي إلى سوء النهاية، فالذي يلتزم الطريق من أوله يوصل، لكن الذي يمشي الطريق من أوله وهو غلطان، فيكون كلما سار زاد غلطه، والذين يهتدون هداية شكلية مظهرية، أو هداية عاطفية، بناءً على موقف معين مر بهم، فهؤلاء لا يلزمون الطريق بأسلوب صحيح، بل يأتون بعُنف على أنفسهم، وعلى أسرهم، وعلى آبائهم، وفي مجتمعهم، ثم تزول العاطفة، وينكشف المظهر الخادع، فيُحبَطون ويرجعون، مثل رجل يريد طلوع السطح، وبدل أن يأتيه درجة درجة حتى يطلع، بدلاً عن ذلك أراد أن يقفز مباشرة إلى السطح، فلا هو الذي وصل، ولا هو الذي سلم، بل ضرب برأسه في وسط الجدار ووقع وانكسر، ولو أنه مشى شيئاً فشيئاً لوصل.
أو كرجل أخذ له سيارة وبدل أن يمشي بها مثلاً إلى الجنوب أو إلى الشمال أو إلى أي جهة، ويقف كلما مشى قليلاً، أو كلما سخنت، وإذا ما انتهى زيتُه يغيره، وكلما انتهى بنزينه يغيره، بدلاًَ عن ذلك استهلكها استهلاكاً متواصلاً من يوم أن أوقفها إلى أن انتهى البنزين أو إلى أن فسد الزيت تماماً حتى خَرِبَت السيارة، فهذا اسمه المُنْبَتُّ، لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع.
المُنْبَتُّ: الذي يمشي بغير هدىً، يأخذ جمله ويمشِّيه ويمشِّيه دون أن يوقفه، ودون أن يؤكله ودون أن يريحه، حتى أمات الجمل، وبعد ذلك تعطَّل، لا هو الذي وصل، ولا هو الذي سلم، قال العلماء: كالمُنْبَت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.
فما أبقى له جملاً، ولا وصل، وهؤلاء هم أكثر الشباب اليوم، فهم يغترون بالمظاهر، ويتصورون فقط أن الهداية والالتزام في بعض الأمور التي جاء بها الدين، ولكنها أمور ظاهرة، فيخدعون بها أنفسهم ويخدعون الناس بها، وهذه أمور سهلة، كل واحد بإمكانه إطلاق لحيته، وتقصير ثوبه، وعمل بعض الأمور التي جاءت في الدين، لكن هذه ليس عليه المعوَّل، بل المعوَّل على القلوب، الكلام في قلبك، صدقك مع الله، يقينك بالله، تصديقك بحقائق الإيمان، إخلاصك في توبتك ورجعتك لله، هل أنت مخلص لله؟ ترجو النجاة من عذاب الله؟ ترجو الفوز بجنة الله؟ تراقب الله في كل حين؟ بعض الشباب تجده ثوبه قصير، ولحيته معفاة، لكنه تجده إذا رأى امرأة فتَّح عينيه هكذا، وتجده إذا دخل غرفته في الليل بدل أن ينام على ذكر الله، يبحث له عن أغنية ويجعلها مرخية جداً لكي لا يسمعها إخوانه، ولكن الله يسمعك، ويخدع الناس، ظاهره ظاهر إيماني، فهذا لا يستقيم أبداً ولا يستمر، بل يرجع إلى العذاب -والعياذ بالله- والدمار، ونحن نقول لإخواننا: أولاً: صححوا البدايات.
ثانياً: أخلصوا العمل لله.
ثالثاً: رويداً رويداً، والصبر، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت:٣٥] على أهلكم وعلى أسركم، فإذا جاء أحدكم إلى أسرته فلا يحمل أسرته على الطاعة بالقوة، ويأخذ نفسه بالكمال، لا مانع، لكن في بيته لا يغضب على أمه ولا على أبيه ولا على إخوانه ولا على أخواته، إنما بلطف وحكمة وطيب وخدمة وحب وتفاني، وليدعُهم إلى الله بحكمة، فإن أطاعوه واستجابوا فالحمد لله.
أما بالقوة والعناد والمضاربة، فإنه يحوِّل كل الأسرة ضده، وبالتالي يجد نفسه لوحده في الميدان، وإذا به يريد كل شيء، فيخسر كل شيء، ولا يحصل على شيء، ويقولون: من أرادها كلها ضيعها كلها.
لكن قليلاً فقليلاً.
رابعاًَ: عليكم بمثبتات الإيمان وهي كثيرة، وأذكر لكم أربعة فقط: ١ - المثبت الأول: كتاب الله: كتاب الله أعظم مثبت، يقول الله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان:٣٢] فمن قرأ القرآن واستمر على قراءته، وداوم على تدبره، فهذا لا يضله الله بل دائماً يثبته الله.
٢ - المثبت الثاني: فعل أوامر الله وترك نواهيه، والدليل: قوله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ [النساء:٦٦].
٣ - المثبت الثالث: قراءة سِيَر الأنبياء وتاريخ الرسل، فتقرءون سَيَرَهم في القرآن الكريم وفي التفاسير، فتقرءون قصة موسى، وقصة عيسى، وقصة نوح، وقصة أيوب، وقصة هود، وقصة يوسف، وقصة يعقوب، وسيرة النبي ﷺ تقرءونها، قال الله في القرآن الكريم: ﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود:١٢٠] فعليكم أن تثبتوا موازين الإيمان عندكم بهذه الأمور الثلاثة مع الأمر الرابع.
٤ - المثبت الرابع: الدعاء، ادع الله في كل لحظة، فقولوا: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨] اجعلوا هذا الدعاء في سجودكم، واجعلوه في قيامكم في الليل، واجعلوه في كل لحظة من لحظاتكم، كلما ذكرتم الله ادع الله به، ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران:٨] وادع بدعاء النبي ﷺ : (يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك).
стр. 2956
نصيحة لمن يقترفون المعاصي ويتوبون ثم يرجعون إليها
السؤال
يقول: فضيلة الشيخ! أنا أحبك في الله، وأنا في طريق الاستقامة منذ مدة، ولكن هناك بعض المعاصي إذا ابتعدتُ عنها رجعتُ إليها، ثم أندم بعد ذلك وأستغفر الله ، لكن ما ألبث على ذلك إلا بضع أيام وأعود إليها، فماذا تنصحني وأمثالي جزاك الله خيراً؟
الجواب
ننصحك أن تتوب إلى الله توبة صادقة نصوحاً التي خاطبك الله بها وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ [التحريم:٨] قال العلماء: التوبة النصوح: هي التي توفرت فيها شروط التوبة الثلاثة: أولاً: الإقلاع عن الذنب.
ثانياً: الندم على ما فات منه.
ثالثاً: العزم على عدم العودة إليه.
فمن تاب هذه التوبة تاب الله عليه.
أما التوبة الكاذبة التي يتوب منها الشخص وفي نيته أن يعود في الغد، فهذا لم يتُب توبة نصوحاً، فالتائب من الذنب والعائد إليه كالمستهزئ بالله ، ونخشى عليك يا أخي! أنك تتوب إلى الله من ذنب ثم ترجع إليه، فلا تتوب إلى الله منه، بل تُب، ولكن لا يُقفل الشيطان الباب عليك، بل كلما أراد أن يوقعك في ذنب فتُب إلى الله؛ لأن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها، فلا يا أخي! لا تقنط من رحمة الله، وأقبل وتُب.
стр. 2957
حكم العادة السرية
السؤال
أنا شاب مُبتَلىً بالعادة السرية، وبعضُهم يُجيز لي أن أفعلها باعتبار الضرورة، فما هو الحُكم؟ وبماذا تنصحُني؟
الجواب
الذي يُجيزها ليس له دليل، والفتوى صادرة من هيئة دار الإفتاء اللجنة الدائمة للإفتاء، بتوقيع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، بأنها محرمة، وهي أخت الزنا -والعياذ بالله-، وأدلة تحريمها من كتاب الله ومن سنة رسول الله.
فأما من كتاب الله: فقوله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ﴾ [المؤمنون:٥ - ٦] ماذا؟ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون:٦] زوجتك أو الأمة التي عندك، ملك يمينك، فقط، ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون:٦ - ٧] فمن ابتغى شيئاً غير هذين الأمرين، بيده أو بغير ذلك ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٧].
وأما من سنة رسول الله: فقوله ﷺ : (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للطرف وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم) ما قال: فعليه بيده، (فإنه له وِجاء).
ووردت بعض الآثار في التحذير والنهي عن هذه المعصية المحرمة والعياذ بالله.
فتُب إلى الله، واعلم أن الذي يقودك إلى الوقوع فيها هو الشيطان، فإذا رأى منك صلابة في الموقف وقوة في العزيمة انصرف عنك، أما إذا رأى منك ضعفاًَ وخَوَراً وحباً لهذه الشهوة المحرمة، قادَكَ إليها فتهلك.
وقد قرر الطب الحديث أن الممارسة لهذه العادة السرية الخبيثة -واسمها العادة السرية تلطيفاً لاسمها، وإلا فإن اسمها: نكاح اليد- قرروا أنها سبب لإصابة الإنسان بأمراض خطيرة، منها: العُقم، الذي يُمارس العادة السرية إذا تزوج يكون عقيماً؛ لأن الحيوانات المنوية ذات الحياة والقوة تُستهلك وتُستنفذ عن طريق العادة السرية، فإذا تزوج لم يبقَ له شيء، قد صرَّف كل بضاعته في يده -والعياذ بالله- فلا تحمل زوجتُه، ثم قالوا: أنها تحدث له أمراضاً نفسية، وتجعله إنساناً هابط النفس، ليس لديه من شُغل إلا يده -والعياذ بالله- لم يخلقك الله يا أخي! لهذه المعاناة، لكن اصبر، وتمسك بطاعة الله، وابتعد عن المهيجات، لا تنظر إلى النساء، ولا تسمع الأغاني، ولا تقرأ القصص الجنسية، ولا تنظر إلى المسلسلات والأفلام الجنسية، ولا تجلس مع العُصاة الذين يذكرونك بالبنات والنساء، وإنما إذا قامت عندك الشهوة، واستطاع الشيطان أن يقنعك بشيء من هذا، فاغتسل، وصلِّ ركعتين أو أربع ركعات، أو اقرأ القرآن، أو اسجد لله، والله سوف يصرف عنك هذا الشر بإذن الله .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2958
قوة الروح، وقوة الجسد
إن قوة الروح والجسد لدى المؤمن تنفعه في الدنيا والآخرة، فأما في الدنيا فيعيش في سعادة وأمان واطمئنان حتى الموت، وأما في الآخرة فإنه يجد ما حباه الله من النعيم الأبدي، والخلود السرمدي ما لم يعطه لأحد غيره من ضعفاء الأرواح والأبدان، ولذلك على المؤمن أن يكون قوياً في عقيدته وروحه وإيمانه، فيسعد بذلك سعادة لا يشقى بعدها أبداً.
стр. 2959
أهمية القوة الإيمانية وفضلها على القوة المادية
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
وبعد: أيها الإخوة في الله! القوة مطلوبة، والمؤمن مطالب بأن يكون قوياً؛ لأن الحياة لا تعترف إلا بالقوي، الضعيف يرفض ويداس بالأقدام؛ خصوصاً حينما تغيب شريعة الرحمن، وتسود شريعة الغاب، والله يأمر بإعداد القوة فيقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠] ويقول رسول الله ﷺ : (المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍ خير).
والقوة المطلوبة قوة شاملة، قوة في الإيمان والأبدان والعلوم والاقتصاد، وكل مناحي الحياة: (المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير).
وحينما تذكر القوة لا يتبادر إلى أذهان الناس إلا القوة المادية؛ لأن العقول تلوثت وحصلت فيها تصورات غريبة على الإسلام، حينما يعتمد الناس على قوة المادة وينسون قوة الله، فإذا ذكرت لهم (القوى) فلا تنصرف الأذهان إلا إلى قوى المادة، وينسون قوة الإيمان والأرواح، رغم أن أهمية قوة الروح والإيمان أعظم بملايين المرات من قوة الأبدان والسلاح، لماذا؟ لأن الله ينصر بالإيمان ولا ينصر بقوة السلاح، والتاريخ أمامنا، وبالاستقراء نعرف كيف حصل هذا؟ ففي غزوة بدر خرج رسول الله ﷺ ومجموعة من أصحابه ليس فيهم إلا اثنان من الخيالة فقط، وما خرجوا لقتال، إنما خرجوا لاقتطاع القافلة التي كانت تأتي بالتجارة لقريش من الشام إلى مكة، وكان النبي ﷺ في حرب مع قريش، ومن حقه أن يقطع عليهم الطريق، فلما علم أن القافلة قادمة من الشام خرج لقطعها، ولما علم أبو سفيان -وكان أمير القافلة- نجا بها عن طريق الساحل، وعلمت مكة بخروج النبي لاقتطاع القافلة فخرجت عن بكرة أبيها؛ بقضها وقضيضها، وحدها وحديدها، ورجالها ونسائها يبلغون ألف مقاتل، ولما بلغهم أن القافلة قد نجت اختلفوا، فقال قائل منهم: نحن خرجنا لإنقاذ القافلة وما دام أن القافلة قد نجت فلم نقاتل؟! وقال الفريق الثاني: ما خرجنا للقافلة فقط، خرجنا لنستأصل شأفة الإسلام من أساسه، لنقضي على محمد، فإنه إن نجت القافلة اليوم لن تنجو غداً، ويقول أبو جهل: والله ما نرجع حتى نصل بدراً، ونشرب الخمر، ونضرب الطبول، وتعلم العرب أننا قد انتصرنا على محمد، وأيد هذا النداء في قلوبهم الشيطان، قال لهم: إني جار لكم، وقال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس، وقال: إني معكم، ولما حصلت المواجهة بين قوى الإيمان ممثلة بالصحابة وهم ثلاثمائة وبضعة عشر، بدون سلاح إلا سلاح الإيمان، وبين قوى الكفر الممثلة في قريش بجميع أسلحتها وعددها؛ كانت القوى غير متكافئة، فتدخلت قوة الله لتغليب جانب قوى الإيمان، وأرسل الله ملائكة، أمدهم الله بألف جندي من جنود السماء، وهذه أول معركة تشترك فيها الملائكة مواجهة بالإنس، وما كانت تعرف الملائكة كيف تقتل الناس؛ لأنها لا تعرف كيف تقاتلهم؟ فالله علم الملائكة فقال: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢] من أراد الله قتله ضربته الملائكة في رقبته، ومن أراد الله تعويقه دون قتلٍ ضربته الملائكة في أصابعه فتطيح الأسلحة من يده، تتقطع البنان وهي الأصابع: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢] وقتل الكفار، وانتصر الإسلام يوم الفرقان.
وتدور عجلة الزمن إلى أن يحصل الفتح ويدخل رسول الله ﷺ مكة منتصراً، ثم يجهز الجيش على قبيلة ثقيف وهوازن، ويخرج اثنا عشر ألف مقاتل ثلاثمائة، ولكنهم اعتمدوا على قوتهم، وقال الله : ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥] وكانت ثقيف وهوازن قد استحكموا في رءوس الجبال، فأمطروهم بالنبال، وضربت النبال في وجوه الخيول ورءوس الجمال فانتكست ورجعت، ثم من أراد أن يقف لا يستطيع لأن الجيش كله يرجع إلى الخلف، فهرب كل الناس حتى قال قائلهم: والله ما يردهم إلا البحر، ولم يثبت في ذلك اليوم إلا الرسول ﷺ ومائة صحابي فقط، كان ينادي ﵊: (يا أهل بيعة الرضوان! يا أهل سورة البقرة! أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) قال الله : ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة:٢٦] اثنا عشر ألفاً ما نفعوا لكن مائة مع الله نفعوا، فأقوى قوة يجب أن نعدها هي قوة الإيمان؛ لأننا منصورون بدون شك، وإذا قلت الإمكانات نصرنا الله بجنود السماوات والأرض: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفتح:٤] الريح جنود، الملائكة جنود، الأمطار جنود، التثبيت المعنوي جنود، كل هذه جنود إذا تدخلت في المعارك لا يستطيع أحد أن يغلبها؛ لأنها قوة الله، والله تعالى يقول: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠] لا يغلبك أحد إذا نصرك الله: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:١٦٠] وتركيز الناس فقط على قوى المادة مع إهمال قوى الدين والإيمان والروحانيات دليل على خلل في تصوراتهم وأفكارهم، ينبغي تصحيح هذا الخلل.
стр. 2960
تركيب الإنسان من روح وجسد، وما يحتاجه الجسد من ضروريات
حتى نجيب على هذا الأمر لا بد أن نسأل: ما هو الإنسان؟ وما تركيبه؟ وما أصل خلقته؟ الإنسان مخلوق من عنصرين ومركب من مادتين: قبضة من التراب، ونفخة من روح الله، وأما بقية الحيوانات فإنها مشكلة من عنصر واحد: قبضة من طين الأرض، أما الإنسان ففيه عنصر طيني وعنصر روحاني، يقول الله تعالى فيه: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص:٧١ - ٧٢] هل جاء السجود لآدم بعد التسوية من الطين؟ لا.
بل بعد نفخ الروح؛ لأنه أكرم عنصريه.
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ يعني: من الطين: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص:٧٢] فجاء الأمر بالسجود بعد نفخ الروح دليلاً على أن أكرم عنصريك هي الروحانية التي فيك؛ لأنك تشارك بها الملائكة، وتشارك بالعنصر الطيني الحيوانات، فإذا تجردت من الروحانيات عشت حياة الحيوانات بل أضل؛ لأن الحيوان يعرف مصلحته، وهذا ما نص الله عليه في القرآن الكريم، يقول : ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] سبحان الله!! بغير الدين ما أنت؟ حمار؟ لا.
ألعن من الحمار! ليت الواحد حماراً نركب على ظهره، لكن ماذا نعمل فيه إذا لم يكن عنده دين؟ لأن الحمار يعرف مصلحته، والثور يعرف مصلحته، لكن الذي ليس عنده دين لا يعرف مصلحته، له عقل لا يعقل به، وله عين لا ينظر بها، وله أذن لا يسمع بها، عطلها الله حيث يقول: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف:٢٦] ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل:٧٨] فالإنسان إذا لم يكن معه إيمان ودين يسقط وينزل درجة أقل من درجة الحيوانية، يقول الله : ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] قدم للحيوان شيئاً ضاراً يرفضه، ادفع الحيوان إلى حفرة فيها نار يصرخ، مع أنه يضرب به المثل في البلادة، فقد ضرب الله به مثلاً في القرآن الكريم، وشبه به اليهود الذين عندهم علم ما عملوا به، رفضوه واعتمدوا على نسبهم وقالوا: هم شعب الله المختار، قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥] وهم في حقيقتهم يقولون: هم شعب الله المختار، والناس هم الحمير، والله سماهم الحمير حقيقة! الحمار وهو أبلد الحيوانات إذا حفرت أمامه حفرة ثم أخذته بعنانه وسحبته إليها يرفض، وتحاول تجره فيثبت يديه، يقول: أين عقلك أنت؟! لكن أكثر الناس أضل من الحمار، يرى النار بعينه ويقتحمها، أجل هو أضل! فالإنسان مكرم لأكرم عنصريه وهو عنصر الروح، عنصر الإيمان، وكما أن للجسد ضرورات فإن للروح أيضاً ضرورات، لا يستطيع الجسد ولا تستطيع الروح أن تعيش إلا بضروراتها.
стр. 2961
الهواء من ضرورات حياة الجسد
الجسد لا يستطيع أن يعيش إلا بالهواء، أليس كذلك؟ هل يستطيع أحد أن يعيش بغير الأوكسجين؟ أهم شيء عند الناس في الدنيا كلها وأغلى شيء الهواء؛ لأن الإنسان لا يستغني عنه لحظة، ولذا جعل الله الهواء مما لا سلطة لأحد فيه، ويكون معك في كل مكان، ففي المسجد هواء، وفي الخارج هواء، وعندما تركب السيارة يلحقك الهواء، أو تدخل بيتك تجد الهواء، وتدخل دورة المياه فتجد الهواء، وتركب في الطيارة يلحقك الهواء وتمشي في أي مكان والهواء معك، وبعد ذلك تشتريه، ما رأيك؟ لو أن الهواء بنقود لكان كل واحد فوق ظهره قربة وجالون وعيار، متى يغلق؟ لكنه مجاناً يا إخواني! أهم شيء وأغلى شيء موجود هو الهواء، وبالرغم من هذا يجعله الله بالمجان وفي كل مكان.
стр. 2962
الماء من ضرورات حياة الجسد
شيء آخر أقل أهمية من الهواء، لكن إذا لم يكن موجوداً مات الناس! الماء تحتاج إليه في أوقات وتستغني عنه في أوقات، فما جعل الله الماء ملازماً لك بحيث تمشي والماء يمطر عليك ليل نهار؛ ولو كان ذلك لغرقت وانتهيت، لكن جعل الله الماء في إمكانك الحصول عليه بأبسط التكاليف، تحفر الأرض فتخرج لك عين أو بئر، يجري الله الأنهار، وينزل الأمطار، فتحمل الأرض هذه المياه وتختزنها إلى مستوى قريب ثم تحفرها وتلقاها، لو أن الله أخذ ماء المطر وتركها فوق الأرض لأسنت الأرض وتعفنت وانتشرت فيها الملاريا والحمى وكل الأمراض، ولو أن الله فتح الأرض ونزل الماء إلى أسفل السافلين لم نجد قطرة، لكن لماذا الله نزله إلى عدة أمتار وأبقاه؟ يقول الله : ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون:١٨] وقال: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر:٢٢] تأتي على البئر مملوءة بالماء لا تذهب، بينما الماء إذا وجد أي فرصة للنفاذ ينفذ، والأرض عبارة عن طين وحجر وفيها شقوق لكنها أقوى من الحديد، فلا تسمح بنفاذ قطرة واحدة، ولو فتح في الأرض في أسفل البئر شق صغير لذهب الماء كله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك:٣٠] الله رب العالمين.
فلما كان الماء ذا أهمية -ولكن أهميته تقل عن أهمية الهواء- وجد الماء لكن بنوعٍ من الكلفة؛ تحفر لك بئراً أو تمشي إلى النهر وتأخذ لك ماءً، المهم أنه موجود، لكن لا تستطيع أن تصبر عن الماء طويلاً، وفي البلاد الحارة يقول الأطباء والعلماء: يمكن أن يعيش الشخص مدة ثلاثة أيام أو أربعة أيام أو أسبوع إلى أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع بدون ماء، لكن بعدها تجف عروقه ويموت، وفي البلاد الباردة يمكن أن يعيش إلى شهرين بدون ماء؛ لأن الجو يرطب جسده ويعطيه قدرة على العيش بدون الماء.
стр. 2963
الغذاء من ضرورات حياة الجسد
شيء ثالث من الضروريات للجسد: الغذاء.
الطعام ضروري جداً للإنسان، ولا يعيش الإنسان إلا بالهواء والماء والغذاء، ولكنه ليس مهماً كالماء، فيستطيع الإنسان أن يصبر عن الطعام مدة طويلة، تعرفون بعض الناس يضربون عن الطعام أشهراً ولا يموتون، ولذا كان خروج الطعام للإنسان من الأرض بكلفة أشد، وبتعبٍ أكثر، لماذا؟ لأنه يستطيع أن يصبر عليه، هذه ضرورات الحياة: هواء وماءٌ وغذاء، هذه ضروريات لا يستطيع الإنسان أن يعيش بغيرها، وإذا فقد الجسد هذه الضروريات الثلاث مات.
وكما أن للجسد ضرورات لا يستطيع أن يعيش إلا بها كذلك للروح ضرورات لا يستطيع الإنسان أن يعيش إلا بها، وإذا قصر في هذه الضرورات ماتت روحه، والناس في غفلة من هذا الأمر، وهذه مهمة -أيها الإخوة- ويجب أن نركز على هذا الموضوع جداً، فإذا كنا نعرف أننا مخلوقون من هذين العنصرين وأن لكل عنصرٍ غذاءه المناسب له، فلما كانت الروح من السماء كان غذاؤها من السماء، ولما كانت الجسد مخلوقة من الأرض والطين كان غذاؤها من الأرض والطين، ويوم أن نقصر في أي مادة من مواد الروح أو مادة من مواد الجسد تموت.
أجل! نحن لا بد أن نعيش حياتين متكاملتين في تنفيذٍ لمتطلبات الجسد والروح، والذي يحصل الآن في البشر أنهم يغلبون جانب الجسد ويهملون جانب الروح فتموت أرواحهم، ويعيشون بغير دين، ويوم أن يعيشوا بغير دين يحصل هناك هزة عنيفة لكيان الإنسان، ويحكم الإنسان على نفسه بأنه ليس إنساناً بل حيوان؛ لأن فيه الجانب الحيواني ممثل بجسده، والجانب الروحاني ملغى من قلبه، فهو من أجل هذا الجانب يركز عليه ومن أجل ذاك الجانب يهمله، وبالتالي يعيش حياةً مشطورة.
стр. 2964
أهمية الإيمان وسر تكريم الإنسان
كلامي السابق ينتج عنه
السؤال
هل الإيمان والدين، والعفة والطهر والعفاف والنقاء، والأخلاق والقيم والمبادئ هل هي ضرورة للإنسان كضرورة الغذاء والشراب والهواء أم لا؟ هل يمكن أن يعيش الإنسان بغير هذه الأشياء؛ يأكل ويشرب ويتمتع ويعيش حياة سعيدة؟ الجواب هنا له شقان: فالذين نظروا إلى هذا الإنسان على أنه إنسان مكرم، وسر التكريم له أربعة جوانب: ١ - خلقه الله بيده.
٢ - نفخ الله فيه من روحه.
٣ - أسجد له ملائكته.
٤ - علمه الأسماء كلها.
هذا سر التكريم؛ وليس لأحد غير آدم، كل المخلوقات يقول لها: كوني؛ فتكون، إلا آدم فإنه مخلوق بيد الرحمن، ومنفوخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه الأسماء كلها: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١] هذا تكريم لهذا الإنسان، وهذا معنى قول الله : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠] وهذا معنى قول الله في سورة الحج: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨] من أهانه الله حينما ترك دينه فمن يكرمه؟ أجل الكرامة هنا في الدين، سر التكريم فيك أيها الإنسان في الإيمان، أجل ولا يمكن أن تعيش حياة كريمة سعيدة إلا بالإيمان، وإذا عشت بغير إيمان فإنها تعيش حياة هينة هابطة لا قيمة لها.
والذين نظروا على أن الإنسان حيوان قالوا: لا قيمة للدين ولا داعي له، لماذا؟ قالوا: نظرنا إلى الحيوانات وهي تعيش بلا دين، فلماذا نحن نحمل ديناً ونحن مثلها؟ حسناً من قال لكم: إن الإنسان حيوان؟ هذه هي فلسفة العصر الآن وعمدته قائمة على حيوانية الإنسان، من أين جاءت هذه؟ الذي لا يقرأ التاريخ ولا يعرف كيف تسلسلت الأحداث في العالم، ولا يراقب عجلة الزمن لا يدري، يظن الأمور جاءت صدفاً، والأمور وراءها مخططون، وراءها عقول تلعب بالبشر كالدمى.
стр. 2965
النظريات الإلحادية التي أضلت البشرية في العصر الحديث
في إبان الثورة الفرنسية سنة ألف وسبعمائة وتسعة وثمانين للميلاد كانت أوروبا تعيش في سبات وضلال وجهل لا يعلمه إلا الله، وكانت الكنيسة والإقطاع والإمبراطورية الموجودة تمارس ضغطاً وتعذيباً وقتلاً للعلماء وتحريقاً لهم، ومصادرة للفكر والحريات بدرجة لم تعهد البشرية لها مثيلاً، وكانت الشعوب تضيق بهذا القهر والتسلط عليها، فحصلت الثورات الفرنسية، وبعدها الثورة الصناعية في بريطانيا، وتمرد الناس على سلطان الكنيسة، ورفضوا الدين المحرف الذي لعبت به أصابع البشر، والذي ليس من عند الله، الدين الموجود في أوروبا وهو الكنيسة والديانة النصرانية ديانة محرفة وليس دين الله؛ لأن الدين عند الله هو الإسلام، وألغى الله جميع الأديان والشرائع والملل، ورضي الإسلام للبشر ديناً، فالدين المحرف لا تقبله العقول، فلما رفضته أوروبا حصل التمرد على الدين، واستغل المخططون من اليهود هذا الحدث فوجهوه وفق أغراضهم، وفصلوه على غاياتهم وأهوائهم، كيف؟
стр. 2966
داروين ونظريته في مراحل تطور الإنسان
هناك طبيب اسمه دارون صاحب نظرية ليست حقيقة علمية قال فيها: إن الإنسان تطور ومر بمراحل من الرقي والتطور إلى أن أصبح إنساناً، كيف؟ قال: كان أصله في قديم الزمان خلية، ثم تطور من خلية إلى نبات، ثم تطور من نبات إلى نبات يشبه الحيوان، ثم تطور من نبات يشبه الحيوان إلى حيوان يحس، ثم تطور إلى حيوانات فقارية يعني: ليس لها أرجل ولا أيدٍ، بل تمشي على الأرض مثل السلاحف والحيتان في البحر، ثم تطور إلى القرد، ثم تطور من القرد إلى الإنسان، هذه نظرية دارون! من أين علمت يا دارون أن أصلك قرد من بعيد؟ هو قرد مع أن الله خلق القرود، قال: هذه نظرية التطور، قلنا: حسناً! والتطور هذا الذي حدث، فلماذا الإنسان بقي إنساناً؛ ولم لا يتطور؟ لم لم تستمر المسألة في تطور؟! قال: سوف يتطور، قلنا: وماذا يصير؟ قال: يصير فأراً -قاتله الله- حسناً، متى يا دارون؟ قال: بعد خمسة آلاف مليون سنة.
كبَّر الكذبة! من الآن إلى ذاك الوقت يقول: قد نساها الناس، خمسة آلاف مليون سنة، أين ألف سنة؟ وأين مائة ألف؟ وأين مليون؟ وأين ألف مليون؟ خمسة آلاف مليون كذبة ليس لها طرف! لما قال بهذه النظرية كان يريد شيئاً في نفسه مع أنه يعرف أنه كذاب؛ لأنه ما شهد خلقه، يقول الله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾ [الكهف:٥١] ليس موجوداً يوم خلق الله آدم حتى يقول: إن الإنسان كان خلية، هو جاء في سلسلة البشر القريب، والبشر كائن وموجود منذ زمن طويل فما علم أصلاً، لكنه يضرب على وتر، يريد أن يلغي قضية: إن الله خلق آدم بيده، وأن آدم كرمه الله وعلمه الأسماء، وأنه منفوخ فيه من روح الله، يريد أن يجعل آدم مثل القرد، وما دام القرد أبانا (فمن يشابه أبه فما ظلم) فما دام أن أباك قرد فأنت قرد يا ابن القرد، هو يقوله! فهو يريد غرضاً من هذا الباب.
وفرح اليهود بهذه النظرية؛ لأنها تحقق مبدأً قامت عليه ديانتهم وهو العرقية، اليهود ديانة لا تكتسب ولكنها تورث؛ أي شخص يريد أن يدخل في اليهودية يقولون: ما أصلك؟ إن كان جده يهودياً يدخل، أما إذا لم يكن له نسب في اليهودية فلا يدخل؛ لأنهم يقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] ويقولون: إنهم شعب الله المختار، ويقولون: إن بقية الأمم هذه ليست إلا حميراً خلقها الله لخدمة اليهود، وقال الله عنهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران:٧٥] الأميون: يعني: جميع الأمم غير اليهود، فهم ينظرون إلى الأمم على أنها درجة أقل من درجة اليهود، ولذا لا بد أن نستحمرهم، كيف نستحمرهم وبأي وسيلة؟ سمعتم قبل أيام بالمذبحة التي حصلت في المسجد الأقصى، والتي هزت كيان ضمير العالم كله مسلمه وكافره؛ لأنها لم تمارس بشكلٍ مثل هذا أبداً، يعني: أي واحد يعترض -مثلاً- في الدول يحتج ويعترض ويتظاهر تعالج هذه الاحتجاجات والمظاهرات بوسائل لفضِّها فقط؛ إما بأن يرشوا عليهم ماءً، أو عيارات نارية تطلق فوق رءوسهم، أو دخان مسيل للدموع، أو اعتقالات وقبض، أما أن يسلطوا الرصاص على العزل الذين ليس عندهم حتى عصي، ويقتلوهم كما يقتلون الغنم فهذا ليس موجوداً، حتى في الغنم الآن، فلو أن عندك غنماً في بيتك وهربت عليك واحدة فأنت لا تأخذ البندق وترشها بالرصاص؛ كيف ترشها بالرصاص فتقتلها، تقول: اقتلوها من أجل أن تمسكها؟! لكن هم ينظرون إلى الناس على أنهم أحقر من الغنم، فجاءوا ليمارسوا شيئاً في داخل الحرم، فاعترض المسلمون قالوا: لا تعملوا هذا الشيء، فماذا كان الجواب؟ إطلاق الرصاص، قتلوا واحداً وعشرين شخصاً، وجرحوا ثلاثمائة شخص في ساعة واحدة، لماذا؟ لأنهم ينظرون إلى البشر على أنهم أحقر من الحمير.
ولهذا فرح اليهود بنظرية دارون وأخذوها وبدءوا يغيرونها من كل جانب من أجل أن توافق أهواءهم ورغباتهم.
стр. 2967
فرويد ونظريته في الجنس
وظهر لنا خبيث اسمه: فرويد، هذا - فرويد - عالم يهودي وطبيب نفساني يهودي، هذا أنجس طبيب على وجه الأرض، نظريته قائمة على تفسير هو: ما دام أن الإنسان حيوان فإن لحركة الحيوان هذه مقاصد وأهدافاً، ما هي؟ قال: إن كل تحركٍ يتحرك به الإنسان فهو بدافع الغريزة الجنسية، حتى الطفل الصغير يرضع أمه وهو يتلذذ جنسياً، وإذا بكى وهو على ظهرها ورفع رجليه فهي حركة جنسية، وإذا مص إصبعه فهي حركة جنسية، وإذا بلغ سنة من عمره فإنه يرى أباه ويكرهه ويريد أن يمارس الحركة الجنسية مع أمه، فإذا كبر وصار عمره سنتين سرى حقد عنده على أبيه؛ لأنه يراه يأتي أمه، فيحقد على أبيه؛ لكنه يفاجأ بأن أباه كبير ويستطيع أن يضربه؛ فتحصل عنده عقدة الكبت الجنسي، يقول: ثم إذا كبر وأراد أن يمارس الجنس مع أمه فينظر أباه يصرف عليه، ويعطيه، ويذهب به إلى المدرسة؛ فيحصل عنده الضمير يقول: يؤنبه ضميره؛ كيف يصرف عليك أبوك وأنت تريد أن تعمل الجنس مع أمك؟ هذه نظرية الخبيث فرويد.
من قال لك هذا يا فرويد؟! من أين أتيت بهذه النظرية؟!! ألا لعن الله هذا الملحد! قال: أجريت تجربة على قطيعٍ من الثيران في مزرعة من المزارع فوجدت عجلاً من العجول خرج من بقرة من الأبقار وكبر، ويوم أن صار ثوراً جاء وطعن أباه وركب على أمه، يقول: فالإنسان مثله.
ومن قال لك: أيها البعيد! أننا ثيران أو بقر؟! شاهدوا كيف حيوانية الناس تأتي لهذا الجانب! ولذا ماذا قال؟ قال: لا يوجد دين يحكم الغرائز، ولا قيم، ولا مبادئ، والذي يحكم الغرائز الجنس فقط، وهذه أقذر نظرية! وتلقتها أوروبا بالقبول ونفذت، ولما نفذت تحللت الروابط، وزالت القيم، وأبيحت المحرمات، وحصلت الإباحية الجنسية، ففي دول أوروبا الآن الإباحية الجنسية على أتمها، لا يوجد شيء ممنوع، ولذا أحل الله بهم الدمار في الدنيا قبل الآخرة، وسلط الله عليهم جندياً مجهولاً صغيراً لا يرى بالعين المجردة وهو جندي الإيدز، سمعتم بالإيدز؟ هذا (فيروس) وليس حتى جرثومة، (فيروس) لا يرى إلا بالمكبرات، هذا جندي صغير سلطه الله عليهم، أين كان هذا الإيدز؟ والإنسان موجود من قبل، لماذا لم يظهر إلا في هذا الزمان؟! جندي أرسله الله ليدمر البشر الآن، حتى قال وزير الصحة السويدي ورئيس منظمة الصليب الأحمر في السويد: إن علينا أن نعيد النظر في ممارساتنا الجنسية بحيث يبقى لكل رجل سويدي امرأة واحدة سويدية.
وهذا يعني: الإسلام، يقول: لا يصلح أن يمارس الجنس مع كل امرأة؛ هذا سبب لنا هذا المرض وهذه المشكلة، عاشت أوروبا في بعدٍ عن الله وفي حيوانية وبهيمية ساقطة بسبب نظرية فرويد التي بناها على نظرية دارون.
стр. 2968
دور كهايم ونظريته: حتمية القطيع الجمعي
جاء شخص آخر اسمه: دوركهايم وقال: إن الحتمية القطيعية هي التي تحكم الناس، لا دين ولا مبادئ ولا أخلاق ولا قيم ولا تقاليد.
فما الذي يحكم الناس؟ قال: الذي يتعارف عليه الناس.
لماذا؟ قال: إني أنظر إلى قطيع الغنم وهي تأتي من المرعى؛ يكون دائماً في أول الغنم ماعز أو خروف، يقول: إذا مشى شمالاً فكلها تمشي وراءه دون أن تسأله: لماذا مشيت شمالاً؟ كل رءوسها ماشية وراءه فقط، وإذا مشى يميناً كلها تمشي وراءه.
يقول: ونظرت إلى سرب الطير في السماء، وفي أول السرب طائر طار شمالاً وكلها تطير وراءه، يطير يميناً وكلها تطير وراءه دون أن تسأل.
لماذا؟ قال: هذا نظام القطيع، إن القطيع يتبع قائده، يقول: والبشر هم قطعان حيوانية بشرية، فأي شخص يدعوهم إلى شيء مشوا وراءه جميل أو قبيح، المهم أنهم وراءه فقط.
هذه نظرية دوركهايم، يسميها حتمية القطيع الجمعي، يعني: ما اجتمع عليه الناس وساروا فيه هو الذي يقع، بدون أي دين، ولا يكون رسالة من الله ولا يكون تقليداً.
стр. 2969
ماركس ونظريته المادية
وجاء الثالث اليهودي الخبيث وهو ماركس الذي نادى بنظريته البلشفية الشيوعية، والتي أفلست والحمد لله، وبدأت أوروبا الشرقية التي كانت فيها، وروسيا ترفضها وتتمرد عليها وتنقضها؛ لأنها أثبتت الفشل لها من خلال التطبيق والواقع.
نادى ماركس بحتمية المادة، يقول: إن الذي يحكم الناس: المصلحة المادية، يعني: الريال فقط، ولهذا يقول: لا إله والحياة مادة؛ الحياة ريال، لكن من الذي خلق الإنسان ماركس أو فرويد أو دوركهايم أو دارون؟! الذي خلق الإنسان هو خالق الإنسان، وهو الذي أنزل عليه هذا الدين وهذا الإيمان كلباس مفصل عليه؛ يوم أن يلبسه يعيش في سعادة، ويوم أن يرفضه يعيش في شقاء.
غير أن البشرية أجيبت وفق هذه النظريات الخبيثة على أن الإنسان حيوان، وما دام أنه حيوان فلماذا يكون له دين؟ ولماذا يتميز عن الحيوانات بدين؟ نظروا إلى البقر وإذا ليس لها دين، وإلى الكلاب وإذا بها ليس لها دين، وإلى الخنازير وإذا بها ليس لها دين، وإلى جميع الحيوانات في حدائق الحيوانات ما لها دين، قالوا: وأنت واحد منها فلماذا تخترع لك ديناً؟ لماذا تشذ أنت عن الحيوانات وأنت واحد من الحيوانات؟ فعاش البشر بلا دينٍ كحياة الحيوانات التي قال الله تعالى عنها في القرآن الكريم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] هذا كلام الله .
ولما قدمت هذه النظريات للبشر فهموها على أنها دين وأنها هي المبدأ السائد في الحياة، فعاشوا حياة الحيوان والعياذ بالله! ويوم أن يكون الإنسان حيواناً فلا مكان للعقيدة، ولا للقيم، ولا للمبادئ؛ لأن هذه الأشياء لا مكان لها في عالم الحيوانات، وما الإنسان إلا واحد من قطيع الحيوانات، ويوم أن يكون الإنسان حيواناً فلا معنى للخطأ والصواب في حياة الناس، وخطأ كل شيء صواب عند الناس، ففي أوروبا الآن كل شيء صحيح، حتى إن مجلس العموم البريطاني أباح أن ينكح الرجل الرجل، تعلمون هذا أو لا؟ نعم.
اقترح على هذا في مجلس العموم، وبالأغلبية وافق مجلس العموم على أنه يجوز للرجل أن يتزوج الرجل من عند القاضي، وأصبح الشخص الآن يأتي له بشخص ويقول: اعقد لي عليه، ويخرج ومعه صك ويأخذه في يده، لماذا؟ لأنه لا يوجد خطأ ولا صواب، لا توجد شريعة تحكم، فما الذي يحكم؟ لأن الناس رضوا هذا الشيء؛ نظام قطيع مجلس العموم قال: هذا أمر طيب، فقالوا: حسناً! ما الذي يحكم الخطأ والصواب في عالم البشر وفي سلوك الناس؟ المشرع، وهو الله الذي يعلم مصلحة البشر ويعرف مضرة البشر، فيحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، وينهاهم عن الشرور ويأمرهم بالخيرات، لماذا؟ ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] يعلم مصلحتك، ينهاك الله عن النظر الحرام: أنت عينك تريد أن تنظر إلى الحرام لكن الله ينهاك عن النظر للحرام لعلم الله بالضرر المتحقق من نظرك إلى الحرام، ولهذا يقول الله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] نعم.
أزكى؛ لأنك تشاهد، والذي يعيش بغير نظر والله إنه يعيش في أحسن راحة قلبية، لا ينظر شيئاً، وإذا شاهد شيئاً غض بصره ومشى، لكن يذهب إلى بيته ينظر زوجته أمامه، لكن ذاك الذي لا يغض بصره فإن قلبه يتقطع على كل ما يرى؛ لأنه يرى شيئاً لا يستطيع عليه ولا يصبر عنه، يقول:
وأنت إذا أطلقت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر
فشيء لا تستطيع أن تصبر عنه لماذا تنظر إليه؟ لكن رب العالمين يقول لك: لا تنظر! فتذهب إلى بيتك مرتاحاً، لكن يوم أن تنظر وترى تذهب وقلبك يتقطع.
وكثير من الناس الآن يعيش في عذاب بسبب النظر، ولو أنه أطاع الله وغض بصره فإنه بهذا يحقق لنفسه راحة نفسية وإيماناً يجد حلاوته، يقول ﵊: (من غض بصره احتساباً لوجه الله أبدله الله إيماناً يجد حلاوته إلى يوم يلقاه) لأنك لا يمكن أن تغض بصرك إلا خوفاً من الله تعالى، لا يوجد أحد يستطيع أن يتحكم في نظرك ويعرف أين تنظر إلا ربك، وبإمكانك أن تنظر إلى امرأة وإذا قال لك شخص: لماذا تنظر؟ تقول: عيني في العمارة التي خلفها يا شيخ! لكن ربي يعرف أين تنظر عيناك، يقول الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩].
فالذين أجابوا على أن هذا الإنسان حيوان قالوا: لا دين ولا مكان للأخلاق، ولا مكان للخطأ والصواب، وهكذا كانت هذه النظرية اللعينة نظرية دارون: قنبلة في عقائد البشر! نسفت ما معهم من الدين والقيم والمبادئ، وحولت الإنسان من إنسانيته المكرمة إلى الحيوانية الهابطة، فعاش الناس حياة الحيوان التي لا يحسدون عليها في هذا الزمان، صحيح أنهم طوروا المادة، وفجروا الذرة، وسبحوا في الفضاء، وغاصوا في الماء لكن في الجانب المادي، أما جانب القيم والأخلاق والمبادئ فإنهم في الحضيض، لدرجة أن أحد العلماء يقول: زرت بعض البلدان الغربية فوجدت فيها كل شيء إلا الإنسان ما رأيته.
ما رأيت الإنسان بإنسانيته، بمفاهيمه! بمبادئه! بقيمه! بأخلاقياته! رأيت مسخاً يمشي على قدمين في يده كلب، ما أدري الكلب أوفى أو هو أوفى من كلبه؛ لأنهم يعيشون حياةً بهيمية لا قيمة فيها للحياة الإيمانية، ونحن لا نحسدهم عليها.
стр. 2970
السعادة الحقيقية الكريمة هي في الإيمان بالله
إذا عرفنا هذا -أيها الإخوة- استطعنا أن نجيب على السؤال الأول: هل الإيمان ضروري للإنسان حتى يعيش حياة سعيدة، أم أنه يمكن أن يعيش بغير إيمان؟
و
الجواب
إنه لا يمكن للإنسان أن يعيش حياة الإنسانية المكرمة، حياة السعادة والرقي والأمن إلا في ظل الإيمان بالله، ويوم أن يتجرد من الإيمان يعيش حياة البهيمية والعذاب والشقاء، يقول الله في هذا: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] ولو كنت مهما كنت، والله لو امتطيت أحدث الموديلات، وملكت ملايين الريالات، وتزوجت بأجمل الزوجات، وسكنت بأرفع العمارات، وكنت في أعلى المناصب والرتب لكن لا يوجد دين! ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] هذا في الدنيا، وإذا مات قال: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٥] يحشره الله يوم القيامة أعمى البصر وأعمى البصيرة، في الدنيا كان أعمى البصيرة دون البصر، فلم ينظر ببصيرته في دين الله، فحشره الله أعمى البصر والبصيرة، وأمره أن يسير على الصراط: ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٥ - ١٢٦] الجزاء من جنس العمل، من نسي الله نسيه الله هناك، ومن تعامى عن الدين هنا أعمى الله بصيرته هناك: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٧].
ويقول الله في أهل الإيمان الذين قذف الله في قلوبهم الإيمان: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] لم يقل: ألا بالمال تطمئن القلوب! صحيح في المال تنتفخ جيوبك.
ولم يقل: بذكر الله تطمئن البطون، بالطعام تطمئن البطون وتنتفخ، لكن لا تطمئن القلوب إلا بذكر الله فقط، بالزواج تطمئن الفروج، بالمناصب تطمئن الدنيا ويرتفع القدر في الدنيا، لكن بماذا القلب يطمئن قلبك؟ تدخله برتقالة خاصة؟ أو تنومه في غرفة نوم وحده؟ أو تركبه في سيارة؟ لا يوجد طعام له إلا ذكر الله ودين الله والإيمان بالله: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] وإذا ما اطمأن قلبك فكيف تكون حياتك؟ هب أنك تمتعت بكل متاع الدنيا لكن قلبك ليس مطمئناً، هل هذا متاع؟ هب أنه فاتك كل شيء في الدنيا وقلبك ساكن ومطمئن، فهذا هو المتاع، العالم الآن في ظل المادة وفي البعد عن الدين، حصل ضغط قوي من الحياة المادية على النفس البشرية حتى فجرتها من الداخل، وتمزقت وتوزعت وتخلص الناس من الحياة بالانتحار، الآن آلاف البشر في أوروبا يموتون انتحاراً، والذي ما انتحر ينتحر بالمخدرات، لماذا الناس يتعاطون المخدرات هناك؟ هروباً من الواقع المرير الذي يعيشون فيه، إذا كنت في مكان طيب فلماذا تهرب منه؟ لا يهرب الشخص من مكان إلا وهو سيئ، وهم يهربون من حياتهم البعيدة عن الإيمان إلى حياة يغيبون فيها عقولهم بالخمور والمخدرات والألعاب والسيرك والسحر والتمثيليات والمسلسلات والأفلام، لماذا؟ يريد أن يغيب وقته بسرعة، يريد أن تمر عليه الأزمنة والأوقات حتى يخلص ما فيه من العذاب الداخلي، لأنه ما وجد الإيمان، لكن المؤمن اطمأن قلبه بذكر الله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٩٧] ويوم أن يسكن قلبك إلى ذكر الله، وتطمئن نفسك إلى دين الله يحصل لك الأمن والأمان والراحة والاطمئنان، ويحصل لك أيضاً الفرح بما أمامك من المستقبل الذي ينتظرك، فإن نتائج الإيمان والدين تحصل للإنسان في الدنيا وفي الآخرة، من الناس من يتصور أن آثار الدين فقط في الآخرة، أنا ألتزم من أجل الجنة، وينسى أن آثار الدين تأتي في الدنيا قبل الآخرة، في الدنيا الأمن والطمأنينة والراحة وهدوء البال، وفي الآخرة الجنة.
стр. 2971
حقيقة الدنيا عند أهل السعادة
عقوبة المعاصي والكفر تأتي في الدنيا قبل الآخرة، يقول أحد السلف: [والله لو يعلم أهل الجاه والسلطان ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف].
والآخر يقول: مساكين أهل هذه الدنيا جاءوا إليها وخرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: التلذذ بطاعة الله ، فهذه في الدنيا، وليست الدنيا بالنسبة للآخرة إلا كقطرة من بحر.
ورد في الحديث الصحيح قوله ﵊: (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم ثم ينزعها فلينظر بم ترجع) البحر بجوارك هنا، إذا أتيت على طرف الخليج وأدخلت إصبعك في البحر ثم نزعتها كم تخرج إصبعك من ماء؟ قطرة قطرتين ثلاثاً هذه الدنيا، والآخرة أين هي؟ الذي وراءها من الماء، كم وراءها، الخليج فقط؟ انظر! الخليج خط فقط، انظر في البحر العربي الذي تحت، وانظر في البحر الأحمر والأبيض والمحيط الهادي والأطلسي، والمحيط الهندي، والمحيط المتجمد الشمالي، والمحيط المتجمد الجنوبي ثلاثة أخماس الأرض كلها ماء، هذه نسبة الدنيا قطرات إلى تلك؛ فتلك الآخرة، أفتضيع سعادة الآخرة من أجل شهوة عاجلة مثل هذه القطرات الضعيفة؟ ولذا يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة، يقول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم:٣٩] لأن القلوب تتقطع ألماً وحسرات على ما فاتها من رضا الله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٣٩ - ٤٠] يوم يموت الإنسان يصبح سمعه دقيقاً، وبصره حديداً، يقول الله : ﴿أسمعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم:٣٨] صيغة تعجب هنا، فلان أسمع به، يعني: ما أسمعه! أبصر به، يعني: ما أبصره! فيوم القيامة يقول الله تعالى: ﴿أسمعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم:٣٨] ما أسمعهم لنداءات يوم القيامة! ما أبصرهم لأحداث يوم القيامة! يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢] لكن لا ينفع، يقول الله تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢] يرى المسألة عياناً فيطلب الرجعة ولكن لا يجاب عليها.
стр. 2972
آثار قوة الروح في حصول السعادة
يا أخي! يا عبد الله! آثار الإيمان وآثار قوة الروح واليقين بالله تكسبك السعادة والعزة في الدنيا، وتكسبك عند الموت في أول مرحلة من مراحل الآخرة أن الله يثبتك ويطمئنك وأنت جالس في بيت أهلك، ورد في الحديث: (إن المؤمن ليرى منزله من الجنة ومن النار وهو في بيت أهله) وفي الحديث الآخر يقول ﵊: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، قالت عائشة: يا رسول الله! كلنا نكره الموت، قال: لا.
إن المؤمن إذا كان في بيته رأى منزله من الجنة -في بيت أهله- فيحب لقاء الله فيحب الله لقاءه، وإن الفاجر إذا كان عند الموت يرى منزله من النار -وهو بعد في البيت على فراشه، قد يرى كرسيه محجوزاً في جهنم- فيكره لقاء الله فيكره الله لقاءه) لكنه ذاهب إليه عند ساعات الحرج، ساعات الانتقال من الدنيا إلى الآخرة فتنكشف الحجب وتزول الحواجز ويرى الإنسان بعينه وبصره وبصيرته الآخرة، ويقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] فتقول الملائكة: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].
وفي تلك اللحظات تكون قوة الجسد قد انتهت، لا تنفعك ولا تسقيك ماء، لكن قوة الإيمان في تلك اللحظات تتعرف عليك، ويأتيك إيمانك فيثبتك الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] قالوا: ربنا الله بالإيمان، ثم استقاموا بالعمل ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت:٣٠] أي: لا تخافوا مما أمامكم، ولا تحزنوا على ما ورائكم ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت:٣١] هذا عند الموت.
ويأتي نداء الرب إلى النفس الطيبة التي طابت بذكر الله وبدين الله فتقول لها الملائكة: (يا أيتها الروح الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي إلى روح وريحان، ورب غير غضبان) اللهم إنا نسألك من فضلك يا مولانا، ما أعظم هذا النداء -يا أخي- يوم يقال لك هذا الكلام، وطبعاً الطيب هذا اكتسبه من هنا؛ لأن الطيب طيب في كل تصرفاتك، إذا طاب قلب المؤمن طابت كل حياته، تطيب عينه فلا تنظر في حراماً، وتطيب أذنه فلا تسمع حرام، وتطيب يده فلا يمدها إلى حرام، ويطيب لسانه فلا يتكلم في حرام، ويطيب فرجه فلا يقع به في حرام، وتطيب رجله فلا تحمله إلى حرام، ويطيب قلبه فلا يفكر فيه بحرام، ويطيب كل شيء في حياته، يطيب سلوكه، يطيب وجهه، تطيب ثيابه، تطيب سيارته، تطيب زوجته، يطيب أولاده، يطيب بيته، يطيب عمله، يطيب شارعه، كله طيب لأنه صبغ نفسه بالإيمان، ومن يوم أن تشاهده ترى الدين معه، هذا هو الطيب، فيقول الله تعالى: (يا أيتها النفس الطيبة! كانت في الجسد الطيب اخرجي إلى روحٍ وريحان، وإلى ربٍ غير غضبان، ويقول الله للملائكة قولي: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٨]) المطمئنة التي اطمأنت وسكنت وثبتت على دين الله، ارجعي كأنها كانت في رحلة عمل، والآن ترجع من أجل أن تستلم المصاريف السفرية، والانتدابات من رب البرية: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر:٢٨] راضية مرضي عنها من قبل خالقها وبارئها: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٩ - ٣٠] هذا عند الموت فقط، هذه المقدمات.
وبعد ذلك في القبر حينما يوضع الناس في قبورهم -ونحن منهم ولا نعلم متى يكون، يمكن الليلة أو غد أو بعد سنة أو بعد سنتين لا نعلم- هناك يحصل نقاش وسؤال وامتحان أول، فهذا هو الدور الأول من امتحانات الآخرة، وأسئلته ثلاثة: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ لكن هي سهلة الآن وصعبة هناك؛ لأن الأجوبة ليست بالتغشيش ولا باللسان: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ لا يتكلم اللسان لكن الجوارح والقلوب والأعمال: ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥] هناك يقال للمؤمن: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، ومن نبيك؟ فيقول: نبيي محمد ﷺ ، ثبته الله؛ لأنه ثابت من هنا، قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم:٢٧] اثبت هنا تثبت هناك، زغ هنا تزغ هناك، أمسك الحبل من أوله، أمسك الطريق من أولها، احجز من هنا، لكن تبقى ضالاً وشارداً عن الله ثم تموت وتقول: رب ارجعون، فلا يرجعك ربي، هذا لعب لا يصلح، فيثبت الله الذين آمنوا في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
أما العمي الحيوانيون الذين عاشوا حياة البهائم فإنهم هناك لا يعرفون الله؛ يقال له: من ربك؟ يقول: هاه هاه لا أدري، ما دينك؟ هاه هاه لا أدري -مثل الذي يستيقظ من النوم- ومن نبيك؟ قال: هاه لا أدري، فيقال له: لا دريت ولا تليت، ثم يجازى ويأتيه عمله إن كان مؤمناً على أحسن هيئة وشكل، فيقول له: أبشر بالذي يسرك، فيقول له: من أنت فوجهك الذي يأتي بالخير؟ قال: أنا عملك الصالح حفظتني فحفظك الله، والعمل الصالح إذا حفظته يحفظك، إنك ترى كيف يكون سلوك الطيبين، كل عمله له وزن؛ صلاة وصيام وحج وبر، وأمر ونهي وطاعة وإحسان وصدقات، وذكر وقرآن وعلم ودعوة، كل هذا عمل صالح، لكن الفاسد ما معه من عمل؟ عمله كله دنيا وفساد، كله -والعياذ بالله- خبث في خبث، فكيف يجد عند الله عملاً صالحاً وهو لم يعمله هنا.
حفظتني حفظك الله، فينام كما ينام العريس إلى أن يأذن الله لقيام الناس من قبورهم، فيحشروا إلى الجنة، وتمر به مراحل وأطوار يوم القيامة كأسهل ما تكون، يمر على الصراط كالبرق الخاطف، ويشرب من حوض النبي ﷺ شربة لا يظمأ بعدها أبداً، والحوض قد أخبر به النبي ﷺ قال: (هو أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وكيزانه -يعني: آنيته- عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة واحدة لم يظمأ بعدها أبداً).
وبعد ذلك تأخذ كتابك بيمينك؛ لأنك من أهل اليمين، وتمشي في اليمين، وتمسك خط أهل اليمين، ولا تعرف الغلط، ولا تعكس الطريق، ولا تعرف الشمال، إنما تمشي مع أولياء الرحمن، وبعد ذلك توزن مع أعمالك وإذا بك لك ميزان، ويثقل ميزانك، لك وزن عند الله، أما أولئك فلا وزن لهم، قال الله تعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف:١٠٥] وبعدما تتجاوز هذه الامتحانات يقال لك في النهاية: ادخل الجنة، تفضل: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٠ - ٧٢] نسأل الله من فضله.
стр. 2973
الضعف الروحي وعواقبه الوخيمة في الآخرة
أما أولئك الذين غفلوا عن الله وعاشوا حياتهم -والعياذ بالله- في البعد عن الله؛ فهؤلاء عند الموت تنكشف لهم الحجب، وتزول عنهم الأغطية، ويرون الحقائق كما هي على حقيقتها، فيندمون وتتقطع قلوبهم حسرات وندامات، ويقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧] قال الله تعالى لهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧] وبعد ذلك تقول الملائكة: (يا أيتها الروح الخبيثة! كانت في الجسد الخبيث، اخرجي إلى سخط من الله وغضب) وأنتم ترون هذا في الإنسان البعيد عن الله وأن الخبث يلازمه في كل شيء، حتى لسانه خبيث، عينه تقع في الخبيث، أذنه تسمع الخبيث، يقع في الخبيث، يمشي في الخبث، وإذا فرض أنه جاء مرة في مجتمع نظيف فإنه يضيق ويزهق؛ لأنه جرثومة، والجراثيم لا تعيش في الأماكن الطاهرة والمعقمة، لا تعيش إلا في الأماكن الموبوءة والقذرة، المجتمع الطاهر النظيف يعيش فيه المؤمن كأسعد ما يكون، أما إذا جاء فيه منافق فإنه يضيق منه، يقول: ما هذا! لماذا لا يوجد زنا، ولا خمور، ولا فجور، ولا تمرد، ما هذا! كيف تعيشون على هذا الأمر؟ هذا (أبو جعران) لا يريد أن يعيش في الطهارة يريد من قذارته وجيفته -والعياذ بالله- ومستنقعه! يريد قذاراته ليتلطخ بها، فهذا خبيث، وهذا يوم يموت تقول له الملائكة: (يا أيتها الروح الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي إلى سخط الله وغضبه، فتخرج روحه) وبعد ذلك يحصل لها سؤال في القبر: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فلا يجيب، ويأتيه عمله على أسوأ شكل -والعياذ بالله- فما عمله؟ يتجمع الخبث كله، الربا والزنا، والغناء والفجور، والمال والزور كلها تأتي معاً، ويأتيه على أسوأ شكل ويقول له: (أبشر بالذي يسوءك، قال: من أنت فوجهك الذي يأتي بالشر؟ قال: أنا عملك السيئ، ضيعتني فضيعك الله) ثم يعذب في القبر فترة البرزخ إلى أن يقوم يوم القيامة، ويقوم من قبره مذهولاً خائفاً وجلاً تغشاه الذلة والمهانة، يرد على مراحل القيامة فيسقط عند كل مرحلة، يمر على الصراط فيسقط، ويرد الحوض فيطرد، ويوزن فيخف، ويأخذ كتابه بشماله، ثم بعد ذلك يسحب في النار على وجهه، يقول الله : ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٨ - ٤٩].
стр. 2974
غذاء الروح بالطاعات، ومرضه بالسيئات
هذه -أيها الإخوة- آثار قوة الروح وتلك آثار قوة الجسد، ونحن مأمورون بالأخذ بالقوتين مع التغليب والتركيز على جانب قوة الروح، فإن قوة الجسد تنفعنا في الدنيا، أما قوة الروح فتنفعنا في الدنيا، وتنفعنا في الموت، وتنفعنا في القبر، وتنفعنا في الحشر، وتنفعنا إلى أن ندخل الجنة، فلنركز -أيها الإخوة- على هذا الجانب.
قد يقول قائل: قوة الجسد معروفة، أني آكل طعاماً نظيفاً، أريح الجسد في رياضة وحركة، نقول: حسناً، لكن قوة الروح كما تأكل لجسدك طعاماً نظيفاً يجب أن تقدم لروحك طعاماً نظيفاً مثلما تحمي جسدك، إذ لو وجدت برتقالاً فيه فساد ما أكلت، أو تفاحة فيها عفن فلن تأكلها، أو لحمة فيها سوس أو دود لا تأكلها، أو لبن انتهى وقت استعماله لا تشربه، وكذلك الروح إذا أكلتها الربا هدمتها، وإذا قدمت لها المعاصي دمرتها، روحك هذه تحتاج إلى حماية من الخبائث، وتحتاج إلى تقوية، مثلما تقوي جسمك بالحركة والسير والرياضة تقوي روحك أيضاً بالطاعة: بقراءة القرآن وهو أهم ما نوصي به عباد الله، أهم ما نوصي به الناس تلاوة كتاب الله، فإن كل ضلال وفساد سببه البعد والغفلة عن الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء:١ - ٣].
فتقرأ القرآن وتجعل لك ورداً يومياً منه، وتقرأ السنة وتحافظ على الصلوات الخمس في بيوت الله، تقيم الصلاة، تؤتي الزكاة، تصوم رمضان، تحج البيت، تعتمر، تحب في الله وتبغض في الله، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، تطيع والديك وتبرهم، تصل رحمك، تحسن إلى جيرانك، هذا مع حفظك للجوانب الأخرى وهي المعاصي، يعني: حماية وبناء، فإذا حميت دينك وبنيته كنت بذلك قوي الجسد والروح، وبعد ذلك تعيش حياة الكرامة والعزة، ويوم تموت تلقى الله وأنت قوياً صحيحاً سليماً: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩].
انظروا كيف ذكر الله أنه الذي ينفع في الآخرة ليس الجسد، الذي ينفع هو القلب ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] الذي يموت وقلبه سليم يدخل الجنة؛ لأنها دار السالمين، والذي يموت وقلبه مريض لا بد من تصفيته وتطهيره بالنار، في المستشفى الذي علاجه النار: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٨٨ - ١٠٤].
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقنا إيماناً يقينياً وعملاً صالحاً، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يحمينا من المعاصي والذنوب والشرور والآثام، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2975
الأسئلة
стр. 2976
قوة الإيمان تكون بكثرة العمل الصالح
السؤال يقول: كيف يصبح الإنسان قوي الإيمان؟
الجواب
الإيمان في معتقد أهل السنة والجماعة هو: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان.
فإذا أردت أن يزيد إيمانك فزد في الطاعات: زد في قيام الليل، زد في صيامك، وفي قراءة القرآن، وفي أذكار الصباح والمساء وأذكار الأحوال والمناسبات، وفي جهدك وجهادك لخدمة دينك ودعوتك، وفي العمل الصالح، فإن العلماء يقولون: إن الإيمان مشبه بالشجرة، كلما ازدادت العناية بها كلما زادت الثمرة، وأن المعاصي تحرق شجرة الإيمان كما تحرق النار شجر الدنيا، إذا كان عندك شجرة تعطيها السماد والماء فإنها تخضر وتثمر، وإذا أعطيتها الجاز والبنزين احترقت، وكذلك أنت إذا أردت أن يزيد إيمانك فتزود من العمل الصالح وتب إلى الله من الذنوب والمعاصي.
стр. 2977
نصيحة في أهمية الخشوع في الصلاة
السؤال
كيف أصبح خاشعاً في صلاتي؟
الجواب
الخشوع في الصلاة مهم جداً وعليه المعول في القبول، فإنه لا يكتب للعبد من صلاته إلا ما حضر فيها قلبه، صليت أربع ركعات حضر قلبك في اثنتين سجلت اثنتان واثنتان ما لك منها شيء، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: (يكتب للعبد في صلاته عشرها، تسعها، ثمنها، سبعها) بعضهم لا يكتب له شيء من صلاته، فأنت حاول واجتهد أن تخشع في صلاتك، واعرف أنك وقفت في معركة مع الشيطان، وأن المعركة هذه مدتها عشر دقائق، والشيطان يجاهدك عشر دقائق ثم يتركك بعدها إلى الفجر، لكن قل: يا شيطان! لن تلعب علي، هي عشر دقائق أضبط نفسي ثم وسوس من بعد العشاء إلى الفجر، لكن الوسواس لا يأتي إلا في الصلاة، إذا أردت أن تتعشى الآن ووضعت السفرة أمامك هل يأتيك وسواس؟ لا تفكر في غير اللحم والأرز والعشاء أبداً، لكن قم صلِّ يأتيك الوسواس، لماذا؟ لأن الشيطان عدو يريد أن يسرقك ويسرق قلبك، وأن يتركك تقوم وتقعد وترفع وتسجد ومالك منها شيء، فلهذا ورد في بعض الآثار أن الشيطان يحرص على أن لا تصلي، فإن أبيت إلا أن تصلي وقف على رأسك عند الباب وقال لك عندما تدخل المسجد: والله لأخرجنك منها مثلما دخلت، يقول: أنت مشاغب، ليس مثل الذين قعدوا في المقاهي، وجلسوا عند نسائهم على الأفلام، ويتابعون الأحداث والمباريات، أنت عنيد لكن سأريك عملك، فإذا دخلت من هناك حلف أنه سيضيعك من صلاتك، فيدخل معك في صلاتك يذكرك العشاء والزوجة، ويذكرك المشاكل والعمارات، ويذكرك التجارات وكل شيء، أي شيء تبغاه يذكرك به في الصلاة، ثم إذا غيرت نفسك وإذا بك ما صليت ولا ذكرت شيئاً.
فعليك يا أخي أن تجند نفسك لمحاربة هذا العدو، وعلى المجاهدة له، ولذا شرعت التكبيرات، أول شيء لما تبدأ في الصلاة تقول: الله أكبر، هذه مدفع ضد الشيطان، وبعد ذلك سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم تدعو بعد ذلك وتقول: أعوذ بالله السميع العليم، وبوجهه الكريم، من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه، بسم الله الرحمن الرحيم، هذه استعاذة، ثم تقرأ الفاتحة ثم تقرأ سورة ثم تقول: الله أكبر، هذه مدفع ثانٍ، سمع الله لمن حمده، الله أكبر هذه مقرعة فوق رأسه، لكن بعض الناس يضرب بالمدفع لكن لا يصيب، شخص يصلي بجواري مرة من المرات وهو قائم يقول: التحيات لله والصلوات الطيبات، لم يعلم أهو قائم أم قاعد؛ نظراً لعدم خشوع قلبه في الصلاة أيها الإخوة! فلا بد من أن تعرف أنك في حربٍ مع الشيطان فلا توسوس في الصلاة.
حسناً، كيف؟ لا أستطيع أن أجيب على هذا، لكن هناك شريط لا أعلم هل وصلكم في الشرقية أم لا، اسمه: رسالة إلى المصلي، هذا موجود في التسجيلات، وهو عبارة عن مجموعة كلام لأخت لنا في الله، وللشيخ ابن القيم ﵀، وللإمام الآجري في كتابه: الخشوع في الصلاة، ومجموعة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، جمعت هذا كله وألقيته في أبها في درس بعنوان: رسالة إلى المصلي، وذكرت فيه أن الذي يريد أن يخشع في صلاته لا بد له من أمور؛ أمور قبل الصلاة، وأمور أثناء الصلاة وأمور بعد الصلاة، قبل الصلاة أشياء لا بد أن تأتي بها، إذا لم تأت بها ما خشعت، وأثناء الصلاة أشياء، وبعد الصلاة أشياء، إذا راعيتها فإن الله سيعينك بإذن الله على أن تخشع، وبعد ذلك سينال منك الشيطان، رغم كل الجهاد فسيأخذ منك، لكن فرق بين من يأخذ منه الشيطان شيء، وبين من يأخذ منه الشيطان كل شيء، فمن البشر الآن الذين صلوا معنا المغرب لو عملنا امتحاناً الآن: ماذا قرأ الإمام في الركعة الأولى والركعة الثانية؟ لا أحد يجيب! اجعلوها بينكم وبين الله؛ لأنه يمكن أنا لا أعرف، وبعد ذلك أفشل، فاجعلوها بيننا وبين الله، الذي يعرف ما قرأ الإمام هذا صلى، والذي لم يعرف ما رأيكم لو سألنا العمود هذا الذي فيه الساعة، وقلنا: يا عمود! يا مسلح! ماذا قرأ الإمام؟ هل سيجيب؟ لا يعلم، وإذا أتينا بشخص من المصلين مثل العمود لكن عمود متحرك يمشي على رجلين وقلنا له: ماذا قرأ الإمام؟ قال: لا أعلم؟ فما الفرق بين العمودين؟ هذا العمود أحسن؛ لأنه أربعة وعشرين ساعة يصلي وذاك عشر دقائق وما حفظها، فنقول لإخواننا: الله الله في صلاتكم، اخشع في صلاتك وأحضر قلبك فإذا انتهت الصلاة فالحمد لله، تنتهي من الصلاة الساعة السابعة، ونبدأ الفجر الساعة الرابعة، من سبع إلى أربع تسع ساعات، أبعد ما في رأسك من وساوس كلها، ثم تعال إلى صلاة الفجر عشر دقائق، ثم اجلس من الفجر إلى الظهر، بين كل صلاة وصلاة خمس ست ساعات تسع ساعات ثلاث ساعات وبالرغم من هذا يسرق الشيطان صلاتنا، إذا سرق الشيطان صلاتك فقد سرق عليك أثمن ما تملك؛ لأن الصلاة كما يقول العلماء ثلاثة أقسام: ١ - هيكل عام.
٢ - روح.
٣ - وأثر.
الهيكل العام المنصوص عليه في كتب الفقه: أركان الصلاة، واجبات الصلاة، شروط الصلاة، سنن الصلاة، مستحبات الصلاة، هذه اسمها الهيكل العام.
والروح ما هو؟ الخشوع؛ إذا أتينا بهيكل لإنسان لكن ليس فيه روح هل له قيمة؟ لا.
والأثر هو أثر الصلاة في سلوكك، أثر الصلاة في حياتك هل تنهاك صلاتك عن الفحشاء؟ هل هناك إنابة وتلازم بين عبادتك ومعاملاتك، أم أنك كالذي يصلي وإذا كان في الدكان نظر إلى الحرام في الشارع إذا خرج، إذا وقف عند الباب وشاهد امرأة فتح عينيه، وكان قبل قليل يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وإذا ركب سيارته شغل الاسطوانة والشريط على الأغاني، أين إياك نعبد وإياك نستعين؟! ولعله يرابي، فلابد أن يكون لهذه الصلاة أثر في تحديد سلوكك واتجاهك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥].
стр. 2978
نصيحة للشباب في خضم الأحداث والفتن
السؤال
ما هي نصيحتكم للشباب المتمسك بدينه القابض عليه في خضم هذه الأحداث والفتن التي تجري؟
الجواب
وصيتي لنفسي أولاً وإلى الشباب وإلى كل مسلم الاعتصام بكتاب الله ؛ لأنه: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران:١٠١] والله تعالى يقول في الحديث القدسي: (وعزتي وجلالي ما اعتصم عبدٌ من عبادي بي فكادته السماوات والأرض إلا جعلت له منها مخرجاً، وعزتي وجلالي ما اعتصم عبدٌ من عبادي بمخلوق دوني إلا قطعت عنه أسباب السماء، وأسخطت الأرض من تحت قدميه، ثم لا أبالي في أي وادٍ هلك) فالعصمة بالله، وبكتابه، وبسنة رسول الله ﷺ ، والمؤمن مؤمن والله لو عاش في وسط أي بيئة وفي أي مكان فإن إيمانه يحميه، والفاجر فاجر حتى في عهد النبوة فقد كان يوجد منافقون وكفار.
فنقول لإخواننا: تمسكوا بطاعة الله وأقبلوا عليها، وتمسكوا بكتاب الله وبسنة رسول الله ﷺ ، فإنكم بهذا تنجون؛ لأنها سفينة النجاة، من ركبها فقد نجا، ومن تخلى عنها فقد هلك.
стр. 2979
أسباب الثبات على دين الله
السؤال
هذا سائل يريد بعض النصائح للثبات على الدين والتمسك بأوامر الله وسنة رسوله ﷺ ؟
الجواب
من أهم الأشياء التي تثبت على دين الله ﵎: ١ - تلاوة القرآن الكريم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان:٣٢] وما عرفنا أن أحداً اعتصم بالقرآن وتلا القرآن وتدبره فضل، من يضل؟ الذي يهجر القرآن تلاوة، أو يهجره عملاً، أو تدبراً، أو احتكاماً، أو استشفاء؛ يضله الله؛ لأنه جاء في حديث الترمذي حديث الأعور عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنها ستكون فتنة، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟! قال: كتاب الله، فيه خبر ما بينكم، وخبر ما قبلكم وما بعدكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم) الزم القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:٤٣ - ٤٤] فاقرأ القرآن باستمرار، واجعل المصحف في جيبك، وفي السيارة، وفي المكتب، وعند سرير نومك، وكلما وجدت فرصة من الفرص فاقرأ القرآن وتدبر، قراءة تدبر يقول الله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:٨٢] ويقول جل ذكره: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩].
٢ - فعل الأمر وترك النهي: وفي هذا يقول الله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ [النساء:٦٦] أشد هنا: أفعل للتفضيل، أفضل ما تثبت به نفسك أن تفعل ما وعظك الله به: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ [النساء:٦٦] نوعظ بفعل أوامر الله وترك نواهيه، وأنت تعرف أمر الله ونهيه، لا أحد يغرك إلى اليوم، تعرف أن النظر إلى النساء حرام، فلماذا تنظر وتقول: الإيمان في القلب، تحيلنا على صدرك وعينك مريضة؛ وتعرف أن الدخان حرام وأنه خبيث فلماذا تشربه وتقول: الدخان ليس فيه شيء والإيمان في القلب؟ وتعرف أن الربا حرام فلماذا تستمر فيه؟ وتعرف أن سماع الغناء حرام، فلماذا تستمر فيه؟ وتعرف أن الصلاة في البيت وتركها في المسجد من النفاق فلماذا تنام عن الصلاة؟! كل هذه أمور نعرفها، فإذا قمت بأوامر الله ولم تترك نواهيه فقد كذبت نفسك.
٣ - قراءة قصص الأنبياء: فالأنبياء ذكر الله قصصهم في القرآن للعبرة والعظة، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣] وقال : ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ [يوسف:١١١] وقال جل ذكره: ﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:١٢٠] فكلما قرأت قصة نبي ثبتتك على الإيمان، إذا كنت شاباً وجميلاً ووسيماً وما عندك زوجة والمنكرات من حولك، وسبل الفساد تفتح لك ثم دعيت إلى جريمة، فاذكر يوسف لما دعته المرأة ذات المنصب والجمال فقال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣] فتقول: لا والله لا أعمل، إذا رأيت الدنيا تكالبت عليك من كل جانب وضاقت الأرض من كل مكان فتقول كما قال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] وإذا ضاقت بك الدنيا فتقول كما قال ﵊: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:٤٠] هكذا تثبتك هذه القصص، فليست مجرد كلام، القرآن ما نزل من أجل أن نتسلى به، بل هو قصص ودروس عملية تربوية، ننتفع بها في حياتنا، وكل قصة ذكرت في القرآن فلها أهداف عظيمة، فاقرأ قصص القرآن، وبعد ذلك اعتبر منه وارجع منه بفوائد ونتائج ودروس في حياتك تمتثلها، وهذا سبب تثبيتك، قال الله تعالى: ﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ [هود:١٢٠].
٣ - الدعاء: فتدعو الله في كل وقتٍ وفي كل حين تقول: يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك، وقد ذكر الله أن هذا من صفات عباد الرحمن، فهم يقولون: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨] اللهم اهدنا فيمن هديت وثبتنا يا رب العالمين.
стр. 2980
الطريق الأمثل إلى التوبة النصوح
السؤال
هذا الشاب يسأل فيقول: أريد أن أتوب إلى الله توبة نصوحاً، ولكني أجد صعوبة في الالتزام دائماً، فأرشدني إلى طريق الخير والصلاح، جزاكم الله خيراً؟
الجواب
طبيعي أن تجد صعوبة يا أخي، طريق الجنة فيها وعورة: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات) وكل مكرمة لا تنالها إلا بتعب.
الدنيا الآن المكارم فيها والرقي والرتب والمناصب تأتي بتعب، فالضابط لا يحصل على النجمة هذه حتى يذبحونه، وينتفون ريشه في الكلية، لكن يصبر ويمشي إلى أن يصير ملازماً، فأنت -يا أخي- اصبر على الطاعة، واصبر عن المعاصي، يقول: أريد أن أتوب إلى الله لكني أجد صعوبة، يريد أن يغني وهو تائب، يريد أن يظل نائماً وهو تائب، طبعاً (صعوبة ونصف) أتريد الجنة مجاناً والله تعالى يقول: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]؟ لماذا أمر الله بالصبر في القرآن الكريم وقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] وقال عز ثناؤه: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] الصبر عن النوم وعن الأرز واللحم مع الرقص واللعب، الصبر على المر، الصبر على أن تزهق روحك في سبيل الله، أن تتعب جسدك في طاعة الله، أن تقمع جماح شهواتك من أجل الله، تغض بصرك وعينك تتقطع وقلبك يتألم، تريد أن ترى لكن تقول: والله ما أنظر من أجل الله، تبتعد عن الأغنية وأذنك تريد أن تظل على الأغنية لكن تقول: والله ما أسمعها من أجل الله، هكذا الصبر، فيعوضك الله يوم القيامة بأن تنظر بعينك إليه، وأن تسمع بأذنك خطابه، وأن يزوجك بدل الزوجة الثانية باثنتين وسبعين حورية، الواحدة منهن خيرٌ من الدنيا وما عليها، تجدها مرآتك وكبدك مرآتها، إذا أردت أن تشاهد وجهك ولا توجد مرآة في الجنة فانظر في كبدها تشاهد وجهك في كبدها، عليها سبعين حلة ترى مخ ساقها من وراء الحلل، نصيفها على رأسها خير من الدنيا وما عليها، لو أنها في المشرق شممت رائحتها في المغرب أنت، إذا أشرفت على الأرض آمن من على وجه الأرض بالله الواحد القيوم، إذا طلعت على أهل الجنة برق برق في الجنة، فيقول الناس: ما هذا البرق؟ قالوا: لا.
هذه حورية تبسمت في وجه زوجها! تريد أن تأتي وأنت نائم؟! لا تأتي يا أخي! ويقول الناظم:
تهون علينا في المعالي نفوسنا ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهر
ويقول الثاني:
الجود يفقر والإقدام قتال
الذي يريد أن يكون شجاعاً لابد أن يموت، والذي يريد أن يصير كريماً لابد أن يخسر، والذي يريدها سلامات وعلى طرف لا هذه ولا تلك، فأنت أقدم.
وكن في كل فاحشة جباناً وكن في الخير مقداماً نجيباً
وتب توبة الصادقين، أما توبة الضعفاء والمنهزمين والمهزوزين فلا: أريد أن أتوب ولكن ما زلت أفكر، بعضهم يقول: أفكر في أن أتوب، ماذا يتوب؟ الخيارات دائماً في الأشياء المتقاربة، أما أن تخير نفسك في الجنة أو في النار!! لو دخلت في عمارة وقيل لك: هذه الشقة فيها أرز ولحم وبسطة وغرفة نوم وزوجة، وهذه الشقة فيها سكاكين وفيها نار وجمر، ما رأيك هذه أو هذا، ماذا تقول؟ تقول: والله أفكر؟! هذه جنة يا أخي! وتلك نار، كيف تقول: والله أريد أن أتوب لكني أريد أن أفكر، أقول: تب واصمد واثبت والله معك، ودائماً الذي يلتجئ إلى الله يقول الله : (يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم).
اللهم اهدنا فيمن هديت.
следующие страницы →