← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

اتهام النبي ﷺ بالكذب أيضاً من الاتهامات الباطلة التي رمي بها النبي ﷺ : اتهامه بالكذب، وهم يعرفون أنهم كاذبون، وأن أصدق البشرية على الإطلاق هو محمد ﷺ ، إذ لم يعرفوا عنه كذبة واحدةً في حياته قبل الرسالة ولا بعد الرسالة، أربعين سنة ما كذب كذبة واحدة على الناس، هل يتصور أن يكذب على الله؟! ولهذا قال هرقل لـ أبي سفيان لما سأله قال: أتتهمونه بالكذب؟ قال: لا. وأبو سفيان كان كافراً، ولو عرف أنه يكذب كذبة واحدة عن الرسول ﷺ لقالها، لكن لا يستطيع، لماذا؟ لأنه يوجد أناس وراءه، قال هرقل: إذا كذب أخبروني. وكان يخشى أبو سفيان أن يقول كلمة فتنقل عنه كذبة، وكانوا يتعيرون بالكذب في الجاهلية، قال هرقل بعد ذلك: سألتك هل جربتم عليه كذباً؟ فقلت: لا. فقلت: ما كان ليدع الكذب على الناس ثم يكذب على الله، بل هو الصادق المصدوق ﷺ . وكانوا يسمونه -أيضاً-: مفترٍ. يقولون: كما قال الله عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان:٤]. وقالوا: إنه يكتتب هذه الآيات، وهذه الآيات سموها أساطير، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان:٥] وقالوا: إن هذا الكلام ليس من عند الله وإنما يتعلمه من الناس، لكن من الذي يتعلمه منه؟ نسبوا هذا إلى رجلٍ أعجمي، كان يصنع السيوف في مكة، وكان النبي ﷺ يجلس عنده ينظر إلى صنعته قبل البعثة، فأخذوا بأثر رجعي، قالوا: نعم كان يجلس عنده إذاً هو الذي علمه. قال الله ليبطل هذه الشبهة: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل:١٠٣] لكن ماذا؟ ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣] كيف يعلمه وهو أعجمي؟! فالأعجمي لا يعرف الكلام بالعربية، وإذا تكلم تكلم بغير الفصحى، وهذا قرآن عربي بلسان مبين، وقد عجزتم أنتم أيها الفصحاء والبلغاء، ملوك البيان وأساطير الفصاحة في العالم -قريش- أن تأتوا بمثله، أو بعشر سور مفتريات من مثله، أو بسورة واحدة، ثم أقام التحدي عليهم وعلى الجن إلى يوم القيامة: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ [الإسراء:٨٨] ليس الإنس فقط ﴿عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨] كيف يأتي به من عند أعجمي؟!! انظروا الضلال والعقول المقلوبة، هذه كلها افتراءات باطلة.

стр. 352

لجوء المشركين إلى الغمز والضحك على النبي ﷺ ولما لم تنجح تلك الأساليب وهي أساليب إلصاق التهم؛ لأن التهم لا تلصق إلا بصاحبها، الثوب النظيف نظيف، لا يلصق به أي شيء، لكن المتسخ والملوث يمكن أن تلصق به أي شي، أما الثوب النظيف فأي شيء تضعه عليه يظهر، فكان النبي ﷺ نظيف في حياته، أنظف مخلوق على وجه الأرض، اختاره الله، كما قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] يقول ﵊: (اختارني الله ، فأنا خيار من خيار) ﷺ ، ما اجتمع عليّ أو لي أبوان على باطل، أو على سوء، من آدم إلى محمد ﷺ . لما عجزوا أن يلصقوا به شيئاً من التهم الباطلة، لجئوا إلى الغمز واللمز والضحك والاستهزاء والسخرية والتعالي على المؤمنين، وأوضح الله جل وعلا هذا في كتابه، يقول الله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام:٥٣] يقولون: لم يجد الله من يمتن عليهم إلا هؤلاء الضعفاء: بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وابن مسعود الهذلي، ضعفاء القوم، أي: أنتم الذين تدخلون، لماذا لم ينزل القرآن على رجل صاحب شخصية؟ وقالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] ما وجد الله إلا أنت يا محمد؟ قال الله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف:٣٢] فالله هو الذي قسم الرحمة بين العباد. وروى البخاري في صحيحه: أن امرأة قالت للرسول ﷺ -امرأة مشركة كافرة- وهي ساخرة ومستهزئة: إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثاً -تقول: لماذا لم يأتك شيطانك؟ أي: تتصور أن الذي يأتي بالوحي أنه الشيطان- فأنزل الله : ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:١ - ٣]. وروى البخاري -أيضاً-: أن أبا جهل قال مستهزئاً متحدياً كما قال الله: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢] فنزل قول الله : ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢] قال الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣] وجود النبي ﷺ كان أماناً من العذاب ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الأنفال:٢٣ - ٣٤]. وذكر ابن إسحاق حديث العراشي الذي باع لـ أبي جهل الإبل ومطل بأثمانها، فـ أبو جهل كافر مماطل خبيث اشترى من شخص من قبيلة عراش قطيعاً من الإبل، ثم وعده بأن يعطيه الثمن بعد ذلك وماطله، فلما جاء الأعرابي إلى قريش قالوا له: ما تريد؟ قال: أبو جهل اشترى مني ولم يعطني المال، قالوا: تريد رجلاً يعطيك؟ قال: نعم. قالوا: اذهب إلى محمد، لماذا؟ من باب الاستهزاء والتهكم؛ لأن وضع النبي ﷺ في مكة مستضعف، لا يستطيع أن يحمي نفسه، وأبو جهل هو سيد القوم وكبيرهم، فالأعرابي جاء إلى النبي ﷺ وشكا إليه، فذهب معه النبي ﷺ إلى أبي جهل، وقال له: أعطه حقه، قال: حسناً وذهب أبو جهل وأعطاه ماله، ما له كاملاً، فلما سمعت قريش أنه أعطاه، سألوه، قالوا: ما هذا؟ كيف تعطيه؟ كيف سلمته؟ قال: ويحكم والله ما هو إلا أن طرق بابي، وسمعت صوته حتى ملئت رعباً وفزعاً، ثم خرجت إليه وإن فوق رأسه لفحلاً من الإبل فاغراً فاه ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه، والله لو أبيت لأكلني. فقد كان فاغراً فاه الناب الأعلى عند رأسي والناب الثاني عند رجلي، يريد أن يبلعني. وقد ذكر الله أنهم كانوا يسخرون من الرسول ﷺ ويستهزئون به، يقول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٠] كل شخص يقول: انظر ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين:٣١]. وهذه الآية وإن كانت تفسر حادثة من حوادث الزمن في عهد النبي ﷺ ، إلا أنها خلق العصاة والمجرمين في كل زمان، وهو الاستهزاء بالذين آمنوا، ولذا انتبه واحذر من أن تستهزئ بشيء فيه ذكر الله؛ لأنه يعرضك للوقوع في الكفر والعياذ بالله. ثبت -أيضاً- من طرق صحيحة في مسند أحمد في بعض الأحاديث: أن أشراف قريش اجتمعوا يوماً في الحجر وتذاكروا أمر النبي ﷺ ، وبينما هم في شأنه إذ طلع عليهم النبي ﷺ وهو يطوف بالبيت، فسكتوا، ثم بدءوا يغمزونه، فقال لهم: (يا معشر قريش أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح) وكان في وقته وقت ضعف الإسلام والمسلمين لا يقدر أحدهم أن يسلم، فالذي يسلم يحارب، ومع هذا يقول لهم هذه الكلمة لرفع شعار من شعارات التقوى، وهذا يدل على قوة النبي ﷺ وشجاعته، وعلى رده على استهزاء هؤلاء، ومن منطلق الاستعلاء والكبرياء على الصحابة قالوا للنبي ﷺ : لا نجالس هؤلاء -أي: صهيباً وبلالاً وخبيباً - اطردهم عنا، اجعل لنا مجلساً، فهمَّ النبي ﷺ أن يوافق ويجعل لهؤلاء مجلساً ولهؤلاء مجلساً طمعاً في إسلامهم، فأنزل الله : ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٢] ويقول : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨]. وفي يومٍ من الأيام مر صلوات الله وسلامه عليه على مجموعة من المشركين فاستهزءوا به، فغاضه وامتلأ قلبه غيضاً، فأنزل الله عليه: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام:١٠]. ومن كبار المستهزئين الذين تولوا كبر الاستهزاء والسخرية بالنبي ﷺ مجموعة: منهم: الأسود بن عبد المطلب بن أسد، والأسود بن عبد يغوث، والوليد بن المغيرة المخزومي أبو خالد بن الوليد ﵁، والعاص بن وائل السهمي أبو عمرو بن العاص ﵁، والحارث بن الطلاطلة الخزاعي، فأنزل الله في هؤلاء: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ﴾ [الحجر:٩٥] أي: سوف نقضي عليهم، وقد ثبت أن جبريل رمى في وجه الأسود بن عبد المطلب ورقة خضراء فعمي، أذهب الله بصره وطمس عينيه؛ لأنه كان مستهزئاً كبيراً، ومر الأسود بن عبد يغوث بجبريل فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه -انتفخ- حتى صار مثل الجرة ثم مات، ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى جرح صغير في أسفل كعبه فانتقض الجرح، وكان قبل سنين قد سل، فانتقض الجرح ثم مات، ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص رجله فخرج على حمار يريد الطائف، فربض به حماره على نبات خفيف فدخلت شوكة في أخمص رجله فقتلته، ومر به الحارث بن الطلاطلة فأشار إلى رأسه فتحرك الصديد فيه وقتله، ومن كبار المستهزئين أبو جهل وأمية بن خلف، والنضر بن الحارث، والأخنس بن شريح، وأبي بن خلف، وهؤلاء كلهم قتلوا وقضي عليهم في معركة بدر وبعدها، نصراً لنبيه ﷺ .

стр. 353

تشويش المشركين على النبي ﷺ وطلب المعجزات من الأساليب -أيضاً-: أسلوب التشويش بإحداث ضجة عندما يقرأ النبي ﷺ القرآن، حتى لا يسمع أحد القرآن فيفهم مراد الله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت:٢٦] أي: أحدثوا لغواً وضوضاء ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦] لكن هذا الأسلوب لم ينجح. طلبوا من النبي ﷺ في نوع من التحدي والتعجيز، أن يأتي بالمعجزات ومزايا ليست عند البشر، من ذلك قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٧] ما هذا؟! رسول يأكل مثلنا ويمشي معنا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان:٧] يمشي معه ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ [الفرقان:٧ - ٨] ويقولون أيضاً: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ [يونس:١٥] يقولون: هذا القرآن لا نريده ﴿أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس:١٥] هات شيئاً آخر، فرد عليهم بقوله: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس:١٥] ما هو من عندي حتى أبدله، ولو كان من عندي وهو لا يصلح لكم سوف آتي بغيره، لكن هذا من عند الله كيف أبدله وهو ليس من عندي؟ ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ [يونس:١٥] بتبديل كلام الله وإعطاؤكم ما تريدون وترك ما لا تريدون ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥]. وقالوا أيضاً: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء:٩٠] لأنه لم يكن عندهم ماء إلا ماء زمزم القليل، فكانوا يريدون ينابيع وأنهار ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ﴾ [الإسراء:٩١] لأنه لا يوجد عندهم مزارع، ومكة منطقة غير زراعية، فيريدون نخيلاً وأعناباً ﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً﴾ [الإسراء:٩١ - ٩٢] يقولون: ائت بربك والملائكة معك من أجل أن نؤمن بك، وبعد ذلك: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء:٩٣] فأنت ساكن في غرف بسيطة، نريد أن يكون لك بيت من زخرف مزخرف وجميل ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ [الإسراء:٩٣] اصعد ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [الإسراء:٩٣] حتى لو صعدت لن نسلم لك، لماذا؟ ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ﴾ [الإسراء:٩٣] أي: ائت بكتاب مكتوب من السماء ليس من الأرض، قال الله للرسول ﷺ : ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً﴾ [الإسراء:٩٣] تطلبون شيئاً ليس مني أصلاً، فأنا بشر رسول مكلف بأداء رسالة، أوحى الله بها إليَّ وأنا أبلغها لكم، أما ما تطلبون ليس إليَّ، فلست إلهاً حتى أعطيكم ما تريدون، وإنما أنا رسول لا أملك إلا الرسالة. وسألوه -أيضاً-: أن يسير لهم جبال مكة، قالوا: هذه الجبال نريدك أن تجعلها أرضاً مبسوطة من أجل أن نزرعها. وطلبوا منه أن يبعث لهم الآباء أمثال قصي ليسألوه عن صدقه، فرد الله عليهم بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ [الرعد:٣١] ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٠٩] وهذا إخبار بأن حقيقة الكفر عندهم ليست ناتجة عن نقص الآيات، الآيات واضحة، لكن الكفر عندهم ناتج عن إصرارهم وعنادهم، ولهذا قال الله : ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام:١١١] وبعد ذلك يقول الله : ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [الأعراف:١٤٦] لماذا؟ قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٤٦] فالقضية ليست نقصاً في الدلالة، أدلة صدق النبي ﷺ وعلى أنه رسول من عند الله أوضح من الشمس، لكن المعاند الذي لا يريد الدليل لا تستطيع إقناعه، ولهذا سمي الكافر كافراً؛ لأنه مغطي للحقيقة، ومعنى الكفر في اللغة: التغطية، كفر الشيء أي: غطاه، فهم يغطون الحقائق، فالحقائق ناصعة والبراهين ساطعة والدلائل واضحة، لكن لا يريدون الإيمان بها أصلاً فيكفرون بها ويغطونها. وسألوا الرسول ﷺ : أن يجعل لهم جبل الصفا المقابل للمروة أن يجعله ذهباً، فسأل الرسول ﷺ ربه وقال: رب اجعلها لهم ذهباً، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت الأمم التي قبلهم، قال: لا. بل أستأني بهم صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ [الإسراء:٥٩] عندما تأتي آية واضحة يرفضها الكافر بعدما تأتي، وبعد ذلك يحصل تدمير مباشرة، كما حصل لقوم صالح، تحدوه وقالوا له: أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء، أي: في الشهر العاشر، حامل، قد لقحت، فدعا ربه، فخرجت الناقة، وقال لهم: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف:٧٣] هذه مخلوقة من عند الله ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء:١٥٥] فعقروها، فماذا حصل لهم؟ قيل لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود:٦٥] فاليوم الأول اسودت وجوههم، واليوم الثاني احمرت، واليوم الثالث قطع الله قلوبهم في أجوافهم، وصاح فيهم جبريل صيحة واحدة فأصبحوا خامدين عن بكرة أبيهم، فمن رحمة النبي ﷺ بالأمة أنه ما سأل الله أن ينزل آية؛ لأنها لو نزلت آية لعرف الرسول أنهم سوف يكذبونه مثل سابقيهم ويحق عليهم العذاب، وهو رسول رحمة وليس رسول عذاب، قال: لا. أستأني بهم، أي: أنتظر وأتمهل لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده، كما قال لجبريل لما رجع من الطائف -هذا سيأتي معناه بعد-: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين -جبلين عظيمين في مكة - قال له: (لا. إني لأرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله) كانت نظرة النبي ﷺ نظرة بعيدة، ما كانت نظرة قصيرة مؤقتة، لا. فهؤلاء الكفار إذا أصروا على كفرهم اتركهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده، وفعلاً تحقق -كما سمعتم- خالد ابن من؟ ابن الوليد بن المغيرة، وعمرو بن العاص بن وائل، وعكرمة بن أبي جهل، أولئك رءوس الكفر وهؤلاء رءوس الهداية والدين والنضال والجهاد في سبيل الله.

стр. 354

مساومة المشركين للنبي ﷺ لما عجزت كل هذه الأساليب في رد النبي ﷺ ومنعه عن مزاولة الدعوة، لجئوا إلى أسلوبٍ آخر: هو المساومة، أي: نعطيك شيئاً وتترك لنا شيئاً، وهو أن يعملوا شيئاً من الدين ويعمل هو شيئاً من الشرك، وقالوا له: اعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، هذا عدل، أما أن تريد منا جميعاً أن نعبد إلهك ونترك آلهتنا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] فقالوا له: إن كنت منصفاً وعادلاً، فنحن نوافقك على أن تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، لكن لا تنفع أوساط الحلول بين الشرك والإسلام، وبين الكفر وبين الحق والهدى، لا يوجد إلا نور، إما أسود وإما أبيض، وإذا أخذت القليل فلا يصح، فأنزل الله عليه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون:١ - ٤] كررها للتأكيد ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ [الكافرون:٦] وهو الكفر ودين الشرك ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] وهو التوحيد ودين الإسلام. وهذه تمثل الآية التالية: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:٣] قاعدة الثبات على العقيدة، وعدم الرضا بالمساومة، لا مساومة على الدين، إما حق وإما باطل، وإما تنازلات في عقيدة المسلم، لا. لأنك بقدر ما تتنازل بقدر ما تضيع من دينك. وساوموا عمه على هذا، ولكنه كما قال ﷺ : (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه). لم يوافقهم النبي ﷺ على هذه المساومة بدءوا بالتحرش المباشر، بسب القرآن، وبسب الرسول ﷺ ، وبسب الذات الإلهية، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، روى البخاري ومسلم في قوله : ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء:١١٠] أن ابن عباس قال: [نزلت ورسول الله ﷺ مختفٍ بـ مكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله لنبيه: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ﴾ [الإسراء:١١٠] أي: بقراءتك، فيسمع المشركون قراءتك فيسبوا القرآن ﴿وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء:١١٠] حتى لا يسمع أصحابك، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:١١٠] وهي القراءة المعتدلة التي يسمعها أصحابك فيستفيدون، ولا يسمعها المشركون فيسبوا الله ويسبوا الرسول ﷺ ] وفي هذا إرشاد نبوي وتوجيه للدعاة إلى أن تكون مواقفهم مواقف معتدلة، ومواقف مصلحة ومنفعة للدعوة، من غير تعنت ولا اندفاعات ولا مواقف فيها نوع من التشنجات، إنما للمصلحة التي من أجلها شرعت القراءة، من أجل أن يسمعها المسلمون بعدك، فلا داعي أن ترفع صوتك حتى يسمعك الكفار فيسبونك ويسبوا القرآن، لا. بل نهى الله أصحاب الرسول ﷺ عن سب آلهة المشركين، قال: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] لأن المسلمين كانوا يسبون أصنام الكفار، فأخذ المشركون يسبون الله، فنهاهم الله. وفي هذا تعليم للمسلم أنه إذا كان يترتب على فعلك لأمرٍ معروف مشروع، فعل منكر أعظم لزمك ألا تفعل هذا المشروع، فسب آلهة الكفار أمر مشروع وأمر من الدين أن تسب اللات والعزى والأصنام، لكن لما كان يترتب على هذا السب منكر أعظم؛ وهو أن يسبوا الله، قال الله: لا تسبوا آلهتهم، ولهذا ذكر ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين أن شيخ الإسلام ابن تيمية مر على قوم من التتر وهم سكارى، فأراد بعض تلامذة الشيخ أن يأمرهم وينهاهم عن المنكر عن الخمر، فمنعه الشيخ، فاستغرب الطالب؛ لأن الشيخ كان أمَّاراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، ومن أبرز الناس في الأمر والنهي، فقال له: إنما حرم الله الخمر؛ لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء -أي: التتر- تصدهم عن قتل المسلمين وهتك أعراضهم، فدعهم وما هم فيه. يقول: اتركهم سكرانين؛ لأنك إذا أقمته من السُكر لا يقوم يصلي ويذكر الله بل يقوم يقتل المسلمين ويعتدي على أعراضهم، فأنت عملت أمراً مشروعاً وهو الأمر بالمعروف، لكن ترتب على الأمر المشروع هذا أمر أنكر منه وهو قتل المسلمين، إذاً لا تفعل. هذه قاعدة من قواعد التغيير التي ذكرها ابن القيم وهي أربع درجات: الدرجة الأولى: أن يزول المنكر ويعقبه المعروف، فهذا مشروع باتفاق أهل العلم. الدرجة الثانية: أن يزول المنكر ويعقبه منكر لكن أقل منه، أي: المنكر (١٠٠%) بالتغير يصبح (٥٠%) هذا -أيضاً- مشروع بالاتفاق. الدرجة الثالثة: أن يزول المنكر ويعقبه منكر مثله في درجته، فهذا موضوع نظر واجتهاد. الدرجة الرابعة: أن يزول المنكر ويعقبه منكر أعظم منه، فهذا محرم بالاتفاق، مثلاً: رجل لا يصلي في المسجد ويصلي في بيته، فغضب عليه رجل، بدل أن يدعوه إلى الله ويمارس معه أسلوب الدعوة غضب عليه وهجره، ولم يعد يزوره في البيت، وأبلغه أنه لا يدخل عليه، فسأل هذا وقال: لماذا هو غضبان؟ قالوا: لأنك لا تصلي في المسجد، قال: هذا الذي أغضبه؟ قال: والله لا أصلي حتى في البيت من أجله. هذا هو التغيير الذي لا يريده الشرع، لماذا؟ لأن الهجر دواء، فإذا كان ينفع استعمله، وإذا كان يضر لا تستعمله؛ لأنك إذا هجرته زدته عناداً، لكن لو هجرت زوجتك لا يزيدها عناداً؛ لأنها محتاجة لك، تبحث عن رضاك، لو هجرت ولدك، ما يزيده عناد؛ فهجرك للولد، وهجرك للزوجة، وهجرك للعامل، ولمن تحت يديك وهو محتاج إليك فهذا مشروع، لكن هجرك للناس فهذا ولد الناس، وعلم أنك غضبان، قال: ما شأني وشأنه؟ ما دام أنه غضبان هكذا أغضبه أكثر، والله لا أركع ركعة، فترك الصلاة، هرب من فعل المحرم الذي هو ترك الصلاة في المسجد فوقع في الكفر والخروج من الملة بتركه للصلاة، من الذي حمله على هذا؟ موقف الأخ، أراد أن يكحله فأعماه، ما معنى هذا المثال؟ رأى عنده مرضاً في عينيه، فأخذ المكحل يريد أن يداويه بالمكحلة فأعماه بالكلية، وهذا من الخطأ، فإن من فقه الدعوة: أن تعرف هل التغييرات في صالحك أم في صالح الشر، فمتى كان التغيير مضموناً في أن نتائجه حسنة بعد دراسة وبعد تأمل ونظر من قبلك، اعمل، أما إذا عرفت أن في ذلك ضرراً ومنكراً أعظم من المنكر الذي عليه هذا الرجل، فعليك أن تسلك أسلوباً آخر.

стр. 355

الأسئلة

стр. 356

حكم التدخين السؤال نصحت مدخناً فقال لي: التدخين ليس حرام، أريد دليلاً؟ الجواب في قرارة نفس المدخن وقناعته أن التدخين حرام، لكنه يغالط، وأقرب دليل ندحض به حجته نسأله: هل الدخان طيب أم خبيث؟ إن كان منصفاً سيقول: خبيث، وإذا قال: خبيث فقد حكم بالحرمة عليه؛ لأن الله يقول: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] وأقرب دليل على أنه خبيث: شهادة الشركة الصانعة، وأي شركة ترسل معها دعاية لها، إلا الدخان، يصنعونه ويكتبون عليه دعاية ضده، مكتوب على كل كرتون: التدخين يضر بصحتك، تحذير رسمي، والذي يضر طيب أم خبيث؟ خبيث، فالشركة تقول: خبيث وأنت تقول: طيب، فهو خبيث وما دام أنه خبيث إذاً هو حرام، المغالط الذي يقول: إنه طيب، هذا مسكين ومنكوس، والمنكوس لا يقتنع وهذه أبيات تقولها سيجارة: أنا السرطان والقار أنا سل وأخطار أنا الأمراض أجمعها ومنها أنت تختار تقول: عندي مستودع الأمراض وخذ واحداً منها. أنا علب ملونة وعندي الموت أشكال حرمت بنيك من زاد وهان لأجلي المال بعض الناس يترك أولاده ويشتري دخان. لقد سممت أجواءك وناري أصبحت داءك فكم آذيت أبناءك وكم أحرقت أحشاءك بجيبك لي مكانات ومن رئتيك أقتات يغرك شكلي الجذاب لكني نفايات أنا أغلى من الذهب وللأعواد منتسب فكم أوهمت ذا هم بتدخيني لدى الغضب مقامي في الشرايين كوسواس الشياطين فحتى ما تلوموني وبالرئتين تغذو لي تقول: لماذا تلوموني وتغذوني على الرئتين؟ أعاديكم وتحموني وبالأموال تفدوني إلى الأمراض أدعوكم وأنتم لا تعادوني تعالوا يا أحبائي لأقتلكم بأوبائي وأجعلكم مهازيلاً وأهدافاً لأدوائي ثم سألها شخص: من هم أصدقاؤك؟ قالت: صديقتي الشيشة؛ لأنها بنت عمها، فالدخان مصيبة وحده. أنا وصديقتي الشيشة نعكر صافي العيشة بعض الناس يقول: تركت الدخان، الحمد لله، لكني أشرب شيشة، قلنا: هرب من منكر إلى منكر أعظم منه. أنا وصديقتي الشيشة نعكر صافي العيشة ونجعل من له كيف كطير نتفوا ريشه أحدهم سألها قال: من عدوك؟ قالت: عدوي صاحب الصبر به يقوى على قهري نجا بالعزم والإيمان من كدري ومن شري فقام الرجل الذي سألها وأمسك بها وداسها بقدمه، ثم توضأ وتناول السواك، وقال: أستغفر الله العظيم وأتوب إليه. فلا مجال أبداً للتردد بأن السيجارة خبيثة وحرام.

стр. 357

حكم الاستعانة بالأشخاص لمعرفة مكان الماء السؤال نستعين بشخص يقال له (المُودة) وذلك لتعيين المكان المناسب لحفر الآبار؟ الجواب نحن نسميه في الجنوب (المسمِّع) ويسمونه في نجد (الصنَّات) هذا ينقسم إلى قسمين: قسم مباح وقسم حرام، فالقسم المباح: أن بعض الناس عندهم خبرة في الأرض وطرقها وجبالها ووديانها ويستدلون على باطنها بظاهرها، فإذا جاءوا على وادٍ فيه أشجار وفيه عتل أخضر، قالوا: لا ينبت الشجر ولا العتل إلا على ماء، فيقولون: احفروا هنا حفرة، وإن شاء الله تكون خيراً، هذا لا شيء فيه؛ لأنه اجتهاد نظري وعقلي، مثل الجولوجيا يستدلون على البترول في الأرض بظاهر طبقات الأرض. وقسم شركي محرم: وهو الاستعانة بالجن؛ لأن الجن عندهم قدرة على الغوص في طبقات الأرض، فإذا استعان بهم الإنسان المشرك قدموا له خدمة، وأروه أين الماء، فيأتي إلى الناس ويحدثهم ويقول: احفروا في هذا المكان، احفروا عشرة أمتار، تجد مترين طيناً، وبعد ذلك مترين يأتيك (جرشة) الحمرة، وبعد ذلك مترين يأتيك صلب وحجر يحتاج إلى دينميت، وبعد ذلك تلقى بعده (جرشة) بيضاء تختلف وبعده يأتيك الماء، أبشر بالماء، من علمه؟ هو يقول: أرى فوق وتحت الأرض. لا. ما ترى كذباً في كذب، هذا الجني أراك واستعنت به، وهذا شرك ولا يجوز تصديقه.

стр. 358

حكم استعمال المنشطات في العمل السؤال أبي يستخدم حبوب منشطة ليسعى في طلب الرزق، وأنا شاب ملتزم، هل يجوز أن آكل معه من طعامه؟ الجواب هذه الحبوب المنشطة هي من المخدرات؛ لأنها تبعث في الإنسان النشاط لكن على حساب الصحة، وهي جزء من المخدرات وهي محرمة ولا يجوز تعاطيها. أما والدك فعليك أن تنصحه، وإذا لم ينتصح وأنت محتاج إلى أن تأكل من أكله فإن أكله الذي يأتي به حلال؛ لأنه من طريق الكد والتعب، لكن تناوله للحرام حرام هو عليه، ولا ينقلب وينسحب عليك أنت، فعليك أن تناصحه وتبين له أن هذا حرام ونسأل الله أن يتوب عليه.

стр. 359

حكم لبس خاتم الفضة للرجال السؤال هل يوجد وزن معين لا يمكن تجاوزه في لبس الخواتم الفضية بالنسبة للرجال؟ الجواب الخاتم بالنسبة للرجل ليس ضرورياً وإنما عند الحاجة؛ لأن الرسول ﷺ اتخذ خاتماً بعد أن كاتب الملوك، فقالوا له: إن الملوك لا يقبلون الرسائل إلا بختوم، فاتخد خاتماً كتب عليه (محمد رسول الله) فإذا كنت عمدة أو قاضٍ أو لك مكانة تحتاج فيها إلى ختم، والختم تريده في الخاتم، لا بأس، ولا مانع، وإذا كان ليس له ضرورة فلا داعي له، بعض الناس يتخذ الخاتم للتزين والتجمل، وهذا منهي عنه؛ لأن جمال الرجل ليس في خاتمه ولا في أصابعه، جمال الرجل في رجولته وشجاعته ومروءته ودينه، أما إذا اتخذ الجمال في الخاتم والسلاسل والحمرة فما بقي إلا أن نلبسه لبس النساء ويتحول إلى امرأة، ونبحث له عن رجل يتزوج به. أما الوزن فقد حدده النبي ﷺ ، قال للرجل: (خذ خاتماً من فضة ولا تتمه مثقالاً) والمثقال بالوزن (٤. ٢) فإذا كان في هذا الحدود فلا بأس، وبعضهم يلبس خاتماً كبيراً ولو وزنته لكان عشرة أو عشرين جراماً، بل بعضهم يضارب به، يتخذه ويقول: من أجل أن أضارب به.

стр. 360

حكم سب الله ورسوله ودينه السؤال شخص سب الدين عند تعرضه لموقفٍ من المواقف، فهل يخرج من الملة مع أنه من غير قصد؟ الجواب سب الدين على ثلاثة أنواع: إما سب الدين، أو سب الرسول، أو سب الله ، فإن كان السب لله أو للدين فإنه يكفر، وإذا تاب تاب الله عليه، وكذلك إذا سب الرسول ﷺ فإنه يكفر ولكن إذا عرف عنه فإنه يتوب إذا تاب الله عليه لكن لا بد من قطع رأسه، وإقامة الحد عليه وتنظيف الأرض منه، انظروا إذا سب الله وتاب أمام القاضي، يعزره تعزير إما بسجن أو ضرب لكن لا يقتله، أما شخصية الرسول إذا سبت قتل، لماذا؟ قد يقول شخص سب الله أعظم من سب الرسول؟ لا. ليس أعظم، لأن مقام الله أرفع من أن يناله شيء من سب الذي سبه، ولكن مقام الرسول ﷺ يمكن أن يناله شيء، ولهذا يقطع رأسه حتى لا يتعرض أحد لشخصية الرسول ﷺ بأي أذى. وهذا مقرر في كتب الفقه.

стр. 361

حكم قول: (إن شاء الله) السؤال شخص قال لصديقه: هيا إلى الصلاة، فرد عليه: إن شاء الله، فقال الداعي إلى الصلاة: هذه لا تحتاج إلى إن شاء الله، فما الحكم مع أن الداعي إلى الصلاة يقصد الخير ونيته زيادة عزم الشخص الآخر؟ الجواب لا شيء فيها إذا كان يقول: إن شاء الله، أي: أقوم، فلا شيء يتم إلا بمشيئة الله، أما إن كان يقول إن شاء الله على سبيل التهاون أو الاستهزاء، فهذا لا يجوز وهذا حرام والعياذ بالله.

стр. 362

حكم الدعاء على الأولاد عند الغضب السؤال أرجو توجيه كلمة إلى الأخوات في الله، في الأمور التالية: هناك بعض النساء عندما تغضب على أولادها تدعو عليهم، مثل: الله يأخذ عمرك، ويريحني منك، الله لا يوفقك، وقد يصل الأمر إلى اللعن، وعندما ينصحون يقولون: هذا ليس من القلب؟ الجواب هذا من الأخطاء سواءً عند النساء أو عند الرجال، ولهذا جاء النهي يقول النبي ﷺ : (لا يلعن أو يسب أو يدعو أحد على ولده فقد توافق ساعة إجابة) نحن نعرف أن الأم حين تدعو على ولدها ليس من قلبها، وكذلك الأب حينما يدعو على ولده ليس من قلبه، لكن إذا دعت عليهم ووافقت ساعة إجابة استجاب الله، وبالتالي من المتضرر؟ أنت، فلا تقل: الله يأخذ عمرك، تقول: الله يهديك، الله يصلحك، الله يوفقك، خير من أن تقول: يأخذ عمرك، الله يجعلها في وجهك، الله ينتقم منك، لماذا؟ ليست دعوة واحدة، لكن بعض الناس لا يبرد قلبه حتى يدعو عليهم، يقول: الله يهديك، لا الله لا يهديك، لماذا الله لا يهديه؟ هل هدفك أن الله لا يهديه؟ لا. فالكلمة الطيبة أحسن من الكلمة السيئة، ولذا عود نفسك -يا أخي- أنك لا تدعو على أحد من أولادك أو مالك أو شيء آخر، وأذكر أني ذكرت لكم القصة التي أنا أعرف صاحبها: هذا رجل كان نائماً في فراشه وولده نائم، وبعد ذلك طرأ عند ولده فكرة أن يخرج، يأخذ له دورة بعد المذاكرة، فجاء إلى والده، الولد طيب ولا يخرج إلا بإذن، فجاء إلى أبيه وقال: يا أبت! نفسي ضيقة أريد أن أدور كذا، فمن شفقة الأب على الولد ومن حرصه عليه قال له: لا يا ولدي الساعة الآن الثانية عشر، اذهب ونم، فرجع الولد غضبان، وذهب إلى أمه، وطلب منها الشفاعة، فجاءت الأم تشفع عند الأب، وأصروا عليه حتى وافق لكن قال كلمة، قال: اذهب الله لا يردك. وكأن الكلمة هذه وافقت وقت إجابة، وذهب الولد وركب سيارته ودار دورة وفي إحدى التقاطعات اصطدم بسيارة، وقطعته قطعاً حتى مات، وجلس الأب والأم في البيت ينتظرون، ومرت ساعة وساعتان وثلاث وما جاءهم النوم، أذّن الفجر وخرج يصلي، رجع من المسجد إلى البيت ما جاء الولد، طلعت الشمس، ذهب إلى الشرطة يسأل: هل حصل شي؟ قالوا: هناك حوادث، دعه يذهب إلى المستشفى ينظر، فذهب إلى المستشفى ففتحوا الثلاجة فوجد ولده آخر واحد وضع في الموتى، فعرفه بثيابه التي خرج وهي عليه، وندم لكن حين لا ينفع الندم، يقول: أتمنى أن الشوكة التي في رجله هي في عيني، وما أنا صادق عندما قلت له: الله لا يردك، لكن من باب الغضب، وكان الأولى بأن يقول: حسناً اذهب الله يسهل أمرك، الله ييسر لك، الله يرجعك، أحسن من الله لا يردك.

стр. 363

حكم الكذب على الأطفال السؤال من المشاكل التي تقع فيها بعض النساء الكذب على الأطفال للتخلص من بعض طلباتهم؟ الجواب هذا من وسائل التربية الغير مجدية؛ لأن القدوة من أهم أسس التربية، إذا كانت الأم تقول للولد: لا تكذب وهي تكذب يصبح كذاباً، وإذا قالت: لا تسرق وهي تسرق يصبح سارقاً، وإذا قالت: لا تلعن وهي تعلن يصبح لعاناً، وإذا قالت صل وهي لا تصلي لا يصلي، التربية بالقدوة من أهم أنواع التربية، فلماذا تكذبين على الولد؟ كوني صريحةً دائماً، وعلمي الولد الصراحة والصدق؛ لأنك إذا علمته الصدق صار صادقاً، ولا تتخلصين بالكذب، وإنما تخلصي منه بالأسلوب الجاد والصادق والإقناع، أو لبي الطلبات إذا كنت تستطيعين.

стр. 364

حكم وضع الطعام في القمامة السؤال من الأخطاء عند بعض النساء: أنهن يضعن بقية الطعام في القمامة، وبعضهن تضعه حتى مع حفاظات الأولاد؟ الجواب هذه معضلة اجتماعية ومشكلة خطيرة تنذر بغضب الله وسخطه؛ لأن الله غيور على هذه النعم، ونحن وإن كنا في نعمة لا نشعر بها، لكن غيرنا يتمنى أن يعيش على ما في القمائم التي نضعها في الزبالات، وما من بيت يوضع فيه طعام من بيوتنا إلا وما يُترك بعد الأكل أكثر مما أكل، يكسر القرص ويأخذ منه نصفه والباقي يترك، وتفتح التفاحة ويأخذ منه شقرة والباقي يترك، واللحم يأخذ جزءاً ويترك مثله، والرز يأكل من الطرف والباقي يترك، والإدام يأكل نصف الصحن ويبقى النصف، والباقي أين يذهب؟ بدل أن يقدم في السفرة القدر المطلوب، لا. لا بد أن يزيد أي: يشبعون فوق هذا والباقي يرمونه في الزبالة، ولهذا ترون الآن ما من بيت ولا شقة إلا وعنده في كل يوم قمامة، رز ولحم وإدام وعيش، كما يقول أحدهم: ضاع المسلم بين الزنبيل والقمامة، يرفع زنبيلاً وينزل قمامة، أحدهم كانت امرأته تقول له دائماً: هات وهات، قالت: وكان كل يوم يقول لي: وأنتِ هات هات، ما قلت لي في يوم من الأيام: خذ، قالت: خذ القمامة وأنزلها. أما وضع القمامة ووضع الحفاظات مع النعمة فهذه كارثة، يجب أن توضع الحفاظات في سلة مستقلة وتوضع بعيده عن الطعام؛ لأن هذا إهانة، ولا يوضع في القمامة شيء من الطعام، القرص أو العيش أو الإدام أو الرز يوضع في أوانٍ، ويجعل في الثلاجة، وإذا كان هناك أناس من الفقراء والمساكين يعطى إياه وإذا ما وجد فقراء ومساكين يحمل هذا كله ويخرج إلى البادية أو الصحراء أو إلى مكان بعيد، فيضعه هناك لتأكله الطير، والأفضل من هذا كله أن تكون المرأة ذات عقل وذات تدبير، بحيث إذا جاءت تطبخ طبخت بالقدر الذي يكفي الأسرة فقط، بل يقومون وهم جائعون، لأن أفضل طعام وأبرك طعام هو الطعام الذي ينتهي قبل أن تشبع، ولهذا جاءت السنة بلعق الإناء، ما معنى لعق الإناء؟ أي: أنه لعق الطعام، لكن من منا يلعق الإناء، سوف تنفطر بطنك إذا لعقت الإناء؛ لأن الإناء ممتلئ.

стр. 365

حكم ترك النساء قراءة القرآن السؤال عدم قراءة القرآن من قبل بعض النساء بحجة أن الوقت لا يكفي وأن هناك مشاغل؟ الجواب من الأسوأ ما يمكن أن تجد المرأة لكل شيء وقت إلا القرآن لا تجد له وقتاً، وهذا من ضعف دينها، ومن هزال إيمانها، عندها وقت لكل شيء، حتى المسلسلات لها وقت في برنامجها، والتزين له وقت، والطبيخ له وقت، والحدائق لها وقت، والملاهي لها وقت، حسناً والقرآن ليس له وقت؟ لأنه أصلاً لا يوجد عندك إيمان قوي، لا. القرآن مهم، ولا بد أن يكون لها ورد معين من كتاب الله، وأفضل الأوقات بعد الفجر أو بعد المغرب، أو عند النوم أو بعد العصر، حسب ظروف المرأة، وإذا التحقت بإحدى مدارس القرآن لتعلم كتاب الله وحفظه، فهذا من أفضل ما يمكن.

стр. 366

حكم دخول الحائض إلى المسجد السؤال هل يجوز دخول المرأة وهي حائض إلى المسجد أو المرور به؟ الجواب لا يجوز لها أن تدخل المسجد، وإذا كانت حائضاً والمسجد فيه مدرسة لا تأتِ المدرسة؛ لأن الشارع أمرها باجتناب المساجد.

стр. 367

كفارة اليمين السؤال حلفت بالله ألا أكمل الدراسة بعد تخرجي من الجامعة، ولكن بعد فترة عدت وأكملت الدراسة ما الحكم؟ وما هي الكفارة؟ الجواب كفارة الحلف، تخرجت من الجامعة وأنت لا تعرف كفارة الحلف! أي جامعة هذه التي تخرجت منها، معنى جامعي أي: الذي جمع العلوم كلها، وإلى الآن لا تعرف كفارة اليمين، كفارة اليمين: أن تطعم عشرة مساكين، أو تعتق رقبة، أو تكسو عشرة مساكين، إذا لم تجد هذه ولا تلك كلها فإنك تصوم ثلاثة أيام. والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 368

الإصرار على المعاصي تحدث الشيخ عن طلب العلم مبيناً أنه نوعان: علم شرعي وهو علم الكتاب والسنة، وعلم دنيوي تندرج تحته بقية العلوم، وقد أوضح خلال هذا فرضية العلم الشرعي، ثم ضرب أمثلة تتناول سعي من سبقونا في طلب العلم وحرصهم على ذلك، مسهباً في الحديث عن سوء الخاتمة، وموضحاً علاقة الإصرار على المعاصي بها.

стр. 369

أهمية طلب العلم وتحصيله الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: طلب العلم الشرعي -علم الكتاب والسنة- فريضة من فرائض الدين، يقول ﵊ في الحديث الصحيح: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) وليس في الحديث مسلمة، ولكنها تدخل ضمن المعنى؛ لأن كل تكاليف الشرع موجهة إلى الرجل والمرأة ما لم يختص الرجل بحكم وتختص المرأة بحكم، وإلا فإن الأصل أن كل تكاليف الشرع موجهة إلى الإنسان بجنسيه: الذكر والأنثى. فالعلم المفروض هو قال الله وقال رسوله ﷺ ؛ لأن العلم ينقسم إلى قسمين من حيث هو فريضة: فرض عيني، وفرض كفائي. فالفرض العيني هو علم القرآن والسنة مما يتعلق بعبادة الإنسان وعقيدته وسلوكه، فهذا لا يعذر بجهله أحد وإنما يجب عليه شرعاً أن يتعلم ذلك. أما الفرض الكفائي فهو بقية العلوم -أي: علوم الإنسان التجريبية- كالطب والهندسة والكيمياء والفيزياء وجميع هذه العلوم. فليس مفروضاً على كل مسلم أن يكون طبيباً أو مهندساً، ولكنه فرض كفائي يجب على الأمة في العلوم، فإذا قامت به بعض الأمة سقطت العهدة عن البقية، إذ ينبغي ويجب أن يكون في المجتمع المسلم أطباء ومهندسون وعلماء في كل مجالات الحياة، حتى يعمروا هذه الحياة عمارة حقيقية، ويكونوا خلفاء لله في أرضه؛ لأن الدين يشمل وينتظم كل مصالح الدنيا والآخرة، وسعي الناس في طلب العلم -والحمد لله- خاصة الشباب منهم في هذا الزمن، الذين نسأل الله أن يوفقهم ويثبتنا وإياهم، ويبصرهم في دينه، فإن حرصهم على حضور حلقات العلم هو قيام بالواجب، وليس في ذلك شك؛ لأنهم يؤدون فريضة الله، وهي ظاهرة تدل على الصحوة الإيمانية التي يشعرون بها، نسأل الله أن يزيدهم توفيقاً وهداية وثباتاً. ولا نريد أن نبالغ إذا قلنا: إن الشباب في خير؛ حتى لا يحصل لهم شيء من الغرور، ويظنون أنهم قد قاموا بالواجب على أكمله؛ لأن الدارس لسيرة النبي ﵌ وسيرة السلف ﵃، ورؤيته للجهد الجهيد والمعاناة التي كان يشاهدها ويلاقيها السلف في سبيل تحصيل العلم، يرى في ذلك أنه لا نسبة ولا تناسب بيننا وبينهم؛ لأنهم كانوا يقطعون الفيافي والقفار والمدن والشهور في سبيل تحصيل العلم.

стр. 370

موسى ﵇ وحرصه على طلب العلم موسى ﵇ لما وقف خطيباً في بني إسرائيل وقال: إنه لا يعلم في الأرض أعلم منه، ولم يستثن ويقول: إلا الله، فأراد الله أن يخبره أن في الأرض من هو أعلم منه، فأوحى إليه أن هناك عبداً صالحاً آتاه الله علماً، وأنه يسكن في مجمع البحرين؛ ومجمع البحرين في نهاية قارة إفريقيا في الشمال الغربي منها، عند التقاء البحر الأبيض المتوسط مع المحيط الأطلسي في مضيق جبل طارق، في أرض المغرب في مدينة اسمها طنجة، أي عند التقاء المحيط الأطلسي مع البحر الأبيض المتوسط، في المضيق الذي يسمونه الآن: مضيق طارق، ليس طارق عبد الحكيم؛ لأن بعض الناس لا يتصور إلا هذا الاسم، وإذا قلت له: محمد عبد الوهاب، لم يخطر في ذهنهم إلا الموسيقار، لا يعرفون أنه يوجد شخص اسمه محمد بن عبد الوهاب؛ الإمام المجدد الذي دعا إلى دعوة التوحيد، والذي قامت على دعوته هذه الدولة، والذي نظف وطهر الله بدعوته هذه الجزيرة العربية من أدران الشرك، بعد أن كان الشرك مهيمناً ومخيماً عليها، لدرجة أنهم في نجد كانت المرأة التي لا تحمل تأتي إلى عذق النخل وتقول له: يا فحل الفحول! أعطني بعلاً قبل الحول. وكان يطاف بقبر زيد بن الخطاب في اليمامة كما يطاف بالكعبة، ولكن بأثر دعوة هذا الشيخ المبارك، ثم بتعاون أسرة آل سعود مع الشيخ في أول الدعوة، وكان لهذا الأثر قيام التوحيد، ومن ثمرة التوحيد هذه الدولة الموحدة إن شاء الله. أكثر الناس يجهل محمد بن عبد الوهاب وغيره من الأعلام، ولا يعرف إلا الأسماء التي يسمعها في الليل والنهار عن المغنين. المضيق هذا اسمه مضيق طارق بن زياد، وهو فاتحٌ وقائدٌ إسلامي عظيم، فتح الأرض حتى وصل إلى أسبانيا عبر المضيق وأحرق السفن، وقال للجيش: البحر من ورائكم والعدو من أمامكم، فاقتحموا وفتحوا بلاد أسبانيا وجزءاً من بلاد فرنسا، يوم أن كانت راية الإسلام مرفوعة وعلم الجهاد عالياً. أخبر الله موسى أن هناك عبداً صالحاً أعلم منه، فقطع المسافة من بلاد فلسطين حتى مغرب الشمس. انظروا! يقطع الطور ويأتي إلى مصر ويعبرها إلى ليبيا وتونس والجزائر ثم المغرب، كل هذا على قدمه، وليس معه شيء إلا غلامه وهو يوشع بن نون، وهم يعبرون الطريق في سبيل تحصيل العلم؛ من أجل أن يقف على عالم يأخذ منه علماً، فلما وجده قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ [الكهف:٦٦] الغرض من الرحلة الطويلة أنه يتعلم منه، فقال له الخضر ﵇: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف:٦٧] فالعلم يحتاج إلى صبر، ومن لم يصبر لا يتعلم. والصبر أنواع عدة: صبر في الطلب، والأدب، والأداء، والحفظ، والمجالسة؛ لأن مجالس الذكر تطول وتكثر عليك، فلا بد من الصبر والتحصيل والحفظ. ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف:٦٧] ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ [الكهف:٦٩] قال: من أول الآداب أن تمشي ولا تسأل، أي: لاحظ وارصد، لكن لا تسأل ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً * فَانْطَلَقَا﴾ [الكهف:٧٠ - ٧١]. وعبر الرحلة كانت هناك ثلاثة مشاهد، تستوجب من موسى ﵇ أن يسأل عنها؛ لأنها أشياء في ظاهرها الإفساد وعدم التعقل: المشهد الأول: عندما ركب السفينة خرقها، والخرق تدمير وتخريب، وموسى نبيٌ مرسل للإصلاح ومحاربة الإفساد، فلم يصبر على الذي يراه السفينة تُخرق، والماء قد يدخل وتغرق السفينة، فقال للخضر: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ [الكهف:٧١] فكان الجواب مباشرة أن قال له الشرط: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاماً فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف:٧٢ - ٧٤]. المشهد الثاني: دخلا مدينة، فوجدا غلاماً يلعب مع الأطفال فلحقه الخضر وأمسكه بإحدى يديه ورأسه بيده الأخرى ثم قطع رأسه، فاستنكر موسى هذا الأمر؛ لأنه قتل للنفس بغير حق، وقال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً﴾ [الكهف:٧٤] في الآية السابقة قال: ﴿شَيْئاً إِمْراً﴾ [الكهف:٧١] أي: يدعو إلى العجب؛ الناس يركبونك في السفينة وأنت تخرقها، ولكن هنا لم يقل له: (شَيْئاً إِمْراً) ولكن قال له: (شَيْئاً نُكْراً)، أي: أمر منكر لا يمكن أن أسكت عليه، فقال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ [الكهف:٧٥] ففي الآية السابقة قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾ [الكهف:٧٢] لكن في المرة الثانية: (أَلَمْ أَقُلْ لَكَ) وهذه فيها زيادةٌ توبيخ ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف:٧٦] أي: أعطني فرصة أخيرة ومحاولة ثالثة وأخيرة: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ [الكهف:٧٦]. المشهد الثالث: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف:٧٧] عندما وصلوا إلى القرية لم يضيفوهما، وطلبوا من أهلها الطعام فلم يطعموهما، ثم وجد الخضر جداراً يريد أن ينقض فقال لموسى: دعنا نبني هذا الجدار، قال موسى: سبحان الله! كيف يطردونا ولا يطعمونا وأنت تبني لهم جداراً دون مقابل، على الأقل خذ عليه أجراً ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:٧٧ - ٧٨] أنت لا تصلح لطلب العلم، فالعلم يريد صبراً ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ [الكهف:٧٨] ثم ذكر له القصة. يقول النبي ﷺ : (رحم الله أخي موسى، لو صبر لأرانا من عجائب علم الله عند الخضر ﵇ لأن الله قال: ﴿عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ [الكهف:٦٥] علم لدني أي: من الله ﵎ أطلعه الله عليه، ففاصله بعد أن أخبره الخبر، ويوم أن أراد أن يعود ليودعه كان في المحيط الأطلسي طائر ينقر في المحيط، ويأخذ بمنقاره نقطة من الماء، قال الخضر: أترى هذا يا موسى؟ قال: نعم. قال: هل ينقص هذا المنقار من هذا المحيط شيئاً؟ قال: لا. قال: والله ما علمي وعلمك في علم الله إلا كما ينقص هذا العصفور من هذا المحيط ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [طه:٩٨] ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ:٣] ويعلم كل ورقة، ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨] سبحانه لا إله إلا هو! يسمع دبيب النملة السوداء، في الليلة الظلماء، على الصخرة الصماء. وقطع الرحلة موسى ﵇ وعاد، وهذا كله في سبيل تحصيل العلم.

стр. 371

السلف وطلب العلم كان سلف هذه الأمة يقطعون المسافات الطويلة في سبيل تحصيل العلم، وما هذه الآثار العظيمة التي بين أيدينا من كتب وتفاسير ومصنفات وشروحات إ لا نتيجة تحصيل السلف للعلم، حتى إننا نعجز عن عَدِّ أسمائها ومعرفتها فضلاً عن قراءة ما فيها، ومن الناس من عنده كتباً لم يقرأها أبداً، بل من الناس من لا يعرف بعض أسماء الكتب لبعض المؤلفين الكبار. إذاً: هذه العلوم والثروة العظيمة كانت ببركة الصبر والسعي والجهد والتحصيل العلمي لإرضاء الله ، لم يدرسوا العلم من أجل الشهادات كما هو الآن في غالب أحوال الناس من طلب العلم للحصول على المؤهل، فإذا حصل على الشهادة نسي العلم كله. ولهذا لو سألت الطالب الذي يختبر اليوم في مادة التوحيد وعنده بعد يومين مادة التفسير، تعال واسأله بعد أن يخرج من التفسير عن التوحيد الذي دخله قبل يومين، يقول: والله قد نسيت، أين علمك عن التوحيد؟ قال: وضعته في الورقة. فالهدف من تحصيله للعلم أنه يقدم للامتحان، بينما السلف هدفهم العلم لوجه الله . يروى عن الإمام أحمد إمام أهل السنة ﵁ وأرضاه أنه كان يحفظ ألف ألف حديث، أي مليون حديث بأسانيدها، وأنه أشكل عليه رجل في سند حديث، فسأل عنه فقيل له: إنه عند عبد الرزاق الصنعاني، صاحب المصنف، وكان يسكن في صنعاء بـ اليمن، وكان الإمام أحمد يسكن في بغداد بـ العراق، فرحل من بغداد إلى اليمن، يريد أن يأخذ السند. وكان معه في الرحلة يحيى بن معين، ومرا في طريقهما إلى اليمن بـ مكة فحجا، ولما كانا يطوفان بالبيت رأيا عبد الرزاق الصنعاني، قد جاء من اليمن للحج، وكان يحيى بن معين يعرف عبد الرزاق، فسلم عليه بعد أن طاف، وقال للإمام أحمد: يا أبا عبد الله! قد كفيت مسيرة شهر ومؤنتها، يقول: وفر الله عليك مسيرة شهر إلى اليمن وأيضاً النفقة فيها؛ لأنها على حسابهم بدون انتداب، وبدون مؤنة، وكانت وسائل النقل في ذلك الوقت الحمير، لا يوجد عندهم سيارات ولا طائرات؛ يمشون على أقدامهم في الحر والقر والبرد والجوع والخوف! وفي سبيل العلم يقطعون كل هذه المسافات، فقال يحيى بن معين للإمام أبي عبد الله: لم لا نسأله الآن؟ قال الإمام أحمد: والله لا نرجع عن النية التي قد أردناها لوجه الله، والله لا آخذ هذا الحديث إلا في صنعاء، لأنني خرجت من هناك لوجه الله، فلا أريد أن أعطل نيتي بطلب العلم، ولا أبد أن أرحل. ولكن من الناس اليوم من تكون الندوة بجوار بيته، والعالم يأتي إلى قريته، ثم لا يأتي للصلاة؛ لأن المحدث سوف يؤخره نصف ساعة أو ساعة، وبعضهم يأتي يصلي فإذا قام المحدث أو العالم أو طالب العلم يذكر خرج وتركه والعياذ بالله، ربما كانت الحلقة العلمية موجودة في أبها في مسجد الشيخ عائض أو أحمد بن حسن ولكنه لا يحرص على الحضور إليها، وكيف يريد هذا الإنسان أن يرزق العلم، ويؤتى الإيمان، وتحل البركة وهو معرض مدبر عن الله ! إن أقصى درجاتك أن تحرص على طلب العلم على الأقل بدون شد رحال، فكيف إذا كنت في مدينة تقام فيها ندوات ولا تحضرها؟! أجل. كيف تريد أن تهتدي؟!

стр. 372

عظم أجر طالب العلم روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁، والحديث طويل وسوف أذكره بطوله لأخذ الشاهد منه، قال: قال ﵊: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) انظروا إلى جزالة الأحاديث، وعظمة البلاغة النبوية صلوات الله وسلامه عليه. يقول: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة -هذا الشاهد- وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة). انظر الفرق بين النزول والغشيان، النزول يقول العلماء: يكون على موضع، أما الغشيان فيكون على العموم، فتنزل السكينة على موضع، أين تنزل السكينة؟ في القلوب (إلا نزلت عليهم) أي: على قلوبهم، (السكينة) وهي ضد القلق، والتبرم والتضجر والحرج، و (غشيتهم) أي: تغشى الموجودين، حتى الذي ما نزلت عليه السكينة في قلبه تنزل عليه الرحمة، ولو كان قلبه ليس خاشعاً كأن يكون ليس من أهل الذكر أو المجلس، أو مر لغرض وسمع الصلاة قامت وجاء يصلي، لكنه يدخل معهم في الرحمة؛ لأنهم (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) (وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده). ثم قال ﵊ في آخر الحديث: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) أي: وسائل النقل التي يعبر عليها الناس يوم القيامة هي العمل، أما النسب فلا يسرع ولو كنت ابن الملك أو ابن الأمير أو ابن الوزير أو ابن أي شخصية في الدنيا وما عندك عمل والله لا تمشي على الصراط خطوة واحدة، ولا ينفعك في القبر لا ملك ولا مال ولا جاه ولا سلطان ولا نسب ولا أي شيء من مقومات الدنيا، لكن تأتي وعندك إيمان قوي، ولو كنت ابن أوضع إنسان فإن الله ﵎ يقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. الوسائل التي يقطع بها الناس الأهوال يوم القيامة هي وسائل الإيمان، ولهذا قال النبي ﷺ لـ فاطمة: (يا فاطمة! لا أغني عنك من الله شيئاً لا يأتيني الناس يوم القيامة بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم) لا ينفع النسب يوم القيامة، فالله تعالى يقول: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون:١٠٢] أي: بالإيمان والعمل الصالح ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٢ - ١٠٨] لا يوجد مراجعة، ولا فرصة، ولا يوجد دور آخر ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١٠] أي: هزءاً ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ [المؤمنون:١١٠] اشتغلتم بهم وسخرتم منهم حتى نسيتم ذكر الله ، وجعلتم هؤلاء هم شغلكم الشاغل ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ * قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٠ - ١١٢] يسأل أهل النار الذين ضيعوا وفرطوا فيقول لهم: كم لبثتم في الأرض عدد سنين حتى صعب عليكم العمل الصالح؟ قالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩] ليسوا متأكدين هل هو يوم كامل أم لا؟ لأنهم قارنوا مدة بقائهم في الدنيا مع مدة بقائهم في عرصات القيامة؛ فوجدوا أن عمرهم الطويل الذي هو ستين أو سبعين أو ثمانين لا يساوي جزءاً من يوم القيامة ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [المؤمنون:١١٣ - ١١٤] والله ما عشتم إلا قليلاً في هذه الدنيا ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون:١١٤ - ١١٨].

стр. 373

أسباب سوء الخاتمة إن أسباب سوء الخاتمة كثيرة:

стр. 374

استحواذ الشيطان على الإنسان من أسباب سوء الخاتمة: هيمنة الشيطان وسيطرته وغلبته، واستحواذه على الإنسان، فإنه عند الموت يكون ضعيفاً والشيطان يضله والعياذ بالله ولا يثبته الله، ولهذا إذا أردت أن تكون قوياً عند الموت فكن قوياً على الشيطان الآن، أما إذا ضعفت أمام شهواتك، ومغريات الشيطان وخدعه، فاعلم أنك ستكون أضعف عند الموت.

стр. 375

فساد العقيدة من أسباب سوء الخاتمة: فساد العقيدة، وخراب التوحيد، حيث إن التوحيد يهتز عند الأحداث، وأعظم حدث يمر على الإنسان هو الموت، فإذا كانت عقيدته فاسدة، فإنه يهتز ولا يثبت، ومن صور الشرك: دعوة غير الله، والذهاب إلى الكهنة والمشعوذين، وتصديق العرافين، ودعاء الجن. ما شاع الآن وانتشر بين صفوف المثقفين الذين يقرءون المجلات والصحف التي فيها شركيات على هيئة أعمدة توضع في هذه المجلات، اسمها: حظك هذا الشهر، وهذه كهانة وعرافة لكن من شكل جديد، أي: متحضرة ومتطورة. وصورتها: أن يأتي بالأبراج، ويقول لك: يأتيك في هذا الشهر كذا ويحصل لك كذا وتهدى لك هدية تعاني من مرض كذا حتى إني قرأت مجلة فيها: إذا كان عمرك ستين عاماً فإنك سوف تعاني من آلام (الروماتيزم) هذا الشهر، طبيعي فالذي عمره ستين يأتيه (الروماتيزم) كل يوم في هذا الشهر وفي غيره. ومن يستدل على الأحداث بما يقع بالنجوم من القوس وزحل والعقرب والسرطان والأسد والسنبلة هذه كهانة، والنبي ﷺ يقول: (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد) وفي بعض ألفاظ الحديث: (من أتى كاهناً فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين نهاراً). فينبغي للمسلم أن يتجنب هذه الخرافات والخزعبلات، وألا يقرأها وألا يدخل هذه المجلات بيته؛ لأنه لو أدخلها، وقرأها الأطفال والنساء فسدت عقائدهم. وبعض البنات لا تقرأ في الجريدة إلا هذه الأشياء؛ لأنها خاوية من العقيدة، والولد عندما يرى حظه يعيش على الخرافات والخزعبلات، بينما النجوم هذه ليس لها علم ولا تأثير على ما يدور في أرض الله بقضاء الله وقدره؛ فالنجوم زينة، والله تعالى يقول: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦] وذكر أنها زينة للسماء، ويقول الشاعر القحطاني: أما النجوم فقد خلقن زينة للسما كالدر فوق ترائب النسوان فهي زينة للسماء، وليس لها أي تأثير على قضاء الله وقدره، بل كل ما يقضي الله ويقدر على عباده بمشيئته ﵎ وعلمه، ولا علاقة للنجوم بذلك، والنبي ﷺ يقول: (كذب المنجمون ولو صدقوا) يأتي الشخص إلى الكاهن، فيقول: نجمك أنت القوس، قال: ماذا؟ قال: تقيس ولا تنقاس. يعني: تقيس الناس ولا أحد يقيسك. وهذا القوس واحد من اثني عشر برجاً، وكثير من الناس على القوس هذا، يعني: هؤلاء كلهم يقيسون ولا أحد يقيسهم! هذا كذب. وشخص آخر يقال له: أنت نجمك الجدي، قال: ماذا؟ قال: في كل شيء هدي. انظر كيف التلفيق والسجع، من أجل أن يضلل الناس والعياذ بالله. وآخر: وأنت نجمك الثور، حراث وراث تحب البلاد، الآن لا يوجد حراث وراث ولا عندنا شيء من هذا الكلام كله. وهذا يأتي على ألسنة الكهنة والمشعوذين، ولا ينبغي للمسلم أن يصدق هذا، ومن صدق فقد كفر والعياذ بالله!

стр. 376

الإصرار على المعاصي من أسباب سوء الخاتمة: الإصرار على المعاصي. هذا سبب من أسباب سوء الخاتمة، الذي يعرف أن هذه معصية، ويعرف حكم الشرع فيها، ثم يتجاهل أمر الله فيها، وهو مصر على المعاصي، كمن يعلم أن الغناء حرام، وقد سمع في الخطب والمواعظ والأشرطة أنه حرام، لكن لا يرتاح إلا عندما يغني، كأنه يعاند خالقه! كأنه يعاند رسول الله ﷺ ! أنت عبد مأمور، والله أخبرك على لسان الرسول في القرآن والأدلة النبوية الثابتة: إن الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل، وأنه لا يجتمع حب القرآن وحب الغناء في قلب مؤمن، وفي الحديث في البخاري يقول ﵊: (ليكونن أقوام في من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) الحر: الزنا، والحرير: الملابس الحريرية، والخمر معروفة، والمعازف الآلات من اللهو والطرب. وفي الحديث يقول ﵊، والحديث حسن ولكنه غريب عند الترمذي وفي غرابته ضعف، قال ﵊: (إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حلَّ بها البلاء، وأصابتها ريح حمراء، وزلزلة وخسف ومسخ: إذا كان المغنم دولا، والزكاة مغرماً، والأمانة مغنماً، وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه، وتعلم العلم لغير الدين، وظهرت المعازف والقينات، ولعن آخر هذه الأمة أولها، وأكرم الرجل مخافة شره، وكان زعيم القوم أرذلهم -إلى آخره- قال: فلينتظروا عند ذلك ريحاً حمراء، وزلزلة وخسفاً ومسخاً) الشاهد من الحديث: ظهور القينات والمعازف، واشتغال غالب الناس بهذا المرض، حتى غزا كل بيت، ودخل كل صدر، ولم يسلم منه حتى البدوي في شعث الجبال ووهاج الصحراء، فالرجل والمرأة والكبير والصغير يغنون؛ ينامون على الغناء ويستيقظون على الغناء، ويخرجون بالسيارات يغنون، وفي الرحلات يغنون، وفي كل أمرهم يغنون، حتى لو عرضت على الناس اليوم مقطعاً من أغنية، وجئت بعازف وقلت له: اعزف طرفاً من هذه الأغنية، واسأل الناس: ما هي هذه الأغنية، والذي يعرف نعطيه مائة ريال؟ لامتدت إليك الأيادي كلها، هذه أغنية فلان، تسألهم من ملحن الأغنية؟ قالوا: فلان، ومن واضع كلماتها؟ قالوا: فلان، الله أكبر!! ثقافة موسيقية متناهية. لكن لو جئت بآية من كلام الله عند أمة القرآن، وقلت: هذه الآية في أي سورة، والذي يعرفها نعطيه جائزة مائة ريال؟ لجلس الناس يتلفتون، أما فيكم (مطوع) يجيب؟ هل هناك شخص يحفظ القرآن؟ طيب وأنت؟ ألست مطوعاً؟ لكن مطوع لإبليس! المطوع من أطاع الله، أحد الإخوة يقول: الناس كلهم مطاوعة، لكن هناك مطاوعة لله وهناك مطاوعة للشيطان؛ أناس أطاعوا الله فهم مطاوعة الرحمن، وأناس أطاعوا الشيطان فهم مطاوعة الشيطان. كيف تعرف الأغاني ولا تعرف القرآن؟! لماذا تخصصت في سماع الغناء ولم تفرغ نفسك لكلام ربك الذي أنزله الله هداية لك ونوراً وصلاحاً وفلاحاً، والذي يقول الله فيه: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]؟! فالمعاصي -أيها الإخوة- والإصرار عليها واستباحتها والمداومة عليها سبب عظيم من أسباب سوء الخاتمة؛ لأنها تحدث في الإنسان الألفة للمعاصي، والإنسان إذا استمر على شيء ألفه، وهذه الألفة تلازم الإنسان في حالة اليقظة وعند المنام وعند الموت، وكما ترون الإنسان إذا نام؛ إذا كان -مثلاً- عالماً ونام فإنه يرى في منامه دائماً الكتب، والندوات، وطلبة العلم، والمحاضرات والمناقشات، وإذا كان رياضياً ولاعب كرة من الدرجة الأولى أو الممتازة فإنه يرى في منامه المباريات، والكرة وقد دخلت المرمى. وبعضهم يصيح، يقول أحدهم: إن امرأته قامت في الليل فزعة؛ لأن زوجها رأى دخول الكرة في الفريق الثاني، فصاح وما زال يصيح؛ لأنه رأى رؤية عاش عليها فنام عليها، وكذلك عند الموت يحصل له أنه يألف المعاصي ولا يستطيع أن يتكلم عند الموت إلا بالمعاصي التي كان يعيش عليها، يقول مجاهد بن جبر: [قد بلغنا أنه ما من ميت يموت إلا مثل له جلساؤه في الدنيا يحضرون عنده في الموت]. وأن رجلاً حضرته الوفاة فقيل له: قل: لا إله إلا الله، وكان لاعب شطرنج، فقال للناس الذين يقولون: قل: لا إله إلا الله: تشك، تشك، تشك هذه عبارة من عبارات لاعبي الشطرنج. وأن شخصاً آخر كان مدمناً للخمر ولما حضرته الوفاة قيل له: قل: لا إله إلا الله، قال: اشرب واسقني، قال: قل: لا إله إلا الله، قال: اشرب واسقني، حتى مات عليها. وأن شخصاً آخر كان مدخناً فلما حضرته الوفاة، قيل له: قل: إلا إله إلا الله، قال: هذا دخان حار، هذا دخان حار، هذا دخان حار، قالوا: قل: لا إله إلا الله، قال: والله لا أقولها، أنا بريء منها. لا حول ولا قوة إلا بالله!! وقد ذكرت لكم أن حصلت في منطقة خميس مشيط، حادثة وفاة لشخص كان يحرج على السيارات ويبيعها في معارض السيارات، وكان لا يصلي ولا يعرف الصلاة أبداً، فلما حضرته الوفاة، قالوا له: قل: لا إله إلا الله، فجاء بالألفاظ التي يقولها بالميكرفون، عندما كان يبيع السيارة، قال: (أربحه، أربحه خربان تربان، كومة حديد) قالوا: قل: لا إله إلا الله، قال: (خربان تربان) قل: لا إله إلا الله، قال: (كومة حديد) ومات عليها والعياذ بالله. أيها الإخوة! خطر عظيم على المسلم أن يصر على المعاصي، حتى ولو كانت من الصغائر؛ لأن الصغائر تكون من الكبائر يوم القيامة: لا تحقرن من الذنوب صغيراً إن الصغير غداً يصير كبيراً إن الصغير وإن تقادم عهده عند الإله مسطر تسطيراً والنبي ﵊ يقول: (إياكم ومحقرات الذنوب فإنها تجتمع على المرء حتى تهلكه) فعليك يا عبد الله ألا تستبيح شيئاً من الذنوب والمعاصي؛ لأنك قد تراه صغيراً، ولكنه عند الله عظيم، يقول الله : ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥] ويقول أحد الصحابة: [إنكم لتعملون أعمالاً لا تعدونها شيئاً كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الكبائر]. وفي الحديث أيضاً يقول ﵊: (إن المؤمن ليرى الذنب البسيط عند رأسه مثل الجبل يخاف أن يسقط عليه، وإن المنافق ليرى الذنب العظيم كالذباب على أنفه يقول به هكذا) يرى أي ذنب ويقول: بسيط يا شيخ، أنتم تشددون، والذي قلبه حي إذا ارتكب أي خطيئة يرتعد قلبه خوفاً من الله! قلب حي، وأما الميت فكما يقال: ما لجرح بميت إيلام الميت لو طعنته ومزقت جلده لا يحس؛ لأنه ميت، والله تعالى يقول: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]. فيا أخي! لا تطفئ نور الإيمان بالمعاصي، ولا تستبح المعاصي، ولا تداوم عليها، بل عليك أن تنفر منها، وأن تتوب إلى الله؛ لأنك إذا ألفتها في دنياك ألفتها عند الموت، وختم لك بسوء الخاتمة. وأما إذا ألفت الطاعات، فيقول لي أحد الإخوة: إنه قد حضر جنازة رجل كان من أهل الخير، وحصل له في آخر عمره أن أصيب بمرض في رأسه أفقده صوابه، وأصيب بغيبوبة طوال الأسبوع منذ أن مرض حتى توفي بعد أسبوع وهو في غيبوبة لا يعرف شيئاً عن الحياة، كان خلال وقته طوال الأسبوع يتوضأ من غير شعور، يقول: هاتوا الوضوء، فيأتون له بكأس فارغ فيدخل يده في الكأس ويتوضأ، وإذا انتهى صلى قِبل القبلة يصلي مرة هنا ومرة يصلي هنا؛ لأنه عاش طوال وقته على الصلاة فختم له بها، فإذا حصل لك ألفة للطاعات ومحبة للقربات، ألفتها في الدنيا ومت عليها وبعثت عليها، وإذا حصل العكس، أي: ألفة للذنوب وللمعاصي يحصل لك نفرة من الطاعات، فالذي يذنب كثيراً لا يتوب، وهذا على خطر! خطر المشيئة أن تدركه سوء الخاتمة -والعياذ بالله- أما الذي يتوب من الآن إلى الله، ويتعلم ويتدرب على الطاعات، ويألفها ويحبها ويداوم عليها حتى تصبح خلقاً ثابتاً له، فإنه مظنة إن شاء الله أن يختم له بحسن الخاتمة.

стр. 377

الانحراف بعد الاستقامة من أسباب سوء الخاتمة العدول والانحراف عن الاستقامة بعد أن يسير الإنسان عليها؛ لأن الاستقامة والتمسك بها، ثم التغير عنها والانحراف عما كان عليه الإنسان هو خلق إبليس؛ لأن إبليس كان من الملائكة، وفي بعض الآثار أنه كان طاووس الملائكة، وما من بقعة في الأرض ولا في السماء إلا وقد سجد لله فيها سجدة، ولكنه نكص عن الطاعة ووقع في المعصية بمخالفته أمر الرب حينما قيل له: اسجد لآدم مع الملائكة ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] وهذا الخلق سار على نهجه الأبالسة من بعده، وأتباعه من المخذولين -والعياذ بالله- إلى يوم القيامة؛ لأنهم يسيرون في طريق الهداية ويستنشقون عبير الإيمان ويتذوقون طعم الهداية ثم ينتكسون، فإذا انتكسوا لا يرجعون؛ لأن الله يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٣]. فالانتكاسة خطيرة جداً، ولذا -يا مسلم- تمسك، إذا أراك الله السبيل وذقت طعم الإيمان فتمسك به إلى آخر لحظة من حياتك، ولا تنتكس فربما تكون انتكاستك هذه لا رجعة بعدها -والعياذ بالله-. بلعام بن باعوراء من قوم موسى، آتاه الله آياته، وأعطاه دلالاته، ولكنه انتكس وأخلد إلى الأرض والشهوات، وقال الله فيه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف:١٧٥] والانسلاخ من الشيء هو تركه وعدم الرغبة في العودة إليه إذا خلعت ثوبك الآن ماذا تقول؟ تقول: خلعت ثوبي أو وضعت ثوبي، لكن هل تقول: سلخته؟ لا. وإذا سلخت جلد الشاة، هل تقول: وضعت أو خلعت جلدها؟ لا. تقول: سلخت جلدها، يعني: أبعدت جلدها الذي لا يمكن أن يعود إليها. فـ بلعام ترك الآيات القرآنية ورفضها مع نية عدم العودة إليها أبداً. لا يريدها، انسلخ منها، وكأن هذه الآيات والتحصينات كانت درعاً واقياً له، فلما تركها وانسلخ منها قال الله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف:١٧٥] تسلط عليه الشيطان بعد أن تخلى عن الآيات ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦]. وكذلك قصة برصيص العابد، وهذه القصة ذكرها أهل العلم في كتب التفسير عند قول الله : ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر:١٦ - ١٧]. ذكرها ابن كثير وابن جرير وصاحب فتح القدير وصاحب الدر المنثور، وكثير من المفسرين ذكروا قصصاً كثيرة، بعضهم أوردها على التفصيل، وبعضهم أوردها على الإجمال، وبعضهم نسبها إلى الإسرائيليات، ولكن الصحيح من هذه القصص: أن رجلاً يقال له برصيص، وكان رجلاً عابداً منقطعاً للعبادة، منعزلاً عن الناس، يعبد الله في صومعته ولا يخالط الناس في شيء، وكان في قريته، وهذه القرية حصل أن اعتدى عليها قوم، فاستنفر رجالها لرد العدوان، وكان منهم رجلان لهما أخت، وهذه الأخت كانت في غاية الجمال، فوقعوا في حرج بين ترك البنت بدون قيم، أو بين الجلوس معها وترك الجهاد، فأتاهما الشيطان وقال لهما: الجهاد أفرض عليكم من أختكم. انظروا كيف يزين الباطل حتى يقدمه في صورة الحق، وقال لهما: هذه أختكم ضعوها عند برصيص، هذا رجل عابد ومؤتمن على عرضكم ولا يمكن أن يفعل شيئاً، فذهبا إليه وقالا له: يا شيخ! هذه أختنا نضعها عندك أمانة، ونحن سوف نذهب إلى الجهاد، فرفض أول الأمر، قال: لا. أنا ما تركت الدنيا وانعزلت في صومعتي إلا خشية فتنة النساء، اذهبوا عني وطردهم. فلما خرجوا جاءه الشيطان وقال له: تزعم أنك عابد وأنك رجل صالح، كيف ترد هذه المرأة وتعطل إخوانها عن الجهاد! هذا عمل مبارك، اقبلها واتركها عندك، وأنت رجل مؤتمن، فما زال يمنيه حتى رغب له الأمر، وجاء الشيطان إلى نفوسهما وقال: عودا إليه لعله أن يطيعكم، فرجعا إليه فوافق بشرط: أن يضعوها في غرفة، وأن يقفلوا عليها الباب، وأن يتركوا بينه وبينها فتحة، يعطيها طعامها في الصباح وفي المساء، ذلك من بالغ احتياطاته حتى لا يقع في الفتنة، فقالا له: نحن آمنين لك يا شيخ! ما دامت كل هذه الاحتياطات التي تضعها -أجل هذه من بالغ الأمانة- قال: أجل حتى يطمئن قلبي وتطمئن قلوبكم، فوضعها في غرفة وعندها حمام. وأجروا لها ماءها ووضعوا بينها وبينه فتحة، وكان يأتيها في الصباح بالطعام وفي المساء بالطعام، وذهبا في الجهاد، وبقيت على هذا الحال فترة من الزمن. ثم جاءه الشيطان في صورة الناصح وقال له: يا شيخ! أنت رجل أمين، وهذه المرأة مسكينة مؤتمن عليها أنت، كيف تتركها ولا تدري هل هي حية أو ميتة، أو مريضة أو متعافية، أو مسرورة، أنت رجل أمين، لا شك، افتح الباب عليها وادخل انظر حالها، وإذا فتحت الباب انتهت المسألة، فالخوف في قلبك، والله يراقبك، ولا يزال به حتى أغراه بأن جاء وكسر الباب ودخل عليها، ولما دخل عليها كانت في وضع لم تكن تشعر بأن أحداً سيدخل عليها، فكانت قد وضعت ثيابها كاملة، فلما أصبحت هي وإياه في غرفة واحدة، تحقق قول النبي ﷺ : (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) وماذا تتصورون أن يأمر الشيطان إذا كان هو الثالث؟ هل يأمر بالعفة؟ والحصانة والدين؟ لا. ولهذا حرم الشرع على المسلمين الخلوة بالأجنبيات: لا تخلو بامرأة لديك بريبة لو كنت في النساك مثل بنان أي: مثل ثابت البناني. إن الرجال الناظرين إلى النسا مثل الكلاب تطوف باللحمان إن لم تصن تلك اللحوم أسودها أكلت بلا عوض ولا أثمان يقول ثابت البناني، وهو من أعبد خلق الله، صلى أربعين سنة الفجر بوضوء العشاء، لا يعرف أبداً النوم في الليل، ليس له فراش، كان عابداً لله، يقول: والله لو أمنتوني على ملء الأرض ذهباً لوجدتموني أميناً، ووالله ما آمن نفسي على أمة سوداء رأسها كأنه زبيبة. لأن الفتنة على الرجال قوية، قال ﷺ : (ما تركت على أمتي فتنة أشد على الرجال من النساء) ولهذا احذر يا شاب! احذر يا مؤمن! لأن الخطر عند أول نظرة، والمصيبة عند أول مكالمة، وأول قبلة، لكن ما دمت معتصماً بحبل الله ؛ تخاف الله وتراقبه لا تنظر لا تتكلم لا تقرأ لا تحاول أن تتصل بأي امرأة محرمة، أنت في عصمة الله ، فإذا سقطت والتفت لفتة بسيطة على طريق الشيطان؛ ساقك الشيطان إلى هاوية والعياذ بالله. فهذا الرجل ما زال الشيطان يغريه ويوسوس له حتى أطاعه فدخل بها، فلما رآها عارية وهو خال بها لم يملك نفسه، فزنا بها والعياذ بالله! فلما قضى وطره، استيقظ ضميره، وجاء العتاب الداخلي يلومه، فأتاه الشيطان يقول له: كيف تعمل؟ ما هو موقفك وقد فعلت هذه الفعلة العظيمة؟ أين وجهك؟ أين سمعتك؟ فما زال به حتى كاد أن يقتل نفسه، ثم وضع الشيطان له الحل، وهو يريد أن يضعه في مشكلة أعظم من الزنا المسألة فضيحة، ولو جاء أهلها واطلعوا حصلت فضيحة، كيف تعمل؟ ولكن الحل أن تقتلها، وإذا قتلتها وجاء أهلها فأخبرهم أنها مرضت وتوفيت، وسوف يصدقونك، فما وجد إلا غير هذا الحل، فدخل عليها فضربها بالفأس في رأسها، ثم حفر لها في الغرفة، ودفنها مكانها، وجلس. وبعد الزنا وقتل النفس فقدَ طعم الإيمان، لم يعد يصلي ولا يعبد الله كما كان، لماذا؟ لأن المعاصي حجاب بين العبد وبين الله، لم يعد يتلذذ بالطاعة ويده ملوثة بالجريمة، وهو مستغرق ومتلطخ بحمأة الرذيلة والعياذ بالله. ومكث ما شاء الله أن يمكث وجاء إخوانها من الغزو، فلما دخلا عليه سألاه: أين أختنا؟ قال لهما: منذ أن ذهبتما مرضت، وبقيت مريضة مدة من الزمن وهو الأمر الذي قضى أن أكسر الباب وأدخل لأشرف على تمريضها، ومكثت مدة ثم توفيت ودفنتها. فقالا له: جزاك الله خيراً، ونحن واثقون منك، والحمد لله على حكم الله وودعوه وخرجوا. وفي الليل وهما نائمان جاء الشيطان إليهما في المنام، فقال للأول: أختك لم تمت؛ قتلها العابد بعد أن زنى بها، وجاء للثاني وأخبره بنفس الرؤية، وفي بعض الروايات: أنهم أربعة إخوة، وفي بعضها: أنهم ثلاثة، فلما جاء في الصباح وإذا بعضهم يقص الرؤية على الآخر، قال: أنا رأيت، وقال ذاك: أنا رأيت، وقال الآخر: وأنا رأيت، وتواطأت الرؤى، فقالوا: قد تكون الرؤيا صادقة، أجل! نذهب ونسأله على الأقل، فذهبا إلى العابد فسألاه، قالوا: يا شيخ! نريد أن نرى قبر أختنا، أين قبرها؟ فجاءه الشيطان قبل أن يأتوا، وقال: لقد علموا، وأنت لا تحاول أن تكتم الحقيقة، أخبرهم والله غفور رحيم، وربما يسامحونك، فلما سألوه، قالوا: أين أختنا، أين قبرها؟ نريد أن نراه! قال: أنا أعلمكم بالحقيقة، فأخبرهم بالأمر كاملاً، فأخذوه وحملوه ووضعوه في جذع نخلة، وبعد أن صلبوه، وجاءوا ليقتلوه! فقال له الشيطان حينما أرادوا أن يقتلوه، قال له: أنا الذي ورطتك في أخذ البنت، والزنا بها، وقتلها، وأستطيع أن أنقذك ولكن بشرط واحد. قال: وما هو؟ قال: أن تسجد لي سجدة، انظروا! ما يأس منه الشيطان، جعله يزني، ويقتل، وأيضاً لا يريد أن تبقى كلمة التوحيد؛ يريده أن يشرك ويكفر بالله، قال الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبّ

стр. 378

ضعف الإيمان من أسباب سوء الخاتمة وهو آخرها: ضعف الإيمان: لأن الإيمان في مذهب السلف: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعات وينقص بالعصيان. هذه عقيدة الأمة. الإيمان شيء في قلبك، كلما زدت في الطاعات كلما زاد إيمانك، مثل الشجرة التي كلما سقيتها وشذبتها ورعيتها نمت وترعرعت وأثمرت، وكلما ضايقتها وحرمتها الغذاء وأعطيتها البنزين كلما ذبلت حتى تموت، فغذاء إيمانك الطاعات، وموت إيمانك المعاصي، وضعف الإيمان سبب من أسباب سوء الخاتمة. الآن الكهرباء تتفاوت في القوة، فهناك لمبة قوة الوات فيها خمسمائة أو ألف وات؛ هذه التي يسمونها الكشافات الهيلوجين، كشاف يكشف لك مدى كيلو، هذه فيها تيار كهربائي وهو قوي جداً، وهناك تيار كهربائي في اللمبة التي نسميها نحن (السهارية) القوة فيها خمسة وات، تلك خمسمائة وهذه خمسة، هذه كهرباء وتلك كهرباء، لكن هذه كهرباء ضعيفة لا تنفعك في شيء، إذا كنت نائماً على فراشك وأردت أن تقرأ كتاباً والكهرباء سهارية، لا تستطيع أن تقرأ؛ لأن ضوءها ضعيف، هل تستطيع أن تدخل الخيط في خرق الإبرة على ضوء السهارية؟ لا تستطيع، هل تستطيع أن تبحث عن حاجاتك؟ لا يمكن. رغم أنه يوجد كهرباء، إلا أنها ضعيفة، لا تسمن ولا تغني من جوع، إذا أردت أن تنتفع بالكهرباء جيداً أشعل مائة شمعة أشعل مائتي شمعة ولهذا الناس في إيمانهم الآن يتفاوتون؛ من الناس من إيمانه مثل الشمس يضيء للعالم، ومن الناس من إيمانه مثل القمر، ومن الناس من إيمانه مثل أكبر لمبة يضيء لنفسه ولقريته ولمدينته ولأهله، ومن الناس من إيمانه ضعيف إلى درجة أنه لا يضيء لنفسه؛ يقع في المعاصي والذنوب والآثام ولا ينتفع بإيمانه، رغم أن عنده إيمان، لكن إيمان ضعيف والعياذ بالله! وضعف الإيمان يضعف حب الله في قلب العبد، ويقوي حب الشياطين والمعاصي والدنيا في قلبه، ويستولي على القلب بحيث لا يبقى في القلب موضع لحب الله تعالى، إلا من حيث التصور وحديث النفس، يعني: لم يبق شيء عملي، يبقى فقط شيء نظري، ذهني، أي: لا يظهر شيء عملي في القلب مما يظهر أثره في سلوك العبد، فلا يمتنع عن ارتكاب معصية، ولا يقوم إلى طاعة؛ لأنه منهمك في الشهوات، مرتكب للسيئات، فتتراكم ظلمات الذنوب والخطايا والآثام في قلبه والعياذ بالله، فلا تزال تطفئ نور الإيمان وتضعف قوته إلى أن يأتي الموت، فإذا جاءت سكرات الموت ازداد حب الدنيا في قلب العبد ضعفاً؛ عندما يرى الإنسان أنه سوف يفارق هذه الدنيا وهي محبوبة إليه، وحبها غالب على قلبه، لا يريد تركها، ولا مفارقتها، فيرى ذلك رب العزة والجلال من قلبه والعياذ بالله فينقلب ذلك الحب إلى بغض لله وللقاء الله، فإذا خرجت روحه في هذه اللحظة وهو يبغض لقاء الله ولا يحب لقاء الله، ويحب الاستمرار في الدنيا والإخلاد إلى الدنيا، حينها يختم له بسوء الخاتمة، فيخرج من الدنيا مغضوباً عليه والعياذ بالله، فكل ذلك من أسباب ضعف الإيمان، فقو إيمانك يا عبد الله. ذكر أهل العلم قصة عن سليمان بن عبد الملك، لما خرج حاجاً -وهو من خلفاء بني أمية- ووصل المدينة، سأل: هل هنا رجل من الصحابة؟ قالوا: لا. قال: هل هنا رجل من التابعين الذين أدركوا الصحابة؟ قالوا: نعم يوجد. فدل على أبي حازم، فجيء به، فلما أتاه قال له: يا أبا حازم! ما لنا نكره الموت ونحب الحياة؟ فقال له: [يا أمير المؤمنين! إنكم عمرتم دنياكم وخربتم آخرتكم، فتكرهون الخروج من العمران إلى الخراب]. هذه طبيعة في النفس؛ إذا كان عندك عمارة جديدة، مفروشة مطلية، مهيأة، وعندك عشة أو بيت شعبي قديم متشقق وغير جيدة، والعنكبوت قد عشش فيه هل تحب أن تنتقل من (الفيلة) الجديدة إلى هذا البيت؟ حتى أولادك لو قلت لهم: ما رأيكم أن نذهب إلى ذلك البيت؟ يهربون منه ويقولون: والله لا ننام فيه ليلة واحدة، لماذا؟ لأنهم قد تعودوا على السقوف المنقوشة، وألفوا العمارة الفارهة، فالإنسان الذي يعمر داراً ويخرب أخرى لا يحب أن ينتقل من العمران إلى الخراب. يقول: أنتم عمرتم ديناكم لكنكم خربتم آخرتكم، فلا تحبون الانتقال من دار عمرتموها إلى دار خربتموها، قال: صدقت. ثم قال: ليت شعري مالنا عند الله؟ يقول: الله أعلم مالنا عنده. قال: اعرض نفسك على آية في كتاب الله، قال: وما هي؟ قال: قوله : ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣] ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٤]. هذه الآية ميزان ديني، تعرف به نفسك، هل أنت من الأبرار أو الفجار؟ الأبرار من هم؟ عباد الله الصالحين، الذين سلموا قيادتهم لله، وأخضعوا حياتهم لأوامر الله، فلا يمكن أن يتحركوا ولا يسكنوا إلا بأمر الله، هؤلاء أبرار، أما الفجار فهم الهاربون عن الله؛ الذين تحكمهم الأهواء والرغبات والشياطين -والعياذ بالله- ولا يطيعون لله أمراً ولا يقيمون له ولا لرسوله وزناً، ولا لكتابه محبة، هؤلاء فجار، وقد بين الله ذلك بهاتين الآيتين: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣] ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٤]. قال له: فأين رحمة الله يا أبا حازم؟ قال: رحمة الله قريب من المحسنين. ومن يتصور أنه يحصل على رحمة الله وهو يعمل الذنوب والمعاصي؟ يقول ابن القيم: هذا من سوء الظن بالله؛ إذا ظننت أنك تعصي الله وهو يعطيك على المعصية ثواباً؛ لأنك تتهم الله أنه لا يعرف كيف يجازي عباده. إن لله في الكون سنناً، ومن سننه أنه قال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١] لكنك تقول: لا. ليجزي الذين أساءوا بالحسنى. الله أكبر! هذا غلط، وسوء ظن بالله ، يقول الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٨٩ - ٩٠] ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص:٨٤] ويقول الله : ﴿هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]. فرحمة الله إذا أردت أن تنالها فتعرض لها بطاعته، أما أن تتعرض لها فهذا خطأ ومن سوء الظن بالله . وقد ضربت في مرة من المرات مثلاً بموظف عند مدير، وهذا الموظف سيئ السلوك، قليل الإنتاج، ضعيف التصرف، لا يحضر الدوام إلا متأخراً، وينصرف قبل الدوام بساعة، وإذا أعطاه مديره عملاً ما أثقله عليه! يريد أن يمرر أي عمل، وإذا عمل لا يخلص في عمله، المهم لا يوجد عنده إتقان ولا انضباط، ومع ذلك يتطلع كل يوم إلى الترقية، وإلى العلاوة، وإلى الدورات، والانتدابات، وتحسين الوضع، ما رأيك هل يعطيه المدير هذه الأشياء وهو على هذا الوضع؟ لا. لا يعطيه. من يعطي المدير؟ المدير يعطي الترقية والعلاوة والدورة والانتداب والتقرير والتكريم والتفضيل وتحسين الوضع للموظف المثالي، صاحب الإنتاجية المتناهية، والدقة العظيمة، والإخلاص، والأداء المتميز، والحضور المبكر، والمرابطة الدائمة على العمل، ومن إذا عمل معاملة تقرأها وأنت مغمضٌ لعينيك، أي: لا تطمئن إلا لعمله، لماذا؟ لأنه يعملها بقلبه؛ لا يمررها بأي وسيلة، وليس هدفه أن يدحرج المعاملة ويمشيها من عنده ويقول: تخلصنا منها، خذها مني، لا. يحب أن يتقن في عمله المضبوط، هذا إذا جاءت الترقية يرى اسمه؛ لأنه أهل لها، يتعرض للترقيات بالعمل ولا يتعرض لها بالأماني الكاذبة، وأنت إذا كنت تريد الترقية في الجنة، والنجاة من النار، تعرض لذلك بالعمل الصالح، أما أن تعمل السيئات؛ تزني وتسكر وتترك الصلاة، وإذا قيل لك: يا أخي! اتق الله، تقول: الله غفور رحيم. نعم، لكن ليس لك يا أخي، غفور رحيم لمن يعمل الصالحات؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠]. الرحمة والغفران لمن يستحقها، والشدة والعذاب لمن يستحقها، وهؤلاء استحقوها برحمة الله، لقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢]، وبقوله ﵎: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [فاطر:٧]. فقال له: يا أبا حازم! كيف العرض على الله؟ قال: [يا أمير المؤمنين، أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالعبد الآبق يقبض عليه سيده]. وهذا المثل من أعظم ما يقال في هذا الموقف؛ لأن الغائب عن أهله إذا قدم عليهم بعد طول سفر، وقد جمع له مبلغاً من المال وأتى بالهدايا لأمه وأبيه وزوجته، ولإخوانه وأولاده ولأقاربه ولجيرانه، ثم دخل أول ليلة وأرسل لهم برقية بوصوله في ليلة كذا، بالله ما ظنكم فيه تلك الليلة، أليس في غاية السرور والابتهاج، والفرح، لماذا؟ لأن الدنيا كلها فرحت به؛ لأنه جاء بشيء. لكن ما رأيكم بمن جاء وليس معه نقود؛ اغترب ثم عاد مفلساً، مثلما يغترب بعض الناس؛ يعيش كل حياته في القهاوي وعلى الشيش -والعياذ بالله- والدخان والمنكرات ثم لا يأتي بشيء، يقولون له: ذهبت وعدت كما كنت، لا كثر الله خيرك! لماذا ذهبت؟ أمن أجل أن تعيش، أم من أجل أن تحصل على نقود، وتنفع نفس

стр. 379

الأسئلة

стр. 380

مشروعية إتمام الصف الأول فالأول السؤال ما رأيكم فيمن يجلس في الصفوف المتأخرة، ولا يزال في الصف الأول فراغ؟ الجواب هذا يدل على الحرمان -والعياذ بالله- وعلى أن صاحب هذا الفعل لا يحب ولا يحرص على الخير؛ لأن أفضلية الصفوف كما جاء في الحديث: (إن الله يصلي على ميامن الصفوف، والصفوف الأول) وقال في الحديث: (ألا تصفون عند ربكم كما تصف الملائكة عند ربها، قالوا: وكيف تصف؟ قالوا: كانوا يتمون الصفوف الأول فالأول) وفي الحديث أيضاً: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها) ويقول ﵊: (لو تعلم أمتي ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) أي: عندما يدخل اثنان المسجد ويوجد مكان واحد في الصف الأول، وهما قد دخلا معاً، فيقول أحدهما: لا يمكن أن أجعلك تقعد فيه، ويقول الآخر: أنا مثلك، لا تقل: تفضل وأنا سوف أقعد، ولكن نستهم عليه؛ لأن الأجر لا مساومة فيه ولا كرم، أنا أؤثر بحظي من كل شيء إلا العبادات، لكن الناس اليوم إذا دخلوا على العزائم يريدون الصف الأول والسفرة الأولى، لا يريد أن يأكل في السفرة الثانية، لكن حينما يدخل المسجد يجلس في مؤخرته، والصف الأول فارغ، سبحان الله!! هذا خذلان يا أخي، تعال إلى الصف الأول؛ لأنك كلما كنت أقرب إلى الإيمان كلما كنت أقرب إلى الله، وقد قال العلماء: إن الذي يأتي بالروضة في الصف الأول ويمين الصفوف قلبه يخشع أكثر من الصف الثاني، وإن الذي يأتي بالصف الثاني أحسن من الصف الثالث، وكلما كنت أقرب كنت إلى الخشوع أقوى وأقدر إن شاء الله، فلا ينبغي لك -يا أخي المسلم- أن تدخل المسجد إلا بعد أن تأخذ بالصف من طرفه إلى طرفه، أي: تبحث لك عن مكان، لكن لا تزاحم؛ لأن بعض الناس يفهم الأمر بالمقلوب، فيأتي متأخراً فإذا أقيمت الصلاة زاحم الناس ما تريد؟ قال: أريد الصف الأول، هذا كذاب، تريد الصف الأول؟ احضر مبكراً، أما أن تزاحم المسلمين وتتخطى رقاب الناس وتضايقهم تريد الصف الأول، هذا تغشيش، تريد أجراً بغير تقدم، الغرض من حث الناس على المسابقة في الصف الأول هو حثهم ودفعهم إلى المسابقة إلى المساجد، أما أن تجلس في البيت إلى أن تقام الصلاة ثم تأتي تزاحم الناس بعصاتك، تضايق الناس من أجل الصف الأول، أنا أخشى أن الذي يعمل هذا العمل لا يحصل له حتى أجر الصف الأخير بل يأثم بإزعاج المسلمين؛ لأن المسلمين لا يجوز إيذاؤهم، والله يقول: (من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) فلا تؤذ عباد الله بأي أذى، ابحث عن مكان في الصف، فإن وجدت فالحمد لله، وإن لم تجد فاجلس حيث انتهى بك الصف، أما أن تتخطى الرقاب وتضايق المسلمين فهذا ليس مباحاً وليس من الشرع.

стр. 381

وجوب الحكمة في دعوة الآباء إلى الخير السؤال هناك من الشباب من منّ الله عليهم بالهداية لكنهم يخطئون في تعاملهم مع آبائهم الذين يظهر عليهم آثار الفسق، فيهجرونهم ويرمونهم بألفاظ لا تليق مثل: يا فاسق، أرجو توجيه النصيحة لهؤلاء؛ لأنهم كثيرون والله المستعان، وجزاك الله خيراً؟ الجواب سبق أن قلت -أيها الإخوة- في مثل هذه الليلة: إن مسئولية الشاب المهتدي كبيرة إزاء والديه، وعليه أن ينجح أولاً في دعوته، ولا يستعجل ولا يستبق الأحداث، عليه أن يدعوهم إلى الله باللطف وبالحكمة وبالخدمة وبالتفاني في أداء الواجب لهما حتى يهديهم الله، أما أن تحمل عليهما وأن تقول: يا فاسق، وأنت قليل دين، ولا يوجد فيك خير لا. أبداً، هذا ليس أسلوباً، الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ [العنكبوت:٨] يعني: إذا هم جاهدوك ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت:٨] لكن ماذا؟ ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] حق الوالد عظيم جداً عند الله ، مهما كان عاصياً، أو فاسقاً فلا ينبغي لك أن تواجهه بشيء من الشدة، بل عليك أن تتلطف معه، وتدعوه بالحسنى، وتدعو الله له، وتخدمه، وتحبب نفسك إليه حتى يطيعك؛ لأنه إذا أحبك أطاعك، أما إذا بغضته فيك، وتقول له: أنت كذا وكذا، وأنت لا تصلي، ينظر لك هو بمنظار هو نفس منظارك، وتبدأ الجفوة بينك وبينه، وتزداد الهوة، وبالتالي هو أقدر منك وأقوى عليك، ربما يردك عن الدين ويحول بينك وبين الهداية، ولكن أرضه وأطعه في غير معصية الله ، وتودد إليه، وكن خدوماً له، يستجيب لك بإذن الله ، وفي الليل ادع الله له؛ لأن أعظم وسيلة للهداية الدعاء: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠].

стр. 382

حكم الألبسة في الشرع السؤال متى بدأ لبس العقال والغترة بهذه الصفة؟ وهل تعرف العرب ذلك؟ الجواب هناك قاعدة عامة: ليس في الشرع شيء معين من اللباس أي: شيء أوجبه الشرع، البس ما تريد، إذا خلا لبسك من أربعة أشياء: أولاً: ألا يكون حريراً ولا ذهباً. ثانياً: لا يكون فيه تشبه بالنساء. ثالثاً: لا يكون فيه تشبه بالكفار وأعداء الله . رابعاً: لا يكون فيه كبرياء ولا مخيلة ولا غطرسة. وبعدها البس غترة، أو عقالاً، أو ثوباً، أو أي نوع أعجبك، أما البنطال والجاكيت فإن الأصل فيه أنه مختص بالكفرة، وما هو عند المسلمين، لا في مصر ولا سوريا ولا المغرب ولا تونس ولا في أي بلاد المسلمين، لو ذهبت إلى مصر الآن تجد الكبار لا يلبسونه ولا يعرفونه، فهو لباس مستورد ينبغي للمسلم ألا يلبسه، خاصة إذا كان في مثل بيئتنا التي لا تهتم به، لكن لو كان في بيئة مثل بيئة مصر، العرف العام كله بناطيل، فلو لبست بنطالاً وهدفك أنك لا تتشبه بالكفار، فليس فيه شيء، بشرط: أن يكون البنطال واسعاً ليس ضيقاً، ولا (شارلستون) هذا لباس من أعجب العجب، الرجل من تحت يدخل فيها اثنان ومن عند الفخذ محصور بحيث ينزل إلى أسفل الفخذ، الشيء الذي لا ينبغي أن نراه في إخواننا، (الكرفتة) ليست تقليداً إسلامياً إنما تقليداً غربياً، وقد رأيت مرة في أكازيون معلن عنه في جريدة الشرق الأوسط، محل أزياء يبيع بالتخفيضات ويخفض إلى خمسين بالمائة وخمسة وعشرين بالمائة، من ضمنها يقول: (كرفتة إيطالي) كانت بمائتين وعشرين ريالاً، وسعرها مع التخفيض مائة وسبعين ريالاً، حبل أضعه في رقبتي، ثم قرأت في مناسبة ثانية في نفس الجريدة، قال: كرفتة تقتل مليونيراً، ماذا؟ شخص مليونير كانت معه كرفتة وجاء يوم من الأيام إلى مزرعة، وعنده مزرعته في أمريكا، وكان من ضمن المزرعة آلة ماطور تضخ الماء في طريق السيل، فجاء، وكأن السير لف على الكرفتة، ولم يشعر إلا وهو في البئر، فالكرفتة ليس لها داع أبداً، أما إذا لم يكن في هذا شيء فاللباس إن شاء الله أمره واسع بإذن الله .

стр. 383

حكم إطلاق كلمة (مطاوعة) السؤال متى بدأ التحدث بكلمة مطاوعة؟ الجواب لا أعرف تاريخاً لها، وإنما ابتدأها الجهلة الذين يريدون أن يخصصوا ويفصلوا بين الدين والدنيا، فيصفون هذا مطوعاً، أي مؤمن وملتزم، والعاصي ماذا اسمه، بالمنطق وبالمقابلة؟ إذا كان الطائع نسميه مطوعاً، وإذا رأينا عاصياً ماذا نسميه؟ هل نسمية معصي أو معوص، أو معصعص، أي: لم ير الطريق، لا. لا يوجد مطاوعة، يقول أحد الإخوة: الناس كلهم مطاوعة، لكن هناك من يطيع الله، وهناك من يطيع الشيطان، فكل واحد يطيع، لكن من تريد أن تطيع؛ إذا كنت تريد أن تطيع ربك فأنت من المؤمنين، وإن كنت تريد أن تطيع الشيطان فأنت من المنافقين والعياذ بالله.

стр. 384

حكم لبس الغترة في الصلاة السؤال هل الغترة تعتبر من مكروهات الصلاة؟ الجواب لا. ليست كذلك، يقول الشيخ عبد العزيز بن باز: إذا كنت تصلي وغترتك هكذا فهو الأسلم لحديث النبي ﷺ : (أنه كان لا يكف شعراً ولا بشراً ولا ثوباً) كان إذا سجد لا يرفع شيئاً فاسجد هكذا ولا عليك شيء إن شاء الله. صحيح أن العقال يكثر فيه الحركة إذا وقع؛ لأن بعضهم يضع العقال قبل الصلاة، ويضبطه، وإذا سقط أخذه، وضبطه، ويسقط ويأخذه يعني: ليس لديه شغل إلا عقاله، والصحيح إذا سقط العقال اتركه إلى آخر الصلاة، ولم تلبس العقال؟ لا داعي للبسه؛ لأن العقال يلبسه الناس من أجل أنه يضبط الغترة، فإذا كانت غترتك تنضبط فلا داعي له. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 385

لهم دار السلام عند ربهم في هذه المادة يتحدث الشيخ حفظه الله عن آيات الترغيب والترهيب، ذاكراً الجنة وترغيب الله فيها مع الحث على المسارعة للفوز بأعلى درجاتها، متبعاً ذلك بإيراد أوصافها، وما أعد الله فيها من النعيم لأهلها بشيء من التفصيل.

стр. 386

الترغيب بذكر الجنة ونعيمها الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أيها الإخوة في الله! هذا الدرس ضمن سلسلة تأملات قرآنية في سورة الأنعام، يلقى بعد مغرب يوم السبت الموافق للثامن والعشرين من شهر ذي الحجة سنة (١٤١٥هـ) على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وذلك بمدينة جدة بمسجد كيلو١٢، عنوان هذا الدرس: لهم دار السلام عند ربهم. ودار السلام هي الجنة -جعلنا الله وإياكم من روادها ومن أهلها- وسماها الله دار السلام؛ لأنها سلمت من كل آفة ومن كل خلل ونقص، والسلام بمفهومه الشامل: السلامة من الموت، والسلامة من المرض، والسلامة من الفقر والهرم، والسلامة من الهم، والسلامة من التعب والنصب، والسلامة من كل آفة وعلة، وتوفر كل نعمة: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] إنها الجنة! نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا وإياكم من أهلها. وقد كان الدرس الماضي عن النار -أعاذنا وإياكم منها- وهو بعنوان: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) وذكرنا ما ذكره الله في كتابه، وما ذكره رسوله ﷺ في سنته من بيان وتوضيح للنار، وما أعد الله فيها من النكال والعذاب الذي لا يتصوره عقل ولا يخطر على قلب بشر، ولما كان القرآن مثاني -هذا أسلوب القرآن- إذا جاء بذكر النار عقب بذكر الجنة؛ لأن النفوس لا تمشي إلا بالسوْق وأيضاً بالحدو، السوْق: سوط في ظهورها، والحدو: صوت يهيجها، مثل الإبل، فهناك إبل إذا قام الحادي يعطي لها أصواتاً؛ ترنمت ونشطت وهملجت وقطعت الأرض، وهناك إبل مريضة لا تمشي إلا بالسوط وإلا بركت. وإن من الناس من يهيجه ذكر الجنة، فإذا سمع بما فيها نشط، ومنهم من يزعجه ذكر النار فإذا سمع بما فيها نشط في العبادة، ومن الناس -وهم غالب البشر- من يهيجه ذكر الجنة وأيضاً يزعجه ذكر النار على السواء، وهذا ملاحظ إذا قرأت القرآن، فإنك لا تجد الله ﵎ يخوف عباده من النار إلا ويبشرهم بالجنة، فجاء القرآن الكريم بذكر الجنة ثم بذكر النار، أو ذكر النار بداية، وفي الغالب أن الله يذكر النار دائماً باستمرار قبل الجنة، ويقول العلماء: إن في هذا سراً، وهو أن القلوب الغافلة لا يزعجها إلا الألم، فإذا انتبهت وصار عندها خوف جاء الأمل بذكر الجنة وما أعد الله لأهلها. وهذه الجنة أيها الأحبة جاء ذكرها في سورة الأنعام، يقول الله للرسول ﷺ : ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً﴾ [الأنعام:١٢٦] أي: هذا الدين، هذا القرآن، هذا الإسلام، هذا صراط الله، هذا الكتاب الكريم، هذه السنّة المطهرة، هذا الرسول الكريم، صراط وطريق واضح: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنعام:١٢٦] فصّل الله الآيات، وبين الله الأمر وأقام الحجة، لكن لمن؟ ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنعام:١٢٦] لقوم عندهم عقول وذاكرة وأفهام وألباب، أما الغافلون المغطى عليهم، أما المخمورون المخدوعون، فإنه لا يزعجهم سوى النار، فإذا وقعوا في النار قالوا: يا ليتنا نرد، ولكن لم يعد هناك مرد، انتهى الأمر، فليس هناك إلا النار. أما الذين يذَّكرون وتزعجهم قوارع القرآن، فقد قال الله وهو يطمئنهم: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام:١٢٦ - ١٢٧] ليس فقط دار السلام، وإنما عند ربهم، وتصور عندما تكون عند ربك، ربك الذي رحمك، ربك الذي خلقك ورزقك، ربك الذي هداك وسددك، ثم لما مِت وأنت على دينه أحبك وأكرمك وقربك وأدخلك جنته، ولهذا تقول امرأة فرعون آسية بنت مزاحم وهي تدعو الله: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ﴾ [التحريم:١١] لا تريد بيتاً في الجنة فقط بل تقول: عندك يا رب! يقولون: سألت الجار قبل الدار: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١] لأن بيتاً ليس عند الله لا يصلح، ونعيماً وسلاماً ليس عند الله لا يصلح، والله يقول: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ [الأنعام:١٢٧] وهذا شرف لهم فوليهم الله، ومن كان الله وليه فلا يخاف ظلماً ولا هضماً، بسبب ماذا؟ قال الله: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٢٧]. ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ [الأنعام:١٢٧] بسبب ماذا؟ هل لأن لهم جنسية معينة؟ أم لأن لهم أرصدة في البنوك كثيرة؟ أم لأن عندهم شهادات عالية؟ أم لأن لهم مقاماً رفيعاً في المجتمع، أم لأن لهم رتباً أو مناصب أو جاهاً أو سلطاناً؟ لا. فهذا في الدنيا فقط، لكن في الجنة: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٢٧] أي: بسبب ما كانوا يعملون من عمل صالح بوأهم الله هذه المنزلة وأحلهم هذه الدرجة، فلهم دار السلام التي سلمت من كل آفة، وعند ربهم، والله وليهم.

стр. 387

الحث على المسارعة والمسابقة إلى الجنان أيها الإخوة: هذه الجنة هي دار النعيم، أعدها الله لعباده المؤمنين المتقين الأبرار جزاء إيمانهم الصادق وعملهم الصالح في هذه الدار، وجزاء تركهم للمعاصي والذنوب والسيئات، قال : ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] ويقول : ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً﴾ [مريم:٦٣] أما الفاجر لا يرث إلا النار، ويقول : ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [المطففين:٢٢] أبرار جمع بَر، والرجل البَر هو الرجل الصالح، رجلٌ بَرٌ تقي ليس بفاجر ولا شقي: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤] ويقول : ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ [الإنسان:١٢] صبروا على طاعة الله، وصبروا عن معصية الله، وصبروا على أقدار الله المؤلمة، أما الذي لا يصبر على الطاعة، لا يفلح فالصلاة فيها مشقة، صلاة الفجر في المسجد فيها نوع من التعب، لكنه لم يصبر، يريد أن ينام، ولم يصبر عن معصية الله؛ لأن المعاصي محببة، والشهوات مطلوبة عند النفس، لكنه لم يستطع أن يصبر، لم يصبر عن الغناء، ولم يصبر عن الزنا، ولم يصبر عن الربا، ولم يصبر عن الحرام -والعياذ بالله- فهذا لم ينجح ولن ينجح. ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الإنسان:١٢] جزاهم بسبب صبرهم: ﴿جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ [الإنسان:١٢] ثم بعد ذلك رغب الله الناس وشوق الله الناس، فكان يكفي في القرآن الكريم أن يقول الله: من أطاعني فله الجنة ومن عصاني فله النار، ويبين لنا ما في الجنة من شيء، لكن القرآن مملوء من أوله إلى آخره بالترغيب والتشويق والتنويع والتفصيل لما أعد الله في الجنة لعباده المؤمنين من أجل تشويق النفوس وجذبها إلى هذه الجنة العالية، يقول الله : ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١] اللهم إنا نسألك من فضلك يا رب العالمين! (سابقوا) إلى ماذا؟ إلى جنة. كم هي مساحتها؟ عرضها كعرض السماء والأرض. أعدت وهيئت لمن؟ للذين آمنوا بالله ورسله. بعد ذلك قال الله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢١] ذلك الفضل العظيم يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ثم قال في سورة آل عمران: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] لما أمر الله بالسير إلى الجنة أمر بالمسارعة والمسابقة والفرار، فقال في سورة الحديد: ﴿سَابِقُوا﴾ [الحديد:٢١] وقال في سورة آل عمران: ﴿سَارِعُوا﴾ [آل عمران:١٣٣] وقال في سورة الذاريات: ﴿فَفِرُّوا﴾ [الذاريات:٥٠] كلها إلى الله، ولما أمرنا الله بالسير في الدنيا والمعيشة قال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥] امشوا على مهلكم، وكلوا من رزقه، ليس من رزقكم، والله إن أسرعت أو أبطأت لن تأكل إلا رزقك، وفي الحديث يقول ﵊: (من أصبح والدنيا همه) مفتوح قلبه على الدنيا -والعياذ بالله- مثل جهنم: ﴿هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] طالب الدنيا مثل شارب البحر، كلما زاد شربه زاد عطشه: (لو أن لابن آدم واديان من ذهب لتمنى الثالث، ولا يملأ جوفه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب). يقول ﵊: (من أصبح والدنيا همه فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه) الملايين في (البنك) لكنه لا يرى إلا الفقر، لا يرى الأرصدة ولا يرى العمارات ولا يرى السيارات، لا يرى إلا الفقر! وإذا رأيته تراه ملهوفاً كمثل الكلب إن تتركه يلهث أو تحمل عليه يلهث، تسأله: ماذا عندك؟ قال: والله الأمور صعبة، والسيولة منعدمة هذه الأيام، والأحوال متأزمة، كأنه لا يملك عشاء ليلته، لماذا؟ لأنه لا يرى إلا الفقر بين عينيه: (وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له). (ومن أصبح والآخرة همه) في قلبه مثل النار مما أمامه من الأهوال والأخبار، همه القبر والحشر، همه الجنة كيف يدخلها، همه النار كيف ينجو منها، كيف صلى، كيف صام، كيف تصدق، كيف ربى ولده، كيف حفظ زوجته، كيف بنى دينه، كيف حمى عقيدته، كيف دعا إلى دينه، هذا الذي همه الآخرة، قال: (ومن أصبح والآخرة همه جمع الله له شمله -أموره المتفرقة يجمعها الله له- وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة) هو لا يفكر فيها لكن تأتيه، وليس من شأن المسلم أن يرفض الدنيا إذا جاءته فلا يرفضها، بل يأخذها ويسخرها في طاعة الله؛ لأن الدنيا مثل الدابة إما أن تركب عليها أو تركب عليك، فإن كنت مؤمناً ركبت عليها، وذهبت بها إلى الله، وإن كنت فاجراً ركبت عليك وجعلتك حماراً لها تذهب بك إلى النار، فكن راكباً على دنياك، ولا تكن مركوباً لها. فالله أمرنا أن نسارع وأن نسابق إلى الجنة، وأما الدنيا فأمرنا أن نسير وأن نمشي فيها، ولكن هل الناس -أيها الإخوة- واقعيون مع هذه الآيات في حياتهم، أم أنهم يلهثون ويسارعون بل ويقتحمون ويقتتلون على الدنيا؟ وأما الآخرة فقليل من يسير في طريقها، وإذا أراد طريقها فإنه لا يسرع وإنما يمشي، وبعضهم يعثر وبعضهم لم يمش خطوة واحدة في طريق الله، وهو يسارع بكل أسلوب بالليل والنهار، وبكل تفكير واهتمام في الدنيا، أما إذا جاءت الصلاة والدين فإنه يعثر الخطا. فهذا لم يعرف الله ولم يعرف دينه، وهو خاسر وسوف يعض أصابع الندم ولكن حين لا ينفع الندم.

стр. 388

حقيقة الجنة وبعض صفاتها أخي الكريم: اعلم -كمقدمة- أن الجنة فوق ما تقرأ وما تسمع وما تتصور، وأعظم مما يخطر في بالك؛ لأن الإدراك لا يمكن أن يحيط بما في الجنة، والله يقول: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ [السجدة:١٧] لا تعلم ما أعدّ لك في الجنة؟ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] تصور الآن حين يقال لك: إن زوجتك في الجنة حورية، تصور بكل خيالك جمال هذه الحورية! اذهب بخيالك إلى كل مذهب وتصور كل تصور للجمال ثم سيقف تصورك ولا يمكن أن يصل إلى تصور ما أعد الله لك من الحور العين؛ لأن الله يقول: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]. يقول ابن عباس ﵁ في تفسير قول الله : ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥] قال: [لا يشبه شيء مما في الجنة مما في الدنيا إلا في الأسماء] التشابه فقط في الأسماء، يعني: يوجد خمر في الدنيا، لكن هل خمر الجنة مثل هذا؟ لا. ويوجد لبن في الدنيا، لكن هل لبن الجنة مثل هذا؟ لا. وتوجد نساء في الدنيا، لكن هل حور الجنة مثل نساء الدنيا؟ لا. قصور الجنة، أنهار الجنة، ولدان الجنة، طعام الجنة، لباس الجنة، شراب الجنة، كل ما في الدنيا لا يمكن أن يساوي ما في الجنة إلا في الأسماء فقط، أما في الحقائق والكيفيات فقد نفى الله ذلك، يقول ﵊ فيما يرويه الإمامان البخاري ومسلم في الصحيحين، قال الله : (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]).

стр. 389

عدد الجنان ومراتبها وتفاضلها اعلم يا أخي في الله! أن الجنة ليست جنة واحدة وإنما هي جنان، ذكر الله في القرآن أربع جنان، وقيل: إنها ثمان، قال الله : ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٢١] كما أن في الجنة من التفاضل في المنازل ما ذكره الرسول ﷺ فيما رواه الترمذي بسند صحيح عن عبادة بن الصامت ﵁: قال ﷺ : (في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجة ودرجة كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلى درجة في الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة، ومن فوقها العرش، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى) اللهم إنا نسألك الفردوس من الجنة. ويروي البخاري ومسلم عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق). فأهل الجنة وهم في الجنة يرون أهل الغرف العالية مثلما نرى نحن النجوم التي في أعلى السماء، وذلك من تفاوت ما بينهم في الدرجات، وأعلى الجنان الفردوس، ثم عدن، ثم الخلد، ثم المأوى، وهذه هي الجنان الأربع قد بينها الله في سورة الرحمن، يقول الله ﵎: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] ووصف ما فيهما من الأنهار فقال بعدما وصفها: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٤٨ - ٥٨] تصور زوجتك ياقوتة وأخرى مرجانة تمشي أمامك، كيف تتصور امرأة من ياقوت، هل لك أن تتصور هذا في الدنيا؟ لا يمكن. لكن نسأل الله أن يجعلنا نراهن حقيقة في جنته ومستقر رحمته، وأن نتمتع بهن في الجنة. وهذه لا تأتي -يا إخواني- إلا بتعب دائم، فالسلعة الغالية لا أحد ينالها إلا بتعب: (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) فالجنة لا تنالها الهمم الضعيفة: يا سلعة الرحمن لست رخيصة بل أنت غالية على الكسلان يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحد لا اثنان يا سلعة الرحمن كيف تصبّر الـ خطاب عنك وهم ذووا إيمان يا سلعة الرحمن سوقك كاسد بين الأراذل سفلة الحيوان يا سلعة الرحمن لولا أنها حجبت بكل مكاره الإنسان ما كان عنها قط من متخلف وتعطل دار الجزاء الثاني لكنها حجبت بكل كريهة ليصد عنها المبطل المتواني وتنالها الهمم التي ترنو إلى رب العلا في طاعة الرحمن هذه الجنة العالية يقول الله فيها بعد ذلك: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] وبعد ذلك ذكرها ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٢] يعني: أقل من هذه الاثنتين جنتان: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٦٣] فما نوعهما؟ قال: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٤] بينما قال في الأخرى: ﴿ذَوَاتَى أَفْنَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٨ - ٤٩] ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن:٦٦] وقال في الأخرى ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ [الرحمن:٥٠] والعين الجارية ليست كالعين التي تنبع وهي في مكانها لا تجري، والعين الجارية أفضل. وبعد ذلك قال في الفاكهة: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن:٦٨] أما في الأخرى فقال: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن:٥٢] وبعد ذلك لما جاء عند الحوريات قال: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٠ - ٧٢] أما في الأخرى فقال: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ﴾ [الرحمن:٥٦] يقول ابن القيم: فرق بين القاصرة والمقصورة، فالقاصرة قصرت نفسها، والمقصورة جبرت على قصر نفسها: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٧٤] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن:٧٦] ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]. روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (جنتان من فضة آنيتهما من فضة وما فيهما من فضة، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما من ذهب، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن).

стр. 390

أبواب الجنة للجنة -أيها الإخوة- ثمانية أبواب، وسعة هذه الأبواب ما بين المصراعين مسيرة أربعين عاماً -وهذا الأمل يفتح لها قلوبنا إن شاء الله، ونسأل الله أن نكون من المزاحمين على هذه الأبواب- المسافة بين المصراعين مسيرة أربعين عاماً يقول في الحديث: (وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام) اللهم اجعلنا ممن يزاحم على هذا الباب يا رب العالمين! يا أخي! يا أيها الملتزم! يا أيها المستقيم! لا تتصور أنك أنت المستقيم لوحدك، فهناك ملايين البشر ساروا في طريق الله، فلست لوحدك بل معك ملايين من البشر، فاسلك سبيل الصالحين ولا تغتر بقلة السالكين، واحذر طريق الهالكين ولا تنخدع بكثرة الهالكين، فإن العبرة بمن نجا، كيف نجا وليست العبرة بمن هلك كيف هلك؛ لأن دواعي الهلكة كثيرة، أما دواعي النجاة قليلة، والناس من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى جهنم وواحد إلى الجنة، جاء في الحديث الصحيح: (يقول الله: يا آدم! قال: لبيك ربِ وسعديك، قال: أخرج بعث الجنة من بعث النار، قال: ربِ! وكم بعث الجنة؟ قال: من كل ألف واحد، وتسعمائة وتسعة وتسعون إلى جهنم) فمتى تأتي هل في المائة الأولى أم المائة الثانية أم الثالثة أم الرابعة؟ لا إله إلا الله! باب من هذه الأبواب الثمانية، مخصص لأمة محمد ﷺ ، وبقية الأبواب لسائر الأمم ويشارك فيها أمة محمد ﷺ ، يعني: أمة محمد ﷺ لهم باب خاص لا يدخل فيه شخص من الأمم الثانية، لكن أمة محمد يدخلون من هذا الباب ويدخلون من الأبواب كلها، وهذا من فضل الله على هذه الأمة. وهذه الأبواب كل منها مخصص لعمل خاص، ففيها باب للصائمين يسمى باب الريان، وفيها باب للمصلين يسمى باب الصلاة، وفيها باب للمتصدقين يسمى باب الصدقة، وفيها باب للبارين بوالديهم يسمى باب البررة، يعني: إنسان ليس عنده كثير عمل صالح لكنه بار بوالديه، فيدخله الله الجنة من هذا الباب، وآخر متخصص في الصدقة، لا يصلي كثيراً، يصلي الفرائض فقط، لكن يده تبذل بالصدقة والخير، فيدخل من باب الصدقة، وآخر متخصص في الصلاة، يصوم الفريضة ويتصدق بالفريضة ولكن في الصلاة لا تراه إلا مصلياً، فيدخل من باب الصلاة، وآخر متخصص في الصيام، يصلي الفريضة ولا يستطيع أن ينفق فلا يملك مالاً، لكنه دائماً يصوم فيدخل من باب الصائمين، وشخص متخصص في الحج لا تفوته حجة، بينما لا يقوم الليل، ولا يكثر من صيام النوافل، ولا يتصدق كثيراً، لكن إذا جاء الحج شد رحله وحج، وهذا يدخل من باب الحج ومن باب العمرة. ومن الناس من يدخل من كل الأبواب، أي نعم. وهذا قليل في الأمة، ذكر الرسول ﷺ واحداً منهم وهو: أبو بكر الصديق ﵁، فقد كان يسبق في كل باب، إن جئت إلى باب الصدقة وإذا به الأول، وإن جئت إلى باب الجهاد وإذا به الأول، وإن جئت إلى باب الصلاة وإذا به الأول، وإن جئت إلى باب الصيام وإذا به الأول، ولهذا سأل النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! أعلى أحد أن يدعى من هذه الأبواب كلها؟ قال: نعم. وأنت منهم يا أبا بكر!) وهذا شرف كبير -يا أخي- أن تكون لك خيارات عديدة، فلا تقول: أنا والله متخصص في الصلاة، بل افرض أن الصلاة لم تقبل منك، وإذا بك ضائع، لا. تخصص في الصلاة وتخصص في الصيام، وأكثر من الحج، وأكثر من ذكر الله، وأكثر من الدعوة إلى الله، وسابق في كل خير، والله ﵎ يقول: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]. روى مسلم وأصحاب السنن عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ -والحديث صحيح في صحيح مسلم، حديث عظيم وفضله كبير جداً، والعمل فيه بسيط-: (ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) ما أعظم هذا الفضل! وورد في رواية أخرى ليست في الصحيح، وهي في السنن: (اللهم اجعلنا من التوابين المتطهرين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون).
следующие страницы →