← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الترغيب بذكر الجنة ونعيمها الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أيها الإخوة في الله! هذا الدرس ضمن سلسلة تأملات قرآنية في سورة الأنعام، يلقى بعد مغرب يوم السبت الموافق للثامن والعشرين من شهر ذي الحجة سنة (١٤١٥هـ) على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وذلك بمدينة جدة بمسجد كيلو١٢، عنوان هذا الدرس: لهم دار السلام عند ربهم. ودار السلام هي الجنة -جعلنا الله وإياكم من روادها ومن أهلها- وسماها الله دار السلام؛ لأنها سلمت من كل آفة ومن كل خلل ونقص، والسلام بمفهومه الشامل: السلامة من الموت، والسلامة من المرض، والسلامة من الفقر والهرم، والسلامة من الهم، والسلامة من التعب والنصب، والسلامة من كل آفة وعلة، وتوفر كل نعمة: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] إنها الجنة! نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا وإياكم من أهلها. وقد كان الدرس الماضي عن النار -أعاذنا وإياكم منها- وهو بعنوان: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ) وذكرنا ما ذكره الله في كتابه، وما ذكره رسوله ﷺ في سنته من بيان وتوضيح للنار، وما أعد الله فيها من النكال والعذاب الذي لا يتصوره عقل ولا يخطر على قلب بشر، ولما كان القرآن مثاني -هذا أسلوب القرآن- إذا جاء بذكر النار عقب بذكر الجنة؛ لأن النفوس لا تمشي إلا بالسوْق وأيضاً بالحدو، السوْق: سوط في ظهورها، والحدو: صوت يهيجها، مثل الإبل، فهناك إبل إذا قام الحادي يعطي لها أصواتاً؛ ترنمت ونشطت وهملجت وقطعت الأرض، وهناك إبل مريضة لا تمشي إلا بالسوط وإلا بركت. وإن من الناس من يهيجه ذكر الجنة، فإذا سمع بما فيها نشط، ومنهم من يزعجه ذكر النار فإذا سمع بما فيها نشط في العبادة، ومن الناس -وهم غالب البشر- من يهيجه ذكر الجنة وأيضاً يزعجه ذكر النار على السواء، وهذا ملاحظ إذا قرأت القرآن، فإنك لا تجد الله ﵎ يخوف عباده من النار إلا ويبشرهم بالجنة، فجاء القرآن الكريم بذكر الجنة ثم بذكر النار، أو ذكر النار بداية، وفي الغالب أن الله يذكر النار دائماً باستمرار قبل الجنة، ويقول العلماء: إن في هذا سراً، وهو أن القلوب الغافلة لا يزعجها إلا الألم، فإذا انتبهت وصار عندها خوف جاء الأمل بذكر الجنة وما أعد الله لأهلها. وهذه الجنة أيها الأحبة جاء ذكرها في سورة الأنعام، يقول الله للرسول ﷺ : ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً﴾ [الأنعام:١٢٦] أي: هذا الدين، هذا القرآن، هذا الإسلام، هذا صراط الله، هذا الكتاب الكريم، هذه السنّة المطهرة، هذا الرسول الكريم، صراط وطريق واضح: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنعام:١٢٦] فصّل الله الآيات، وبين الله الأمر وأقام الحجة، لكن لمن؟ ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنعام:١٢٦] لقوم عندهم عقول وذاكرة وأفهام وألباب، أما الغافلون المغطى عليهم، أما المخمورون المخدوعون، فإنه لا يزعجهم سوى النار، فإذا وقعوا في النار قالوا: يا ليتنا نرد، ولكن لم يعد هناك مرد، انتهى الأمر، فليس هناك إلا النار. أما الذين يذَّكرون وتزعجهم قوارع القرآن، فقد قال الله وهو يطمئنهم: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام:١٢٦ - ١٢٧] ليس فقط دار السلام، وإنما عند ربهم، وتصور عندما تكون عند ربك، ربك الذي رحمك، ربك الذي خلقك ورزقك، ربك الذي هداك وسددك، ثم لما مِت وأنت على دينه أحبك وأكرمك وقربك وأدخلك جنته، ولهذا تقول امرأة فرعون آسية بنت مزاحم وهي تدعو الله: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ﴾ [التحريم:١١] لا تريد بيتاً في الجنة فقط بل تقول: عندك يا رب! يقولون: سألت الجار قبل الدار: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم:١١] لأن بيتاً ليس عند الله لا يصلح، ونعيماً وسلاماً ليس عند الله لا يصلح، والله يقول: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ [الأنعام:١٢٧] وهذا شرف لهم فوليهم الله، ومن كان الله وليه فلا يخاف ظلماً ولا هضماً، بسبب ماذا؟ قال الله: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٢٧]. ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ [الأنعام:١٢٧] بسبب ماذا؟ هل لأن لهم جنسية معينة؟ أم لأن لهم أرصدة في البنوك كثيرة؟ أم لأن عندهم شهادات عالية؟ أم لأن لهم مقاماً رفيعاً في المجتمع، أم لأن لهم رتباً أو مناصب أو جاهاً أو سلطاناً؟ لا. فهذا في الدنيا فقط، لكن في الجنة: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:١٢٧] أي: بسبب ما كانوا يعملون من عمل صالح بوأهم الله هذه المنزلة وأحلهم هذه الدرجة، فلهم دار السلام التي سلمت من كل آفة، وعند ربهم، والله وليهم.

стр. 387

الحث على المسارعة والمسابقة إلى الجنان أيها الإخوة: هذه الجنة هي دار النعيم، أعدها الله لعباده المؤمنين المتقين الأبرار جزاء إيمانهم الصادق وعملهم الصالح في هذه الدار، وجزاء تركهم للمعاصي والذنوب والسيئات، قال : ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] ويقول : ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً﴾ [مريم:٦٣] أما الفاجر لا يرث إلا النار، ويقول : ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [المطففين:٢٢] أبرار جمع بَر، والرجل البَر هو الرجل الصالح، رجلٌ بَرٌ تقي ليس بفاجر ولا شقي: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤] ويقول : ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ [الإنسان:١٢] صبروا على طاعة الله، وصبروا عن معصية الله، وصبروا على أقدار الله المؤلمة، أما الذي لا يصبر على الطاعة، لا يفلح فالصلاة فيها مشقة، صلاة الفجر في المسجد فيها نوع من التعب، لكنه لم يصبر، يريد أن ينام، ولم يصبر عن معصية الله؛ لأن المعاصي محببة، والشهوات مطلوبة عند النفس، لكنه لم يستطع أن يصبر، لم يصبر عن الغناء، ولم يصبر عن الزنا، ولم يصبر عن الربا، ولم يصبر عن الحرام -والعياذ بالله- فهذا لم ينجح ولن ينجح. ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الإنسان:١٢] جزاهم بسبب صبرهم: ﴿جَنَّةً وَحَرِيراً﴾ [الإنسان:١٢] ثم بعد ذلك رغب الله الناس وشوق الله الناس، فكان يكفي في القرآن الكريم أن يقول الله: من أطاعني فله الجنة ومن عصاني فله النار، ويبين لنا ما في الجنة من شيء، لكن القرآن مملوء من أوله إلى آخره بالترغيب والتشويق والتنويع والتفصيل لما أعد الله في الجنة لعباده المؤمنين من أجل تشويق النفوس وجذبها إلى هذه الجنة العالية، يقول الله : ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١] اللهم إنا نسألك من فضلك يا رب العالمين! (سابقوا) إلى ماذا؟ إلى جنة. كم هي مساحتها؟ عرضها كعرض السماء والأرض. أعدت وهيئت لمن؟ للذين آمنوا بالله ورسله. بعد ذلك قال الله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾ [الحديد:٢١] ذلك الفضل العظيم يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ثم قال في سورة آل عمران: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] لما أمر الله بالسير إلى الجنة أمر بالمسارعة والمسابقة والفرار، فقال في سورة الحديد: ﴿سَابِقُوا﴾ [الحديد:٢١] وقال في سورة آل عمران: ﴿سَارِعُوا﴾ [آل عمران:١٣٣] وقال في سورة الذاريات: ﴿فَفِرُّوا﴾ [الذاريات:٥٠] كلها إلى الله، ولما أمرنا الله بالسير في الدنيا والمعيشة قال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥] امشوا على مهلكم، وكلوا من رزقه، ليس من رزقكم، والله إن أسرعت أو أبطأت لن تأكل إلا رزقك، وفي الحديث يقول ﵊: (من أصبح والدنيا همه) مفتوح قلبه على الدنيا -والعياذ بالله- مثل جهنم: ﴿هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] طالب الدنيا مثل شارب البحر، كلما زاد شربه زاد عطشه: (لو أن لابن آدم واديان من ذهب لتمنى الثالث، ولا يملأ جوفه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب). يقول ﵊: (من أصبح والدنيا همه فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه) الملايين في (البنك) لكنه لا يرى إلا الفقر، لا يرى الأرصدة ولا يرى العمارات ولا يرى السيارات، لا يرى إلا الفقر! وإذا رأيته تراه ملهوفاً كمثل الكلب إن تتركه يلهث أو تحمل عليه يلهث، تسأله: ماذا عندك؟ قال: والله الأمور صعبة، والسيولة منعدمة هذه الأيام، والأحوال متأزمة، كأنه لا يملك عشاء ليلته، لماذا؟ لأنه لا يرى إلا الفقر بين عينيه: (وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له). (ومن أصبح والآخرة همه) في قلبه مثل النار مما أمامه من الأهوال والأخبار، همه القبر والحشر، همه الجنة كيف يدخلها، همه النار كيف ينجو منها، كيف صلى، كيف صام، كيف تصدق، كيف ربى ولده، كيف حفظ زوجته، كيف بنى دينه، كيف حمى عقيدته، كيف دعا إلى دينه، هذا الذي همه الآخرة، قال: (ومن أصبح والآخرة همه جمع الله له شمله -أموره المتفرقة يجمعها الله له- وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة) هو لا يفكر فيها لكن تأتيه، وليس من شأن المسلم أن يرفض الدنيا إذا جاءته فلا يرفضها، بل يأخذها ويسخرها في طاعة الله؛ لأن الدنيا مثل الدابة إما أن تركب عليها أو تركب عليك، فإن كنت مؤمناً ركبت عليها، وذهبت بها إلى الله، وإن كنت فاجراً ركبت عليك وجعلتك حماراً لها تذهب بك إلى النار، فكن راكباً على دنياك، ولا تكن مركوباً لها. فالله أمرنا أن نسارع وأن نسابق إلى الجنة، وأما الدنيا فأمرنا أن نسير وأن نمشي فيها، ولكن هل الناس -أيها الإخوة- واقعيون مع هذه الآيات في حياتهم، أم أنهم يلهثون ويسارعون بل ويقتحمون ويقتتلون على الدنيا؟ وأما الآخرة فقليل من يسير في طريقها، وإذا أراد طريقها فإنه لا يسرع وإنما يمشي، وبعضهم يعثر وبعضهم لم يمش خطوة واحدة في طريق الله، وهو يسارع بكل أسلوب بالليل والنهار، وبكل تفكير واهتمام في الدنيا، أما إذا جاءت الصلاة والدين فإنه يعثر الخطا. فهذا لم يعرف الله ولم يعرف دينه، وهو خاسر وسوف يعض أصابع الندم ولكن حين لا ينفع الندم.

стр. 388

حقيقة الجنة وبعض صفاتها أخي الكريم: اعلم -كمقدمة- أن الجنة فوق ما تقرأ وما تسمع وما تتصور، وأعظم مما يخطر في بالك؛ لأن الإدراك لا يمكن أن يحيط بما في الجنة، والله يقول: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ [السجدة:١٧] لا تعلم ما أعدّ لك في الجنة؟ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] تصور الآن حين يقال لك: إن زوجتك في الجنة حورية، تصور بكل خيالك جمال هذه الحورية! اذهب بخيالك إلى كل مذهب وتصور كل تصور للجمال ثم سيقف تصورك ولا يمكن أن يصل إلى تصور ما أعد الله لك من الحور العين؛ لأن الله يقول: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]. يقول ابن عباس ﵁ في تفسير قول الله : ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥] قال: [لا يشبه شيء مما في الجنة مما في الدنيا إلا في الأسماء] التشابه فقط في الأسماء، يعني: يوجد خمر في الدنيا، لكن هل خمر الجنة مثل هذا؟ لا. ويوجد لبن في الدنيا، لكن هل لبن الجنة مثل هذا؟ لا. وتوجد نساء في الدنيا، لكن هل حور الجنة مثل نساء الدنيا؟ لا. قصور الجنة، أنهار الجنة، ولدان الجنة، طعام الجنة، لباس الجنة، شراب الجنة، كل ما في الدنيا لا يمكن أن يساوي ما في الجنة إلا في الأسماء فقط، أما في الحقائق والكيفيات فقد نفى الله ذلك، يقول ﵊ فيما يرويه الإمامان البخاري ومسلم في الصحيحين، قال الله : (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]).

стр. 389

عدد الجنان ومراتبها وتفاضلها اعلم يا أخي في الله! أن الجنة ليست جنة واحدة وإنما هي جنان، ذكر الله في القرآن أربع جنان، وقيل: إنها ثمان، قال الله : ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٢١] كما أن في الجنة من التفاضل في المنازل ما ذكره الرسول ﷺ فيما رواه الترمذي بسند صحيح عن عبادة بن الصامت ﵁: قال ﷺ : (في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجة ودرجة كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلى درجة في الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة، ومن فوقها العرش، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى) اللهم إنا نسألك الفردوس من الجنة. ويروي البخاري ومسلم عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق). فأهل الجنة وهم في الجنة يرون أهل الغرف العالية مثلما نرى نحن النجوم التي في أعلى السماء، وذلك من تفاوت ما بينهم في الدرجات، وأعلى الجنان الفردوس، ثم عدن، ثم الخلد، ثم المأوى، وهذه هي الجنان الأربع قد بينها الله في سورة الرحمن، يقول الله ﵎: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] ووصف ما فيهما من الأنهار فقال بعدما وصفها: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٤٨ - ٥٨] تصور زوجتك ياقوتة وأخرى مرجانة تمشي أمامك، كيف تتصور امرأة من ياقوت، هل لك أن تتصور هذا في الدنيا؟ لا يمكن. لكن نسأل الله أن يجعلنا نراهن حقيقة في جنته ومستقر رحمته، وأن نتمتع بهن في الجنة. وهذه لا تأتي -يا إخواني- إلا بتعب دائم، فالسلعة الغالية لا أحد ينالها إلا بتعب: (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) فالجنة لا تنالها الهمم الضعيفة: يا سلعة الرحمن لست رخيصة بل أنت غالية على الكسلان يا سلعة الرحمن ليس ينالها في الألف إلا واحد لا اثنان يا سلعة الرحمن كيف تصبّر الـ خطاب عنك وهم ذووا إيمان يا سلعة الرحمن سوقك كاسد بين الأراذل سفلة الحيوان يا سلعة الرحمن لولا أنها حجبت بكل مكاره الإنسان ما كان عنها قط من متخلف وتعطل دار الجزاء الثاني لكنها حجبت بكل كريهة ليصد عنها المبطل المتواني وتنالها الهمم التي ترنو إلى رب العلا في طاعة الرحمن هذه الجنة العالية يقول الله فيها بعد ذلك: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] وبعد ذلك ذكرها ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٢] يعني: أقل من هذه الاثنتين جنتان: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٦٣] فما نوعهما؟ قال: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن:٦٤] بينما قال في الأخرى: ﴿ذَوَاتَى أَفْنَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٤٨ - ٤٩] ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن:٦٦] وقال في الأخرى ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ [الرحمن:٥٠] والعين الجارية ليست كالعين التي تنبع وهي في مكانها لا تجري، والعين الجارية أفضل. وبعد ذلك قال في الفاكهة: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن:٦٨] أما في الأخرى فقال: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن:٥٢] وبعد ذلك لما جاء عند الحوريات قال: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٠ - ٧٢] أما في الأخرى فقال: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ﴾ [الرحمن:٥٦] يقول ابن القيم: فرق بين القاصرة والمقصورة، فالقاصرة قصرت نفسها، والمقصورة جبرت على قصر نفسها: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٧٤] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن:٧٦] ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]. روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (جنتان من فضة آنيتهما من فضة وما فيهما من فضة، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما من ذهب، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن).

стр. 390

أبواب الجنة للجنة -أيها الإخوة- ثمانية أبواب، وسعة هذه الأبواب ما بين المصراعين مسيرة أربعين عاماً -وهذا الأمل يفتح لها قلوبنا إن شاء الله، ونسأل الله أن نكون من المزاحمين على هذه الأبواب- المسافة بين المصراعين مسيرة أربعين عاماً يقول في الحديث: (وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام) اللهم اجعلنا ممن يزاحم على هذا الباب يا رب العالمين! يا أخي! يا أيها الملتزم! يا أيها المستقيم! لا تتصور أنك أنت المستقيم لوحدك، فهناك ملايين البشر ساروا في طريق الله، فلست لوحدك بل معك ملايين من البشر، فاسلك سبيل الصالحين ولا تغتر بقلة السالكين، واحذر طريق الهالكين ولا تنخدع بكثرة الهالكين، فإن العبرة بمن نجا، كيف نجا وليست العبرة بمن هلك كيف هلك؛ لأن دواعي الهلكة كثيرة، أما دواعي النجاة قليلة، والناس من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى جهنم وواحد إلى الجنة، جاء في الحديث الصحيح: (يقول الله: يا آدم! قال: لبيك ربِ وسعديك، قال: أخرج بعث الجنة من بعث النار، قال: ربِ! وكم بعث الجنة؟ قال: من كل ألف واحد، وتسعمائة وتسعة وتسعون إلى جهنم) فمتى تأتي هل في المائة الأولى أم المائة الثانية أم الثالثة أم الرابعة؟ لا إله إلا الله! باب من هذه الأبواب الثمانية، مخصص لأمة محمد ﷺ ، وبقية الأبواب لسائر الأمم ويشارك فيها أمة محمد ﷺ ، يعني: أمة محمد ﷺ لهم باب خاص لا يدخل فيه شخص من الأمم الثانية، لكن أمة محمد يدخلون من هذا الباب ويدخلون من الأبواب كلها، وهذا من فضل الله على هذه الأمة. وهذه الأبواب كل منها مخصص لعمل خاص، ففيها باب للصائمين يسمى باب الريان، وفيها باب للمصلين يسمى باب الصلاة، وفيها باب للمتصدقين يسمى باب الصدقة، وفيها باب للبارين بوالديهم يسمى باب البررة، يعني: إنسان ليس عنده كثير عمل صالح لكنه بار بوالديه، فيدخله الله الجنة من هذا الباب، وآخر متخصص في الصدقة، لا يصلي كثيراً، يصلي الفرائض فقط، لكن يده تبذل بالصدقة والخير، فيدخل من باب الصدقة، وآخر متخصص في الصلاة، يصوم الفريضة ويتصدق بالفريضة ولكن في الصلاة لا تراه إلا مصلياً، فيدخل من باب الصلاة، وآخر متخصص في الصيام، يصلي الفريضة ولا يستطيع أن ينفق فلا يملك مالاً، لكنه دائماً يصوم فيدخل من باب الصائمين، وشخص متخصص في الحج لا تفوته حجة، بينما لا يقوم الليل، ولا يكثر من صيام النوافل، ولا يتصدق كثيراً، لكن إذا جاء الحج شد رحله وحج، وهذا يدخل من باب الحج ومن باب العمرة. ومن الناس من يدخل من كل الأبواب، أي نعم. وهذا قليل في الأمة، ذكر الرسول ﷺ واحداً منهم وهو: أبو بكر الصديق ﵁، فقد كان يسبق في كل باب، إن جئت إلى باب الصدقة وإذا به الأول، وإن جئت إلى باب الجهاد وإذا به الأول، وإن جئت إلى باب الصلاة وإذا به الأول، وإن جئت إلى باب الصيام وإذا به الأول، ولهذا سأل النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! أعلى أحد أن يدعى من هذه الأبواب كلها؟ قال: نعم. وأنت منهم يا أبا بكر!) وهذا شرف كبير -يا أخي- أن تكون لك خيارات عديدة، فلا تقول: أنا والله متخصص في الصلاة، بل افرض أن الصلاة لم تقبل منك، وإذا بك ضائع، لا. تخصص في الصلاة وتخصص في الصيام، وأكثر من الحج، وأكثر من ذكر الله، وأكثر من الدعوة إلى الله، وسابق في كل خير، والله ﵎ يقول: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]. روى مسلم وأصحاب السنن عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ -والحديث صحيح في صحيح مسلم، حديث عظيم وفضله كبير جداً، والعمل فيه بسيط-: (ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) ما أعظم هذا الفضل! وورد في رواية أخرى ليست في الصحيح، وهي في السنن: (اللهم اجعلنا من التوابين المتطهرين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون).

стр. 391

تفصيل نعيم أهل الجنة من القرآن والسنة أيها الإخوة: أما ما أعد الله من النعيم مما تشتهيه النفوس وتلذ به الأعين، فقد جاء مفصّلاً وموضحاً توضيحاً عظيماً في كتاب الله ، وفي سنة النبي ﷺ ، والتفصيل هو:

стр. 392

أرض الجنة وتربتها المعروف أن الأرضية عندنا تراب، وإذا أردت أن تمقت إنساناً تقول له: خذ تراباً؛ لأن التراب ليس له قيمة، ونحن الآن نتنافس على التراب، بينما نزهد في التربة الغالية تربة الجنة، وما هي تربتها؟ تربتها الزعفران، وحصباؤها اللؤلؤ، وملاطها المسك الأذفر. روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! مم خُلق الخلق؟ قال: من الماء. قلت: الجنة ما بناؤها؟ قال: لبنة من فضة ولبنة من ذهب. قلت: ما ملاطها يا رسول الله؟! قال: المسك الأذفر. قلت: وما حصباؤها؟ قال: اللؤلؤ والياقوت. قلت: وما تربتها يا رسول الله؟! قال: الزعفران، من يدخل ينعم فلا يبأس، ويخلد فلا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم) -نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم- هذه هي تربة الجنة وأرضيتها.

стр. 393

أنهار الجنة لكل مسلم في الجنة في قصره أنهار تجري من تحته، ذكر الله هذه الأنهار وأنها من أربعة أنواع، تنحدر من الفردوس وتمر بالجنان الأربع، وهي: نهر من ماء، ونهر من لبن، ونهر من خمر، ونهر من عسل مصفى، يقول الله : ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد:١٥] والأسن: آفة تصيب الماء إذا ركد، إذا تركت الماء راكداً أياماً وليالي تأتي عليه وقد تغير، وتعفنت رائحته، و (آسنَ) يعني: تسمم ولم يعد يصلح للاستعمال، لكن ماء الجنة غير آسن. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد:١٥] وهذه آفة في اللبن أنه إذا مر عليه وقت تغير طعمه، هذا اللبن الموجود في الأسواق إذا اشتريته اليوم يكون له مذاق، وإذا اشتريته بعد أسبوع يصبح حامضاً، أما بعد أسبوعين فإنه يتسمم ولا يصلح للاستعمال، ولهذا يضعون على كل علبة تاريخ انتهاء الصلاحية، لكن لبن الجنة ليس له انتهاء في الصلاحية، ولا يتغير طعمه. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد:١٥].

стр. 394

قصور الجنة يا أصحاب العقار! يا من تحبون العقار! يا من تحبون المباني! استمعوا إلى وصف قصور الجنة وعماراتها! يقول : ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر:٢٠] ويقول : ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً﴾ [الفرقان:٧٥] ويقول : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان:١٠]. روى البخاري ومسلم عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة) هذه لأهل الخيام، وتلك للذين يحبون العقار؛ لأن هناك من الناس من يحب العقار لكنه يريد أن يعمل له في الحوش أو في الحديقة أو في البستان بيت شعر، أو يعمل له خيمة؛ لأنه ضاق من الغرف والمجالس ومل منها، فيريد أن يأتيه الهواء من كل جانب، فاسمع ما لك من خيمة في الجنة، يقول ﵊، والحديث في الصحيحين: (إن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوفة -كل الخيمة من لؤلؤة- عرضها ستون ميلاً، في كل زاوية منها -من زوايا هذه الخيمة- أهلٌ -يعني: زوجة- لا يرون الآخرين -يعني: أن بينها وبين رفيقتها مسافة بحيث أنها لا تراها من كبر المسافة، كم مساحة هذه الغرفة؟ - يطوف عليهن كلهن) أي: أن المؤمن يطوف على زوجته هذه وتلك في خيمة واحدة لا يرى بعضهم بعضاً، لا إله إلا الله!

стр. 395

فرش الجنة وآنيتها يقول بالنسبة للفرش: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن:٥٤] يقول ابن القيم: البطانة من استبرق فكيف الظاهر؟ ماذا يكون؟ لا يعلمه إلا الله، وتجد دائماً أنك عندما تعمل فراشاً تضع البطانة من النوع الرديء، لكن الذي في واجهة الناس من النوع الحسن، ولهذا عندما تشتري -الآن- مجلساً عربياً ترى أنهم يضعون القماش الحسن مما يلي الجالس، ولكن إذا قلبت المسند ترى قماشاً ليس بنفس الجودة تلك، بل أقل بكثير؛ لأن هذا لا يراه أحد، ولكن في الجنة لا يوجد هذا. فالبطائن من استبرق، وهو أعظم أنواع الحرير حسناً، والذي يظهر للناس الذي يجلسون عليه ما هو؟ أخفاه الله من أجل أن تتشوق النفوس إليه، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها. ويقول : ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] ويقول: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ [الواقعة:١٥ - ١٦] ويقول: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية:١٣ - ١٦] هذا بالنسبة للفرش. أما الأواني فهي من صحاف وأكواب وكئوس كلها من الذهب، يقول : ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف:٧١] ولكن لمن؟ للذي لم يشرب ويأكل فيها في الدنيا، يقول ﵊: (لا تشربوا ولا تأكلوا في آنية الذهب والفضة في الدنيا، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة) لا تأكلوا ولا تشربوا في آنية الذهب ولا الفضة فإنها للكفار في الدنيا -إذ عندهم مال- ولكن أنتم إن شاء الله هي لكم في الجنة. قال : ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الزخرف:٧١] ويقول : ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً﴾ [الإنسان:١٥ - ١٦] فكيف تكون هناك ذهب وهنا فضة؟ قالوا: آنية الذهب للذي في الجنة التي من الذهب، وآنية الفضة للذي في الجنة التي من الفضة.

стр. 396

نساء الجنة ولقد جاء التفصيل الكثير في الجنة فيما يتعلق بالنساء، يقول ابن القيم ﵀: وفي هذا سر بليغ، فإن أعظم لذائذ الحياة الدنيا هي النساء، ولهذا قدم الله هذا في سورة آل عمران، فقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران:١٤] ثم أباح الله الزواج الحلال وحرم الزنا، وحتى لا يتصور من يرفض الزنا ويستعف ويكتفي بما أحل الله ، حتى لا يتصور أنه محروم جاء التعويض له في الجنة والترغيب والتشويق بذكر ما أعد الله له في الجنة بشكل ملفت للنظر، سمى الله نساء الجنة فقال: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٥٨] وقال في آية أخرى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات:٤٩] وقال في آية أخرى: ﴿كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة:٢٣] وقال: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن:٧٠] وقال: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] وقال: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦] يعني: وصف عظيم لنساء الجنة. كما جاء الوصف في السنّة، يقول ﵊: (لكل مؤمن في الجنة زوجتان من نساء الدنيا) أما من الحور العين فعلى قدر أعماله، والحد الأدنى أن له اثنتان من نساء الدنيا، فإن كان عمله (١٠٠%) أخذ سبعين حورية، وإن كان عمله أقل من ذلك -مثلاً- أخذ خمسين حورية، يعني: يتفاوتون في الحوريات؛ لأن الحوريات أنشأهن الله إنشاءً: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً * لأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٣٥ - ٣٨] نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم. ولعلك تقول: مالنا ولنساء الدنيا؟! بعض الناس يقول: أنا أهرب -الآن- منها في الدنيا وتلقاني أيضاً في الجنة؟ وهناك شخص ماتت زوجته فلما ماتت وأراد أن يتزوج -ولم تمت حتى آذته- فلما ماتت قال له أحد أولاده: أسأل الله يا أبي! أن يجمعك بها في الجنة، فقال الأب: أسأل الله ألا يجمعني بها في الجنة! يقول: أن يجعلها في دار غير الجنة؛ لأنه كان قد ضاق ذرعاً بها. ولعل شخصاً من الناس يقول: حسناً ما لنا ونساء الدنيا؟ نريد فقط نساءً حورياتٍ، وأما نساء الدنيا فلا نريدهن. نقول: لا. إن نساء الدنيا غير نساء الجنة؛ لأن الله ﵎ ينزع من النساء سوء الأخلاق، وينزع منهن جميع الصفات السيئة، ولا يبقى فيها إلا الخلق القويم الجميل؛ ولأن المؤمن لا يتلذذ التلذذ الكامل إلا بنساء الدنيا، فاعلم أن النساء المؤمنات المسلمات الصالحات اللاتي استقمن على دين الله وأدخلهن الله الجنة سيكن لك في الجنة خير وأجمل من الحور العين، وأجمل أيضاً في الأخلاق من الحور العين، وأن الحور العين خدم لهن، فالحورية في الجنة تكون خادمة للمؤمنة من نساء أهل الجنة، يقول الله : ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]. واعلم أن نساء أهل الجنة مطهرات، ليس كما كانت في الدنيا، سواء منهن المسلمات أو الحور العين، فلا بول ولا غائط ولا حيض ولا نفاس، ولا ولادة، وإنما أبكار، كلما جاءها زوجها رجعت بكراً كما كانت، فليس هناك شغل عند المؤمن إلا افتضاض الأبكار في الجنة، يأتيها بكراً ويذهب فيردها الله بكراً مرة أخرى، كيف؟ لا نعلم. هذا نعيم أعده الله لأهل الجنة. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم. يقول الله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥] ويقول: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦] وسماهن الله كواعب: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾ [النبأ:٣٣]، وأتراب أي: في سن واحدة، وكواعب: يعني: ناهدات، أي: مرتفعات النهود. أرأيت يا أخي! لو أن رجلاً أو شاباً أراد أن يتزوج وأخبره أحد الناس عن فتاة جميلة مهذبة ذات خلق ودين وجمال، فحببه إليها، حتى ازداد شغفاً لها ورغبة فيها، وبذل المال الطائل في سبيل الزواج منها، ولربما أدى هذا إلى إتلاف روحه في سبيل نيلها، وهذا رب العالمين -أيها الإخوة- أصدق المخبرين: ﴿ِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء:٨٧] يخبرنا عن الحور العين ويصفهن ويحببهن إلينا بما يجعلنا نرغب فيهن، ونعمل من أجل الحصول عليهن، والزواج منهن، فهل من خاطب -أيها الإخوة- في الحوريات؟ هل من راغب لهن في الجنة، إن كنت خاطباً فبرهن على صدقك بدفع المهر المقدم، إنه الإيمان بالله، إنه العمل الصالح، إنه اجتناب محارم الله. ولا تكن كمثل ذلك الأعرابي الذي صلى في مسجد رسول الله ﷺ فما أحسن الصلاة، صلى صلاة خفيفة ثم رفع يديه وقال: اللهم إني أسألك حوراء عيناء في الجنة، فدعاه النبي ﷺ وقال له: (أحسنت الخطبة ولكنك أسأت المهر) تريد جنة وفيها حوراء عيناء بهذه الصلاة المضطربة! لا ينفع هذا المهر. إن الجنة -أيها الإخوة- لا بد أن تدفع فيها المهر الغالي. ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر يقول ابن القيم ﵀: فكن مبغضاً للخائنات بحبها لتحظى بها من دونهن وتسلم ويا خاطب الحسناء إن كنت راغباً فهذا زمان المهر فهو المقدم إن كنت تريد الحوراء فقدم المهر، وهو: الإيمان والعمل الصالح، والاستقامة على منهج الله، وإليك هذا الحديث الشريف الذي يزيدك حباً في الحوريات، يروي الترمذي عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت على الأرض لأضاءت ما بينها -يعني: ما بين الخافقين- ولملأت ما بينهما ريحاً -ما بين السماء والأرض- ونصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها) فما ظنك -يا أخي- إن كان خمارها خير من الدنيا وما فيها، وريحها يعبق ما بين السماء والأرض؟ فيا سعادة من تكن له هذه الزوجة! اللهم وفقنا للعمل الصالح والإيمان الصادق حتى نكون من أزواجهن برحمتك يا أرحم الراحمين! واعلم يا أخي! أن من في الجنة لا يحتاج إلى مرآة، فإذا كنت في الجنة فلا يوجد هناك مرايات لكي ترى شكلك ومنظرك، وإنما تنظر في وجهها وفي صدرها فترى وجهك في صدرها، وترى مخ ساقها من وراء الحلل كما ترى اللبن في القارورة، لا تخفيه حللها، ويحكى أن رجلاً من الصالحين لما سمع قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة:١١١] لما سمع هذه الآية، قال: الله اشترى مني ودفع لي الجنة، فقام وجاهد حتى وجدوه وقد قتل في سبيل الله .

стр. 397

الخدم والغلمان في الجنة ومن تمام سعادة الإنسان في الجنة أن يكون له خدم يخدمونه؛ لأنه إذا خدم نفسه تنغصت معيشته، لكن عندما يكون لديه خدم يقومون على خدمته، ويشرفون على أموره فإنه يزداد سعادة، بحيث لا تبذل أي جهد وإنما يوزع الأعمال على خدمه وغلمانه من حوله، فهذا يقدم له الماء، وهذا يقدم له الطعام، وهذا يقدم له الملابس، وهذا يقدم له الحذاء، وهذا يفتح له باب السيارة، وهذا يعمل في المزرعة، وهذا يرتب المكان، خدمة عظيمة! من الذي يخدمك في الجنة؟ وصف الله خدم الجنة وغلمانها بأنهم لؤلؤ مكنون، فقال : ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً﴾ [الإنسان:١٩] وإذا كان الخدم مثل اللؤلؤ المنثور فكيف بالمخدومين، لا إله إلا الله! واعلم يا أخي! أن أولئك الغلمان هم ملك لأهل الجنة، وليسوا أجراء، وإن أدنى أهل الجنة منزلة من يقف ويكون على خدمته ثمانون ألف غلام، يقول الله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور:٢٤] ويقول: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:٧١] ويقول : ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:١٧ - ٢١].

стр. 398

طعام وشراب أهل الجنة أما طعامها وشرابها، فقد ذكر الله الطعام بأنه من ألذ اللحوم وهو الطير، قال : ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢١] وقال: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الطور:٢٢] وهذا اللحم غير منقطع، فمتى شئته وجدته، بخلاف ثمرات الدنيا وفاكهة الدنيا، ولحوم الدنيا فإنها توجد في أوقات وتنعدم في أوقات، أما فاكهة الجنة وثمار الجنة فإنها لا مقطوعة ولا ممنوعة، لا مقطوعة بزمن، ولا ممنوعة بثمن: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر:٧٤] واعلم أن الجنة فيها من جميع الثمار ومن جميع الفواكه، التي تعلمها والتي لا تعلمها، ولا تعرف مكانها ولا تحمل في سلة أو كيس وإنما معلقة في أشجارها، وإذا أردتها تدلى لك الغصن، يقول الله : ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن:٥٤] وقال : ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان:١٤]. وورد في الحديث أن المؤمن وهو جالس في الجنة يشتهي الفاكهة وهي في الشجرة فيتدلى له الغصن ثم يقطف منه ويأكل ثم يعود الغصن كما كان، يقول الله : ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:٢٣] فلا يذهب ليأتي بها ولكنها دانية. ويروي الترمذي عن أنس رضي الله قال: قال رسول الله ﷺ : (إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، اقرءوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة:٣٠]) ولعلك تقول: يا أخي! إن هذه الشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام فكيف يستطيع أن يأكل من جميع الثمار، فاعلم يا أخي! أن أغصان الجنة ملتفة حول بعضها من كثرتها، يقول الله: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ [الرحمن:٤٨] أي: ملتفة بعضها على بعض، ولكن تأكل من كل الثمار، وتجد لآخر فاكهة، أو لآخر طعام من اللذة والطعم ما لأول أكلة، لماذا؟ قال العلماء: لأن طعام الجنة ليس كطعام الدنيا، فأنت تأكل طعام الدنيا على أساس تقوية جسمك وتعويضه بالمواد الغذائية، فإذا اكتفى جسمك فإنك بعد ذلك لا تريد، ولهذا إذا شبعت وأتى شخص وأجبرك بشيء طيب، فإنك تقول: طعام طيب ولكني شبعت، فلا أستطيع، وإذا أجبرك وقال: والله لابد أن تأكل -هذا إكرام أم ماذا؟ إهانة- وفتح فمك وأدخل فيه الطعام بالقوة فإنك ستموت أو تتقيء؛ لأنك تأكل لغرض، وهذا الغرض هو تعويض الجسم بالطعام، لكن في الجنة لا تأكل لغرض تعويض الجسم، وإنما تأكل لغرض المتعة. وفي قول الله : ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف:٧١] ذكر ابن كثير حديثاً، قال: (يطوف على رأس كل رجل من أهل الجنة عشرة آلاف خادم مع كل خادم صحفتان: صحفة من ذهب وصحفة من فضة، في كل صحفة لون من الطعام ليس في الثانية مثله) يعني: عشرة آلاف في صحفتين كم تصبح؟ عشرين ألف نوع من الطعام، يأكل من أوله حتى يصل إلى آخره، فيجد لآخر لقمة من الطعم واللذة مثل ما لأول لقمة، لا إله إلا الله! اللهم إنا نسألك من فضلك يا رب العالمين! هذه ثمارها وطعامها.

стр. 399

لباس وزينة أهل الجنة أما لباسهم فهو الحرير، يقول الله : ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان:٢١] وهذه الثياب لها خاصية أنها لا تبلى، وكلما طال عليها الزمن تزداد جمالاً وجودة، أما الرجال فيلبسون على رءوسهم التيجان المرصعة باللؤلؤ. روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أهل الجنة جرد مرد) ليس هناك لحى في الجنة، إذا كان معك لحية في الدنيا وأتعبتك وأزعجتك بالإحراجات وبما يصفك الناس به فاصبر عليها، فإنك في الجنة ستكون أجرد أمرد، من أجل النعيم، لكن إذا كنت أجرد أمرد هنا تكون معك لحية هناك، لكن أين تكون؟ لا حول ولا قوة إلا بالله! أخي: لا بد أن نتمسك بهذه السنة -أيها الإخوة- هذه السنة ليست شعر، لا. هذا هدي نبوي، هذا دين، هذا شرع، هذا أمر الله، يقول الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧] الرسول أمرنا أن نعفي لحانا، قال: (قصوا الشوارب) (اعفوا اللحى) (أكرموا اللحى) (أرخو اللحى) (أسدلوا اللحى) (خالفوا المجوس) (خالفوا المشركين) كانت لحيته الشريفة ما بين منكبيه، تملئ وجهه. فالقضية ليست قضية شعر، وإنما قضية انتماء، قضية اعتزاز، قضية فخر، قضية محبة للرسول ﷺ . من أحب مخلوق عندك أنت أيها المسلم؟! إنه رسول الله ﷺ . من الرجل المثالي في كل حياتك، والذي تتشرف أنت أن تكون من أتباعه ومتأسٍ به؟ إنه رسول الله ﷺ . ولهذا قال الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] هذا الذي يكون له أسوة في رسول الله، من كان يرجو الله، ويرجو ما عند الله، وذكر الله كثيراً، أما من يحلق لحيته ويعتدي عليها -أيها الإخوة- فإنه يخالف هدي الرسول ﷺ ، ويخالف أوامر الرسول ﷺ ، فالرسول يقول: (أكرموا اللحى) فهل أكرمها مَن حلقها؟ لا والله. بل أهانها، أين يحلق الرجل لحيته؟ إما في غسالة البيت، وتذهب بعد ذلك في المجاري أو عند الحلاق، يحلقها ثم يدوس عليها برجله، ثم يكنسها بالمكنسة، ويضعها في صندوق القمامة، ثم تمر سيارة البلدية ويدعيهم فيقول: خذوا ثمانين لحية واذهبوا بها إلى المحرقة. هذه لحى المجرمين! أكرم ما فيك وجهك ولحيتك، ولهذا لو جاء شخص وجذب لحيتك فإنك تأكله، كل شيء يهون فيك إلا لحيتك، وكان الآباء والأجداد يوم أن كان للحية قيمة إذا قال الشخص كلمة وأراد أن يلتزم بها قال: في لحيتي، يعني: انتهى. لكن الآن لو قال لك: في لحيته، يعني في ماذا؟ في عظمه، ولا وحول ولا قوة إلا بالله! (إن أهل الجنة جرد مرد كحل، لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم، عليهم التيجان، وإن لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب، وأما النساء فيلبسن على رءوسهن الخمر) سبحان الله! يقول العلماء: إن المؤمن والمؤمنة في الجنة يعفيان من كل تكاليف الشرع الإسلامي، لا صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولا حج ولا بر، ولا شيء، ليس هناك إلا أكل ونكاح، حتى النوم لا يوجد، لماذا؟ قال العلماء: لأن النوم في الجنة يفوت على الشخص النعيم؛ ولأنه إذا نام فاته الأكل والشرب والنكاح، ولا يوجد نوم في النار، لماذا؟ لأن النوم يريحهم من العذاب، ولهذا قال الله: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً﴾ [النبأ:٢٤] قالوا: البرد يعني: النوم، لا يذوقون النوم، فأهل الجنة لا ينامون حتى لا يفوتهم شيء من النعيم، وأهل النار لا ينامون حتى لا يستريحون من العذاب. إلا تكليف واحد أبقاه الله على النساء في الجنة، وهو: الحجاب. ولهذا قال الله: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] أي: محجبات، والمرأة في الجنة وهي في الجنة أيضاً محجبة، وهذا شرف عظيم لها، أن الله يغار عليها في الدنيا ويغار عليها أيضاً في الجنة، وعلى رءوسهن الخمر، وقد علمت أن الرسول ﷺ ذكر أن خمارها أي: غطاءها خير من الدنيا وما فيها. وأما الزينة والحلي، فهي أسوار، يقول الله : ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج:٢٣] ويقول: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ [الإنسان:٢١] والحديث في سنن الترمذي يقول ﵊: (لو أن رجلاً من أهل الجنة طلع فبدا إسوره لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم) الآن في الليل هل ترون النجوم؟ نعم. لكن في الصباح والنهار هل نراها؟ لا. هي موجودة ونورها موجود لكن لا نراه، لماذا؟ لأن الشمس طمسته، كذلك لو طلعت إسورة فقط من حلي مؤمن من أهل الجنة لطمست الشمس كما تطمس الشمس النجوم، فلن ترى الشمس من بريق إسورة فقط من أساور أهل الجنة. فهذه الجنة -يا أخي- وهذا وصفها.

стр. 400

حال أهل الجنة أما عن حال أهلها ونعيم أهلها -جعلنا الله وإياكم من أهلها- فإنهم يدخلون الجنة شباباً، سواءً مت كبيراً أو صغيراً، شيخاً أو كهلاً، فإنك تعود إلى سن ثلاث وثلاثين سنة، وهذا المعدل أفضل معدل لسن الشاب، أما قبله وبعده فليس بحسن، لكن هذا السن أحسن شيء، وطول الواحد منهم طول آدم، ستون ذراعاً، والعرض سبعة أذرع، والجمال جمال وحسن يوسف ﵇، والخلق خلق محمد ﷺ ، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون بني ثلاثين في الجنة لا يزيدون عليها أبداً وكذلك أهل النار) نعوذ بالله وإياكم من النار. وروى البخاري والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أول زمرة تدخل الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون ولا يتمخطون ولا يتغوطون، آنيتهم من ذهب، وأمشاطهم من ذهب، ومجامرهم من الألوة، ورشحهم المسك) والألوة هي العود، وهو عود الطيب، والعرق الذي يخرج من أهل الجنة المسك. ويقول ﵊ -والحديث أيضاً أخرجه الترمذي -: (أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة النصف، والثانية على لون أحسن كوكب دري في السماء، لكل رجل منهم زوجتان) وهكذا يعيشون في الجنة يأكلون ويشربون، لا يتغوطون ولا يبولون، وإنما يرشح منهم الطعام والشراب رشحاً لونه رشح وريحه ريح المسك، كما أنهم لا يموتون ولا يمرضون، ولا يهرمون ولا يضعفون، ولا يحزنون ولا يتعبون، وليست بينهم عداوة ولا بغضاء، وليس بينهم حسد ولا نزاع، بل إخوة متحابون، يقول الله: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:٥٦] ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر:٣٤ - ٣٥] ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]. روى الإمام مسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن في الجنة لسوقاً -السوق هذا كل جمعة- فتهب ريح -يسمونها ريح الشمال- فتحثوا وجوههم وثيابهم بشيء من الجمال، فيزدادون حسناً وجمالاً، فيرجعون إلى أهلهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً، فيقول أهلوهم: والله لقد ذهبتم وعدتم إلينا وقد ازددتم حسناً وجمالاً فيقولون: والله وأنتم لقد ازددتم حسناً وجمالاً) يعني: مع كثرة الاستمرارية والعيش في الجنة يمل بعضهم بعضاً، فيجري التجديد للجمال كل أسبوع، يعني: كل أسبوع ومعك زوجة فيها جمال غير الجمال الأول. وقارن في الدنيا عندما يكون معك سيارة (موديلها) [٩٥] تستريح فيها، لكن عندما تطلع [٩٦] فماذا تفعل؟ تنظر إلى [٩٦] وتقول: الله ما هذا الجمال! هذه ممتازة، هذه شكلها حسن! وتبقى سيارتك في نظرك قديمة، وإذا جاء (موديل) [٩٧] أصبحت سيارتك أقدم، إلى أن تستقبحها وتبيعها. لكن لو كان لك كل (موديل)، كلما ظهر (موديل) اشتريته، معناها أنك رجل في مكان عالٍ، كذلك أهل الجنة كل أسبوع، وليس كل سنة، كل أسبوع يجتمعون في سوق اسمه سوق الجنة، وهذا السوق يحصل فيه بيع وشراء، لكن من غير ثمن، السلع موجودة وأنت تأخذ منها ما تشاء، والله يتجلى على الناس في ذلك اليوم: ويرونه سبحانه من فوقهم نظر العيان كما يرى القمران وبعد ذلك يرجعون إلى بيوتهم، فإذا دخلوا على زوجاتهم لا يعرفنهم، تقول الزوجة: والله ما أنت الأول، ازددت والله حسناً وجمالاً، وهو يقول: وأنت أيضاً لست الأولى، ماذا فعلت؟ ازددت حسناً وجمالاً. تغير (الموديل)! كل أسبوع ومعك (موديل) عظيم في الجنة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها. يقول وهو يبين أن أعظم نعمة هو النظر إلى وجهه الكريم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] أي: مشرقة وجميلة ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣] أي: مشاهدة، ويقول: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] والزيادة هي: النظر إلى وجه الله الكريم، ويقول: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] والمزيد هو: النظر إلى وجه الله الكريم، فعندما يتجلى الله ويكشف لهم الحجاب يخرون سجداً لله فيقال لهم: ارفعوا رءوسكم يا عبادي! إن عهد العبادة قد مضى في الدنيا وانقطع، وأنتم اليوم في درا النعيم، ودار الجزاء: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] فلا صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا جهاد، بل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر:٧٤]. ويزداد النعيم عليهم عن طريق الملائكة التي تدخل من أجل التبريك والتهنئة، يقول الله : ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤].

стр. 401

أخلاق أهل الجنة أما في ما بينهم -أيها الإخوة- من أخلاق وتعامل، فلا خصام ولا كذب ولا لغو ولا حسد، بل تحيتهم فيها سلام، يقول الله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إبراهيم:٢٣] ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ [يونس:١٠] ما هي آخر دعواهم؟ إذا أرادوا شيئاً، أحدهم يريد فاكهة -مثلاً- لا يقول: أنا أريد فاكهة وإنما يقول: سبحانك اللهم، أو يقول: الحمد لله رب العالمين فتأتي الفاكهة: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [يونس:١٠] ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦] ليس عندهم إلا سلام، لماذا؟ لأنهم في دار السلام، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل دار السلام. ثم يحصل بينهم نوع من الذكريات، وأهل الجنة على الأسرة يقابل بعضهم بعضاً يشربون من الأنهار ويتناولون من الثمار، ويأكلون من الفواكه واللحوم، وينكحون أجمل الحوريات، يحصل لهم نوع من الذكريات، وهذا نوع من النعيم، أنهم يتحدثون في الجنة، فيتذكرون ما كانوا فيه، يذكر الله لنا في كتابه الكريم بعض هذه الأحداث والمحاورات، يقول الله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٥ - ٢٦] يقولون: إنا قبل ونحن في أهلنا ومع أزواجنا ومع أولادنا كنا خائفين، كنا مشفقين من عذاب الله، كان هذا الخوف يمنعنا من المعاصي، كان هذا الخوف يزجرنا عن الآفات والسيئات، كان يقودنا إلى الطاعات والعمل الصالح: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [الطور:٢٦ - ٢٧] أي: أمّننا الله: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٧ - ٢٨]. ويقول : ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات:٥٠ - ٥١]. واحد أهل الجنة يتحاور مع جلسائه في الجنة قال لهم: إني كان لي قرين، كان لي صاحب، كنت على الطاعة وهو على المعصية، كان يستهزئ بي، كان كلما رآني على الإيمان والعمل الصالح قال لي: هل أنت مصدق أن هناك جنة ونار؟ ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات:٥١ - ٥٣] وبينما هو يحدثهم وإذا بآخر يقول: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات:٥٤] هل تريدون أن ترون هذا الذي كان يكذب، هذا لم يختفِ، بل موجود، أين يا رب؟ موجود في النار. قال : ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٥] في وسط النار: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات:٥٤] هل تريدون أن تروا هذا المستهزئ المكذب، هل أنتم مطلعون، -وهم على الأسرة- ويفتح لهم باب ونافذة، وإذا بهم يرونه: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٥] ماذا قال؟ ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٦] يقول: والله إنك أردت أن تهلكني يا عدو الله! ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧] أي: لولا الثبات على الدين لكنت من المحضرين، ثم يقول لإخوانه: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ * أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقومِ﴾ [الصافات:٥٨ - ٦٢] هذا المكان أحسن أو ذاك ما رأيكم؟ إذا دخلت بيتاً وتريد أن تتعشى، وأنت معزوم على العشاء، واستوقفك صاحب البيت وقال: انظر! هذا المجلس يوجد فيه عشاء ومشايخ وعلماء وخرفان وفاكهة، وهذا المجلس يوجد فيه (سواطير) و (مشاعيب) وسلاسل ومجرمون، وخبط وضرب، تريد هنا أو هناك، ماذا ستقول؟ ستقول: تخيرني! الله أكبر عليك! تشاورني! ليس في هذا مشورة، ونحن نقول للناس الآن: يوجد جنة ونار هل فيها خيار؟ ماذا تختار؟ الله يقول: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] ويقول ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] تختار بين الجنة والنار؟! ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦]. أيضاً من دواعي النعيم في الجنة أن يحصل نوع من الكشف لأهل الجنة بما يعاني منه أهل النار، ليعرفوا فضل الله عليهم بنعيم الجنة، وقد ذكر الله ﵎ هذا في أنه يحصل محادثة بين أهل الجنة وأهل النار، قال في سورة الأعراف: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٤٤] النداء يأتي من الجنة لأهل النار: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقاً﴾ [الأعراف:٤٤] يقولون: وجدنا الذي وعدنا الله من النعيم، إنه موجود حقاً ونحن فيه الآن ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقاً قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف:٤٤] أهل النار يقولون: نعم. فقط! لم يطيلوها؛ لأنه ليس هناك مجال للتطويل؛ لأنهم في النار والذي في النار لا يستطيع أن يتكلم كثيراً: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٤] أعاذنا الله وإياكم من النار. ثم يأتي نداء من أهل النار: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ [الأعراف:٥٠] لا يريدون إلا الماء؛ لأنهم في نار تشوي أجوافهم وأكبادهم ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠]. ويذكر الله ﵎ ما يقوله المنافقون حينما تنطفئ أنوارهم ولا يرون نوراً وهم يسيرون على الصراط، فيقول : ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] قال المفسرون: انظرونا يعني: انظروا إلينا من أجل أن نقتبس من أنواركم، أو انظرونا أي: انتظروا حتى نلحق بكم ونمشي على نوركم: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾ [الحديد:١٣] يعني: اذهبوا إلى الدنيا، الأنوار التي تريدها في الآخرة تأخذها من الدنيا، و (ارجعوا وراءكم) تقال لهم على سبيل التهكم وإلا ليس هناك إمكانية للرجوع إلى الدنيا: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [الحديد:١٣ - ١٤] كنا جيراناً وإخواناً وأصدقاءً وأرحاماً وزملاءً، كيف ذهبتم وتركتمونا؟ ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الحديد:١٤] نعم. كنا سوياً: ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحديد:١٤] بالمعاصي والوقوع فيها، وترك الطاعات وعدم ممارستها: ﴿فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾ [الحديد:١٤] وما هي الأماني؟ ما يفعله من يتمنى المغفرة وهو مقيم على الذنب، عندما تذهب إلى شخص وهو غارق إلى أذنيه في المعاصي وتقول له: يا أخي! اتق الله! فيقول لك: ربنا غفور رحيم، غفور رحيم لك؟ لا. غفور رحيم لمن يتوب ويرجع، أما المصر على الذنب فلا. بل شديد العقاب عليه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠] ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ﴾ [طه:٨٢] لكن لمن؟ لمن استمر؟ لا. ﴿لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢] ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] ثم قال بعدها: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٤]. أما أن يظل مقيماً على المعاصي ويقول: الله غفور رحيم، فهذه أماني، والأماني رءوس أموال المفاليس، هذا مفلس يوم القيامة، ليس عنده شيء إلا الأماني، والأماني لا تفعل شيئاً: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد:١٤]. ويحصل أيضاً خطاب بين أهل الجنة، يقول الله : ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المدثر:٣٩ - ٤٠] أحدهم يسأل ويقول: أين فلان؟ لكن عمن؟ عن المجرمين. إذا عرف أنه مجرم قال: أين هو؟ فيقال: في النار. فينظر إليه ويقول: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:٤٢] ما الذي ذهب بك إلى النار؟ لماذا لم تكن معنا؟ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ

стр. 402

سبيل الجنة أما سبيل الجنة، جنة عدن، فإليك بيانه من كلام الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف:١٠ - ١٢] هذا هو سبيل الجنة وهذا هو طريقها، واعلم -يا أخي- أن السلف ﵏ لما عرفوا هذا الطريق وعلموه سلكوه وساروا فيه، وقدموا في سبيله كل ثمن، استرخصوا المهج والأرواح، واسترخصوا البعد والخروج من الديار، خرجوا من ديارهم، فارقوا زوجاتهم، فارقوا أنفسهم، قُطِّعت رقابهم، بقرت بطونهم، قطعت أنوفهم وآذانهم، وشوهت خلقتهم في سبيل الله، لماذا؟ لأنهم عرفوا الطريق، يقول الله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣]. وهذا مثل من أمثلتهم: رجل منهم اسمه: عمير بن الحمام ﵁، وقف في غزوة بدر والرسول ﷺ يقول للصحابة: (قوموا إلى جنة عدن، وجنة عرضها السماوات والأرض، قال: يا رسول الله! عرضها السماوات والأرض؟ قال: نعم. قال: بخ بخ. قال: ما حملك على هذا؟ قال: أرجو أن أكون من أهلها، قال: ما بينك وبينها إلا أن تموت، فنظر إلى يديه وفيها تمرات، قال: والله إنها لحياة طويلة حتى آكل هذه التمرات، ثم رماها وقام ودخل المعركة وقاتل وأبلى بلاءً عظيماً) مات في سبيل الله، هذا هو الصادق! أما الذي يريد الجنة وهو كاذب، يريد الجنة وهو مقيم على الذنوب، يريد الجنة وهو مضيع لصلاة الفجر، يريد الجنة وهو محافظ على شرب الدخان، تقول له: اترك التدخين، يقول: يا شيخ! لم أستطع! يريد الجنة وهو ينظر إلى الحرام، يريد الجنة وهو يستمع إلى الحرام، يريد الجنة وهو يقع في الزنا، يريد الجنة وهو يتعامل بالربا، ويقول: الله غفور رحيم ونريد الجنة، أبوك آدم أُخرج من الجنة بذنب. يقول ابن القيم: يا قليل العزم! أبوك أُخرج من الجنة بذنب وأنت عند الباب وخارج الجنة وعندك آلاف الذنوب كيف تدخلها، وما هو ذنب آدم؟ لا زنى ولا سرق ولا لاط ولا رابى، وإنما لا تأكل من الشجرة فأكل من الشجرة، وما أكل يريد أن يعصي الله، بل يريد أن يبقى في الجنة، يريد أن يبقى فيها دائماً، ومن الذي كاد له؟ إنه الشيطان، هو الذي قال له: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠]، إذا أكلتها أصبحت من الملائكة، قال الله: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف:٢٢]. فيا إخواني! هذه الجنة تحتاج إلى عمل وتحتاج إلى صدق مع الله ﵎، ثم بعد ذلك ليعلم كل منا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله؛ لأن عملك مهما عملت لا يساوي شيئاً من نعم الله عليك في الدنيا فضلاً عن الآخرة: (قالوا: يا رسول الله! ولا أنت؟ قال: ولا أنا) ما رأيكم، من منا يبلغ درجة الرسول ﷺ في عبادته؟ حتى الرسول لا يدخل الجنة بعمله، قال: (حتى أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) قدِّر يا أخي! نعمة الله عليك، ثم اعرف ما عملت، لو عبدت الله من يوم أن تخلق إلى أن تموت فهل تعدل هذه العبادة نعمة البصر؟ هل تعدل نعمة العافية؟ لا. لا تعدل أي نعمة من نعم الله عليك، ثم إذا عبدت الله وصليت؛ صليت بجسد من الذي خلقه؟ الله، العافية التي في هذا الجسد من أعطاك إياها؟ الله. إذا تصدقت بالمال، فمن أين هذا المال؟ من الله. إذا جاهدت ووضعت مالاً أو نفساً فمن من؟ من الله. إذاً: كل شيء من الله، وهو صاحب الفضل الأول والأخير: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]. فعلينا -أيها الإخوة- أن نعبد الله وأن نتوب إليه، وأن نستقيم على منهج الله، وأن نجاهد أنفسنا على طاعة الله، وأن نجاهدها عن معصية الله، وأن نسأل الله الثبات حتى نلقاه، وبعدها يعطينا الله فضلاً منه وكرماً ورحمة يعطينا الجنة وإلا فليست الجنة نظير أعمالنا، فأعمالنا قليلة، وأفضال الله علينا كثيرة. نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن ينصر دينه وأن يعلي كلمته، وأن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، إنه سميع الدعاء، كما نسأله ﵎ أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يكتبنا وإياكم في هذه الساعة المباركة وفي هذا المكان المبارك من أهل الجنة، وأن يعتق رقابنا وإياكم ورقاب آبائنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا وجميع المسلمين من النار؛ إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.

стр. 403

الأسئلة

стр. 404

ما أعد الله للنساء في الجنة السؤال استشهدت كثيراً بما للرجال في الجنة -هذا السؤال جاء من عند الأخوات- فهل من حديث لنا نحن النساء في الجنة؟ الجواب كل ما للرجال في الجنة فللنساء مثله، إلا مسألة التعدد، لا يوجد إلا حوري واحد فقط، لكن حوري يسد إن شاء الله، ويقوم باللازم وزيادة، أما لماذا لم يذكر الله الحور الرجال في الجنة في القرآن الكريم؟ قالوا: لأن الله ذكر النساء؛ لأنهن موضع تلذذ، فأغرى الله الرجال بهن، وإلا فإن للمؤمنة في الجنة مثلما للرجل، مما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر.

стр. 405

نصيحة باغتنام أيام العمر بفعل الطاعات السؤال نحن في هذه الأيام نودع عاماً هجرياً فهل من ذكرى لإخواننا في الله ؟ الجواب نعم. نحن اليوم ثمانية وعشرين وغداً تسعة وعشرين وبعده ثلاثين، نطوي عاماً من أعمارنا، لا ندري ما الله قد كتب لنا فيه من العمل الصالح، وهكذا الأيام والشهور والأعوام تمر، وسنقف في يوم من الأيام أمام نهاية أيامنا ولن يبقى معنا شيء إلا ما عملناه من عمل صالح، وأنا شبهت عمر الإنسان مثل هذا التقويم المعلق في المساجد، يعلق في أول العام وهو سمين، فيه ثلاثمائة وستون ورقة، ثم في كل يوم ننزع ورقة ورقة ورقة إلى آخر يوم من شهر ذي الحجة حيث لا يتبقى منه إلا هذا (الكرتون) فماذا نصنع (بالكرتون)؟ نرميه، لأنه لم يعد فيه ورق انتهت أيامه، وكذلك أنت، أنت سمين بالأيام التي معك، وكل يوم تنزع ورقة من عمرك، إلى أن تنتهي أوراقك ولا يبقى إلا (الكرتون)، يعني: الجسم، فأين تذهب (بالكرتون)؟ تذهب به إلى المقبرة، والأوراق هذه محفوظة، كل ورقة: (ما من يوم تغرب فيه الشمس أو تشرق إلا وملك ينادي: أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فاغتنمني فإني لا أعود إلى يوم القيامة) كل يوم لا يعود. أيها الإخوة: اليوم يوافق ٢٨/ ١٢ / (١٤١٥هـ) لا يعود هذا اليوم، وإنما يأتي يوم ٢٨/ ١٢/ لكن (١٤١٦هـ) وبعده (١٤١٧هـ) وهكذا، فنحن نقطع الأعمار، وتمشي بنا الأعوام، وإنما أنت أيها الإنسان مجموعة أيام إذا ذهب يومك فقد ذهب بعضك، وفت الزمان جزءاً منك، فاحذر يا أخي! أن تُضيع حياتك، وإن كنت قد أسأت في الماضي فاستغفر الله، واستدرك ما فاتك، واحمد الله الذي مد في عمرك، يقول ﵊ -والحديث في سنن الترمذي - كان إذا استيقظ من النوم يقول: (الحمد الله الذي رد عليّ روحي، وعافاني في بدني، وأذن لي بذكره) انظروا إلى الثلاث: الحمد لله الذي رد عليّ روحي، يعني: كنت ميتاً، ثم: (عافاني في بدني) تقوم وإذا بك ما شاء الله صحيح البدن معافىً من رأسك إلى قدمك لا يوجد فيك شيء تالف، ثم: (أذن لي بذكره) يعني: أعطاك تمديد في العمر لأجل أن تذكره، كان من الممكن أن تموت ولا تقوم، كم من شخص نام ولم يقم من فراشه. فهذا -أيها الإخوة- ما نوصي به الإخوان: بأن يتذكروا أن هذه الأيام كلها من أعمارنا وأن علينا أن نتوب إلى الله، وأن نتدارك ما فاتنا من عمل صالح.

стр. 406

الأمر بغض البصر ومجاهدة النفس عليه السؤال أنا شاب ملتزم والحمد لله، ومشكلتي أنني لا أستطيع أن أغض بصري عن النساء اللاتي أراهن أمامي في الشارع أو في السوق، أو في السيارات إلا نادراً، فما هو الحل لمثل هذه المشكلة؟ الجواب أنت ملتزم والحمد لله وتحتاج إلى نوع من المجاهدة؛ لأن الشيطان ابتلاك بهذه المعصية، وهذا من البلاء، وعليك أن تعالج نفسك، فأنت مريض بهذا الأمر، ويكون هذا عن طريق الجهاد والتذكر، وأن هذه النظرة تغضب الله، وأن الله ينظر إليك في تلك اللحظة، وأن هذه النظرة تفسد قلبك، وأنها تعدم دينك، وأنها لا تفيدك، هل منها مصلحة؟ ما هي فائدة النظر إلى الحرام؟ لا شيء، إنما ضرر ذلك عليك في دينك ودنياك وقلبك وكل شيء، لكن المصلحة في ماذا؟ في غض بصرك؛ لأن غض البصر راحة للقلب، كلما رأيت شيئاً التفت عنه، لكن إن رأيت شيئاً وفتحت عينك أحرقت قلبك، ولهذا يقول الناظم: كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وتر يسر ناظره ما ضر خاطره لا مرحباً بسرور عاد بالضرر فنوصيك بالمجاهدة وبالابتعاد عن أماكن تجمعات النساء، الأماكن التي فيها نساء لا تقربها، الأسواق لا تنزلها، المسجد الحرام إذا كان عندك هذا المرض فلا تأتيه، لماذا؟ لأنك تأثم، المكان الذي يوجد فيه نساء لا تذهب إليه فترة الترويض والمجاهدة، إلى أن يعينك الله وتتغلب على هذا المرض والعياذ بالله.

стр. 407

حكم تقصير اللحية بسبب الألم السؤال هل يجوز الأخذ من اللحية؛ لأننا نرى ذلك عليك، نرجو التوضيح؟ الجواب أبداً. لا يجوز الأخذ من اللحية، وليس ذلك علي والحمد لله، فأنا من فضل الله لا آخذ شيئاً من لحيتي، لكن لحيتي هكذا فماذا أفعل؟! ليس بيدي طولها؟ هل أعلق فيها ثقالة لكي تطول، الله خلقها هكذا، فمالي حق أن أذهب أطولها، وأما أني آخذ منها فلا، وأسأل الله أن يثبتني وإياكم على الإيمان.

стр. 408

نصيحة لأصحاب الفضائيات السؤال هل تجوز مقاطعة من في بيته دش؟ الجواب أولاً: لا ينبغي لمسلم أن يأتي إلى بيته (بالدش)؛ لأن معناه أنك تستمطر كل ما في قنوات السماء من شر، وتدخله على أهلك وعلى زوجتك وأولادك، وأنت مأمور بحمايتهم وإصلاحهم، ومسئول عنهم يوم القيامة، فالله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] أو قال: أوردوهم النار؟ والذي يأتي بالدش إلى بيته هل هو يورد الخير على أهله أم يورد الشر؟ لا يوجد أحد -أيها الإخوة- يستطيع أن يقول: أنا أورد الخير على أهلي، وبعضهم يقول: إنما هي قنوات عربية فقط، فنقول: هو بعينه الشر والدعارة، وهل بعد ذلك من شر! ونقول: الباطل باطل، والمنكر منكر من أي طريق ومن أي مصدر، فعليك يا أخي! أن تتقي الله، واعلم أن عذرك هنا سيكون مردوداً عليك يوم القيامة إذا اعتذرت به بين يدي الله، وتجد بعض الناس يقول: أولادي يضيعون في الشوارع، فأنا آتي لهم بالدش من أجل أن يبقوا في البيت، يعني: كأنه يقول: أولادي يفسدون في الخارج فأنا أريد أن أفسدهم بيدي، سبحان الله العظيم! هل هذا هو الحل؟! إذا كان أولادك يضيعون في الخارج فاجمعهم في البيت على الخير، حاصر أولادك واحفظهم، أما أن تأتي لهم (بالدش) ليسمروا على ما حرم الله فلا والله. أيها الإخوة: لقد وقع كثير من الناس في مثل هذا الشر، وبعضهم تنبه وأدرك الخطر وأبعده، وبعضهم انهزم أمام شهوة نفسه أو زوجته وأولاده، ولكن سيجر الندم فيما بعد، وما يحصل اليوم من مشاكل ومآس ومن فضائح لا يعلمها إلا الله، كلها بأسباب هذا الوباء وهذا الخطر، -والعياذ بالله- لماذا؟ لأن الشخص ينتقل إلى كل قناة في الدنيا، يجلس (والريموت كنترول) في يده وينتقل به من قناة إلى قناة، ومن مباراة إلى مباراة، ومن فيلم إلى فيلم، ومن مسلسل إلى مسلسل، حتى أن بعضهم لا يأتيه النوم إلى الفجر، فإذا جاء لينام رفضت عيناه أن تغمض، تجبست عيناه في رأسه، والأولاد لا يذاكرون الدروس، يقول أحدهم: والله الولد كان يأتي الترتيب الأول ولما دخل (الدش) في الشهر الثاني جاء ترتيبه الحادي عشر، (رجع عشر مراتب)، قلت: جيد! الشهر الثالث لن ينجح مطلقاً، وشخص آخر يقول: زوجتي أنام وهي بجانبي، وبعد أن نكمل كل شيء ونريد أن ننام، يقول: أغمّض وأفتّح وأنظر وإذا بها ليست عندي، ذهبت عند (الدش)، تريد أن تسمر.

стр. 409

أهمية حلقات التحفيظ وثمرة المحافظة عليها السؤال يقول: يحضر معنا في هذا المجلس عدد من شباب حلقات مدارس تحفيظ القرآن الكريم في المنطقة، وهم بحاجة إلى توجيه، خصوصاً من تسول له نفسه بوازع من إغراءات الشيطان ترك هذه الحلقات؟ الجواب إن تعليم القرآن الكريم وتعلمه من أعظم الأعمال، يقول ﵊ كما في الصحيحين: (خيركم -خير الأمة وأفضلها وأعظمها - من تعلم القرآن وعلمه) والله ذكر في القرآن الكريم آية القراء، في سورة فاطر، يقول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٢٩ - ٣٠]. ثم إنك -يا أخي- وأنت تقرأ القرآن تخرج ومعك ملايين الحسنات، فكل حرف بعشر حسنات، كم تقرأ يا طالب العلم! وأنت يا مدرس القرآن؟! أنت على أفضل عمل، فإذا جاءك إيحاء أو إغراء أو تشويش من قبل شياطين الإنس أو شياطين الجن بأنك معقد أو أنك ضيعت وقتك أو أن الزملاء يلعبون أو يرون المباريات، أو يلعبون بالدراجات، أو يلعبون في الحارات، وأنت فقط عاكف على القرآن، أو جاءك يا ولي الأمر إيحاء شيطاني أنك تعقد ولدك، يأتي بعض الشياطين يقول لك: ما هذا الولد! من الصباح إلى الظهر في المدرسة ومن الظهر إلى العصر غداء، ومن العصر إلى المغرب مدرسة القرآن، عقدت ولدك وضيعته، فقل: لا والله ما عقدته، والله إني حفظته. التعقيد هو أن تضيعه في الشوارع، هو أن تتركه مع المنحرفين والسيئين، لكن إذا حفظته من مدرسة إلى مسجد إلى بيت، فهذه هي التربية الحقة، وسيكون ولدك هذا قرة عين لك في الدنيا والآخرة، وستجني ثمرة صلاحه إن شاء الله، وقد جربنا من حفَّظوا أولادهم القرآن كيف كانت ثمارهم والحمد لله. إن القرآن له آثر في تربية الأولاد، فنقول: الله الله أيها الإخوة الشباب! وأيها الإخوة الطلاب! يا من وفقكم الله لحلقات العلم! داوموا عليها واستمسكوا بها، ولا تنصرف أنفسكم عن كتاب الله، فإنكم والله على أعظم عمل في الدنيا والآخرة. وأسأل الله لي ولكم الثبات. والله أعلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 410

أدلة البعث والنشور إن التكذيب بالبعث والنشور مسألة خطيرة؛ لأنها تتعلق بمصير الإنسان في الحياة الأخروية، والتي ينال فيها المرء سعادته أو خسارته الأبدية، ولعظم هذا الأمر أعطانا الله تعالى من الأدلة السمعية والبصرية ما تقر به القلوب وتستنير به البصائر، مما يوصل العبد إلى المطلوب ألا وهو إخلاص العبودية لربه من خلال إيمانه بوجود الله وتصديق شرعه، والإيقان باليوم الذي أخبر به تعالى.

стр. 411

فتنة التكذيب بالبعث والنشور الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فإن الإيمان بالبعث من ركائز هذا الدين، ومن أركان الإيمان، والحديث في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب ﵁؛ وهو حديث جبريل عندما أتى إلى النبي ﷺ ليعلم الصحابة أمر دينهم حين سأله عن الإيمان وأركانه، قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالعبث بعد الموت، وبالقدر خيره وشره من الله تعالى) ستة أركان لا بد من تحققها في عقيدتك أيها المؤمن، وإذا انهدم ركن من أركان الإيمان ذهب الإيمان. والذين يمارون في البعث أو يشكون فيه فهؤلاء لم تدخل حقيقة الإيمان قلوبهم، بل ما زالوا يعيشون في الضلال، الذي هو الضياع وعدم معرفة الطريق، تقول: فلان ضال، أي: إلى الآن تائه لا يدري أين يتجه. وفلان مهتدٍ، أي: عرف الطريق ولزمها، ولهذا يقول : ﴿أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى:١٨] الذين يشكون في أمر البعث والنشور في ضلال بعيد؛ لأنهم إلى الآن لم يعرفوا الطريق الموصل إلى الله تعالى عبر أركان الإيمان الستة، ألا وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالبعث بعد الموت، وبالقدر خيره وشره من الله تعالى. وقد ذكرنا في الماضي شيئاً عن البعث، واليوم سيكون الدرس عن أدلة البعث والنشور، ما هي الدلائل والبراهين التي نستطيع أن نثبت بها أن البعث والنشور كائن لا محالة؟ فإننا نواجه بالمكذبين، ونواجه بالضالين والزائغين عن صراط الله المستقيم، وربما يوردون علينا بعض الشبه، ولكن ونحن نعلم علم اليقين بالأدلة والقواطع والبراهين الساطعة على صدق إيماننا وعلى أدلة بعثنا بعد موتنا؛ نقف على أرضٍ صلبة، ونتيقن ونجزم أن من لا يؤمن بالبعث فهو ضالٌ ولو كان من كان، وأن من يؤمن بلقاء الله، ويؤمن بالبعث والنشور فهو المهتدي، يقول : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠]. والتكذيب ليس جديداً في حياة البشر، فإن أمر البعث والتصديق به عقدة العقد، ومشكلة المشاكل عند أصحاب العقول المتحجرة، والقلوب القاسية، والنفوس الحيوانية الهابطة الذين يرون في الإيمان قيداً على شهواتهم وملذاتهم، وهم يريدون أن يعيشوا حياة البهائم بدون قيود وضوابط، وإنما يأكلون ويشربون ما يشاءون، ويسرحون ويمرحون وينامون ويسهرون كيف يشاءون، هؤلاء يتفلتون من ضوابط وقيود الإيمان بالتكذيب والعلل والشبهات الساقطة الذابلة الهاوية التي لا أساس لها من الصحة.

стр. 412

مصير المكذبين بالبعث يوم القيامة ذكر الله في القرآن الكريم صوراً ونماذج من كفرهم وتكذيبهم وذمهم ومقتهم وتهددهم وتوعدهم، يقول الله في سورة الرعد: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد:٥] بعد أن ذكر الله في أول السورة جولة في آثار خلق السماوات والأرض قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد:٤] قال: وإن تعجب يا محمد فإن ما يثير عجبك هو تكذيبهم بالعبث والنشور بعد أن رأوا آيات الله وقدرته العظيمة في خلق السماوات والأرض: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد:٥]. ثم وصفهم الله فقال : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الرعد:٥] أي: هذا جاحد؛ والجاحد لا حيلة معه، هذا أول وصف: ﴿وَأُولَئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [الرعد:٥] يعني: من العذاب يوم القيامة أن يغلّهم الله بالأغلال في أعناقهم؛ لأنهم غلّوا عقولهم، أي: قيدوها وعاشوا في سجن المادة الضيق ولم يخرجوا إلى عالم الغيب الوسيع؛ العالم الذي ينتظم الدنيا والآخرة، فلما قيدوا عقولهم وغلّوها عذبهم الله بأن غلّهم في الأعناق يوم القيامة: ﴿وَأُولَئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الرعد:٥] هؤلاء المكذبون وصفهم الله بأنهم كفار، وأنهم في الأغلال في جهنم وأنهم أصحاب النار هم فيها خالدون. وعندما أوردوا فريتهم: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام:٢٩] قال الله لهم مكذباً وراداً عليهم: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام:٣٠] يعني: بعد البعث ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام:٣٠] يبعثهم الله من قبورهم ويقررهم ويقول: أليس هذا بالحق الذي وعدكم به رسلي؟! والذي أنزلته في كتبي وحذرتكم منه؟ قالوا: بلى وربنا. لا يوجد مجال للتكذيب؛ لأنهم رأوا الأمر رأي العين، رأوا الأمر على حقيقته فقالوا: بلى وربنا؛ يحلفون بالله في مظهر من الضعف والشفقة والتذلل والخضوع، لم يعرفوا الله في الدنيا حتى يرحمهم يوم القيامة، ولكن لم يعرفوه إلا حينما أضاعوا الفرصة. مثلهم مثل الطالب البليد الذي يُكذّبُ بالامتحانات، فهو يشتغل في العام الدراسي من أوله إلى آخره، والطلاب المؤمنون بصدق الإدارة والتعليم يجتهدون، لكن هذا المكذب يقول: لا أحتاج امتحانات إنها كذب في كذب من قال لكم بأن هناك امتحانات لا يوجد شيء، وعاش طوال السنة وهو يلعب ولا يذاكر، ولا يفتح حتى كتاباً، وفي آخر يوم من العام الدراسي أدخل الصالة وعزلت عنه الكتب والمواد، وقدمت له الأسئلة، ولما رآها وإذا به لا يعرف منها حرفاً واحداً، أما المجتهدون فقد بدءوا يجيبون، وأما هذا اللعاب لا يعرف حتى حرفاً واحداً، فيقول له رئيس اللجنة -ولله المثل الأعلى-: لماذا كذبت بالامتحان، أليس هذا الامتحان حق؟ فيقول: بلى يا سعادة المدير! يا رئيس اللجنة؛ يريد أن يسترحمه، أي: أخرجني واتركني أنظر إلى الأسئلة! أمهلني أراجع! أمهلني أذاكر! قال الله : ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام:٣٠]. أخي ليس لديك إلا فرصة واحدة فلا تضيعها؛ لأن التصحيح صعب! نعم. هي مرة واحدة؛ من فرط فيها خسر الخسارة التي ليس بعدها ربح، ومن اغتنمها وعمل بها ربح الربح الذي ليس بعده خسارة، وكما جاء في الحديث: ينادى يوم القيامة: ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً، ثم يبيض وجهه، ويأخذ كتابه بيمينه، ويعرضه على الخلائق، وأما ذاك الساقط -والعياذ بالله- الخامل؛ ينادى عليه يوم القيامة: ألا إن فلان بن فلان قد شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبداً، فيسود وجهه، ويأخذ كتابه بشماله، ويقول للخلائق: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٦]. ويرد الله أيضاً على طائفة من المكذبين وهم يقولون: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ [الإسراء:٤٩] شيء مستغرب! كيف سيعود هذا خلقاً جديداً؟!! فقال الله تعالى لهم: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ [الإسراء:٥٠] أي: كونوا أصعب وأقوى شيء، كونوا حجراً أو حديداً لا بشراً من عظم ولحم: ﴿أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء:٥١] تصوروا أي شيء أعظم من الحديد أو الحجر أو أي شيء؛ يتحداهم الله بألا يبقوا على أصل خلقتهم حتى يستحيل عليه أن يعيدهم في نظرهم، يقول: حولوا أنفسكم إلى أي مادة صعبة أو إلى أي مادة كبيرة في نفوسكم وعقولكم: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾ [الإسراء:٥١] الحجب الآن بين العالم المشاهد والعالم المغيب حدها الموت، وبعد الموت ينكشف كل شيء! ورد في الحديث: (إن المؤمن ليرى مقعده من الجنة وهو في بيت أهله). أخبرني أحد الإخوة في قصة غريبة لرجل توفي في إحدى القرى المجاورة لمدينة أبها؛ رجل عُرف بالصلاة والأذان في المسجد، وكل أهل القرية يعرفونه ويحبونه، وعاش على هذا الوضع إلى أن توفي رحمة الله تعالى عليه وعلى جميع موتى المسلمين، وفي ليلة وفاته وبينما كان جالساً في فراشه وعنده ولده المشرف على تمريضه، وإذا به يوقظ الولد، قال: يا ولدي! قال: نعم، قال: افتحوا الباب للرجل الذي خلفي؛ لأنه لا يستطيع أن يدخل منه، قال: من هو؟! قال: الرجل الكبير الذي عليه ثوب أبيض، يقول الولد: تلفت خلفي فما رأيت شيئاً، يقول: وإذا به يوم أن جلس -الرجل عامي لا يقرأ ولا يكتب لكنه من أهل الفطرة والإسلام والدين- يقرأ آية من كتاب الله كأعظم قراءة سمعها ولده من قارئ قراءة مرتلة مجودة، يقول: والله ما أظنه صوت أبي، لكن صوت خارجي، يقول: وبعدها مال على جنبه ومات. فالمؤمن يرى منزله من الجنة وهو في بيت أهله، والكافر والفاجر يرى منزله من النار -والعياذ بالله- وهو في بيت أهله، فما بين الآخرة والدنيا إلا هذه العتبة -أي: عتبة الموت- وسوف نقف كلنا عندها وندخل، وبعد الموت تنكشف الحجب فإما سالم وإما -والعياذ بالله- خاسر، نعوذ بالله وإياكم من الخسران.

стр. 413

أصناف المكذبين بالبعث والنشور المكذبون بالبعث والنشور أصناف: الصنف الأول: صنف الملاحدة الذين أنكروا وجود الله أصلاً -عليهم من الله ما يستحقون- ومنهم الفلاسفة -فيما مضى- والشيوعيون الذين يعيشون في هذه الأزمان الذين يقولون: لا إله والحياة مادة، وإذا ناقشتهم على بساط العقل والمنطق تهاووا وسقطوا؛ لأنهم لا يملكون أدلة، وعندما تناقشه عن ساعته التي في يده وتقول له: هذه الساعة ليس لها صانع، يقول لك: مستحيل، تقول له: من صنعها؟ يقول: المهندس، تقول: والمهندس له صانع؟ يقول: لا. ليس له صانع، تقول له: كيف؟!! أقول إن الساعة ليس لها صانع فلا تصدق، وأقول: إن المهندس الذي صنعها له صانع فتقول لا. لا صانع له؟ أيهما أشد عقدة: المهندس أم الساعة؟! سبحان الله العظيم! مستحيل أن تكون الساعة من غير صانع، وليس بمستحيل أن يكون إنسان من غير خالق! لا والله ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]. هؤلاء الملاحدة الذين ينكرون صدور الخلق وحدوثه عن الله ينكرون النشأة الأولى والثانية أصلاً، وهم منكرون لوجود الله ﵎، فهؤلاء لا نقاش معهم. الصنف الثاني: قوم يعترفون بوجود الله تعالى، ولكنهم يكذبون بالبعث بعد الموت، ومن هؤلاء العرب الذين بعث النبي ﷺ فيهم، فإنهم كانوا يقرون بوجود الله، يقول تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] فهم معترفون بأنه الخالق لهذه السماوات والأرض، ولكنهم يقولون: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النمل:٦٧ - ٦٨] هذا هو الصنف الذي يؤمن بوجود الله لكنه يكذب بوجود البعث؛ يدعون أنهم يؤمنون بالله ولكنهم يدعون أن قدرة الله عاجزة عن إعادتهم وإحيائهم بعد إماتتهم، وهؤلاء هم الذين ضرب الله لهم الأمثلة والبراهين والحجج بأنه قادرٌ على البعث والنشور؛ لأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. الصنف الثالث: قوم يؤمنون بالبعث لكن على صفة وهيئة تختلف عما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وإنما يؤمنون بأساطير وخرافات وضلالات وفلسفات وأفكار ليس يدعمها دليل لا من كتاب ولا سنة، فهؤلاء في حكم المكذبين. هذه أصنافهم.

стр. 414

الأدلة على البعث والنشور أما الأدلة على البعث والنشور فكثيرة، وإذا طُلب منك دليل فإن لديك من الأدلة ما تقنع به الحجارة فضلاً عن البشر؛ لأن الإيمان بالبعث دل عليه القرآن والسنة النبوية المطهرة، والقرآن كله من أوله إلى خاتمته مملوء بذكر أحوال البعث والنشور، وأحوال يوم القيامة، وأحوال الجنة والنار، وتفاصيل ما هو كائن وما سيكون إلى يوم القيامة، وما سيكون بعد يوم القيامة في الجنة والنار، وفي عرصات القيامة وتقرير ذلك بالأمثال والأخبار والأيمان والأقسام، وكما ذكر القرآن الأدلة ذكر أيضاً فرية المكذبين بالبعث والنشور، وذكر أيضاً شبهاتهم وفندها، ورد على مزاعمهم واحدة بعد واحدة حتى لم يعد لهم دليل يستطيعون أن يستندوا عليه في إثبات كذبهم وضلالاتهم. والفطرة السليمة التي سلمت من الأصابع البشرية الضالة تهدي إلى الإيمان بالبعث وتدل عليه، ولا صحة أبداً لما يزعمه الضالون من أن العقول تمنع وقوع البعث والنشور، فإن العقول تقره ولا تمنع من وقوعه، بل توجب وقوعه، والأنبياء لا يأتون أبداً بما تحيله العقول، بل يأتون بما تقبله العقول وتوجبه، ومن تلك الأدلة ما يلي:

стр. 415

أدلة القرآن بوقوع البعث والنشور الدليل الأول: إخبار الله ﵎ في القرآن بوقوعه: وهل أصدق من الله ؟ إذا أخبر الله في القرآن بخبر لزم منك -أيها المؤمن- بمقتضى إيمانك أن تصدق؛ لأنه لا أحد أصدق من الله قيلاً، وقد أخبر الله أن البعث والنشور كائن، وهذا من أعظم الأدلة الدالة على وقوع البعث؛ فمن آمن بالله وصدق برسول الله ﷺ وكتابه الذي أنزله الله على رسوله فلا مناص له من الإيمان بما أخبر به من البعث والنشور، والجزاء والحساب، والجنة والنار. وقد نوع الله ﵎ في الكتاب الكريم أساليب الإخبار ليكون أوقع في النفوس وآكد في القلوب، ففي بعض المواضع من القرآن يخبر الله بوقوع يوم القيامة إخباراً مؤكداً بـ (إن) يقول الله : ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه:١٥] ومرة يؤكد بـ (إن، واللام)، يقول جل ذكره: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر:٨٥] اللام الداخلة على (آتية) لام التوكيد، إن: حرف توكيد ونصب، ومرة يؤكد بـ (ما): ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام:١٣٤] ومرة بأداة الحصر: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ [المرسلات:٧] هذه كلها أساليب في تأكيد عملية الإخبار عن البعث والنشور وأنه كائن لا محالة. - الدليل الثاني: قَسَم الله ﵎؛ فيقسم الله على وقوع البعث؛ أنت إذا أخبرك رجل تثق في خبره صدقت خبره، وإذا أكد لك الخبر بأي وسيلة من وسائل التوكيد كان الخبر آكد عندك، وإذا أكده لك بالقسم وأنت تعرف أنه رجلٌ صادق بار مؤمن لا يمكن أن يكذب فإن الخبر عندك يأخذ مأخذ المسلمات، سبحان الله! الله يخبر ويؤكد ويقسم على وقوعه، يقول الله ﵎: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء:٨٧] هذا قسم يقسم الله بالذي لا إله إلا هو فيه بنفسه. ويقسم على وقوعه بما شاء من مخلوقاته، يقول الله : ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً * فَالْحَامِلاتِ وِقْراً * فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات:١ - ٦] يعني: إن يوم الدين يوم البعث والنشور لواقع. ويقسم الله بخمسة أشياء في سورة الطور: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور:١ - ٨]. ثم يأمر رسوله بأن يقسم بالله ﵎ على وقوعه، ويرد على المكذبين فيقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ:٣] ويقول : ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس:٥٣] ويقول جل ذكره: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧]. - الدليل الثالث: ذمه تعالى للمكذبين في بعض مواضع القرآن ذماً مباشراً، فيقول ﵎: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس:٤٥] أي: خاسر لا خير فيه! ما ربح من دنياه إلا العذاب والسخط! ليته ما خلق! ليته ما عرف هذه الحياة! لو لم يعرف الحياة لكان في عداد المهملين! لو كان حيواناً لكان في عداد من يصير تراباً! لكنه عاش في الدنيا ليعبد الله، ومكنه الله وزوده بوسائل الإدراك؛ العقل والنظر والسمع ولكنه ما استخدم هذه الوسائل فخسر دنياه؛ قال الله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس:٤٥] ويقول: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦] أي: عمي عن الإيمان بالله والعياذ بالله! الدليل الرابع: وكما ذم المكذبين يمدح أهل الإيمان المصدقين جعلنا الله جميعاً منهم؛ يمدحهم ويقول: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:٧ - ٩] هذا ثناء؛ سماهم الله راسخين في العلم، أي: ليسوا سطحيين؛ لأنه العلم عن الله، علم الكتاب والسنة، ليس علم المادة؛ قد تجد إنساناً عالماً رأسه مثل الجبل في الذرة والفلك والطب والهندسة وفي كل شيء، لكنه في علم الله لا يعرف شيئاً، هذا أجهل ثور -والعياذ بالله- في الأرض، وتجد آخر لا يستطيع أن يقرأ حتى حرفاً واحداً، لكن عنده من الإيمان بالله مثل الجبال. هذا هو العالم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] أي: العلماء به، وبعد ذلك الراسخون في العلم الذين رسخت قلوبهم في العلم بحقائق هذه الحياة حتى عرفوا مصيرهم وعرفوا سر خلقهم ووجودهم، وعرفوا البعث بعد الموت. هؤلاء راسخون؛ لأنهم غاصوا في أعماق الحقائق، أما السطحيون الذين عرفوا من الدنيا السطح فقط، فإنهم يعيشون وتفكيرهم في هذه الدنيا فقط؛ في المادة وعناصرها وأجزائها، هؤلاء قال الله تعالى فيهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] هؤلاء -والعياذ بالله- ستكون لهم مواقف مخزية وحينها يتمنون أنهم ما عرفوا هذه الحياة. - الدليل الخامس: من ضمن الأساليب في الإخبار أنه ﵎ يذكر في القرآن أن وعد البعث صادق، ولا مجال لتكذيبه، ويقول: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ * فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود:١٠٣ - ١٠٩] يقول: لا تخف ولا تشك في هؤلاء الذين يعبدون غير الله؛ إنما يعبدون الشهوات والطواغيت والمادة، وهم سائرون على ما سار عليه أسلافهم من الكفار والمكذبين، ولكن الجزاء عندنا، وسوف نوفيهم نصيبهم غير منقوص. ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ [لقمان:٣٣] هذا وعد الله الذي لا يتبدل ولا يتغير أبداً، ويقول : ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبأ:٢٩ - ٣٠] ويقول مهدداً ومتوعداً: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف:٨٣] ويقول جل ذكره: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ [الذاريات:٥]. - الدليل السادس: إخباره تعالى عن مجيئه في بعض الأحيان بصيغة الاقتراب، فيقول ﵎: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً﴾ [المعارج:٦] يعني: يوم القيامة ﴿وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ [المعارج:٧] ويقول: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل:١] أتى هنا فعل ماضٍ، وعبَّر الله بالماضي ليؤكد تحقق وقوعه وقربه وكأنه قد وقع، أَتَى أَمْرُ اللَّهِ أي: البعث والنشور ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل:١] ويقول الله : ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُول

стр. 416

الاستدلال بحدوث النشأة الثانية من حدوث الأولى الاستدلال على وقوع وإمكان النشأة الثانية بالأولى، أي: ذكر الله في القرآن الكريم أدلة على أن النشأة الأخرى ستكون بناءاً على وقوع النشأة الأولى، فنحن نشاهد في كل يوم خلقاً جديداً؛ أطفال يولدون، من خلقهم؟ اسأل الآن من الذي خلق هذا الولد؟ سبحان الله! حتى الأطباء يقولون: يضعه الأب نطفة وتستقبله الأم عن طريق بويضة، ويحصل اللقاح بين البويضة وهذه النطفة؛ والنطفة حيوان منوي صغير يدخل في هذه البويضة وتغلق عليه، ثم تطرد الحيوانات المنوية الأخرى فتموت، وبعد ذلك: من علم عنه في تلك الظلمات؟ ومن رباه؟ وبعد ذلك يبقى أربعين يوماً كما هو نطفة، وبعد أربعين يوماً يتحول إلى علقة، وبعد أربعين يوماً يتحول إلى مضغة، وبعد أربعين يوماً يتحول إلى عظام -هيكل عظمي كامل- ثم ينشئه الله خلقاً آخر؛ ثم يكسوا الله العظام لحماً، وبعد ذلك يبدأ في النمو وهكذا يكون عظاماً كاملة لا ينقصه عظم إلا الأسنان: الجمجمة موجود، والعمود الفقري موجود، والأضلاع موجودة. أنا رأيت جنيناً صغيراً في مختبر في مستشفى من مستشفيات المملكة أضلاعه مثل الدبابيس، يقول: خرج في بداية الشهر الخامس، وبعد ذلك أخذوه إلى التشريح وفصلوا اللحم منه، فإذا عظامه هيكل عظمي كامل لا ينقصه إلا الأسنان؛ الأسنان لم تطلع؛ لعدم أهميتها في بداية حياة الطفل فالله أخرها، وتطلع بعد ذلك عندما يأكل، أما الآن فطعامه سوائل فلا داعي للأسنان، وبعد ذلك هل سمعتم واحداً في الدنيا طلعت له أسنان؟ أبداً. لا يوجد، بينما الصغير يولد تجد معه قدرة على المص، وتجد (الكتكوت) يخرج من البيضة، ومباشرة تجده يقف على قدميه ويبحث عن حب ويأكل، لكن الطفل الصغير لا يستطيع أن يأكل ولا يستطيع أن يهضم، إذاً ليس عنده أسنان، ماذا عنده؟ عنده فم، وعندما تعطيه ثدي أمه يرضع مباشرة. هذه الأضلاع وهذا العظم. وبعد ذلك يبدأ الولد في النمو المتوازن سواء بسواء؛ الضلع الذي هنا يطلع مثل الضلع الذي هنا، واليد التي هنا مثل اليد التي هنا، والرجل التي هنا مثل الرجل التي هنا، والعين هذه تطلع مع العين هذه، سواء بسواء، خلايا متوازنة! كل شيء في مكانه! سبحان الله الذي لا إله إلا هو!! فالذي خلق هذا الخلق هو الذي نراه كل يوم يحدث، كل يوم يأتي لنا ولد أو بنت كذلك، وقد سألني أحد الإخوة بالأمس سؤالاً، يقول: حديث سأله عنه أحد الناس يسأل عن صحته وهو حديث: (إن خير الأمة من تبكر ببنت) يقول: هل هذا حديث صحيح؟ قلت: لا. ليس بصحيح وليس من مشكاة النبوة، الخيرية لا تكتسب بأنثى أو ذكر، الخيرية تحصل عليها أنت بفعلك وعملك وجدك واجتهادك وإيمانك، فقد ترزق بنتاً ولا تكون من خير الناس، وقد ترزق ولداً ولا تكون من خير الناس، لكن الخيرية بجهادك، أما الولد والبنت فهي بمشيئة الله تعالى، يقول الله : ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً﴾ [الشورى:٤٩ - ٥٠] والقضية ليست بالرجل ولا بالمرأة. من الذي يحدد نسبة البنات والأولاد في الشعوب والأمم؟ لا أحد يحدد أبداً، ولا يستطيع أحد أن يحدد، ولو حدده الناس وترك للأب أن يختار لكان كل واحد يقول: أريد رجالاً، أريد أن أتفاءل برجال، وذاك يريد رجالاً وكثر الرجال. من أين لهم نسوة؟ ثم بعد ذلك ماتوا وانقرض الجنس البشري لكن لا. أنت يأتي لك أولاد وذاك يأتي له بنات، وقد تكون البنت هذه أبرك من بعض الرجال، لا تظن أن البنت إذا جاءت بأنك تنهزم! لا يا أخي. هذه ظنون جاهلية؛ الجاهليون الذين كانوا لا يؤمنون بالله كانوا إذا جاءتهم البنت تهتز قلوبهم. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩] لا يا أخي: إن الله هو الذي يضع البركة في البنت والولد، ورب امرأة كانت أبرك من مئات وعشرات من الرجال! ولا حول ولا قوة إلا بالله! فالخلق يتم والأولاد يولدون كل يوم، وبعد ذلك يرى الإنسان هذا بأم عينيه؛ ثم هو ينكر أن الله قادر على أن يحيي الناس مرة أخرى! إن الذي خلق قادر غير عاجز على أن يعيد، سبحان الله! إن الذين يطلبون دليلاً على البعث بعد الموت يغفلون عن خلقهم الأول، فالقادر على خلقهم أول مرة قادرٌ على إعادة خلقهم مرة ثانية، وقد أكثر الله من الاستدلال على النشأة الآخرة بالنشأة الأولى، وتذكير العباد الذين يستبعدون إمكان وقوع البعث بعد الموت بذلك، يقول الله في نقاشٍ عقلي منطقي في سورة مريم: ﴿وَيَقُولُ الْأِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً﴾ [مريم:٦٦] قال الله: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ [مريم:٦٧] ثم يقسم الله تعالى ويقول: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ [مريم:٦٨] يقسم الله ﵎ أنه سوف يحشر هؤلاء وكل شيطان متمرد على أمر الله. وأيضاً يقول الله ﵎ وهو يذكر في القرآن الكريم أبانا آدم أن الله خلقه من تراب، فالقادر على جعل التراب بشراً سوياً لا يعجزه أن يعيد البشر بشراً سوياً. عندما تأتي شخصاً بنى له بيتاً من الحجارة ثم جاء وهدها، هل تقول: لا تقدر على أن تبنيها مرة ثانية؟ لا. الذي بدأ قادر على الإعادة؛ لأن الإعادة أسهل من البداءة، وإلا فإن الله لا يعجزه شيء، كل شيء سهل، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٥ - ٧]. وقد أمر الله الناس بالسير في الأرض، والتذكر لما سيكون فيها، والنظر إلى كيفية بدء الخلق فيها، يقول الله ﵎: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت:١٩ - ٢٠] وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم:٢٧] كلمة: (أهون عليه) هذه في البشر، لكن له المثل الأعلى، فكل شيء هين على الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم:٢٧] فكما خلق فهو قادر على أن يعيد، إذ لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

стр. 417

قدرته تعالى على إيجاد العظيم مثبتة قدرته على إيجاد الحقير من أدلة وقوع البعث والنشور: أن الذي قدر على أن يخلق الأعظم قادر على أن يخلق الأقل عظمة، فإن من يستطيع أن يحمل خمسين كيلو لا يعجزه حمل كيلو، أليس كذلك؟ والذي يستطيع أن يجري مائة متر لا يعجزه أن يسير خطوات؛ لأنه قدر على الكثير فمن باب أولى أن يقدر على القليل. وقبيح في نظر البشر أن يرمى بالعجز عن حمل الشيء الحقير من يستطيع أن يحمل الشيء العظيم، ومثله: إذا غلب إنسان رجلاً شديد البأس قوياً لا يقال له: إنك لا تستطيع أن تصرع هذا الهزيل، أي: إذا رأيت رجلاً أمسك برجل قوي جداً وصرعه، ورأيت آخر سفيهاً وصغيراً وقلت: أتحداك أن تصرع هذا؟ ماذا يقول لك؟ يقول: يا أخي! أنا قدرت على ذلك الذي مثلي مرتين وطرحته، أما هذا فسوف أنفخه نفخة تأخذه إلى هناك لماذا؟ لأن الذي يقدر على الأكبر يقدر على الأصغر، ولله المثل الأعلى ﵎. والله تعالى من جملة خلقه ما هو أعظم من خلق الناس، فكيف يقال للذي خلق السماوات والأرض: إنك لا تستطيع على أن تخلق الناس؟ يقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً﴾ [الإسراء:٩٨ - ٩٩] وقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٨١] وقال : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف:٣٣] وقال سبحانه: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧] قال ابن تيمية ﵀ بعد أن ساق هذه النصوص: إن من المعلوم والبديهيات والمسلمات عند العقول أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق أمثال بني آدم، والقدرة عليه أبلغ والإمكان أيسر؛ لأن من قدر على الكبير قدر على الصغير.

стр. 418

الأدلة العقلية على قدرة تحويل الله الخلق من حال إلى حال من الأدلة: قدرته ﵎ على تحويل الخلق من حال إلى حال؛ له القدرة البالغة المطلقة التي لا يعجزها شيء، والله قد بين لنا أنه قادر على أن يحول الناس من حالة إلى حالة: ويحول المادة من حالة إلى حالة. ما هي المادة التي تجدها صلبة وعندما تسلط عليها حرارة تتحول إلى سائلة الثلج! من يتصور أن الثلج يصبح ماء؟ ومن يتصور أن الماء يتحول إلى بخار؟ لكن إذا سخنه يصير بخاراً! فالذي يقدر على تحويل المواد من مادة إلى أخرى أليس قادر على أن يحول الإنسان من طين إلى أن يكون بشراً سويا؟! سبحان الله العظيم! يقول الله ﵎: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة:١٠] بين الله ﵎ في أكثر من موضع أن من تمام ألوهيته أنه يقدر على تحويل الخلق من حالٍ إلى حال، ولذا فهو يميت ويحيي، ويخلق ويفني، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام:٦٥ - ٩٦] فهو يخرج من الحبة الجامدة الصماء نبتة غضة طرية خضراء تزهر وتثمر وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ثم تعطي هذه النبتة حبوباً جامدةً ميتة، ويخرج من الطيور الحية البيضُ الميت، ويخرج من البيض هذا حياة طيور جديدة سبحان الله! إن هذا لهو قادر على أن يحيي الموتى. وتقليب العباد من حال إلى حال، ومن موت إلى حياة، ومن حياة إلى موت دليل على عظمته وقدرته ﵎، يقول الله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة:٢٨].

стр. 419

إحياء الله لبعض الموتى في الحياة الدنيا وهذه تؤكد عملية إحياء الأموات. إحياء الأموات في هذه الحياة؛ حصل هذا أن أناساً ماتوا فأحياهم الله، وإحياؤهم دليل على قدرة الله على إحياء الناس كلهم بعد الموت، ولقد شاهد البشر في فتراتٍ مختلفة من التاريخ عودة الحياة مرة أخرى إلى الجثث الهامدة والعظام البالية المتفتتة، بل شاهدوا الحياة تدب في الجمادات، وقد حدثنا الله وأخبرنا عن هذه المعجزات الباهرات في كتابه الكريم فمن ذلك: قوم موسى لما قالوا له: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء:١٥٣] وقد مارس العملية أولاً حين قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣] فالله تعالى قال له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] أي: لن تستطيع أن تصمد عيناك لرؤيتي ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] إذا تمكن جبل الطور من أن يستقر ويواجه عظمة الإله فسوف تراني، يقوله الله ، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾ [الأعراف:١٤٣] الله لم يتجلَّ لموسى ولو تجلى له لاحترق، لكن تجلي الله للجبل جعله يخر مدكوكاً: ﴿جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣] لا إله إلا الله!! هؤلاء قومه قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:٥٥] قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الذاريات:٤٤] صعقتهم الصاعقة وماتوا وتقطعت قلوبهم في أجوافهم، لكن قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٥٥ - ٥٦] فالله أحياهم بعد أن أماتهم وبعثهم لعلهم يعرفون الله ﵎. كذلك بنوا إسرائيل لما قتل فيهم قتيل بين قبيلتين: وكان رجل منهم له ولد وهذا الولد له عم، فأراد الولد أن يقتل عمه ليأخذ ماله، فقتله ثم حمله ورماه في القبيلة الثانية، وجاء في اليوم الثاني وإذا بالمقتول عندهم، قالوا: أنتم الذين قتلتموه، قالوا: ما قتلناه ونحن أبرياء منه، قالوا: لا بد أن نسأل، ثم ذهبوا إلى موسى عليه الصلاة السلام، قالوا: هذا الرجل وجدناه قتيلاً عند آل فلان وهم ينكرون قتله، فمن قتله؟ فطلب موسى من الله ﵎ أن يوحي إليه بمن قتل هذا المقتول، فالله أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة حتى يؤخذ شيء من هذه البقرة ويضرب بها ذلك الميت فتعود له الحياة ويخبر بمن قتله. فبنوا إسرائيل على عادتهم لا يمتثلون الأمر مباشرة، ولكنهم يلفون ويدورون، قالوا: يا موسى ما لونها؟ ما هي؟ ما شكلها؟ ما طولها؟ ما عرضها؟ فشدد الله عليهم؛ كلما سألوا سؤالاً أعطاهم صفة لا يجدونها، حتى إنهم لم يجدوا تلك البقرة إلا عند امرأة من بني إسرائيل رفضت أن تبيعها لهم إلا بملء جلدها ذهباً أحمر، يقول بعض المفسرين: لو أنهم أخذوا أي بقرة من البقر وذبحوها لوجدوا الغرض، لكن لما شددوا شدد الله عليهم. ولهذا انتبهوا أيها الإخوة! من شدد شدد الله عليه، يقول ﵊: (إن هذا الدين عميق فأوغلوا فيه برفق، ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه) ويقول ﷺ : (ولا تغلوا كما غلت أهل الكتاب) فإن غلّو بني إسرائيل أخرجهم من الدين وقال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:١٧١] والغلو: هو تجاوز الحد. وأريد أن يفهم الناس من هذه الكلمة أن الغلو ليس تطبيق السنة؛ بعض الناس عندما يرى شاباً يقصر ثوبه، ويضع يديه على صدره، ويصلي في المسجد، ويغض بصره قال: هذا متشدد، وأنت؟ قال: أنا على الدين، ماذا تفعل؟ قال: أغني، وأجلس مع النساء ولو تبرجن فإن الدين يسر، هذا كذب، هذا ليس ديناً، هذا تمرد وتملص وتسيب وتضييع لدين الله ؛ الدين اليسر هو السنة التي جاء بها الرسول ﷺ ، وترك الدين تسيب؛ والتشدد يكون فوق ما أمر الله به. أعطيكم مثالاً على التشدد، والحديث في الصحيحين: ثلاثة نفر جاءوا إلى نساء الرسول فسألوا عن عبادة الرسول ﷺ ، فأخبروا بها فكأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من رسول الله؟ رسول الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر! أما نحن لم يغفر لنا ما تقدم ولهذا لا بد أن نزيد! انظروا هذه النظرة! أكثر الناس الآن عندما تقول له: يا أخي! هذه سنة رسول الله، قال: وأين أنا من رسول الله، تريدني أن أكون مثل الرسول؟ لن أصير مثل الرسول، سبحان الله! يقول: الرسول صادق وأنا لا أقدر أن أصدق مثل الرسول ولا أصلي في مسجد الرسول كما يصلي هو، لكنه رسول يصلي في المسجد، أما أنا فلا أقدر أن أصلي؛ أنا ضعيف! ويضيع الدين بحجة أنه ليس مثل الرسول، لكن لك في رسول الله أسوة حسنة، يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] هؤلاء الصحابة يقولون: أين نحن من رسول الله؟ لسنا مثل الرسول مغفور لنا، ولذا فلا بد أن نزيد، فشخص قال: أنا أقوم الليل ولا أنام أبداً ﵃ وأرضاهم، آمنوا والله إيماناً مثل الجبال- والثاني قال: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر أبداً! والثالث قال: النساء والأطفال مشغلة عن دين الله، فلن أتزوج النساء أبداً! هذا غلو! هذا خروج على فطرة الرسول ﷺ وسنته وهديه، وبالتالي يكون تغييراً للمبدأ وللمنهج الإيماني؛ منهج النبي ﷺ ، لما سمعهم نادى فيهم وقام وخطب الناس؛ قال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني) هذا هو التشدد -أي: أنك تشدد على نفسك- بعض الناس يتشدد ويمشي حافياً! ماذا بك؟ قال: يا شيخ، هذه الحذاء تفسد الرجال، أنا أريد أن أمشي من أجل أن أشتد، يا أخي امشِ بالحذاء! كان ﷺ لا يتكلف مفقوداً ولا يبخل موجوداً، إن وجد حذاء لبسها ولا يرفضها، وإن لم يجد مشى، وأنت إذا لقيت حذاءك انتعلها، لكن تدعها وتمشي حافي القدمين في الشارع فهذا ليس من الدين. وسمعت عن بعض الناس يقولون: لا نستعمل الكهرباء، لماذا؟ قالوا: إن هذه الكهرباء تأتي لنا بالمنكرات! ويستعملها أهل المعاصي في المنكرات! طيب: الهواء الذي تتنفسه أنت الآن يستنشقه أهل المعاصي في المنكرات، إذاً اترك الهواء، والماء الذي تشربه؛ لأن أهل المعاصي يشربونه، والأرض التي تسير عليها أهل المعاصي يسيرون عليها، أجل! اخرج من الأرض وطِر في السماء وحلق! هذا ليس دين الله ﵎، هذا غلو وتشدد. وأحد الإخوة دخل على أناس في مسجد وإذا بهم يموتون من الحر! سوف ينقطعون في - الرياض أيام الحر الشديد- وإذا به يصلى معهم ولا يعرف كيف يصلي، ولما انتهى قال: يا جماعة: لم لا تشغلون المراوح والمكيفات؟ لماذا يا إمام؟ قال: هذا من الترفيه الذي لا ينبغي! الإمام نفسه يقول: لا تشغلوا المراوح ولا المكيفات، ابقوا في الحر حتى تعرفوا حر جهنم! هذا ليس من دين الله، لا حول ولا قوة إلا بالله! هذا اسمه غلو وتجاوز للحد، نحن ننصح الناس من الغلو في الدين؛ لأن الغلو إذا تجاوزه الشخص انعكس، يقول: ما تجاوز الحد انقلب إلى الضد. فبنوا إسرائيل تجاوزوا وبدءوا يلفون ويدورون حتى إن الصفة لم تتوفر إلا في تلك البقرة الوحيدة فاشتروها بملء جلدها ذهباً ثم ذبحوها. وجاء موسى ﵇ وأخذ ضلعاً من ضلعها وضرب الميت، قال الله ﵎: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٧٣] حين ضربه قام الرجل كأنه كان نائماً، قالوا: من قتلك؟ قال: ابن أخي، وابن أخيه هو الذي يصيح ويقول: كيف تقتلون عمي؟! قال الميت: هذا الذي قتلني، فأخذوه وقتلوه، فهذا من آيات الله التي حصلت في إحياء الموتى بعد أن كانوا موتى، أحياهم الله! وإن من أحياهم قادر على إحياء جميع الأموات. - الدليل الثالث: أخبرنا الله في آخر سورة البقرة عن الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف فقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٢٤٣]. -الدليل الرابع: حدثنا الله عن الرجل المكذب الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها؛ البيوت قد تهدمت، والقبور قد نصبت، والحياة قد انطمست، فقال في عقله: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩]؛ استبعد وقال: متى يحيي الله هذه الأرض بعد موتها؟ ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩] رأى العظام وهي تتشكل، ورأى العظام وهي تكسى لحماً، ورأى الروح وهي تنفخ، أما طعامه الذي كان معه قبل أن يموت فقد بقي لم يتسنه ولم يتغير ولم يتحمض ولم يتعفن رغم مرور مائة سنة وهو محفوظ بالقدرة الإلهية لم يتغير أبداً؛ لأنه آية

стр. 420

إحياء الأرض بالنبات بعد إنزال المطر عليها وكذلك ضرب المثل بإحياء الأرض بالنبات بعد إنزال المطر عليها، ونحن اليوم نرى بعد نزول المطر والغيث والحمد لله الأرض قد اخضرت، والأشجار أثمرت، وامتلأت الأرض بالورود والألوان الزاهية والأشكال المشكلة، بعد أن كانت قبل المطر غبراء دبراء لا أثر للحياة فيها، لكن لما نزل عليها الماء، أين كانت هذه البذور؟ من الذي حفظها؟ من الذي أحياها؟ إنه الله الذي لا إله إلا هو، يقول الله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم:٥٠] ويقول عز ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان:٤٨] ويقول: ﴿إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر:٩] ويقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت:٣٩] ويقول: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف:١١].

стр. 421

مقتضى عدل الله موجب للبعث والنشور من حكمة الله ومقتضى عدله أن يوجب وجود بعث وجزاء بعد الموت لا بد. وإلا فإن هذا مناقض ومعارض للعدل الرباني الإلهي، لماذا؟ لأن الله خلق الخلق لعبادته، وأرسل الرسل وأنزل عليهم الكتب لبيان الطريق الموصلة إليه، فانقسم الناس إلى قسمين: قسم استجاب واستقام على طاعة الله، وعمل في سبيل الله، وبذل نفسه وماله وحياته كلها في دين الله. وقسم رفض دين الله، وكذب رسله، وقضى حياته كلها في محاربته هو ورسله، وفي إيذاء عباد الله؛ يفتك بالأرواح يسيل الدماء يهتك الأعراض يسرق الأموال يفسد في الأرض ثم يموتون كلهم، أفيليق في منطق العقل أن يموت ذلك الصالح وذلك الخبيث المنحرف الطالح ثم لا يجزي الله المحسن بإحسانه، ولا يعاقب المسيء على إساءته؟ هل هذا معقول؟ لا. ولهذا يقول الله : ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٨] ويقول: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧] ثم يقول: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] أي: مستحيل، ويقول الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠] ويقول: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية:٢١ - ٢٢]. هذه -أيها الإخوة- الأدلة السبعة التي نغرسها في قلوبنا، ونجزم عليها ونعيش في سبيلها، ونعيش عليها ونحن مؤمنون بلقاء الله، ويترجم هذا الإيمان ويصدق أو يكذب بسلوكنا، فإن من الناس من يقول: آمنا، ولكن فعله يكذب قوله، لا يكون صادقاً من قال: آمنا إلا إذا أقام على هذا الكلام دليلاً من عبادته وترك محارم الله ﵎، واستقامته على منهج الله. أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقني وإياكم الإيمان القوي، وأن يثبتنا وإياكم عليه حتى نلقى الله. والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تنبيه: ينتشر في هذه الأيام ورقة يقولون: إنها مصورة بالكمبيوتر على القصبة الهوائية والرئة اليمنى، وأن المتأمل فيها يقرأ كلمة التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإذا كان الكلام صحيحاً، يعني: أن هذا جاء عن طريق تصوير لهذه الجزئية من جزئيات الجسد بالكمبيوتر والتكبير له، فإنه واضح من خلال القراءة لها كلمة: لا إله إلا الله محمد رسول الله -واضحة باللغة العربية- وبإمكان أي واحد منكم أن يراها، هذه من آيات الله الدالة على عظمة الله وقدرته، والله تعالى يقول: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣] ولكن لسنا -أيها الإخوة- في شكٍ من أمر ديننا ولا عقيدتنا حتى نبحث عن المؤيدات، كأننا نقف ونريد من يثبتنا، لا. نحن ثابتون ولو لم نر، هذه إن كانت حقاً فهي تزيد، وإن كانت ليست بحق فلا نتزعزع في إيماننا؛ لأننا نخشى أن يأتي يوم من الأيام يبحثونها فيقولوا: لا. الأمر فيه خطأ إن كلمة: لا إله إلا الله محمد رسول الله كلمة حق عليها نعيش وعليها نحيا وعليها نموت وعليها نبعث إن شاء الله، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل لا إله إلا الله، وهذه لا تزيد المؤمن إلا إيماناً وتثبيتاً عند الله ﵎.

стр. 422

الأسئلة

стр. 423

حكم الاختلاط بحجة طهارة القلب السؤال في القرية التي أسكن فيها وفي القرى المجاورة من حولنا نشاهد مناظر لا يرضاها الشرع من التبرج وكشف الوجه والصدر والاختلاط في السهرات، ونرى المرأة تجلس مع ابن عمها وابن جارها سواء كانت متزوجة أو غير ذلك، ولما أرشدناهم قالوا: نحن إخوة والقلوب صافية، وأنت تريد أن تفرق بين الأسرة والأقارب، وهذه المرأة أو البنت تذهب إلى العمال؛ والمزارع مثل مزارع البن -كأن الأمر هذا في غير البلاد هذه- فأرشدنا أرشدك الله لعل الله أن ينفعهم؟ الجواب نقول: -أيها الإخوة! - من نور الله بصيرته من الإخوة الذين يقيمون في هذه الديار وعاد إلى بلده فإن مسئولية الدعوة يجب أن يحملها وينشرها، كما منَّ الله عليه وأنقذه مما كان فيه من الضلال، وينبغي أن يحمل هذا النور وهذه المسيرة إلى أهله وعشيرته، وأن يبلغ من يعرف ومن لا يعرف من قراه التي يعيش فيها بدين الله ﵎، ولكن ينبغي أن يكون الإبلاغ عن طريق العلم. لا بد أن تتعلم؛ لأنك إذا أوردت المسألة وقرنتها بالدليل من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ أقنعت، أما إذا قلت كلاماً كذا بدون دليل فإنك تقف موقف العاجز عن الرد، ولكن لا يمنعك عدم علمك عن أن تقول الحق، إنما قل الحق فإن استطعت أن تدعمه بالدليل فهذا أفضل، وإن لم تستطع فعليك أن تأمر وتنهى بما تقدر عليه بحسب استطاعتك وما وصل إليه علمك والله سيثيبك. أما هؤلاء الذين يعيشون في الجهل والبعد عن دين الله وشريعة رسول الله ﷺ في اختلاطٍ، وتبرجٍ، وتكشفٍ، وسهرٍ محرم، ويدعون أن قلوبهم طاهرة، فهؤلاء والله ما قلوبهم بطاهرة، ولا عرفوا دين الله ولا عرفوا سنة النبي ﷺ ، إن الله أمر بالأوامر ونهى عن النواهي وتعبد العباد بهذه الأوامر، وحق العباد أمام الأمر والنهي الامتثال والطاعة لا أن يردوا أمر الله بحجة أن قلوبهم طاهرة، فإن القلب الطاهر هو القلب الذي يستجيب لأمر الله، أما الذي يرد أمر الله فهو قلب نجس، لا طهارة فيه، والذي يقول: أنا لا أحجب زوجتي؛ لأن قلبها وقلبي طاهر، وقلب الرجال طاهر، والله لو كان القلب طاهراً لحجبت امراءتك، إذ ما يمنعك من الحجاب إلا رغبتك ورغبة امرأتك في النظر! أجل. كيف ترغب المرأة في النظر إلى الرجال والرجل يرغب في النظر إلى النساء ويدعي أن قلبه طاهراً؟! لا نعلم أن قلبك طاهراً، وما شققنا صدرك، لكن الذين هم أطهر خلق الله صحابة رسول الله وأمهات المؤمنين الذين أمرهم الله بالحجاب فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] وأمر الحجاب مثل أمر الصلاة. ما ظنكم لو قلنا لشخص: جاء رمضان شهر الرحمة والغفران، والشرع يلزمك أن تصوم رمضان، فما صام، ولما جاء في الظهر وإذا به يأكل، ما بك؟ قال: أنا قلبي طاهر ولو ما صمت، والإيمان في الصدور، رمضان ليس بترك الأكل كل يا رجل وأنت على دينك طاهر ما رأيكم فيه؟ كذاب. وآخر قلنا له: صلِ الصلوات الخمس، قال: ماذا في الصلاة؟ أقوم وأقعد ليس إلا قيام وقعود! ما هذه الصلاة؟ الصلاة صلاة القلب، أنا أصلي في قلبي، قلبي طاهر ولو لم أصل! ما رأيكم فيه؟ هذا كافر. والذي نقول له: حجب زوجتك قال: الحجاب في القلب، أنا قلبي طاهر ولو لم تكن امرأتي محجبة، قلبي طاهر ولو جالست النساء، هذا مكذب لله ولرسوله، والذي يسمع الأغاني، نقول له: اترك الأغاني يقول: لا. والله أنا أسمعها من هنا وتخرج من هنا، كلام يذهب، أنا لا أتأثر، نقول: لا. أنت كذاب لو أنك لا تتأثر لتركته؛ لأنك عصيت الله ، لا تنظر إلى النساء قال: لا. حتى ولو نظرت إلى النساء لا يضر، ماذا هناك يا أخي، أنا أملك نفسي، ولو نظرت، فأنا طاهر وشريف! لا. إنك يوم أن نظرت عصيت الله، ولو كنت طاهراً لما عصيت الله؛ لأن الطهارة هنا طهارة حسية ومعنوية، فالإنسان الذي عنده خبث في قلبه للنساء والنظر إليهن هذا نجاسته نجاسة حسية، يقول الله تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] والمرجفون في المدينة والذين في قلوبهم مرض؛ مرض الشهوات، والنساء، وحب الزنا -والعياذ بالله- حتى ولو كان ليس له رغبة في النساء ثم نظر فإن في قلبه مرض، لماذا في قلبه مرض؟ مرض معنوي؛ معصية الله، ولهذا قال العلماء: إن توبة العنين من الزنا الذي لا يقوم له عضو على الزنا -وهو تائب من الزنا؛ لأنه لا يعمل الزنا- قالوا: مقبولة، رغم أن وسيلة الزنا لا توجد، لماذا؟ لأن الله يعامله على قلبه، سواء معه الآلة أو لم تكن معه الآلة.

стр. 424

حكم السكن مع من لا يصلي في المسجد السؤال إنني في حيرةٍ من أمري. أسكن مع زملاء أحبهم في الله ولكنهم لا يصلون في المسجد؟ الجواب كيف تحبهم في الله؟ ما هذا الفهم الخاطئ؟ ما معنى الحب في الله؟ الحب في الله أنك تحبه؛ لأنه ولي لله، يقوم بأوامر الله وينتهي عما نهى الله عنه؛ فأنت تحبه في الله، لكن هذا الذي لا يصلي في المسجد يجب أن تبغضه في الله، لا أن تحبه في الله؛ لأنك إذا أحببته في الله فقد عصيت الله؛ لأنك أحببت عدواً لله قطع بيوت الله، فالحب يجب أن يبنى على الاستقامة الكاملة والتمسك بأوامر الله تعالى. السائل: وخصوصاً صلاة الفجر لا يصلونها؟ الشيخ: وهذا الكلام هو (ترمومتر) الإيمان الذي ينتشر فيها، لا ينفعه قيامه في غيره؛ لأن الذي لا يصلي الفجر في المسجد منافق والعياذ بالله. السائل: وأيضاً يتفرجون على المسلسلات والفيديو، ويسمعون الأغاني وينظرون إلى ما حرم الله؟ الشيخ: وأيضاً يحبهم في الله! السائل: رغم أنني نصحتهم مراراً فما هو الحل يا شيخ، هل أجلس معهم، أم لا؟ واعلم أني أحبك في الله، فأعطني نصحيتك وإرشادك، وفقك الله؟ الشيخ: أنا أقول بالنسبة لي أسأل الله أن يكون حبك لي في الله حباً صادقاً، أخاف أن تكون قد رأيت فيَّ شيئاً من المعاصي وأحببتني في الله على ذلك، وأسأل الله أن يجمعنا وإياك وإخواننا في جنات النعيم. أما هؤلاء الذين لا يصلون في المسجد وخصوصاً صلاة الفجر، ويسمعون الأغاني، وينظرون إلى الأفلام والمسلسلات، ويتفرجون إلى الحرام، فإن جلوسك معهم خطأ وخطر على دينك وعقيدتك، وعليك أن تنجو بنفسك؛ لأنك تقول: نصحتهم مراراً فلم يلتزموا، فر منهم فرارك من الأسد، فر منهم فرارك من المجذوم، أو الذي عنده إيدز أو سرطان أو (كوليرا)، هؤلاء عندهم إيدز في أخلاقهم، وسرطان في عقيدتهم، و (كوليرا) في تصرفاتهم، انجُ منهم وإلا فإن كثرة الإمساس تذهب الإحساس، وقريباً بعد أيام تكون واحداً منهم. يا أخي: فر بدينك وتعرف على الإخوة الصالحين المؤمنين الطيبين الذين بمعيشتك معهم تزداد ديناً وهداية إلى الله .

стр. 425

حكم التعامل مع تاركي الصلاة السؤال عندي أصدقاء في العمل وبعضهم يؤدي الصلاة وقت الظهر، وبعضهم لا يصلي، وبعد الصلاة أسألهم يقولون: قد صلينا، ونحن نجلس معهم، ونأكل معهم، فما الذي تنصحون به؟ وما الشريط الإسلامي المفيد لهم؟ الجواب الزملاء في العمل تربطك بهم رابطة العمل وينقسمون إلى قسمين: ١ - قسم مؤمن طيب ملتزم هؤلاء تربطك بهم رابطتان: رابطة الإيمان والالتزام والحب في الله ورابطة العمل، وينبغي أن تعاملهم معاملة الإخوة في الله والإخوة في العمل. ٢ - زملاء آخرون في العمل لكن ليسوا معك ولا على مثل ما أنت عليه من الإيمان والدين والهداية والاستقامة، فهؤلاء تتعامل معهم بما تقتضيه ظروف العمل فقط، لكن تضحك معه، وتبش له، وتأكل معه، وتسمر معه، وتتمشى أنت وإياه زيارة سهرات، لا. لماذا؟ ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢]. أما الشريط الإسلامي الذي يفيد لهم فلا أستطيع أن أدلك على شيء، ولكن اذهب إلى أصحاب التسجيلات واسألهم فإنهم سيدلونك على الأشرطة المفيدة إن شاء الله.
следующие страницы →