Полный текст (2 982 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
مقتضى عدل الله موجب للبعث والنشور
من حكمة الله ومقتضى عدله أن يوجب وجود بعث وجزاء بعد الموت لا بد.
وإلا فإن هذا مناقض ومعارض للعدل الرباني الإلهي، لماذا؟ لأن الله خلق الخلق لعبادته، وأرسل الرسل وأنزل عليهم الكتب لبيان الطريق الموصلة إليه، فانقسم الناس إلى قسمين: قسم استجاب واستقام على طاعة الله، وعمل في سبيل الله، وبذل نفسه وماله وحياته كلها في دين الله.
وقسم رفض دين الله، وكذب رسله، وقضى حياته كلها في محاربته هو ورسله، وفي إيذاء عباد الله؛ يفتك بالأرواح يسيل الدماء يهتك الأعراض يسرق الأموال يفسد في الأرض ثم يموتون كلهم، أفيليق في منطق العقل أن يموت ذلك الصالح وذلك الخبيث المنحرف الطالح ثم لا يجزي الله المحسن بإحسانه، ولا يعاقب المسيء على إساءته؟ هل هذا معقول؟ لا.
ولهذا يقول الله : ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٨] ويقول: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧] ثم يقول: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] أي: مستحيل، ويقول الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠] ويقول: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية:٢١ - ٢٢].
هذه -أيها الإخوة- الأدلة السبعة التي نغرسها في قلوبنا، ونجزم عليها ونعيش في سبيلها، ونعيش عليها ونحن مؤمنون بلقاء الله، ويترجم هذا الإيمان ويصدق أو يكذب بسلوكنا، فإن من الناس من يقول: آمنا، ولكن فعله يكذب قوله، لا يكون صادقاً من قال: آمنا إلا إذا أقام على هذا الكلام دليلاً من عبادته وترك محارم الله ﵎، واستقامته على منهج الله.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقني وإياكم الإيمان القوي، وأن يثبتنا وإياكم عليه حتى نلقى الله.
والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تنبيه: ينتشر في هذه الأيام ورقة يقولون: إنها مصورة بالكمبيوتر على القصبة الهوائية والرئة اليمنى، وأن المتأمل فيها يقرأ كلمة التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإذا كان الكلام صحيحاً، يعني: أن هذا جاء عن طريق تصوير لهذه الجزئية من جزئيات الجسد بالكمبيوتر والتكبير له، فإنه واضح من خلال القراءة لها كلمة: لا إله إلا الله محمد رسول الله -واضحة باللغة العربية- وبإمكان أي واحد منكم أن يراها، هذه من آيات الله الدالة على عظمة الله وقدرته، والله تعالى يقول: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣] ولكن لسنا -أيها الإخوة- في شكٍ من أمر ديننا ولا عقيدتنا حتى نبحث عن المؤيدات، كأننا نقف ونريد من يثبتنا، لا.
نحن ثابتون ولو لم نر، هذه إن كانت حقاً فهي تزيد، وإن كانت ليست بحق فلا نتزعزع في إيماننا؛ لأننا نخشى أن يأتي يوم من الأيام يبحثونها فيقولوا: لا.
الأمر فيه خطأ إن كلمة: لا إله إلا الله محمد رسول الله كلمة حق عليها نعيش وعليها نحيا وعليها نموت وعليها نبعث إن شاء الله، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل لا إله إلا الله، وهذه لا تزيد المؤمن إلا إيماناً وتثبيتاً عند الله ﵎.
стр. 422
الأسئلة
стр. 423
حكم الاختلاط بحجة طهارة القلب
السؤال
في القرية التي أسكن فيها وفي القرى المجاورة من حولنا نشاهد مناظر لا يرضاها الشرع من التبرج وكشف الوجه والصدر والاختلاط في السهرات، ونرى المرأة تجلس مع ابن عمها وابن جارها سواء كانت متزوجة أو غير ذلك، ولما أرشدناهم قالوا: نحن إخوة والقلوب صافية، وأنت تريد أن تفرق بين الأسرة والأقارب، وهذه المرأة أو البنت تذهب إلى العمال؛ والمزارع مثل مزارع البن -كأن الأمر هذا في غير البلاد هذه- فأرشدنا أرشدك الله لعل الله أن ينفعهم؟
الجواب
نقول: -أيها الإخوة! - من نور الله بصيرته من الإخوة الذين يقيمون في هذه الديار وعاد إلى بلده فإن مسئولية الدعوة يجب أن يحملها وينشرها، كما منَّ الله عليه وأنقذه مما كان فيه من الضلال، وينبغي أن يحمل هذا النور وهذه المسيرة إلى أهله وعشيرته، وأن يبلغ من يعرف ومن لا يعرف من قراه التي يعيش فيها بدين الله ﵎، ولكن ينبغي أن يكون الإبلاغ عن طريق العلم.
لا بد أن تتعلم؛ لأنك إذا أوردت المسألة وقرنتها بالدليل من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ أقنعت، أما إذا قلت كلاماً كذا بدون دليل فإنك تقف موقف العاجز عن الرد، ولكن لا يمنعك عدم علمك عن أن تقول الحق، إنما قل الحق فإن استطعت أن تدعمه بالدليل فهذا أفضل، وإن لم تستطع فعليك أن تأمر وتنهى بما تقدر عليه بحسب استطاعتك وما وصل إليه علمك والله سيثيبك.
أما هؤلاء الذين يعيشون في الجهل والبعد عن دين الله وشريعة رسول الله ﷺ في اختلاطٍ، وتبرجٍ، وتكشفٍ، وسهرٍ محرم، ويدعون أن قلوبهم طاهرة، فهؤلاء والله ما قلوبهم بطاهرة، ولا عرفوا دين الله ولا عرفوا سنة النبي ﷺ ، إن الله أمر بالأوامر ونهى عن النواهي وتعبد العباد بهذه الأوامر، وحق العباد أمام الأمر والنهي الامتثال والطاعة لا أن يردوا أمر الله بحجة أن قلوبهم طاهرة، فإن القلب الطاهر هو القلب الذي يستجيب لأمر الله، أما الذي يرد أمر الله فهو قلب نجس، لا طهارة فيه، والذي يقول: أنا لا أحجب زوجتي؛ لأن قلبها وقلبي طاهر، وقلب الرجال طاهر، والله لو كان القلب طاهراً لحجبت امراءتك، إذ ما يمنعك من الحجاب إلا رغبتك ورغبة امرأتك في النظر! أجل.
كيف ترغب المرأة في النظر إلى الرجال والرجل يرغب في النظر إلى النساء ويدعي أن قلبه طاهراً؟! لا نعلم أن قلبك طاهراً، وما شققنا صدرك، لكن الذين هم أطهر خلق الله صحابة رسول الله وأمهات المؤمنين الذين أمرهم الله بالحجاب فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] وأمر الحجاب مثل أمر الصلاة.
ما ظنكم لو قلنا لشخص: جاء رمضان شهر الرحمة والغفران، والشرع يلزمك أن تصوم رمضان، فما صام، ولما جاء في الظهر وإذا به يأكل، ما بك؟ قال: أنا قلبي طاهر ولو ما صمت، والإيمان في الصدور، رمضان ليس بترك الأكل كل يا رجل وأنت على دينك طاهر ما رأيكم فيه؟ كذاب.
وآخر قلنا له: صلِ الصلوات الخمس، قال: ماذا في الصلاة؟ أقوم وأقعد ليس إلا قيام وقعود! ما هذه الصلاة؟ الصلاة صلاة القلب، أنا أصلي في قلبي، قلبي طاهر ولو لم أصل! ما رأيكم فيه؟ هذا كافر.
والذي نقول له: حجب زوجتك قال: الحجاب في القلب، أنا قلبي طاهر ولو لم تكن امرأتي محجبة، قلبي طاهر ولو جالست النساء، هذا مكذب لله ولرسوله، والذي يسمع الأغاني، نقول له: اترك الأغاني يقول: لا.
والله أنا أسمعها من هنا وتخرج من هنا، كلام يذهب، أنا لا أتأثر، نقول: لا.
أنت كذاب لو أنك لا تتأثر لتركته؛ لأنك عصيت الله ، لا تنظر إلى النساء قال: لا.
حتى ولو نظرت إلى النساء لا يضر، ماذا هناك يا أخي، أنا أملك نفسي، ولو نظرت، فأنا طاهر وشريف! لا.
إنك يوم أن نظرت عصيت الله، ولو كنت طاهراً لما عصيت الله؛ لأن الطهارة هنا طهارة حسية ومعنوية، فالإنسان الذي عنده خبث في قلبه للنساء والنظر إليهن هذا نجاسته نجاسة حسية، يقول الله تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] والمرجفون في المدينة والذين في قلوبهم مرض؛ مرض الشهوات، والنساء، وحب الزنا -والعياذ بالله- حتى ولو كان ليس له رغبة في النساء ثم نظر فإن في قلبه مرض، لماذا في قلبه مرض؟ مرض معنوي؛ معصية الله، ولهذا قال العلماء: إن توبة العنين من الزنا الذي لا يقوم له عضو على الزنا -وهو تائب من الزنا؛ لأنه لا يعمل الزنا- قالوا: مقبولة، رغم أن وسيلة الزنا لا توجد، لماذا؟ لأن الله يعامله على قلبه، سواء معه الآلة أو لم تكن معه الآلة.
стр. 424
حكم السكن مع من لا يصلي في المسجد
السؤال
إنني في حيرةٍ من أمري.
أسكن مع زملاء أحبهم في الله ولكنهم لا يصلون في المسجد؟
الجواب
كيف تحبهم في الله؟ ما هذا الفهم الخاطئ؟ ما معنى الحب في الله؟ الحب في الله أنك تحبه؛ لأنه ولي لله، يقوم بأوامر الله وينتهي عما نهى الله عنه؛ فأنت تحبه في الله، لكن هذا الذي لا يصلي في المسجد يجب أن تبغضه في الله، لا أن تحبه في الله؛ لأنك إذا أحببته في الله فقد عصيت الله؛ لأنك أحببت عدواً لله قطع بيوت الله، فالحب يجب أن يبنى على الاستقامة الكاملة والتمسك بأوامر الله تعالى.
السائل: وخصوصاً صلاة الفجر لا يصلونها؟ الشيخ: وهذا الكلام هو (ترمومتر) الإيمان الذي ينتشر فيها، لا ينفعه قيامه في غيره؛ لأن الذي لا يصلي الفجر في المسجد منافق والعياذ بالله.
السائل: وأيضاً يتفرجون على المسلسلات والفيديو، ويسمعون الأغاني وينظرون إلى ما حرم الله؟ الشيخ: وأيضاً يحبهم في الله! السائل: رغم أنني نصحتهم مراراً فما هو الحل يا شيخ، هل أجلس معهم، أم لا؟ واعلم أني أحبك في الله، فأعطني نصحيتك وإرشادك، وفقك الله؟ الشيخ: أنا أقول بالنسبة لي أسأل الله أن يكون حبك لي في الله حباً صادقاً، أخاف أن تكون قد رأيت فيَّ شيئاً من المعاصي وأحببتني في الله على ذلك، وأسأل الله أن يجمعنا وإياك وإخواننا في جنات النعيم.
أما هؤلاء الذين لا يصلون في المسجد وخصوصاً صلاة الفجر، ويسمعون الأغاني، وينظرون إلى الأفلام والمسلسلات، ويتفرجون إلى الحرام، فإن جلوسك معهم خطأ وخطر على دينك وعقيدتك، وعليك أن تنجو بنفسك؛ لأنك تقول: نصحتهم مراراً فلم يلتزموا، فر منهم فرارك من الأسد، فر منهم فرارك من المجذوم، أو الذي عنده إيدز أو سرطان أو (كوليرا)، هؤلاء عندهم إيدز في أخلاقهم، وسرطان في عقيدتهم، و (كوليرا) في تصرفاتهم، انجُ منهم وإلا فإن كثرة الإمساس تذهب الإحساس، وقريباً بعد أيام تكون واحداً منهم.
يا أخي: فر بدينك وتعرف على الإخوة الصالحين المؤمنين الطيبين الذين بمعيشتك معهم تزداد ديناً وهداية إلى الله .
стр. 425
حكم التعامل مع تاركي الصلاة
السؤال
عندي أصدقاء في العمل وبعضهم يؤدي الصلاة وقت الظهر، وبعضهم لا يصلي، وبعد الصلاة أسألهم يقولون: قد صلينا، ونحن نجلس معهم، ونأكل معهم، فما الذي تنصحون به؟ وما الشريط الإسلامي المفيد لهم؟
الجواب
الزملاء في العمل تربطك بهم رابطة العمل وينقسمون إلى قسمين: ١ - قسم مؤمن طيب ملتزم هؤلاء تربطك بهم رابطتان: رابطة الإيمان والالتزام والحب في الله ورابطة العمل، وينبغي أن تعاملهم معاملة الإخوة في الله والإخوة في العمل.
٢ - زملاء آخرون في العمل لكن ليسوا معك ولا على مثل ما أنت عليه من الإيمان والدين والهداية والاستقامة، فهؤلاء تتعامل معهم بما تقتضيه ظروف العمل فقط، لكن تضحك معه، وتبش له، وتأكل معه، وتسمر معه، وتتمشى أنت وإياه زيارة سهرات، لا.
لماذا؟ ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢].
أما الشريط الإسلامي الذي يفيد لهم فلا أستطيع أن أدلك على شيء، ولكن اذهب إلى أصحاب التسجيلات واسألهم فإنهم سيدلونك على الأشرطة المفيدة إن شاء الله.
стр. 426
حكم التلفظ في الصلاة بأذكار لم ترد
السؤال
نسمع إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، بعض المصلين يقول: الحمد لله، وبعضهم إذا قال الإمام: إياك نعبد وإياك نستعين، قالوا: استعنا بالله، وبعضهم إذا قال الإمام: قد قامت الصلاة، قال: أقامها الله وأدامها فما حكم ذلك؟
الجواب
أما إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فلا ينبغي أن تقول الحمد لله، بل تقول ما ورد في الشرع: (ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد أحق ما قال عبد وكلنا لك عبد، ولا ينفع ذا الجد منك الجد).
تقول هذا الكلام.
وإذا قال الإمام: إياك نعبد وإياك نستعين، فلا تقل: استعنا بالله؛ لأنه لم يرد، وبعض أهل العلم يقول: إنك إذا قلتها تبطل الصلاة؛ لأنها كلام من خارج الصلاة.
أما إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، وقلت: أقامها الله وأدامها، فقد ورد فيها حديث وفي سنده ضعف، ولكن بعض أهل العلم يجوز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، وهذا دعاء من فضائل الأعمال أن تدعو الله أن يقيمها وأن يديمها عليك، وبعضهم يقول: تقولها أحياناً وتتركها أحياناً حتى لا تستمر على فعلها فيفهم الناس من فعلها أنها حديث صحيح، أو أنها ثابتة.
стр. 427
حكم تقبيل رأس الوالدين
السؤال
هل يجوز تقبيل رأس الوالدة يومياً في الصباح والمساء وعند العودة من الدوام؟
الجواب
هذا يا أخي من البر، فإذا قمت في الصباح وقبلت رأس والدتك أو يدها وذهبت إلى الدوام ورجعت من الدوام وقبلت رأسها ويدها، ورجعت في الليل وقبلت رأسها وودعتها، ودعت لك أمك أو دعا لك أبوك هذا من البر؛ لأن أفضل من أسدى لك جميلاً بعد الله هما الوالدان؛ ولهذا يقول الله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤] وقرَن عبادته بطاعتهم فقال جل ذكره: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [النساء:٣٦] ومن لا يشكر لوالديه لا يشكر لله ، فأعظم الناس نعمة عليك هما والداك، فعليك أن تعرف قدرهم وأن تبرهم، وأن تأتي إليهم في الصباح وتقبل الوالدة أو الوالد، وتسلم على يده ورأسه، وتقول: أي خدمات يا أبت؟ ادع الله لي بالتوفيق، إذا قال لك أبوك: وفقك الله، نور الله قلبك، يسر الله أمرك، فهي نعمة عظيمة.
لكن بعض الأولاد لا يتصرف تصرفات حسنه؛ لأنه يعرف أن أباه لا يريدها أصلاً! لماذا؟ يقول: لأني أخاف أن أقول له فيصرخ، يقول: فأذهب من دون استئذان! إذا صرخ فهو أصلح لك من عدم استئذانك، قد تكون تريد أن تسافر أو تذهب عمرة أو أي رحلة فتقول: أذهب وأعلم أبي بعد ذلك، لأضع أبي أمام الأمر الواقع.
هذا ليس صحيحاً، فأبوك إذا سأل: أين ذهب؟ قالوا: ذهب، قال: الله يجعلها في وجهه، حينها جاءتك قنبلة من السماء؛ لأن دعوة الوالد على ولده لا ترجع لا وفقه الله، ولا تقبل منه ما فائدته! لكن تعال إلى أبيك وقل: يا أبت: أريد أن أذهب عمرة، فإذا قال: امش، وفقك الله، دعوة طيبة، وإذا قال: لا.
اجلس، فأنت بنيتك يكتب الله لك عمرة ولو أنت قاعد في البيت، لماذا؟ لأن الذي منعك طاعة الله ثم والداك.
стр. 428
نصيحة للشباب المتذبذب
السؤال
يقول: نرجو أن تقدم نصيحة للشباب المتذبذب الذي لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وهم كثيرون معنا الآن، نرجو أن تنقذهم وتدلهم على الطريق؟
الجواب
صدق أخي الكريم، لا ينبغي للشخص أن يبقى متردداً؛ نريد استقامة! أنا أرى كثيراً من الشباب يأتون المسجد لكن لا يزالون يشاورون أنفسهم.
لا يوجد مشاورة ولا خيارات في دين الله، إنما هي الجنة أو النار، السعادة الأبدية أو الشقاء الأبدي، لا خيار لك في هذا، والله تعالى يقول: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] ويقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] هل لك خيار وقد قضى الله بالأمر؟ لا.
قضى الله أن تعبده، أي: لا بد أن تعبده، بماذا تعبده؟ باتباع أمره واجتناب نهيه، فسر ولا تبقى متذبذباً؛ لأن التذبذب خطر.
أنت قد تقول: أنا والحمد لله أفكر في أن ألتزم، ما هو الالتزام؟ الالتزام أن أصير مؤمناً؛ أن أنفذ الدين بحذافيره فلا أسمع، ولا أنظر، ولا أتكلم، ولا أمشي إلا بالحلال، ولا آكل إلا الحلال، وأطلق لحيتي، وأقصر ثوبي، وأمشي مع الطيبين، وأسمع الشريط الإسلامي، وأدعو إلى الله، وآمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأحب وأبغض في الله، وأعيش هموم الدين، ومشاكل المسلمين، وأعيش بقلبي وقالبي مع الإسلام في كل أرض ومكان، وبعد ذلك أغير بدل الكتاب الماجن الكتاب الإسلامي، وبدل المجلة الفاجرة المجلة الإسلامية، وبدل الجريدة الخاسرة جريدة إسلامية هذا هو المؤمن، لكن إذا قلت: لا والله.
أنا سوف أصلي، أنت الآن على خطأ! أنت متردد، أقل مصيبة تردك إلى الوراء، فاغنم قلبك واغنم حديدك إذا حر، فإن الحديد يضرب وهو ساخن.
стр. 429
حكم التمثيل في الشرع
السؤال
نحن جماعة مقبلون على تقديم حفل، ونحن في حيرة من أمرنا من ناحية تقديم مشاهد تمثيلية؛ لأننا سمعنا أن هناك فتوى من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بتحريم هذه المشاهد حتى ولو كانت هادفة فما رأي فضيلتكم؟
الجواب
أولاً: موضوع التمثيل إن كان تمثيلاً باطلاً، أو لنساء، أو تمثيلاً للصحابة والأنبياء والرسل، أو لمجون وكذب فهذا حرام بإجماع العلماء، ولا أحد ينازع في هذا؛ لأنه يجمع كل المصائب، وهو الموجود الآن في المسلسلات والتمثيليات وأفلام الفيديو هذا كله باطل وكذب، ولا ينبغي لك أن تعيش مع الكذاب وتعطي عقلك غيرك.
أما التمثيليات الهادفة التي تمارس في بعض الأماكن كالمدارس الثانوية والجامعات والمراكز الصيفية والمعسكرات الإسلامية، والمخيمات الدينية من أجل معالجة قضية، ولا يمكن أن تصل هذا القضية وأن تفهم إلا إذا أظهرت في شكل روائي، بحيث يمثل هذا دور الشاب المنحرف، وذاك دور الشاب الطيب، وكيف لقيه وجلس معه وراح هو وإياه وأثر فيه، وبعد ذلك اهتدى والتزم وصار ملتزماً فهذه هادفة.
وشاب آخر كان يدخن وكان -والعياذ بالله- سكيراً ولقيه واحد آخر وقال: تعال يا أخي هذه مذاهب انقسم العلماء فيها إلى قسمين: ١ - قسم يقول: لا يجوز، لماذا؟ قالوا: لأنه كذاب؛ لأنه يمثل أنه منحرف وليس منحرفاً، وما دام أنه كذب فلا يجوز.
٢ - وقسم يقول: جائز ولو كانت التمثيلية كذباً، لماذا؟ قالوا: لأنه ورد في الدين ما يسندها، ما هو الذي يسندها؟ قالوا: جبريل لما جاء إلى النبي ﷺ ، أليس كان يمثل دور طالب العلم، أجيبوا علي؟ بلى.
هل كان جبريل لا يعرف؟ كان يعرف الجواب وهو يسأل الرسول -أخبرني عن الإسلام- يعرف الجواب لكنه جاء ليمثل دور طالب العلم، وليس هذا بكذب، لماذا؟ ولهذا لما ذهب قال: (أتدرون من السائل؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمور دينكم) رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه منا أحد، وليس عليه أثر السفر، ما جاء من مكان بعيد، من أين جاء؟ من الملائكة، وجلس وأسند ركبتيه، وبعد ذلك علمهم كيف يجلس طالب العلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه، وقال: أخبرني عن الإسلام، هذا دور روائي.
أيضاً حديث آخر في صحيح البخاري ومسلم؛ حديث الأعمى والأقرع والأبرص، الذي أرسل الله لهم ملكاً من الملائكة وجاء إلى الأول وقال: ماذا تريد المهم أن الله رزقهم، ثم بعد ذلك جاءهم الملك في أشكالهم، جاء عند الأقرع في صورة أقرع، وجاء عند الأعمى في صورة أعمى، وجاء عند الأبرص في صورة أبرص.
وهذا شكل تمثيلي، لكن الهدف منه اختبار وابتلاء هؤلاء الناس، هل ينسون الماضي أم يذكرونه؟ فبعضهم نسي الماضي وقال لما قال له: أسألك بالذي أعطاك الجلد الحسن والمال الكثير أن تعطيني شاة أتبلغ بها في سفري، قال: أنا ورثته كابراً عن كابر، مثلما ينكر بعض الناس الآن عندما تقول له: اذكر فضل الله عليك، قال نحن أغنياء من يوم خلقنا -أي: نحن ما لحقَنا شيء من الجوع- وقد كان يطلب على الأبواب، (شحات) لكن الله رزقه ونسي الماضي، لا حول ولا قوة إلا بالله! فهذه أدلة تدلل إن شاء الله أنه إذا أراد بعض الشباب الطيب على أن يقوموا بممارسة عمل مسرحي نظيف شريف لا مجون فيه ولا تزوير، كمن يأخذ أذناب الخرفان ويضعها كلحية -أي: يقص ذنب الخروف ويعلقه في وجهه ويمثل بأنه رجل مسن، هذا كذب! لا يصلح؛ لأن هذا تزوير، إنما يظهر في شكله، وبعضهم يأخذ الطلاء ويلطخ وجهه ويفعل له لحية وشارباً، وبعضهم كأنه شيطان، لا.
لا يجوز أن يظهر في صورة شيطان، لا يجوز أن تظهر مسلماً في صورة شيطان، ولا يظهر في صورة كافر مثل أبي جهل، لا.
ولا يظهر في صورة صحابي أبداً، إنما صورة من الصور العادية يظهر فيها من يمثل الدور.
أنا أقول هذا بعد الاستقراء والنظر في الأدلة، وبعد التشاور مع بعض الإخوة نسأل الله ألا يكون به بأس والله أعلم.
стр. 430
ميزانية نهاية العام
إن الأيام والشهور والأعوام، تمر علينا فماذا قدمنا لأنفسنا؟ هل قمنا بمحاسبتها؟ هل حافظنا على رأس المال، من الأعمال الصالحة؟ هل قمنا بمراجعة الحسابات؟ ومراجعة الربح والخسارة؟ إننا لنهتم بترتيب أوضاعنا الدنيوية، بينما الأوضاع الأخروية أهملناها.
فيا أخي! اعمل لنفسك جدولاً زمنياً تحاسب نفسك فيه، وتحصي أعمالك خيرها وشرها، لتسلك طرق النجاة، وتتجنب سبل الهلاك.
стр. 431
محاسبة النفس وتصحيح مسارها
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الإخوة في الله: في هذا اليوم الثلاثاء: الموافق للثاني من شهر محرم من عام: (١٤١١هـ) على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وفي جامع الذياب بحي السُلَي بمدينة الرياض، وبالأمس ودَّعنا عاماً من أعمارنا، وطَوَينا صفحةً من صفحات حياتنا، ودَّعناه بما استودعناه من عمل، وكما مر هذا العام والأعوام التي قبله ستمُر بقية الأعوام من أعمارنا، وسيجد الإنسان نفسه يوماً من الأيام، وهو يقف في المحطة الأخيرة من رحلة هذه الحياة، وسينزل نزولاً إجبارياً، وسيتم التعامل معه على ضوء تعامله هنا، فمن أحسن هنا لقي إحسانه هناك، ومن أساء هنا لقي إساءته هناك، يقول : ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١] ويقول : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٨٩ - ٩٠] ماذا تتوقع أن تُجْزى عليه إلا عملك؟! هل تتوقع أن يعطيك الله عملَ غيرِك؟! أو أن يضع الله سيئاتك في موازين غيرك؟! لا والله، لا يظلم ربك مثقال ذرة، يقول : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] تنكشف أوراق الإنسان وحساباته، ويجد كل شيء، والله لا يظلمك الله شيئاً.
يقول الله : ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران:٣٠] هذا تحذير في ذلك تتمنى أن يجعل الله بينك وبين سيئاتك أمداً بعيداً، لكن من الآن اجعل بينك وبينها أمداً بعيداً، أما أن تجعلها ملازمة لك، وملاصقة لك، فتعايش المعاصي والسيئات بالليل والنهار فسوف تعايشك السيئات في النار، أما إذا جعلت بينك وبينها الآن حجاباً مستوراً من طاعة الله، وجعلت بينك وبينها عوازل وموانع من تقوى الله؛ جَعَلَ الله بينك وبين النار عوازل وموانع وأسكنك الجنة.
وبين عامٍ يمضي وآخر يحل فترةٌ من الزمان نطويها اسمها: العمر، وتنقص أعمارنا بمقدار ما يمر من أعوامنا، أنت مجموعة أيام، وكل يوم يمشي ينقص بعضك إلى أن تنتهي، مَثَلُك مَثَلُ التقويم المعلَّق على الجدار، في أول العام الدراسي أو العام الهجري تجده سميناً مليئاً بالأوراق، ثلاثمائة وستين ورقة؛ ولكن في مغرب كل يوم تنزع ورقة، وتمشي الأيام، ولا ننتبه إلا والتقويم لم يبق منه إلا اللوح فقط.
وكذلك أنت! كل يوم تنزع ورقة من عمرك، وسيأتي عليك يوم لا يبقى منك إلا اللوح، ما هو اللوح؟! جثتك، واللوح ماذا يُفْعَل به فيما بعد؟! يُرْمَى ويهمل، وأنت يوم أن تنتهي أيامك وتنتهي ساعاتك ولحظاتك في هذه الحياة، تُرْمى وتقذف في المقبرة، وترتفع روحُك إما إلى علِّيِّين، أو تُسْقَط وتُهْبَط وتُدَنَّس وتُسَجن في سجِّين.
يقول : ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين:١٨]-جعلنا الله وإياكم من الأبرار- كلمة أبرار تحمل معاني البر والصفاء، وتحمل معاني القرب من الله، رجلٌ بارٌّ، رجلٌ برٌّ: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين:١٨ - ١٩] تعظيم وتفخيم لعلِّيِّين: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢٠ - ٢١] كتابٌ مرقومٌ يشهدُه المقربون مِن الملائكة، وماذا في هذا الكتاب؟! يقول الله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [المطففين:٢٢] هذا هو المكتوب في الكتاب: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:٢٢ - ٢٤] كما كانت في وجوههم نضرة الإيمان، ونضرة البهاء والصلاح، ونضرة الخوف والمراقبة، فأيضاً يوم القيامة: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:٢٤].
أما أولئك -والعياذ بالله- الذين غفلوا، ومرت الأعمار عليهم هكذا سراعاً وراء بعضها دون تأمل ولا مراجعة، ولا وقفة ولا محاسبة، فيقول الله فيهم: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:٧ - ٩] ماذا في الكتاب؟! ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المطففين:١٠] نعوذ بالله وإياكم من ويل، ومن عذاب الله .
فنحن نمتطي مطايا الليل والنهار، فهذه الأيام مطايا ونحن ركوب على ظهورها، وننزل من مطية الليل إلى مطية النهار، ونفرح بدوران الشهر من أجل أن نستلم الراتب، أحب الأيام إلينا أيام: (٢٨) و (٢٩) و (٣٠)، وأسوأ الأيام إلينا أيام: (٤) و (٥) و (٦)، نبيع أعمارنا برواتبنا، والأيام والليالي تسير بنا ونحن لا ندري، لا نستطيع أن نقف على عجلة الزمان أو نوقفها عند نقطة معينة، بل تسير بنا الأيام ونحن لا ندري، ولا مجال للتريُّث، ولا معنى للانتظار، فإن الزمان لا ينتظر أحداً، ولا يتريَّث لأحد، يروي الإمام مسلم حديثاً عن رسول الله ﷺ يدل على ضرورة السرعة في العمل الصالح مع الله، يقول ﵊: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل)، وبسط اليد بالليل والنهار دليلُ استعجال، أي: بسرعة تُبْ إلى الله، ما دمتَ أسأت في الليل فإن الله بسط يده لك من أجل أن تتوب؛ لأنك مسيء؛ هذا فيه عملية حث، عملية شحذ للهمم وأنك تسير ولا تدري ما المصير الذي تصير إليه، فلا بد أن تتنبه وأن تكون عاقلاً، لا تسِرْ مع الذين يعيشون بعقلية البهائم، ولا همَّ لهم إلا هذه الدنيا، ولا ينتبهون إلا وهم يَقْتَحِمون ويُقْذَفون ويُدَعُّون على رءوسهم إلى النار وهناك يقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:٦٦] ﴿يَا وَيْلَتَى﴾ [الفرقان:٢٨] ﴿لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٧].
يقول الظالم: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] لماذا؟ ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:١٠٠] حسناً! لماذا كنت غافلاً؟! من الذي أخرك؟! يقول الله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].
فكل تأخير -يا أخي في الله- في إنقاذ نفسك وتصحيح مسارك لا يعني إلا تعريضك لمزيد من الخسارة، وتعريضك لنهاية المصير والانحدار والدمار، وما أجمل أن يعيد الإنسان تنظيم وضعه مع الله بين الحين والحين! وأن يُرْسِل نظرات ناقدة في جوانب نفسه ليتعرف على عيوبها وأخطائها، ويرسم السياسات القصيرة والعاجلة للتخلص من الأخطاء والخطايا! يا أيها الإخوة في الله: في كل بضعة أيام ينظر أحدنا إلى مكتبه، ويعيد ترتيب أوراقه، فيقضي على الفوضى التي حلت على المكتب من قصاصات متناثرة، وسِجِلات مبعثرة، وأوراق أدت غرضها، ويقوم بترتيب كل شيء، ويضع كل شيء في وضعه الصحيح؛ فالمعاملات القابلة للحفظ تُحْفَظ، والمعاملات اللازم تحويلها تُحَوَّل، والأوراق التي لا غرض لها تُمَزَّق وتُهْمَل.
وفي البيت تصبح الغرف والحجرات غير مرتبة ومتناثرة، فإذا بأيدي الإصلاح تتدخل من الزوجة أو الخادمة وتجول هنا وهناك، وتنظف الأثاث المُغْبَر، وتطرد القمامة الزائدة، وتعيد كل شيء إلى مكانه ونظامه.
بل ثوبك الذي على جلدك تراجعه كل ثلاثة أيام؛ لتزيل ما عَلِق به من أوساخ وأقذار، ولتلبس ثوباً جديداً تستطيع أن تعيش به بين الناس.
أيها الإخوة في الله: ألا تستحق حياة الإنسان منا مثل هذا الجهد؟! ألا تستحق نفسك أن تتعهدها بين الحين والحين؛ لترى ما لحق بها من اضطراب فتزيله، وما تعرضت له من إثم فتنفيه، مثلما تنفي القمامة من ساحات منزلك وبيتك؟! ألا تستحق النفس أيها الإخوة! -بعد كل مرحلة تقطعها من مراحل الحياة- أن نعيد النظر فيما أصابها من غُنْم أو خسارة، وأن نرجع إليها، وأن نعيد إليها توازنها، وأن نعيد بناءها وترتيبها.
فالنفس تحتاج إلى توازن مثل السيارة؛ فالسيارة تمشي في الطرق المعبَّدة والعادية سليمة؛ لكن إذا مشيت بها على مَطَبٍّ فإنها تَرتجُّ، وبالتالي تحتاج إلى ميزان، فتذهب بها إلى الجهاز من أجل أن توزن عجلات السيارة.
أنت الآن تعيش وتقع في مطبات، ونفسك ترتج بالأزمات، وتهتز بالفتن والمشكلات، وهي في عراك دائب على ظهر هذه الحياة.
стр. 432
إجراء الإصلاحات ومعالجة العلل والآفات
إن الإنسان -أيها الإخوة والله الذي لا إله إلا هو- لَهُو أحوج ما يكون إلى التنقيب والتفتيش في أرجاء نفسه، وتَعَهُّد حياته، وإجراء الصيانات لها من العلل والأمراض والآفات.
ما السبب؟! السبب أن الإنسان قلَّما يبقى متماسكاً، فلا بد له من تثبيت، السيارة التي تمشي دائماً في المطبات تتخلخل وتتحلل مساميرها (وصواميلها) وتحتاج منك أن تجري لها بين فترة وأخرى إعادة تثبيت وتوازن وفحص دوري لتَفَقُّد أجزائها، ونحن واقعيون مع سياراتنا، فلا يمكنك أن تجدد الاستمارة حتى تفحص السيارة.
لكن هل فحصنا قلوبنا؟! هل فحصنا جوارحنا؟! هل أعدنا التدقيق مع أنفسنا؟! نفحص أجسادنا، ونجري فحصاً كاملاً للجسم: فحصٌ للعينين؛ وهل هي سليمة! فحصٌ للرئتين؛ ومدى قوة التهوية فيهما! فحصٌ للكبد.
فحصٌ للأمعاء.
لكن القلوب التي في الصدور لم نجرِ لها فحصاً! إن حِدَّة الاحتكاك، وضغط الشبهات، وضروب الشهوات تؤثر في النفس، فإذا غفل الإنسان عن نفسه، وترك عوامل الهدم تنال منها، فسوف تقضي عليه لا محالة، وينفرط عليه أمره، ويكون شأنه كمن قال الله فيه: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] فكثير من الناس الآن أمره فُرُطٌ؛ لماذا؟! لأنه غافل عن الله، والله يقول قبل هذا: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف:٢٨] ينفرط عليه دينه فلا يجمعه، يضيع صلاته، يضيع عقيدته، يضيع الزكاة، وإذا قلت له: الصلاة! قال: يا شيخ، نحن مشغولون! - الزكاة! - يا رجل -الله يهديك- أنت ما زلت تريد زكاةً، الناس عندهم (مليارات)، ونحن ماذا عندنا؟ نحن ليس معنا شيء! - والحج! يقول: الحج زحمة، وحَرٌّ هذه السنة.
- والعمرة! يقول: العمرة، نحن قد أدينا، العمرة تكفي مرة.
- والصوم! - الله المستعان! - ويذهب ليصوم في (كازابلانكا)، أو في (تايلاند)، ويحج، ويأتي بعمرة! لا إله إلا الله! فهذا مفرط! اليوم وأنا في الفندق نائم ضرب الجرس عليَّ شخص، وأنا في ساعة استغراق النوم، الساعة الثالثة، وهو أحسن وقت، وإذا بالهاتف يدق، قال: ألوه.
قلت: نعم.
قال: طائرة (بومباي) متى تقلع؟ قلت: من تريد أنت؟! قال: الخطوط السعودية؟! قلت: لا يا رجل، أنا في الفندق، أين تريد أنت؟! قال: أريد (بومباي).
قلت: لماذا؟! ماذا في (بومباي)؟! تريد عمرة؟! تحج؟! قال: لا.
فقط نوسِّع الخاطر.
قلت: والله تضيِّق الخاطر أيها الأخ! والله يضِيْق فكرك وبالك بمعصية الله، وغضب الله وسخطه، هناك ذنوبٌ وآثامٌ حماك الله منها، وتحجز بالطائرة من أجل أن تذهب لتتمتع وتراها وتوسِّع البال.
الله أكبر! كيف يتَّسع فكر مسلمي هذا الزمان بمعصية الله؟! إن القلوب تنعكس، والنفوس تنقلب حين ترى أن معصية الله توسيعٌ للبال! إنا لله وإنا إليه راجعون!
стр. 433
فرح الله بتوبة عبده
يا أخي المسلم: يا أخي في الله! وقفةٌ مع النفس مع بداية هذا العام الجديد، وقفةٌ صادقة جادة تصحح المسار، وتزيل الأخطاء، وترجع إلى الطريق الصحيح، فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ولا تعتذر يا أخي بكثرة خطاياك، فلو كانت كزبد البحر ما بالى الله بها، إذا اتجهت إليه قصداً، وإذا انطلقت إليه ركضاً، إن الخطأ القديم لا يجوز أن يكون عائقاً أمام التوبة الصادقة، يقول ربنا -وهو يخاطب أصحاب الأخطاء الكبيرة، المسرفين على أنفسهم، يقول فيهم ويدعوهم بدعاء وبنداء العبودية ويتحبب لهم- في سورة الزمر: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر:٥٣] أسرفوا على أنفسهم بالذنوب والخطايا.
﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] إذاً: ماذا نعمل؟ قال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر:٥٤ - ٥٥] ما هو العذاب الذي يأتيك بغتة إذا كنت عاصياً؟ إنه الموت، هل يرسل الموت إنذارات قبل أن يأتي؟! لا.
بل يركب الرجل منا سيارته ولا ينزلونه منها إلا ميتاً.
ويلبس ثوبه ولا يَخْلَعُ ثوبه هو، بل يُقَطَّع ثوبُه من عند أزراره، إي نعم هذا معناه: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى﴾ [الزمر:٥٦ - ٥٩] اسمعوا هنا! بلى للإضراب، بلى أنت كذاب أيها العبد: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٥٩] لا تكن المعاصي عائقةً، فتقول: والله، أنا كثير الذنوب.
فإذا كنتَ كثير الذنوب؟! إذاً: فالله كثير المغفرة.
تقول: ذنوبي عظيمة؟! فالله مغفرته أعظم من ذنوبك، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم لقيت الله مستغفراً غفر الله لك، لو كانت ذنوبك كزبد البحر، أو كعدد الرمل، أو كعدد قطر السماء، فرحمة الله أوسع: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] فقط حوِّل (الموجة)، هذا الذي نريده منك، الماضي هذا كله يغفره الله لك، بتبعاته ومسئولياته وما فيه من أخطاء، كلها يبدلها الله لك حسنات، فهل يوجد أعظم من هذا يا أخي؟! أي فضل أعظم من هذا! إذا غفر الله لك فهذه كرامة؛ لكن كونه يغفر لك وتكون عليك (مليون) سيئة، فيحولها الله لك (مليونَي) حسنة، فهذا فضلٌ لا يضيعه إلا خاسر لا خير فيه، والعياذ بالله.
وأيضاً: مع أن الله يغفر لك يفرح بك! ففي الحديث الذي في صحيح البخاري يقول ﵊: (لَلَّهُ أشد فَرَحاً بتوبة عبده من رجل كان في فلاة -مسافر- ومعه راحلته، وعليها زاده وماؤه، فضلت عنه، وبحث عنها فلم يجدها، فلما يئس منها استسلم للموت، وأتى إلى تحت شجرة، وانطرح تحتها ينتظر الموت -انتهى! ليس من وسيلة للنجاة! - وبينما هو نائم ينتظر الموت إذا بناقته تعود وتقف بين يديه، فلما فتح عينيه وجدها -ما معنى هذا؟! معناه أنه وجد الحياة- قام فَرِحاً وقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك)، لم يعرف أن يتكلم؛ لأنه كان موقناً بالموت والهلاك، والآن أعاد الله له وسائل الحياة، فأخطأ من شدة الفرح.
فاللهُ يا أخي يفرح بتوبتك أعظم من فرحة هذا الرجل بعودة ناقته! أفلا تُفْرِح ربك؟! ألا تريد أن يفرح ربك بك يا أخي؟! تريد الشيطانَ عدوك أن يفرح بك، لتكون عبداً وحماراً له، يركب على ظهرك ورقبتك، ويسوقك إلى جهنم، ثم يقذفك فيها، ثم يتخلى عنك في النار ويقول: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم:٢٢] ما أخذتك بكتاب ولا بعصا: ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢] * ﴿فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم:٢٢] خزي والله أعظم خزي! أيُّ مجد وأيُّ عَظَمَة أعظم من أن يفرح بك ربُّك، ويكرمك ويحفظك في الدنيا، ثم يدخلك الجنة في الآخرة؟ أخي في الله: ألا يُبْهِرك هذا الترحيب، وهذه الفرحة من ربك؟! أترى سروراً أو فرحةً تعدِل هذه البهجة الخالصة من الله ؟!
стр. 434
متطلبات العودة إلى الله
يا أخي في الله: إن تصحيح وضعك بعد إجراء المحاسبة، هو تجديد لحياتك، ونقلة حضارية حاسمة لتغير معالم نفسك، وذلك لا يعني أن تدخل أعمالاً صالحة وسط جملة ضخمة من العادات القبيحة، والتصرفات والأخلاق السيئة، فهذا خلط وتغشيش لا يصلح.
إن العودة تتطلب منك أن تعيد ترتيب حياتك كلها، وأن تستأنف مع ربك علاقةً كاملة أفضل، وعملاً أكمل، وعهداً، وعقيدةً، وهو يدعوك إلى هذا في سيد الاستغفار؛ ففي صحيح البخاري ومسلم عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال ﷺ : (ألا أدلك على سيد الاستغفار؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: قل: اللهم أنت ربي وأنا عبدك، خلقتَني وأنا على عهدك ووعدك ما استطعتُ، أعوذ بك من شر ما صنعتُ، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت).
إن العودة إلى الله تقتضي أن تعيد تنظيم حياتك كلها، وتُجْري تغييراً كاملاً: تغييراً للشريط الذي كنت تسمعه! وتغييراً للمجلة التي كنت تشتريها! وتغييراً لطريقة النوم! وتغييراً لوقت النوم! وتغييراً لوقت الاستيقاظ! وتغييراًَ للزملاء والأصدقاء! وتغييراً لمواعيد الدوام؛ كنتَ تأتي الساعة التاسعة؛ لكن عندما التزمتَ لا تأتي السابعة والنصف إلا وأنت على المكتب؛ لأنك تريد أن تأكل حلالاً! وتغييراً لأسلوب العمل؛ كنتَ تدخل وأنت تنفخ، وتصيح على الموظفين والمراجعين؛ لكن لما التزمتَ أصبحت تدخل مبتسماً؛ لأن تبسمك في وجه أخيك صدقة، ولأنك لا تحقر من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق.
وتغييراً في أسلوب أدائك لعملك؛ كنت من قبل تتنصل عن المعاملات، وتمشِّي الأوراق، وتزيحها، وتمرِّرها، يعني: فقط تتخلص، لكن لَمَّا صرتَ ملتزماً ومسلماً لا تنهي معاملة إلا بعد ضبطها (١٠٠ %)، تبحثها من أول ورقة إلى آخر ورقة، لماذا؟! لأنك تغيرت تغيراً كاملاًَ! وتغييراً لعينيك؛ إلى أين كانت تنظر؟! وتغييراً لأذنيك؛ ماذا كانت تسمع؟! وتغييراً للسانك؛ بِمَ كان يَهْرِف ولا يعرف؟! وتغييراً لبطنك؛ ماذا كان يأكل؟! وتغييراً لفرجك؛ أين كان يقع؟! وتغييراً ليديك! وتغييراً لقلبك! وتغييراً لكل شيء في حياتك! لماذا؟ لأنك راجعتَ نفسك، وجدَّدتَ حياتك.
стр. 435
أهمية المحاسبة ومعرفة الربح والخسارة
أيها الإخوة: إننا واقعيون مع كل شيء في حياتنا إلا مع أنفسنا، فما من عمل إلا وله حساب يتقنه، ويعرف مدخله ومخرجه، وربحه وخسارته، بدءاًَ بالفرد، ومروراً بالمؤسسة والإدارة والوزارة، وانتهاءً بالدولة؛ هناك ميزانيات سنوية، وسنة مالية، يعرف فيها كل إنسان مركزه المالي، وربحه وخسارته.
وكذلك لا بد من سنة مالية إيمانية لك أيها الأخ، تعرف فيها خسارتك وربحك مع الله .
وموضوع المحاضرة هو: ميزانية نهاية العام، سوف نضع الآن ميزانية للمدخلات والمخرجات، للأرباح والخسائر، للمعاصي والطاعات؛ لنعرف مركزنا الإيماني: أين نحن من الله؟! أنحن من أهل البر؟! أم نحن من أهل الإثم؟! أنحن من أهل الجنة؟! أم من أهل النار؟! هل فكر أحدنا أن يمسك قلماً ودفتراً، ويسجل فيه ما يفعله، ويعرف بين الحين والآخر رصيده من الخير والشر، لو أننا نخبط في هذه الدنيا خبط عشواء، ونتصرف دون معقِّبٍ أو محاسِبٍ أو رقيب، لجاز لنا أن نبعثر حياتنا كما يبعثر السفيه ماله؛ ولكن كيف نبعثر أيامنا! وكيف نضيع شهورنا وأعوامنا! والله قد حفظ ودوَّن علينا مثاقيل الذر، وأعد قوائم الحساب الطويل؟! يقول الله : ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩].
ويقول : ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩] كل شيء أنت تعمله تكتبه الملائكة، أنت تُملي وهي تكتب، وكل يوم يكتمل تكتمل معه صفحته، فإذا اكتملت السنة اكتمل السِّجِل، وإذا اكتمل العمر حوِّل إلى الآخرة بسِجِلَّاته، فتأتي فتحملها، قال الله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام:٣١] ترد على الآخرة ومعك سجلاتك، إما بيضاء فيبيِّض الله وجهك، أو سوداء فيسوِّد الله وجه البعيد والعياذ بالله.
يقول ربنا : ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً * مَنِ اهْتَدَى﴾ [الإسراء:١٣ - ١٥] الهداية لِمَنْ؟ ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ﴾ [الإسراء:١٥] عندما تضل هل ستضل الناس؟! لا.
بل تضل نفسك ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء:١٥].
أليس الأجدر بنا والأولى أن نستكشف نحن هذا الإحصاء والحساب؟! إذا كان عندك رصيد في أي بنك أو في أي مكان، فإنك في كل يومين أو ثلاثة أيام تقول: أعطوني كشف الحساب لماذا؟! لأعرف كم ذَهَبَ! وكم بَقِي! حسناً، وكشف حسابك مع الله: ألا تريد أن تعرف كم ذَهَبَ، وكم بَقِي؟! ألا تريد أن تعرف كم ربحك، وكم خسارتك؟! تريد أن تعيش هكذا ضائعاً، حتى تفاجأ وإذا بالأرصدة كلها ديون على ظهرك! مَن أكل ولم يدرِ افتقر وهو لا يدري، نحن نُجْري موازنة على شكل مبسط في بيوتنا، كل واحد منا يعمل موازنة شهرية، في يوميْ (٢٨) و (٢٩) ينظر فيهما كم بقي من الراتب، فإذا كان الذي بقي (٢٠) أو (٣٠)، أو (١٠٠) فإنها تكفيك حتى آخر اليوم.
ولكن ما هي المشروعات المستقبلية في الشهر الآتي؟! كم تصرف؟ الراتب (٤٠٠٠) ريال: (١٠٠٠) ريال تصرفه.
و (١٠٠٠) ريال لقسط السيارة.
و (١٠٠٠) ريال لقسط الأرضية.
و (١٠٠٠) ريال توفره.
هذه المحاسبة تشبه هذه الميزانية؛ لكن بشكل مبسط.
إن الأجدر بنا أن نستكشف نحن حساباتنا، وأن نحصي على أنفسنا الذي يخصنا وحدنا، أما ينبغي أن تكون -يا أخي- على بصيرة بمقدار وحقيقة ما تفعل من خطأٍِ أو صواب؟!
стр. 436
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا
أيها الإخوة في الله: إن الانطلاق في هذه الحياة دون اكتراث، والاكتفاء ببعض الأعمال الباردة لهو نذيرُ هلاكٍ وعلامةُ خسارة.
وإن إهمال النفس، وعدم محاسبتها، والاستغراق في شهواتها، والانغماس في ملذات الحياة، والمنافسة على الحطام الفاني دليلٌ على ضعف الإيمان أو على انعدامه.
فمحاسبةُ النفس ضرورة تتمشى مع طبيعة هذا الدين، يقول وهو ينادي أهل الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨] ما معنى هذه الآية؟ يعني: محاسبة ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨] حتى لا تقول: أنا والله لم أعلم يا ربِّ، لا.
بل اتقِ الله، فالله يعلم ماذا تعمل.
ثم يحذرك ويقول: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ [الحشر:١٩] هؤلاء هم الضائعون، نسوا الله، فماذا حصل؟! ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩] يعني: ما حاسبوا أنفسهم ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩].
ثم بين الله أن هؤلاء لا يستوون مع هؤلاء، فقال : ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر:٢٠] مَن هم أصحاب الجنة؟! هم الذين حاسبوا أنفسهم، مَن هم أصحاب النار؟! هم الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم.
﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠] بِمَ فازوا أيها الإخوة؟! بالمحاسبة.
ويروي الترمذي حديثاً في السنن وهو حسن، قال ﵊: (الكيِّس -يعني: الفطن، اللبيب، العاقل، الأريب- من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت -هذا هو الكيِّس- والعاجز مَن أتبع نفسَه هواها، وتمنى على الله الأماني).
وهناك أثر لـ عمر يقول فيه: [حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على ربكم، وإن قوماً حاسبوا أنفسهم في الدنيا فسَهُل عليهم الحساب يوم القيامة، وإن قوماً أهملوا الحساب في الدنيا فشَقَّ عليهم الحساب يوم القيامة].
والذي يحاسب نفسه الآن في أنظمة المرور، فيراجع دائماً رخصة القيادة ومتى تنتهي، ويراجع رخصة (الاستمارة) ومتى تنتهي، فيجددها، ويراجع علامة (الفحص) الدوري ومتى تنتهي، فيجددها، هذا عندما يمر في الشارع ويجد نقطة مرور وفي هذه اللحظة تقوم بالتفتيش على السيارات، فبمجرد أن ينظر المرور في الرخصة وإذا بها مجدَّدة، والاستمارة مجدَّدة، (والفحص) جديد، ما رأيكم في هذا؟! هل هو مستريح أم غير مستريح، فعندما يرى الناس كلهم واقفين، يمضي ورأسه مرفوع في السماء، فلا يخاف من شيء، وإذا وقف عند العسكري: - أين الرخصة؟ - خذ.
- أين (الاستمارة)؟ - تفضل.
- عجيب! أين الفحص؟ - انظر، أما تراه أنت؟! - يتكلم ورأسه في السماء.
- لماذا؟! - لأنه حاسب نفسه قبل أن يأتي إلى هذا المكان.
- فماذا يفعل به العسكري؟! - غصباً عنه يقول: تفضل.
- لماذا؟ - لأنه محاسبٌ لنفسه، ماضٍ في الخط.
لكن ما ظنكم بشخص رخصته انتهت منذ ثلاث سنوات، (والاستمارة) من يوم أن أخذها لم يجددها، (والفحص) الدوري ما زال على ذلك اللون الأصفر من الـ (١٤٠٨هـ)، قد جاء (١٤٠٩هـ)، و (١٤١٠هـ)، و (١٤١١هـ)، وهو ما زال في (١٤٠٨هـ)؟! ما رأيكم؟! وعندما مرَّ في الخط السريع، وإذا بنقطة المرور تقف هناك، فنظر وقال: أوه! ضرب الفأس في الرأس.
بعضهم يقف جانباً وينزل ويذهب ويقول: سأقعد إلى ما بعد العشاء ثم آتي لآخذ السيارة؛ لكن أفراد المرور أذكياء يضعون له قيوداً يقيدون بها سيارته، وإذا رجع إليها فإذا بها مقيدة، فلا يأخذها إلا بأمرهم.
وبعضهم يحول ويرجع إلى ورائه كيْلْوَيْن أو ثلاثة من أجل أن يبحث له عن مخرج يخرج منه؛ لكن أفراد المرور أذكياء، لا يقفون عند المكان الذي فيه مخرج، بل يقفون عند مخنق، حتى لا يستطيع أحد أن يفر من عندهم.
وبعضهم يقول: والله ورطة؛ لكن الله يخلصنا، لعلنا نخرج من هذا المأزق، بأن يتركنا رجل المرور هذه المرة ويكون طيباً، ويواصل، فإذا وصل عند العسكري ترى السائق وجهه صغيراً، وصوته خافتاً: - أين الرخصة؟! - حاضر.
لا يريد أن يخرجها، يريد أن يلهيه قليلاً حتى يقول العسكري: خلفك أناس، هيا اذهب فقط، وفي المرة الأخرى حضِّرها وأخرجها بسرعة، عندما ترى النقطة حضِّر الرخصة.
ولكن العسكري يقول له: لِمَ لَمْ تحضِّرها؟! ألا تعرف أنا نطالب الناس بالرخص؟! فيقول: دعني أَنْظُر.
فيبحث في جيبه فلا يجدها، فيفتح الدرج فلا يراها: يا أخي! أقول لك شيئاً؟! فيقول العسكري: قف جانباً، قف جانباً، دع غيرك يمشي، ما دام أنه لا رخصة معك فقف جانباً.
ثم يُضْطَرُّ إلى أن يُخْرِجَ الرخصةَ؛ لأن عدم وجود الرخصة مصيبة ثانية، فالذي ليس معه رخصة مصيبته أعظم من الذي معه رخصة ليست مجدَّدة، ثم يأتي بها إليه، ويقول له: والله أنا آسف يا شيخ، المعذرة، والله لم أستطع أن أجدد الرخصة، كان عندي ظروف.
لماذا إذاً تهين نفسك؟! لماذا تذل نفسك؟! لماذا لم تجدد رخصتك وتجعل رأسك في السماء؟! أيها الإخوة! هذا في الدنيا.
فكيف بمن لا يراجع نفسه، ويأتي يوم القيامة وليس عنده رخصة سير إلى الله! بل كان يسير إلى النار، وليس عنده (استمارة) توصله إلى الجنة، وليس عنده بطاقة (فحص) دوري لقلبه وإيمانه؟! يأتي عند الزبانية فلا يقف ربع ساعة ولا نصف ساعة، بل ﴿غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] يقول:
عِشْ ما بدا لك جاهداً في ظل شاهقةِ القصورِ
يُغْدَى عليك بما اشتهيتَ لدى الرواحِ إلى البكورِ
فإذا النفوس تَقَعْقَعَتْ في ضيق حشرجة الصدورِ
فهناك تعلم موقناً ما أنت إلا في غرورِ
إذا بلغت الروح وحَشْرَجَتْ ونَشِبَتْ، فهناك يعرف الإنسان أن هذه الدنيا كلها غرور ومكر وخداع ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥] * ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٦].
стр. 437
تعويد النفس على فعل الخير وإبعادها عن المؤثرات التي تصرفها عنه
أيها الإخوة: إن ترويض النفس على الخير وفطامها عن الضلال، يحتاج إلى طول رقابة ومحاسبة، وإن إقامة دار جديدة على أنقاض دار خربة، لا يتم إلا بصعوبة بالغة وجهد جهيد، فكيف ببناء نفس؟! أترون ذلك يتم بالغفلة والإهمال والمكر؟! كلا والله، لا بد من الحساب الدقيق، والمقارنة، والإحصاء، واليقظة.
إن علاج الأمور بمغالطة النفس، وتغطية العيوب، وتلميع النفس، والتطبيل لها، وتزيين المظاهر لها، لا جدوى منه ولا خير فيه، وكُلُّ ما يحرزه الإنسان من هذا العلاج، هو رواج كاذب لن يغير من الحقيقة شيئاً.
إن الإنسان يتجاوب مع المؤثرات التي تحيط به من الخير والشر، كما يتجاوب جهاز الاستقبال في المذياع مع الموجات التي تملأ الجو، كل شخص يتأثر، هناك موجات ومؤثرات عليك، خير وشر وقلبك يتأثر بالخير كما يتأثر بالشر، إذا جلست في مجلس علم فإنه يحيي قلبك، وإذا جلست في مجلس لغو ولهو وغيبة ونميمة وطرب ولعنة -والعياذ بالله- يتأثر قلبك، مثل المذياع، فالجو مملوء كله بالموجات، وأنت تختار الإذاعة التي تريدها، تريد إذاعة القرآن، هذا حسن! تريد صوت أمريكا! من الممكن أن تلقاها، وهكذا.
إن الإنسان يتأثر، وبحسب وضع قلبك وضبطه على جهة الاستقبال، تكون طبيعة الإذاعة التي تصدر عنك يا أخي في الله.
كذلك الإنسان إذا حاسب نفسه، وضبط المعايير، فيضبط عينَيه، لا يتركهما مفتوحتين على كل شيء، بل يضبطهما: يا عين! لا تنظري إلا الحق، ويا أذُن! لا تسمعي إلا الحق، ويا لسان! لا تتكلم إلا بالحق.
أما أن يفتح عينَيه على الحق والباطل، وأذُنَيه على الحق والباطل، ولسانه في الحق والباطل، وبطنه في الخير والشر، فمعنى هذا أنه مطلق، ليس عنده مسارات ولا قيود، ولا نظام محاسبة، ثم إن هذا المطلق، لا بد له من قبضة، يقول الله ﵎: ﴿كَلَّا لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة:١١ - ١٢] مَن يفلته مِن قبضة الله؟! مَن يمنعه مِن أن يناديه الله؟! الله يقدر عليه ولا يمنعه مِن الله مانع، والله يمنعه فلا يقدر عليه أحد إذا منعه ﵎.
стр. 438
حالات ضبط النفس وإهمالها
إن ضبط مسارات النفس -أيها الأخ في الله- إذا حاسبتها فإنها تطيب، وإذا أهملتها فإنها تخبث.
ففي الحالة الأولى: يحيا الإنسان في جو من الخير، فينحسر دونه، وتنحسر وتمتنع موجات الإثم والعصيان، وهو ما أشار الله إليه بقوله في القرآن عن الشيطان: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل:٩٩] فليس للشيطان سلطان عليك.
لماذا؟! لأنك حددتَ اتجاهاتك، ضبطت موجات الاستقبال عندك، قال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل:٩٩] فعلى مَن سلطانُه؟! قال: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ﴾ [النحل:١٠٠] مَنْ هُمْ؟! ﴿يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل:١٠٠] ضبطوا الموجات على استقبال الشيطان؛ الأغاني تضرب في أذن أحدهم كل يوم، ويريد من الله أن يهديه، والنظر المحرم كذلك، كل يوم يذهب إلى الأسواق والمعارض فينظر بعينيه في محارم المسلمين كالكلب، ويريد أن تأتيه الهداية، وبطنه مملوء بالربا والحرام والرشوة، ولسانه لا يكف عن الكلام طوال اليوم، في اللعن والسب والشتم والغيبة والنميمة! قال : ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل:١٠٠] تولوا الشيطان، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:١٠٠].
وفي الحالة الثانية: الذي لا يستجيب لدواعي الإيمان ويستجيب لدواعي الشيطان ماذا يحصل له؟! تؤزُّه الشياطين.
لماذا؟ لأنه أصبح مَركباً لها، يقول الله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [مريم:٨٣] ماذا تصنع بهم؟! ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزّاً * فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ [مريم:٨٣ - ٨٤] هم يغفلون والله لا يغفل، هم لا يحسبون والله يحسب: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ﴾ [المجادلة:٦] وماذا؟! ﴿وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة:٦]، إذا نسيتَ فإن الله لم ينس، وإذا غفلت فإن الله لم يغفل، وإذا لم تحسب فإن الله يحسب عليك، أنت لست مغفولاً عنك، فإذا غفلتَ سلط الله عليك الشياطين، وأرسلها: ﴿تَؤُزُّهُمْ﴾ [مريم:٨٣] قال العلماء: تؤزُّهم: تدفعهم إلى المعاصي، تدعوهم إلى المعاصي، تصدهم عن الهداية.
لماذا؟! لأنهم أصبحوا حميراً للشيطان، أصبحوا مَراكب لإبليس.
والعياذ بالله! وقد طلب الله من عباده أن يتحصَّنوا من الداخل ضد كيد الشيطان باليقظة أولاً، وصدق التوجه، والاستعاذة، واللجوء إلى الله؛ للاحتماء بقوته، والاستجارة بعزته؛ ولكن لا بد مع الاستعاذة من عمل، فإذا قال الطالب في آخر الامتحان: أعوذ بالله من السقوط في الامتحان، فلا يغنيه هذا إلا إذا أقبل على دروسه، فيقبل على الدروس ويذاكر ويقول: أعوذ بالله من السقوط، أما أن ينام ويلعب طوال العام ويقول: أعوذ بالله من السقوط فإنه يسقط غصباً عنه.
وإذا قال التاجر: أعوذ بالله من الخسارة، فلا يُقْبَل منه ذلك حتى يعرف رأس ماله، وأرباحه، وخسائره، وإلا خسر.
فحين تستقر الحقائق الإيمانية في قلب المؤمن، ييئس الشيطان ويندحر، ولا يتمكن منك أيها المسلم؛ لأنك قوي.
انظر يا أخي إلى الرياح العاصفة، إذا هبت على الصحراء أثارت غبارها، وإذا مرت على المياه حركت لُجَجها؛ ولكن هذه الرياح العاتية، حينما تتناوش مع قمم الجبال الشمّاء، لا تنال منها منالاً، الريح العاصفة إذا جاءت في الصحراء تُحْدِث زوبعة، وتأخذ الرمال وترفعها إلى السماء، وإذا جاءت على البحر تُحَرِّك الأمواج؛ ولكن إذا جاءت إلى الجبال ماذا تفعل بها؟! هل تحرك الجبال؟! أبداً.
الريح تعرض والجبل ثابت.
كذلك أنت يوم أن تكون جبلاً من جبال الإيمان، إذا مرت بك رياح المعاصي، وعواصف الشهوات؛ لا تكن سهلاً فتعصف بك، ولا تكن ماءً فتحركك، فكن جبلاً من جبال الإيمان والعقيدة، تمر بك العواصف فتتبخر وأنت ثابت، لا تنال منك منالاً لأن رأسك في السماء، وقمتك سامقة:
سأعيش رغم الداءِ والأعداءِ كالنسر فوق الهمة القعساءِ
ويقول الناظم:
ومن يتهيَّب صعود الجبالِ يعش أبد الدهر بين الحُفَرْ
الذي يتهيَّب صعود جبال الإيمان يعيش في حُفَر ومستنقعات المعاصي، في حفرة الغناء، والزنا، والربا، والمنكرات، ومن عاش في الحُفَر سُلِّطت عليه الأقذار والأوبئة.
(فالبيارة) تحفر في الوادي ليس في رأس الجبل، هل رأيت شخصاً يحفر (بيارته) في رأس الجبل؟! وكذلك الشيطان لا يحفر (بياراته) في قمم جبال أهل الإيمان، وإنما يحفرها في صدور أهل الفسق والنفاق والعياذ بالله.
فالإنسان حينما يكون أمره فرطاً، وحياته غفلة، وأيامه لاهية، فإن الشيطان يستولي عليه، ويتحكم فيه، أما يوم أن يحزم أمره، وينظم شئونه، ويحاسب نفسه، فهيهات أن تنال منه الشياطين شيئاً.
стр. 439
مواطن محاسبة النفس
إن ميادين وأبواب محاسبة النفس ثلاثة: فأبواب (الميزانيات) عندنا أربعة أبواب: بابٌ أول، وبابٌ ثانٍ، وبابٌ ثالثٌ، وبابٌ رابعٌ؛ هذه أبواب الميزانية.
كذلك أبواب ميزانية حساب النفس ثلاثة أبواب: الباب الأول: حساب رأس المال.
الباب الثاني: حساب الأرباح.
الباب الثالث: حساب الخسائر.
وأعتقد والله -إن شاء الله- ولا أَتَأَلَّى على الله، أعتقد جازماً أن وقفة صادقة منك أيها المسلم تقضيها مع نفسك لهي جديرة بأن تكشف لك الحسابات، وإذا عرفت مركزك الإيماني فبعدها مباشرة تصحح وضعك، فإذا عرفت أن مركزك المالي في المؤسسة أنه خاسر، فمباشرة تصحح الوضع، فتطوي قيد بعض العمالة، تخفض المصروفات، تحاول أن تزيد الدخل، تعمل لك أنشطة أخرى جانبية مساعدة؛ لكن عندما لا تحاسب فإنك لا تدري بنفسك إلا وأنت مديون بعشرة ملايين، فيقال: خذوه إلى السجن.
وكذلك الذي يتعامل مع الله، إذا لم يحاسب نفسه فإنه لا يعلم بها إلا عند الموت، وإذا به مديون بالسيئات، فيقال: إلى السجن؛ والسجن هو النار.
يا أخي: بمناسبة انصرام عام من أعمارنا وهو عام: (١٤١٠هـ)، فإننا نطلب من المكلفين أن يقفوا مع أنفسهم وقفات للمحاسبة والمراجعة؛ لمعرفة وضعهم الإيماني، فيحاسبوا أنفسهم على: رأس المال، والأرباح، والخسائر.
وهذه الميادين الثلاثة سوف أذكرها على سبيل الإيجاز:
стр. 440
رأس المال وكيفية المحافظة عليه
إن رأس مالك -يا أخي في الله- هو الفرائض فلا تضيعه.
وأهمه: توحيدك، وعقيدتك، فحاسب نفسك وراجعها:- هل عقيدتك صافية؟! هل توحيدك خالص؟! هل تصرف نوعاً من أنواع العبادة لغير الله؟ هل تدعو غير الله؟! لأن الدعاء مخ العبادة، والذي يدعو غير الله يشرك بالله! هل تذبح لغير الله؟! هل تنذر لغير الله؟! هل ترجو غير الله؟! هل تخشى غير الله؟! هل تخاف من غير الله؟! هل تتوكل على غير الله؟! هل تستغيث بغير الله؟! هذه هي أنواع العبادة؛ توحيد الألوهية.
راجع نفسك: هل تقسم بغير الله كما يصنع بعض الجهلة، إذا جاءه ضيف لا يقسم بالله ولكن يحلف بالطلاق؛ لأنه يرى أن القسم بالله سهل، وأن الناس سيسبونه، وإذا ذهبوا قالوا: فلان والله دعانا إلى وليمة سهلة.
عجيب! الذي يطلق إنسان كريم، والذي يحلف بالله سهل! بعضهم يطلق وليس عنده امرأة، يتدرب، حتى لا تأتيه المرأة إلا وقد صار عارفاً برأس ماله، وبعضهم يطلق وامرأته ليست غالية عنده؛ فيقولون: لا تحرمونه من زوجته، طَلَّقَ يا جماعة! لكن إذا قال لهم: والله لا تذهبوا حتى تأكلوا ذبيحتكم.
قالوا: لا.
نحن مشغولون، آسفون.
يقسم لهم بالله، فلا يقدِّرونه، ويقسم لهم بالطلاق فيقدِّرُونه.
هذا من الشرك بالله، ومن تعظيم غير الله ؛ لأن الحلف بالله تعظيم، والحلف بغير الله تعظيم لغير الله، فمن كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله، ومن حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك.
هل تدعو غير الله كما يصنع بعض الناس، هناك من يدعو غير الله في بعض البلاد الإسلامية، فيدعون قبوراً عليها القباب، يطاف بها كما يطاف بالكعبة، وتقدم لها النذور، ويُطلب منها ما لا يُطلب إلا من الله؛ يُطلب من صاحب القبر أن يزوج البنت، وأن يشفي المريض، وأن يكشف البلوى، ويقول الشخص لصاحب القبر: يا سيد العارفين، الشكوى على أهل البصيرة عيب، والعارف لا يُعرَّف، يقول: أنت تعرف ماذا في قلبي، والشكوى عليك عيب، أخيرك بالذي في قلبي وأنت تعرفه وذاك ميت مسكين! يقول الله : ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤].
فلا تدعُ غير الله، ولا تذبح لغير الله، ولا تنذر لغير الله، ولا تذهب إلى كاهن، أو مشعوذ، أو ساحر؛ فإن الذهاب إلى هؤلاء الذين يسمونهم: أصحاب الطب العربي، وهو طب شيطاني وشركي وهو نسف لعقيدتك وتدمير لحياتك: (مَن أتى كاهناً أو عرَّافاً فصدَّقه فقد كفر بما أنزل على محمد) فإذا ابتلاك الله بمرض، أو ابتلى زوجتك، أو ابنتك، فلا تذهب إلى هؤلاء الكهنة، ولا تذهب إلى ساحر لتصرف قلباً عن قلب، أو تعطِّف قلباً على قلب، فإن السحر كفر، والله يقول في القرآن الكريم: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢].
فالذهاب إلى السحرة كفر! بعض الناس يزوج ابنته -مثلاً- ثم يريد أن يطلقها من هذا الرجل، من أجل أن يبيعها بمائة ألف أخرى، ليس معه وظيفة إلا ابنته، هي سلعته، يبيعها كل سنة على شخص، وبعد أن يزوجها على رجل يقول: لا بد أن يطلقها، فيذهب إلى ساحر فيقول: نريدك أن تصرف الرجل عنها، نريده أن يراها مثل الأتان.
فيقول: نعم.
فيعطيه ألف ريال، وانتهى! هؤلاء هم السحرة وهذا كفر والعياذ بالله.
فلا تذهب إلى ساحر، ولا تصرف، فإن هذا سحر والعياذ بالله.
كل هذه أنواع من الشرك الذي يجب أن تحاسب نفسك عليه؛ لتعرف مقدار عقيدتك وتوحيدك مع الله .
أيضاً: حاسب نفسك في الصلاة؛ لأنها أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي عمود الدين، وهي الحبل الممدود من السماء إلى الأرض، مَن وصلها وصَلَه الله ومَن قَطَعها قطعه الله.
حاسب نفسك على الصلاة: أين أنت من الصلاة؟! هل تؤديها؟! وهل تؤديها بكامل الطهارة؟! وهل تؤديها بكامل الخضوع والخشوع وحضور القلب في الصلاة؟! وهل تؤديها مع جماعة المسلمين في المسجد؟! فإن الله لا يقبل الصلاة منك إلا في المسجد إلا مِن عذر، فقد أثنى الله على المؤمنين وقال فيهم: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور:٣٦] * ﴿رِجَالٌ﴾ [النور:٣٧] يا سلام! ما أعظم هذا اللقب من الله! سَمَّاهم الله رجالاً، والرجولة هنا لا تعني الذكورة، الواحد مِن الناس إذا كان لا يصلي يقول: أنا رجل.
وهو لا يصلي.
فنقول: لا.
لستَ رجلاً.
فيقول: كيف لستُ رجلاًَ؟! فنقول: أنت ذكر فقط.
حتى الحمار ذكر، والكلب ذكر، والقرد ذكر؛ لكن لست برجل، أنت رجلٌ يوم أن تصلي، فالله يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور:٣٦] مَن هُم؟! ﴿رِجَالٌ﴾ [النور:٣٧] ما عملهم؟ قال: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:٣٧]، والتعبير بالتجارة؛ لأنها غالب ما يشغل الناس، وإلا فقد ينشغل الإنسان بغيرها، فتلهيه وظيفته، ويلهيه أولاده، وتلهيه شهواته؛ لكن غالب ما يُلهي الناس عن الدين هي التجارة، ثم قال : ﴿يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧].
هذا هو الذي دفعهم إلى المحافظة على الصلاة في المساجد: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣].
لا بد أن تراجع نفسك وتحاسبها: هل أنت تصلي الصلوات الخمس في المسجد؟! إذا كان
الجواب
نعم.
فأنْعِم والحمد لله.
وإذا كان الجواب: لا.
فصحِّح من الآن ومن غد، قل: والله لن أصلي إلا في المسجد، خصوصاً الفجر والعشاء، لماذا؟! لأنها مقياس الإيمان، إذا أردت أن تقيس إيمانك، فابحث عن نفسك في صلاة الفجر.
فإن كنت في أحضان المرأة، أو على الفراش فالله المستعان، خَلَفَ الله عليك في إيمانك، وإن كنت في الروضة وفي الصف الأول فأنعِم وأكرِم، للحديث الذي في صحيح البخاري ومسلم يقول ﵊: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً).
حاسب نفسك على الصلاة؛ لأن الصلاة مكيال، مَن وفَّى وُفِّي له، ومَن طَفَّفَ طُفِّف عليه.
حاسب نفسك في الخشوع: لأن الشيطان يمكر بك، يدعك تصلي؛ لكن يسحب قلبك في الصلاة وليس لك من صلاتك إلا ما حَضَر فيها قلبُك، فجاهد شيطانك.
فما الفائدة إذا أبعدت قلبك عن الصلاة؟! تريد أن تتمتع بالدنيا؛ لكن جسدك في المسجد؟! فأنت ملزومٌ ملزوم، وما دام أنك ملزومٌ ملزوم إذاً أحْضِر قلبَك، ثم اخرُج، صلِّ العشاء، كم مدة صلاة العشاء من الدقائق؟! (١٠) دقائق، أحْضِر قلبك (١٠) دقائق، ثم وسوس بعدها إلى الفجر، كم معنا من بعد صلاة العشاء إلى الفجر؟! كم ساعة معك؟ ثمان ساعات، هلا وسوسنا فيها؟! لكننا لا نوسوس إلا في العشر الدقائق الخاصة بالصلاة، وبعد الصلاة انتهى، ليس هناك وسواس، ولا هواجس ولا أفكار، وإذا وُضع الطعام أمامنا وبُسطت السفرة من الأرز، واللحم، والإدام، والفاكهة، والخضرة، هل يفكر أحد في غير هذا، هل يأتيك وسواس في العمارة أو في الدراسة وأنت تأكل الأرز؟! لا والله، لن توسوس إلا في الأرز فقط، متر في متر فتوسوس فيه! لماذا؟! لأنك هنا في عمل يحبه الشيطان، أو يرضى عنه أو يبيحه؛ لكن الصلاة أعظم عمل لمحاربة الشيطان؛ ولذا يدخل عليك، ويقسم على باب المسجد ويقول: والله لأخرجنك منها مثلما أدخلتك.
يقول: أنت معاند، الناس أطاعوني وقعدوا يلعبون ويسمرون وأنت أبيت إلا أن تصلي؛ لكن سأريك، أنت عنيد، فيقسم على رأسك وأنت عند الباب: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ:٢٠].
بعض الناس يبر بِقَسَمِ الشيطان فإنه من حين أن يقول: الله أكبر، يسلِّم قلبه للشيطان، ويذهب فيبيع ويشتري ويسافر ويعود ويبني ويهدم ويضرب ويعمل كل شيء أثناء الصلاة، فإذا انتهت الصلاة وسألتَه: ماذا قرأ الإمام في الركعة الأولى.
قال: لا أدري.
- أين أنت يا طويل العمر؟! أين أنت؟! - والله موجود؛ لكني أفكر في الدنيا.
لا إله إلا الله! ما قيمة وجود جسدك في المسجد إذا كان قلبك غير موجود! أحد العلماء يقول وقد سأل شخصاً بعد أن أتم صلاته، قال له: ماذا قرأ الإمام في المغرب في الركعة الأولى؟! قال: لا أدري.
قال: وفي الثانية؟! قال: لا أدري.
قال: لماذا؟! قال: لم أكن موجوداً.
فقال العالم: لو سألنا هذا العمود (الإسمنت): يا عمود، ماذا قرأ الإمام في المغرب؟! تكلم يا عمود! لقال: لا أدري.
العمود يقول: لا أدري، وفعلاً هو لا يدري! حسناً! ما الفرق بين العمودين؟! العمود المتحرك والعمود الثابت؟ العمود الثابت لا يدري، والعمود صاحب الرجلين لا يدري! إذاً: كلاهما لا يدريان؛ لكن الأفضل العمود الثاني؛ لأنه (٢٤) ساعة لم يخرج، وذاك (١٠) دقائق وما ضبطها، ضيَّع نفسه! فحاسب نفسك في خشوعك في الصلاة؛ لأن الصلاة جسد، والخشوع روح، ولا قيمة للجسد بدون الروح، الآن إذا مات شخص ما
стр. 441
ضرورة محاسبة النفس على التقصير في وجوه البر والطاعات
حاسب نفسك على برك لوالديك: هل أمك وأبوك أحياء؟! لاحظ أن والديك عندهما التحويلة إلى الجنة، أقرب طريق إلى الجنة من عند أمك وأبيك، اغتنم فرصة وجودهما، لو مات أبوك أو أمك وهما غضبانان عليك، فإنك تتعذب طوال حياتك، هل تعيدهما من القبور لكي تبرهما؟! هل تبدلهما في المعرض لكي تأخذ أباً أو أماً جديدة فتبرهما أو أحدهما، ليس معك إلا أبوك، وليس معك إلا أمك، فاغتنم فرصة وجودهما في حياتك، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: أنه ﵊ قال: (رَغِم أنف من أدرك أحد أبويه أو كلاهما فلم يدخلاه الجنة) هذا خاسر لا خير فيه.
صحِّح وضعَك مع والديك، فإنهما جنتك ونارك، وبر الوالدين من أعظم القربات، وعقوقهما من أعظم الكبائر، والله قرن طاعته بطاعتهما فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤].
وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣].
وقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [النساء:٣٦].
وفي الحديث الصحيح في صحيح البخاري ومسلم عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين).
ومن عقوبات عقوق الوالدين: أن الله يسلط على العاق ولداً يعقه أعظم مما عَقَّ أباه، وكما تدين تدان، فمن بر والديه بره أبناؤه، ومن عق والديه عقه أولادُه، وكما تكيل يكال لك.
حاسب نفسك مع الوالدين، وارجع من الآن، وحاذر ثم حاذر أن تردَّ على أبيك أو أمك! فمن أعظم ما يُغْضِب الوالد والوالدة أن ترد عليهما، بل إذا قالا شيئاً قل: حاضر، ثم إذا قلتَ: حاضر، لا تقل: حاضر بصوت مرتفع، لا.
بل بصوت منخفض، وألبس صوتك بسمة؛ لأن هذا أبوك، والله يقول: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] ماذا؟! ﴿أُفٍّ﴾ [الإسراء:٢٣] ما هو الأف؟! الأف ليس بكلام، الأُفُّ مظهرُ التضجُّر، أي: إذا قال لك أبوك شيئاً فلا تقل: أُفّ؛ لأن (أف) هذه حرام، كيف يتكلم على أبيه؟! لا إله إلا الله! أحدهم يخبرني بقصة لعامل في منجرة، تكلم على أبيه، فترك المنجرة ودخل على أبيه ليفطر، فقال لأبيه: كذا وكذا.
فتكلم معه أبوه بلطف، وأبوه شائب، وهذا عضلاته مفتولة؛ لأنه عامل يأخذ الأخشاب، ويشتغل في منجرة.
فقام يتكلم على أبيه، ويمد يده إلى عين أبيه، ويقول: أصلك أنت أنت! حتى كاد أن يفقأ عين أبيه، وأبوه يشير يشير إليه خائفاً منه، ماذا يفعل به؟! فيخرج من عنده ويدخل إلى المنجرة، ويأتي بلوح الخشب وهو مغضب، ويسيره على المنشار، فيقطع الله إصبعه.
لماذا؟ لأنها إصبع خبيثة كادت أن تخرج عين الوالد.
فلا تعق والديك، حاسب نفسك على هذا، وصحح الوضع، فأبوك يريد أن تكون قريباً منه ويرجع صالحه لك، فهو يحبك، ويدعو لك، ودعوة أبيك وأمك لك أعظم من الدنيا وما عليها، يوم أن تمشي وأبوك وأمك راضون عنك، وإذا سُئل أحدهما عنك، قال: الله يوفقه، الله ييسر أمره، الله يجعل له من أمره يسراً.
لكن يوم أن يُسأل أبوك عنك، وإذا بك عاق، قال: الله يجعلها نكداً عليه، الله لا يوفقه.
الله أكبر! ما أعظم من هذه يا أخي! فلا تبحث عن حتفك بنفسك.
حاسب نفسك على صلة أرحامك: هل لك أرحام؛ عمات، وخالات، وجدات، وأخوات؟ هؤلاء عليك أن تحاسب نفسك عليهن، هل أنت تصلهن أم قاطع لهن؟ مَن وَصَلهن وَصَله الله ومَن قطعهن قطعه الله، إن قاطع الرحم لا تنزل عليه الرحمة، ولا تنزل على قوم يجلسون معه، قاطع الرحم ملعون بنص الكتاب، يقول الله : ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد:٢٢] * ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٣].
حاسب نفسك على تلاوة القرآن الكريم: فهذا من رأس مالك.
كم تقرأ في كل يومٍ قرآناً؟! كيف أنت مع القرآن؟! كيف هي علاقتك مع القرآن؟! قوية أم واهية وضعيفة؟! هل القرآن معك في كل وقت وفي كل حين؟! أم أنه مهجور من حياتك؟! صحح وضعك! إذا أردت أن تعرف منزلتك عند الله، فاسأل نفسك عن منزلة القرآن في نفسك، فإن كنت تحب القرآن، فاعلم أن الله يحبك، وإن كنت تألف القرآن، فاعلم أن الله يألفك، وإن كنت تداوم وتعيش مع القرآن، فاعلم أن الله معك ما دمتَ مع كتاب الله ، أما أن تهجر القرآن ولا تقرأه إلا على ما يناسبك ويناسب ظروفك فلا.
بل يجب أن تخصص لك ورداً معيناً من القرآن لا يقل عن جزء؛ هذا أقل شيء، والذي يختم في أكثر من شهر هاجرٌ لكتاب الله، والله يخبر أن الرسول ﵊ يشتكي هؤلاء يوم القيامة فيقول: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ [الفرقان:٣٠].
والله قد أمرنا بتلاوة القرآن فقال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل:٤].
وقال: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان:٣٢].
ويقول النبي ﵇: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه).
يأتي يوم القيامة ويقال لقارئ القرآن: (اقرأ ورتل واصعد في درج الجنة، فمنزلتك عند آخر آية تحفظها) هذا شرف كبير لك يا أخي المسلم.
اعرف نفسك وحاسبها على الأذكار؛ أذكار الصباح والمساء:- هل تذكر الله في الصباح؟! أم تبكِّر إلى الدوام من دون ذكر، والله قد أمرك ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران:٤١]؟! لا بد من أذكار الصباح؛ لأنها حفظ وحرز وحصن، ولا بد من أذكار المساء.
وأذكار الصباح قبل شروق الشمس، وأذكار المساء قبل غروب الشمس.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه:١٣٠].
لا بد أن تذكر الله وتحصن نفسك بالآيات والأذكار التي شُرِعت، ودل عليها النبي ﷺ ، وهي موجودة في كتب الأذكار، لا بد أن تكتبها في ورق وتتحفَّظها، وتداوم عليها في ورقة إلى أن تحفظها، وبعد شهرين لن تعد تحتاج إلى كتاب؛ لأنك داومت عليها أكثر من مرة فحفظتها.
ثم تعلم أذكار الأحوال والمناسبات: أذكار الطعام، الشراب، النكاح، دخول الحمام، الخروج من الحمام، رؤية باكورة الثمار، رؤية القمر، لبس الثوب، رؤيتك للمرآة.
هذه الأذكار كلها يجب أن تكون عالماً بها؛ لتكون مع الله في كل حين وفي كل وقت.
حاسب نفسك على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: هل تغضب لله إذا رأيت منكراً؟! أم أنك بارد الإحساس متجمد؟ لا بد أن تنكر، والإنكار بإحدى المراتب الثلاث: بالتغيير باليد: إذا كنتَ من أهل السلطة.
أو باللسان: إذا كنتَ من أهل العلم، وعندك علم، وتريد أن تبينه للناس.
أو بالقلب: إذا كنت عادياً، ولا تقدر أن تغير بلسانك ولا بيدك، فتغير بقلبك، وتنكر المنكر وتبغضه، وتقاطعه، ولا تجلس في مجلس هو فيه، وذلك أضعف الإيمان، وليس من الإيمان بعد ذلك مثقال حبة خردل من إيمان، فالذي يعايش المنكر ويجلس مع أهله ويستريح معهم، فهذا منكر هو بنفسه، هذا مشارك للذي عمل المنكر؛ لكن إذا أتيت إلى مجلس ولم تستطع أن تغير بيدك، ولا بلسانك، ولم تستطع إلا بقلبك فذلك أضعف الإيمان، ويريد منك قلبُك مغادرة المنكر، فتخرج، أما أن تقعد وتقول: أنا سأغير بقلبي فلا يصلح.
لا تغير بقلبك وأنت جالس.
حاسب نفسك على الدعوة إلى الله: ما نصيبك من الدعوة إلى الله؟! هل لك دور؟! مَن تنتظر أن يقوم بدورك في الدعوة؟! الدعوة رسالة نبينا ﷺ ، مات وخلَّف رسالته هذه على أمته، فلم يعد هناك نبي جديد، ليس إلا أنا وأنت؛ فلا بد أن ندعو إلى الله.
هل تقوم بالدعوة؟! والدعوة بحسب طاقتك طبعاً: - دعوتك لنفسك دعوة، وكثَّر الله خيرك يوم أن تقوم بنفسك.
- دعوتك لزوجتك دعوة، مَن يعينك على امرأتك، ويدق عليها الباب، ويعلمها الدين إذا لم تعلِّمها أنت؟! - دعوتك لأمك، وأبيك، وإخوانك، وأخواتك دعوة.
- دعوتك في مكتبك، وزملائك في العمل دعوة.
- دعوتك في حيك، وجيرانك، ومسجدك دعوة.
ليس بالضروري أن تكون خطيباً، أو أن تكون عالماً كبيراً؛ لكن إذا علمتَ شيئاً من دين الله فبلغه: (بلغوا عني ولو آية) بلِّغ عن الرسول ولو حديثاً، احمل هموم الداعية، احمل هموم الإسلام، افرح للدين، اغضب للدين، أحب في الله، أبغض في الله.
هذه اسمها: حساب رأس المال، وهو الباب الأول.
стр. 442
الأرباح وكيفية المحافظة عليها
الباب الثاني: حساب الأرباح وهي: النوافل: - قيام الليل.
- صلاة الضحى.
- الرواتب.
- السنن.
- صيام الإثنين والخميس من كل أسبوع.
- صيام ثلاثة أيام من كل شهر.
- صَدَقات.
- عمرة نافلة.
- حج نافلة.
- ذكر لله.
هذه كلها نوافل، وهي أرباح.
فإذا حفظت رأس مالك حفظتَ أرباحك.
لكن يوم أن تُضَيِّع رأسَ المال تَضِيْعُ الأرباح من باب أَولى.
стр. 443
مراجعة الخسائر وكيفية تفاديها
ثم أنتقل إلى الباب الثالث من أبواب ميزانية هذا العام، وهو: مراجعة الخسائر، وأبواب الخسائر سبعة:
стр. 444
أمراض القلب
الباب الأول والكبير: باب القلب: وتدخل منه أكبر خسارة على الإنسان؛ لأن القلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله.
وأمراض القلب هي: الشبهات والشهوات.
فالقلب يجب عليْك أن تتفقده، وأن تعمل له (فحصاًَ)، فتحاسبه: هل هو سليم من الشبهات والشهوات والبغضاء والحقد والكبرياء والغضب والأنفعال؟! هذه أمراضه، إذا كان فيه شيء فنظِّفه قبل أن يكون التنظيف في النار.
стр. 445
جارحة اللسان الخطيرة
ثم انتَقِل إلى الباب الثاني والجارحة الأولى والخطيرة وهي: جارحة اللسان: فإنها من أخطر الجوارح على دين الإسلام، فاللسان قنبلة تدمر دين العبد؛ يصلي، ويصوم، ويعمل ويعمل، ثم يقول كلمة تنسف عمله كله، وتعرفون الحديث الذي في صحيح مسلم؛ حديث الرجل الذي كان صالحاً وكان له أخ عاصٍ، وكان ينصحه باستمرار، ولا يستجيب له، فأتى إليه يوماً وهو على المعصية فقال له: (والله لا يغفر الله لك) الله أكبر! ما هذه الكلمة! رغم أن بواعثها ودوافعها حسنة؛ والغضب كان لله؛ لكن تجاوز الحد، فقال الله له: (من هذا الذي يتألَّى عليَّ؟! قد غفرتُ له وأحبطتُ عملك) كلمة واحدة أوبَقَت دنياه وآخرته: (رُبَّ كلمة قالت لصاحبها: دَعْني).
والحديث الآخر في الصحيح: (أتدرون من المفلس؟! قالوا: المفلس من لا درهم ولا دينار لديه، قال: لا.
المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات، وصلاة، وصيام، مثل الجبال، ثم يأتي وقد شتم هذا، ولعن هذا، وأكل مال هذا، وسب هذا، وهتك عرض هذا، فيؤتى لهذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته -تقسم أعماله على العباد- فإذا فنيت حسناته أُخِذ من سيئاتهم، ثم طُرِحَت عليه، ثم طرح في النار).
من الذي ضيعه وأحبط عمله؟! إنه لسانه.
والحديث في سنن أبي داوُد، ومسند أحمد، من حديث معاذ ﵁، وهو صحيح، قال ﵊ وهو يوصي معاذاً بما يدخله الجنة، وينجيه من النار، قال له في نهاية الأمر: (أفلا أدلك على ملاك ذلك كله؟ َ -يعني: السور الذي يحمي لك دينك كله- قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: كف عليك هذا -أمسِك لسانك- قال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟! قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يَكُبُّ الناس على وجوههم أو قال: على مناخرهم إلا حصائدُ ألسنتهم؟!).
والحديث الآخر: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب) بكلمة واحدة.
والذين كانوا في غزوة تبوك قالوا كلمة واحدة فكفروا بها، وليتهم ما تكلموا؛ لكنها مضت ولم تصحح أبداً، قالوا: (ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء -يعني: الرسولَ وأصحابَه- أوسع بطوناً، وأجبن عند اللقاء!) يريدون أن يضحكوا ويقطعوا الطريق وهم سائرون، وإذا بالقرآن ينزل على الرسول ﷺ فيقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة:٦٥] ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] لا إله إلا الله! كفر بكلمة؟! نعم.
يقول راوي الحديث: (كأني بالرجل هذا وهو متعلق بنسعة ناقة رسول الله، والحجارة تنكب رجليه، وهو يقول: يا رسول الله، والله ما أعنيها! يا رسول الله، إنما هي حديث الركب! يا رسول الله، أندخل النار وأنت بين أظهُرنا؟! يا رسول الله: ((إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ)) [التوبة:٦٥] والرسول يقول له: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]) كلمة واحدة ضيعته وأفقدته دينه كله، وخسر الدنيا والآخرة.
فلسانك حصانك، لماذا سمي اللسان حصاناً؟ لأن للحصان عناناً، والحصان الذي ليس له عنان تراه يشرد ويهرب ولا يستطيع أحد أن يمسكه؛ لكن عندما يوضع له العنان وهي: حديدة تُدْخَل تحت لسانه، ثم يمسكها الفارس من فوقه، عندها تستطيع أن تمسك به، ولسانك حصانك إن صنته صانك وإن أهنته أهانك.
وعنانك -أيها المسلم- إيمانك، يزمَّ لسانك، فلا تستطيع أن تتكلم مع الناس في الباطل، فإنك إذا سمعت الناس يخوضون في الباطل سكت، لماذا؟! لأنه: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) فلا يتكلم الإنسان إلا بحق أو يسكت، فالمؤمن صمام ثابتٌ وصندوقٌ تجاري مقفل، لا أحد يدري ما وراءه، وإذا تكلم تكلم بعقل، وأما ذاك المنافق فهو غبي ملجلج، يتكلم بباطل وحق، وغيبة ونميمة، وشتم وقيل وقال وقلنا وسمعتم ما هذا الكلام؟! (كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع) لا ندري كيف تشيع الإشاعات بين الناس؟! عندما جئت إلى الرياض سمعتُ أخباراً كثيرة عن الإخوان الدعاة في أبها، قال شخصٌ: هل صحيحٌ أنك مسجون؟! وقال ثانٍ: هل صحيح أن الشيخ الفلاني مسجون؟! قلت: من الذي يروِّج هذا؟! قالوا: يقولون.
قلت: الله أكبر! ما هذه الوكالة؟ هذه وكالة إبليس، وكالة أنباء (يقولون)، لا يروج لها إلا الأبالسة الذين قد ورد فيهم عن النبي ﵊ أنه: (نهى عن القيل، والقال) قيل، وقال، ويقولون، هذه قَلْقَلَةٌ! - مَن قال؟! - لا أدري، سمعتهم والله يقولون.
- ليس لك عَمَل إلا النقل كلما سمعت شيئاً ذهبت لتقوله؟! إذا سمعت كلاماً فقل: اسمعوا يا جماعة الخير! إن كان عندكم خبر أكيد فأتوا به، فإذا قيل لك: والله يقولونه، فقل لهم: استحوا على أنفسكم: (كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع).
هذه الأراجيف، وهذه الإشاعات، وهذه الخزعبلات، لا تروج إلا في المجتمعات المريضة، ونحن في مجتمع سليم والحمد لله، مجتمع نظيف، فمجتمعنا وديننا يأمرنا أن نكون عقلاء، لا نحدِّث إلا بالحقائق، ولا نروج الإشاعات والأباطيل والخزعبلات بيننا.
فحاسب لسانك، ولا تتكلم بكلمة إلا وأنت تعرف أن لك عند الله بها ثواباً، وإلا (إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب) والذهب أفضل من الفضة، لكن بعض الناس لا يريد ذهباً، ويا ليته يتكلم فضة، بل يتكلم -والعياذ بالله- تراباً وعذاباً؛ يتكلم بغيبة، وبنميمة، وبلعن، وبسب، وبكذب، ويتكلم -والعياذ بالله- بشهادة الزور، ويحلف بالله فجوراً، ولسانه يشتغل (٢٤) ساعة يهلكه، ويدمِّر دينه، وينسف إيمانه، والعياذ بالله!
стр. 446
محاسبة العين
ثم الباب الثالث والجارحة الثانية: حاسب عينك:- أين تنظر عينك؟! هل تنظر في كتاب الله؟! هل تنظر في ملكوت الله؟! أم أنها تنظر فيما حرم الله؟! تنظر إلى النساء الحرام؟! (من ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من جمر جهنم).
أم أنك تنظر إلى ما متع الله به الناس من نعم، فتنظر إلى هذا الذي معه سيارة أو معه وظيفة أو معه عمارة فتحسده؟! أم تنظر إلى الآخرين بعين الازدراء والاحتقار، بينما ترى نفسك في الأعلى؛ لأنك منفوخ بنفخة الكبرياء؟! يأتي إبليس فيضع فيه الكبر وينفخه، فيرى نفسه كبيراً وهو منفوخ، هو في الأصل مثل (البالونة) التي ليس فيها هواء، ترونها صغيرة؛ لكن إذا نُفِخَت كبرت.
فهذا المنتفخ بماله: المال ليس لك، هو مال الله ساقه إليك من حيث لا تدري.
والمنتفخ بصحته وعافيته: العافية ليست منك، الله هو الذي أعطاك العافية.
والمنتفخ برتبته ومنصبه: المنصب ليس منك، الله الذي رفعك.
تنتفخ لماذا؟! لماذا تتعالى على الناس؟! لماذا تنظر إلى الناس أنك أعظم منهم، وأحسن منهم؟! (مَن تواضع لله رفعه، ومن تعاظم وتكبر على الله وضعه) فإذا أردت العزة والرفعة فتواضع، وإذا أردت الذلة فتكبر، والعياذ بالله!
стр. 447
محاسبة الأذن
ثم الباب الرابع والجارحة الثالثة: انتَقِل من عينك إلى أذنك وحاسبها: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦].
ماذا تسمع؟! ماذا تصبُّ هذه القناة السمعية على قلبك؟! هل تصبُّ قرآناً ومواعظ وخيراً، أم تصبُّ أغاني وشراً وغيبة ونميمة؟! فلا تسمع إلا خيراً؛ لأنك مسئول، ولأنك تتأثر بكل ما تسمع.
стр. 448
محاسبة البطن
الباب الخامس والجارحة الرابعة: حاسب نفسك على بطنك: ماذا ينزل فيه؟! ماذا تأكل؟! هل تشرب الدخان وأنت طيب؟! كيف تأخذ خبيثاً؟! والله يقول: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور:٢٦] وأنت طيب أم خبيث؟! أنت طيب.
إذاً لماذا تحب الخبيث؟! لماذا تشرب الخبيث؟! بل لماذا تُقَبِّل الخبيث؟! الخبيث كلٌّ يقول: الله يكفينا شره، وأنت تأخذه، وتسلم عليه، وتمصه بشفتيك، وتحمله في جيبك، وتشتريه بمالك، وتبخر به نفسك، وتحارب به ملائكتك، وتغضب به ربك، وتنشِّط به عدوك، وتقوِّي به مصانع أعداء الإسلام، بواخر تأتي بدخانٍ وتذهب بأموال من عند المسلمين! لا إله إلا الله! هل تشرب الدخان؟! هل تشرب الشيشة، أو الشمة؟! أحد الناس قال: أبشرك تركت الدخان؛ لكن تحوَّلت إلى الشيشة.
قلت: الله لا يكثر خيرك (عَيَّا من اللحمة وشرب مرقتها)، مثل ثور (الخلبة)؛ ينزع يده من (الخلبة) ويضع رجله مكانها، لا، هذه ألعن من تلك، ولماذا؟! قال: أبشرك، الشيشة لا أستطيع أن أشربها إلا عند شرب القهوة أو في البيت، أما الدخان فأشربه في كل مكان.
قلت: والله هذا عذر أقبح من فعل.
هذه خبيثة نجسة -والعياذ بالله- فيها ماء يُقاس على بول الكلاب -والعياذ بالله- هذه تنسف الصدر، وتخرب الكبد والأعضاء، وتغضب الرب، ليس فيها خير، يسمونها: (تعميرة)، يدخل القهوة وهو ما يزال واقفاً فيقول: عبئ حجراً، (عمِّر).
وهو يعبئ جمراً أحمر مدمراً والعياذ بالله، وليس يعمِّر.
بل يخرب.
فيا أخي الكريم: هل تشرب الشمة؟! الشمة هذه مسحوق مثل الطين الأصفر، يضعه الشخص داخل فمه، ثم يتفل مثل غائط الدجاج، والعياذ بالله! فتسوِّس أسنانه وتخرب صدره، وترى شكله وهو قاعد في المجلس ومعه علبته أو معه منديله وهو يبصق، ما هذا؟! ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢].
هل تشرب الخمر؟ هل تروج المخدرات أو تتناولها؟ هل تأكل الربا؟ هل تأكل الرشوة؟ هل تأكل الهدية المحرمة؟ فإذا كنت مسئولاً أو في منصب، وأتتك هدية وقبلتها أو لبستها كثوبٍ هديةً -مثلاً- من أجل أن تمشِّي معاملة، هذا حرام في دين الله، ورشوة لا تجوز لك.
نظِّف بطنك، فإن (كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به) (الله طيب لا يقبل إلا طيباً) (أطب مطعمك تُجَب دعوتك).
لا يجوز لك أن تأكل إلا طيباًَ، فكل حلالاً، والله لو تأكل طيناً لهو أفضل لك من الحرام.
стр. 449
اليد والرجل ومحاسبتهما
ثم أنتَقِل إلى الباب السادس والجارحة الخامسة: جارحة الرِّجْل: هل تحملك قدمك إلى حرام؟! ثم انتقل إلى الباب السابع والجارحة السادسة: جارحة اليد: هل تكتب بيدك حراماً؟! هل تبطش بيدك حراماً؟! هل تغمز بها حراماً؟! (من مد يده على امرأة لا تحل له، جاءت يده يوم القيامة مغلولة إلى عنقه).
هذه هي الحسابات.
انتهت ميزانية العام، حاسب نفسك من الآن يا أخي، إن كنت ناجحاً ورابحاً فالحمد لله، واسألْ من الله الثبات، وإن كنت خاسراً فغيِّر الميزانية الآن، اجْرِ -مباشرةً- تصحيحات في الداخل، لا تقبل بالخسائر، وقل: يا عين، والله لن تخسِّريني بعد اليوم! إن الحسنات كل يوم تذهب بسببك! يا أذن، والله لن تخسِّريني بعد اليوم، ولن أسمع شيئاً حراماً! يا لسان، لم تعد هناك خسائر! يا رِجْل، لم يعد هناك رَواح لمنكر! يا يد، لن تكوني في منكر! أوْقِف الخسائر.
وبعد ذلك تعال إلى رأس المال وحافظ عليه.
وارجع إلى الأرباح وزوِّدها.
ستجد نفسك إن شاء الله من الرابحين.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يختم بالصالحات أعمالنا.
اللهم اختم لنا عامنا الماضي بخير، واجعل عامنا الحاضر عام نصرٍ وعزةٍ للإسلام والمسلمين، وردَّنا فيه إلى دينك القويم، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
стр. 450
الأسئلة
стр. 451
المحافظة على صلاة الفجر دليل الإيمان
السؤال
هل من كلمة توجيهية لتارك صلاة الفجر في جماعة؟
الجواب
نعم.
نوجه إخواننا ونقول لهم: اتقوا الله في أنفسكم، واعلموا أن علامة إيمانكم صلاة الفجر، وعلامة نفاقكم ترك صلاة الفجر، فلا تسأل أحداً عن إيمانك ولا عن نفاقك، اسأل نفسك عن صلاة الفجر، وجاهد نفسك يا أخي، وبالمجاهدة -بإذن الله- يتم لك التغلب على هذه العادة، وسوف تستأنس بها بعد أن يعلم الله صدقك وجديتك في طلب طاعة الله .
стр. 452
حقيقة هجرة القلب إلى الله ورسوله
السؤال
هل للقلب هجرة إلى الله ورسوله؟
الجواب
نعم.
يوجد كتاب اسمه: طريق الهجرتين وباب السعادتين، لـ ابن القيم ﵀، يقول فيه: طريق الهجرتين: - هجرة بالقلب إلى الله: بالعبودية.
- وهجرة أخرى بالقلب إلى رسول الله: بالاتباع.
هذه طريق الهجرتين، تهاجر بقلبك إلى مولاك فتعبده، وإلى رسولك فتتبعه.
ثم يترتب على هجرتيك هاتين باب السعادتين: - سعادة الدنيا.
- وسعادة الآخرة.
فنحن نستغل هجرة العام الهجري؛ لنهاجر بقلوبنا إلى الله، إذْ (لا هجرة بعد الفتح؛ ولكن جهاد ونية).
стр. 453
نصائح للآباء بضرورة تزويج الأبناء
السؤال
أنا شاب وفقني الله للهداية، والحمد لله، وطلبت من والدي الزواج، وهو مستطيع؛ ولكنه يمانع بحجة التخرج من الجامعة، وأنا لا أستطيع أن أصبر، وأخشى على نفسي من الفاحشة، فما توجيهكم جزاكم الله خيراً؟
الجواب
أقول لأخي الكريم الذي هداه الله: أسأل الله أن يثبتك، وأن تستمر في طريق الهداية، وأن يصبرك عن الحرام والفاحشة، ولا بد أن تصبر، وإخوانك صابرون؟! فلماذا أنت لا تصبر؟! إذاً ما هو الحل إذا رفض أبوك؟! هل تذهب فتزني؟! لا.
اصبر غصباً عنك، إن كنت تريد الجنة لا بد أن تصبر.
أما توجيهي لوالد هذا الشاب الذي يقدر على تزويج ابنه ولم يزوجه: فأنا أقول: إنه آثم، وإنه يتعرض للعذاب من الله ، فكما أنه مأمور بحفظ صحة وغذاء ولده؛ فإنه مأمور -أيضاً- بحفظ دينه وعرضه، وما دام أنه قادر فعليه أن يزوجه.
وقضية تركه إلى أن يتخرج، من أجل أن يعتمد على نفسه، فهذا فيه حثٌّ لولدك على أن يعقَّك؛ لأن ولدك يوم أن تزوجه من مالك، وتخسر عليه، وتقوم بلوازمه، فإنك تكتنفه وتستولي عليه، وتجعله ردءك ومعك؛ لكن يوم أن تقول: ما لي ولك، كُن رجلاً زوج نفسك فكأنك تقول: ليس لي منك شيء، ولهذا منذ أن يتخرج ويتزوج يَقْلِب لك ظهر المجن، وينسى أنك أبوه؛ لأنك أنت الذي علَّمته طريق العقوق.
لا يا أخي، هم فلذة كبدك، ما هي الخمسون الألف أو الستون الألف التي تدفعها على ولدك؟! خسارة هذه؟! والله ليست بخسارة، الدنيا كلها ضعها تحت القدم.
فزوِّج ولدك يا أخي! حتى تحفظ دينه، وحتى ترضي الله، وتخرج أنت من الإثم.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وأن يوفقنا لِمَا يحبه ويرضاه، وأن يحفظ علينا أمننا وطمأنينتنا واستقرارنا، وأن يجعل من أرادنا في هذه البلاد بسوء أو شر أو كيد أو مكر، أن يجعل كيده في نحره، وأن يجعل تدميره في تدبيره، وأن ينزل عليه بأسه الشديد، وعذابه الأكيد، فإنه لا يُعْجِز الله .
اللهم آمِنَّا في دورنا، ووفِّق وأصلح واهدِ ولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم وفقهم لِمَا تحبه وترضاه، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.
стр. 454
عقوبة تارك الصلاة
للصلاة مكانة عظيمة في هذا الدين، فقد اختصت بخصائص عن سائر العبادات، وكان من أهمها أنها شرعت في السماء وأنها لا تسقط عن العبد بأي حال من الأحوال.
وهي أبرز صفات المؤمنين كما بين الله ذلك في كتابه، ولذا كان لتارك الصلاة أحكاماً في الدنيا قبل الآخرة، من أهمها أنه يقتل ردة بعد استتابته.
وقد تطرق الشيخ في محاضرته إلى التحدث عن نعم الله وكيفية شكرها، مبيناً أن المعاصي هي السبب في زوالها، مع ضرب أمثلة من الأمم السابقة ممن كفروا بنعم الله، خاتماً ذلك بوصية بالمحافظة على مجالس العلم الشرعي.
стр. 455
فضل مجالس ذكر الله
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
أولاً: جزى الله الإخوة القائمين على أمر هذه الندوة خيراً، حيث هيئوا لنا هذا الاجتماع المبارك وهذه الحلقة الطيبة في هذه الروضة الناظرة وفي هذه المجالس الطاهرة؛ مجالس الملائكة، مجالس النور، المجالس التي يحبها الله ويباهي بأهلها في السماء، المجالس التي يقول الله للقاعدين فيها: (قوموا مغفوراً لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات) لأن من أعظم القربات إلى الله ومن أجلِّ الأعمال إلى الله: ذكر الله ﵎، يروي أصحاب السنن أن رسول الله ﷺ يقول: (ألا أدلكم على أفضل الأعمال عند ربكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله .
وقد كلف الله المكلفين بعبادات محددة في زمن معين وبهيئة معينة وبكمية معينة إلا ذكر الله، فما حدده بعدد ولا بزمن ولا بهيئة أو كيفية، وإنما طلب الإكثار منه وبين أن من صفات عباده: الإكثار من ذكره، قال : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١] وهذه هي حالات الإنسان الثلاث التي لا يمكن أن يكون في غيرها فهو إما أن يكون قائماً أو قاعداً أو راقداً.
فالمؤمن يذكر الله قائماً وقاعداً وعلى جنبه وفي كل حالة من أحواله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١].
ويثني الله على أهل ذكره فيقول: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] ويقول: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢] ويخبر ﵎ أن من أبرز صفات عباده أهل الإيمان كثرة ذكر الله، يقول : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:٢٨] تسكن قلوبهم وترتاح قلوبهم وتهدأ قلوبهم عند سماع ذكر الله: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] أي: قلوب أهل الإيمان، جعلنا الله وإياكم منهم.
стр. 456
حال المعرضين عن ذكر الله
يخبر تعالى أن أبرز صفات أعدائه المكذبين لرسله المحادين له الرافضين لأوامره، أنهم لا يحبون ذكر الله ، قال : ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الزمر:٤٥] أي: يريد كل عِلْم إلا ذكر الله، يذكر كل شيء إلا ذكر الله، يذكر الدوام ولا يغيب عنه، يذكر الطعام ولا يفوته، يذكر مواعيد زملائه ولا يخل بوعد، يذكر المباريات ولا تفوته مباراة، يذكر المسرحيات ولا تفوته مسرحية، المهم أنه ينظم أموره كلها، ولكنه لا يذكر الله ، وقد قال الله في شأنه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة:١٩] أي: استعمرهم واستولى عليهم ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة:١٩].
فيقول : ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥] لو قيل: إن المباراة في أرض بعيدة سيمشي على ركبه ويديه، ولو قيل له: إن السمرة واللعب في أبعد وادٍ أو في أصعب جبل لذهب إليه، لكن الندوة وذكر الله لا يأتي لها إلا مرغماً، إنا لله وإنا إليه راجعون! وقد توعده الله بالعذاب الذي لا يصبر عليه، قال : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] لأن العيشة الهنية والسعيدة والرضية هي في طاعة الله، وما يبحث الناس عنه الآن من مسليات ومن مهدئات لأنفسهم، كلها بسبب البعد عن الله، وما عرفوا من أين أتوا وما لاحظوا أن سبب بلائهم هم يسيرون فيه وأن السعادة كلها في طاعة الله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] أي: عذاب الدنيا المعيشة الضنك، وعذاب الآخرة أن يحشره الله أعمى، يحشره الله أعمى بصر وأعمى بصيرة، ويأمره الله أن يسير على الصراط وأن يعبر على الجسر.
стр. 457
حال المعرضين عن الله إذا مروا على الصراط
الجسر وصفه رسول الله ﷺ بأربع صفات: أنه أدق من الشعر وأحد من السيف، وأحر من الجمر، وأروغ من الثعلب، والعباد مكلفون ومأمورون بالسير عليه إذ لا وصول إلى الجنة إلا بالمرور عليه، والجسر مضروب على متن جهنم، فجهنم من تحت والناس في المحشر والجنة هناك وأنت تريد الجنة فامش إليها.
كيف تمشي في طائرة؟ في سيارة؟ على وسيلة نقل؟ لا، هناك وسيله اسمها: وسائل النقل الإيماني، ووسائل العمل الصالح، الذي قد تجهز بعمل صالح وبإيمان صادق في هذه الدنيا يعبر، ولهذا أخبر ﵊: (أن من الأمة من يمر كالبرق الخاطف).
لما رئي سفيان الثوري ﵁ في المنام قالوا: ما صنع الله بك؟ قال: [وضعت قدمي على الصراط والثانية في الجنة] أخذها خطوة كلها، لماذا؟! لأن سفيان عابداً تقياً خائفاً من الله، منهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاود الخيل، ومنهم من يمر كشد الرجل أي: مثل عدو الرجل، ومنهم من يمر ماشياً، ومنهم من يمر عابراً يمشي ويتعثر، ومنهم من يحط أول خطوة والثانية في النار.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فالله يحشره أعمى ويأمره بأن يسير على الصراط، وكيف يسير وهو أعمى؟! كيف ينظر والجسر أحد من السيف، وأدق من الشعر، وأحر من الجمر، وأروغ من الثعلب؟ لو نصبنا الآن خشباً ووضعناه بين عمارتين طول كل عمارة أربعة أدوار وبين العمارتين عشرون متراً ووضعنا هذا العمود وقلنا للناس امشوا عليه وعرضه (٥٠سم) من يقدر أن يمشي عليه؟ لا أحد يستطيع أن يمشي، وإذا مشى فسيمشي وهو خائف جداً، والسقوط أقرب.
لكن السقوط في نار جهنم سبعين خريفاً، يقول ﵊ وقد سمع وجبةً وهو مع أصحابه -أي: رجة-: (أتدرون ما هذه؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذاك حجر ألقي في شفير جهنم لم يصل إلا اليوم له سبعون خريفاً ما وصل إلا اليوم) اللهم صلِّ وسلم على رسول الله.
فسبب حشر الله له أعمى: أنه كان أعمى في هذه الدنيا، كان مبصراً في كل شيء إلا في طاعة الله، أما في دين الله فهو أعمى لا يعرف شيئاً في دين الله ولا يريد دين الله، وإذا قلت له: تعال -يا أخي! - تعلم دين الله، اجلس في مجالس العلم، انتقل من بيتك واركب سيارتك وابحث عن العلم، أين طلبة العلم، أين الندوات، أين الحلقات، اذهب إليها، قال: شغلتونا دعونا نسمر ونمسي، أشغلناه بطاعة الله، يريد أن يعيش أعمى ويموت أعمى، قال الله: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٧٢] ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].
стр. 458
حب الذكر من علامات الإيمان
علامة الإيمان -يا أخي المسلم! - وعلامة اليقين حبك لذكر الله، يقول الله ﵎: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٢٢] اللهم اجعلنا منهم يا رب.
﴿شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾، أي: فتح الله قلبه للدين، فهو على نور من الله، أينما سار فهو على نور أمامه بين يدي الله ، لماذا؟ لأنه منشرح الصدر والقلب لله؛ قلبه مفتوح ومشرق ومنور بنور الله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢] إن قاسي القلب الذي لا يلين لذكر الله، الذي تقشعر منه جلود الذين آمنوا ويخشون الله ، هذا يصبح وقوداً لجهنم -والعياذ بالله-؛ لأن الله يقول: ﴿نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] القلوب القاسية التي ما لانت في الدنيا بطاعة الله وما لانت في الدنيا بذكر الله يعذبها الله بأن يلينها بالعذاب الشديد، وبالنكال الأكيد، وبالنار السوداء التي تحرق أصحابها؛ لأنهم ما رضوا بطاعة الله في هذه الحياة.
فيا أخي المسلم! لا أحد يعرف ما في قلبك، ولكنك أنت أعلم بنفسك، فإن كان قلبك يلين لذكر الله، ويحب ذكر الله، وأينما سمع بذكر الله ذهب إليه، ولو كان عالماً، لكنه يعرف مجالس العلم وفضيلتها، ويعرف أن الله يباهي بأهلها في السماء، وأن الله ﵎ ينادي أصحاب مجالس العلم ويقول: (قوموا مغفوراً لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات) فهو يحب ذكر الله في الليل والنهار، فهذه علامة الإيمان.
أما إذا كانت الأخرى: القلب قاسٍ، والعين متحجرة، والقلب غافل ولا يريد ذكر الله، فاعلم أن في قلبه مرضاً، وعليه أن يسارع بعلاجه في هذه الدنيا قبل أن يكون العلاج في جهنم، وقبل أن يكون الدمع دماً والأضراس جمراً أعاذنا الله وإياكم من ذلك! فجزى الله الإخوة الذين هيئوا لنا هذا الاجتماع المبارك خيراً، نسأل الله ﵎ أن ينفعنا بما نقول وبما نسمع، وأن يجعله حجةً لنا لا حجةً علينا.
стр. 459
خصائص الصلاة وأهميتها
أما الموضوع الذي اخترته للحديث اليوم فهو مهم جداً، وذو علاقة وأهمية بالغة؛ لأنه يتعلق بكل مسلم بعينه؛ ولأنه العبادة العظيمة الذي تعبد الله بها أهل الأرض وأهل السماء ألا وهي: الصلاة.
والصلاة التي نعنيها هي الصلاة التي أمرنا الله ورسوله ﷺ بأدائها كما يجب إذ قال ﵊ في الحديث الصحيح في صحيح البخاري وصحيح مسلم عن مالك بن الحويرث ﵁ قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
والصلاة: هي أقوال وأعمال ظاهرةٌ تبدأ بالتكبير وتختم بالتسليم، شرعها الله ﵎ وتعبد الناس بها وفرضها عليهم وسماها صلاة بمعنى: صلة بينه وبين عباده.
стр. 460
أنها من أول ما شرع وكونها شرعت في السماء
إن المتأمل في فرضية الصلاة يجد أن هناك خصائص اختصت بها الصلاة: أولاً: كونها من أول ما شرع بعد التوحيد، وبعد تثبيت العقيدة جاء الأمر بالصلاة.
ثانياً: أن جميع عبادات الإسلام كلها شرعت والنبي ﷺ في الأرض يتلقى تشريعها من الله عن طريق الوحي إلا الصلاة؛ فإن الصلاة لما أراد الله أن يشرعها أسرى بنبيه ﷺ ، وما ذاك إلا لعظمها ولجلالة قدرها، قال : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١] أسرى الله برسوله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم عرج به من المسجد الأقصى إلى السماء حتى بلغ سدرة المنتهى.
ثم شرع الله له الصلاة وأمره بها وفرضها خمسين صلاة، بمعنى: أنها لو بقيت على الفرض الذي فرضه الله لكنا مأمورين أن نصلي في كل (نصف ساعة) صلاة، ولكن بفضل الله ورحمته وبشفقة هذا النبي صلوات الله وسلامه عليه طلب من ربه التخفيف، بعد أن شاور موسى وأخبره وقال: (إن الله قد فرض عليَّ خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فرجع فخفف الله خمساً ثم خمساً ثم خمساً حتى بقيت خمساً، وخفف خمساً وأربعين صلاة؛ فلما وصل إلى موسى قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، قال: يا موسى! قد سألت حتى استحييت من ربي، قال الله : إني قضيت وقضائي لا يرد هي خمسٌ في العدد وخمسون في الأجر).
اللهم لك الحمد يا ربي، أي: كان المنطق أنه إذا خفف خمساً وأربعين أو بقى خمساً رحمة من الله يعطينا أجر الخمس وكَثُرَ خير الله وطاب، ولكن الله كريم فقد حذف خمساً وأربعين وجعل ثوابها قائماً مع ثواب الخمس وأصبح لك مع الخمس خمسين صلاة، كأنك إذا صليت خمس صلوات تصلي خمسين صلاة.
ففرضها الله في السماء وهي خاصية لها تميزت بها عن جميع شرائع الإسلام.
следующие страницы →