Полный текст (2 982 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
حال المعرضين عن ذكر الله
يخبر تعالى أن أبرز صفات أعدائه المكذبين لرسله المحادين له الرافضين لأوامره، أنهم لا يحبون ذكر الله ، قال : ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الزمر:٤٥] أي: يريد كل عِلْم إلا ذكر الله، يذكر كل شيء إلا ذكر الله، يذكر الدوام ولا يغيب عنه، يذكر الطعام ولا يفوته، يذكر مواعيد زملائه ولا يخل بوعد، يذكر المباريات ولا تفوته مباراة، يذكر المسرحيات ولا تفوته مسرحية، المهم أنه ينظم أموره كلها، ولكنه لا يذكر الله ، وقد قال الله في شأنه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة:١٩] أي: استعمرهم واستولى عليهم ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة:١٩].
فيقول : ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥] لو قيل: إن المباراة في أرض بعيدة سيمشي على ركبه ويديه، ولو قيل له: إن السمرة واللعب في أبعد وادٍ أو في أصعب جبل لذهب إليه، لكن الندوة وذكر الله لا يأتي لها إلا مرغماً، إنا لله وإنا إليه راجعون! وقد توعده الله بالعذاب الذي لا يصبر عليه، قال : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] لأن العيشة الهنية والسعيدة والرضية هي في طاعة الله، وما يبحث الناس عنه الآن من مسليات ومن مهدئات لأنفسهم، كلها بسبب البعد عن الله، وما عرفوا من أين أتوا وما لاحظوا أن سبب بلائهم هم يسيرون فيه وأن السعادة كلها في طاعة الله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] أي: عذاب الدنيا المعيشة الضنك، وعذاب الآخرة أن يحشره الله أعمى، يحشره الله أعمى بصر وأعمى بصيرة، ويأمره الله أن يسير على الصراط وأن يعبر على الجسر.
стр. 457
حال المعرضين عن الله إذا مروا على الصراط
الجسر وصفه رسول الله ﷺ بأربع صفات: أنه أدق من الشعر وأحد من السيف، وأحر من الجمر، وأروغ من الثعلب، والعباد مكلفون ومأمورون بالسير عليه إذ لا وصول إلى الجنة إلا بالمرور عليه، والجسر مضروب على متن جهنم، فجهنم من تحت والناس في المحشر والجنة هناك وأنت تريد الجنة فامش إليها.
كيف تمشي في طائرة؟ في سيارة؟ على وسيلة نقل؟ لا، هناك وسيله اسمها: وسائل النقل الإيماني، ووسائل العمل الصالح، الذي قد تجهز بعمل صالح وبإيمان صادق في هذه الدنيا يعبر، ولهذا أخبر ﵊: (أن من الأمة من يمر كالبرق الخاطف).
لما رئي سفيان الثوري ﵁ في المنام قالوا: ما صنع الله بك؟ قال: [وضعت قدمي على الصراط والثانية في الجنة] أخذها خطوة كلها، لماذا؟! لأن سفيان عابداً تقياً خائفاً من الله، منهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاود الخيل، ومنهم من يمر كشد الرجل أي: مثل عدو الرجل، ومنهم من يمر ماشياً، ومنهم من يمر عابراً يمشي ويتعثر، ومنهم من يحط أول خطوة والثانية في النار.
ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فالله يحشره أعمى ويأمره بأن يسير على الصراط، وكيف يسير وهو أعمى؟! كيف ينظر والجسر أحد من السيف، وأدق من الشعر، وأحر من الجمر، وأروغ من الثعلب؟ لو نصبنا الآن خشباً ووضعناه بين عمارتين طول كل عمارة أربعة أدوار وبين العمارتين عشرون متراً ووضعنا هذا العمود وقلنا للناس امشوا عليه وعرضه (٥٠سم) من يقدر أن يمشي عليه؟ لا أحد يستطيع أن يمشي، وإذا مشى فسيمشي وهو خائف جداً، والسقوط أقرب.
لكن السقوط في نار جهنم سبعين خريفاً، يقول ﵊ وقد سمع وجبةً وهو مع أصحابه -أي: رجة-: (أتدرون ما هذه؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذاك حجر ألقي في شفير جهنم لم يصل إلا اليوم له سبعون خريفاً ما وصل إلا اليوم) اللهم صلِّ وسلم على رسول الله.
فسبب حشر الله له أعمى: أنه كان أعمى في هذه الدنيا، كان مبصراً في كل شيء إلا في طاعة الله، أما في دين الله فهو أعمى لا يعرف شيئاً في دين الله ولا يريد دين الله، وإذا قلت له: تعال -يا أخي! - تعلم دين الله، اجلس في مجالس العلم، انتقل من بيتك واركب سيارتك وابحث عن العلم، أين طلبة العلم، أين الندوات، أين الحلقات، اذهب إليها، قال: شغلتونا دعونا نسمر ونمسي، أشغلناه بطاعة الله، يريد أن يعيش أعمى ويموت أعمى، قال الله: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٧٢] ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦].
стр. 458
حب الذكر من علامات الإيمان
علامة الإيمان -يا أخي المسلم! - وعلامة اليقين حبك لذكر الله، يقول الله ﵎: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٢٢] اللهم اجعلنا منهم يا رب.
﴿شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾، أي: فتح الله قلبه للدين، فهو على نور من الله، أينما سار فهو على نور أمامه بين يدي الله ، لماذا؟ لأنه منشرح الصدر والقلب لله؛ قلبه مفتوح ومشرق ومنور بنور الله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢] إن قاسي القلب الذي لا يلين لذكر الله، الذي تقشعر منه جلود الذين آمنوا ويخشون الله ، هذا يصبح وقوداً لجهنم -والعياذ بالله-؛ لأن الله يقول: ﴿نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] القلوب القاسية التي ما لانت في الدنيا بطاعة الله وما لانت في الدنيا بذكر الله يعذبها الله بأن يلينها بالعذاب الشديد، وبالنكال الأكيد، وبالنار السوداء التي تحرق أصحابها؛ لأنهم ما رضوا بطاعة الله في هذه الحياة.
فيا أخي المسلم! لا أحد يعرف ما في قلبك، ولكنك أنت أعلم بنفسك، فإن كان قلبك يلين لذكر الله، ويحب ذكر الله، وأينما سمع بذكر الله ذهب إليه، ولو كان عالماً، لكنه يعرف مجالس العلم وفضيلتها، ويعرف أن الله يباهي بأهلها في السماء، وأن الله ﵎ ينادي أصحاب مجالس العلم ويقول: (قوموا مغفوراً لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات) فهو يحب ذكر الله في الليل والنهار، فهذه علامة الإيمان.
أما إذا كانت الأخرى: القلب قاسٍ، والعين متحجرة، والقلب غافل ولا يريد ذكر الله، فاعلم أن في قلبه مرضاً، وعليه أن يسارع بعلاجه في هذه الدنيا قبل أن يكون العلاج في جهنم، وقبل أن يكون الدمع دماً والأضراس جمراً أعاذنا الله وإياكم من ذلك! فجزى الله الإخوة الذين هيئوا لنا هذا الاجتماع المبارك خيراً، نسأل الله ﵎ أن ينفعنا بما نقول وبما نسمع، وأن يجعله حجةً لنا لا حجةً علينا.
стр. 459
خصائص الصلاة وأهميتها
أما الموضوع الذي اخترته للحديث اليوم فهو مهم جداً، وذو علاقة وأهمية بالغة؛ لأنه يتعلق بكل مسلم بعينه؛ ولأنه العبادة العظيمة الذي تعبد الله بها أهل الأرض وأهل السماء ألا وهي: الصلاة.
والصلاة التي نعنيها هي الصلاة التي أمرنا الله ورسوله ﷺ بأدائها كما يجب إذ قال ﵊ في الحديث الصحيح في صحيح البخاري وصحيح مسلم عن مالك بن الحويرث ﵁ قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
والصلاة: هي أقوال وأعمال ظاهرةٌ تبدأ بالتكبير وتختم بالتسليم، شرعها الله ﵎ وتعبد الناس بها وفرضها عليهم وسماها صلاة بمعنى: صلة بينه وبين عباده.
стр. 460
أنها من أول ما شرع وكونها شرعت في السماء
إن المتأمل في فرضية الصلاة يجد أن هناك خصائص اختصت بها الصلاة: أولاً: كونها من أول ما شرع بعد التوحيد، وبعد تثبيت العقيدة جاء الأمر بالصلاة.
ثانياً: أن جميع عبادات الإسلام كلها شرعت والنبي ﷺ في الأرض يتلقى تشريعها من الله عن طريق الوحي إلا الصلاة؛ فإن الصلاة لما أراد الله أن يشرعها أسرى بنبيه ﷺ ، وما ذاك إلا لعظمها ولجلالة قدرها، قال : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١] أسرى الله برسوله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم عرج به من المسجد الأقصى إلى السماء حتى بلغ سدرة المنتهى.
ثم شرع الله له الصلاة وأمره بها وفرضها خمسين صلاة، بمعنى: أنها لو بقيت على الفرض الذي فرضه الله لكنا مأمورين أن نصلي في كل (نصف ساعة) صلاة، ولكن بفضل الله ورحمته وبشفقة هذا النبي صلوات الله وسلامه عليه طلب من ربه التخفيف، بعد أن شاور موسى وأخبره وقال: (إن الله قد فرض عليَّ خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فرجع فخفف الله خمساً ثم خمساً ثم خمساً حتى بقيت خمساً، وخفف خمساً وأربعين صلاة؛ فلما وصل إلى موسى قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، قال: يا موسى! قد سألت حتى استحييت من ربي، قال الله : إني قضيت وقضائي لا يرد هي خمسٌ في العدد وخمسون في الأجر).
اللهم لك الحمد يا ربي، أي: كان المنطق أنه إذا خفف خمساً وأربعين أو بقى خمساً رحمة من الله يعطينا أجر الخمس وكَثُرَ خير الله وطاب، ولكن الله كريم فقد حذف خمساً وأربعين وجعل ثوابها قائماً مع ثواب الخمس وأصبح لك مع الخمس خمسين صلاة، كأنك إذا صليت خمس صلوات تصلي خمسين صلاة.
ففرضها الله في السماء وهي خاصية لها تميزت بها عن جميع شرائع الإسلام.
стр. 461
من خصائص الصلاة أنها لا تسقط عن العبد في جميع الأحوال
إن الصلاة عبادة لازمة للعبد المسلم لا تنفك عنه بحال من الأحوال، إذ أن كل عبادة تجب في أحوال وتسقط في أحوال إلا الصلاة -فمثلاً- الزكاة: ركن من أركان الدين ومبنى من مبانيه وعمود من أعمدته، ولا يكمل إيمان الإنسان ولا يقوم دينه إلا بالصلاة والزكاة.
ولهذا لما منع المرتدون الزكاة في عهد أبي بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ قاتلهم واستباح دماءهم وأعراضهم وقال: [والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه] فقد اعتبرهم مرتدين عن دين الله؛ لأنهم رفضوا الزكاة، لكن الزكاة تسقط في أحوال، فالذي ليس عنده مال ليس عليه زكاة، والذي عنده مال وما حال عليه الحول ليس فيه زكاة، والذي عنده مال وحال عليه الحول ولكنه لم يبلغ النصاب ليس فيه زكاة، والذي عنده مال وحال عليه الحول وبلغ النصاب لكن لا يملكه فليس عليه زكاة، فالزكاة ركن لكنها تسقط في أحوال.
والصيام ركن يجب على الإنسان في كل عام شهراً، لكن إذا كان الإنسان مريضاً أو على سفر أباح الله له أن يفطر وأن يقضي من أيام أخر، ولكن إذا استمر به المرض وكان مرضاً لا يرجى برؤه فإنه يسقط عليه الصوم ويجب عليه الإطعام إن كان قادراً، فإن لم يستطع الإطعام سقط عنه الصوم والإطعام.
والحج ركن من أركان الدين لكنه يجب بثلاثة شروط: أمن الطريق، ووجود الزاد، ووجود الراحلة، فإذا كان الطريق غير آمن بحيث لو حججت قتلت سقط عنك الحج، وإذا لم يكن عندك زاد يكفيك في سفرك ويكفي أهلك من بعدك حتى تعود وليس عندك راحلة سقط عنك الحج، كما قال تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] وهكذا كل الشرائع الدينية تسقط في حالات إذا عجز الإنسان عنها.
أما الصلاة فلا تسقط فإن كنت مريضاً تصلي وإن كنت متعافياً تصلي، يقول عمران بن الحصين كما قال ﵊: (صل قائماً، فإن لم تستطع -وكنت مريضاً- فقاعداً، فإن لم تستطع -وكنت لا تستطيع حتى أن تجلس من المرض- فعلى جنب، فإن -كنت وأنت على جنب- لم تستطع فأومئ إيماءً بطرفك).
وإذا كنت على غير طهارة فالمطلوب الطهارة؛ لأن الطهارة مفتاح الصلاة، ولكنك إذا لم تستطع الوضوء، كأن تكون في المستشفى وعملت عملية وبطنك مفتوح وثيابك ملطخة ولا تستطيع أن تبدل هذه الثياب المتنجسة، ولا تستطيع أن تتوضأ فصلي في ثيابك، ولو كانت غير طاهرة؛ لأن هذا لا تستطيعه.
وإذا ما كان عندك ماء وما قدرت أن تتوضأ فتيمم، فإن لم تستطع أن تتيمم فصل بغير تيمم ولا وضوء وصلاتك صحيحة.
وإذا كنت على السرير ولا تستطيع أن تحوله إلى القبلة فصل إلى أي وجهه ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] فلا تسقط عنك الصلاة في أي حال من الأحوال في حال المرض.
والبلية والمصيبة أن بعض الناس إذا مرض ترك الصلاة، لماذا؟ قال: أصلي إذا تعافيت، سبحان الله!! وهل تضمن العافية؟ يوم قربت من أيام الامتحان -لأن المرض هذا وسيلة إلى الموت- وأنت تصلي طوال حياتك ويوم جاء المرض الذي يمكن أن تخرج منه فتترك الصلاة على أمل أنك تتعافى؟! من يضمن لك العافية؟ بل صل على أي وجه حتى لو تومئ بطرفك، فالصلاة واجبة ولا تسقط عن الإنسان في حال العافية والمرض.
والصلاة واجبة على الإنسان في حال الإقامة والسفر، في حال السفر يسقط عنك الصوم ويجوز لك أن تفطر وتقضي فيما بعد، لكن الصلاة لا تتركها وتقضي فيما بعد، صلِّ وأنت مقيم وتصلي وأنت مسافر.
ولكن من رحمة الله بهذا العبد أن خفف عليه، فإذا كنت مسافراً فبدل أن تقف مرتين في صلاة الظهر والعصر قف مرة وصل الظهر والعصر سواء، وإذا كنت مسافراً وبدل أن تقف مرتين للمغرب والعشاء صل المغرب والعشاء جمع تقديم أو جمع تأخير.
ومن رحمة الله أن جعل الصلاة الرباعية التي هي أربع ركعات ركعتين تصلي الظهر والعصر اثنتين والمغرب ثلاثاً ولا تقصرها؛ لأنها وتراً، والعشاء اثنتان، والفجر هي مقصورة في طبيعة الحال.
هذه رحمة من الله ﵎، ولكن لا تدع الصلاة في حال السفر ولا في حال الإقامة ولا في حال المرض وكذلك في حال الخوف، أي: القتال، فإذا اشتبكت الجيوش الإسلامية مع جيوش الكفر فإن مبرر الجهاد لإعلاء كلمة الله كافٍ أن يكون الإنسان مشغولاً عن الصلاة بعمل أعظم وهو الجهاد الذي هو ذروة سنام الدين، فكان يمكن أن يكون للإنسان عذر لو أخر الصلاة؛ لكن لا تؤخر الصلاة حتى في الجهاد، كيف أصلي وأنا مجاهد؟ لقد نظم الله صلاة الخوف وشرعها في القرآن الكريم: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء:١٠٢] ثم ذكر الله كيفية أداء الصلاة بأن ينقسم الجيش إلى قسمين، وأن يكون لهم إمام، قسم يصلي وقسم يقاتل، والإمام يصلي ركعة ثم ينتظر، وهؤلاء الذين صلوا يتمون الركعة الثانية لوحدهم ويسلمون، والإمام لا يزال واقفاً في الركعة الأولى، ثم يأتي القسم الثاني فيدخلون معه ثم يصلي الإمام الركعة الثانية وهم يصلون الركعة الأولى، ثم ينصرف ويقومون هم ليقضوا ركعتهم الثانية، هذه صلاة الخوف والجيوش محتدمة والسيوف مصلتة ولكن لابد من الصلاة، فهذه صلاة فكيف تضيعون الصلاة؟ وهل تنصرون إلا بالصلاة؟ إن الصلاة هي وسيلة النصر على الأعداء فكيف نضيع سلاحنا؟! كيف نضيع وسائل نصرنا؟ فمن أجل أن نقاتل أعداء الله، لا بد أن نصلي.
فإذا اشتبكت الجيوش فليس هناك مجال، فيقسم الناس صفاً صفاً أي: ينتظر أو يقاتل، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [البقرة:٢٣٩] أي: اختلط الحابل بالنابل: ﴿فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البقرة:٢٣٩] أي: صلوا وأنتم وقوف على أرجلكم، أو ركباناً على خيولكم وعلى جمالكم وعلى -بالمفهوم الحديث- سياراتكم ودباباتكم، المهم أن تصلوا، لا يمر عليك وقت الصلاة وتتركها وتقول: أقاتل.
لا إله إلا الله! لا إله إلا الله!
стр. 462
الصلاة فرض على الأمم من قبلنا
هذه الصلاة هي التي تعبد الله بها كل الأديان والأمم، وشرعت في كل الأديان، والذي يستقرئ القرآن يجد أنه ما من قوم بعث الله فيه رسولاً وأنزل فيه كتاباً إلا وأمرهم بالصلاة كما أمرهم بالتوحيد وإن اختلفت الصلاة بكيفيتها وتشريعها عن بقية الأديان إلا إنها متفقة أنها صلاة.
فإبراهيم ﵇ لما أتى بإسماعيل وأمه إلى مكة قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم:٣٧] وكان يدعو ويقول: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم:٤٠].
وموسى ﵇ لما كان في الليلة التي كان فيها مسافراً وعائداً من أرض مدين إلى أرض مصر، وكان في الطور ومعه زوجته وكانت حاملاً، وفي ساعات المخاض أي: النفاس وكانت ليلةً باردةً مطيرةً مظلمة، أي: في حالة لا يعلمها إلا الله: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً﴾ [القصص:٢٩] أي: من جنب الجبل وجد ناراً: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً﴾ [طه:١٠] يريد أن يدفئ أهله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل:٧] ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١١ - ١٤].
أول شيء: اعبدني وأقم الصلاة، ذكر الصلاة مع العبادة مع الأمر بالتوحيد: ﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه:١٤ - ١٥] وفي سورة يونس يقول الله : ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [يونس:٨٧] أوحى الله إليهم إذا بنوا بيوتهم في مصر أن يجعلوا بيوتهم إلى القبلة، أي: إلى بيت المقدس، وماذا؟! وأقيموا الصلاة، اجعل بيتك إلى القبلة وأقم الصلاة.
стр. 463
الصلاة وصية الله لعيسى ابن مريم
هذا عيسى ﵇ يذكر الله عنه حينما جاءت به مريم تحمله، وقد حملت به من غير أب، ولله أن يخلق ما يشاء؛ لأنه على كل شيء قدير.
خلق الناس على أربعة أصناف: الصنف الأول: من غير أم ولا أب وهو آدم، قال الله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩] فالله يخلق ما يشاء ويختار، فخلق آدم حيث قبض قبضةً من التراب، ونفخ فيه من روحه من غير أم ولا أب لا حمل في بطن ولا خرج من صلب، وإنما الله قبضه من التراب وخلقه ثم نفخ فيه من الروح وصار بشراً سوياً.
الصنف الثاني: من أب بلا أم، وهي حواء خلقها الله من ضلع آدم الأيسر؛ ولهذا المرأة خلقت من ضلع أعوج وما في الدنيا امرأة مستقيمة، يقول النبي ﷺ : (إنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته -وكسره طلاقها- وإن استمتعت به استمتعت به على عوج) الذي يريد امرأة مستقيمة ما فيها عوج في الجنة، ولهذا أعوج ما في المرأة أعلاها أي: لسانها: (فاستمتعوا بهن على عوجهن) هكذا يقول النبي ﷺ ، فهذا صنف خلقه الله من أبٍ بلا أم وهي حواء.
الصنف الثالث: خلقه الله من أم بلا أب وهو عيسى ﵇، بعث الله جبريل فنفخ في جيب درعها وبعدها حملت لما جاءها الملك قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً * فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ [مريم:١٨ - ٢٣] لأنها من بيت الطهر والعفاف، من بيت المروءة والشرف، من بيت العزة والطهارة والنقاء.
فتقول: ليتني مت قبل هذا اليوم ﴿وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ [مريم:٢٣ - ٢٤] لكي يطمئنها أن القضية بأمر الله ليس فيها عيب أبداً، ولا فيها مخالفة ولكنها سنة الله الجارية ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٤ - ٢٦]، وكان صومهم الإمساك عن الكلام والطعام والشراب والنكاح، كان الذي يتكلم بكلمة يفطر ويقضي ذلك اليوم.
﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم:٢٧] فلما رأوه معها وهم يعرفونها أنها طاهرة، ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾ [مريم:٢٧] من أين جاء هذا؟ لقد جئت شيئاً عظيماً، جئت بمصيبة كبيرة، كيف هذا؟!! ﴿يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً * يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم:٢٧ - ٢٨] دعوها وذكروها بنسبها وأخيها العابد الذي كان عابداً في بيت المقدس ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ [مريم:٢٨] يقولون: هذا ليس عملك أنت، كيف فعلت هذا؟ وهذا يتعارض مع الطهر والعفاف ومع النقاء والفضائل التي كنت تعيشين عليها في بيتك مع أمك وأبيك ومع أخيك هارون، ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم:٢٨ - ٢٩] بدون كلام ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً﴾ [مريم:٢٩].
فترك الثدي وكان يرضع من ثديها وتكلم وقال لهم: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم:٣٠] وفي هذه الكلمة يقول العلماء: إن فيها نسفاً لعقيدة النصارى، الآن في العالم أكثر من (ألف مليون) نصراني يعتقدون أن عيسى ابن الله ولكنه يقول هو: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم:٣٠] وهو أعرف الناس بنفسه، فكذبوا، والله يقول: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم:٣٥] فهنا قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ﴾ [مريم:٣٠ - ٣١].
هذه وصية الله لعيسى ﵇ وهي الشاهد من الحديث: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم:٣١ - ٣٦].
الصنف الرابع: وهو من خلقوا من أم وأب وهم سائر البشرية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات:١٣]
стр. 464
منزلة الصلاة في الإسلام
يقول الله في شريعة الإسلام بالشريعة الخاتمة المهيمنة المسيطرة التي هي آخر الرسالات والتي رسولها آخر الرسل، قال الله عزوجل فيها: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] فكانت الصلاة قطب هذا الدين وعمود هذا الإسلام.
وفي حديث معاذ بن جبل لما سأل النبي ﷺ فقال: (أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار؟ قال: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت الحرام إن استطعت إليه سبيلا، ثم قال: ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: الصوم جنة) الصوم وقاية؛ لأنه يحفظك من كل معصية، والصائم يحفظ من معصية الله، فكيف يخرب ويبني في نفس الوقت.
(الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل ثم قرأ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧] ثم قال: ألا أدلك على ملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: كف عليك هذا، قال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟! قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) فلا يكب الواحد في النار إلا لسانه، اللسان هو وسيلة النجاة وهو وسيلة الهلاك.
لا حول ولا قوة إلا بالله! فجاءت الصلاة لتكون ذات منزلة عظيمة في دين الله حتى قال رسول الله ﷺ : (وجعلت قرة عيني في الصلاة) قال: (حبب إليَّ من دنياكم الطيب) صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه طيب.
والطيب يرفع النفس ويبارك الروح، ولذا قال أهل العلم: لو أنفقت ثلث مالك في الطيب لم تعد مسرفاً، أي: لو أن راتبك (ستة آلاف ريال) وأنت شهرياً تصرف (ألفي ريال) في الطيب لم تعد مسرفاً، لماذا؟ لأن الطيب يحبه الله ﵎، والملائكة تحب الطيب، والناس يحبون الطيب، فمن كان طيباًَ في ريحه فهو طيب عند الله في كل أموره.
لكن اليوم أكثر ما ينفق الناس أموالهم في الدخان في طيب الشيطان، ولا يمكن أن يغلق الباكت إلا والباكت وراءه، بل بعضهم يشتري (كراتين) لأنه يخاف أن تأتي حروب وتصير أزمة في الدخان، فهو يكنزه مثلما يكنز البر والحب -لا حول ولا قوة إلا بالله! - ولو حسب كم يشتري كل يوم يشرب علبتين، والعلبتان (بثمانية ريالات) أو (بعشرة ريالات) بحسب نوعية الدخان، أي: يشتري في الشهر (بثلاثمائة ريال) أي: في السنة (ثلاثة آلاف وستمائة ريال) في الدخان، ويقول بعضهم: إن ريال الدخان معوض، فلو جاءه فقير عند الباب في الصباح وأعطاه ريالاً قلنا: كثر الله خيرك، لكن لو جاءه في اليوم الثاني: ويريد ريالاً، قال: ماذا أتى بك؟ فبالأمس أعطيتك ريالاً وتمر عليَّ كل يوم، ولكن الدخان كل يوم (عشرة) وليس فيها كلام ولا تبرم أبداً ولا ضجر، لماذا؟! لأنها طاعة للشيطان ومعصية لله ﵎.
بينما كم ينفق الإنسان في العود؟ كم ينفق الإنسان في الطيب؟ قليل جداً، فرسول الله ﷺ طيب ويحب الطيب يقول: (حبب إليَّ من دنياكم الطيب والنساء -أي: الحلال-، وجعلت قرة عيني في الصلاة) صلوات الله وسلامه عليه، ويقول وهو يلفظ أنفاسه في آخر لحظة من لحظات حياته: (الله الله في الصلاة، الله الله في الصلاة، الله الله في الصلاة، وما ملكت أيمانكم) ولما نزل قول الله : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم:٥٩] خلف أي: نشء جديد، أي: أناس يأتون وأبرز صفاتهم أنهم لا يحبون الصلاة، وهذا موجود الآن، إلا من رحم الله.
ما من بيت إلا وفيه معركة بين الأب وبين الأولاد في الصلاة، الأب يريد طاعة الله والأولاد لا يريدونها أبداً، إذا دعاهم إلى الصلاة كأنه يضرب وجوههم بحديد، فلا يريدون الصلاة: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:٥٩] أما المباراة يذهب من قبل العصر ينتظرها يأتي لكي يلعب كرة، والكرة أتعب من الصلاة، لكنها صلاة إبليس وطاعة للشيطان، لكن الصلاة ثقيلة عندهم: ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩] لما نزلت هذه الآية قال محمد ﷺ لجبريل: (أو تضيع أمتي من بعدي الصلاة؟!) أيعقل أن يُضيع مسلم الصلاة؟ (قال: يأتي أقوام في آخر الزمان يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا، درهم عنده خير من صلاة)، فالآن تركوها بلا درهم ولا ريال ولا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون!
стр. 465
أحكام تارك الصلاة
هذه العبادة جاءت في دين الله لازمة ومأمور بها ومحضوض عليها وببيان أنها فرق بين المسلم والكافر، يقول ﵊: (العهد الذين بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) ويقول: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) ويلزم بكفر الإنسان التارك للصلاة أحكام شرعية:
стр. 466
يستتاب وإلا يقتل ردة
أولاً: يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل وقتله ردة وليس حداً وفرق بين من يقتل حداً وبين من يقتل ردة، فمن يقتل حداً كمن يقتل قصاصاً أو يقتل في رجم، هذا يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين؛ لأنه مسلم، ما كفر ولا خرج من الدين بهذه الجريمة التي اقترفها، وإنما هو صاحب كبيرة تحت مشيئة الله في الدار الآخرة إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه، ولكن بإسلامه لا بد له من دخول الجنة.
أما تارك الصلاة فإنه يقتل ولكنه لا يقتل حداً بل يقتل ردةً؛ لأنه كافر مرتد عن الدين، وتنتفي عنه أحكام المسلمين، فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وإذا دفن لا يوجه إلى القبلة؛ لأنه ليس من أهل القبلة، أما المسلم إذا مات يوجهونه إلى القبلة، لماذا؟ ما معنى القبلة بالذات؟! أنا رأيت قبور اليهود نظرتها في نجران ليسوا موجهين لقبلة قبورهم منظمة تجاه القبلة، لكن أهل الإسلام قبورهم كلها متجهة إلى الله؛ لأنهم من أهل القبلة.
فتارك الصلاة ليس له قبلة، إذاً ماذا نصنع به؟ قالوا: يربط كما تربط الدابة، إذا مات حمار في القرية هل يقبرونه ويكفنونه ويصلون عليه؟ والله إن تارك الصلاة ألعن من الحمار، يوم القيامة يتمنى أن يكون حماراً يوم يقول الله للخلائق كلها هذه الحيوانات تكون تراباً، فيقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً﴾ [النبأ:٤٠] ليته كان ثوراً أو بقرة أو حماراً، ويقول الله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢]، ويقول : ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] فالحمار يسحب حتى تأكله الذئاب في طرف الوادي، ولكن الإنسان قالوا: يسحب ولا يحمل على رقبة، لماذا تحمله وهو عدو الله كافر؟! يسحب ولكن لا يترك للذئاب تأكله، لماذا؟ قالوا: لأن الذئاب لو أكلته لشبقت؛ لأن طعم لحم الإنسان ليس كطعم الحمار فإنه لذيذ، فإذا ذاقته الذئاب والسباع لفتكت بالناس واعتدت عليهم وأصابها الشبق، فلا يدفن في الأرض بل يحفر له ويوارى جسده ويكب على وجهه، فلا يوجه إلى قبلة ولكن يكب على وجهه.
والعياذ بالله!
стр. 467
أن تحرم عليه زوجته
إن تارك الصلاة تحرم امرأته عليه بدون طلاق؛ لأن الطلاق بين المسلمين، أما الكافر إذا كفر وارتد عن دين الله انفسخ العقد؛ لأنه مبني أصلاً بين الرجل وبين المرأة على الإسلام، ولهذا لو جاءك أحد يخطب ابنتك وأعطاك (ملايين الملايين) وهو كافر يهودي أو نصراني فلا تزوجه أبداً، لماذا؟ كيف تعطي ابنتك نصرانياً أو يهودياً؟ وكذلك تارك الصلاة هو مرتد عن دين الله وفي حكم اليهودي أو النصراني أو الملحد فمتى يثبت لك أنه ترك الصلاة وأنه ارتد عن دين الله، فإنه تحرم عليه زوجته ويلزمك شرعاً أخذ ابنتك، وإذا تركت أختك أو ابنتك تحت بطنه وهو كافر مرتد لا يصلي فإنما ترضى بأن تأتي أختك أو ابنتك الفاحشة؛ لأنها ترتكب حراماً ويأتي أولادها أولاد زنا وأنت راض تسمع أيها المسلم! فلا ينبغي لمسلم أن يعلم هذا الأمر ويترك عرضه تحت كافر أو مرتد عن دين الله ، فما في الدين شيء تركه كفر على الإطلاق إلا الصلاة.
стр. 468
الصلاة من أبرز صفات المؤمنين
لقد ذكر الله ﵎ في القرآن الكريم صفات أهل الإيمان وجعل من أبرز صفاتهم ومن أهم علاماتهم هذه الصلاة.
والذي يتأمل القرآن كله يجد أن الصلاة تأتي في أول صفات أهل الإيمان، يقول الله في أول سورة البقرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة﴾ [البقرة:١ - ٣] هذه صفات أهل الإيمان ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢] أي: القرآن هداية لأهل التقوى، فمن هم؟ قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٣].
وقال في سورة التوبة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة:٧١].
وقال في أول سورة الأنفال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] و (إنما) يسميها العلماء أداة حصر، يعني: تحصر الإيمان في أهل هذه الصفات والذي ليس فيه هذه الصفات فليس من أهل الإيمان فالله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] أي: خافت وارتعدت من الله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٢ - ٤].
ويقول الله في أول سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢] ثم ذكر الصفات كلها وقال في النهاية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:٩ - ١١].
стр. 469
فضل صلاتي الفجر والعصر
ويقول : ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾ [المعارج:١٩] أي: جنس الإنسان فيه هذه الصفة هلوع ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:٢٠ - ٢٣] لا يصلي واحدة فقط وبعدها ينفلت من المسجد أو يصلي المغرب من أجل أنه آتٍ من التمشية، ويصلي الظهر؛ لأنه في الدوام، لكن العصر لا تنظره في المسجد، أين هو؟ قالوا: راقد، لماذا؟ قالوا: جاء من الدوام وهو تعبان، فتغدى ثم رقد ولم يصلِّ إلا الساعة (الخامسة) أو أكثر، وقام قبل غروب الشمس، يقول النبي ﷺ : (تلك صلاة المنافق يقعد يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان -يعني قد بدأت بالغياب هناك- قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلا) ولهذا قال ﵊: (من فاتته صلاة العصر حبط عمله) والحديث في صحيح البخاري وقال ﵊: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر في أهله وماله ونفسه) وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] الوسطى هي: العصر بإجماع أهل العلم؛ لأنها وسط بين صلاتين في النهار وصلاتين في الليل؛ فصلاتا النهار: الفجر والظهر، وصلاتا الليل: المغرب والعشاء، والعصر بينها فهي الصلاة الوسطى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] وفي الحديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم قال ﵊: (من صلى البردين دخل الجنة) فالعصر فيها برد النهار والفجر فيها برد الليل.
فأكثر الناس لا يصلي الفجر ولا يصلي العصر، وربما يصلي المغرب والعشاء لكن الفجر تجد المسجد الذي فيه صفان ترى فيه (نصف صف) والبقية أين هم؟ كيف يعبدون الله في المغرب ويعصونه في الفجر؟ فهل الصلاة على مرادهم، أم على مراد الله؟! كيف تطيع الله في صلاة وتضيع الصلاة الثانية؟! لقد أخبر رسول الله ﷺ أن: (أثقل الصلوات على المنافقين صلاتي العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما ولو حبوا، ولو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً حسناً أو مرماتين حسنتين) المرماتان أي: الضلعين، تلك الأيام أيام الفقر لو يدرون أن هناك لحماً يقسم ويعطى لكل واحد والله لا يتخلف عن الصلاة أحداً (لحضر الصلاة).
يقول ﵊: (فرق ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يشهدون الفجر) وهذا الحديث أخبرنا عنه النبي ﷺ وجعله مقياساً نقيس به الإيمان في صدورنا، لا تسأل هل أنت مؤمن، أم منافق؟ ولكن اسأل نفسك عن الفجر، فإن كنت من أهلها باستمرار فاعلم والله أنك مؤمن، وأن هذه من علامة الإيمان، وإن كنت لا تصلي الفجر ولو حافظت على الصلوات كلها لكنك لم تصل الفجر فاعلم أن هذه علامة النفاق، كما في الحديث: (أثقل الصلوات على المنافقين صلاتي العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا).
والله لو صدر أمر من المسئولين وقالوا فيه: إننا لاحظنا أن الناس تأخروا عن صلاة الفجر، ومن أجل ذلك قررنا صرف مكافأة تشجيعية من أجل حث الناس ودفعهم إلى أداء صلاة الفجر، وقد صدر الأمر بتخصيص عشرة ريالات لكل مصل في المسجد، هل سينام أحد عن صلاة الفجر؟! عشرة ريالات للكبير، وعشرة ريالات للولد، ومثلها للمرأة، وللبنت، والله لن تسعهم مساجدهم، وسوف يبنون مع هذا المسجد مسجداً ويجعلون فيه جزءاً للنساء، ولن يتأخر شخص، ولو أن شخصاً تأخر سيلوم نفسه ويعض أصابعه؛ لأن البيت إذا فيه ستة أشخاص وصلوا وأعطوا ستين ريالاً تأتي بها مقاضي ذاك اليوم كله، وتوفر الراتب.
ولو قام يصلي ورجع إلى البيت وولده ما زال نائماً وقد أقامه هل سيسكت؟ بل سوف يأخذ العصا ويضربه ويقول: يا قليل الخير، ليس فيك رجولة، الناس كلهم بالخارج يصلون في المسجد، والله إن ولد فلان وولد فلان وولد فلان كلهم يصلون إلا أنت يا قليل الخير لا تصلي، إلى الآن وأنت نائم؟!! لكنه يقوم يصلي ويمد البطانية على ولده، ويقول: إنه مسكين كان سهران بالأمس وكان يقرأ الكتب، فإذا جاء وقت المدرسة ضربه وأقامه، ولا يقيمه للصلاة، وإذا قيل له: أقمه، قال: أخاف أن أنفره وأعقده من الصلاة، لماذا لا تعقده من المدرسة؟ لكن الصلاة تجعله نائماً، لماذا؟ لأنه ليس في قلبك خوف من الله، ولا حرص على طاعة الله؛ لأن الصلاة هانت عليك، ولهذا تقوم بها كيفما كان، أما ولدك فلا يشغلك أمره، وأما الدنيا لما حلَّت في قلبك أهمك أمر ولدك فيها، ولو تأخر عن المدرسة يوماً واحداً لضربته وعاقبته.
يقول الله في الصلاة: ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:٢٢ - ٢٣] دائمون، ثم ذكر الصفات كلها وقال في آخر الآيات: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ * فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ * عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ عِزِينَ * أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ * كَلاَّ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ * فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ * يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج:٣٤ - ٤٣] الأجداث أي: القبور، سراعاً: هاربين إلى الله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج:٤٤] ذلة: ذلة الكفر والمعاصي والذنوب.
فيا إخواني في الله! الصلاةُ الصلاة، الصلاة عماد الدين، وإنه والله من حفظها حفظه الله وحفظ له كل خير في الدنيا والآخرة، ومن ضيعها فوالله إنه لما سواها أضيع.
وقد ورد في بعض الآثار: [أن تارك الصلاة يموت نصرانياً ويبعث يهودياً، وأنه تنزل عليه في كل ساعةٍ ألف ألف لعنة وألف ألف سخط، وأنه إذا رفع اللقمة إلى فمه قالت له اللقمة: لعنك الله يا عدو الله تأكل من رزق الله ولا تؤدي حق الله.
وأنه إذا خرج من البيت قال له البيت: لا ردك الله من سفرك، ولا خلفك في أثرك، وأن الأرض التي يمشي عليها تلعنه، وأن كل شيء في السماء والأرض يلعنه] فالله قد لعنه؛ لأنه قد قطع الصلة بينه وبين الله .
стр. 470
ثمار المحافظة على الصلاة
الصلاة -يا عباد الله- إذا وجدت في بيت حلَّت فيه البركة والخير، كما جاء في بعض الآثار: [من حافظ على الصلوات المكتوبة أكرمه الله بخمس كرامات: أولاً: يرفع الله عنه ضيق العيش في الدنيا] لم نعرف أحداً حافظ على الصلاة قد ضيق الله عليه بل كلما ضاقت فرجها الله (احفظ الله يحفظك) احفظ دينك يحفظك الله ويغنيك في الدنيا والآخرة.
[ثانياً: يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب.
ثالثاً: يمر على الصراط كالبرق الخاطف.
رابعاً: يعطى كتابه بيمينه.
خامساً: يمد له في قبره مد بصره] هذه نتائج الصلاة.
أيها الإخوة: إنه والله ما حفظت نعم الله بأعظم من طاعة الله ، ولا استجلبت نعم الله بأحسن من طاعة الله، ولا نزل البلاء ولا المصائب ولا العقوبات إلا بأسباب معصية الله ، ونحن في هذا الزمن -والحمد لله على كل حال- نعيش في نعمة ليس فيها أحد، والذي عاش في الفترة الماضية من قبل (٣٠) أو (٤٠) سنة ثم يقيس ما نحن فيه من النعم على ما كان عليه الناس من قبل يعاني ويخاف ولا يفرح بهذه النعمة، الناس في فرحة وهو في خوف في قلبه منها مثل النار؛ لأنها ليست دائمة، ولا عرفها الآباء والأجداد، ويرى أنها لا تقابل بالطاعات، ولله في الكون سنة جارية لا تتبدل أنه فلا يمكن أن يجمع بين نعمة ومعصية.
(النعمة + معصية =عذاب) لكن (نعمة + طاعة =زيادة) والله يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] فنحن نخاف على هذه النعمة التي نحن فيها؛ أمن وأمان، وعافية في الأبدان، وأرزاق تأتي من كل مكان، ولكننا نقابلها بالمعاصي، وما من بيت إلا وفيه معصية، هذه المعصية سواءً كانت مسموعة أو منظورة، أو ترك طاعة أو مخالفة لأمر الله ، والله يقول في الحديث القدسي: (أنا والإنس والجن في خبر عظيم، أخلقهم ويعبدون غيري، أرزقهم ويشكرون سواي، خيري إليهم نازل وشرهم إليَّ صاعد، أتحبب إليهم بالنعم ويتبغضون إليَّ بالمعاصي).
стр. 471
عظات وعبر من حياة الأمم السابقة
أيها الإخوة: لنا فيما ذكر الله في القرآن من الأمم عبرة؛ لأن الله أخبرنا في القرآن بخبر الأمم؛ لنعتبر، فالحمد لله الذي جعل لنا من الناس عبرة ولم يجعلنا للناس عبرة، يذكر الله ﵎ مثلاً في القرآن عن قوم سبأ في اليمن، يقول الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ [سبأ:١٥] آية وعبرة لمن يعتبر ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ [سبأ:١٥].
أقاموا سد مأرب وضربوه بالرصاص، أي: كان اللحام الذي بين الحجارة وبين الأخرى لم يكن طيناً ولا اسمنتاً ولا مسلحاً بل كان رصاصاً، ولما أراد الله ﵎ أن يدمرهم بهذا السد؛ لأنهم عصوا وخالفوا الأمر، قال: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ [سبأ:١٥] كانت الجنان لما أوقفوا السيل وسدوه ورجع الماء، وأجروا الجداول والأخاديد من الجنب وسقوا به الأرض ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ [سبأ:١٥] فكانت المرأة تدخل في البستان والمكتل على رأسها، ويداها مسبلتان وتخرج من الطرف الآخر فإذا المكتل قد امتلأ من كل شيء تمد يدها على ثمرة واحدة، جنان دانية، كان الطائر إذا دخل لا يعرف كيف يخرج من تشابك الأغصان ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥] فالأرض طيبة والخيرات متوفرة والرب غفور، فماذا حدث؟! أعرضوا، ولما أعرضوا عذبهم الله، قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ:١٦] سماه الله سيل العرم؛ لأنه اقتلع كل شيء، سلط الله عليهم أولاً: جندياً من جنوده، من أضعف جنوده وهو الفأر الجرب؛ والجرب لا يأكل إلا الحب ويقضم الملابس، لكنَّ الله سلطه ليأكل الرصاص والحيود، فأكل السد ونخره، ثم أرسل الله الماء ليعذبهم به فكان يصرم السد مثلما يصرم السيف الزرع صرماً، والماء نعمة ولكن لما كان فيه غضب الله صار عذاباً.
كما صار قبل سنوات، من الذي منكم رأى وادي ضلع يوم أن نزل بالوادي ماء وليس ذلك ماء، كان إذا عرض على العمود الكبير وقد رأيت بعض الأعمدة فيه من الأسياخ والسيخ (٣٢) مليمتر، وفيه أكثر من (٢٥ سيخاً)، ولكن الماء يقصه، ماء يقص هذا؟ إن الماء رحمة لكنه فيه عذاب يأخذ الجسر من طرفه إلى أن يضعه على طرف الجبال، هذا لا يمكن أن يكون ماءً لا بد أن يكون فيه عذاب.
فالله لما أرسل عليهم سيل العرم اقتلع هذا السد ودمرهم وحروثهم وزروعهم وبيوتهم وشردهم في الأرض، ثم قال: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ﴾ [سبأ:١٦] بدل ما كانت النعمة والبساتين والأنهار والآبار والخيرات، فلا يعملون ولا يزرعون ولا يبيعون ولا يشترون وإنما كان عليهم أن يشكروا ويعبدوا ويأكلوا من خيرات الله ، ولكنهم بدلوا وفجروا وكفروا وفسقوا وعملوا المعاصي فدمر الله عليهم الأرض: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ:١٦] أعطاهم الله بدل البساتين هذه بستانين لكن ما هي أشجارها؟! قال: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ:١٦] الخمط: الطلح، والأثل: الأثل الطويل الذي ليس فيه ولا ثمرة، والناس لا يأكلون الطلح ولا الأثل سوف يموتون، وحتى لا يموتوا أعطاهم الله السدر لكنه قليل ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ:١٦] لكي يقتاتوا، ولا يموت السدر ففيه النبق، هل تعرفون النبق؟! الثمر الذي كان الناس ينزلونه ويأتون به ويكيلونه مثلما يكيلون الهيل، وكان يؤكل وقد رأيته في السوق قبل سنوات واشتريت منه، وأنا كنت أعرفه أيام الجوع وكان في طعمه لذة ويوم ذهبت للبيت وبدأت آكله وإذا به بلا طعم؛ لأن الجوع هو الذي جعل له طعماً في تلك الأيام، وإلا فهو كالعود، فقد رميناه، قلت لعيالي: كلوا فهذه كانت فاكهتنا قبل زمن، وكانت عبارة عن البرتقال في ذاك الزمان، قالوا: لا نريده، وإذا بهم رموه، كان يأكلونه الأولون لكي يسد جوعهم، تسد شيئاً في بطن الإنسان، قال الله: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ:١٦ - ١٧].
فنحن والله -يا إخواني- نخاف على هذه النعمة التي نحن فيها، وانظروا إلى مزارعنا يابسة، ليس فيها حتى قطرة ماء ولا زروع ولا شيء، وماذا كان آباؤنا وأجدادنا يعتمدون عليه من قبل؟ على الله ثم على الزرع، لكن هل أحسسنا الآن بجوع حين يبس الزرع؟! لا، ادخل السوق المركزي في كل قرية، حتى على الطرقات ادخل من الطرف تجد كل شيء، تجد اللحوم والأسماك والدجاج والطيور، وتجد الفواكه والمعلبات والحبوب، وجميع ثمار الأرض موجودة وتشتريها كيفما تشاء، والله ينعم عليك ويقول: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥] لكننا إذا أعرضنا فوالله إن عذاب الله وسنة الله واحدة لا تتبدل.
ويضرب الله مثلاً في القرآن فيقول في سورة النحل: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل:١١٢] يقول العلماء: إنها كانت آمنة مطمئنة؛ لأنها استجابت لداعي الله وطبقت شريعة الله؛ فأعطاها الله كرامتين: الأمن والاطمئنان، الأمن: هو أمن الأوطان، والاطمئنان: هو اطمئنان القلوب، فقد يكون بعض الناس آمنين، أي: لا يوجد خوف ولا لصوص لكن ليس هناك اطمئنان في النفس، بل يوجد قلق وحيرة واضطراب، فلا ينام الليل ولا يشعر بأنه مرتاح، لماذا؟ لأن هناك أمناً في الوطن والبلد، وهناك قلق في النفس بسبب الذنوب والمعاصي، فالله كافأ هؤلاء الرجال لما آمنوا وصدقوا أن رزقهم الأمان والاطمئنان: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [النحل:١١٢].
مثلما هو عندنا اليوم تجلب لنا الأرزاق وأهلها في حاجتها والله، وما يشبعون منها، كما كنا من قبل كنا ننتج الحب فنأخذ الجيد لنبيعه ونأخذ الغثاء والباقي نأخذه ونأكله وذاك نكنزه لكي نبيعه في السوق، ونشتري بقيمته كسوة لعيالنا، أو أشياء أخرى، فهم يأخذون أحسن ثمارهم ويعلبونها وتأتيك إلى بلدك تأكلها، وهم يأخذون الرديء.
стр. 472
الحث على شكر النعم
قال ﵎: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل:١١٢] قال لي أحد الإخوة: جنينا على ثلاثة خرفان ونحن خمسة أشخاص، يقول: والله إننا خمسة ومنا صاحب البيت، أي: كان المدعوون أربعة والذبائح ثلاث، هل هذا يرضي الله؟ لا إله إلا الله! والله لو أتى لهم بنصف ذبيحة أو ربعها لشبعوا منها الأربعة، لكن ثلاث ويعتذر ويقول: الحقيقة أنتم أربعة والذبائح ثلاث كان الواجب لكل منكم واحدة، لكن اعذرونا على التقصير، نعذرك على التقصير والله إنه من فضل الله الذي آتاك لكنك ما عرفت طاعة الله ولا عرفت نعمة الله ، يقول: وقام هؤلاء المعزومون ليأكلوا وهذا عشاء وقد تغدوا عندما أتوا من وظائفهم الساعة الثانية والنصف وما زال الغداء في حلوقهم ولم ينزل إلى بطونهم يقول: وحينما بدءوا يأكلوا الخرفان وماذا يأكلون؟! يقول: كانوا يبعدون الشحم ويأكلون قليلاً جداً من اللحم ويتركون الباقي كما هو، ولا يوزعونه على الفقراء بل يرمونه في القمامة!! يقول الله في الحديث القدسي: (إني أمدهم حتى يرصعونه، ثم أمنعه حتى يشتهونه)، فهذا الأرز الذي نرميه في القمامة ما كان الناس قبلنا يعرفونه، يحدثني والدي يقول: والله كان هذا الأرز عبارة عن دواء إذا مرض أحدنا في أبها قالوا: ابحثوا له عن فنجان أرز عند آل بن عزيز أو عند آل ابن مسمار أو عند الخبارية من أهل أبها ابحثوا له عن فنجان أرز، وما كان في بلادنا أرز، ما كان عندنا إلا الطلح والعرعر، لكن الله رزقنا ثمرات كل شيء، فبدل أن تشكر هذه النعمة -يا إخواني- بدأت المعاصي في الناس، قال الله : ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢] لباس الجوع -أعاذنا الله وإياكم من الجوع- يقول النبي ﷺ : (فإنه بئس الضجيع) ويقول: (كاد الجوع أن يكون كفرا).
стр. 473
مصيبة الجوع والفقر التي عاناها السابقون
الجوع -يا إخواني- مصيبة! كيف إذا دخلت بيتك -يا أخي المسلم- على زوجتك وأولادك وقالوا: لا يوجد عشاء، تقول: ابحثوا لنا قالوا: لا يوجد شيء، الولد يبكي والمرأة تبكي وأنت جائع وتعرف أنه ما في السوق ولا في الجيب شيء، وهذا والله كان يمر على الناس، كان الرجل إذا رأى الضيف يهرب، ماذا تقدم له فلا يوجد سوق مفتوح، وإن وجد سوقاً مفتوحاً فلا يجد فيه شيء وإن كان فيه أي شيء فلا يوجد مال يشتري به، فقر وجوع ومرض وخوف وهلع لا يعلمه إلا الله، ثم بدل الله أحوالنا كلها، بدَّل الله ملابسنا الآن وأصبحت ملابسنا فاخرة وجميلة ومتنوعة، أما الأولون فكانت ثيابهم كلها شكل واحد مبرم، مبرم كأنه -والعياذ بالله- جلد جمل، وإذا لبس المبرم هذا يلبسه ويصونه، وبعض النساء يأتي لها أولاد ومازال ثوب عرسها معها، وبعض الرجال يلبس ثوبه سنة وسنتين وثلاث، وإذا تمزق يضع له رقعة سوداء أو حمراء أو غبراء أي لون، وإذا تمزق من الركبة يضع له رقعة، وكذلك من مقعدته، وبعدها لا يغسل الثوب، وإذا قيل له: اغسل ثوبك؟ قال: إني إذا غسلته فإنه سيتمزق؛ لأني أريد الوسخ يقويه لكي لا يتمزق وما كانوا يلبسون سراويل ولا فنايل ولا شرابات ولا غتر، ولا بجامات ولا أكوات، ولا مشالح، ولا ثياب صيف ولا ثياب شتاء.
لا إله إلا الله! لا إله إلا الله! من هو الذي في بيته إبرة؟ إذا تمزق الزرار من الثوب هل ترد الزرار؟! لا.
بل يرمي، انقطع ماذا أعمل به؟ ومن هو الذي يرقع ثوبه إذا تمزق؟ لا يوجد شخص يرقع، بل والله يرمونها وهي جديدة وما تمزق فيها شيء، لكن يقول: قد لبسته كثيراً أريد غيره، وبعضهم تدخل دولابه ترى أمامك (٢٠) بدلة و (٢٠) ثوباً من كل شكل، وقد كان الناس من قبل ليس عندهم هذا الشيء، فمفارشنا في الماضي كانت خرائق معلقة لا نفرشها إلا في العيد فقط، وليست هي معلقة دائماً، فإذا أتى الضيف يرقد عليها، وإذا وجد ملحف، فلا تجد فيه شعرة ويفرشونه على الجميع، ثم يأخذون الملحف كلهم ولا يوجد لكل واحد فراش خاص وغرفة نوم يتقلب من طرف الغرفة إلى طرفها (٤م × ٣م) هذه نعمة أم ليست بنعمة؟! وبعد هذا كله موكيت وكنبات (بترينات) اسفنجات وقطنيات من كل ما لذ وطاب -فنحمد الله الذي لا إله إلا هو- أما المآكل والمشارب فحدث ولا حرج، فأنتم تعرفون ذلك.
стр. 474
المعاصي سبب زوال النعم
هذه النعم -يا عباد الله! - والله إننا نخاف عليها، وإن سبب زوالها هي المعاصي يقول:
يا نعمة الله حلي في بوادينا وجاورينا ولا تغدين من داري
أجابت النعمة إن الشكر يلزمني وإن باب المعاصي باب إنداري
والله ﵎ يقول: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦] لقد أصلح الله الأرض بالرسالات والأديان وأفسدها الناس بالمعاصي والعصيان، ولكن الله له سنة، يقول: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢] وانظروا إلى من سواكم فوقكم في بلاد الحرمين إلى الذين في الشمال وفي الجنوب، والذين في الشرق والغرب، وكل دولة فيها حرب وضرب وفقر وحروب وأوبئة وكوارث، والله حاميكم في هذا البلد حمانا بماذا؟ هل لأننا صنف ونحن غير الناس؟! لا حمانا ببركة الدين على آثار ما عندنا من الدين ولكن نخاف يا إخواني نغير، والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] ويقول الله في الحديث القدسي: (وعزتي وجلالي ما تغير عبد من عبادي مما أكره إلى ما أحب إلا تغيرت له مما يكره إلى ما يحب، وعزتي وجلالي ما تغير عبد من عبادي مما أحب إلى ما أكره -يعني من المعاصي- إلا تغيرت له مما يحب إلى ما يكره) وإذا عذب الله الناس في الدنيا فإنه يعذبهم عذاباً عاجلاً: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٢٦].
وتعرفون القصة التي ذكرها الله في سورة القلم عن أصحاب الجنة وأصحاب البستان، يقول الله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ [القلم:١٧] أي: اختبرناهم: ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [القلم:١٧] هؤلاء مجموعة من الأولاد كان أبوهم صالحاً وكان لهم بستاناً، وكان هذا الأب الصالح إذا خرجت غلة بستانه وزروعه قسمها ثلاثة أقسام: قسم يأكله هو وأولاده، وقسم يتصدق به لله، وقسم يرده في المزرعة، ولكن أولاده لا يريدون هذه القسمة، فحين مات أبوهم اجتمعوا وقالوا: إن أبانا ضيع رزقنا، لماذا يعطي الفقراء الثلث والله هذا حقنا ولا يخرج منه حبة واحدة، فاجتمعوا في الليل، ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا﴾ [القلم:١٧] كلهم حلفوا: ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم:١٧] أي: في الصباح ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم:١٨ - ٢١] قاموا كلهم يتنادون قبل الفجر وقالوا: نحصده مبكراً أن يأتي الفقراء، أي: إذا تأخرنا سيدخلون علينا في البستان: ﴿أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ [القلم:٢٤] لا يدخل شخص فقير: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم:٢٥] لكنهم تمالوا على الفسالة فالله يسري عليها بالليل، قال الله: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم:١٩ - ٢٠] ما صرمها الله لهم لكي يكفيهم حتى يروها جاهزة، بل صرمها وأعدمها وأحرقها، حتى أنهم ما عرفوا بلادهم: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ [القلم:٢٦] نحن ضائعون ليست هذه بلادنا، أين مزرعتنا؟! أين بستاننا؟! أين ضعنا؟!: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم:٢٨] اذكروا الله: ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [القلم:٢٩] ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ [القلم:٣٢] ثم قال بعدها: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾ [القلم:٣٣] أي: هذا عذاب الدنيا: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم:٣٣].
فنحن لا نخشى أن تزول منا هذه النعم، وإذا زالت فوالله إنها مصيبة، والله إنه يموت أكثر الناس ويؤلمه الجوع ولا أحد يرى شيئاً من هذه الفواكه ومن هذه الخيرات، إن أكثر الناس يموتون جوعاً، ولكن نخشى أن ينزل العذاب وتزول النعم وعذاب آخر وهو عذاب الله في الآخرة، ولكن إذا أردنا النعيم الذي بين أيدينا يكثر يزيد والذي ينتظرنا عند الله يزيد فلنتمسك بطاعة الله؛ لأننا إذا تمسكنا بطاعة الله ﵎ أعزنا الله في الدنيا والآخرة، يقول الله ﵎: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر:١٠].
стр. 475
الحث على تقوى الله وطاعته وحضور مجالس العلم
أيها الإخوة: أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، والمحافظة على طاعة الله، وإن من أعظم طاعة الله هذه الحلقات المباركة التي يسعى إليها إخوانكم وأبناؤكم -بارك الله فيهم- في هذه القرى، هم لكم والله نور -يا إخواني! - وبعض القرى ليس فيها شخص داعية، بل بعض القرى نشأ منها نشء -والعياذ بالله- جروا على أهلهم الضلال والفساد، ولكن الله نور قلوبكم بأبنائكم وجعل فيكم من يدعوكم إلى الخير، وإلا كان بإمكانهم أن يذهبوا ويستمعوا الندوات في أبها، ويحضرون مجالس العلم وأهل القرى يرفضون المجيء، لكنهم يحبونكم ويعطفون عليكم ويقولون: نريد ندوة في كل مكان وفي كل قرية، والله إنها نعمة -يا إخواني- إن العلم يدعوكم ولا تأتون له، فلا بد من الحرص على هذه الندوة والمحافظة عليها، وأن يكون هذا موعداً رسمياً، أي: لا يمكن أن أتخلف عنه، وإن عزمت، قلت: لا والله أنا معزوم، أين؟! عند رب العزة والجلال على مائدة الله ، لكن بعضهم يعزم على أرز ولحم ويترك مائدة الله التي فيها قال الله وقال رسوله، وتلك عنده أحسن من هذه، وهو محتاج لكنه خسران، والعياذ بالله! نسأل الله أن يحفظنا وإياكم.
وأوصيكم بالمحافظة على هذه الندوة وتشجيعها ولمَّ أبناءكم حولها.
لقد كان في هذه الديار المباركة في الماضي ندوات وليست ليلة في الأسبوع، لا.
فقد كان آباؤكم يجلسون من المغرب إلى العشاء كل ليلة ولهم درس دين، ولا يتأخر أحد، وأين كان يذهب أحدهم في الصباح؟ كان من الصباح إلى المغرب وهو فلاح يرعى أو يعمل أو يحطب، لا يصل بيته إلا وهو تعبان جداً، لكنه يحب الله ورسوله؛ ولذلك فإنه يأتي يذكر الله ، وبعد العشاء أين يذهب؟ يذهب البيت فلا يوجد سراج ولا طعام ولا نار ولا دفئ ولا فراش، وينظر إلى امرأته، فلعل امرأته مريضة وينظر إلى ولده فإذا هو مريض، لكن لا -يا أخي- اليوم تنام طوال يومك، وأنت نائم يوم الجمعة، هل عمل أحد منا اليوم في الزروع؟! هل نجمع الحجارة والصخور اليوم؟! لا.
وينظر كل واحد منا إلى خيراته، وهو في نعمة عظيمة حتى يأتي المغرب.
-يا أخي- اقعد من المغرب إلى العشاء في ذكر الله، اذكر الله الذي لا إله إلا هو على هذه النعمة، ثم بعد العشاء سوف ترجع وتدخل بيتك وهو مضيء، كان الأولون ليس معهم نور ونورهم سراج إما لمبة أو فانوس أو عود ضوح يضوحون به حتى يحين وقت العشاء ثم يرمونه، لكنك أنت تدخل تلمس الجدار فإذا هوا يسرج كالشمس الشارقة، وإذا أردت أن تغتسل تذهب تحمي الماء بل تفتح الصنبور والحنفية فإذا به يصب لك ماءً حاراً، وهذا أمر لم يعرفه آباؤنا وأجدادنا السابقون.
والآن تتوضأ في الليل أو تغتسل ولا تحمي ولا تبرد، وبعدها غسلت ودخلت على زوجتك فإذا بها تنعم بالصحة؛ لأن الأولين كانوا يمرضون ولا يوجد مستشفيات، كان الشخص منهم يمرض ويظل يتعافى دون أن يجد العلاج، أو يسافرون به، أما الآن ولو كان صداعاً، قال: أعطوه (إسبرين) أو (بندول)، قالوا: صحة، أي: لم يبق مرض الآن في قريتكم هذه من طرفها إلى طرفها، لو فتشناها بيتاً بيتاً لا يوجد مريضاً -والحمد لله- وكان الناس سابقاً، وما من بيت إلا وفيه مريض ومعلول، لكنك تدخل غرفتك تريد أن تنام وإذا بأولادك -ما شاء الله- كلهم ينعمون بالصحة، وبعدها تفتح زوجتك الطعام وتأتيك بالسفرة والخيرات.
فهل أنت أولى بالجلسة مرة في الأسبوع؟! أم ذاك الذي يجلس كل يوم من بعد المغرب إلى العشاء على كتاب الله، وعلى ماذا يقرأ، هل على الكهرباء؟! لا، يقرأ على لمبة، وبعدها كانت المصاحف في ذلك الزمان ليست مثل مصاحفنا هذه -ما شاء الله- الحروف واضحة، وإنما كانت مصاحف مكتوبة بخط اليد وممزقة ولكن قلوبهم كانت معلقة بالله ﵎.
فنحن -يا إخواني- كل شيء أقامه الله علينا حجة، ولكن ينبغي علينا أن نحرص، وأنا أعتقد -إن شاء الله- أنكم لو حافظتم على هذه الندوة باستمرار كل جمعه واخترتم في كل جمعة موضوعاً علمياً، نريدها مواعظ عائمة، يبدأ الإخوة بدروس منهجية؛ يبدءون في العقيدة، ثم العبادة، ثم في السلوك والمعاملات، فإن الله ينور بصائركم ويربي أبناءكم على الخير؛ لأن أولادكم إذا دخلوا وسمعوا الدين حفتهم الملائكة، فالعلم في المساجد، علم المدارس والكليات والجامعات علم لكنه ليس فيه بركة؛ لأنه علم من أجل الشهادة، ولهذا الطالب يخرج من صالة الامتحان، وقد نسى ما حفظه، لكن العلم المبارك هو علم المساجد؛ لأنها مساجد وأماكن النور، والملائكة تحفكم، والله يذكركم فيمن عنده، ويباهي بكم في الملأ الأعلى.
أسأل الله ﵎ أن يجعل هذا الاجتماع اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يبقي فينا ولا فيكم شقياً ولا محروماً، وأن يجعلنا وإياكم من الشاكرين لنعمه المعترفين بها لله ﵎، وأن يحفظنا وإياكم من كل سوء في الدنيا والآخرة، إنه على كل شيء قدير، والله أعلم.
стр. 476
المرأة والزواج
الزواج آية من آيات الله ونعمة من نعمه، ولذا فإن الزواج في الشريعة الإسلامية له أهداف ومقاصد نبيلة من أجلها: المحافظة على النوع الإنساني، وكذلك تكوين المجتمع المسلم من خلال تكوين الأسرة، وهو الحل الوحيد لعلاج كثير من القضايا الاجتماعية والأخلاقية والإنسانية، وحال المرأة في هذا كحال الرجل، فإن الزواج عصمة من الزلل، وباب من أبواب الخير المتمثلة في حسن التبعل للزوج، والصبر عليه وعلى تربية الأبناء الذين هم عماد مستقبل هذه الأمة.
стр. 477
الزواج آية من آيات الله ونعمة من نعمه
أيها الإخوة المؤمنون: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله كما جمعنا في هذا المكان الطاهر، وفي هذه الليلة المباركة أن يجمعنا في جنات النعيم وآباءنا وأمهاتنا وأخواتنا وذرياتنا وأزواجنا وجميع المسلمين، إنه غفور رحيم، إنه أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين.
الزواج آية من آيات الله، ونعمة من نعم الله، جعله الله آية في معرض الاستدلال على عظمته، فاستشهد الله على أن من آياته خلق السماوات والأرض، واختلاف الألسن والألوان، ثم قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١] ونعمة من نعم الله إذ أن الإنسان لا يشعر بالسكن ولا بالاطمئنان ولا بالراحة إلا إذا حصل له هذا الأمر، ولهذا قال: ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ [الروم:٢١] كأن الإنسان في قلق، وكأن الإنسان غير مرتاح، فإذا تزوج سكن ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١] حث عليه الشرع، وأتى به لتحقيق هذا الأمر حتى تهدأ أرواحهم وتسكن قلوبهم.
قال ﵊ في الحديث المتفق على صحته: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للطرف، وأحصن للفرج) هنا أغض من أفعل التفضيل، وأحصن أيضاً أفعل التفضيل، أعظم ما يمكن أن تغض به طرفك، وأن تحصن به فرجك هو الزواج: (ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء) هكذا يقول معلم البشرية وطبيب الإنسانية صلوات الله وسلامه عليه، وهو يوجه الأمة إلى الدواء العملي الناجع، إذا لم يتمكن الإنسان من الزواج.
وذكره الله في معرض الامتنان على الأنبياء والرسل، قال: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨]، وأخبر النبي ﷺ أن أبرك هذه الأمة أكثرهم زواجاً، وكان من هديه ﷺ الزواج، وكذلك هدي الأنبياء قبله، وهدي السلف من بعده، وبعض أهل العلم يوجبه على من يخشى على نفسه الفتنة، وبعضهم يجعله في مرتبة الاستحباب، ولم يرد أن أحداً رغب في تركه، أو حبذ التفرغ للدين والدعوة وتركه، فهو من الدين ومن الدعوة، بل إن أكثر ما يعينك على دينك، وعلى دعوتك إلى الله، وعلى الجهاد في سبيل الله الزوجة الصالحة؛ لأن فكرك ينحصر واهتماماتك كلها تتركز، وتبقى حاضر الذهن، حاضر الفكر، محصوراً في أعمال، لكن حينما لا تكون متزوجاً تتشتت بك الأفكار، وتذهب بك الهواجس، ويحصل للإنسان تعبٌ قد لا يتحقق معه نفعٌ في دينه ولا في دنياه.
стр. 478
حكم الزواج وأهدافه
وقد شرع الله الزواج لحكم ولأهداف ولغايات نبيلة، تغيب عن أذهان كثيرٍ من الناس، بعض الناس بحكم جهله لا يفهم من مشروعية الزواج إلا الجنس فقط، وهذا ليس هدفاً وليس من أغراض الزواج الجنس؛ الجنس وسيلة حتى يحصل اللقاء بينهما في النقطة الشرعية التي أباحها الإسلام وهي الزواج، وإذا حصل اللقاء تحققت تلك المصالح وتلك الغايات وتلك الأهداف النبيلة.
стр. 479
المحافظة على النوع الإنساني
نفس العملية الجنسية فليست هدفاً في حد ذاته، ولكنها وسيلة تؤدي إلى الوصول إلى الغايات والأهداف التي شرعها الإسلام.
ومن هذه الحكم التي شرع الله الزواج من أجلها: المحافظة على النوع الإنساني، فإن الله خلق السماوات والأرض، واقتضت حكمته سبحانه أن يخلق هذا الإنسان من أجل أن يعبده في هذه الأرض، فهذه حكمة، ولو أن الله لم يجعل عند الرجل رغبة في المرأة، ولم يجعل عند المرأة رغبة في الرجل لانقرض الجنس البشري، وخلت الحياة من الناس وما بقي فيها أحد، ولكن الله ركب هذا الميل ليبقى سلالة البشر يتناسلون، ثم جعل لهذا الميل نتائج وآثاراً ومسئوليات.
وإذا تم اللقاء بين الرجل والأنثى في غير الزواج ضاعت تلك الآثار، ومن آثار اللقاء أن يحصل الولد وأن تحمل الأم، لكن إذا حملت الأم من غير زوج فمن يقوم برعاية هذا الولد؟ الذي زنا؟ لا.
فإنه يتخلى لعدم ثقته أولاً بأن هذا الولد له؛ لأنه يعتقد أن هذه الزانية التي مكنته من نفسها ستمكن غيره، وبالتالي فليس على يقين أن الولد له.
ثانياً: حتى ولو كان على يقين أنه له فيعرف أنه جاء من طريق حرام، فيقول: لماذا آخذه وأربيه وهو حرام في حرام، هي التي تتحمل، فينسلخ منها ويتخلى عنها، وتبقى هي في الميدان لوحدها تعاني من آثار الحمل، وقد ترتكب جرائم في التخلص منه، إما عن طريق الإجهاض، أو عن طريق قتله بعد أن يأتي، أو عن طريق إلقائه أي: تضعه في طريق عام، أو عند حديقة، أو في مسجد، أو في صندوق النفايات كما سمعتم في العام الماضي يضعونه في صندوق النفايات، جريمة أعظم من جريمة الزنا، وقد تحمل الولد فتبقيه معها فتجد ألماً ومعاناةً وحسرة كلما نظرت إليه؛ لأنه يذكرها بجريمتها، وينشأ هذا الولد المسكين في معاناة وفي تعب، ليس له ذنب هو أصلاً، الذنب والمسئولية للزاني والزانية، أما هذا فلا يحمل مسئوليته؛ لأن الله يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] هل له علاقة في الموضوع؟ لا.
ولذا لا يؤاخذه الله على مسألة مجيئه، يؤاخذه الله على سلوكه، إذا بلغ سن التكليف، فإذا التزم بدين الله، وتمسك بطاعة الله، كان من أهل الطاعة ومن أهل العمل الصالح.
وإذا بلغ سن التكليف وانحرف عن منهج الله آخذه الله على انحرافه هو، لكن غالب من ينشأ من هذه الطريق يكون مصيره الانحراف؛ نظراً لفقدان التربية، وانعدام الجو الإيماني الذي يعيش فيه؛ ولأنه يعيش بدون إشراف وبدون توجيه وبدون تربية، وربما تلقفته الأيدي القذرة الملوثة فطبعته على طبع سيئ، وأحياناً ينشأ نشأةً طيبة فيهديه الله ولا ذنب له في جريمة والديه، أو الزاني والزانية.
فبقاء النوع البشري هدف من أهداف الزواج؛ لأنه قد يأتي واحد ويقول: الجنس البشري يبقى عن طريق الزنا، يبقى لكن تبقى حياة فوضوية، ولهذا جميع الأمم وعبر مدار التاريخ تعارفوا على الزواج، حتى في الجاهلية كان يوجد زواج، والآن في الدول الكافرة يوجد زواج، تجد عند اليهود، وعند النصارى، وعند المجوس، وعند الهندوس، كل واحد يشعر بأن يكون له زوجة خاصة به لأنها فطرة؛ لكي يربي ولداً له.
стр. 480
الاستمتاع بالحياة عن طريق إنجاب الأولاد
من أهداف الزواج: الاستمتاع بالحياة عن طريق الأولاد، لأن الله يقول: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦] فواحد عنده مال لكن ما عنده أولاد، عنده نصف الزينة، ولذا يشعر بالألم، ويشعر بالحرمان، ويتمنى أن يكون له ولد، وقد كنت أعظ أحد الإخوة الذين ابتلوا بعدم الولد، ليس عنده ذرية، فوجدته في حالة نفسية صعبة، وقلت له: يا أخي! لا تكره أمر الله ، فربما يكون في ذلك خير، فإن الله أعلم بما يصلحك، يقول: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً﴾ [الشورى:٤٩ - ٥٠] لماذا؟ ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٥٠] فما تدري ما هو الخير لك؟ يمكن لو عندك أولاد لكانت حالتك أسوأ.
فقال لي: يا شيخ سعيد! أنا أعرف هذا، يقول: أنا أعرف أن الله اختار لي إن شاء الله الخير، لكن أنت لا تحس بما أحس به.
قلت: وما الذي تحس به؟ قال: أحس بألم شديد من السكون الذي يسيطر على البيت، يقول: أدخل البيت وإذا به كأنه مقبرة، نحن الذين عندنا أولاد نحس بتعب من الغلبة التي نشعر بها في البيت، عندما يدخل الواحد منا ويبدأ هذا يصيح، وهذا ينط، وهذا يرجم، وهذا يفتح، يقول: اسكتوا اسكتوا، والرجل يشكو من الحرمان ومن السكون الذي يحول البيت عنده إلى مقبرة، أنت لا تعرف نعمة الأولاد إلا إذا فقدتهم، ولهذا جعلهم الله زينة، زينة للأب وزينة للأم.
قد لا تتوفر هذه الزينة في أي شيء، ولهذا الأوربيون لما افتقدوا هذه النعمة في الأولاد نظراً لتقطع العلاقات الاجتماعية اضطروا أن يحققوها عن طريق تربية الكلاب، فتجد الواحد منهم عنده كلب يأكل معه على السفرة، ويحتضنه، والمرأة تأخذ الكلب وتذهب به، وتداعبه، لماذا؟ (لأن الطيور على أشكالها تقع) ولأنهم ما وجدوا ما يلبي الاحتياج الفطري في نفوسهم وفي أولادهم الذين لا يضمنون أنهم أولادهم أصلاً، وبالتالي بحثوا عما يلبي لهم ذلك في الكلاب.
стр. 481
حماية المجتمع من التحلل والانسلاخ من القيم
وأيضاً من أهداف الزواج في المجتمع المسلم: حماية المجتمع من التحلل والانسلاخ من القيم؛ فإن أغلى ما يملكه المسلم بعد عقيدته ودينه هو عرضه، والعرض غالٍ عند المسلم، يقول:
أصون عرضي بمالي لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض في المالِ
العرض غالٍ، وهو يمثل تاجاً على رأس المسلم، وهو تاج من زجاج يكسره أقل شيء، ولذا يود المسلم أن يدفن وأن يموت ولا يدور حول عرضه كلام، بل يود أن يبلغه أن ابنته أو أخته ماتت ولا يبلغه أن ابنته أو أخته انحرفت أو زنت -والعياذ بالله- فالمجتمع عن طريق الزواج يحصل له حماية، لماذا؟ لأن الغريزة الجنسية الفطرية في النفس تحققت بالطريق الصحيح وهو الحلال، لكن حينما نسد أبواب الحلال وهو الزواج فإنها تفتح أبواب الحرام قسراً؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يلغي سنة الله بقرار من عنده، ويقول: لا.
يا بنت لا تتزوجي، وأنت يا ولد لا تتزوج، انتبهوا، لا يمكن هذا الكلام، لا سيما في هذا الزمان، زمن الفتن، وزمن الإثارة، فإن كل ما حول البنت أو الولد يعمل على إثارتها، وهي ليست بحاجة إلى إثارة، وهو ليس بحاجة إلى إثارة، الغرائز الموجودة تحتاج إلى تقييد وكبت وتضييق، حتى جاء الأمر بالصيام لمن لم يستطع الزواج، لماذا؟ لتضييق مجاري الشيطان الذي يجري مع حركة الدم في الجسم، فإذا جئت تشعلها وهي أيضاً مشتعلة بطبيعتها حصل الحريق في حياة الإنسان، فيحمى المجتمع بالزواج.
стр. 482
التعاون على تكوين الأسرة
من أهدافه أيضاً: التعاون على تكوين الأسرة، فإن الأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع، وهي مكونة من الأم والأب والأولاد، ولكن إذا لم يوجد زوج، وجاء للمرأة ولد من الحرام، فمن يقوم بهذا الدور في الأسرة؟ ليس هناك أحد، فهي تقول: لماذا أتحمل هذا ولا يوجد أحد، تضطر أن تتخلص منه أو تقتله كما سمعنا.
لكن حينما تعرف أنه ولد شرعي، وذاك الأب يعرف أنه ولد شرعي، ويحقق لهم المطلب النفسي من حيث الزينة في الحياة، في العمل أنت متعب مرهق في غاية الإرهاق والإجهاد، فما إن تدخل البيت وتجد طفلاً من أطفالك يقبل عليك فتحمله وتضمه إلا وأذهب الله عنك ما تشعر به من التعب، هذه نعمة أم لا؟ نعمة من أجلِّ النعم.
стр. 483
تربية الأولاد
أيضاً من أهدافه: تربية الأولاد، فإن تربيتهم ينال عليها الإنسان ثواباً عند الله يوم القيامة، كونك قمت بتوجيه هذا الولد: علمته الإسلام، وربيته على الإيمان، وأخذته إلى ساحل النجاة عن طريق الأخلاق الإسلامية، والمبادئ الإسلامية، والعقيدة الإسلامية، وعلمته كل شيء طيب، وحذرته من كل شيء سيئ، يأتي هذا الولد في ميزانك يوم القيامة، وتبعث يوم القيامة مبعث الأنبياء؛ لأن الله هدى على يديك ولدك، والله يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [لنجم:٣٩] قال العلماء: الولد من سعي أبيه، وفي الحديث يقول ﵊: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث منها: ولد صالح) وليس كل ولد، فقد تترك أولاداً يدعون لك لكن ليسوا على صلاح، ما يقبل الله دعاءهم، لا بد أن يكون الولد صالحاً، إن الله لا يقبل شفاعة السيئ، بل ولد صالح يدعو لك ويكون لك أنت أثر في تربيته فيدعو لك وأنت في قبرك فتأتيك الحسنات، كل يوم في سجوده: رب ارحمهما كما ربياني صغيراً.
اللهم اغفر لي ولوالدي؛ في كل صلاة، وقد أمر الله بذلك قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ [الإسراء:٢٣] عندك: أصبحوا عندك، فأنت كنت عندهم عندما كنت صغيراً، واليوم كبروا وأصبحوا عندك ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٤] ثم مهما عملت فلن تكافئهم فماذا تعمل؟ ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٤] وهذا لا يأتي إلا عن طريق الأولاد، من أين تأتيك حسنات إذا مت؟ قد لا يكون لك مال، وقد لا يكون عندك علم تخلفه، ولكن يكون عندك أولاد صالحون فيدعون لك بعد وفاتك، ويبقى الخير لا ينقطع يصلك على الدوام حتى إذا جاء لهم أولاد وقال: اللهم اغفر لنا ولآبائنا يأتيك وأنت جد، ويأتيك وأنت أبو الجد إلخ؛ لأنك أساس، وسبب في هذا الخير العظيم.
стр. 484
خطورة عزوف الناس عن الزواج
стр. 485
خطورة دينية
هناك خطورة -أيها الإخوة- بالغة تحصل حينما يعزف الناس عن الزواج، خطورة دينية؛ لأن الإنسان سيبقى مثل البعير، والزوجة القيد له، إذا هاج البعير ماذا يعملون فيه؟ يقيدونه، هائج أو ليس بهائج فالقيد في رجله، كذلك الرجل مثل الجمل الهائج، إذا لم يقيد يهيج ويؤذي ويبطش، ويعتدي، ويفعل حركات، ولا يستطيع أحد أن يرده، لكن إذا وضعت القيد في رجله توقف، كذلك الزواج للرجل كالقيد للجمل، واحد من الإخوة يقول: عانى من أولاده وهم يرفضون المكث في البيت -وهم طيبون- لكن اجلس يا ولد.
قالوا: لا نقدر على الجلوس نريد أن نخرج نحن رجال.
أنتم رجال ولكن اجلسوا في البيت، لا تخرجوا والخروج ليس حسناً، وقد يعرضكم للشر ويعرضكم للحوادث المرورية ويعرضكم لرفقة السوء، أخشى عليكم يا أولادي، هل شبعتم الآن؟ اجلسوا في البيت اقرءوا الكتب ناموا، يقول: فيجلسون بتعب، وبمعاناة، وأحياناً إذا شعروا أني رقدت خرجوا، يقول: فزوجت الأول والثاني منهم، يقول: ومنذ أن زوجتهم فإذا بهم يرقدون من العصر، ليس من المغرب، يصلي العصر ويدخل غرفته، ماذا بك يا ولد؟ قال: تعبان، وهو ليس تعبان، وبعد المغرب في الغرفة، نقول: يا ولد تعال اجلس معنا قال: لا.
تعبان، بعد العشاء في الغرفة، فأقول: جالس هو وزوجته.
هذه نعمة من نعم الله، فهذا العزوف عن الزواج يؤدي إلى خطورة، خطورة أول شيء دينية في أن هذا الشاب الذي ما تزوج مهما كانت ديانته، ومهما كانت رصيده من التقوى إلا أنه يمكن أن يقع؛ نظراً لوجود الدافع القوي وهي الغريزة الجنسية، فما تستطيع أن تضمن إلا بالزواج، فإنه أغض للطرف، وأحصن للفرج.
وأيضاً مظاهر خلقية فإن الإنسان إذا تزوج هدأت نفسيته، وحسنت أخلاقه، وشعر بمسئوليته، وأدرك دوره في الحياة، كذلك البنت وحدها في البيت تحس؛ لكن عندما تذهب زوجة وتضع نفسها في موضع المسئولية، وتعرف دورها، فيحصل من شعورها بدورها استقامة الناس، واستقامة أخلاق الناس.
стр. 486
خطورة صحية
وأيضاً خطورة صحية، فإن الذي لا يتزوج قد يفعل المنكر؛ فيقع في جريمة الزنا، أو جريمة اللواط، ويترتب على هذا -والعياذ بالله- انتشار الأمراض، وشيوع الفاحشة، كما أخبر النبي ﷺ في الحديث الذي في السنن يقول: (خمس بخمس وأعوذ بالله أن تدركوهن، ذكر منها: وما فشت الفاحشة في قوم حتى أعلنوها أو استعلنوا بها إلا ابتلاهم الله بالأمراض والأوجاع التي لم تكن فيمن قبلهم) وهذا ما أخبر به النبي ﷺ وتحقق في هذا الزمن، فرغم كثرة الوعي الصحي، ووسائل النظافة، وكثرة المستشفيات، ومعرفة الناس للطب وأصوله، ومع هذا لما فشت الفاحشة وانتشرت في بعض البلدان، سلط الله عليهم الأمراض، وفي بلد أوروبي اسمه السويد، وهو بلد الإباحية الأول في العالم، وفيه أكبر عدد من المصابين بمرض الإيدز؛ مرض الإيدز يأتي عن طريق العلاقات المحرمة، وهو فقدان المناعة؛ لأن الله جعل في جسم الإنسان قدرة على مقاومة الجراثيم والأجسام الغريبة وتسمى المناعة، أي شيء يأتي الجسم يصدر أوامر لنوع من الكريات اسمها: كريات الدم البيضاء في الجسم تقتل أي جرثومة أو أي شيء يأتي، هذا الإيدز يأكل هذه الكريات ويقضي عليها، فيبقى الإنسان بدون مناعة وأقل نزلة برد تقتله، هذا المرض سلطه الله في هذا الزمان بعد شيوع الفواحش، حتى نادى وزير الصحة عندهم ورئيس الصليب الأحمر عندهم يقول: إن علينا أن نعيد النظر في علاقاتنا الجنسية، بحيث نخصص لكل رجل امرأة واحدة، يعني: الإسلام.
والهربز، والسيلان، والزهري، كل هذه الأمراض الخطيرة التي تأتي عن طريق انتشار الفواحش، وعدم وجود الزواج.
стр. 487
خطورة اجتماعية
وأيضاً هناك خطورة اجتماعية؛ لأن المجتمع يتكون من هذه الأسر، فإذا انقرضت هذه الأسر وبقي الواحد أعزب لا يتزوج؛ تحللت هذه الروابط الاجتماعية بين الناس، ولم يعد الناس يثق بعضهم ببعض، ولهذا معروف عندنا الآن عندما تأتي مثلاً في حي أهل الحي يقولون: لا نريد أن يسكن عندنا عزاب، لماذا؟ لأنهم يخافون، لكن عندما يأتي أمامك شخص وعنده زوجة، أنت ساكن في عمارة وفي شقة وهو في الشقة الأخرى ولكنك آمن لماذا؟ لأنك تحس أنه يعاني؛ لأنه يحمي عرضه ويحمي عرضك، ولا يمكن أن يمد عينه على عرضك؛ لأنه هو صاحب العرض، يخشى أن يعامل بنفس الأسلوب، لكن لو سكن فيها شخص أعزب لا يعرف قيمة العرض فإنك لا تطمئن إليه، بل تخاف منه، وتشتكي، فإما أن ينقل هو أو تنقل أنت، وهكذا فهذه خطورة وهذه أشياء تحدث عند الإعراض عن الزواج.
стр. 488
عقبات في طريق الزواج
هناك عقبات جعلها الناس في سبيل الزواج، ما أنزل الله بها من سلطان، وهذه العقبات أدت أيها الإخوة! إلى كوارث وإلى مصائب، وما يحدث أو ما تسمعون به أحياناً ويطفو على السطح، وما هو موجود ولا يطفو على السطح كله بسبب وجود هذه العقبات.
стр. 489
غلاء المهور
أول عقبة: غلاء المهور.
فإن الله شرع الزواج وجعل المهر تطييباً لخاطر المرأة وليس بيعاً وشراء، ثم إن المهر للمرأة ليس للولي، يقول الله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء:٤] أي: عطية من الله، فأمر الله الأولياء والأزواج بأن يؤتوا النساء صدقاتهن، يعني: مهورهن فلا يجوز للأب أن يأخذ المهر، فالمهر للبنت، لماذا تأخذه أنت؟ من الذي تزوج بك حتى تأخذ ستين أو سبعين ألفاً أو مائة ألف؟ بعضهم يقول: أنا تعبت عليها! تعبت عليها؟!! وهل هي سلعة؟ تكدها تكدها حتى تطلع رأس المال منها والتعب؟! هذه فلذة كبدك، هذه قطعة منك هذه جزء منك يجب أن تسعى في سعادتها، أما أن ترهنها وتحبسها حتى تأتي عندك بأعلى ثمن، ولهذا بعضهم إذا أتى يخطب قال: والله قد جاءنا من يدفع: مائة ألف، فهل عندك أكثر؟ فنزلها في (الحرج) تحت الميكرفون!! هل هي سيارة؟ أم قطعة أرض؟ ومن زاد شرى، لا يا أخي الكريم! المغالاة في المهور أدت إلى عزوف الشباب عن الزواج، وركود البنات في البيوت، وقام الشيطان يعمل عمله، واستغل هذا الخطأ من أجل فتح أبواب الشر التي فتحها الآباء وفتحتها أيضاً الأمهات، وفتحها أحياناً البنات، وأحياناً الأولاد، وسوف نعرض كل هؤلاء.
يقول ﵊: (أكثرهن بركة أيسرهن مهراً) ولو كان المهر وزيادته مكرمة في الدنيا أو أجراً في الآخرة لسبق إليه النبي ﷺ ، ولكن كان مهر بنات النبي ﷺ يسيراً، وكان يعقد ﷺ على خاتم من حديد، وزوج بعض أصحابه من بعض بسورة من القرآن، وتزوجت واحدة من الصحابيات زوجاً بإسلام زوجها، عندما أتى يخطب قالت: أنت رجل كافر ولا يحل لي أن أنكحك، قال: أرأيتِ إذا أسلمت تقبليني؟ قالت: نعم.
فكان هذا أعظم مهر في التاريخ أن قبلته وقبلت من مهرها أن يكون مسلماً في دين الله .
فالمغالاة في المهور مرفوضة من الناحية الشرعية، وتؤدي إلى كوارث، وليس في مهر البنت بركة، فإذا أخذت مهر البنت فقد أخذت ما ليس لك، فهو ممحوق البركة، ولكن يسر ييسر الله عليك، وفي نفس الوقت تستقيم حياة البنت؛ لأن الزوج الذي يعرف أن هذه البنت سببت له هذه المشاكل، وأرهقت كاهله بهذه الديون، وأوقعته بهذه المآسي، فبعض الأزواج لا يفكر فيذهب ويشتري سيارة أو سيارتين أو ثلاثاً، ويقع في الديون، فإذا تزوج وبعد أسبوعين أو ثلاثة إذا بهذا يطلب، وهذا يشط، وهذا يمط، وهذا يدعي، والحقوق تستدعي، تذكر من الذي عمل له المشكلة؟ البنت، نعم.
البنت هي نكبتي، وسأنتقم منها، ويبدأ يتعامل معها بسوء، ويقلب لها ظهر المجن، لماذا؟ لأنها كانت سبب نكبته، كل هذا بسبب المغالاة في المهور، لكن يوم يشعر بأنها جاءته بيسر ولم تكلف عليه يكرمها ويكرم أباها الذي أعانه على الزواج ولم يبالغ ولم يغال.
стр. 490
المبالغة في طريقة الزواج وتكاليفه
وأيضاً من العقبات: المبالغة في طريقة الزواج وتكاليفه، فجعل بعض الناس منه مشكلة المشاكل، يعني: ما تدخل هذه المرأة على هذا الزوج إلا وقد (طلعت روحه) المفروض أن الزواج يتم بيسر، بمجرد أن عرفت أن عند فلان بنتاً، وسألت عن دينها وعن دينه، تذهب وتتكلم معه مباشرة، وهو إذا سأل عنك ورضيك زوجاً لبنته ففي نفس اللحظة يقول: تعالي يا بنت، انظري هذا، أتريدينه؟ وأنت انظر إليها هل تريدها؟ ثم إذا حصلت الموافقة من الطرفين انتهى، متى تريد يا ولد؟ بكرة؟ تفضل بكرة تعال إن شاء الله، أحضر معك أباك، وأحضر معك اثنين أو ثلاثة من أقاربك ونحن عندنا جيراننا سوف ندعوهم، ونشترك في وليمة واحدة (شاة فقط) ونذبح هذه الشاة ونعلن النكاح على مستوى الأسرة والجيران والأقارب، وتفضل بعد العشاء تعش وخذ امرأتك واذهب، وانتهت المسألة.
لماذا نقيم الدنيا ولا نقعدها في الزواج؟ أول شيء عند الناس الآن عزيمة في الخطبة، إذا أتى يخطب قال: لا تأتني لوحدك لا تأتني إلا أنت وأبوك وجماعتك لأجل الناس يرون الرجال، وذهب فجمع ثلاثين أو أربعين رجلاً، ثم ذبح ثلاثة أو أربعة خرفان، هذا فقط في الخطبة.
وبعد الخطبة جاءوا يسألون، قالوا: نريد العقد، قال: العقد في العطلة، وجاء العقد قال: أحضر معك رجالاً ولا تأت لوحدك، وأتى له بثلاثين أو أربعين رجلاً، وخمسة أو أربعة خرفان، ثم الزواج، قال: الزواج نريده في قصر أفراح، أو نريده في فندق ضخم (خمسة نجوم) لماذا؟ قالوا: لأن بنت فلان فعلت كذا، فلابد أن نفعل هكذا، ونريد (شرعة) غالية لا نريد من هذه الرخيصة أو تستأجرها، نريد واحدة جديدة وغالية، بعشرين أو بثلاثين أو بخمسين ألف (بعض الشرع) هذه (الشرعة) التي شرعها الشيطان وما أنزل الله بها من سلطان، ثم نريد أيضاً مغنية، فلا بد أن تأتي لنا بمطربة، وأيضاً نريد للرجال مطرباً، ونريد لهم شعراء، ونريد (دقاقين ومزلفين) وكم تذبح وكم سوف تحضر؟ قال: سوف أحضر جماعتي كلهم؛ لأنه مسكين هذا المتزوج قد انقطع ظهره من هذه التكاليف، فيريد جماعته يفزعون، فيطبع (٢٠٠٠) كرت، قال: لعل يأتي منهم ولو ألف، قال: سوف أحضر جماعتي كلهم، وهذا يقول: ما دام سيحضرون كلهم وأنا سوف أعزم جماعتي كلهم، كم خروفاً سيبقى لنا؟ خمسون أو ستون؟ وفي إحدى المناسبات في الطائف ذبحوا مائة وثلاثين ذبيحة، ما ترك في السوق تيساً ولا خروفاً، ذبحها كلها، من أجل هذه البنت وهذا الولد، لماذا؟ لماذا تحدث أزمة على الناس؟ لماذا تضيق على المسلمين في مآكلهم ومشاربهم؟ ثم لما غلقوا الأكل طبعاً مائة وثلاثين ذبيحة كل ذبيحة على أربعة صحون؛ يعني ستمائة صحن أو أكثر، وقسمت في محلات أكل الناس يقول شخص من الذين حضروا: والله بعض الصحون ما عليها إلا واحد، ويقول: ولما انتهى الناس وخرجوا والصحون كثيرة يقول: جاءت (القلابيات) وحملوا اللحم والرز، وكانت (القلابيات) تدوس الصحون -صحون الرز والفواكه والخضروات ويرمى به في النفايات؟ أهذا يرضي الله يا إخوان؟؟ ومن أين هذه كلها؟ من ظهر المسكين، تحسب أنه سوف يدفع أبوه؟! لا.
قد أخذ حقه وهو في الرصيد، لكن ادفع، وإلا والله ما تخرج عليك، ولهذا يقولون: (العرس نزعة ضرس).
صدقوا، لكن عند من لا يقيم هذه الآداب الشرعية، أما المؤمن فلا.
وأخبرني من أثق فيه من المشايخ في الرياض عن رجل صالح، عنده ثلاث بنات رباهن تربية إيمانية وعلمهن، ثم أيضاً توظفن، فقال لهن: هل تردن الزواج الآن؟ قلن: الذي يأتيك يا أبانا هو يأتي لنا، فذهب إلى المسجد وتعرف على ثلاثة شباب في المسجد، واختارهم من المسجد، أخذ واحداً منهم وقال له: تعال! تريد أن تتزوج؟ قال: نعم والله أريد ذلك، قال: أنا عندي بنت تصلح لك، وأنا والله من حبك اخترتك لها، تعال انظر إليها، أخذه معه بعد المغرب وأدخله عليها، قال لها: موافقة؟ قالت: موافقة، وأنت موافق؟ قال: موافق، قال: الخبر عندك انتظر حتى يأتيك مني خبر ثانٍ، وأتى بالثاني في الليلة الثانية، وأتى بالثالث في الليلة الثالثة، انتهى، الثلاثة كلهم وافقوا، ثم قال لكل واحد منهم: تأتيني أنت وأبوك وثلاثة أو أربعة من جماعتك في ليلة الخميس، ووعدهم كلهم في ليلة واحدة، الثلاثة الأزواج في ليلة واحدة، وذبح خروفاً واحداً، وقسمه على صحنين، ودعا أخاه وأولاده وجيرانه، ثم بعد المغرب وإذا بهم يأتون، تجمعوا حوله يمكن ما يتجاوزون (٣٠) نفراً على الذبيحة، وبعد ما تعشوا جاء كاتب العقد وعقد للأول بـ (١٠٠) ريال، وللثاني بـ (١٠٠) ريال، وللثالث بـ (١٠٠) ريال، وأخذ الـ (٣٠٠) ووضعها في جيبه، ثم قالوا له: متى الموعد؟ قال: كل شيء يتم الليلة، يا فلان! أخذ الكبير منهم على الزوجة الكبيرة، قال: نعم.
قال: تفضل قرب سيارتك فزوجتك حاضرة، وذهب ودعا زوجته تركب معه، قال: اذهبوا في الفندق ناموا هناك، وفي الصباح تأتونا لطعام الإفطار، وإن أردتم أن تفطروا في الفندق فتعالوا نتغدى، وقال للثاني مثل ذلك، والثالث مثل ذلك، وذهب، وفي الصباح ما أتوا طبعاً، وأتوا في الظهر يتغدون وكانت حياتهم من أسعد الحياة، ولا تعب ولا أتعب نفسه.
بعض الآباء ما يزوج بنته حتى يمرض من التعب، من حمل الخيام والكراسي، والذبائح، والعزائم والكروت، ثم أخذوا بنته وخلوه لحاله، وتذهب المرأة تلك، بعض النساء تلحق بنتها ويقعد في الليل لوحده، يرتب الأمور التي قد خربوها في هذا الزواج، لا يا أخي الكريم! ما ينبغي هذا كله، المبالغات هذه كلها ما أنزل الله بها من سلطان، وبعضها حرام، جلب المغنيات، والسهر إلى آخر الليل، وإيذاء المسلمين، هذا محرم، أباح الشرع وسيلة من وسائل الإعلان للنكاح وهي الدف، والدف إطار مثل المنخل على وجهه جلد والوجه الثاني فارغ، تضربه الأمة ولا تضربه الحرة، وعلى غير إيقاع، ليس على أنغام ولكن ضربات فقط طخ طخ طخ، من أجل لو سمع الناس هذا الضرب قالوا: ما هذا؟ قالوا: فلان تزوج، ولهذا قال: (أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدف) يعني للإعلان، مثل الجرس عندك في البيت الذي على الباب، أنت وضعت الجرس عندك لماذا؟ للإعلام أن هناك شخصاً يدق عليك، لكن إذا أتى واحد وقام يدق في الجرس بكثرة، تنزل عليه وتقول: تلعب أنت أم تدق جرساً؟ فنفس الشيء، الدف أبيح للإعلان للنكاح وليس للعب والرقص.
حتى قال العلماء: لا تضربه حرة، ولا يرافقه صوت، وإنما ضربات وإذا غنى الجواري الصغار بأبيات من الشعر فلا بأس، مثلما قال النبي ﷺ :
أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم
ولولا الحنطة السمراء لم نسكن بواديكم.
أما الآن عود وكمنجة، وناي ومغنية، وكلام ساقط، وسهرات وأفلام وتسجيل وفيديو، ماذا بقي يا إخوان! أين أمة الإسلام، هذا لا يليق بنا نحن أمة الإسلام يا إخوان! نحن أصحاب رسالة، نحن أصحاب عقيدة، نحن خير أمة أخرجت للناس، فلماذا نتبع ونكون ذليلين، كلما عمل الكفار والغرب نعمل، نحن أمة رائدة، أمة قائدة، الأمم تبع لنا ولسنا ذيولاً للأمم الأخرى.
стр. 491
اعتبار الدراسة والطلب عائقاً في طريق الزواج
ومن العوائق التي جعلها الآباء في سبيل الزواج: عائق الدراسة بالنسبة للشباب وبالنسبة للبنات، الولد يقول: أنا أريد أن أتزوج، قال: والله ما تتزوج حتى تتخرج من الكلية، لماذا؟ قال: تعتمد على نفسك، سبحان الله! ما تريد أن يكون لك فضل على ولدك، حسناً وإذا اعتمد على نفسه وتزوج، ما تريده يطيعك؟ لأنه يعتبرك أجنبي، جعلته يتزوج من حقه، وإذا قلت له: تعال، يقول: اذهب ما أعطيتني شيئاً، أنا الذي زوجت نفسي، لكن عندما تزوج ولدك من حقك؛ لأن هذا الحق الذي ما تريد أن تزوجه منه سيكون له أصلاً إذا مت؟ يأخذه الولد، يقول: يا ليتني تجملت، وبعضهم لا يقول: ﵀، لكن لما تشعر ولدك بأن فضلك لا يزال عليه بأن تزوجه من حقك، فتجعله غصباً عنه يطيع ويبقى حولك؛ لأنه يشعر بأنه محتاج لك، فزوجه منذ أن يطلب الزواج، ولا تجعل الدراسة عائقاً، بل مساعد على الدراسة، الولد لما يدخل الثانوية أو الجامعة يدخل البيت ويجد زوجته أمامه تأتي له بالشاي، وترتب له كتبه، ويأتي يذاكر، ما رأيكم في ذهنه كيف، صافٍ أو مشغول؟ صافٍ (١٠٠%)، يقرأ الحرف فيرسخ كل ما يقرأ ويهضم بسهولة؛ لأن ذهنه موجود، ولكن إذا دخل الغرفة وهي مبعثرة: كتاب هنا، وبراد هناك، وفنجان هنا، وشراب هناك، ومخدة هنا، وإذا دخل يريد يذاكر كيف يذاكر؟ من يوم يريد يذاكر جاء في ذهنه وجاءه الشيطان وسمع صوت، ورأى صورة، انتهى ما عاد يستطيع أن يذاكر، ولهذا أكثرهم فاشلون، وقد أثبتت دراسة أن أكثر الشباب الناجحين والمتفوقين متزوجون، وكذلك البنت لا يمنعها الزواج عن الدراسة، بل الزواج خير معين لها على الدراسة، فعائق الدراسة مرفوض، زوج ولدك وزوج ابنتك بمجرد النضج.
стр. 492
عائق الوظيفة بالنسبة للبنات
وأيضاً عائق آخر: وهو عائق الوظيفة، وهذا عند البنات، فإن الأب إذا توظفت ابنته واستلم راتبها أول شهر وثاني شهر وثالث شهر وذاق طعم المال منها صرف الزواج عنها، لماذا؟ قال: لقد تعبنا عليها، كأنها سيارة يريد أن يكسب قيمتها من ظهرها، لا.
هذه ليست وسيلة كد، وكذلك لا تمارس معها تجارة، فلا يجوز أن تؤخرها بعائق الوظيفة، بل عليك أن تزوجها وتسعدها، ولا تأخذ من راتبها شيئاً، بل تعطيها إذا أغناك الله، وإذا كنت محتاجاً وفقيراً فهي من نفسها لن ترضى أن تستلم راتبها وتتركك، لكن بعض الآباء غني ويقول: حطوا لي من الراتب نصفه، أريد نصف راتب بنتي هنا، لماذا؟ قال: هكذا، فلا يحفظه لها وإنما يضعه لإخوانها، وهذا لا يجوز: (أنت ومالك لأبيك) أي: إذا احتجت أنت إلى شيء من مال ولدك فلا بأس، أما أن تأخذ مال ولدك لتعطي إخوانه، وتضيفه إلى رصيدك من أجل أن يوزع ماله ومالك إذا مت على إخوانه، هذا لا يجوز، ليس لإخوانه حق في ماله، إلا إذا توفي هو وليس له أولاد، فالرجل يريد حقه، وهذه البنت تريد حقها أيضاً، فلا يجوز لك أن تأخذ شيئاً من حقها، إلا إذا كنت محتاجاً أو أردت أن تحفظه لها، بشرط: ألا تضيق عليها؛ لأن بعض الآباء يضيق عليها في حفظ مالها وهي تحتاجه، تقول: أريد حقي يا أبي! ثم إن بعض النساء إذا تزوجت، ووثقت بزوجها، واطمأنت إليه، وصار عندها ذرية وأولاد لا تمسك شيئاً؛ لأنها ماذا تريد بالمال إذا كان أبوها قد أخذ المال، تريد أن تبرهن لزوجها أنها تحبه، وأنها تثق فيه، وأنها لا تدخر مالاً عليه حتى تضمن ولاءه، وتضمن محبته، واستمرار العيش معه؛ لأن بعض الأزواج إذا رأى امرأته لا تعطيه مالاً وراتبها وراء ظهرها، قال: هذه لا تثق بي، وبالتالي لا يكون سعيداً بها حتى يبحث عن أخرى ويتزوج غيرها، فلماذا تنكد على ابنتك أيها الإنسان؟ لا تجعل الوظيفة والراتب عائقاً عن الزواج.
стр. 493
الاشتراطات الخيالية والمثالية
وأيضاً من العوائق التي توجد في الزواج: الاشتراطات الخيالية والمثالية، بعض الشباب إذا أراد أن يتزوج يريد امرأة مفصلة، يقول: لا أقبل أن أتزوج إلا بواحدة طولها كذا وكذا، وعرضها كذا وكذا، ووزنها كذا وكذا، وعيونها كذا وكذا، وشعرها طوله كذا وكذا، عجيب!! اذهب إلى (الورشة) وفصل لك واحدة! من أين نأتي لك بامرأة مفصلة؟! من تظن نفسك؟ بعض الناس تجده يطلب شروطاً خيالية وليست متوفرة فيه، هو نفسه ليس جميلاً ويقول: أطلب واحدة (حدها وردها) لا.
يا أخي الكريم! القضية قضية نسبية، والمسألة مسألة دين وأمانة، فإذا وجدت صاحبة الدين فاظفر بها تربت يداك، وإذا الله رزقك بصاحبة دين وجمال ومال وحسب فهذه حسنة الدنيا وجنة ما قبل الموت، لكن ليس بالضرورة أن تكون فائقة الجمال، من أين نظل نطبع بنات جميلات؟! وكذلك بعض الفتيات تضع اشتراطات خيالية، كلما أتى زوج قالت: أريد واحد (حده ورده) وتضع شروطاً في ذهنها ترتبها طول الحياة، وكلما أتى واحد قالت: لا أريده، لماذا؟ قالت: هذا ليس طويلاً هذا سمين هذا قصير هذا أسمر هذا ليس موظفاً هذا ليس هو جامعي، المهم أتت لها بشروط صرفت بها الخطاب عنها، إلى أن يفوتها سن الزواج، وقطار الزواج ثم تصبح عانساً حتى لو أعلنت عن نفسها فلن يأتيها أحد، وهذا من الاشتراطات الخيالية التي لا ينبغي أن تكون في ذهن الفتاة، ولا في ذهن الشاب، شرط واحد وهو الدين، إذا وجدت صاحب الدين فخذيه؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفسادٌ كبير).
وأنت إذا وجدت صاحبة الدين فخذها لماذا؟ لأن من تزوج امرأة لجمالها أورثه الله قبحها، ومن تزوج امرأة لمالها أورثه الله فقرها، ومن تزوج امرأة لحسبها أورثه الله ذلتها، ومن تزوج امرأة لدينها أورثه الله بركتها.
فهل تريد البركة؟ هل تريد الخير؟ هو مع صاحبة الدين.
стр. 494
العلاقات غير الشرعية
وأيضاً من العوائق التي أقيمت في سبيل الصد عن الزواج: العلاقات غير الشرعية، فبعض الشباب تقول له: تزوج، يقول: لماذا أتزوج؟ الزواج عقدة الزواج مسئولية الزواج يكلفني أن أستأجر بيتاً أو شقة لا نريد الزواج، وإذا أراد قضاء الشهوة فإن استطاع في المجتمع الذي يعيش فه، وإلا فإنه يسافر إلى الخارج ليزني ويسكر والعياذ بالله, ويقع في الجريمة والفاحشة الكبرى، التي يقول فيها النبي ﷺ : (ما عصي الله بذنبٍ بعد الشرك أعظم من نطفة يضعها الرجل في فرجٍ لا يحل له) (من زنى بامرأة في الدنيا كان عليه وعليها في القبر نصف عذاب هذه الأمة) (والذي نفس محمدٍ بيده إن ريح فروج الزناة ليؤذي أهل النار) (والذي نفس محمد بيده إن فروج الزناة لتشتعل ناراً يوم القيامة) وفي حديث البخاري حديث سمرة الطويل، قال: (ثم أتينا على تنور من نار أعلاه ضيق وأسفله واسع، وفيه رجال ونساء عراة يأتيهم لهب من تحتهم، فيرتفعون وينخفضون قلت: من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هؤلاء الزناة والزواني من أمتك) تترك الحلال والزواج وتذهب في الحرام أعوذ بالله، يقول الشاعر:
إذا وقع الذباب على طعامٍ كففت يدي ونفسي تشتهيه
وتجتنب الأسود ورود ماءٍ إذا كان الكلاب ولغن فيه
الأسد إذا أتى وهو يموت عطشاً، ولقي ماء يشرب منه كلب فإنه يذهب ولا يشرب مع الكلب؛ لأنه لو شرب فإنه يصير كلباً، فكيف تذهب في الزنا؟ كيف تقع في هذه الفاحشة؟ ثم بأي وجه تقابل ربك يوم القيامة وقد جاء في الحديث: (يؤتى بالزاني يوم القيامة فيوقف بين يدي الله، فتسقط فروة وجهه بين قدميه خجلاً من الله -يوم الفضيحة- يقول الله له: أزنيت عبدي؟ قال: لا يا رب -لأنه يوم أن زنى لم يكن يوجد أحد، وهو يعرف أنه ما كان يوجد أحد- فيقول الله: ألا يرضيك أن نقيم عشرة شهود؟ قال: بلى يا رب) يعني: أحضر شهوداً، من أين؟ لا يوجد أحد، فتبدأ الشهود من الجوارح وهذا معنى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ [يّس:٦٥] تبدأ الجوارح، العين يقول: أنا للحرام نظرت، والأذن تقول: أنا للحرام سمعت، واللسان تقول: أنا بالحرام نطقت، واليد تقول: وأنا للحرام بطشت، والرجل تقول: وأنا للحرام مشيت، والفخذ تقول: وأنا فعلت، والأرض: وأنا حملت، والفرج يقول: وأنا باشرت، والملائكة تقول: وأنا اطلعت، والله يقول: وأنا سترت.
هذه عشرة أم لا؟ (يا ملائكتي خذوه، ومن عذابي أذيقوه، فقد اشتد غضبي على من قل حياؤه مني) فالعلاقات المنحرفة الغير شرعية تشكل عائقاً: يعتمد عليها بعض المنحرفين -والعياذ بالله- وهذا من أكبر الأخطاء.
стр. 495
ترك القضية والبت فيها لرأي النساء
وأيضاً من العوائق: ترك القضية والبت فيها لرأي النساء، الإنسان لا يلغي أو يصادر رأي امرأته؛ لأن من النساء من عندها رأي مبارك مثل رأي خديجة ﵂؛ لما أخبرها النبي ﷺ بالوحي أول ما نزل، ومثل رأي أم سلمة في غزوة الحديبية لما دخل عليها وهو مغضب قال: (آمر فلا أطاع، فقالت: يا رسول الله! ادع حلاقك واحلق أنت) فلما حلق النبي ﷺ حلق كل الصحابة، فبعض النساء موفقة وفيها خير، وإذا استشرتها أعطتك رأياً طيباً، وبعض النساء لا تستشرها ولا تطعها، أنت شاور، ونحن لا نريد أن تستبد؛ لأن بعض الرجال مستبد، وقراراته استبدادية، ودكتاتورية في البيت، يريد أن يزوج البنت ولا يأخذ رأي أمها، لا.
خذ رأي الأم، فإن كان رأيها طيباً ومبنياً على حيثيات شرعية فخذ به، إن كان رأيها ما له سبب وإنما هو هوى فقل: لا.
أنت مخطئة، ورأيي كذا وكذا، خذ رأي البنت، أما ترك الأمر للمرأة بحيث تكون صاحبة القرار، فتطلب ما تريد من المتقدم فتعجزه وتهدده، فهذه ألبسها الثوب والعقال وتكون هي الرجل وخذ أنت ثوبها، الرجل القوام يأخذ برأي المرأة إذا كان حقاً، لكنه يرفضه إذا كان باطلاً، وإلا أصبحت الحياة الزوجية حياة فوضوية؛ لأنه لا يوجد رجل يتخذ القرار، حتى المرأة نفسها لا ترغب أن تعيش مع رجل ضعيف هزيل يجعل كل شيء بيدها؛ لأنها تحس أنها ناقصة، المرأة لا تحس بالأمن إلا في ظل الرجل العاقل الرجل القوي صاحب القرار، لكن الرجل الهزيل الضعيف يضطرها مسكينة أنها تظل رجلاً، وبالتالي تكون الحياة غير سليمة.
следующие страницы →