Полный текст (2 982 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
اعتبار الدراسة والطلب عائقاً في طريق الزواج
ومن العوائق التي جعلها الآباء في سبيل الزواج: عائق الدراسة بالنسبة للشباب وبالنسبة للبنات، الولد يقول: أنا أريد أن أتزوج، قال: والله ما تتزوج حتى تتخرج من الكلية، لماذا؟ قال: تعتمد على نفسك، سبحان الله! ما تريد أن يكون لك فضل على ولدك، حسناً وإذا اعتمد على نفسه وتزوج، ما تريده يطيعك؟ لأنه يعتبرك أجنبي، جعلته يتزوج من حقه، وإذا قلت له: تعال، يقول: اذهب ما أعطيتني شيئاً، أنا الذي زوجت نفسي، لكن عندما تزوج ولدك من حقك؛ لأن هذا الحق الذي ما تريد أن تزوجه منه سيكون له أصلاً إذا مت؟ يأخذه الولد، يقول: يا ليتني تجملت، وبعضهم لا يقول: ﵀، لكن لما تشعر ولدك بأن فضلك لا يزال عليه بأن تزوجه من حقك، فتجعله غصباً عنه يطيع ويبقى حولك؛ لأنه يشعر بأنه محتاج لك، فزوجه منذ أن يطلب الزواج، ولا تجعل الدراسة عائقاً، بل مساعد على الدراسة، الولد لما يدخل الثانوية أو الجامعة يدخل البيت ويجد زوجته أمامه تأتي له بالشاي، وترتب له كتبه، ويأتي يذاكر، ما رأيكم في ذهنه كيف، صافٍ أو مشغول؟ صافٍ (١٠٠%)، يقرأ الحرف فيرسخ كل ما يقرأ ويهضم بسهولة؛ لأن ذهنه موجود، ولكن إذا دخل الغرفة وهي مبعثرة: كتاب هنا، وبراد هناك، وفنجان هنا، وشراب هناك، ومخدة هنا، وإذا دخل يريد يذاكر كيف يذاكر؟ من يوم يريد يذاكر جاء في ذهنه وجاءه الشيطان وسمع صوت، ورأى صورة، انتهى ما عاد يستطيع أن يذاكر، ولهذا أكثرهم فاشلون، وقد أثبتت دراسة أن أكثر الشباب الناجحين والمتفوقين متزوجون، وكذلك البنت لا يمنعها الزواج عن الدراسة، بل الزواج خير معين لها على الدراسة، فعائق الدراسة مرفوض، زوج ولدك وزوج ابنتك بمجرد النضج.
стр. 492
عائق الوظيفة بالنسبة للبنات
وأيضاً عائق آخر: وهو عائق الوظيفة، وهذا عند البنات، فإن الأب إذا توظفت ابنته واستلم راتبها أول شهر وثاني شهر وثالث شهر وذاق طعم المال منها صرف الزواج عنها، لماذا؟ قال: لقد تعبنا عليها، كأنها سيارة يريد أن يكسب قيمتها من ظهرها، لا.
هذه ليست وسيلة كد، وكذلك لا تمارس معها تجارة، فلا يجوز أن تؤخرها بعائق الوظيفة، بل عليك أن تزوجها وتسعدها، ولا تأخذ من راتبها شيئاً، بل تعطيها إذا أغناك الله، وإذا كنت محتاجاً وفقيراً فهي من نفسها لن ترضى أن تستلم راتبها وتتركك، لكن بعض الآباء غني ويقول: حطوا لي من الراتب نصفه، أريد نصف راتب بنتي هنا، لماذا؟ قال: هكذا، فلا يحفظه لها وإنما يضعه لإخوانها، وهذا لا يجوز: (أنت ومالك لأبيك) أي: إذا احتجت أنت إلى شيء من مال ولدك فلا بأس، أما أن تأخذ مال ولدك لتعطي إخوانه، وتضيفه إلى رصيدك من أجل أن يوزع ماله ومالك إذا مت على إخوانه، هذا لا يجوز، ليس لإخوانه حق في ماله، إلا إذا توفي هو وليس له أولاد، فالرجل يريد حقه، وهذه البنت تريد حقها أيضاً، فلا يجوز لك أن تأخذ شيئاً من حقها، إلا إذا كنت محتاجاً أو أردت أن تحفظه لها، بشرط: ألا تضيق عليها؛ لأن بعض الآباء يضيق عليها في حفظ مالها وهي تحتاجه، تقول: أريد حقي يا أبي! ثم إن بعض النساء إذا تزوجت، ووثقت بزوجها، واطمأنت إليه، وصار عندها ذرية وأولاد لا تمسك شيئاً؛ لأنها ماذا تريد بالمال إذا كان أبوها قد أخذ المال، تريد أن تبرهن لزوجها أنها تحبه، وأنها تثق فيه، وأنها لا تدخر مالاً عليه حتى تضمن ولاءه، وتضمن محبته، واستمرار العيش معه؛ لأن بعض الأزواج إذا رأى امرأته لا تعطيه مالاً وراتبها وراء ظهرها، قال: هذه لا تثق بي، وبالتالي لا يكون سعيداً بها حتى يبحث عن أخرى ويتزوج غيرها، فلماذا تنكد على ابنتك أيها الإنسان؟ لا تجعل الوظيفة والراتب عائقاً عن الزواج.
стр. 493
الاشتراطات الخيالية والمثالية
وأيضاً من العوائق التي توجد في الزواج: الاشتراطات الخيالية والمثالية، بعض الشباب إذا أراد أن يتزوج يريد امرأة مفصلة، يقول: لا أقبل أن أتزوج إلا بواحدة طولها كذا وكذا، وعرضها كذا وكذا، ووزنها كذا وكذا، وعيونها كذا وكذا، وشعرها طوله كذا وكذا، عجيب!! اذهب إلى (الورشة) وفصل لك واحدة! من أين نأتي لك بامرأة مفصلة؟! من تظن نفسك؟ بعض الناس تجده يطلب شروطاً خيالية وليست متوفرة فيه، هو نفسه ليس جميلاً ويقول: أطلب واحدة (حدها وردها) لا.
يا أخي الكريم! القضية قضية نسبية، والمسألة مسألة دين وأمانة، فإذا وجدت صاحبة الدين فاظفر بها تربت يداك، وإذا الله رزقك بصاحبة دين وجمال ومال وحسب فهذه حسنة الدنيا وجنة ما قبل الموت، لكن ليس بالضرورة أن تكون فائقة الجمال، من أين نظل نطبع بنات جميلات؟! وكذلك بعض الفتيات تضع اشتراطات خيالية، كلما أتى زوج قالت: أريد واحد (حده ورده) وتضع شروطاً في ذهنها ترتبها طول الحياة، وكلما أتى واحد قالت: لا أريده، لماذا؟ قالت: هذا ليس طويلاً هذا سمين هذا قصير هذا أسمر هذا ليس موظفاً هذا ليس هو جامعي، المهم أتت لها بشروط صرفت بها الخطاب عنها، إلى أن يفوتها سن الزواج، وقطار الزواج ثم تصبح عانساً حتى لو أعلنت عن نفسها فلن يأتيها أحد، وهذا من الاشتراطات الخيالية التي لا ينبغي أن تكون في ذهن الفتاة، ولا في ذهن الشاب، شرط واحد وهو الدين، إذا وجدت صاحب الدين فخذيه؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفسادٌ كبير).
وأنت إذا وجدت صاحبة الدين فخذها لماذا؟ لأن من تزوج امرأة لجمالها أورثه الله قبحها، ومن تزوج امرأة لمالها أورثه الله فقرها، ومن تزوج امرأة لحسبها أورثه الله ذلتها، ومن تزوج امرأة لدينها أورثه الله بركتها.
فهل تريد البركة؟ هل تريد الخير؟ هو مع صاحبة الدين.
стр. 494
العلاقات غير الشرعية
وأيضاً من العوائق التي أقيمت في سبيل الصد عن الزواج: العلاقات غير الشرعية، فبعض الشباب تقول له: تزوج، يقول: لماذا أتزوج؟ الزواج عقدة الزواج مسئولية الزواج يكلفني أن أستأجر بيتاً أو شقة لا نريد الزواج، وإذا أراد قضاء الشهوة فإن استطاع في المجتمع الذي يعيش فه، وإلا فإنه يسافر إلى الخارج ليزني ويسكر والعياذ بالله, ويقع في الجريمة والفاحشة الكبرى، التي يقول فيها النبي ﷺ : (ما عصي الله بذنبٍ بعد الشرك أعظم من نطفة يضعها الرجل في فرجٍ لا يحل له) (من زنى بامرأة في الدنيا كان عليه وعليها في القبر نصف عذاب هذه الأمة) (والذي نفس محمدٍ بيده إن ريح فروج الزناة ليؤذي أهل النار) (والذي نفس محمد بيده إن فروج الزناة لتشتعل ناراً يوم القيامة) وفي حديث البخاري حديث سمرة الطويل، قال: (ثم أتينا على تنور من نار أعلاه ضيق وأسفله واسع، وفيه رجال ونساء عراة يأتيهم لهب من تحتهم، فيرتفعون وينخفضون قلت: من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هؤلاء الزناة والزواني من أمتك) تترك الحلال والزواج وتذهب في الحرام أعوذ بالله، يقول الشاعر:
إذا وقع الذباب على طعامٍ كففت يدي ونفسي تشتهيه
وتجتنب الأسود ورود ماءٍ إذا كان الكلاب ولغن فيه
الأسد إذا أتى وهو يموت عطشاً، ولقي ماء يشرب منه كلب فإنه يذهب ولا يشرب مع الكلب؛ لأنه لو شرب فإنه يصير كلباً، فكيف تذهب في الزنا؟ كيف تقع في هذه الفاحشة؟ ثم بأي وجه تقابل ربك يوم القيامة وقد جاء في الحديث: (يؤتى بالزاني يوم القيامة فيوقف بين يدي الله، فتسقط فروة وجهه بين قدميه خجلاً من الله -يوم الفضيحة- يقول الله له: أزنيت عبدي؟ قال: لا يا رب -لأنه يوم أن زنى لم يكن يوجد أحد، وهو يعرف أنه ما كان يوجد أحد- فيقول الله: ألا يرضيك أن نقيم عشرة شهود؟ قال: بلى يا رب) يعني: أحضر شهوداً، من أين؟ لا يوجد أحد، فتبدأ الشهود من الجوارح وهذا معنى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ [يّس:٦٥] تبدأ الجوارح، العين يقول: أنا للحرام نظرت، والأذن تقول: أنا للحرام سمعت، واللسان تقول: أنا بالحرام نطقت، واليد تقول: وأنا للحرام بطشت، والرجل تقول: وأنا للحرام مشيت، والفخذ تقول: وأنا فعلت، والأرض: وأنا حملت، والفرج يقول: وأنا باشرت، والملائكة تقول: وأنا اطلعت، والله يقول: وأنا سترت.
هذه عشرة أم لا؟ (يا ملائكتي خذوه، ومن عذابي أذيقوه، فقد اشتد غضبي على من قل حياؤه مني) فالعلاقات المنحرفة الغير شرعية تشكل عائقاً: يعتمد عليها بعض المنحرفين -والعياذ بالله- وهذا من أكبر الأخطاء.
стр. 495
ترك القضية والبت فيها لرأي النساء
وأيضاً من العوائق: ترك القضية والبت فيها لرأي النساء، الإنسان لا يلغي أو يصادر رأي امرأته؛ لأن من النساء من عندها رأي مبارك مثل رأي خديجة ﵂؛ لما أخبرها النبي ﷺ بالوحي أول ما نزل، ومثل رأي أم سلمة في غزوة الحديبية لما دخل عليها وهو مغضب قال: (آمر فلا أطاع، فقالت: يا رسول الله! ادع حلاقك واحلق أنت) فلما حلق النبي ﷺ حلق كل الصحابة، فبعض النساء موفقة وفيها خير، وإذا استشرتها أعطتك رأياً طيباً، وبعض النساء لا تستشرها ولا تطعها، أنت شاور، ونحن لا نريد أن تستبد؛ لأن بعض الرجال مستبد، وقراراته استبدادية، ودكتاتورية في البيت، يريد أن يزوج البنت ولا يأخذ رأي أمها، لا.
خذ رأي الأم، فإن كان رأيها طيباً ومبنياً على حيثيات شرعية فخذ به، إن كان رأيها ما له سبب وإنما هو هوى فقل: لا.
أنت مخطئة، ورأيي كذا وكذا، خذ رأي البنت، أما ترك الأمر للمرأة بحيث تكون صاحبة القرار، فتطلب ما تريد من المتقدم فتعجزه وتهدده، فهذه ألبسها الثوب والعقال وتكون هي الرجل وخذ أنت ثوبها، الرجل القوام يأخذ برأي المرأة إذا كان حقاً، لكنه يرفضه إذا كان باطلاً، وإلا أصبحت الحياة الزوجية حياة فوضوية؛ لأنه لا يوجد رجل يتخذ القرار، حتى المرأة نفسها لا ترغب أن تعيش مع رجل ضعيف هزيل يجعل كل شيء بيدها؛ لأنها تحس أنها ناقصة، المرأة لا تحس بالأمن إلا في ظل الرجل العاقل الرجل القوي صاحب القرار، لكن الرجل الهزيل الضعيف يضطرها مسكينة أنها تظل رجلاً، وبالتالي تكون الحياة غير سليمة.
стр. 496
الحقوق المشتركة بين الزوجين
وبعد هذه العقبات نتكلم عن أهمية العشرة: فإذا تم الزواج بالمعروف فإن الله سبحانه أمر الرجل بحسن العشرة مع المرأة، قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨]، وأوصى النبي ﷺ الرجال في النساء قال: (اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وخيركم خيركم لأهله) وإذا أردت أن تقيم نفسك فالذي يقيمك زوجتك، إن كنت طيباً عندها فأنت طيب عند الناس، وإن كنت سيئاً في البيت فأنت أسوأ عند الناس، والذي ليس فيه خير لزوجته ليس فيه خير للناس.
стр. 497
حقوق الزوج على زوجته
القيام بالحقوق المشتركة، هناك حقوق مشتركة بين الأزواج، فحقوق الرجل: أولاً: خدمة الزوجة لزوجها، هذا حق أوجبه الله عليها.
ثانياً: حق الوطء والاستمتاع، فلا يجوز لها أن تمنعه من هذا الحق، بل لو دعاها وهي على أي وضع لا يجوز لها إلا أن تلبي، إلا أن تكون حائضاً، أو نفساء فلا يجوز لها أن تطيعه في الوطء المباشر، ولكن يجوز له أن يستمتع منها بما دون الفرج، أما لأي ظرف ثانٍ فلا يجوز؛ لأنها إذا منعته من الحق الذي يريده ربما تدفعه إلى أن يبحث عن الحرام، ولهذا قال العلماء: لا يجوز وفي الحديث المتفق عليه: (لا يجوز أن تصوم المرأة وزوجها شاهد إلا بإذنه) يعني صيام النافلة، تريد أن تصوم صيام النافلة فقبل أن تصوم تقول: سوف أصوم غداً، هذا إذا كان موجوداً، فإذا قال: تفضلي فالحمد لله، وإذا قال لا تصومي فلا تصومي، وإذا صمت فإنك آثمة؛ لأن بعض النساء تحب أن تصوم، وكلما دخل يريد زوجته قالت: صائمة هذا اليوم، ثم ماذا؟ أين أذهب أبحث لي عن واحدة ليست صائمة، لا ينبغي.
أيضاً من حقوق الزوج على زوجته حفظه في ثلاثة أشياء: أولاً: في عرضه، فإنها مؤتمنة على العرض، والخيانة الزوجية من أعظم أنواع الخيانات، ومن خانت زوجها ووقعت في جريمة فقد استحقت غضب الله ؛ لأنها خدعته وأدخلت عليه من ليس له، ووطأت فراشه من لا يحل له، وقد تحمل من هذه الخيانة، وقد يكون هذا الولد محسوباً عليه، يأكل مع أولاده، ويصرف عليه، وينسب إليه وهو ليس له، هذه أعظم أنواع الخيانة، فيجب أن تحفظ عرضه، ثانياً: ويجب أن تحفظ ماله، فإنها مؤتمنة على المال، فلا تبذر ولا تسرف ولا تستهلك مال الرجل؛ لأن عند بعض النساء فلسفة مغلوطة، تقول: والله لا أدع له مالاً، وسأدعه فقيراً عمره، لأنه إذا كان لديه مال تزوج عليَّ، بالعكس هذه المسألة مقلوبة، الرجل الذي عنده زوجة تسرف في ماله وتبدد ثروته يرى أنها ليست زوجة صالحة، ويذهب يتزوج، ولو حتى بالدين، لكن الرجل الذي عنده زوجة يشعر بأنها تحفظ ماله، ولا تبذر ولا تسرف يقول: هذه المخلصة، والله ما أكافئها بأن أدق عينها أبداً، بل أبقى أنا وهي حتى نموت، فبعض النساء فهمهن مقلوب، تقول: والله لا أدع له مالاً، فهو يدعك ويخرجك من البيت، فلا تبذري في ماله، ولا تخرجي شيئاً إلا بإذنه، ولا تبالغي في قضية الطلبات؛ لأن هذه توغر صدر الرجل، بعض النساء منذ أن تعرف أن الرجل استلم الراتب أتت إليه، لازم تغير الملابس وتغير الذهب، وتذهب بي وتعود بي لا.
الأمور هذه كلها أمور ثانوية، أهم شيء السعادة الداخلية والسعادة القلبية، ليس الجمال جمال الذهب ولا جمال الملابس، الجمال جمال الدين، وجمال الأخلاق، وجمال التعامل، وجمال الأدب:
إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تقلب عرياناً ولو كان كاسيا
فخير لباس المرء طاعة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصيا
وأيضاً تحفظه في الشيء الثالث: وهو الأولاد، فإن الرجل لا يستطيع أن يشرف باستمرار على الأولاد؛ نظراً لمتطلبات الحياة المطلوبة منه، يطلب منه دوام، يطلب منه عمل، يطلب منه سعي في الأرض إلى الرزق، من الذي يقوم بهذا الدور؟ الأم؟ لا يقوم به إلا الأب أما الأم فلا تستطيع.
وأيضاً عدم الخروج من بيته إلا بإذنه، وعدم إدخال أي أحد إلى بيته إلا بإذنه؛ لأن البيت يعتبر مملكة، صاحب القرار فيه هو الزوج، إذا قال: لا تدخل فلانة، أو آل فلان لا يدخلون، فإذا جاءوا من عند الباب فقولي: والله أنا ممنوعة أن أفتح لك، ولو كان من كان، وأنت لا تخرجي إلا بإذنه؛ لأن من أسوأ ما يكون أن يأتي الرجل إلى بيته فلا يجد امرأته، ويسأل عنها قال: ما أدري، فمن يدري إذا لم تدر أنت، إذا كان الزوج آخر من يعلم عن امرأته، هذا من الضياع والتسيب.
стр. 498
حق الزوجة على زوجها
أما حقوق المرأة على زوجها فكثيرة: أولاً: المعاشرة بالمعروف؛ أن يعاشرها بالمعروف.
ثانياً: الصداق؛ إن الله أمر بإعطائها صداقها.
ثالثاً: النفقة؛ فالزوج مطالب بالنفقة على زوجته، يقول الله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤] فلا بد أن تنفق، وتشمل السكن والكسوة والطعام والشراب وأيضاً حق التعليم، يعلمها أمور دينها؛ لأن بعض الأزواج يظن أن مسئوليته في حدود الماديات، ولا يشعر بمسئوليته تجاه هذه المرأة في تعليمها أمر دينها، كإحضارها إلى المحاضرات، وشراء الكتاب الإسلامي، وإعطائها الشريط الإسلامي، وإدخالها مدارس القرآن، وإحضارها إلى مجالس الذكر التي للنساء، هذا كله من حقوقها؛ لأن هذا يسهل عليك إصلاحها، ويعينك على تربيتها، وأيضاً يجعلها صالحة لك؛ لأنها إذا عرفت حق الله وحقك قامت به، وبالتالي تستقيم الحياة الزوجية.
стр. 499
أسباب المشكلات الزوجية
هناك مشاكل تحصل في البيوت بين الأزواج وبين الزوجات ولها أسباب:
стр. 500
السبب الأول: الجهل
وأعظم أسبابها: الجهل؛ رجل جاهل بحكم الشرع في التعامل، وهي أيضاً جاهلة فيحصل نتيجة الجهل المشاكل الكثيرة، ولو عرف كل إنسان الحقوق التي له والتي عليه، وقام بالتي عليه وطلب التي له لاستقامت الحياة.
стр. 501
السبب الثاني: سوء التصرف
ثانياً: سوء التصرف؛ فقد يتصرف الرجل تصرفاً أهوج أو أحمق، ويؤدي هذا إلى مشاكل وتتصاعد حتى تؤدي إلى الطلاق، ولو أنه تصرف تصرفاً عاقلاً وهادئاً وموزوناً لم يحصل شيء، كذلك بعض النساء تتصرف تصرفات سيئة تثير زوجها، تراه في حالات الغضب فتتكلم معه، لا.
إذا كان في حالات الغضب فاسكتي، بعضهم يكون غاضباً جداً فيقول: اسكتي وإلا طلقتك، قالت: طلقني، قال: اذهبي، ثم تعود لتستفتي، كثير من النساء الآن يستفتين تقول: طلقني زوجي - لماذا؟ - قالت: قلتُ: طلقني! - قلت: قد أعطاك ما كنت تطلبين.
- قالت: أريد أن أعود فعندي أولاد.
قلت: لماذا تطلبين الطلاق إذاً؟! هذا من سوء التصرف، لا.
بل مفروض على المرأة إذا رأت زوجها غاضباً أن تسكت إلى أن يهدأ؛ لأن الغضب من الشيطان، وإذا رأته يريد أن يتكلم تحط يدها على فمه تمنعه؛ لأن المتضرر بالطلاق هو المرأة، فهو تدمير لحياتها تشتيت لشملها وأسرتها طرد لها من مملكتها، تذهب إلى بيت أبيها ثم تصبح هناك خادمة في البيت، فتصبح مطلقة مرفوضة في المجتمع لا أحد يريدها، فلماذا تسعى الواحدة إلى هذا الأمر، وتسعى إلى حتفها بظلفها وبلسانها، فسوء التصرف دائماً سبب من أسباب المشاكل الزوجية.
стр. 502
السبب الثالث: التعالي والتعاظم
وأيضاً التعالي والتعاظم؛ بعض الرجال يشعر بأنفة وعظمة أمام زوجته، وبعض النساء كذلك تشعر بعظمة أمام زوجها خصوصاً إذا كانت أعلى منه مؤهلاً، أو أكثر راتباً، أو أجمل شكلاً، أو أعلى نسباً، تشعر بأنها أفضل منه، لا.
لا ينبغي أن يشعر أحد بأنه أفضل من الآخر، بل لا بد من التواضع والتراحم والمودة والرحمة كما ذكر الله .
стр. 503
السبب الرابع: سهر الزوج خارج البيت
وأيضاً من المشاكل الزوجية: سهر الرجل خارج البيت، وهذا من أعظم ما يؤلم المرأة، فإن المرأة تحتاج إلى من يسمر معها في بيتها ويؤنسها، وأكثر الرجال يضيع هذا الحق، فيقضي الليل من بعد المغرب إلى الفجر في البلوت وفي الورق، وزوجته مسكينة هناك، يضعها أمام خيارات صعبة، إما أن تعيش محرومة منه، أو أن تضطر أن تسهر على الحرام، مثلما سهر هو مع الزملاء، فتبحث لها عن زملاء!! لا.
يا أخي الكريم! تزوجت فاترك السهرات، واجعل سهراتك مع امرأتك، ومع أولادك، إذا دعاك زملاؤك لتلعب فقل: لا.
ما عندي لعب، عندي عمل ثانٍ؛ لأن السهر خارج المنزل منكر عظيم يؤدي إلى فضائح وإلى فجائع.
стр. 504
السبب الخامس: سوء الظن
وأيضاً من المشاكل: سوء الظن، رجل يسيء الظن بزوجته، وهي تسيء الظن به، وإذا نزعت الثقة من الزوجين فشلت الحياة الزوجية، يجب أن تبنى على الثقة بحيث يشعر زوجك أنك موثوقة، لا يجرب عليك كذبة ولا خيانة، حاولي أن تزرعي الثقة في قلبه، فزرعها يحتاج إلى وقت، لكن هدمها سهل، وكذلك أنت ازرع الثقة في قلبها، لا تجعل مكالمات تأتيك تخليها تسيء الظن، وأنت راجع بالسيارة سترى امرأة -مثلاً- فلا تلفت إليها؛ لأنها تسيء الظن بك، وتغضب الله ، فراقب الله تعالى؛ لأنه كما أنت تريد أن عينها عليك وحدك، هي أيضاً تريد أن تبقى عينك عليها فقط، ولا يجوز لك أن تمدها إلى الحرام.
стр. 505
السبب السادس: التدخل السيء للأقارب
وأيضاً من المشاكل الزوجية ما يكون سببها: تدخل الأقارب الأم والأب أم الولد أو أبوه أم البنت أو أبوها، يتدخلون من أجل الحل فيزيدونها تصعيداً؛ لأن الأم حين تشكو إليها تقول: والله ضربني وقال لي وقال لي، قالت: أبوه هذا، والبنت ليست صادقة، البنت تعرف أنها إذا ذهبت البيت راح الضرب وراح الغضب وسمروا ورقدوا وانتهت، لكن تلك الأم يبقى الغضب في صدرها، فلا يجوز للبنت أن تشكي إلى أمها ولا إلى والدها، ولا يجوز للابن أن يشكو إلى أمه، وما به من زوجته، اجعل المشاكل بينكما فقط، وأي مشكلة تحصل بين الزوجين إذا خرجت من إطار الزوجين اشتعلت، لكن ما دام أنها داخل هذا الإطار لو ظل أسبوعاً غضبان وهي غضبانة فبعد الأسبوع ماذا يحدث؟ يتراضيا وتنتهي المشكلة، لكن إذا علمت أمها، تظل غاضبة سنتين، فلا تخبريها أبداً، ليس هناك داعٍ لبث المشاكل إلى خارج الأسرة.
стр. 506
علاج المشكلات الزوجية
يخطئ بعض الناس حين يتصور أنه ليس من حل للمشاكل إلا الطلاق، فما أن تحصل أي مشكلة بسيطة إلا ويقفز رأساً إلى الطلاق، هذا خطأ، هناك حلول شرعية: أول حل: الوعظ والتعليم، وهذا يستغرق وقتاً طويلاً.
ثانياً: الهجر في المنام، لو أتيت لتنام فتوليها ظهرك أو تنام في غرفة ثانية، ليس الهجر في المعاملة، لازم تسلم عليها إذا دخلت.
ثالثاً: إذا ما نفع الهجر فالضرب الغير مبرح، وليس هذا من شأن الرجل الناجح في الحياة الزوجية بل جعله النبي ﷺ قدحاً في الرجل، لما جاءت فاطمة بنت قيس تستشير النبي ﷺ في أن تتزوج قال: (أما فلان فصعلوك) ليس معه شيء، (وأما فلان فضراب للنساء) ليس عنده تفاهم إلا بالعصا، كلما قالت شيئاً ضربها بالعصا، هذا لا يصلح؛ لأن بعض الأزواج فاشل لا يعرف أن يتفاهم إلا بالعصا.
شخص كان لديه عصاً معلقة في البيت سماها (ستر الله) وأي مشكلة يضربها بها حتى يكسر لها عظامها، ثم تذهب لتشتكي، فإذا أتوا إليه قال: ما بيني وبين أهلي شيء، والله ما بيني وبينهم إلا ستر الله، يعني ما بينه وبينهم إلا العصا.
هذا ليس فيه خير، الذي يضرب زوجته ويتعامل معها على أنها دابة كلما حدث شيء انتهرها وضربها هذا لا خير فيه، والرسول ﷺ لم يضرب زوجة له، بل الرجل الفاضل هو الذي يكرم هذه الزوجة، ولكن أحياناً وفي ظروف ضيقة قد يسوء خلق الزوجة، أو تنشز عليه، لكن ليست كل زوجة، وليس في كل حال، وإنما علاج لمرض نادرٍ قد لا يحصل، ثم إذا ما نفع حتى الضرب بعث حكمين من أهله وأهلها لبحث المشاكل، ثم إذا لم يوجد فائدة فالطلاق لكن بآدابه، أولاً طلقة واحدة، ثم في طهر لم يأتها فيه، لا يطلقها وهي حائض، ولا في طهر قد جامعها فيه؛ فذلك طلاق بدعي، وصاحبه آثم وهو يقع، ثم يطلق مرة؛ لأنه قد يطلق مرة واحدة وتذهب إلى البيت ويتألم وإذا به يردها، لكن أن يجمع الثلاث سواء، هذا من الأخطاء.
هذه أيها الإخوة! آداب الحياة الزوجية وما يتعلق بالمشاكل والحلول التي لها.
стр. 507
أخطاء شائعة تقع في الزواج
وهناك أخطاء شائعة تقع في الزواج نعرض لها باختصار:
стр. 508
تأخير الزواج بالنسبة للرجل أو المرأة
أول خطأ: تأخير الزواج سواء للابن أو للبنت، ومعاتبة من يسارع في تزويج بنته، عندك بنت بلغت خمس عشرة سنة أي: فقد نضجت، والثمرة تقطف عند النضج، وعلامة نضج البنت أنها بلغت، إذا حاضت، أو بلغت خمس عشرة سنة، وجاء خاطب فلماذا ترفض؟ زوجها لكي تطمئن نفسك، ولتشعرها بالمسئولية، والبنت في بيت أهلها ستظل صغيرة ولو بلغ عمرها أربعين سنة، ما تشعر بمسئولية، لكن زوجها وعمرها تسع سنوات أو عشر سنوات وتعال لها في اليوم الثاني تجدها عاقلة عقلها مثل الجبل، لماذا؟ أدركت أنها زوجة، وأن لها زوجاً، وأن لها مصلحة، ولذلك ترى بعض البنات في بيتها الآن لا تعرف إعداد الشاي، لكن دعها مع زوجها وتعال بعد شهر تجدها تطبخ لك جملاً، لماذا؟ امرأة، ويأتي زوجها ويقول: أنا عندي ضيوف اطبخي اعملي، هناك تقول لأمها: لا أدري اطبخي أو دعي الخادمة تطبخه، لكن هنا لا يوجد خادمة، اطبخيه أنت، فتضطر لأن تطبخ.
стр. 509
تزويج البنات بغير الأكفاء والعكس
ومن الأخطاء: تزويج البنات بغير الأكفاء، فلا يبحث عن الكفاءة الدينية، أو تزويج الأولاد بغير الأكفاء من البنات، أو الاكتفاء بسمعة البيت، يعني: ولد -مثلاً- جاء من بيت صالح، لا ينبغي أن ننخدع بالبيت وصلاحه، بل لا بد أن نضم إلى صلاح البيت صلاح الولد، فقد يكون الولد فاسداً والبيت صالحاً، والذي سيتزوج هو الولد، لا أسرته، أو قد تأتي تخطب من بيت سمعة البنات فيه طيبة؛ لكن هذه البنت سمعتها سيئة، فلا ينبغي أن تغتر بهذا.
стр. 510
عدم الاستشارة والاستخارة
عدم الاستشارة، بعض الآباء لا يستشير، وبعض الأبناء لا يستشير، أو قد يستشير من ليس أهلاً.
إياك أن تترك الاستخارة، الاستخارة مطلوبة، إذا هممت بأمر فتوضأ وصل ركعتين، ثم قل قبل السلام كما يرجح شيخ الإسلام ابن تيمية: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، اللهم إن كنت تعلم أن في زواجي من هذه المرأة خيراً لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره وأعني عليه، وإن كنت تعلم أن فيه شراً لي في ديني أو دنياي أو عاجل أمري أو آجله فاصرفه عني واصرفني عنه واكتب لي الخير حيث كان ثم رضني به) ثم ماذا تعمل بعد الاستخارة؟ لا كما يصنع بعض الجهلة والمغفلين والمبتدعة، يقول: أنا سوف أرقد بعد الاستخارة فإن رأيت حلماً جميلاً أقدمت، وإن رأيت حلماً سيئاً تركت، نقول له: أمات الشيطان أم أنه موجود؟ قد يعلم الشيطان بما استرق من السمع أن زواجك من هذه المرأة فيه خير، فيسوي لك رؤية سيئة لكي تترك الزواج، فالاستخارة أن تفوض أمرك إلى الله، وتذهب تخطب عند أهل هذه البنت، فإذا يسر الله الأمر فمعنى هذا أن الله اختارها لك، وإذا تعقد الأمر معنى هذا أن الله صرفها عنك، أما أن تنام على شقك الأيمن وإن رأيت رؤيا حسنة أو تضع يدك على قلبك إذا كان دق قلبك قوياً أو غير ذلك فالله ما اختاره إن كان وإن كان هذه كلها خرافات ما أنزل الله بها من سلطان.
стр. 511
الحرج من عرض البنت على الكفء
وهناك خطأ أيضاً: وهو الحرج من عرض المولية على الكفء، بعض الناس عنده بنت، ويريدها أن تتزوج، ورأى شخصاً طيباً، لكن يقول: أذهب أدلها عليه؟! فيأتيه حرج، وليس فيه حرج، إذا رضيت بشخص في دينه فلا مانع أن تقول له: تعال، وأيضاً ذاك يجب أن يكرم هذه البنت لا يذهب ويقول: إن هذا عرضها عليَّ؛ لأن بعض الناس لئيم، إذا أكرمته وأعطيته ابنتك قال: والله لو أنك ما أتيت بها ما أخذتها، لا.
أكرمها لأنه عرضها، وإن تعرض فقد عرضها من هو أفضل منك، وهو عمر ﵁، عرض حفصة على عثمان وعلى أبي بكر، ثم خطبها النبي ﷺ فأصبحت أماً للمؤمنين ﵂ وأرضاها.
стр. 512
نكاح الشغار
ومن الأخطاء في الزواج: نكاح الشغار وهو أن يقول: ما أزوجك ابنتي إلا إذا زوجتني بابنتك، أو ما أزوجك أختي إلا إذا زوجتني بأختك، هذا نكاح باطل، وهو محرم.
стр. 513
نكاح التحليل
وأيضاً نكاح التحليل، أن يطلق رجل امرأة ثلاثاً بائناً، ثم يريدها فيتفق هو وإياها على أن يحلها له رجل، فيذهب إلى رجل يقول: تعال، أريدك أن تصنع معروفاً، لقد طلقت زوجتي فلانة، وعندي أولاد وأنا أريدها وهي تريدني لكن اللسان والشيطان، أنا سأعطيك مبلغاً وأريدك أن تعقد عليها ثم تفكها ولا تدخل بها ثم أنا أتزوجها، هذا اسمه نكاح التحليل: (لعن الله المحلل) وسماه الرسول (التيس المستعار) لأنه استعير لفترة مؤقتة، لابد أن يكون نكاح رغبة، ويذوق عسيلتها وتذوق عسيلته، ومن دون تواطؤ بينه وبين هذا الزوج، أما إذا وجد تواطؤ صار النكاح باطلاً، والذي يحصل بعده أيضاً باطل.
стр. 514
الحرج من رؤية المخطوبة
وهناك من الأخطاء: الحرج من رؤية المخطوبة، بعض الآباء يقول: لا أدعه ينظر إلى ابنتي؟ أهي سيارة حتى يكشف عليها؟ نقول: إذا تحرجت من هذا فقد خالفت السنة الزواج في نظر الشرع بناء، والبناء لا يبنى إلا على أساس، وأساس البناء القناعة، كيف تريده أن يتزوج امرأة لا يعرفها، فلا بد أن يراها وتراه، في حدود المباح شرعاً بوجود المحرم، ويرى منها بعض ما يدعوه إلى نكاحها.
وعلى النقيض من ذلك هناك من يسمح بأن يرى كل شيء من البنت، في بعض المجتمعات يقول: أنا أتزوجها حتى أدرس نفسيتها، وأدرس أخلاقها، وأحللها (أدخلها المختبر) وأرى عناصرها، ثم بعد ذلك يعمل كل شيء، فإذا رأى كل شيء طلقها قال: هذه سوف تروح مع غيري، وهذا كله غلط، والصحيح ألا يعرف الزوج عن الزوجة شيئاً إلا بالسؤال، ثم يراها إذا تحقق أنه سوف يتزوجها، فإن رأى ما يعجبه أقدم، وإن رأى ما يكره كتم، لا يذهب ليخبر الناس يقولون له: ماذا فيها؟ قال: والله ليست جميلة، والله طويلة، والله سمينة، لا.
أنت نظرت إليها بأمر الشرع فلا تهتك عرضها وعرض وليها، إذا سئلت: لماذا ما تزوجت؟ تقول: النصيب ما حصل نصيب، وقل: فيها خير وفيها بركة.
لماذا؟ لتحفظ لها مكانتها ولوليها أيضاً مكانته.
стр. 515
دبلة الخطوبة من الأخطاء الشائعة
هذه بعض الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس، ومن ضمن ذلك الدبلة التي شاعت الآن، والشبكة، وإدخال الدبلة في يدها، وهي تدخلها في يده، هذه كلها تصورات جاهلية وأفكار نصرانية، هذه الدبلة من عادات النصارى؛ لأنه ليس عندهم عقد شرعي، عندهم الخاتم، إذا أدخله صارت زوجته، وإذا نزعه انحل الزواج، الخاتم هذا لا تدخله في يدك أعطها خاتماً أو خواتم وهي تدخله بنفسها وتستخدمها، إنما تلبسك وتلبسها وتشبكك وتشبكها هذا كله كلام ليس له أساس وغير مشروع في شريعة الله .
أسأل الله أن يرزقنا الزوجات الصالحات، وأن يعيننا على تزويج بناتنا وأبنائنا، وأن يديم علينا في هذه البلاد المباركة أمننا ونعمتنا وديننا واستقرارنا، وأن يوفق ولاة أمورنا وعلماءنا ودعاتنا وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.
стр. 516
الأسئلة
стр. 517
حكم التصوير
السؤال
مجموعة من الأسئلة تسأل عن مسألة تصوير المحاضرات، بعضها تسأل وبعضها تستنكر؟
الجواب
لقد ذكرت هذا في محاضرة سابقة، وقلت: إن مسألة التصوير مسألة خلافية، إذا كان التصوير بالآلة، أما إذا كان التصوير باليد فبإجماع العلماء أنه محرم، وورد فيه أدلة كثيرة، أكثر من عشرة أحاديث (لعن الله المصورين يؤخذون على شفير جهنم فيؤمرون بنفخ الروح أو يلقون في النار) هذه أحاديث كثيرة، هذا إذا كان الإنسان يأخذ القلم والريشة ويصور؛ لأنه يبدع، وينشئ، ولهذا من أسماء الله الحسنى ماذا؟ المصور ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:٢٤]، ويقول: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر:٦٤] يعني ماذا؟ يعني خلقكم أبدعكم ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران:٦] ، فإذا كان التصوير باليد فإنه مجمع على حرمته، وإذا كان التصوير بالآلة فهنا الخلاف على ثلاثة أقوال: - القول الأول: ليس حراماً، لماذا؟ قالوا: لأنه ليس تصويراً، وإنما ظل انعكس عن طريق العدسة، مثل إذا وقفت أمام المرآة ورأيت ظلك هل أنت مصور؟ لا.
ظلك جاء في المرآة، وكذلك العدسة، ظلك انعكس فيها، لكن الفرق بين عدسة الكاميرا وبين المرآة أن الكاميرا تثبت الظل، والمرآة لا تثبته؛ فالمصور لا يستطيع أن يكبر عينك، ولا يصغر خشمك، ولا يوسع فمك، ولا يطول رأسك، الخلقة التي خلقك الله عليها ينقلها، فهو ما صور بل ثبت الظل فقط، هذا القول الأول.
-القول الثاني: قالوا: لا.
هو المصور؛ لأنه هو الذي يضبط الكاميرا، وهو الذي يحدد المسافة، وهو الذي يضغط الزر، وهو الذي يطبع، وهو الذي يحمض، فيشمله الوعيد.
- القول الراجح وهو وسط بين القولين.
قالوا: الصورة تبقى على الأصل في حرمتها، إلا ما تدعو له الضرورة، فما تدعو له الضرورة فهو مباح، أي ضرورة؟ قالوا: الضرورة أولاً الأمنية، الآن لولا الصورة الموجودة في حفيظتك وفي جوازك ما عرف التمييز بين الناس، هذه ضرورة أمنية وكذلك الضرورة الاجتماعية والضرورة الدعوية، مثل هذه المحاضرة هذه المحاضرة سجلت وستبقى مسجلة يستفيد منها آلاف البشر، بل ملايين البشر، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأنا كنت في الحقيقة متردد في قضية تصوير المحاضرات إلى أن سافرت في العام الماضي إلى السويد، والدنمارك، والنرويج، ورأيت إخواننا هناك، وكنت أظن أنه لا يوجد مسلمون إلا في المملكة العربية السعودية، يوجد في العالم ألف مليون مسلم، في المملكة فقط خمسة عشر أو ستة عشر مليون، والباقي تسعمائة وخمسة وثمانون مليوناً في بقية العالم، وعندما جئت وإذا هناك مساكين يفتقرون إلى العلم، يقولون: لا يوجد عندنا علماء، قلت: كيف تتعلمون؟ وإذا بالأشرطة كلها موجودة، ويقولون: نحن نحضر محاضرة، كل ليلة محاضرة مع عالم، من أين العالم؟ قالوا: أكثرهم من السعودية ومن الكويت ومن مصر ومن الأردن، وإذا بالأشرطة، العلماء موجودون، قالوا: أنتم لا تأتونا لكن يأتينا من العلماء غيركم، يأتي العالم في شريط لا يأكل ولا يشرب، ولا يحجز تذكرة، ولا عشاء ولا شيء إلا يتكلم، وإذا أكمل أغلقوه، هذه نعمة أم لا؟ فلماذا بعض الناس يقول: لا.
لا نريد، هذه صورة، اسأل هذا المتعصب فتش جيبه في صورة؟ طبعاً من الذي ما في جيبه صورة الآن، كل واحد في جيبه ريال، أو خمسة أو عشرة أو خمسون، لماذا هنا حلال؛ لأنها قروش! وإذا هي للدعوة حرام، نحله عاماً ونحرمه عاماً، أنا أرى أن ضرورة الدعوة أهم من كل ضرورة؛ لأن هذا دين الله، والأمة والحمد لله تشهد صحوة، والعودة إلى الإسلام ليست في بلاد المسلمين فقط بل في بلاد الكفار، والعلماء لا يمكن أن يصلوا إلى كل مكان، لكن يمكن للشريط أن يذهب إلى كل مكان.
أما الصور الأخرى أيها الإخوة! الصور المحرمة صور الغرام وصور النساء وصور الفتن، هذه تبقى على أصلها وهي محرمة، لكن صورة مفيدة وفيها مصلحة للمسلمين، وفيها علم ينقل، لا شك أن ذلك إن شاء الله مباح بل هو أمر مطلوب، وأسأل الله لي ولكم التوفيق.
стр. 518
ما يجب على من عدد الزوجات
السؤال
يقول: أرجو ألا تميل علينا أيها الشيخ! فنحن أكثرنا متزوجون بأكثر من واحدة؟
الجواب
ما نميل عليك يا أخي الكريم! ولكن نقول لك: اتق الله واعدل، فإن الرجل إذا عدد لزمه العدل، فإذا عدل ارتاحت المرأة، أكثر النساء يشتكين من التعدد؛ لأن زوجها لا يعدل، الخطأ ليس في التشريع، الخطأ في التطبيق، ولو أن الرجال إذا تزوجوا عدلوا لاستقامت الحياة، لكن المرأة تكره الظلم، وحينما يعيش زوجها معها فترة ثم يضيعها ويأخذ له زوجة جديدة ويذهب يجلس عندها ويهمل الأولى، فلا يصرف عليها، ولا يسمر معها، ولا يعدل معها، ولا يراعيها، ويجلس هناك، المرأة تكره الظلم، وبالتالي تصيح وتقول: التعدد ليس مرضياً، لكن لو أنه عدل وقام بواجب المرأة الأولى ولم ينكر فضلها لدعى النساء إلى التعدد، بل بعض النساء يتصلون بالتلفون ويقولون: الله أكبر! ما أعظم التعدد، قلت: كيف؟ قالت: الرجل مسئولية وقيامي بخدمته وواجبي نحوه كبير، وما دام وجدت امرأة ثانية تساعدني بهذا الواجب تساعدني عليه تقول: ليلة وهو عندي أهتم به، وأطبخ له عشاء، وأهتم بنظافتي له، ورائحة بيتي، وتربية أولادي، تقول: والليلة الثانية آخذها إجازة ثم أرتاح، فهذا فضل من الله ، فمسألة التعدد ليست خطأً في الشرع؛ لأن الذي شرع التعدد هو الله والله يقول في حديث قدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً) أيمكن أن يحرم الله الظلم ثم يبيح التعدد وفيه ظلم؟ لا.
التعدد ليس فيه ظلم من حيث التشريع، ربما يكون فيه ظلم من حيث إساءة التطبيق، أما إذا عدلت مع زوجتك وأعطيتها حقها كاملاً فإنك تعيش في أمن؛ لأن الذي خلقها هو الله، وهو أعلم أن هذا لا يضرها: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] سبحانه جلت قدرته، ونحن لا ندعو إلى التعدد، لكننا نقول بأنه شريعة، وإلا الرجل الذي يرزقه الله بزوجة صالحة يحبها وتحبه، ودود ولود، تفي بمتطلباته وتحقق كل أغراضه ويعيش في راحة وسعادة، يحمد الله عليها؛ لأن الله يقول: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء:٣].
ذاك الرجل الآخر عنده ظروف، بعض الناس بمجرد أن يسمع أن فلاناً تزوج يغضب رأساً، خاصة النساء، ويدعون عليه، لو يتزوج واحد في المغرب قالوا: الله يكسره لماذا يتزوج؟ حسناً وما يدريكم ما هي ظروفه؟ وما يدريكم ما هي أحواله؟ وما يدريكم ما هي معاناته مع زوجته؟! ما يتزوج أحد إلا من حاجة، فلماذا نتدخل في خصوصيات الناس؟ فنسأل الله الصلاح، وللزوجات صلاح أزواجهن، واستقامة حياتهن، وتربيتهن وأولادهن، والرضا بشريعة الله .
والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 519
من وحي رمضان
إن لشهر رمضان المبارك مكانة عظيمة في نفوس المسلمين، ولكن ما هي الغاية من مشروعية صيام شهر رمضان، ومن قيامه؟ الغاية من صيام شهر رمضان هي التقوى واستكمال العبودية لله ، فهو بمثابة المحطة التي يتزود فيها العبد المؤمن من الأعمال الصالحة التي تعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة، فعلينا أن نستغل رمضان استغلالاً جيداً، وألا نضيعه بالسهر في الليل على المحرمات، وبالنوم في النهار، وعدم حضور الصلوات مع الجماعات في المساجد.
стр. 520
أهمية رمضان وفضل العبادة فيه
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
مرحباً بكم -أيها الإخوة- في هذه الليلة النورانية، التي اجتمعت فيها الأنوار من كل جانب؛ أنوار الصيام، وأنوار التراويح والقيام، وأنوار القنوت والبكاء من خشية الملك الديان، وأنوار القرآن، وأنوار بيوت الرحمن: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٣٥].
اللهم اجعل لنا من هذا النور أوفر الحظ والنصيب، واجعل لنا من هذا النور نوراً في قلوبنا، ونوراً في أبصارنا، ونوراً في أسماعنا، ونوراً في ألسنتنا، ونوراً عن أيماننا وعن شمائلنا، ومن أمامنا ومن خلفنا، ومن فوقنا ومن تحتنا، اللهم أعظم لنا نوراً واجعل النور بين أيدينا مع الذين قلت فيهم: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الحديد:١٢] اللهم اجعل لنا هذا النور في الدنيا والآخرة.
أيها الإخوة: هذه الأنوار لها دلائل وعليها براهين، ستبقى صلاتنا وتراويحنا وقيامنا وتلاوتنا بل وحتى بكاؤنا ستبقى عرائس من الزهور، حتى إذا أكدناها وصدقناها بأعمالنا وتصرفاتنا دبت فيها الأنوار؛ لأن من الناس من يقول: أنا أحضر إلى المسجد ولا أبكي، نقول له: كيف أنت إذا نظرت إلى الحرام؟ هل تغض بصرك؟! كيف أنت إذا استمعت إلى الحرام؟ هل تصون سمعك؟! كيف أنت إذا سمعت الناس يخوضون؟ هل تكف لسانك؟! كيف أنت مع الزنا؟! كيف أنت مع اللواط؟! كيف أنت مع الغناء؟! كيف أنت مع الربا؟! كيف أنت مع كل المحرمات؟! كيف أنت مع الطاعات؟! فإن كان كما يرضي الله على الهدي الصحيح؛ على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كان هو المؤمن الحق، أما إذا بكى هنا، فإذا لاحت له معصية وقع فيها، يبارز الله بالعظائم، ويستخفي من الناس، ولا يستخفي من الله فهذا يقول الله فيه وفي أمثاله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] عمل أجوف لا روح فيه، صورة شكل لا معنى لها، إن الحقيقة هي في السلوك، والعمل، والتطبيق، والمراقبة، والخشية، والشعور بالمراقبة الربانية لك -أيها المؤمن- في الليل والنهار، في السر والجهار، وقد ذكر أئمة الحديث حديثاً صحيحاً عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤتى بأقوامٍ يوم القيامة لهم حسنات كأمثال جبال تهامة فيقول الله لها: صيري هباءً فقال الصحابة: لم يا رسول الله؟! قال: كانوا إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها) هذه مشكلتهم؛ أنهم في الخلوة يجترئون على معصية الله، وبين الناس ربما يتظاهرون بخشية الله، وهي علامة النور الصوري؛ لأنه ينفع مع الناس، ولكنه مع الله ينطفئ، أما النور الحقيقي فإنه مع الناس ومع الله يزداد، إذا لم يكن هناك أحد يراك إلا الله فإنك تشعر بعظم المراقبة.
وإذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
إذا غابت عنك أعين الناس فإن عين الله لا تغيب عنك أبداً: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢].
أيها الإخوة في الله: هذه الأنوار وهذه الليالي الرمضانية الإيمانية، ما أعظم وما أجمل أن يقضيها المؤمن في رحاب الله، ومع كلام الله، ومع سنة رسول الله ﷺ ! وشهر رمضان شهر الذكريات، شهر المعاني والإيحاءات، شهر الخيرات والبركات، شهر الفوز والمكرمات، يفرح به المؤمن، ويتمنى لو كان الزمان كله رمضان، يفرح حين مقدمه، ويعيش أعظم ساعاته في شهر رمضان، ثم إذا ولى رمضان يبكي عليه حزناً وشوقاً، فقد كان السلف يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، فإذا انتهى رمضان دعوا الله ستة أشهر أن يتقبل منهم ما عملوه من حسنات في رمضان.
رمضان
أيا شهر الصيام فدتك نفسي تمهل بالرحيل والانتقال
فلا أدري إذا ما عدت يوماً على هذي الحياة بخير حال
أتلقاني مع الأحياء حياً أو انك تلقني في اللحد بالِ
رمضان
يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجبٍ حتى عصى ربه في شهر شعبان
ها قد أظلك شهر الصوم بعدهما فلا تصيره أيضاً شهر عصيان
اتلُ الكتاب وسبح فيه مجتهداً فإنه شهر تسبيحٍ وقرآن
كم كنت تعرف ممَّن صام من سلفٍ من خير أهلٍ وجيرانٍ وإخوان
أفناهم الموت واستبقاك بعدهم حياً فما أقرب القاصي من الداني
ومعجب بثياب العيد يقطعها فأصبحت في غدٍ أثواب أكفان
حتى متى يعمر الإنسان مسكنه مصير مسكنه قبر لإنسانِ
هذا الشهر الكريم من أجلِّ العبادات ومن أزكى القربات، فرضه الله بصيغة الكتابة، ثلاثة أشياء في القرآن والأوامر الربانية جاءت بصيغة الكتابة، وكأنها صكوك ربانية لا تقبل النسخ، ولا التبديل، ولا الاستثناء؛ ثلاثة أمور صعبة على النفس: الأمر الأول: الصيام: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣].
الأمر الثاني: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة:١٧٨].
الأمر الثالث: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦].
ثلاثة أمور: صيام، وقصاص، وقتال.
يقول العلماء: إن جعل الصوم مع القتل والقصاص مشعر بأهمية الصوم وعظمته، وأنه لا يقبله ولا يتحمله ولا يرضخ له ولا يحبه إلا المؤمن، ولهذا خاطب الله أهل الإيمان بهذه الصفة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ﴾ [البقرة:١٧٨] أي: فرض وأوجب وألزمتم به ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٧٨] وحتى لا يقول أحد: لماذا يا رب! نحن دون بقية الناس؟ قال: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٧٨] أي: ليس الصيام أمراً بدعاً في حياة الأمم والشرائع، لا، إنه سنة الله، إنه دين الله الذي لا يتبدل في جميع الديانات والرسالات؛ فما من نبيٍ بعث، وما من شريعة نزلت، وما من كتابٍِ نزل إلا وفيه الأمر بالصيام، كما فيه الأمر بالصلاة وبالتوحيد، ولكن تختلف الشرائع، ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة:٤٨] كان صوم الأولين أنهم يمسكون عن الطعام والشراب والكلام، حتى الذي يتكلم كلمة يفطر ويقضي اليوم، بكلمة واحدة! ولهذا لما جاءت مريم بولدها عيسى ﵉، قالت: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً﴾ [مريم:٢٦] وذلك عندما قيل لها: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ [مريم:٢٨] فأشارت إليه لم تتكلم، قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً﴾ [مريم:٢٩] فتكلم هو وقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ [مريم:٣٠ - ٣١].
كل شريعة سبقت نزل فيها الأمر بالصوم، ولهذا عزانا الله وقال: الأمر لا يخصكم فقط بل إنه يخص كل الأمم: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣].
стр. 521
الحكمة من الصيام
ثم جاء التبرير والتوضيح لهدف الصيام، والحكمة من فرضيته فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] ليس الغرض تعذيبكم أو تجويعكم، فليس لله حاجة في ترككم طعامكم وشرابكم، ولكن الغرض تربيتكم ورفع درجاتكم، والهدف تعويدكم على الانتصار على النفس وشهواتها وملذاتها، تعويدكم على الانتصار على كل المباحات، فالغرض هو التقوى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، وإذا صرتم متقين حصلت لكم الخيرات من كل جانب، إذا صرتم متقين فإن الله وليكم في الدنيا والآخرة، يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية:١٩].
إذا صرتم متقين فيقول الله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات:٤١] ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان:٥١] ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ [الطور:١٧] ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥].
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] حتى تتقوا، فإذا وصلتم إلى درجة التقوى وهي: الشعور بالمراقبة لله الذي لا إله إلا هو، إذ أن الصوم هو العبادة الوحيدة التي لا يطلع عليها إلا الله؛ بإمكان كل واحدٍ أن يتظاهر أنه صائم، وبإمكانه بالخفية أن يفطر، من يعرفك؟! من يلازمك أربعاً وعشرين ساعة؟! من يراقب تصرفاتك؟! ولهذا جاء في الحديث أن الله يقول: (كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به)، لم كان الصوم لله خالصاً من بين الأعمال؟ لأنه لا يمكن أن يعرف حقيقته أحد إلا الله.
ذكرت قصة حصلت لي في الجنوب في أبها: فقد كنت في معهد علمي ألقي محاضرة، وبعد المحاضرة وانفضاض الناس أمسك بي شاب تشرق أنوار الإيمان من وجهه، عليه بهاء الإيمان والدين، وقال لي: يا شيخ! عندي سؤال على انفراد، قلت: تفضل، قال: أنا شاب تائه تبت ورجعت إلى الله منذ تسعة أشهر، وسبق وأن مضى عليَّ سبعة رمضانات لم أصم لله فيها يوماً واحداً، ولم يسجل لي في صحيفتي حسنة واحدة من أول عمري؛ لا صلاة، ولا صيام، ولا أي عمل، قلت له: أين تعيش؟ قال: في هذا البلد، قلت: وأبوك وأمك لا يدرون أنك لا تصوم ولا تصلي؟ قال: أقول لهم: إني أصوم ولكني آكل في الخفية، وأقول لهم: إني أصلي ولكني أخرج من البيت ثم أعود وأقول لهم: قد صليت، قلت: وماذا بعد هذا؟ قال: حتى أراد الله أن يهديني، قلت: وكيف كانت الهداية؟ قال: خرجت من بيتنا في القرية لأذهب إلى منطقة محائل من أجل حضور مباراة بين ناديين كبيرين في المنطقة، يقول: فلما انطلقت في الخط تسرب الهواء من إطار السيارة، والحمد لله أنه حين تسرب الهواء من الإطار تسرب معه الشر من تلك اللحظة، وبدأت الحياة الإيمانية بتسرب الهواء من إطار السيارة.
يقول: السيارة فيها إطار احتياطي، لكن سوف تفوتني المباراة إن قمت بتركيبه، يقول: فقمت بإيقافها على حافة الطريق، وأوقفت أول سيارة، وركبت حتى أحضر المباراة من أولها، وما إن ركبت في السيارة إلا وصاحبها يضع يده على الشريط، ثم قام بتشغيل شريط إيماني لم أسمع في حياتي مثله، يقول: إنه لم يحضر صلاة جمعة ولا خطبة ولا ندوة ولا محاضرة، يقول: أنا معزول عن الله أعيش مع الشيطان أربعاً وعشرين ساعة، يقول: فسمعت هذا الكلام فدخل أذني واستقر في قلبي، وبدأت أراجع نفسي وأضرب حساباً مع نفسي، وأقول: أين أنا من هذا الكلام؟ وماذا لو مت الآن ودخلت النار؟ كيف أصحح الغلطة؟! لماذا لا أتوب؟! يقول: وصلت إلى محائل وقررت التوبة.
والتوبة والهداية -أيها الإخوة- ليست أمراً معجزاً للإنسان، هي قضية سهلة ما عليك إلا أن تقلع عن المعاصي، وتعلن التوبة والرجوع إلى الله، وإما أن تستمر على ما أنت عليه من المعاصي، فتعيش في ظلمات الكفر -والعياذ بالله! - والنفاق والمعاصي.
يقول: وعندما وصلت إلى مدينة محائل نزلت من السيارة ولم أذهب إلى المباراة، فركبت سيارة غيرها ورجعت إلى سيارتي، ومن ذلك اليوم رجعت إلى الله.
يقول: وقد مرت عليَّ سبعة رمضانات لم أصمها فماذا أصنع؟ قلت له: لو قلنا لك: بأن تصوم سبعة رمضانات فهل تصوم؟ قال: والله أصومها حتى لو كان سبعين رمضان.
عندما دخل الإيمان انفتح القلب، وانشرح الصدر وتلألأ، وبدأت الهداية والخشوع والخضوع لله عزوجل.
قلت له: ليس عليك صوم؛ لأنك كنت في حكم الكافر، ما دمت لا تصلي ولا تصوم، فإن الله يعفو عنك إن شاء الله، والتوبة تجب ما قبلها، والإسلام يهدم ما قبله، ولكن العبرة والمعول على المستقبل، فاستمر واثبت حتى تلقى الله، لا تتذبذب ولا تتردد ولا ترجع، فإن الذي يرجع وينتكس عن طريق الحق، هذا خائب لا خير فيه ولا يصلح للجنة؛ وهذه مشكلة يشكو منها بعض الشباب، يقول: أنا التزمت قليلاً ثم تظهر علامات الانتكاسة فيه يريد أن يرجع، تعرفون ما هو السبب؟ السبب: أنه لما سار في طريق الإيمان لم يخلِ قلبه وجوراحه من الآفات والشوائب والأخلاط، ثم جعل الخير على هذه الشوائب فما انتفع به، فإذا كان عندك كأس مملوء بالتراب والقذر، وجاءك شخص وأعطاك لبناً وقال: هات كوبك أصب لك فيه لبناً، هل تصب اللبن والحليب في هذا الكوب؟!! لا.
وإذا صببته هل تستفيد من الكوب مع وجود هذه القذارة فيه؟! بل يفسد عليك هذا اللبن.
إن العقل يفرض عليك أن تغسل هذا الإناء، وتعقمه وتطهره، ثم تضع فيه اللبن لتستفيد منه، بعض الناس الآن يريد أن يجمع بين الخير والشر، يريد أن يصير طالباً مهتدياً ومنتظماً، ولكنه يحب الأغاني والنظر المحرم، والأفلام والربا والزنا، ويقول: أنا أحسن من غيري، أنا أصلي وأصوم لكن هل أكون ملتزماً دائماً؟! ففرضية الصيام سببها وحكمتها وعلتها: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] ثم يقول بعد هذا: ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤] يسهلها رب العالمين، يقول: لماذا الخوف؟ ولماذا لا تصومون، هل هو كثير؟ ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤] العام فيه (٣٦٠) يوماً، فرضنا عليكم فيها صيام (٣٠) يوماً فقط، و (٣٣٠) يوماً تأكلون فيها، ثم إن نسبة الصيام قليلة وسهلة، لو فرض الله علينا الصيام طوال العام أفي إمكاننا أن نرفض؟! لا نرفض والله، بل نصوم، لو فرض الله رمضان طوال العام لكنا صائمين، وما كنا مفطرين، لماذا؟ لأن الذي يفطر له النار، ولكن من رحمة الله أن جعل لك صيام شهر واحد، ثم جعل الشهر يعدل عشرة أشهر، وجعل ستة أيام في شهر شوال تعدل شهرين، بمعنى: أنك إذا صمت رمضان وأتبعته ستاً من شوال كأنك صمت العام كله، كما جاء في صحيح مسلم: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال كان كمن صام الدهر كله).
﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٤] ثم جاء الفرج من الله، وقال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] إذا ابتليتم بمرضٍ خارجٍ عن إرادتكم، أو ابتليتم بسفرٍ تحتاجونه لتحقيق مصالحكم؛ لأن مصالح البشر قائمة على التبادل والمعاوضات، والسفر والذهاب والمجيء، ويحتاج الإنسان للسفر؛ والسفر قطعة من العذاب، ولذا قد يحتاج إلى الإفطار، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] هذه حكمة الصوم.
стр. 522
مميزات شهر رمضان المبارك
ورمضان -أيها الإخوة- له ميزات في شريعة الله: أولاً: فرض في السنة الثانية، فهو من أوائل ما فرض.
ثانياً: صام ﷺ تسعة رمضانات.
ثالثاً: أنزل فيه القرآن.
رابعاً: فيه: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣].
خامساً: تفتح في أول ليلة من لياليه جميع أبواب الجنة، فلا يبقى منها باب مغلق، وتغلق أبواب النيران فلا يبقى منها باب مفتوح، وتُغلُّ فيه مردة الشياطين والجن، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل! ويا باغي الشر أقصر! وكتب الله صيامه، وسن رسول الله ﷺ قيامه، وقال في الصحيحين: (من صام رمضان -وقامه- إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) تخرج من رمضان وليس عليك من الذنوب ذنب واحد كيوم ولدتك أمك، تخرج إلى المصلى لصلاة العيد والملائكة على أفواه السكك والطرقات تقول للمسلمين: اخرجوا إلى رب كريم يغفر الذنب العظيم، وتوزع الجوائز والهبات والهدايا على الطرقات، ولا يرجعون من المصلى إلا وقد غفر الله لهم ذنوبهم بإذن الله، يغفر الله في كل ليلة لألف ألف، كلهم قد استوجبوا النار، ويغفر في آخر ليلة لثلاثين ألف ألف، كلهم قد استوجبوا دخول النار؛ هذا شهر رمضان المبارك، ولكن وما أمر لكن! لكن وما أشدها! ماذا فهم المسلمون من رمضان؟! هل تحققت في قلوبهم هذه المعاني؟! هل استلهموا هذه الإيحاءات؟! هل أدركوا هذه الأعطيات من الله؟! إن الألم ليعصر قلوب المؤمنين، حينما يرون أن الناس -إلا من رحم الله- لم يفهموا من رمضان إلا معاني ضد أهداف رمضان؛ معاني عكسية، فرمضان يريد شيئاً وهم يعملون أعمالاً ضد أهداف رمضان.
стр. 523
الإيحاءات الرمضانية
سأتكلم لكم عن خمسة إيحاءات، مما نستوحيه من رمضان والناس على خلاف ذلك:
стр. 524
رمضان شهر الصيام والقيام لا شهر الشراب والطعام
الإيحاء الأول: إن كثيراً من المسلمين -إن لم نقل جلهم وأغلبهم ومعظمهم- شعروا أو فهموا أن رمضان شهر الطعام، وبرهنوا على هذا بتصرفاتهم؛ فتراهم في آخر يومٍ من شعبان أو قبله بيومين أو ثلاثة يتوجهون إلى الأسواق، وكأنهم لا يأكلون إلا في رمضان، كأنهم طوال السنة جائعون، ودخل رمضان شهر الأكل، ويملئون بيوتهم بشتى أصناف الطعام، وتقوم النساء بتقديم البيانات وكشوف الأطعمة للأزواج وتقول: هذه حاجيات رمضان، وشوال أليس له حاجيات؟! وشعبان ورجب أليس لها حاجيات؟! لكن رمضان له حاجيات، لماذا؟ لأنه شهر الأكل، بينما هو شهر الصوم، فقد فرضه الله لكي نعطل جزءاً كبيراً من وقتنا عن الطعام، وبالتالي يحصل توفير في أموالنا، وندخره لننفق به على إخواننا الفقراء والمساكين، لكننا غيَّرنا هذا المفهوم وجعلنا شهر رمضان شهر الأكل والطعام فينهال الناس على الأسواق، ولا يشترون بقدر الحاجة، ولكنهم يشترون بغير مقدار (بالكراتين) المرأة تقدم له قائمة، وتقول: (كرتون) شعيرية، و (كرتون) مكرونة، و (تطلي)، وشربة، وكريمة، و (قمر الدين)، ووقطر الموز؛ وقطر الموز هذا العلبة منه تكفي لشهر؛ لأنها قطرات فقط، وإذا لم يأت (بكرتون) يا ويله! لأن الحياة كلها أصبحت (كراتين) الله المستعان!! وبعدها يذهب هذا الرجل ويحمِّل سيارته بشتى أنواع الطعام ويخزنها في البيت، ثم يملأ الثلاجة، وفي أول يوم من رمضان في الصباح يتنقل في المحلات وفي الأسواق، ثم يأتي بكل شيء، ثم تقوم ربة البيت من بعد صلاة الظهر وهي في حالة استنفارٍ كامل؛ تستنفر كافة القوى في البيت؛ الخادمات والأولاد والبنات، وحتى الرجل يشغلونه ويقولون له: تعال تعاون معنا، ثم توقد النيران على الأطعمة، وتتعدد إلى خمسة عشر أو عشرين نوعاً من أنواع الأطعمة، ومن بعد الظهر إلى المغرب وهي مشغولة بالطبخ من أجل ماذا؟ قالوا: من أجل أن رمضان كريم، وبعدها يأتون ليفطروا على سبع تمرات وفنجان قهوة وفنجان الماء وشبعوا، ألستم تشبعون من هذا أيها الإخوان؟! والله كل المسلمين يشبعون من التمرات ومن كوب الماء والقهوة، ولو اكتفوا بهذا وصلّوا لكانت صلاتهم مريحة، ولعاشوا عيشة هنيئة، ثم إنهم لا يكتفون بهذا عند الإفطار، وإنما يأكل مع التمرات والسنبوسة، واللقمة، والشربة، والعصائر، والمهضمات، هذا هو الفطور الذي ينهي معدة جمل، أما العشاء فلا يبلعه إلا فيل، ويذهب ليصلي المغرب ثم يعود بعد صلاة المغرب وأمامه عشرات الأصناف، ويجلس ولا بد أن يأكل من كل صنف منها، والويل له إن لم يمد يده على كل صنف منها؛ لأن المرأة سوف تغضب وترفع صوتها عليه، وتقول: وأنا أشتغل لمن؟ وأنا أصلحته من أجل من؟ وأنا واقفة على رجلي طوال اليوم من أجل من؟ والله لا بد أن تأكل من هذا، ومن هذا، والله والله وذلك الرجل يقول: حسناً! حسناً! حسناً! حسناً! ويأكل ويأكل! وإذا امتلأ بطنه فلا يبقى له نفس، إن المعدة تقسم ثلاثة أثلاث؛ ثلثٌ للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس، لكن الناس يملئون الثلاثة الأثلاث طعاماً، والماء يحشونه حشواً، وأما النفس فلم يعد هناك نفس، بعدها لم يستطع أن يتكلم، أما وقت التراويح، فإنهم لا يأتون للصلاة إلا متأخرين، الآن بين أذان المغرب وأذان العشاء مقدار ساعتين، وتراهم يأتون والإمام يصلي وهم هناك خلف المصلين، حسناً! أين هم من بعد المغرب؟ قالوا: كنا نأكل، ولو أنهم ملئوا سيارة خلال تلك المدة لملئوها! لا إله إلا الله! ثم بعد ذلك يذهب ليصلي وهو متعب مريض الجسم، مثقل بالأحمال التي قد ملأ بها بطنه، فيرى التراويح هذه من أعظم المهمات، وإذا وجد إماماً خاشعاً تالياً لكتاب الله، أي: يؤدي الصلاة بطمأنينة غضب عليه، وضاقت أخلاقه، وصلى ركعتين وخرج، وإن كان شجاعاً صلى ثلاثاً أو أربعاً، وإن صلى إلى آخر الصلاة تنظر إليه بين الصلاة وهو يراوح بين رجل ورجل، يقدم هذه ويؤخر هذه، وإذا دخل في الصلاة دخل كأنه واقع في قدر، من أجل المعدة المرهقة المتعبة المثقلة بشتى أنواع الطعام، ثم يخرج وبعدها يرجع ليأكل إلى السحور، طوال الليل مكسرات، وفواكه، ومشروبات، ومهضمات، ثم إذا جاء السحور قال: نريد سحوراً جامداً انتبهي! نريد شيئاً يبقى في بطوننا إلى المغرب، ثم يأكل إلى أن يؤذن، بل إن شخصاً سألني البارحة، يقول لي: هل أنا أتوقف من الأكل مع بداية الأذان، أو مع آخر الأذان؟ لا يريد أن يتوقف ولا دقيقة، قلت له: إذا أذن للمغرب هل أنت تأكل مع بداية الأذان، أو مع نهاية الأذان؟ قال: مع بداية الأذان، قلت له: لماذا لم تنتظر حتى يكمل الأذان؟! لماذا في السحور تأكل حتى ينتهي الأذان؟ فعليك أن تتوقف عند أول كلمة من أذان الفجر، كما أنك تبدأ بالفطور عند أول كلمة من أذان المغرب، لا عليك يا أخي! لو توقفت عن الأكل في السحور قبل عشر دقائق، لماذا تأخذ بنفسك إلى آخر درجة، لماذا؟ يقول: لا أريد أن أفوت دقيقة لا آكل فيها.
قولوا لي بربكم -أيها الإخوة- هل تحقق مفهوم الصيام من هذا الصائم؟ لقد شرع الله الصوم من أجل أن يشعر الإنسان بمرارة الجوع وشدة الألم، فيحس أن هناك مسلمين في العالم الإسلامي يموتون جوعاً، ويعيشون رمضان طوال العام لا يذوقون الأكل.
يقول لي أحد قادة المجاهدين: إن ثلاثة عشر مليون مسلم في أفغانستان من اللاجئين يتعرضون الآن للموت والمجاعة، والمجاهدون الأفغان الآن يبيعون أسلحتهم ليشتروا لأولادهم طعاماً، ومائتا طفل يموتون يومياً من الجفاف، ونحن نموت تخمةً وشبعاً، وبعد ذلك يذهب إلى (المستشفى)، فترى صفوف البشر بعد صلاة التراويح وهم ذاهبون إلى (المستشفيات) ونرى الأطباء في العيادات الخارجية؛ طبيب الأذن لا يوجد أحد عنده! وطبيب العين لا يوجد أحد عنده! وطبيب الأرجل والعظام لا أحد يأتيه! والناس كلهم مثل النحل على طبيب الباطنية، وكلهم باطنية، وكل شخص يشتكي: بطني يا (دكتور)! بطنك من عمل يدك، أوقف يدك، بعضهم مملوءة بالحبوب يأكل ويقول: هذا يهضم، وهذا شراب يهضم، لا تهضم ولا تكظم، دع الطعام في الثلاجة، وبعدها اعمل برنامجاً إسلامياً للغذاء، فهناك برنامج إسلامي للغذاء في رمضان، بعض النساء تتصور أن زوجها بخيل، وعليه أن ينفي عنه هذه التهمة، ويأتي إليها ويقول: يا فلانة! تقول: نعم، يقول: كم صرفنا في شعبان؟ مصاريفنا إلى كم تصل؟ تقول: تصل إلى ألفي ريال، ورمضان كريم نريد أن نصرف فيه ستة آلاف ريال، لكن بطريقة تختلف عن طريقة الناس، ما هي هذه الطريقة؟ الطريقة: أن نضع خمسة آلاف صدقة في يد الله، نرسلها لإخواننا الفقراء والمساكين في أفغانستان، لنفطّر بها الصائمين هناك، وألف ريال نشتري بها طعاماً خفيفاً نفطر على تمرات فقط، ونرجع نتعشى ونأتي لنا بقرصين من العيش، أو ثلاثة أقراص من العيش نأتدم بحساء شربة، أو قطعة لحم بسيطة في مرق، أو قليل من الأرز ثم أذهب لأصلي، وبعد الصلاة نأتي لننام، وقبل الفجر نتسحر على تمرات؛ لأنه خير سحور المؤمن التمر، وإذا وجد عليه شيء من الفاكهة فلا مانع، ماذا تقول المرأة؟ إن كانت مؤمنة تقول: جزاك الله خيراً ما دام هذا فعلك، هذا صحيح ليس ببخل؛ فلو أنك بخيل لم تدفع خمسة آلاف ريال، لكن بعض النساء -والعياذ بالله- شبيهة بالسائمة لا تريد إلا أن تأكل وترقد، ولهذا إذا لم يأت لها بهذه الطلبات يا ويله! سوف تأكل عرضه، وقد تسبه عند الجيران وأقاربه وأهله وتقول: فلان أجاعنا، الناس في رمضان يأكلون ونحن نموت جوعاً بسبب هذا الرجل.
لا، وأنا أهمس -أيها الإخوة- همسة، في أذن أخواتي المؤمنات الموجودات في هذا المسجد، والسامعات لهذا الشريط أن يتقين الله في رمضان، نريد أن نحدث تغييراً في حياتنا، وفي طريقة غذائنا في رمضان، وبقي معنا خمسة عشر يوماً -أيها الإخوان- نحن الآن في النصف وبقي معنا خمسة عشر يوماً بإمكاننا أن نغير، وأن نضع برامج خفيفة سهلة للطعام، بحيث لا توقد نار، ثم أرجع إلى المرأة التي كانت تقف من بعد الظهر إلى المغرب على النيران أقول: تعالي من بعد الظهر إلى المغرب واقرئي القرآن، فبعض النساء الآن دخل رمضان وقد انتصف ولم تختم القرآن مرة واحدة، مشغولة (بالسنبوسة) تقليبها وتقريصها وتقطيعها وقليها وأخذها، هذه ليست مهمة في رمضان: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] ما هو للأكل ولا للأقراص، تعالي لا نريد اليوم (سنبوسة) تعالي نقرأ القرآن، من بعد الظهر إلى المغرب ونحن نقرأ القرآن، وإذا جاء المغرب سهل ماذا سيحصل لنا، ليس هناك مشكلة، هذه البطن ليست مشكلة، فالأمر سهل، فضع في معدتك تمرتين وامتلأت، وبعدها والله ليس هناك أحسن من قلة الطعام، يقول الإمام الغزالي: سألت الأطباء فقلت لهم: ما سر طبكم؟ قالوا: في قلة الطعام، وسألت العلماء وقلت لهم: ما حكمة علمكم؟ قالوا: في قلة الطعام، وسألت الفقهاء فقلت لهم: ما علة فقهكم؟ قالوا: في قلة الطعام، وسألت الزاهدين في الدنيا فقلت لهم: ما سر زهدكم؟ قالوا: في قلة الطعام، فوجدت قلة الطعام فيه كل خير في الدنيا والآخرة، ولهذا كان النبي ﷺ يقول: (ما ملأ ابن آدم وعاءً شرٌ من بطنه) أي وعاء تملؤه ليس هناك أشر من بطنك (وبحسب ابن آدم لقيمات) ليس (لقمات) بل (لقيمات) تصغير أي: اثنتان أو ثلاث أو أربع (وكان ﷺ يربط على بطنه الحجر والحجرين والثلاثة) من الجوع، وكان بإمكانه أن يأكل، لكن يقول: أريد أن أجوع يوماً وأشبع يوماً، فإذا جعت سألت الله، وإذا شبعت شكرت الله ﵎.
فالإيحاء الأول من رمضان: أن نعتبره شهر الصيام والمعاناة والتعب، لا شهر الطعام والشراب، هل بإمكاننا أن نحقق هذا البرنامج؟ نعم بإمكاننا، وأن نوفر المبالغ الزائدة التي نصرفها في شتى أنواع الطعام ثم نرميه، فيا ليت الناس يطبخون الطعام ثم يأكلونه، لكنهم يصنعون هذه الأصناف، ثم ينتهون من أكل ما قدروا عليه، ثم يصبون الباقي على السفرة، يفتح البرتقالة ويأكل منها جزءاً فقط، وثلاثة أرباعها ترمى، ويفتح التفاحة ويأكل منها الربع وثلاثة أرباعها يدعها، ويأ
стр. 525
رمضان شهر التهذيب والانتصار على النفس
الإيحاء الثاني من رمضان: أن من أهدافه الانتصار على النفس، والاستعلاء على النزوات، بحيث تتهذب أخلاق المسلم، ويصبح خلقه خلقاً إسلامياً رفيعاً لا يغضب ولو استثير نعم.
ولو استثير لماذا؟ لأنه صائم، ولهذا جاء في الحديث: (فإن سابه أحد فليقل: إني صائم) أي: أنا صائم وأستطيع أن أنتصر على الشهوات، وأن أرتفع عن كل هذه الأشياء، وبعد ذلك أهتم بنفسي فأهذبها، فبالتالي لو أن شخصاً أتاني يريد أن أغضب وأنا صائم، لا، بل أقول له: أنا صائم، والله لا أقدر أن أنزل معك في الإساءة، وأنا أتدرب على الخلق الرفيع لِمَ؟ لأني متحرر عن شهوات النفس، مستعلٍ على الأخلاق الرديئة، لكن الذي حصل اليوم أن أخلاق الناس -إلا من رحم الله- تسوء وتفسد في رمضان، فلا تسمع المضاربات والمشاكل والخصومات، وثوران الأعصاب وحدة التصرفات إلا في رمضان، وإذا جئت إليه وجدته غضبان ومتلفعاً بعمامته، وإذا جئت تقول له: ماذا فيك؟ قال لك: اذهب امش من عندي، ابحث لك عن عمل، رمضان كريم هي منتهية إلى هنا، لماذا هي منتهية؟ من أجل أن بطنه فارغة، سبحان الله! مسكين هذا، هذا عبد بطنه؛ إذا امتلأت بطنه ضحك واستراح وتخلق مع الناس، وإذا فرغت بطنه ثار وغضب، لا يا أخي! لست عبد بطنك، ولا عبد شهوتك، إنك عبد مولاك وخالقك، والذي خلقك يريد منك أن تتهذب بالأخلاق الإسلامية، وأن تستعلي على النفس وشهواتها وآفاتها، ومن أعظم آفاتها الغضب، فلا تغضب وأنت صائم، حتى ولو استثارك شخص، نعم.
قد تكون مديراً أو موظفاً أو رئيس قسم، ويأتيك مراجع من المراجعين وهو غضبان بسبب أن معاملته تأخرت، فيقول: أنتم ليس فيكم خير، موظفوكم يلعبون، لا يأتون إلا الساعة الحادية عشرة، يبدأ العمل من الساعة العاشرة وهم يأتون الساعة الحادية عشرة، ويأتون ليناموا على المنضدة، ومعاملتي ضائعة، وأنا لي أسبوع وأنا آتي، فماذا عليك أن تقول لهذا المراجع؟: صدقت بارك الله فيك جزاك الله خيراً أبشر ولا يهمك هل عندك رقم؟ لا.
ليس عندي رقم، أعطيتموني سبعين رقماً وضيعتها من كثرة الأرقام، أبشر أنا أعطيك الرقم، وتقوم معه إلى (الإرشيف) أو الوارد وتخرج له المعاملة، وتذهب إلى غير واحد حتى تقضي حاجته وأنت تبتسم، لماذا؟ لأن الإسلام والصيام هذب أخلاقك، لكن الذي يحصل الآن أنه لو أتى شخص بهذا الأسلوب فيا ويله! يقول له: لا تدخل عندي، وشخص ثان يقول: لا تدخل بعد الصلاة أيضاً، لماذا؟ قال: إني صائم، واعلم أني في قمة الغضب، سألقيها في وجهك، إذا أردت أن تعطيها فتعال في الفطر إن شاء الله، عندما يكون الشخص مفطراً يأكل ويشرب ويدخن وهو مستريح، أما الآن فليس عنده دخان ولا عنده شاهي، فالغضب قد بلغ الذروة، لا، ليس هذا مراد الإسلام من الصيام، إن هدف الصيام تهذيب الأخلاق، حتى ولو أن شخصاً أراد منك أن تغضب، فإنك تترفع وتقول: إني صائم.
هذا الإيحاء الثاني.
стр. 526
رمضان شهر الجهاد لا شهر الدعة والقعود
الإيحاء الثالث: قضية السهر في رمضان؛ وهذه مشكلة المشاكل، وعقدة العقد عند المسلمين.
فقد شرع الله صيام رمضان، وشرع رسول الله ﷺ قيام ليله، وبعد القيام ينصرف الناس إلى بيوتهم، وينامون ليستيقظوا، فيتسحروا ويصلوا الفجر، ثم يباشروا أعمالهم بقوة ونشاط، ولكن الذي يحدث الآن أن رمضان تصبح لياليه كلها سهراً، لا ينام الإنسان في رمضان إلى الفجر، ثم يأتي في الصباح وهو متعب، إما أن يأخذ إجازة، وأكثر الناس يأخذ إجازة في رمضان يقول: رمضان شهر النوم، نريد أن نأكل في الليل ونرقد في النهار، فهذا لم يقصر!! النهار نوم والليل أكل هذا هو رمضان، بينما الصحابة والسلف في النهار جهاد، والليل صلاة وقيام، رهبانٌ بالليل فرسانٌ في النهار، ولهذا كانت معارك الإسلام كلها تقوم في رمضان؛ غزوة بدر في رمضان، فتح مكة في رمضان، معارك التتار في رمضان، فكل الغزوات الإسلامية الفاصلة كانت تقوم في رمضان، لماذا؟ لأن المسلمين كانوا أكثر قوة ونشاطاً وإقداماً؛ لأنهم انتصروا على شهوات البطن فهم أقوياء، لكن الآن عندما سهر الناس في الليل تعطلت قواهم وخارت إمكاناتهم في رمضان، فنجد الموظف نائماً على مكتبه، ونجد الطالب نائماً على كرسيه، ونجد المدرس نائماً في المدرسة، ونجد البنت نائمة؛ كلهم نائمون، ماذا هناك؟ يقول أحد مدراء المدارس: دخلت على مدرس فصل في نهار رمضان، وحين دخلت وإذا بالطلاب نيام والمدرس نائم، يقول: فأخذت الكرسي وجلست بجانبهم، أريد أن أنتظر حتى يستيقظ، وينظر أني جالس أراقبه، وأني وجدته وهو نائم، يقول: فقعدت قليلاً فإذا بهم كلهم (يخطون) وبعدها رقدت معهم، رقد المدير والمدرس والطلاب في نهار رمضان، لا إله إلا الله! لماذا؟ لأن نوم النهار لا يحقق حاجة الجسم كنوم الليل، لو نمت في النهار من الفجر إلى المغرب، فإنك تقوم وأنت مريض، لكنك لو نمت في الليل ساعة أو ساعتين تقوم وأنت نشيط، لماذا؟ يقول العلماء: هذه آية من آيات الله؛ فقد قال الله في القرآن الكريم: ﴿يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ [القصص:٧٢] وقال: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً﴾ [الأنعام:٩٦] قال العلماء: إن الناس ينامون في النهار، فلماذا خصص الله السكن في الليل؟ فبعد البحث والتشريح والدراسة والتأمل، وجدوا أن في مخ الإنسان خلايا، وأن هذه الخلايا إذا نام الإنسان في الليل سكنت، وإذا نام الإنسان في النهار بقيت مفتوحة، فيقوم الإنسان من نوم النهار وكأنه لم ينم، تنظر إليه ينام من الصباح ويقوم وهو ضعيف ومتعب، يريد أن ينام طوال اليوم، لكن دعه ينام ساعة أو ساعتين في الليل فإنه يقوم ما شاء الله والحمد لله! ذهب النوم، لماذا؟ لأن هذه الخلايا نامت.
فنوم الليل ضروري -أيها الإخوة- ولا داعي للسهر، خصوصاً السهر المحرم، حين يسهر الناس في ليالي رمضان المبارك على معصية الله؛ يسهرون على الأفلام، ومجالس الغيبة والنميمة وأكل لحوم البشر، أو السهر في الذي هو أشبه بلعب الأطفال، كلعب الورق الذي يعني ابتلي به كثير من الناس، حتى العقلاء منهم وكبار السن يلعبون الورق (البلوت)، وهذا شيء يستغرب من العقلاء، ولا ينبغي لهم أن ينزلوا إلى هذا المستوى، فهذا الورق أصله لعبة للأطفال، أنت لو جئت إلى مجموعة من الأطفال وهم يلعبون الورق لم تنكر عليهم، ولو جئت إلى مجموعة من الأطفال يلعبون المكعبات، تعرفون المكعبات البلاستيكية التي يلعب بها الطفل ويعمل منها بيوتاً؟ فإنك لا تنكر عليه، أو رأيته يلعب بسيارته أو بطائرته أو بدبابته أو ببندقيته، لكن ما ظنك إذا جئت إلى رجل كبير عمره أربعون سنة، ومعه كيس من المكعبات ويبني منها عمارة، تقول: ماذا تعمل؟ يقول: والله أبني لي عمارة من المكعبات، أو يكون معه سيارة صغيرة يلعب بها، تقول له: ماذا بك؟ قال: ألا تنظر الموديل الجديد، ما رأيك في عقلية هذا الرجل؟ أما تحكم عليه بأنه مجنون وعقليته عقلية الأطفال؟! نعم.
بالله هل هذا عمل العقلاء أيها الإخوة؟! إنه عمل أطفال، وبعدها يقضي الواحد الساعة والساعتين والثلاث والأربع والخمس والست إلى الفجر وهم يلعبون، لا يكلون ولا يملون، وهم مع ذلك يقامرون بأوقاتهم وحياتهم، وهذا يقوم وذاك يقعد، وبعد ذلك زوجته في البيت تنتظره ولا يأتي، ومن حين يدخل يقول لها: اعلمي أني سوف أتأخر الليلة، وهذه القاصمة على المرأة، تقول: لماذا تتأخر الليلة أين ستذهب؟ وماذا بقي عندها إلا أنت؟ تريد منك أن تؤانسها وتسامرها، وأنت تقول: لا.
(البلوت) الليلة عند فلان وفلان وفلان، وإذا جاءت ليلته قال: اعلمي أن اللعب الليلة عندي، يا ويل تلك المرأة من الليلة! فإنها تحضر الشاهي و (النسكافية) والحليب والقهوة، كأنها (مكينة) طالعة نازلة طوال الليلة، والعصائر والفواكه، إلى الفجر وهم يلعبون الورق، وبعدها إذا قالت لهم: اتقوا الله يا جماعة! هذا لا يرضي الله، قالوا لها: ماذا تريدين أن نعمل؟ هل نذهب لنأكل لحوم الناس؟ ومن قال لكم: أن تأكلوا لحوم الناس، إذا لم تأكلوا لحوم الناس رجعتم إلى الورق! لا.
إن المسلم ليس في حياته فراغ -أيها الإخوة- المؤمن مشغول، وكل دقيقة من دقائقه يجب أن يستغلها، في أي مصلحة له في الدنيا أو في الآخرة، أما إذا شعر أن عنده فراغاً فليعلم أنه فارغ من الإيمان، ما من ساعة تمر من ابن آدم إلا كانت عليه حسرة وندامة يوم القيامة، إذا لم يذكر الله فيها: (ما جلس قوم في مجلس لم يذكروا الله تعالى فيه إلا تفرقوا عن مثل جيفة حمار).
نحن نخاطب العقلاء والمنصفين ونقول لهم: اتقوا الله، إن مجالس (البلوت) هذه مجالس قمار بالوقت، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١] نعم.
يجب على المؤمن أن يقول: انتهينا؛ لأنه يلعب (البلوت) ويوجِد في قلبه البغضاء والعداوة بينه وبين من يلعب أمامه، وبينه وبين الذي يغلبه، وبعدها يصده عن ذكر الله، لا يذكر الله طوال الوقت إلا بالأيمان الفاجرة فتمر عليهم الساعات والدقائق ولا يذكرون الله، والعياذ بالله.
فنقول أيها الإخوة: ليس هناك مانع من السهر المحدود المباح إذا كان على ما يرضي الله؛ إما أن تسهر مع زوجتك؛ وهذا من أعظم الأشياء، أو تسهر مع قريبك تزوره، أو مع رحمك تزورها، أو مع جارك تصله، أو مع مصالحك الدنيوية، كأن يكون عندك مكتب أو مؤسسة أو دكان، فليس هناك مانع، لكن إلى مستوى معين من الليل إلى منتصف الليل وهذا طويل، ثم تعود بعد منتصف الليل إلى بيتك وتنام، وتربي أولادك على النوم إلى السحور، ثم تقوم في السحور وتتسحر وتذهب إلى المسجد؛ هذا هو البرنامج الإيماني بالنسبة للسهر، أما من يقضي ليله في السهر الفارغ، ثم ينام سائر اليوم، هذا لم يعرف رمضان حقيقةً.
стр. 527
رمضان شهر القرآن والدعوة إلى الله
الإيحاء الرابع من إيحاءات رمضان: أنه شهر القرآن: والله يقول فيه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان﴾ [البقرة:١٨٥] يقول العلماء: إن تخصيص الذكر بنزول القرآن في رمضان، فيه إشارة ودعوة للمسلم على أن يجعل رمضان كله للقرآن، ولهذا كان السلف إذا دخل رمضان عطلوا حلقات العلم؛ التفسير الفقه الحديث التوحيد، جميع الحلقات تؤجل، وتبدأ كل حلقاتهم قرآناً في قرآن، يختمون بالليل والنهار، حتى روي أن الإمام الشافعي كان يختم في كل رمضان ستون ختمة، ختمةً بالليل وختمةً بالنهار، لا يُرى إلا قارئاً، لا يفتر لسانه من قراءة القرآن، لكن اليوم كم نقرأ من القرآن؟ الله المستعان! يمكن في أول رمضان ينشط بعض الناس وتكون عنده همة ويأخذ المصحف ويقرأ، لكن انتظر إلى اليوم الثاني تجد بعضهم لا زال في البقرة لم يكملها، يمر عليه خمسة عشر يوماً وهو لا زال فيها، وهناك بعض المؤمنين يختمون في كل يومين مرة، أو في كل ثلاثة أيام مرة، أو في كل أربعة أيام مرة، أو في كل خمسة أيام مرة، فشهر رمضان شهر القرآن.
اتل الكتاب وسبح فيه مجتهداً فإنه شهر تسبيح وقرآن
لا بد من تلاوة كلام الله في كل أوقاتك، ليكن مصحفك في جيبك، وفي مكتبك، وعند سرير نومك، وفي سيارتك، وكلما وجدت فرصة للتلاوة، حتى في العمل فاقرأ، إنك إذا كنت في وظيفتك فالمطلوب منك أن تصرف وقتك للوظيفة؛ لأن الوظيفة واجب والتلاوة نافلة، لكن إذا انتهيت من المعاملات ولم يبق عندك أي معاملة على مكتبك فاجلس وخذ المصحف واقرأ، وإذا جاءت المعاملات فضع المصحف وأنجز المعاملات، وبعد ذلك إذا أتيت لتنام فاقرأ، ومن حين يؤذن لكل صلاة أنت الأول، إذا كنت في الدوام عندما يؤذن فانزل الأول، من حين يؤذن تأتي لتصلي وترجع، تتعشى عشاءً خفيفاً وكن الأول، ولا تتأخر واذهب إلى المسجد مبكراً كي تقرأ القرآن، الفجر تتسحر وتأتي المسجد وتقرأ، تصلي الفجر وتقرأ، فاجعل كل حياتك في رمضان للقرآن.
وبعدها تقرأ بتدبر، لا تهذرم: (لا تهذوا القرآن هذَّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، ولكن قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب) إذا رأيت آية من أوامر الله قف عندها واسأل نفسك، أين أنت منها؟ إذا رأيت نهياً من نواهي الله اسأل نفسك أين أنت من هذا النهي؟ اسأل نفسك أين أنت من هذا الخبر؟ قف عند القرآن وعجائبه وخذ العبر منه فهو ﴿هُدىً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:١٨٥] تأخذ من القرآن فكرة ومعنى الدعوة، لماذا؟ لأن الله يقول: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥] فتحمل أنت مشعل الهدى والبينات، وتسير به بين الناس، فتدعو نفسك وزوجتك وأولادك وجيرانك وإخوانك، وتدعو زملاءك في العمل، وجلساءك في المكتب، وكل من تعرف، لماذا؟ لأن الدعوة هي تركة النبي ﷺ ، التركة التي خلفها لنا النبي ﷺ : الدين والدعوة، يقول الله عزوجل: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣].
إن مسئولية الدعوة مسئولية كل مسلم، فكل مسلم يجب أن يدعو بحسبه وليست الدعوة هي علو المنابر وحضور المحاضرات وإلقاؤها، لا.
هذه جزء من الدعوة، لكن الاستقامة على الدين دعوة، تأييدك لرجل يأمر بمعروف ووقفتَ معه وقفة الحق دعوة، إذا رأيت صاحب منكر تقول له: يا أخي! هذا منكر لا يجوز لك.
هذه دعوة، كل أساليب الدعوة يجب أن تسلكها انطلاقاً من قراءتك للقرآن، فمصيبة الأمة اليوم أنها صامتة، بل متفرجة، لو جئت إلى اثنين في الشارع وقد رأيت أنا هذا بعيني، وليس من أهل البلد وإنما هو من إخواننا الوافدين، خرج رجل مواطن من المسجد، وبيده (سيجارة) على باب المسجد وأشعلها، خرج وأنا أصلي في المسجد، عندما خرج هذا الرجل اعترضه أخٌ آخر في الطريق وسلم عليه وقال له: يا أخي أما كنت تصلي الآن؟ قال: نعم، قال: يا أخي! لا ينبغي لك بعد الصلاة أن تعصي الله (بالدخان)، تب إلى الله منه، فهذا الرجل المسكين المواطن غضب، ورأى أنها إهانة له أن يوجه له شخص نصيحة، لا سيما وأنه يرى أن هذا الأخ ليس من المقيمين، فغضب عليه وزمجر وصاح فيه صيحة عنيفة، وقال: أصلك (ملقوف) وماذا دخلك فيَّ؟ وهل أنت وحدك الذي تعرف الدين؟! نحن أهل الدين، وبدأ يشتمه، وسمعت الصياح وأنا في المسجد، فخرجت وإذا بالناس كلهم واقفون، والله ليس فيهم واحد ينصر هذا الأخ المسكين، إلا أنهم كلهم متفرجون، فجئت فقلت: ما الذي حصل؟ قال: هذا الذي لا يفهم وهذا قلت: وماذا هناك؟ قال: ينصحني ويقول لي: لا أدخن -والدخان في يده- قلت: وما المانع أن ينصحك؟ هل الدين لك فقط؟ لو أن فيك ديناً وخيراً لم تدخن يا أخي! نعم ينصحك: (الدين النصيحة) يا أخي! فنظر إلي وقام يطفئ (السيجارة)، قال: النصيحة ليست بهذا الأسلوب؟ قلت: ماذا قال لك: هل ضربك أو شتمك؟ قال: يقول لي: المفروض ألا أدخن، حسناً! فقط المفروض ألا تدخن يا أخي! اتق الله يا أخي! الحق ضالة المؤمن، أو لأنه من دولة أخرى، أو من جنسية أخرى، فأنت لا تقبل الحق؟ قال: لا.
فقط أنا لا أرضى أن أحداً يقول لي، قلت: لا بد أن ترضى، ويجب أن تخضع للحق إذا كنت مسلماً، والذي لا يرضى بالحق فالله يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢] بعدها قام الناس قلت: يا جماعة! لماذا أنتم ساكتون؟ أليس هذا على حق؟ قالوا: نعم على حق.
قلت: لماذا تسكتون؟ لماذا لا تناصرونه؟ أو من أجل أن هذا أجنبي وهذا من أهل البلد، الحق يا أخي! ضالة المؤمن، يجب أن تناصر الحق من أيٍ كان مصدره، ومع أي إنسان يحمله، الدين ليس وقفاً لأحد، الدين دين المسلمين من شتى بقاع الأرض.
فيجب أيها الإخوة: أن نكون ألسنة ناطقة بالحق، ولكن بحكمة ورأفة وحب وشفقة، ليس بسب وشتيمة وانفعال، مثل هذا الأخ، قال له: يا أخي! الله يجزيك خيراً، أنت خارج من المسجد المفروض ألا تدخن، فقط، فهذا نعرفه من ماذا؟ من قراءة القرآن يقول الله: ﴿هُدىً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:١٨٥] ليس هدىً لك أنت، بل هدى للناس كلهم ومن أين تجيء؟ يقول الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] فالدين رحمة للعالم كله، ونحن -أيها الإخوة- ما دام عندنا إمكانية أن نبلغ دين الله فلنبلغ عن الله ولو آية، وعن رسول الله ﷺ ولو حديثاً واحداً.
هذا الإيحاء الرابع: وهو تلاوة القرآن.
стр. 528
رمضان شهر التدرب على الأعمال الصالحة
الإيحاء الخامس وهو مهم جداً: وهو أن شهر رمضان بمنزلة الدورة التدريبية التي يعقدها الله للمؤمنين شهراً في كل عام، للتدرب على العمل الصالح، يتدرب المسلم فيها على القيام والصيام، والإنفاق والبذل والعطاء، وغض البصر، وصيانة السمع، وكف اللسان، وحفظ الفرج، المهم من أول رمضان إلى آخره وهو متعبد لله، سائر في طريق الله في الإيجابيات وهي الطاعات ويبتعد عن السلبيات وهي المعاصي، حسناً وبعد أن تنتهي هذه الدورة ماذا يراد منك أيها المسلم؟! يراد منك أن تستمر على نفس الأداء، تستمر على تدريباتك التي أخذتها في رمضان، فكنت تصوم في رمضان فصم ستاً من شوال، كنت تقوم في التراويح فقم جزءاً من الليل في بيتك، كنت تغض بصرك في رمضان فغض بصرك في شوال، كنت قد هداك الله من المخدرات والدخان والمفترات والخبائث فاتركها في شوال، عرفت المساجد في رمضان، يجب أن تستمر على صلاتك في المساجد في شوال، وكنت تنفق من مالك في رمضان يجب -أيضاً- أن تنفق من مالك في شوال، فقد تدربت على الأعمال الصالحة.
لكن الذي يؤلم القلب أن كثيراً من المسلمين إذا انتهى رمضان انتهت علاقتهم بالعمل الصالح، إذا انتهت آخر ليلة من رمضان تراهم يودعون فيها المساجد، وترون في ليلة العيد، في صلاة الفجر من يوم العيد، كم يصلي في المسجد الذي فيه عشرة صفوف؟ ترون فيه صفاً واحداً، أما الآخرون انتهى رمضان وانتهت العبادة، لا إله إلا الله! إن أصحاب العبادات الموسمية هؤلاء لا تنفعهم يوم القيامة؛ لأن الله عزوجل يطلب منا أن نعبده حتى نلقاه، يقول الله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] أي: الموت، وليس حتى يأتي شوال، والذي يعبد الله عزوجل يجب أن يعبده في كل وقت وحين، والذي يعبد رمضان، فرمضان شهر لا ينفع ولا يضر، وافرض -مثلاً- أنك عبدت الله في رمضان ثم تركت في شوال، ومت في شوال ماذا ينفعك رمضان؟ العبرة بالخواتيم -اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها.
فينبغي للمسلم أن يكون هكذا، أنك إذا صليت العشاء ثم انتقض وضوءك قبل السلام، فما حكم صلاتك؟ باطلة، وإذا صمت نهار رمضان وأفطرت قبل الغروب بدقيقة واحدة، فما حكم صيامك؟ باطل، وكذلك إذا عبدت الله ثم تركت قبل الموت، لا ينفع شيء من عمرك الأول.
فلا بد -أيها الإخوة- من الاستمرار في العمل الصالح، وهذا الإيحاء نعرفه من قول النبي ﷺ : (من صام رمضان وأتبعه بستٍ من شوال كان كمن صام الدهر كله) وأحد السلف يقول: [بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان] ولا يعني هذا أن يكون الناس في شوال على مقدار العبادة في رمضان، لا.
فرمضان مميز بالصيام الدائم، مميز بالقيام الدائم، مميز بالإنفاق الكثير، لكن المستوى الأدنى في شوال حفظ الفرائض والرواتب في المساجد، المستوى الأدنى في شوال أن تصوم ثلاثة أيام، أو تصوم الست من شوال، المستوى الأدنى أن تتصدق ولو بخمسة ريالات يومياً من جيبك لإخوانك المجاهدين، أو الفقراء والمساكين، المستوى الأدنى أن تكون ذاكراً لله، أما المعاصي فالمستوى فيها أنك لا تعصِ الله لا في رمضان ولا في شوال، فإن الله يغضب إذا عصي في شوال كما يغضب إذا عصي في رمضان، والله حرم المعصية في كل زمان ومكان، وعلى أي أرض، وتحت أي سماء، يقول الله في الأثر الإلهي: (إني إذا أطعت رضيت، وإذا رضيت باركت، وليس لبركتي نهاية، وإني إذا عصيت غضبت، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الولد).
هذه -أيها الإخوة- خمسة إيحاءات من رمضان: الإيحاء الأول: الطعام وبرنامج الغذاء الإسلامي.
الإيحاء الثاني: الغضب والتوتر.
الإيحاء الثالث: السهر.
الإيحاء الرابع: قراءة القرآن والدعوة إلى الله.
الإيحاء الخامس: الاستمرار والثبات بعد رمضان على الإيمان والعمل الصالح حتى يلقى العبد ربه.
فإذا أخذنا هذه المعاني من رمضان، وفهمناها على المراد الشرعي منه، أما إذا فهمنا أن رمضان هو شهر الأكل في الليل، والسهر والنوم في النهار، فلم نعرف رمضان وستمر علينا جميع الرمضانات، ونخرج منها مثلما دخلنا فيها، ولهذا يقول أحد السلف: علامة قبول رمضان أن تكون في شوال أحسن منك حالاً قبل رمضان.
أما الذي تنظر إليه وهو في شعبان وشوال سواء، معنى ذلك أنه لم يقبل منه رمضان، ما علامة قبول رمضان ونجاحك في رمضان؟ أن تكون في شوال إنساناً جديداً، تختلف عما كنت عليه في شعبان، أما إذا كنت في شعبان تغني وفي شوال تغني، في شعبان يزني، وفي شوال قد يزني، في شعبان يرابي وفي شوال -أيضاً- يرابي، في شعبان لا يصلي في المسجد، وفي شوال ترك الصلاة في المسجد، إذاً ما قيمة رمضان عند هذا؟ رمضان دخل وخرج وما زدت فيه إلا أن أكلت وسهرت ونمت ولعبت، وانتهى رمضان دون أن تحصل منه على المعاني التي شرعها الله، والتي قال الله فيها: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣].
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام، وأن يعيننا وإياكم على الطاعة والعمل الصالح، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 529
الأسئلة
стр. 530
حكم دعم المجاهدين الأفغان
السؤال
هناك من يثبط الناس عن دعم المجاهدين، بحجة أن الحرب أصبحت حرباً أهلية بين الأفغانيين بعضهم بعضاً؟
الجواب
هذا المثبط مسكين جاهل لا يعرف الأمور على حقيقتها، وينبغي له أن يكون من المؤمنين الواعين لحقائق الأمور ولا يكون جاهلاً، وينبغي له إذا لم يعرف ألا يتدخل في شيء من مثل هذه الأمور، إن الحرب الآن -أيها الإخوة- ليست حرباً أهلية، إنها حرب بين راية الإسلام وراية الكفر، والكافر سواء كان أفغانياً أو كان روسياً فهو كافر، فالكفر ملة واحدة، والراية المرفوعة الآن راية إسلام، أمام راية شيوعية حمراء يرفعها الشيوعيون الأفغان، ويؤيدهم الشيوعيون الروس بالسلاح والمال والخبراء وجميع الإمكانيات، فلا ينبغي للمسلم أن يتأخر عن دعم إخوانه؛ لأن فرضية الجهاد ليست على الأفغانيين فقط، إنها مسئولية كل مسلم، ولكنهم قاموا بالنيابة عنا للدفاع عن الإسلام في بلادهم، ونحن ينتظر منا أن نقوم بدعمهم، وأن نقاتل معهم بأموالنا وبدعائنا إن لم نستطع أن نقاتل بأنفسنا.
следующие страницы →