Полный текст (2 982 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
رمضان شهر الجهاد لا شهر الدعة والقعود
الإيحاء الثالث: قضية السهر في رمضان؛ وهذه مشكلة المشاكل، وعقدة العقد عند المسلمين.
فقد شرع الله صيام رمضان، وشرع رسول الله ﷺ قيام ليله، وبعد القيام ينصرف الناس إلى بيوتهم، وينامون ليستيقظوا، فيتسحروا ويصلوا الفجر، ثم يباشروا أعمالهم بقوة ونشاط، ولكن الذي يحدث الآن أن رمضان تصبح لياليه كلها سهراً، لا ينام الإنسان في رمضان إلى الفجر، ثم يأتي في الصباح وهو متعب، إما أن يأخذ إجازة، وأكثر الناس يأخذ إجازة في رمضان يقول: رمضان شهر النوم، نريد أن نأكل في الليل ونرقد في النهار، فهذا لم يقصر!! النهار نوم والليل أكل هذا هو رمضان، بينما الصحابة والسلف في النهار جهاد، والليل صلاة وقيام، رهبانٌ بالليل فرسانٌ في النهار، ولهذا كانت معارك الإسلام كلها تقوم في رمضان؛ غزوة بدر في رمضان، فتح مكة في رمضان، معارك التتار في رمضان، فكل الغزوات الإسلامية الفاصلة كانت تقوم في رمضان، لماذا؟ لأن المسلمين كانوا أكثر قوة ونشاطاً وإقداماً؛ لأنهم انتصروا على شهوات البطن فهم أقوياء، لكن الآن عندما سهر الناس في الليل تعطلت قواهم وخارت إمكاناتهم في رمضان، فنجد الموظف نائماً على مكتبه، ونجد الطالب نائماً على كرسيه، ونجد المدرس نائماً في المدرسة، ونجد البنت نائمة؛ كلهم نائمون، ماذا هناك؟ يقول أحد مدراء المدارس: دخلت على مدرس فصل في نهار رمضان، وحين دخلت وإذا بالطلاب نيام والمدرس نائم، يقول: فأخذت الكرسي وجلست بجانبهم، أريد أن أنتظر حتى يستيقظ، وينظر أني جالس أراقبه، وأني وجدته وهو نائم، يقول: فقعدت قليلاً فإذا بهم كلهم (يخطون) وبعدها رقدت معهم، رقد المدير والمدرس والطلاب في نهار رمضان، لا إله إلا الله! لماذا؟ لأن نوم النهار لا يحقق حاجة الجسم كنوم الليل، لو نمت في النهار من الفجر إلى المغرب، فإنك تقوم وأنت مريض، لكنك لو نمت في الليل ساعة أو ساعتين تقوم وأنت نشيط، لماذا؟ يقول العلماء: هذه آية من آيات الله؛ فقد قال الله في القرآن الكريم: ﴿يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ [القصص:٧٢] وقال: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً﴾ [الأنعام:٩٦] قال العلماء: إن الناس ينامون في النهار، فلماذا خصص الله السكن في الليل؟ فبعد البحث والتشريح والدراسة والتأمل، وجدوا أن في مخ الإنسان خلايا، وأن هذه الخلايا إذا نام الإنسان في الليل سكنت، وإذا نام الإنسان في النهار بقيت مفتوحة، فيقوم الإنسان من نوم النهار وكأنه لم ينم، تنظر إليه ينام من الصباح ويقوم وهو ضعيف ومتعب، يريد أن ينام طوال اليوم، لكن دعه ينام ساعة أو ساعتين في الليل فإنه يقوم ما شاء الله والحمد لله! ذهب النوم، لماذا؟ لأن هذه الخلايا نامت.
فنوم الليل ضروري -أيها الإخوة- ولا داعي للسهر، خصوصاً السهر المحرم، حين يسهر الناس في ليالي رمضان المبارك على معصية الله؛ يسهرون على الأفلام، ومجالس الغيبة والنميمة وأكل لحوم البشر، أو السهر في الذي هو أشبه بلعب الأطفال، كلعب الورق الذي يعني ابتلي به كثير من الناس، حتى العقلاء منهم وكبار السن يلعبون الورق (البلوت)، وهذا شيء يستغرب من العقلاء، ولا ينبغي لهم أن ينزلوا إلى هذا المستوى، فهذا الورق أصله لعبة للأطفال، أنت لو جئت إلى مجموعة من الأطفال وهم يلعبون الورق لم تنكر عليهم، ولو جئت إلى مجموعة من الأطفال يلعبون المكعبات، تعرفون المكعبات البلاستيكية التي يلعب بها الطفل ويعمل منها بيوتاً؟ فإنك لا تنكر عليه، أو رأيته يلعب بسيارته أو بطائرته أو بدبابته أو ببندقيته، لكن ما ظنك إذا جئت إلى رجل كبير عمره أربعون سنة، ومعه كيس من المكعبات ويبني منها عمارة، تقول: ماذا تعمل؟ يقول: والله أبني لي عمارة من المكعبات، أو يكون معه سيارة صغيرة يلعب بها، تقول له: ماذا بك؟ قال: ألا تنظر الموديل الجديد، ما رأيك في عقلية هذا الرجل؟ أما تحكم عليه بأنه مجنون وعقليته عقلية الأطفال؟! نعم.
بالله هل هذا عمل العقلاء أيها الإخوة؟! إنه عمل أطفال، وبعدها يقضي الواحد الساعة والساعتين والثلاث والأربع والخمس والست إلى الفجر وهم يلعبون، لا يكلون ولا يملون، وهم مع ذلك يقامرون بأوقاتهم وحياتهم، وهذا يقوم وذاك يقعد، وبعد ذلك زوجته في البيت تنتظره ولا يأتي، ومن حين يدخل يقول لها: اعلمي أني سوف أتأخر الليلة، وهذه القاصمة على المرأة، تقول: لماذا تتأخر الليلة أين ستذهب؟ وماذا بقي عندها إلا أنت؟ تريد منك أن تؤانسها وتسامرها، وأنت تقول: لا.
(البلوت) الليلة عند فلان وفلان وفلان، وإذا جاءت ليلته قال: اعلمي أن اللعب الليلة عندي، يا ويل تلك المرأة من الليلة! فإنها تحضر الشاهي و (النسكافية) والحليب والقهوة، كأنها (مكينة) طالعة نازلة طوال الليلة، والعصائر والفواكه، إلى الفجر وهم يلعبون الورق، وبعدها إذا قالت لهم: اتقوا الله يا جماعة! هذا لا يرضي الله، قالوا لها: ماذا تريدين أن نعمل؟ هل نذهب لنأكل لحوم الناس؟ ومن قال لكم: أن تأكلوا لحوم الناس، إذا لم تأكلوا لحوم الناس رجعتم إلى الورق! لا.
إن المسلم ليس في حياته فراغ -أيها الإخوة- المؤمن مشغول، وكل دقيقة من دقائقه يجب أن يستغلها، في أي مصلحة له في الدنيا أو في الآخرة، أما إذا شعر أن عنده فراغاً فليعلم أنه فارغ من الإيمان، ما من ساعة تمر من ابن آدم إلا كانت عليه حسرة وندامة يوم القيامة، إذا لم يذكر الله فيها: (ما جلس قوم في مجلس لم يذكروا الله تعالى فيه إلا تفرقوا عن مثل جيفة حمار).
نحن نخاطب العقلاء والمنصفين ونقول لهم: اتقوا الله، إن مجالس (البلوت) هذه مجالس قمار بالوقت، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١] نعم.
يجب على المؤمن أن يقول: انتهينا؛ لأنه يلعب (البلوت) ويوجِد في قلبه البغضاء والعداوة بينه وبين من يلعب أمامه، وبينه وبين الذي يغلبه، وبعدها يصده عن ذكر الله، لا يذكر الله طوال الوقت إلا بالأيمان الفاجرة فتمر عليهم الساعات والدقائق ولا يذكرون الله، والعياذ بالله.
فنقول أيها الإخوة: ليس هناك مانع من السهر المحدود المباح إذا كان على ما يرضي الله؛ إما أن تسهر مع زوجتك؛ وهذا من أعظم الأشياء، أو تسهر مع قريبك تزوره، أو مع رحمك تزورها، أو مع جارك تصله، أو مع مصالحك الدنيوية، كأن يكون عندك مكتب أو مؤسسة أو دكان، فليس هناك مانع، لكن إلى مستوى معين من الليل إلى منتصف الليل وهذا طويل، ثم تعود بعد منتصف الليل إلى بيتك وتنام، وتربي أولادك على النوم إلى السحور، ثم تقوم في السحور وتتسحر وتذهب إلى المسجد؛ هذا هو البرنامج الإيماني بالنسبة للسهر، أما من يقضي ليله في السهر الفارغ، ثم ينام سائر اليوم، هذا لم يعرف رمضان حقيقةً.
стр. 527
رمضان شهر القرآن والدعوة إلى الله
الإيحاء الرابع من إيحاءات رمضان: أنه شهر القرآن: والله يقول فيه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان﴾ [البقرة:١٨٥] يقول العلماء: إن تخصيص الذكر بنزول القرآن في رمضان، فيه إشارة ودعوة للمسلم على أن يجعل رمضان كله للقرآن، ولهذا كان السلف إذا دخل رمضان عطلوا حلقات العلم؛ التفسير الفقه الحديث التوحيد، جميع الحلقات تؤجل، وتبدأ كل حلقاتهم قرآناً في قرآن، يختمون بالليل والنهار، حتى روي أن الإمام الشافعي كان يختم في كل رمضان ستون ختمة، ختمةً بالليل وختمةً بالنهار، لا يُرى إلا قارئاً، لا يفتر لسانه من قراءة القرآن، لكن اليوم كم نقرأ من القرآن؟ الله المستعان! يمكن في أول رمضان ينشط بعض الناس وتكون عنده همة ويأخذ المصحف ويقرأ، لكن انتظر إلى اليوم الثاني تجد بعضهم لا زال في البقرة لم يكملها، يمر عليه خمسة عشر يوماً وهو لا زال فيها، وهناك بعض المؤمنين يختمون في كل يومين مرة، أو في كل ثلاثة أيام مرة، أو في كل أربعة أيام مرة، أو في كل خمسة أيام مرة، فشهر رمضان شهر القرآن.
اتل الكتاب وسبح فيه مجتهداً فإنه شهر تسبيح وقرآن
لا بد من تلاوة كلام الله في كل أوقاتك، ليكن مصحفك في جيبك، وفي مكتبك، وعند سرير نومك، وفي سيارتك، وكلما وجدت فرصة للتلاوة، حتى في العمل فاقرأ، إنك إذا كنت في وظيفتك فالمطلوب منك أن تصرف وقتك للوظيفة؛ لأن الوظيفة واجب والتلاوة نافلة، لكن إذا انتهيت من المعاملات ولم يبق عندك أي معاملة على مكتبك فاجلس وخذ المصحف واقرأ، وإذا جاءت المعاملات فضع المصحف وأنجز المعاملات، وبعد ذلك إذا أتيت لتنام فاقرأ، ومن حين يؤذن لكل صلاة أنت الأول، إذا كنت في الدوام عندما يؤذن فانزل الأول، من حين يؤذن تأتي لتصلي وترجع، تتعشى عشاءً خفيفاً وكن الأول، ولا تتأخر واذهب إلى المسجد مبكراً كي تقرأ القرآن، الفجر تتسحر وتأتي المسجد وتقرأ، تصلي الفجر وتقرأ، فاجعل كل حياتك في رمضان للقرآن.
وبعدها تقرأ بتدبر، لا تهذرم: (لا تهذوا القرآن هذَّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، ولكن قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب) إذا رأيت آية من أوامر الله قف عندها واسأل نفسك، أين أنت منها؟ إذا رأيت نهياً من نواهي الله اسأل نفسك أين أنت من هذا النهي؟ اسأل نفسك أين أنت من هذا الخبر؟ قف عند القرآن وعجائبه وخذ العبر منه فهو ﴿هُدىً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:١٨٥] تأخذ من القرآن فكرة ومعنى الدعوة، لماذا؟ لأن الله يقول: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥] فتحمل أنت مشعل الهدى والبينات، وتسير به بين الناس، فتدعو نفسك وزوجتك وأولادك وجيرانك وإخوانك، وتدعو زملاءك في العمل، وجلساءك في المكتب، وكل من تعرف، لماذا؟ لأن الدعوة هي تركة النبي ﷺ ، التركة التي خلفها لنا النبي ﷺ : الدين والدعوة، يقول الله عزوجل: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣].
إن مسئولية الدعوة مسئولية كل مسلم، فكل مسلم يجب أن يدعو بحسبه وليست الدعوة هي علو المنابر وحضور المحاضرات وإلقاؤها، لا.
هذه جزء من الدعوة، لكن الاستقامة على الدين دعوة، تأييدك لرجل يأمر بمعروف ووقفتَ معه وقفة الحق دعوة، إذا رأيت صاحب منكر تقول له: يا أخي! هذا منكر لا يجوز لك.
هذه دعوة، كل أساليب الدعوة يجب أن تسلكها انطلاقاً من قراءتك للقرآن، فمصيبة الأمة اليوم أنها صامتة، بل متفرجة، لو جئت إلى اثنين في الشارع وقد رأيت أنا هذا بعيني، وليس من أهل البلد وإنما هو من إخواننا الوافدين، خرج رجل مواطن من المسجد، وبيده (سيجارة) على باب المسجد وأشعلها، خرج وأنا أصلي في المسجد، عندما خرج هذا الرجل اعترضه أخٌ آخر في الطريق وسلم عليه وقال له: يا أخي أما كنت تصلي الآن؟ قال: نعم، قال: يا أخي! لا ينبغي لك بعد الصلاة أن تعصي الله (بالدخان)، تب إلى الله منه، فهذا الرجل المسكين المواطن غضب، ورأى أنها إهانة له أن يوجه له شخص نصيحة، لا سيما وأنه يرى أن هذا الأخ ليس من المقيمين، فغضب عليه وزمجر وصاح فيه صيحة عنيفة، وقال: أصلك (ملقوف) وماذا دخلك فيَّ؟ وهل أنت وحدك الذي تعرف الدين؟! نحن أهل الدين، وبدأ يشتمه، وسمعت الصياح وأنا في المسجد، فخرجت وإذا بالناس كلهم واقفون، والله ليس فيهم واحد ينصر هذا الأخ المسكين، إلا أنهم كلهم متفرجون، فجئت فقلت: ما الذي حصل؟ قال: هذا الذي لا يفهم وهذا قلت: وماذا هناك؟ قال: ينصحني ويقول لي: لا أدخن -والدخان في يده- قلت: وما المانع أن ينصحك؟ هل الدين لك فقط؟ لو أن فيك ديناً وخيراً لم تدخن يا أخي! نعم ينصحك: (الدين النصيحة) يا أخي! فنظر إلي وقام يطفئ (السيجارة)، قال: النصيحة ليست بهذا الأسلوب؟ قلت: ماذا قال لك: هل ضربك أو شتمك؟ قال: يقول لي: المفروض ألا أدخن، حسناً! فقط المفروض ألا تدخن يا أخي! اتق الله يا أخي! الحق ضالة المؤمن، أو لأنه من دولة أخرى، أو من جنسية أخرى، فأنت لا تقبل الحق؟ قال: لا.
فقط أنا لا أرضى أن أحداً يقول لي، قلت: لا بد أن ترضى، ويجب أن تخضع للحق إذا كنت مسلماً، والذي لا يرضى بالحق فالله يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢] بعدها قام الناس قلت: يا جماعة! لماذا أنتم ساكتون؟ أليس هذا على حق؟ قالوا: نعم على حق.
قلت: لماذا تسكتون؟ لماذا لا تناصرونه؟ أو من أجل أن هذا أجنبي وهذا من أهل البلد، الحق يا أخي! ضالة المؤمن، يجب أن تناصر الحق من أيٍ كان مصدره، ومع أي إنسان يحمله، الدين ليس وقفاً لأحد، الدين دين المسلمين من شتى بقاع الأرض.
فيجب أيها الإخوة: أن نكون ألسنة ناطقة بالحق، ولكن بحكمة ورأفة وحب وشفقة، ليس بسب وشتيمة وانفعال، مثل هذا الأخ، قال له: يا أخي! الله يجزيك خيراً، أنت خارج من المسجد المفروض ألا تدخن، فقط، فهذا نعرفه من ماذا؟ من قراءة القرآن يقول الله: ﴿هُدىً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:١٨٥] ليس هدىً لك أنت، بل هدى للناس كلهم ومن أين تجيء؟ يقول الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] فالدين رحمة للعالم كله، ونحن -أيها الإخوة- ما دام عندنا إمكانية أن نبلغ دين الله فلنبلغ عن الله ولو آية، وعن رسول الله ﷺ ولو حديثاً واحداً.
هذا الإيحاء الرابع: وهو تلاوة القرآن.
стр. 528
رمضان شهر التدرب على الأعمال الصالحة
الإيحاء الخامس وهو مهم جداً: وهو أن شهر رمضان بمنزلة الدورة التدريبية التي يعقدها الله للمؤمنين شهراً في كل عام، للتدرب على العمل الصالح، يتدرب المسلم فيها على القيام والصيام، والإنفاق والبذل والعطاء، وغض البصر، وصيانة السمع، وكف اللسان، وحفظ الفرج، المهم من أول رمضان إلى آخره وهو متعبد لله، سائر في طريق الله في الإيجابيات وهي الطاعات ويبتعد عن السلبيات وهي المعاصي، حسناً وبعد أن تنتهي هذه الدورة ماذا يراد منك أيها المسلم؟! يراد منك أن تستمر على نفس الأداء، تستمر على تدريباتك التي أخذتها في رمضان، فكنت تصوم في رمضان فصم ستاً من شوال، كنت تقوم في التراويح فقم جزءاً من الليل في بيتك، كنت تغض بصرك في رمضان فغض بصرك في شوال، كنت قد هداك الله من المخدرات والدخان والمفترات والخبائث فاتركها في شوال، عرفت المساجد في رمضان، يجب أن تستمر على صلاتك في المساجد في شوال، وكنت تنفق من مالك في رمضان يجب -أيضاً- أن تنفق من مالك في شوال، فقد تدربت على الأعمال الصالحة.
لكن الذي يؤلم القلب أن كثيراً من المسلمين إذا انتهى رمضان انتهت علاقتهم بالعمل الصالح، إذا انتهت آخر ليلة من رمضان تراهم يودعون فيها المساجد، وترون في ليلة العيد، في صلاة الفجر من يوم العيد، كم يصلي في المسجد الذي فيه عشرة صفوف؟ ترون فيه صفاً واحداً، أما الآخرون انتهى رمضان وانتهت العبادة، لا إله إلا الله! إن أصحاب العبادات الموسمية هؤلاء لا تنفعهم يوم القيامة؛ لأن الله عزوجل يطلب منا أن نعبده حتى نلقاه، يقول الله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] أي: الموت، وليس حتى يأتي شوال، والذي يعبد الله عزوجل يجب أن يعبده في كل وقت وحين، والذي يعبد رمضان، فرمضان شهر لا ينفع ولا يضر، وافرض -مثلاً- أنك عبدت الله في رمضان ثم تركت في شوال، ومت في شوال ماذا ينفعك رمضان؟ العبرة بالخواتيم -اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها.
فينبغي للمسلم أن يكون هكذا، أنك إذا صليت العشاء ثم انتقض وضوءك قبل السلام، فما حكم صلاتك؟ باطلة، وإذا صمت نهار رمضان وأفطرت قبل الغروب بدقيقة واحدة، فما حكم صيامك؟ باطل، وكذلك إذا عبدت الله ثم تركت قبل الموت، لا ينفع شيء من عمرك الأول.
فلا بد -أيها الإخوة- من الاستمرار في العمل الصالح، وهذا الإيحاء نعرفه من قول النبي ﷺ : (من صام رمضان وأتبعه بستٍ من شوال كان كمن صام الدهر كله) وأحد السلف يقول: [بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان] ولا يعني هذا أن يكون الناس في شوال على مقدار العبادة في رمضان، لا.
فرمضان مميز بالصيام الدائم، مميز بالقيام الدائم، مميز بالإنفاق الكثير، لكن المستوى الأدنى في شوال حفظ الفرائض والرواتب في المساجد، المستوى الأدنى في شوال أن تصوم ثلاثة أيام، أو تصوم الست من شوال، المستوى الأدنى أن تتصدق ولو بخمسة ريالات يومياً من جيبك لإخوانك المجاهدين، أو الفقراء والمساكين، المستوى الأدنى أن تكون ذاكراً لله، أما المعاصي فالمستوى فيها أنك لا تعصِ الله لا في رمضان ولا في شوال، فإن الله يغضب إذا عصي في شوال كما يغضب إذا عصي في رمضان، والله حرم المعصية في كل زمان ومكان، وعلى أي أرض، وتحت أي سماء، يقول الله في الأثر الإلهي: (إني إذا أطعت رضيت، وإذا رضيت باركت، وليس لبركتي نهاية، وإني إذا عصيت غضبت، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الولد).
هذه -أيها الإخوة- خمسة إيحاءات من رمضان: الإيحاء الأول: الطعام وبرنامج الغذاء الإسلامي.
الإيحاء الثاني: الغضب والتوتر.
الإيحاء الثالث: السهر.
الإيحاء الرابع: قراءة القرآن والدعوة إلى الله.
الإيحاء الخامس: الاستمرار والثبات بعد رمضان على الإيمان والعمل الصالح حتى يلقى العبد ربه.
فإذا أخذنا هذه المعاني من رمضان، وفهمناها على المراد الشرعي منه، أما إذا فهمنا أن رمضان هو شهر الأكل في الليل، والسهر والنوم في النهار، فلم نعرف رمضان وستمر علينا جميع الرمضانات، ونخرج منها مثلما دخلنا فيها، ولهذا يقول أحد السلف: علامة قبول رمضان أن تكون في شوال أحسن منك حالاً قبل رمضان.
أما الذي تنظر إليه وهو في شعبان وشوال سواء، معنى ذلك أنه لم يقبل منه رمضان، ما علامة قبول رمضان ونجاحك في رمضان؟ أن تكون في شوال إنساناً جديداً، تختلف عما كنت عليه في شعبان، أما إذا كنت في شعبان تغني وفي شوال تغني، في شعبان يزني، وفي شوال قد يزني، في شعبان يرابي وفي شوال -أيضاً- يرابي، في شعبان لا يصلي في المسجد، وفي شوال ترك الصلاة في المسجد، إذاً ما قيمة رمضان عند هذا؟ رمضان دخل وخرج وما زدت فيه إلا أن أكلت وسهرت ونمت ولعبت، وانتهى رمضان دون أن تحصل منه على المعاني التي شرعها الله، والتي قال الله فيها: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣].
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام، وأن يعيننا وإياكم على الطاعة والعمل الصالح، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 529
الأسئلة
стр. 530
حكم دعم المجاهدين الأفغان
السؤال
هناك من يثبط الناس عن دعم المجاهدين، بحجة أن الحرب أصبحت حرباً أهلية بين الأفغانيين بعضهم بعضاً؟
الجواب
هذا المثبط مسكين جاهل لا يعرف الأمور على حقيقتها، وينبغي له أن يكون من المؤمنين الواعين لحقائق الأمور ولا يكون جاهلاً، وينبغي له إذا لم يعرف ألا يتدخل في شيء من مثل هذه الأمور، إن الحرب الآن -أيها الإخوة- ليست حرباً أهلية، إنها حرب بين راية الإسلام وراية الكفر، والكافر سواء كان أفغانياً أو كان روسياً فهو كافر، فالكفر ملة واحدة، والراية المرفوعة الآن راية إسلام، أمام راية شيوعية حمراء يرفعها الشيوعيون الأفغان، ويؤيدهم الشيوعيون الروس بالسلاح والمال والخبراء وجميع الإمكانيات، فلا ينبغي للمسلم أن يتأخر عن دعم إخوانه؛ لأن فرضية الجهاد ليست على الأفغانيين فقط، إنها مسئولية كل مسلم، ولكنهم قاموا بالنيابة عنا للدفاع عن الإسلام في بلادهم، ونحن ينتظر منا أن نقوم بدعمهم، وأن نقاتل معهم بأموالنا وبدعائنا إن لم نستطع أن نقاتل بأنفسنا.
стр. 531
نصيحة للآباء بسرعة تزويج بناتهم وأبنائهم
السؤال
هنا مشكلة مرسلة من بعض الفتيات، وهي مشكلة خطيرة جداً يقلن فيها: نشتكي إلى الله من مشكلتنا التي نعاني منها، ولا يشعر أحدٌ بمعاناتنا، هذه المشكلة هي مشكلة الزواج، فآباؤنا -سامحهم الله- منعونا من حقنا الشرعي بحججٍ واهية وأعذارٍ غير صحيحة، ويواجهوننا بالرفض؛ إما لسلك الطرق غير الشرعية، أو بقضاء حياة العنوسة التي نعاني منها الأمرَّين، فتذهب حياتنا سدى، وهكذا تصل أعمارنا إلى السن المتقدمة دون أن نتزوج، فنرجو منكم النصيحة لآبائنا، عسى أن تصل إلى آذانهم وقلوبهم؟ وما رأي الإسلام في ذلك؟ أفتونا وجزاكم الله خيراً، ونرجو منكم الدعاء لنا، وتأمين الحاضرين على دعائكم جزاكم الله خيراً؟
الجواب
هذه -أيها الإخوة- مشكلة ينبغي أن نصغي لها بآذاننا وقلوبنا.
سنة الله غالبة، والذي يريد أن يلغي سنة الله بفكره، فالله غالب على أمره، سنة الله غالبة وهو أن هذه المرأة تبحث عن رجل يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١] آية من آيات الله أن الزوجة والبنت لا تسكن إلا إلى زوج؛ وهذا الزوج هو الذي يلبي احتياجها، من الأمن والطمأنينة والسكن والمودة والرحمة، وإذا حُلتَ بينها -أيها الأب- وبين السكن مع الزوج عذبتها، وأنت لا نشك في أنك تبحث عن سعادتها، ولا نشك في أن أحداً من الآباء يبحث عن شقاء ابنته أبداً، إنه يسارع بها إلى المستشفى إذا مرضت، ويعطيها الغذاء والدواء والكساء والأموال، لكنه أحياناً ينسى الحاجة الرئيسية عندها وهي الزوج، وإذا جاء الزوج الذي يخطب يرفضه، لا.
يا أخي المسلم! إن من مقتضيات عطفك ورحمتك وشفقتك على ابنتك، أن تبحث عن سعادتها، وسعادتها لا تكون إلا في زواجها، ومتى تزوجها؟ عند النضج، والنضج متى يبدأ؟ من بلوغ المرأة سن الحيض، إذا حاضت المرأة فهذا دليل وإشعار على أنها أصبحت قابلة للزواج، والذي يلغي سنة الله في ابنته، وتحيض ابنته في كل شهر وطوال السنين، فقد ورد في بعض الآثار: (إن حيضها يجمع يوم القيامة ويسقى به والدها).
يشرب حيض ابنته؛ لأنه منعها من الزواج، بينما هو في علاقة جنسية ليلية مع أمها أو مع عمتها، لا يصبر عن امرأته أسبوعاً، لو تهرب امرأته عند أهلها أسبوعين لا يأتيه النوم، ويذهب ويدفع الأموال ويطرح الرضا والمصالح من أجل أن يأتي بالمرأة، وابنته محصورة في غرفتها تعاني الأمرَّين، تسمع وترى وتلتهب فيها عوامل الشهوة، ولا تريد البنت الطيبة أن تكسر عرض أبيها، ولا أن تخدش حياء أسرتها، ولا أن تعرض نفسها للذئاب البشرية الفاتكة فتعيش معذبة محرومة من لذة الحياة، بسبب ماذا؟ بسبب طمع والدها؛ إما أن يكون طامعاً في راتبها إذا كانت موظفة، أو يكون طامعاً في نسيبٍ يتخيره هو على نظره، لا يا أخي! إذا أتاك من ترضى دينه وخلقه فزوجه، والحمد لله الساحة اليوم مملوءة بالطيبين، لقد كان الرجل في الماضي إذا أراد أن يزوج ابنته، يقف محتاراً كيف يزوج ابنته لا يجد أحداً، لا يلقى إلا (مخنفسين) و (معربدين) ولا يسوون شيئاً، لا يأمنه الواحد منا على حماره فضلاً على أنه يعطيه ابنته، لكن اليوم والحمد لله المساجد مملوءة، والمجتمعات مملوءة بأصحاب الإيمان، بشباب القرآن بالملتزمين، ولكن الملتزمين لم يجدوا زوجات، أنا أعرف في هذا المسجد ما يقارب ألفي شخص يريدون أن يتزوجوا، لو أقول: ارفعوا أصابعكم لرفعوا أصابعهم، هؤلاء من يزوجهم والبنات يملأن البيوت؟! كل بيت تنظرونه في الصباح تخرج البنات منه صفوفاً يركبن في السيارات وينزلن عند المدارس والكليات مئات وآلاف البنات فهؤلاء لم يتزوجن، والشباب لم يتزوجوا، وبالتالي من الذي يستفيد من هذا؟ الشيطان يستغل هذا الرفض وهذا المنع من أجل أن يكسر الحواجز، ويفتح الطرق والميادين والقنوات الشيطانية عبر الاتصالات الهاتفية، وعبر الرسائل الغرامية، وعبر الخروج إلى الأسواق والمنتزهات، وبعدها قد تتم اللقاءات المحرمة، وتعيش الأمة في فساد لا يعلمه إلا الله، ويتمنى الزوج أو الأب الذي منع ابنته، يتمنى أنه لم يعرف الحياة، يوم يعلم أنَّ ابنته قد زنت، أو قد ذهبت عذارتها، أو قد ضبطت مع رجل في سيارة، أو ضبطت في مكالمة، أو كشف في (شنطتها) رسالة، وأبوها هو السبب في هذا كله.
نقول لإخواننا في الله: اتقوا الله في فلذات أكبادكم، اتقوا الله في بناتكم، زوجوهن إن جاءكم الخاطب الكفء، وإذا لم يأتكم الخاطب الكفء فعليك أن تبحث أنت لابنتك عن زوج، ابحث أنت، فأنت تصلي في المسجد وابنتك لا تصلي في المسجد، ولا تقدر أن تتكلم مع أحد، ولا تعرف من هو الذي يجيء، ولكن أنت تعرف المسجد، فإذا نظرت إلى رجل فيه خير ودين فادعه وقل له: تعال، هل أنت متزوج؟ فإن قال: لا والله، قل له: هل تشتغل؟ فقال: والله ليس عندي وظيفة أنا أدرس، حسناً أنا سوف أزوجك، سوف يقول: الله يجزيك خيراً، الله يبارك فيك، ويقبل رأسك، يقول أحد الإخوان: عندي ثلاث بنات، والله إن أزواجهن عندي مثل عيني، وعندي أولاد والله لا ينفعونني بشيء.
فتبحث عن الزوج وتختاره أنت، وتأتي به إلى البيت وتجعله يرى البنت وتراه، فإذا انتهى الأمر وتيسرت الأمور، فخذ منه عشرة ريالات أو ألف ريال أو مائتي ريال، وتعقد له، وتأتي بكبش أو ذبيحة، وتدعو أباه، ثم تتعشون سوياً، ثم ادفع إليه زوجته، وبعدها اذهب للنوم وعينك آمنة، وظهرك آمن، وقلبك آمن، إن ابنتك أصبحت مع رجل يحميها ويقوم بلوازمها، لكن أن تغلق عليها الباب كل ليلة وأنت تنام مع زوجتك مهما فعلت، إما أن تكسر عرضك، وإما أن تعيش في عذاب، وإذا مت أنت فأول من يخاصمك هذه البنت بين يدي الله، وأذكر أني ذكرت لكم القصة عن تلك البنت التي مرض أبوها في المستشفى، فلما جاءت إليه تزوره مع بقية الأسرة، وعمرها خمس وثلاثون سنة، لم يأتها الخطاب، انتهى، من الذي سوف يأتيها وعمرها خمس وثلاثون سنة؟ الثمرة تقطف في سن النضج، لكنها إذا انتهت واضمحلت، لم يعد أحد يأتي إليها، فلما جاءت قال: سامحيني يا ابنتي! لأنه عرف أنه قد ضرها، قالت: قل: يا الله، قال: يا الله، قالت: ثم قل: يا الله، قال: يا الله، ثم قل: يا الله، قال: يا الله، قالت: إن الله يلهب عظامك، وإن الله لا يسامحك لا في الدنيا ولا في الآخرة، قال: قولي: لا إله إلا الله، قالت: لا إله إلا الله، قتلك الله، الآن عمري خمسة وثلاثون سنة ولو أنك زوجتني وعمري عشرون سنة لكان معي ولد كبير عمره الآن خمس عشرة سنة يقوم بي يوم أن تموت أنت الآن، لكن الآن سوف تموت أنت وأخواتي تزوجن إن أتيت عندهن أتيت خادمة لأزواجهن، وإخواني تزوجوا، إن جئت عندهم ضاقوا مني، وإن قعدت لوحدي ضقت من الحياة، وإن أردت الزواج فلا أحد يتزوجني الآن.
فزوج ابنتك يا أخي! إذا بلغت خمسة عشر عاماً زوجها أو ستة عشر أو سبعة عشر، بعضهم يقول: أنا أريد أن تكمل تعليمها، فلتكمل تعليمها من يمنعها؟ التعليم لا يمنعه الزواج، بل الزواج أعظم مؤيد للتعليم، زوج ولدك وابنتك، فنحن بحاجة إلى البشر -يا إخواني- بلادنا بلادٌ طيبة وخيراتها كثيرة، بلادنا واسعة وفيها خير، يشبع فيها جميع شعوب الأرض، ونحن قاعدون لا نزوج بناتنا ولا أولادنا، لا يا إخواني! تكاثروا تناسلوا، وبعدها لا تعقدوا أمور الزواج، اتقوا الله! إن الرجل الحر الشهم المؤمن لا تنام عينه، ولا يستقر قلبه إلا إذا عرف أن ابنته أصبحت عند رجل يحميها ويقوم بلوازمها، أما أن تقوم بربط بناتك وتجعلهن مربوطات وحبيسات في البيت، فإنك بهذا تقترف أعظم مصيبة وجريمة في حقهن وفي حق مجتمعك، وفي حق دينك ونفسك، وسوف تعض أصابع الندم يوم القيامة إذا وقفت بين يدي الله وقد خنت هذه الأمانة.
أما الدعاء: فأدعو الله لهؤلاء البنات أن يرزقهن الصبر، وأنا أوصيهن بالصبر، فالبنت والشاب إذا لم يتيسر لهما الزواج فليس هناك فرصة للحرام؛ لأن الله يقول: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣].
فنحن نقول للبنات: إذا لم يرض الآباء أن يزوجوهن استعففن واصبرن، فإن صبركن على عدم الزواج أخف من النار، وأخف من عذاب الله.
وأيضاً الشباب نقول لهم: اصبروا وسيجعل الله للصابرين فرجاً إن شاء الله.
стр. 532
المحافظة على الطاعات باجتناب المحرمات
السؤال
ما رأيكم في الذين يصلون التراويح مع المسلمين، ويحضرون دعوة المسلمين، ثم يعودون إلى بيوتهم ليشاهدوا المسلسلات في أفلام الفيديو، ويسمعوا الأغاني؟
الجواب
هؤلاء مساكين؛ لأنهم يفسدون أعمالهم، كما أن الحسنات يذهبن السيئات أيضاً: السيئات تذهب الحسنات، يجب أن تبني وتحمي ما بنيت -يا أخي- تبني عملاً صالحاً وتحميه من الفساد، أما أن تبني نصف ساعة تراويح، وتقعد ثلاث أو أربع ساعات على الأفلام والأغاني فإنك تخرب أكثر مما تصلح، يقول الشاعر:
أرى ألف بانٍ لا يقوموا لهادمٍ فكيف ببانٍ خلفه ألف هادمٍ
стр. 533
مشروعية العمرة في رمضان
السؤال
نصيحة للمعتمرين لاحظت ما يلي: كثرة الكلام عن العمرة بين الناس، هل اعتمرتم، أم لا؟ كأنها أصبحت موضة؟
الجواب
لا يا أخي! لم تصبح موضة، ولا نريد أن نشعر الناس بأنهم إذا تساءلوا عن العمرة أنهم مخطئون، أبداً، فإذا اعتمرت فالحمد لله، وإذا سألك شخص: هل اعتمرت؟ فقل: نعم.
ولا يسألك إلا عن أمر مهم، أما العمرة في رمضان ففيها حديث في صحيح البخاري يقول ﵊: (عمرة في رمضان تعدل حجةً معي) كأنك حججت مع النبي ﷺ ، أما إذا تساءل الناس عن العمرة فهذا من باب التناصح والتذاكر، تقول: هل اعتمرتم؟ أقول: لا والله، تقول لي: لماذا يا أخي! لا بد أن نعتمر، فهذه فرصة، أو أنا أعتمرت والحمد لله، هذا هو الهدف منها التذكير، أما إذا كان الغرض منها المباهاة أو الرياء، فهذا لا يجوز والعياذ بالله.
стр. 534
النساء وخروجهن إلى الأسواق بعد التراويح في مكة
السؤال
بعض الناس يذهب إلى العمرة، ثم يترك لنسائه الحبل على الغارب في التجول في شوارع مكة وأسواقها، فبم تنصحهم؟
الجواب
ننصحهم بعدم تركهم يعملون هذا؛ لأن الذهاب للعمرة للطاعة وليس للمعصية، صحيح بعض النساء إذا دخل الرجال في التراويح خرجت وذهبت إلى الأسواق تقضي حاجتها، وترجع إلى المسجد الحرام كأنها تصلي، لم يعرف زوجها وهذا لا ينبغي، يجب أن تصلي وتجلس في المسجد الحرام، وإذا كانت بحاجة إلى شيء فعلى زوجها أن يقضيه لها.
стр. 535
مناصحة الجار الذي لا يصلي أو هجره
السؤال
لي جار لا يصلي سواء في رمضان أو في غيره، فما الحكمة في نصيحته؛ لأنه منغمسٌ في الفسوق؟
الجواب
ليس في الفسوق بل منغمس في الكفر؛ لأن الذي لا يصلي كافر، وعليك مناصحته بزيارته وإهدائه كتاباً إسلامياً أو شريطاً إسلامياً ودعوته مرة ومرتين، فإذا قبل منك النصيحة واستجاب إلى كلامك، فاستمر حتى ولو لم يأت ليصلي في المسجد، لكن استمر معه حتى يهديه الله، أما إذا رفض النصيحة، ورفض الكتاب، ورفض الشريط فيجب رفعه لولي الأمر، فتذهب إلى الحسبة والهيئة وتقول لهم: لي جار لا يصلي، هذا رقم هاتفه، أو هذا عنوان بيته، أو العمارة التي هو فيها وأنا برئت ذمتي، ثم تقاطعه في الله؛ لا تسلم عليه، ولا تزوره، تبغضه في الله حتى يرجع إلى الله ﵎.
стр. 536
حكم زواج الشغار
السؤال
والدي زوج رجلاً بأختي، والرجل زوجني أخته، والبنات راضيات وسعيدات، وأنا والرجل الذي تزوج راضيان، وقد رزقنا بأولاد.
فما حكم هذا الزواج؟ علماً بأنه يوجد شرط: بأن كل واحد يزوج الثاني، وما حكم النكاح؟
الجواب
هذا النكاح باطل واسمه: نكاح الشغار، وهو حرام، ولو كن راضيات وسعيدات، ولو كان فيه مهر، ما دام فيه شرط بأنك لا تزوجني إلا إذا زوجتك، فهذا هو الشغار، ولهذا ينبغي لصاحب هذا السؤال أن يصحح الوضع من الليلة؛ لأن حياتهم الآن قائمة على الحرام، والأولاد الله أعلم بحكمهم، والحياة كلها شر ولعنة -والعياذ بالله- عليهم أن يذهبوا إلى قاضي الجهة الشرعية التي عندهم ويصححوا الوضع، ويؤتى بالزوجات، ويعاد العقد من جديد ليصبح عقداً شرعياً، أما العقد الأول الذي فيه شرط المبادلة، فإنه شرط فاسد والنكاح باطل وهو نكاح الشغار.
وإذا ماتت إحداهما فليجددوا للتي ما زالت حية، والتي قد ماتت نسأل الله أن يتوب عليه وعليها.
أسأل الله لي ولكم التوفيق، والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 537
لا تقنطوا من رحمة الله
نَهَجَ الإسلام في التعامل مع النفس البشرية منهجاً عظيماً، ينطلق من علم الله فهو الذي خلق النفس وسواها، وألهمها فجورها وتقواها، فهو يعلم ضعفها وحقارتها وتسلط الشهوات والشبهات عليها.
ومن طبيعة النفس البشرية أنها جبلت على الخطأ لكن الله جعل لها باباً واسعاً وهو باب التوبة والرجوع إليه وعدم القنوط من رحمته.
стр. 538
الحث على الإنابة والرجوع إلى الله تعالى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الإخوة في الله! هذا الدرس بعنوان: (لا تقنطوا من رحمة الله) وهذا العنوان جزء من آية كريمة في كتاب الله ، وقد بين الله فيها للناس الذين أسرفوا في الذنوب وأمعنوا في الخطايا، فدعاهم ألا يقنطوا من رحمة الله، ودعاهم أيضاً بأن سماهم عباده فقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٣ - ٥٤] إلى آخر الآيات.
ومنهج الإسلام في التعامل مع النفس البشرية منهج عظيم ينطلق من علم الله بحقيقة هذه النفس؛ لأن الله هو الذي خلق النفس: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٧ - ٨] ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] يعلم ضعفها، وحقارتها، وتسلط الأعداء عليها، ولذا فإن الله ﵎ عاملها عن علم، وفرض عليها ورباها من طليق الفهم بها والعلم بأسرارها، فالنفس تعتمد في الأصل على إدراك الحق، هذا مطلب، وهو: أن يدرك كل إنسان الحق الذي من أجله خلقه الله تعالى ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد:١٩].
الناس أحد رجلين: رجل يعلم الحق والدين وأدركه، ومعنى الإدراك يعني: بلوغ هذه الحقائق إلى أعماق النفس البشرية.
هذا يسمى إدراك، ليس فهماً ولا علماً، لا.
إدراك يقيني، هذا رجل وفقه الله فأدرك.
- وآخر لم يدرك ولم يعرف الحق فهو أعمى عن طريق الحق: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٧٢].
فالأول: أدرك الحق، وترتب على إدراكه للحق أن سار في طريق الحق؛ فقام بالفرائض والواجبات، وانتهى عن المحارم، وترك المعاصي والمنكرات، وهذا الفعل كفيل بأن يصل به إلى أعلى درجات الكمال إذا قام بأوامر الله وانتهى عما حرم الله، لم يعد إنساناً بشرياً بسيطاً عادياً، بل يرتفع عن مستواه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٧ - ٩] أي: ارتفع بها، التزكية هي: الارتفاع والعلو بالنفس البشرية ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:١٠] أي: غمسها ولطخها بالذنوب والمعاصي، فإذا فعل الإنسان الطاعات وترك المعاصي ارتفع إلى ذروة الرفعة، فهنا يصبح جديراً بأن يكون من عباد الله، وأن يكون خليفة في الأرض، إلا أن الإنسان بحكم بشريته، وطبيعة خلقه لا يبقى دائماً في سمو، بل ربما تعثر به القدم وتزل، وربما يسقط إما بسبب جهله، أو شهوته، أو ضغط شبهة، أو بتأثير رفقته، كل هذه مؤثرات تحاول أن تجذب الإنسان وهو في طريق السمو والارتقاء، شهوات، شبهات، رفقة، غفلة، جهل كل هذه اسمها مثبطات، فيحصل له بهذا انحراف عن السير في الطريق الصحيح.
стр. 539
أثر الانحراف الديني على الإنسان
إن هذا الانحراف يهبط به وينزله من المستوى الإنساني، ويحول بينه وبين التطهر والترقي والتسامي فيسقط ويقل قدره عند الله، وينحط إلى الدرك الذي يعوقه عن النهوض بتبعات هذا الدين، فيألف المعاصي، وتثقل عليه الطاعات، وحين يصل الإنسان إلى هذه الدرجة لا يكون له رسالة في الكون، ولا هدف ولا مثل، وإنما تتجه جميع قدراته وإمكاناته لإشباع غرائزه، وإيثار مصالحه، والتنكر للمصالح الأخرى، فيصبح شخصاً أنانياً فقط.
همه أن يدور كل شيء في فلكه هو، ويوم أن تخلو الحياة من الضمائر الحية والأفراد الصالحين تتحول الحياة إلى صراع، وحلبة لا يكون فيها إلا شبه صراع الحيوانات المفترسة، وهذا معنى قول الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] ويقول : ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] لماذا؟ لأنهم نزلوا من المستوى الإيماني عن الرقي الديني إلى المستوى البهيمي، وعاشوا كما تعيش البهائم.
هنالك لا تكون لهم قيمة إلا بالعودة إلى الله والتمسك بحبله، يقول الله : ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:٤٣ - ٤٤] ذكرك، شأنك، علوك، منزلتك، كيانك، وجودك كله أين؟ في كتاب الله: ﴿وإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ﴾ بغير القرآن لا ذكر لك، بغير الدين لا معنى لوجودك، بغير الإيمان لا قيمة لك، من أنت؟ أنت ذرة من ذرات هذا الكون، أنت حشرة من الحشرات التائهة فيه، لكن بالإيمان أنت أكبر وأعظم من فيه.
وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
قد هيئوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
لكن متى؟ يوم أن تستمسك، ولكن كيف؟ لا بد من الشعور، والإنسان ينزل لا بد أن يستشعر ذلك في نفسه، وأن هناك صارخ وداعية يدعوه يقول: لا تستجب لهذا النزول، ارجع ولا تقنط من رحمة الله؛ لأن الشيطان يقول: انتهى الأمر، أنت لا تعمل، أنت نازل فلا تصعد، ما لك والتعب فلن يغفر الله لك؟ ويضخم الشيطان خطاياك، ويكبر سيئاتك، ويقول: أنت مجرم مسيء، حتى يحول بينك وبين الرقي مرة ثانية وهذا وحي إبليسي.
أما الوحي الإيماني فإنه يهتف بك ويقول لك: أنت إنسان
وما سمي الإنسان إلا لنسيه ولا القلب إلا أنه يتقلب
стр. 540
الإنسان مجبول على الخطأ
لست ملكاً مطهراً، ولا بشراً معصوماً، إنما أنت بشر تنازعك القوى، وتتجاذبك الأهواء، وتتغلب عليك طبائعك، فتسموا أحياناً وترتفع، وتنزل أحياناً وتخلد، أجل عليك ألا تستجيب باستمرار لداعي الهبوط، بل صحح خطأك، وعالج مرضك، واغسل ذنبك، واستأنف السير مع ربك من جديد، يقول ﵊ وهو يبين طبيعة البشر: (كل ابن آدم خطَّاء -الخطيئة هي شأن بني آدم ولكن- وخير الخطائين التوابون) هذا الحديث رواه ابن ماجة والحاكم والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
(كل ابن آدم) وأنت من بنيه، أتريد أن تبقى ملكاً لا تخطئ ولو مرة واحدة؟ هذا غير ممكن! لا يوجد أحد في الدنيا لا يخطئ، كلكم خطاء، ولكن الخطيئة في حياة المسلم عارضة وفي حياة الفاجر ثابتة الخطيئة ملازمة لذاك أما المسلم فلا، تعرض له فقط، ولكن يتوب مباشرة منها (وخير الخطائين التوابون) هكذا يقول النبي ﷺ .
ويقول ﵊ والحديث في صحيح مسلم: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) وبسط اليد من قبل الرب هو عملية استعجال، أنت اليوم أذنبت في النهار والله في هذه الليلة يبسط يده لجميع المسيئين والمذنبين ارجعوا بسرعة، ارجع ولا تستمر في المعصية.
وبسط اليد يعني: دعوة من الله تعالى لعباده ولذا قال: (يبسط يده بالليل) لمن؟ ليس للصالحين، وإنما للمسيئين: (ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل).
إلى متى؟ (حتى تطلع الشمس من مغربها).
والله وهو يعلم طبيعة البشر وضعف الإنسان يقول في كتابه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ويقول وهو يحدث عن أبي البشر آدم ﵇: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢١ - ١٢٢] ويقول: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٣٧].
هذه الكلمات التي قالها آدم هي قول الله : ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] لما قالها تاب الله عليه وهدى، ولم يقلها إبليس، مع أن المعصية كانت مشتركة؛ المعصية من إبليس رفضه السجود، والمعصية من آدم أكله من الشجرة، وترتب على هاتين المعصيتين وهي ترك الأمر من قبل إبليس: اسجد.
فما فعل الأمر، وفعل النهي من آدم: لا تأكل، فأكل، وهما أساس المعاصي في الدنيا كلها، ليس هناك معصية إلا أن تفعل محذوراً أو تترك مأموراً، وترتب على هاتين المعصيتين أن الله قال لآدم وإبليس: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣].
إبليس لم يتب بل طلب الإنظار من أجل الإضلال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [ص:٧٩] قال الله تعالى له: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [ص:٨٠] أما آدم قال: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] فلما قالها وتلقى هذه الكلمات من الله تاب الله عليه، قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢١ - ١٢٢] وقال له وللناس أجمعين في خطابٍ رباني كريم منه عنوان المحاضرة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ أي: أكثروا ﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٣ - ٥٤].
стр. 541
سعة مغفرة الله
يقول : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء:١١٠] هذا كلام الله -يا أخي- لا داعي للقنوط، ولا داعي إلى أن تستسلم لأهواء الشيطان: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ أي: بمعصية ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء:١١٠].
ويقول ﵊ في حديث قدسي يرويه النبي ﷺ عن ربه ، والحديث في سنن الترمذي يقول: (يا بن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي) الله أكبر!! يروي ابن أبي حاتم -والقصة عند ابن كثير - أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ، وقد سقط حاجباه على عينه من كبر سنه وتقدم عمره، وقال: (يا رسول الله! رجل غدر وفجر، ولم أدع حاجة ولا داجة إلا اقترفتها، ولي ذنوب لو قسمت على أهل الأرض لأهلكتهم، فقال له النبي ﷺ : أتشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ قال: نعم.
قال: اذهب فإن الله قد كتب لك بكل سيئة حسنة -فالرجل تعجب! سيئات تتحول إلى حسنات- قال: وغدراتي وفجراتي -يعني الكبار الضخمة التي لا يتصور أنها تغفر- قال: وغدراتك وفجراتك! فولى الرجل وهو يقول: لا إله إلا الله، الحمد لله) ذكر هذا الأثر الصحيح ابن كثير عند تفسير قول الله : ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠].
ويقول ﵊: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) الغرغرة: بلوغ الروح إلى آخر منتهاها، بمعنى: ليس هناك إمكانية، وأصبحت مثل توبة المضطر الذي إذا وصلت الروح وبدأت تغرغر فلا تنفع توبة؛ لأن الإنسان رأى الموت، لكن قبلها يقبل الله التوبة ويعفو عن السيئات.
стр. 542
طريق التوبة في الإسلام
أيها الإخوة: التوبة في الإسلام أمر سهل لا يحتاج إلى كاهن كما في المسيحية، ولا إلى شيخ طريقة كما في الصوفية، ولا إلى الذهاب إلى عالم أو مكان معين، لا.
إنما هي يقظة قلب، واستشعار نفس بالانحراف عن الطريق ولزوم العودة إلى الله ، وهذه بإمكان كل شخص أن يعملها؛ أن يوقظ نفسه ويقول: والله أنا مذنب، أستغفر الله العظيم وأتوب إليه، ويدخل على الله من أقصر طريق، بثلاثة أمور: ١ - الأمر الماضي يصلحه بالاستغفار: وهذا ليس فيه تعب، هل هناك تعب أن نستغفر الله فيبدل الله سيئاتنا كلها حسنات؟ ليس هناك تعب.
٢ - والأمر المستقبل تصلحه بالنية الحسنة: أن تنوي ألا تعمل في المستقبل إلا كل خير، وهل في النية تعب؟ بعض الناس لا يريد أن ينوي حتى فعل الخير في النية، تقول له: تعمل فيما بعد؟ قال: لا.
لا يريد أن يعمل الخير حتى في النية، ماذا بقي بعد الماضي والمستقبل.
٣ - بقي الحاضر: ما هو الحاضر؟ الحاضر هو: أي لحظة تمر عليك، قبل لحظة كانت مستقبلاً، وبعد لحظة تصير ماضياً يقول:
ما مضى مضى والمؤمل غيب ولك اللحظة التي أنت فيها
هذه اللحظة اجتهد فيها، وجاهد نفسك على أن تفعل أمر الله وتترك نهيه، وبالتالي تصبح من التائبين الذين يقبل الله ﵎ توبتهم وتسعد في الدنيا والآخرة.
стр. 543
فرح الله بتوبة عبده
والله ﵎ يفرح بتوبة العبد، يقول ﵊ في الحديث الصحيح: (لله أفرح بتوبة عبده من رجلٍ كان في فلاة ومعه راحلته وعليها زاده وطعامه، فضلت عنه -أي: ضاعت- فبحث عنها فلم يجدها وعرف أنه ميت، فاستسلم للموت ونام تحت ظل شجرة يائساً منها، فردها الله عليه، فاستيقظ فإذا بها واقفة على رأسه وعليها طعامه وزاده فأخطأ من شدة الفرح فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك) يريد أن يقول: اللهم أنت ربي وأنا عبدك، فأخطأ! ما ظنكم في فرحة هذا الإنسان، هل في الدنيا أفرح منه؟! شخص حكم عليه بالهلاك، ثم أعيدت له الحياة، كيف تكون فرحته؟! لا شك أنها فرحة عظيمة.
فالله -وله المثل الأعلى- أفرح بتوبة العبد من فرحة هذا الرجل برجوع ناقته، رغم أن الله لا تنفعه طاعة المطيعين ولا تضره معصية العاصين، وإنما هو الضار النافع.
يقول في وصف المؤمنين التائبين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران:١٣٥] أي: ذكروا عظمة الله، وما أعد الله للعصاة وأهل الفواحش والكبائر: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] ما هو جزاؤهم وقد فعلوا فاحشة كبيرة لكن استغفروا الله؟ قال الله : ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٦] يقول المفسرون: ما أعظم رحمة الله! هؤلاء ماذا عملوا؟ عملوا معاصٍ -فواحش- لكن لما بدلوها بالاستغفار والتوبة أعطاهم الله الجنة وقال: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٦] حَسَبَ الله سيئاتهم من النعم، يعني: من العمل الذي يرضي الله ﵎، لماذا؟ لأنهم ختموها بالتوبة والاستغفار.
ولكن المصيبة -أيها الإخوة- والكارثة والتي ليس معها نجاة هي الإصرار على الإثم، والتمادي في المعصية والاستمرار فيها، وهو مظهر من مظاهر عدم معرفة الله وتوقيره، ومظهر من مظاهر الفراغ الداخلي من الإيمان، والموت القلبي من الدين للذي يرتكب الكبيرة ويصر عليها ويستمر ولا يشعر بأنه على ذنب، ولا يحاول أن يستغفر، ولهذا يقول الله في أهل النار: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة:٤٥ - ٤٦] يعني: كانوا ملازمين للذنب ومستمرين في المعصية؛ ولهذا جزاؤهم النار والعياذ بالله!
стр. 544
المبادرة والإسراع إلى التوبة
أما التوبة فيجب أن تكون عن قريب، يعني: بسرعة من الآن، لا تؤجل حتى تقول: أكبر، لا تدري تكبر أو لا تكبر، لا تقل لي: غداً، أو حتى بعد العشاء، الآن قل: أستغفر الله العظيم وأتوب إليه.
ففي الحديث في صحيح مسلم عن الأغر المزني يقول ﵊: (عباد الله! توبوا، فإني أتوب إلى الله في اليوم الواحد مائة مرة) مائة مرة يستغفر وهو سيد العابدين، يستغفر من غير ذنب، فكيف بي وبك -يا أخي- لا نستغفر الله ولا نتوب إليه!! يقول : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [النساء:١٧] إذا تابوا من قريب بعد ممارسة الذنب وما أجَّلوا، ولا استمروا ولا أصروا على المعصية، فإن الله يقول فيهم: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [النساء:١٧].
وإذا قارن الإنسان بعمق الإخلاص يعني: عمل وعنده إخلاص، وأيضاً يقين كان هذا مما يستوجب رحمة الله تعالى، يقول : ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:٥٤].
стр. 545
أركان التوبة
يقول : ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢] تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى، هذه أربعة أركان للتوبة: ١ - توبة.
٢ - إيمان.
٣ - عمل صالح.
٤ - بعد ذلك استمرارية، ثم الهداية.
ويقول ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠].
وقد روى ابن مسعود (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وقد أصاب من امرأة قبلة -قبَّل امرأة لا تحل له- فأتى إلى النبي ﷺ وأخبره، فنزل قول الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] فقال الرجل: ألي هذا يا رسول الله خاصة؟ قال: بل لجميع أمتي) لكن انظر: الرجل عنده مؤشر حساس، قبلة جعلته يأتي إلى النبي ويقول: يا رسول الله! هلكت، ماذا تريد؟ قال: أقم علي الحد، يظن أن الرسول سيأخذه ويربطه بحبل ويرجمه بالحجارة من أجل قبلة، ما سكت عليها وذهب يمارسها ويكررها، لا.
ذهب يتطهر منها بسرعة، شعر بالذنب أيقن بالمصيبة؛ فأنزل الله فيه قرآناً: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] فالرجل ظن أنها كرامة له، قال: (ألي يا رسول الله خاصة؟ قال: بل لجميع أمتي كلهم).
اللهم صل وسلم على رسول الله، الحديث هذا في الصحيحين.
ويقول ﵊: (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قام فصلى ركعتين أو أربع ركعات يحسن فيهن الركوع والسجود ثم استغفر الله غفر الله له) رواه الطبراني في المعجم الكبير وقال: حديث حسن، وتسمى هذه الصلاة صلاة التوبة.
стр. 546
مكفرات الذنوب
ولكن هناك أشياء من الأعمال الصالحة يسميها العلماء: مكفرات الذنوب، أو يسميها بعضهم: الحسنات الماحية، وأنا أتيت بها تحت مسمى: (لا تقنطوا من رحمة الله) وهي خمسة عشرة خصلة تعملها -أيها المسلم- وهذه بإذن الله ماحيات لا يبقى معها ذنب بإذن الله ، وهي:
стр. 547
المكفر الأول: الوضوء
الوضوء هذا من أعظم المعقمات، روى مسلم عن عثمان ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: من توضأ نحو وضوئي هذا غفر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة) رواه مسلم.
يقول عثمان للصحابة وقد توضأ: (رأيت رسول الله ﷺ توضأ كوضوئي هذا ثم قال: من توضأ مثل هذا الوضوء -وضوءنا الموجود الآن هو وضوء عثمان الذي نقله لنا العلماء- غفر له ما تقدم من ذنبه -كل الذنوب مغفورة وبعد ذلك قال:- وكانت صلاته التي يذهب إليها ومشيه إلى المسجد نافلة) يعني: زيادة فضل من الله ﵎! والحديث الثاني أيضاً في صحيح مسلم يقول ﵊: (إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرجت كل خطيئة بطشتها يده مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجليه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب) رواه مسلم.
هذا أول معقم، ولهذا أكثر من الوضوء، حاول ألا تصلي صلاةً إلا بوضوء حتى ولو كنت متوضأ؛ يجوز إذا كنت متوضئاً أن تصلي الصلاة التي بعدها بنفس الوضوء، لكن الأفضل أن تتوضأ، ولو صليت جائز، لكن إذا أردت الأفضل فتوضأ، لماذا؟ للحديث الوارد في صحيح مسلم، يقول ﵊: (ألا أنبئكم بما يرفع الله به الدرجات، ويمحو به السيئات؟ قلنا: بلى يا رسول الله! قال: إصباغ الوضوء على المكاره) وهذا يحصل في البلاد الباردة مثل الطائف وأبها والباحة، إذا أصبغ الشخص وضوءه يحصل عنده برد، أما في مكة دفء والحمد لله، فلو أصبغت الوضوء يكون لك الأجر، وأنت سالم من البرد، وليس عندك شيء بإذن الله (وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط) هذا أول مطهر من الذنوب.
стр. 548
المكفر الثاني: الصلاة
أداء الصلاة مع الجماعة، أما في البيت ففيها نظر إلا بعذر شرعي، ويحقق شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الاختيارات الفقهية عدم صحة صلاته إلا من عذر شرعي؛ مريض، أو نائم، أو غافل، أو خائف، أما إذا لم يجد عذراً وهو يسمع المؤذن ويقول: سوف أصلي هنا، وبعضهم يقول: أريد درجة ولا أريد سبعة وعشرين، ليس لك درجة، ففي الصحيحين: (صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) قال العلماء: مع العذر؛ الذي له عذر وصلى في بيته له درجة، أما بغير العذر فليس له درجة ولا أي شيء، فما له إلا غضب، لماذا؟ قالوا: في الصحيحين حديث يقول فيه ﵊: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، فآمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق برجالٍ معهم حزمٌ من حطب فأحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم بالنار، لولا ما فيها من الذراري والنساء) فلا يحرق ﵊ بيوت الناس بالنار إلا على ترك واجب، وأمر مهم وهو الصلاة، فلا بد أن تصلي في المسجد.
وإذا صليت في المسجد فهذه تمحو السيئات بإذن الله، والدليل قوله ﷺ -والحديث صحيح رواه البخاري -: (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يومٍ خمس مرات) في أمام بيتك نهر وكلما خرجت اغتسلت من الماء خمس مرات (هل يبقى من درنه شيء؟ -هل يبقى فيك قذر أو درن أو وسخ؟ - قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا) فإذا كنت على موعد مع الله في كل يوم خمس مرات: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، كل يوم وأنت في المسجد هل يبقى معك ذنوب؟ لا تبقى أصلاً، وبعد ذلك لا تعمل ذنباً، ليس عندك فرصة كي تذنب؛ لأنك إنسان مؤمن، كيف تذنب وأنت تعرف بعد ذلك أنك ذاهب للصلاة؟ من الذي يعمل الذنب والمعصية؟ الذي لا يأتي المسجد، أما أهل المساجد فإن الله يحميهم، ويعصمهم ويسددهم ويوفقهم، لكن إذا انقطع المسلم عن المسجد افترسه الشيطان ولعب عليه وأضله -والعياذ بالله- أجل هذه الصلاة تعتبر مكفراً من مكفرات الذنوب ومطهراً لها.
والحديث الثاني في هذا الموضوع: هو الصلاة، والحديث في صحيح مسلم يقول عثمان ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من مسلم تحضره صلاة مكتوبة -يعني: تحضر عليه الصلاة- فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله) هذه كفارة الذنب إلا الكبائر، فالكبائر هذه لا تكفرها إلا التوبة أو النار، إما أن تتوب أو النار، فليس هناك خيار آخر، فالتوبة أسهل ما دام ليس هناك إلا النار؛ لأن النار لا تستطيع لها، فأفضل لك أن تتوب؛ لأن التوبة وإن كان فيها تعب لكنها أسهل بملايين المرات من عذاب النار والعياذ بالله! والحديث الثالث: وهو في الصحيحين، يقول ﵊: (صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في سوقه وفي بيته بخمس وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا كتبت له بها حسنة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في صلاة ما لم يؤذ أو يحدث، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه.
ولا يزال في صلاةٍ ما انتظر الصلاة) هذا المكفر الثاني وهو الصلاة.
стр. 549
المكفر الثالث: صلاة الجمعة
والحديث في صحيح البخاري عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يغتسل رجل يوم الجمعة) وغسل الجمعة -أيها الإخوة- شيء ضروري، وهناك خلاف بين أهل العلم، هل هو واجب، أو مستحب؟ بعض أهل العلم يرى أنه واجب لما في الصحيحين من قوله ﷺ : (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم).
ولكن بعض أهل العلم والمحققين منهم يقولون: إنه ليس بواجب، وإنما هو مستحب على سبيل التأكيد.
فأنت مطلوب منك أن تغتسل يوم الجمعة، واسمع إلى الثواب الذي يترتب على غسلك: (لا يغتسل رجلٌ يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر) يعني: يتدلك، ويتنظف، ويتطيب، ويلبس ملابس طيبة، ويزيل كل ما في جسده من قذر، حتى يطلع مثل الشامة، هذا يوم عيدك، يوم الجمعة: (لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهرٍ، ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين -يصلي حيث انتهى به الصف- ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى) رواه البخاري.
ذنوب سبعة أيام! من يوم أن تصلي إلى الجمعة القادمة تذهب عنك ذنوب سبعة أيام! هذا فضل كبير -يا إخواني- والله الذي لا إله إلا هو أن الله ليتيح لنا فرصاً ويفتح لنا مجالات من مجالات المغفرة والعفو، لكن الكثير منا مقصر، فإنا لله وإنا إليه راجعون!
стр. 550
المكفر الرابع: دعاء ختم الصلاة
وهي الأذكار التي عقب الصلاة، هذه فيها دليل على أنها تغفر الذنب وتمحو السيئات بإذن الله ، والحديث في صحيح مسلم يقول فيه النبي ﷺ : (من سبح الله دبر كل صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) رواه مسلم.
لكن هذا شرطها: أن تكون عقب كل صلاة، واجعلها -يا أخي- لازمة من لوازم صلاتك، لا تقم ولو احترقت الدنيا عند الباب، لا تقم بأي حال إلا وقد أتممتها، كم تستغرق هذه؟ أحد إخواننا عدها في الساعة وضبطها بأصابعه، سبحان الله سبحان الله، أو سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، عدها فبلغت دقيقتين فقط، هذه تخسرها، فداوم عليها عقب كل صلاة، والحديث في صحيح مسلم يكون جزاؤك: أن غفرت خطاياك وإن كانت مثل زبد البحر.
стр. 551
المكفر الخامس: الحج والعمرة
لما في الصحيحين، يقول ﵊: (من حج فلم يرفث أو يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) ترجع مخلوقاً جديداً ليس عليك ذنباً واحداً، لكن بشرط: ألا ترفث ولا تفسق، والرفث: هو الجماع ودواعيه من التقبيل والملاعبة وغيرها، والفسوق: هو المعاصي بجميع أشكالها، كبيرها وصغيرها، دقيقها وجليلها.
وأيضاً يقول ﵊ والحديث في صحيح البخاري: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة) فالعمرة والحج مكفر من مكفرات الذنوب.
ولذا يا أخي في الله! يا من أكرمك الله بأن تعيش في مكة! لا ينبغي لك أن تفوتك حجة واحدة، وأكثر من العمرات، إذا أصبح رأسك أسود مثل الحمة فاخرج إلى أدنى الحل وأحرم وادخل مكة وخذ عمرة؛ فإن العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، أما الحج فلا يكلفك شيئاًَ، يأتون من أقاصي الأرض، وأنت هنا فقط تذهب عرفات وترجع، وبإمكانك أن تجلس كل الأيام في منى في بيتك، وتأتي فقط لتنام ليالي التشريق، وترمي الجمرات، ولو رميت في الليل.
يعني: عمل الحج بالنسبة لأهل مكة سهل، وعليهم أن يحجوا ويخرجوا من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم.
стр. 552
المكفر السادس: الجهاد في سبيل الله
مر رجل من أصحاب النبي ﷺ -وهم في غزوة- بشعبٍ وفيه ماء، وهذا الماء عذب فأعجبه -أعجبه الماء العذب والشعب الأخضر- فقال: [لو اعتزلت الناس، وأقمت في هذا الشعب أعبد الله -يريد أن يعتزل ويعبد الله ولا يعصيه- ولكن لن أفعل حتى آتي وأستأذن رسول الله ﷺ ] فجاء إلى رسول الله ﷺ واستأذنه فقال: (لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاماً، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟! اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
فواق ناقة يعني: الفترة التي بين الحلبتين، إذا حلبت الناقة وانتهى الحليب منها، الفترة من حلبها إلى أن تدر ويأتي حليب ثانٍ وتحلبها اسمها هذه فترة فواق (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة -يعني: ساعة أو ساعتين- وجبت له الجنة) اللهم صلَّ وسلم على رسول الله.
стр. 553
المكفر السابع: حسن الخلق
وهذا أمرٌ مكتسب، بإمكانك أن تكتسبه؛ لأن العلماء يقولون عن الأخلاق: (إن الأخلاق والطباع ليست طبيعة في الإنسان وإنما هي كسبية)، يعني: خلق الوفاء: بإمكانك أن تكون وفياً وبإمكانك أن تكون خائناً، خلق الصدق: بإمكانك أن تكون صادقاً وبإمكانك أن تكون كاذباً، خلق الكرم: بإمكانك أن تكون كريماً وبإمكانك أن تكون بخيلاً، خلق الشجاعة، والمروءة، والشهامة، والبر، والابتسامة، ونفع الناس هذه أخلاق كسبية تستطيع أن تعملها، وليس في الإسلام أعظم منها بالنسبة لغفران الذنوب، ومنها طبعاً السماحة، فعليك أن تكون سمحاً؛ لا تكن معقداً على كل شيء، وكذا البشاشة، سبحان الله العظيم! هذه أخلاق يرزقها الله بعض الناس، موظف أو مسئول يرزقه الله بهذا فيكسب ود الناس كلهم، يسلم عليه الناس كلهم (السلام عليكم) (وعليكم السلام، حياك الله، تفضل يا أخي!) ويقوم ويجلسه عنده، وبعد ذلك يعرض مشكلته فيحاول حلها له، أبشر حاضر إن شاء الله أعملها، ويقوم ويتصل ما رأيكم؟ هل هناك إمكانية؟ فإذا عجز قال: يا أخي! والله أتمنى أن أقضيها لك؛ لكن لم أستطع يا أخي! ما رأيكم في هذا المراجع يقول: جزاك الله خيراً قضيتها! قضى الله شأنك وحاجتك! والله جهدك هذا ومقابلتك هذه كأنك قضيت حاجتي كلها يوفقك الله.
هذه أخلاق، هل خسر هذا شيئاً؟ لا.
ما خسر أي شيء، بل كسب الدعاء، وكسب الحب في قلوب الناس.
وآخر، موظف مثله لكنه فقير في الأخلاق، ليس عنده ولا ربع قنطار ولا ربع ملي، ودخل عليه المراجع: السلام عليكم، يريد أن يسلم عليه أول شيء ينظر: إن كان يعرفه رد السلام وإن كان لا يعرفه قال: ماذا هناك؟ بدلاً من أن يقول: وعليكم السلام، قال: توجد معاملة، قال: أين الرقم؟ قال: ليس عندي رقم، قال: ماذا تريد أن أفعله لك؟ إنه لا يوجد لديك رقم، تريدني أن أبحث كل الدفاتر هذه؟! اذهب من هنا.
ماذا يقول المراجع المسكين؟ يذهب ويخرج من هناك وهو يقول: الله أكبر عليه، جعلها الله في وجهه، لا وفقه الله وجاء الثاني ودعا عليه، وجاء الثالث أتدرون أن هذه الدعوات لا تذهب؟ (أنتم شهداء الله في أرضه).
فلماذا لا تكسب الجميل يا أخي؟! الكرسي هذا ليس ملكك، كرسي دوار لم يأتك إلا وقد كان عند غيرك وسيذهب منك إلى غيرك، اكسب الجميل، خاصة إذا كنت في منصب بشرط: أن يكون هذا الجميل يتفق مع النظام، لا تخرق النظام، لا نقول: تخرق النظام، لكن النظام فيه فرص ومجالات، وإمكانات للمساعدة، فما دمت تجد إمكانية للمساعدة لأي مسلم فهذا من حسن الخلق، فإذا عجزت مرة وما استطعت أن تعمل شيئاً معه فأقل شيء بشاشة الوجه، يقولون: (لاقيني ولا تغديني).
يعني: لو لقيت شخصاً عند الباب قل: أهلاً تفضل، والله تدخل إن شاء الله تتغدى معي كأنك غديته، لكن لو لقيته وقلت: تفضل، امش! ثم أدخلته وغديته خروفاً، يقول: الله أكبر عليك مضيف! يضاربني! ما هذا؟! فلا -يا أخي- لا بد من الخلق، ولا بد من بشاشة الوجه، ولهذا قال ﵊: (تبسمك في وجه أخيك صدقة) ماذا تخسر؟ لماذا لا تضحك وتبتسم لأخيك؟ لن تخسر أي شيء في تبسمك، ويقول ﷺ : (طلاقة الوجه خير من القرى) و (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقَ أخاك بوجه طلق) لأن الوجه هذا فأل؛ عندما تلقى الشخص ويبتسم لك ويقدم لك خدمة باللسان تنبسط، وتنشرح نفسك، لكن شخص يعبس بوجهك، تتكتم وتتعقد ويضيق قلبك، فلا -يا أخي- كن بهذا الخلق: بشاشة الوجه، وطلاقة المحيا، والصفح عن الإساءة، لا تقعد تحاسب الناس على كل إساءة، اعف، شخص ضايقك في الطريق فيما بعد مر عليك وقال: آسف، قلت: مع السلامة، إذا ما قال: آسف قل: لا تهتم.
تفضل، شخص ضايقك وأخطأ عليك تجاوز عنه، لماذا؟ أنت صاحب خلق، يقول ﵊: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا) هذا الحديث رواه البخاري.
المصافحة هذه درجة ثانية بعد السلام، الدرجات ثلاث: سلام، مصافحة، معانقة، فإذا سلمت هذا الواجب، صافحت عظيم، عانقت فهذه زيادة الحب، خاصة إذا كان بعد وقت طويل، ليس كل وقت كلما لقيته تعانقه، وتكسر رقبته، لا.
لكن بعد أسبوع رأيته عانقه؛ لأن هذا من الود، لكن إذا رأيته بعد شهر عندما جاء ترفع أصابعك قليلاً هذا من الجفاء، لكن عندما تقوم وتحرك يده وتعانقه، هذا مما يغفر لك الذنب بإذن الله .
ويقول ﵊ والحديث صحيح أيضاً: (تلقت الملائكة روح رجلٍ ممن كان قبلكم فقالوا له: أعملت خيراً؟ قال: كنت أنظر الموسر، وأتجاوز عن المعسر، قال: فتجاوز الله عنه) رواه البخاري.
هذا ما عمل شيئاً، فقط الذي كان موسراً كان ينظره -يعني: يمهله- والذي كان معسراً ليس عنده شيء يقول: سامحك الله، لا نريد منك شيئاً، قال الله : (أنا أحق بهذا منك) تجاوز الله عنه، وغفر الله له! وغفران الذنب يأتي باستمرار نتيجة وجود الرحمة، ووجود الرفق في قلب الإنسان، يقول ﵊: (بينما كلب يطيف بركية -كلب كان يطوف على ركية فيها ماء- وكاد يقتله العطش -كاد يموت من الظمأ، ولا يستطيع أن ينزل الركية، بئر لو سقط فيها لمات- إذ رأته بغي -زانية- من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها -أي: خفها- فاستقت له، فسقته فغفر الله لها به) وهي بغي لكنها سقت الكلب رحمة به فغفر الله لها به! هذه من الأخلاق التي يغفر الله بها ذنوب المؤمنين، ما من عمل أعظم عند الله في الميزان من حسن الخلق، ويقول ﵊: (كاد حسن الخلق أن يذهب بخيري الدنيا والآخرة) (إن أقربكم مني منزلة يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبعدكم مني منزلة يوم القيامة كل جعظري جواظ مستكبر) هذا بعيد عن الله وبعيد عن الرسول ﷺ .
стр. 554
المكفر الثامن: الآلام والأمراض والبلايا التي تصيب الإنسان
إن الله عدل لا يظلم مثقال ذرة، فإذا ابتلى إنساناً عوضه، إذا ابتلاك الله بفقد بصرك يعوضك بالجنة، وإذا ابتلاك الله بمرض يمحص به خطاياك ويعوضك، وإذا انتهت خطاياك رفع درجاتك في الجنة، المهم ألا تظن أن شيئاً يضيع عليك إذا ابتلاك الله، فقط بشرط: الاحتساب والصبر، وأن تشعر بأن هذا من الله، وأن الله لا يظلم مثقال ذرة، فتحتسب هذا البلاء عند الله، أي: تتوقع عليه جزاءً وثواباً من الله ، أما التبرم والسخط وعدم الرضا، ولماذا أنا من بقية الناس؟ ولماذا أنا أمرض دائماً؟ ولماذا أولادي يمرضون ولماذا؟ من رضي فله الرضا ومن سخط فعليه السخط.
فالسخط لا يرفع المصيبة نازلة نازلة، لكن يضيع الأجر، والرضا يكسبك الثواب من الله ﵎، فكل ما يصيبك من ألم فهو مطهر لذنوبك وسيئاتك، يقول ﵊: (ما من مسلمٍ يصيبه من نصبٍ، ولا وصبٍ، ولا هم، ولا حزن، ولا غمٍ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه).
ويقول ﵊: (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في ولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، فلا يزال البلاء بك حتى تلقى الله وليس عليك خطيئة واحدة.
وورد (أن أقواماً يأتون يوم القيامة ولهم حسناتٍ كأمثال الجبال فيقولون: بم هذا يا ربنا؟ -يقولون: ما عملنا هذه الحسنات، هم يعرفون أنفسهم، ليس عندهم هذا كله- فيقال: إن هذا بالبلاء والمرض الذي أصابكم في الدنيا، أعطاكم الله به هذا ثواباً، يقول: فيتمنى أهل العافية الذين كانوا متعافين في الدنيا أنهم ما تعافوا يوماً واحداً، ويتمنون أنهم كانوا أمراضاً طول الزمان لما رأوا من ثواب الذين ابتلاهم الله فإذا ابتلاك الله فاصبر.
وفي حديث صحيح في مسند الإمام أحمد: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: (يا رسول الله! إن لي ابنة أريد أن تنكحها -تريد تزوجه البنت- وإنها يا رسول الله -وقامت تدعو وتبين أنها وأنها وأنها- حتى كاد النبي ﷺ أن يوافق عليها، وإنها يا رسول الله لم تشتك قط) يعني: ما مرضت طوال حياتها، شابة متعافية صحيحة ناصحة يعني: ما يحتاج مثل اللاتي نريد الآن، أكثر الناس إذا تزوج امرأة قال: هل هي مريضة؟ إن كانت هي مريضة تذهب عند أهلها ليس عندي مستشفى، لا -يا أخي- الله يجري لك الأجر وأنت لا تعلم، ماذا قال ﵊؟ قال: (لا حاجة لي بها) لما قالت أمها: إنها لم تشتك قال: (لا حاجة لي بها، قالت: لم يا رسول الله؟! قال: لو أحبها الله لابتلاها).
فأنت إذا عندك زوجة وعندها بلاء هذه أحبها الله، وأكرمها، وقم بخدمتها، اتخذها طريقاً إلى الجنة، فلا مانع من أن تأخذها إلى المستشفى، لا مانع من أن تتعب، لكن احتسب ذلك عند الله، أما أن تتخلى عنها؛ لأنها مريضة فهذا ليس من أخلاق المؤمنين، بعض الناس تجده طيباً مع الزوجة؛ لأنها متعافية، فإذا مرضت أخذها ووضعها عند أهلها، قال: ابنتكم مريضة عالجوها أنتم، وإذا تعافت جاء يأخذها، ما شاء الله عليك! يعني: لا تريد أن تتعب، هذا ليس من أخلاق أهل الإيمان والرجولة والمروءة.
стр. 555
المكفر التاسع: كفارة المجلس
يحصل من الإنسان في مجالسه لغط، أو كلام فاضٍ، أو غيبة، أو نميمة، أو خلط في الحديث، أو شيء ليس منه فائدة، لكن إذا قام وختم كلامه بهذا الدعاء مسح هذا الكلام كله، يقول ﵊: (من جلس في مجلسٍ فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
إلا غفر الله له ما كان في مجلسه ذلك) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
هذه اسمها كفارة المجلس يعني: ماحية الذنوب التي في المجلس، احفظ هذا الدعاء: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، محت كل الذنوب التي قد قلتها في مجلسك، لكن بشرط: ألا تتعمد أن تقول شيئاً، ولكن شيء كثر فيه اللغط، وتجاوز الحد عليك أن تذكر الله ﵎، وهذا من كفارة الذنوب.
стр. 556
المكفر العاشر: ملازمة الاستغفار
هذا الاستغفار أمان من العذاب، وماحٍ للذنوب، ومبارك في الأولاد، وموسع في الأرزاق، الاستغفار عظيم: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيقٍ مخرجاً ومن كل همٍ فرجاً) هذا الحديث رواه أبو داود، وفي سنده مقال لكنه يستشهد به، والله تعالى يقول: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح:١٠ - ١٢] ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣] يقول ابن عباس: [ذهب الأمان الأول -يعني: وجود النبي ﷺ وبقي الأمان الثاني إلى يوم القيامة وهو الاستغفار] فإذا لزمت الاستغفار باستمرار فإنك بإذن الله تمحو الذنوب، ولا يكون معك ذنب إن شاء الله.
وأيضاً هناك سيد الاستغفار، وهو حديث في الصحيحين، يقول ﵊: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، وأبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
من قالها في النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل موقناً بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة) رواه البخاري ومسلم.
هذا سيد الاستغفار.
قال: (يا شداد! ألا أدلك على سيد الاستغفار؟ قال: بلى يا رسول الله! قال: قل فإنك إذا قلتها في الليل موقناً بها فمت من ليلتك دخلت الجنة، وإذا قلتها في النهار موقناً بها فمت دخلت الجنة) وهذه اجعلها من أذكار الصباح والمساء.
стр. 557
المكفر الحادي عشر: التسبيح والتحميد
هذا ورد فيه حديث في الصحيحين، يقول ﵊: (من قال: سبحان الله وبحمده في يومٍ مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت كزبد البحر، أو كقطر المطر، أو كماء البحر، أو كعدد رمل عالج) سبحان الله وبحمده، هذه تقولها في دقيقتين، وهي سهلة جداً، سبحان الله وبحمده في كل يوم مائة مرة، وأحسن وقت تقولها وأنت تطوف -مثلاً- أو تنتظر الصلاة في المسجد الحرام، أو قبل أو بعد الصلاة، المهم في كل يوم تقول مائة مرة سبحان الله وبحمده، هذه من أعظم الأذكار؛ لأن فيها حديث في الصحيحين أنها تحط عنك الذنوب والأوزار بإذن الله .
стр. 558
المكفر الثاني عشر: اجتناب الكبائر
من يجتنب الكبائر يمحو الله عنه الصغائر، يقول الله : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:٣١] والكبائر هي: الذنوب الكبيرة التي جعل الله عليها حداً شرعياً، أو توعد عليها بالنار، أو لعن فاعلها، أو سماها الشرع كبيرة، وليس لها حد معين، بل كل ذنب توعد الله له بحد شرعي، أو بعقوبة في النار، أو لعن فاعله، أو بين الشرع أنها كبيرة فهي من كبائر الذنوب، وأما غير ذلك فهو من صغائر الذنوب، يقول : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم:٣٢] اللمم هي: الذنوب الصغائر التي يلم بها العبد من غير إصرار.
стр. 559
المكفر الثالث عشر: حسن الظن بالله
وهذا من أعظم الأشياء، حسن الظن يجب أن يرافقه حسن العمل؛ لأن الذي يحسن الظن ويحسن العمل هو الذي يحسن الظن حقيقة بربه، أما الذي يحسن الظن بالله ويسيء العمل فهذا يسيء الظن بالله؛ لأن من العقل والمنطق أنك إذا أحسنت الظن في إنسان أن تحسن العمل معه، أليس كذلك؟ إذا أحسنت الظن في المدير أنه يرقيك فما الذي يلزمك؟ أن تحسن العمل حتى يرقيك، لكن من يسيء العمل ويحضر متأخراً دائماً، وينصرف مبكراً دائماً، ويغيب غالب أيام الأسبوع، وإذا كلَّ عملاً ضيعه، ثم يحسن الظن بالمدير أن يرقيه، هل هذا من حسن الظن؟ بل هذا من سوء الظن بالمدير؛ تسيء الظن به أنه لا يعرف كيف يجازي الموظفين عنده، ولله المثل الأعلى.
يقول الحسن البصري: [إن قوماً غرهم حسن الظن بالله حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، يقولون: نحسن الظن بالله، كذبوا والله لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل] فإذا رأيت شخصاً يحسن العمل، ويحسن الظن، هذا هو الصادق، أما الذي على المعاصي والمنكرات، وتارك للطاعات، وإذا نصحته، قال: الله غفور رحيم، وأنا أحسن الظن.
نقول: كذاب، أنت ما أحسنت الظن بالله، ولهذا قال ﵊: (يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء) ويقول ﵊: (حسن الظن من حسن العبادة) ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر:٥٦] فإذا اتقيته وعبدته فأحسن الظن به في أنه لن يضيع عبادتك وعملك.
أما أن تعمل السوء وتحسن الظن به فكأنك تتهم الله بأنه لا يعرف كيف يجازي عباده، وطبعاً يأتيك حسن الظن من علمك بسعة رحمة الله، فالله رحيم ورحمته وسعت كل شيء.
يروي البخاري ومسلم في الصحيحين عن عمر ﵁، يقول: (قدم على رسول الله ﷺ سبي -يعني: الذين يؤخذون في الحروب من نساء وأطفال- فإذا امرأة من السبي تبحث عن صبيها -فالحرب فرقت بين المرأة وولدها، ولما جمعوا الغنائم جعلت تبحث عن ولدها- فلما وجدته أخذته بشدة، وألصقته ببطنها وأرضعته) ما ظنكم في تلك اللحظة، وكيف حنانها، وفرحتها، ورحمتها بذلك الولد، وقد يئست منه وضاع منها؟ لقيته ومباشرة ضمته وأعطته ثديها وحنت عليه.
فقال النبي ﷺ للصحابة لما رآها: (أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ -يقول: هل هذه المرأة التي هذا وضعها مع ولدها الصغير هل ترميه في النار؟ - قالوا: لا والله -الصحابة قالوا: والله ما تطرحه وهي تقدر على منعه- قال ﵊: لله أرحم بعباده من هذه بولدها) اللهم ارحمنا برحمتك الواسعة.
لله مائة رحمة؛ تسعة وتسعون ليوم القيامة، وواحدة أنزلها إلى الأرض بها تتراحم جميع المخلوقات، جميع الرحمات الموجودة في قلوب الناس كلهم وفي قلوب الحشرات والحيوانات والبهائم كلها هذه جزء من الرحمة التي هي جزء من مائة رحمة من رحمة الله ، وعند الله يوم القيامة تسعة وتسعون رحمة، نسأل الله أن يدخلنا في رحمته الواسعة.
يقول الحسن البصري: [ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، وإن قوماً غرتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، قالوا: نحن نحسن الظن بالله.
كذبوا، لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل].
стр. 560
المكفر الرابع عشر: دعاء الملائكة
الملائكة تدعوا لأهل الإيمان الذين يذنبون، ورد في الصحيحين أنهم يدعون في المسجد؛ إذا خرجت المسجد وصليت فالملائكة فوق رأسك تقول: (اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه)، رواه البخاري ومسلم (ما من مسلمٍ يتطهر في بيته فيحسن الوضوء، ثم يخرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا حط عنه بها خطيئة، ورفع له بها درجة، ولا تزال الملائكة تصلى على أحدكم مادام في مصلاه تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ أو يحدث، وما يزال في صلاة ما انتظر الصلاة).
والدعاء الثاني في سورة غافر: يقول الله : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ [غافر:٧] يعني: الملائكة ﴿وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧] يعني: لكم ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر:٧] الدعاء اغفر لمن؟ ليس للناس كلهم ﴿لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر:٧] يعني: مشوا في الطريق ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧] هذا كلام الملائكة تقول لكم: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [غافر:٨] ثم تقول الملائكة: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ [غافر:٩] أي: اصرف عنهم المعاصي والذنوب والسيئات، اللهم قنا السيئات يا رب العالمين! ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٩] هذه الملائكة تستغفر لك؛ لأنك أهل للاستغفار، ويستغفرون لمن؟ للذين آمنوا، الشروط التي جعلتك تستحق استغفار الملائكة وهي: أن تكون مؤمناً وتائباً ومتبعاً للسبيل، فتستغفر لك الملائكة.
стр. 561
المكفر الخامس عشر: عفو الله
وما أعظم عفو الله، فهو ذو رحمة واسعة، وذو فضل عظيم، وهو عفو يحب العفو، ويغفر الذنب، ويقبل التوبة، ويعفو عن السيئات، يقول ﵊: (يدني الله المؤمن منه يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه، فيذكره بذنوبه -يذكره بالمعاصي- ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: رب أعرف -لا يستطيع أن ينكر- قال : فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته بيمينه).
نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يسترنا وإياكم في الدنيا والآخرة، وأن يعفو عنا جميعاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:١٩٣ - ١٩٤].
يقول أبو العتاهية:
إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني
فما لي حيلة إلا رجائي لعفوك إن عفوت وحسن ظني
وكم من زلة لي في البرايا وأنت علي ذو فضلٍ ومنِّ
إذا فكرت في ندمي عليها عضضت أناملي وقرعت سني
أجن بزهرة الدنيا جنوناً وأقطع طول عمري بالتمني
ولو أني صدقت الزهد فيها قلبت لأهلها ظهر المجن
يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني
وهانحن نقول كما قال أبو العتاهية: يظن الناس فينا خيراً وإنا لشر الخلائق إن لم يعف عنا ﵎.
نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعفو عنا جميعاً وعن جميع المسلمين، وأن يكرمنا بالقيام من هذا المجلس وقد غفر لنا ذنوبنا، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
وصلى الله على نبينا محمدٍ وآله وصحبه وسلم.
стр. 562
الأسئلة
стр. 563
عوامل الثبات على دين الله
السؤال
نحن مجموعة من الشباب نحضر هذا المجلس لأول مرة، ونحن سعداء بما نسمع، نرجو منكم توجيه نصيحة لأمثالنا لعل الله أن يهدينا ويتوب علينا؟
الجواب
أقول لهم: مرحباً بكم في طريق الإيمان، ورياض الجنة، وحلق الذكر، ومجالس الملائكة، مرحباً بكم وأنتم تضعون أقدامكم في الطريق الصحيح، حياكم الله وحيا الله من دلكم على هذه الجلسة المباركة، وأسأل الله أن يزيدكم هداية وتوفيقاً وثباتاً على هذا الدين، ووصيتي إلى نفسي وإليكم وإلى كل مسلم الثبات عن طريق فعل ستة أشياء هي المثبتات: ١ - المداومة على قراءة القرآن ولو صفحة كل يوم مع التدبر.
٢ - المداومة على قراءة السنة ولو حديثاً في كل يوم.
٣ - المداومة على فعل الطاعات جميعها.
٤ - الحذر من جميع الذنوب والمعاصي كبيرها وصغيرها.
٥ - البعد عن رفقاء السوء.
٦ - البحث عن الرفقاء الصالحين.
إذا أنت تمسكت بهذه الست فلا ترجع -بإذن الله- أبداً وتستمر على الطريق الصحيح إن شاء الله.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 564
الدروس المهمة لعامة الأمة
أورد الشيخ حفظه الله في هذه المحاضرة رسالة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ المسماة بـ: الدروس المهمة لعامة الأمة، فتحدث بداية عن الحث على السير في طريق السعادة، ثم تحدث عن أهمية هذه الرسالة، وبين معنى الشهادة وشروطها، وأركانها وواجباتها وسننها، كما تحدث عن بعض النقاط المهمة في الرسالة، وختم حديثه بالكلام عن الموت والمسائل التي تتعلق بالميت.
стр. 565
الحث على السير في طريق السعادة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فقد خلق الله هذا الخلق -الإنسان- لهدف جليل ولحكمة نبيلة أوضحها الله في محكم التنزيل فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] فالوظيفة الرئيسية للإنسان هي العبادة، وحتى يعبد الله على بصيرة أنزل الله كتابه الكريم، وأرسل رسوله صلوات الله وسلامه، عليه وبيّن للناس طريق الحق ودعاهم إليه، وبين لهم طريق الباطل وحذرهم منه، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيّ عن بينة، فسار الموفقون -أصحاب البصيرة- ساروا في الطريق الصحيح الذي يقول الله فيه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] صراط مستقيم واضح لا اعوجاج فيه ولا غبش ولا التواءات ولا انحناءات، والأمر بالاتباع لا بالابتداع، والتحذير من السبل التي على رأس كل منها شيطان يزينها، ويملي للناس ويسول لهم في الدخول فيها، والنهاية أنها تفرق عن سبيل الله ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] هذه وصية الله، سار الموفقون في الطريق -نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم- وانحرف العمي المخذولون الذين ما عرفوا حقيقة هذه الحياة، ولم يعرفوا دورهم، ولماذا خلقهم الله عليها، ساروا في الطرق الملتوية، اتبعوا الشياطين، وساروا في ركابهم: ﴿اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:٣٠] وسبب ذلك: أنهم عميٌ ما فتحوا بصائرهم على طريق الله، يقول : ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٧٢] من عاش في الدنيا أعمى عن طريق الله حشره الله أعمى عن صراط الله؛ لأن أول الصراط هنا ونهايته الجنة، امسك الصراط هنا وامسك الخط الصحيح ولا تمل يميناً ولا شمالاً والنهاية الجنة، لكن من زاغ هنا زاغ هناك، ومن انحرف هنا انحرف هناك، ومن ضل هنا ضل هناك، وأكثر من ذلك، قال: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٧٢] ويستغرب الأعمى يوم أن يحشره الله أعمى وقد كان بصيراً ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ [طه:١٢٥ - ١٢٦] نسيتها وتعاميت عنها ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:١٢٦] والجزاء من جنس العمل، من نسي آيات الله نسيه الله بالعذاب هناك، ومعنى: نسيان الله يعني: إهماله له، وخلوده في جهنم أعاذنا الله وإياكم منها.
ولكن هذا الطريق -أيها الإخوة- الذي هو طريق السعادة يحتاج إلى علم ومعرفة، وبغير العلم والدراية والمعرفة لا يستطيع أن يواصل السير فيه، لا تكفي العاطفة، والحماس، ولا تكفي الرغبة، بل لا بد من إشارات وإرشادات، وعلامات ودلالات يتمسك بها الإنسان حتى يصل إلى الله، فإن الطريق بعيد، والعقبة كئود، والحمل ثقيل، والبحر عميق، والسفر طويل، والناقد بصير، ولا يخارجك -أيها الإنسان- إلا الذي لا إله إلا هو بعد أن تأخذ بالأسباب.
следующие страницы →