← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الخصومات والمشاحنات في رمضان أما مسألة الغضب في رمضان، فهذه شائعة عند الناس، ترى الرجل في نهار رمضان خاصة في نصف النهار وقد قطب جبينه وربط غترته على أنفه وعلى وجهه، فلا تقل له: السلام عليكم فيضاربك، وإذا كان مديراً أو موظفاً فلا تراجعه، فلو كانت سهلة عقدها عليك، لماذا؟ قال: رمضان كريم، أنا زعلان لأن بطني فارغة، يعني: لو كنت شَبِعاً فسوف أصلح معاملتك لكن (رمضان كريم)، فـ (رمضان كريم) من أجل تصير أنت كريماً أيضاً في خلقك، وفي معاملاتك وفي طبعك، حتى لو كنتُ مخطئاً ودخلت عليك وأغضبتك فلا تغضب عليَّ لماذا؟ لأنك صائم تقول لي: اللهم إني صائم، لكن بالعكس الآن تجد المضاربات في الأسواق، والمضاربات في المكاتب والدوائر، والزعل كله من أجل رمضان، لماذا؟ لأن الذي يتحكم فيه بطنه لا يتحكم فيه عقله، فلما جاع بطنه ذهبت أخلاقه، لا حول ولا قوة إلا بالله! خصوصاً إذا كان ممن يتناولون الدخان، الدخان إذا تناوله الإنسان ثم انقطع عنه في نهار رمضان قامت قيامته، وأظلمت الدنيا في وجهه، فلا حول ولا قوة إلا بالله! هذه أيها الإخوة: مسألة الطعام ومسألة الغضب.

стр. 702

السهر وصرف الأوقات في غير الطاعة يبقى شيء ثالث تعوّده الناس في رمضان وهذا خطأ وهو: ليالي رمضان المباركة، ليالي القيام وليالي التراويح، وليالي العلم، وليالي الزيارة وصلة الرحم، وليالي العبادة وقراءة القرآن؛ هذه تحولت في زمان المسلمين إلا من رحم الله إلى ليالي ميتة، ليالي خبيثة، تملأ بالسهر القاتل، وباللهو الباطل على الورق، وعلى (الشيش)، وعلى الدخان، وعلى (الكيرم)، وعلى (الضومنة)، وعلى الأفلام -والعياذ بالله- وعلى المسلسلات، وعلى اللعن والشتم والسب والقصص الفارغة، حتى إن بعضهم ليستعد لرمضان من قبل دخوله بتشكيل (البشكات)، يقول: والله نريد نعمل لنا (بشكة)، لماذا؟ قال: (رمضان كريم) نريد نسمر لنحيي ليالي رمضان، وهو في الحقيقة لا يحييها وإنما يميتها.

стр. 703

برنامج مقترح لاستغلال رمضان استغلالاً صحيحاً إن إحياء ليالي رمضان لا يكون إلا بطاعة الله ، وحتى يكون المسلم على بصيرة من أمره فإنا نضع له برنامجاً إن شاء الله إذا سار عليه في رمضان فإنه يكون من الصائمين الصادقين المخلصين.

стр. 704

برنامج الأكل المناسب للصائم أولاً: لا تستعد لرمضان بشيء من المأكولات أكثر مما كان في شعبان، اجعل الأمر طبيعياً، ولا تصغ للنساء إذا طلبن منك وقل: حاضر أبشروا! لكن اتركه يدخل من أذن ويخرج من الأخرى، وأحضر ما يكفيك أنت وأهلك، وترى السوق مليان ولا تجد أزمة في الأسواق، هات لهم الذي يكفيهم ذاك اليوم، ونوعين أو ثلاثة أو أربعة ولا تكثف، فالغداء الذي كنت تتغداه أنت وأولادك من أرز ولحم اجعلوه عشاء وانتهى الموضوع، أما عشاء (كبسة) ورز وإدامات، ومن كل شكل ولون، وحلويات وأطعمة، هذه كلها لا تستطيع لها، فهي ترهقك وبالتالي أكثر الناس الآن في رمضان عند أبوابهم تجد الزبائل مليئة بالفضلات، نعم يا إخواني! والله لا يجدونها في بعض الدول وإنهم يموتون جوعاً ولا يرونها، ونحن نرميها في الزبائل، ولا نخاف الله . وأكثر الناس في رمضان وقد أخبرني أحد الأطباء يقول: إن المستشفيات تجند نفسها في بداية رمضان بمجموعة كبيرة من الأطباء خصوصاً أطباء الباطنية، لما يحدث عند الناس من مرض في بطونهم في أول رمضان، ولذا إذا أتيت المستشفى في رمضان بعد العشاء فستشاهد طوابير، وعلى من؟ لا تجد عند طبيب الأذن ولا واحد، ولا طبيب العين ولا واحد، ولا طبيب العظام، وإنما عند الباطنية، وعند هذا طابور وكل واحد يدخل يقول: يا دكتور بطني، بطنك من يدك، الله أكبر عليك، أوقف يدك يصلح بطنك، وبعضهم معه حبوب فجيبه ممتلئ، أكثر الناس معه حبوب ما هذه؟ قال: هذه حبوب الهضم حبوب الحموضة، يخرب من هنا ويصلح من هنا، خفف الأكل وكل بمقدار معين، وليس هناك داع للحبوب، أما أن تبني وتهدم فلا يا أخي! وفي هذه الليالي المباركة البرنامج الإيماني الذي نقترحه:

стр. 705

الاستعداد النفسي لاستقبال رمضان أولاً: أن يستعد الإنسان قلبياً ويفرح نفسياً برمضان، ويسأل الله أن يبلغه رمضان، كان الصحابة يقولون: [اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلغنا رمضان] والناظم يقول: يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجبٍ حتى عصى ربه في شهر شعبان ها قد أظلك شهر الصوم بعدهما فلا تصيره أيضاً شهر عصيان اتل الكتاب وسبح فيه مجتهداً فإنه شهر تسبيح وقرآن كم كنت تعرف ممن صام في سلفٍ من بين أهل وجيران وإخواني أفناهم الموت واستبقاك بعدهم حياً فما أقرب القاصي من الداني ومعجبٌ بثياب العيد يقطعها فأصبحت في غدٍ أثواب أكفان حتى متى يعمر الإنسان مسكنه مصير مسكنه قبر لإنسان وناظم آخر يقول: أيا شهر الصيام فدتك نفسي تعجل بالمجيء والانتقال فلا أدري إذا ما عدت يوماً على كل البرية كيف حالي أتلقاني مع الأحياء حياً أو أنك تلقني في اللحد بالي لا تعلم -يا أخي- يعود عليك رمضان أم لا، فرصة لك -يا أخي- مجيء رمضان، فجدد وضعك مع الله، واستقبله بنفسٍ مشرقة وقلبٍ حي، على أنه فرصة للعمل الصالح تنجح فيها -بإذن الله- ولذا جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ صعد المنبر وقال: (آمين آمين آمين، فقالوا له: يا رسول الله إنك تقول: آمين، وما سمعنا أحداً يكلمك؟ قال: أتاني جبريل فقال لي: رغم أنف -أي: خاب وخسر- من أدرك رمضان ولم يغفر له قل: آمين، فقلت: آمين). إذا لم يغفر لك في رمضان، وما تبت في رمضان، ولا اهتديت في رمضان؛ فمتى تتوب؟ أئذا دخلت النار تتوب وتقول: ردوني أعمل صالحاً، مثلما يقول أهل النار: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون:٩٩] ليس لك فرصة هناك، الآن فرصتك، الآن مد الله في أجلك، وأعطاك فرصة عظيمة عليك أن تستغلها. ثم قال لي: (رغم أنف من أدرك أحد أبويه أو كلاهما فلم يدخلاه الجنة -يعني: بالبر- قل: آمين، فقلت: آمين) الذي أمه وأبوه موجودان ولا دخل الجنة عن طريقهم فهذا خاسر، فرصة، وإذا مات أبوك وأمك فمن أين تأتي بهما؟ هل هناك آباء وأمهات يُشتَروْن في الأسواق من أجل تدخل بهم الجنة؟ والله لا يوجد، ليس معك إلا أمك وأباك، فإن هم أحياء فاستغلهم، فإنهم ضيوف عندك وسوف يموتون، عليك أن تبحث عن طاعة الله عن طريق طاعتهم، عليك أن تسلك إلى الله طريقاً عن طريقهم فإنهم باب الجنة: (الجنة تحت أقدام الأمهات) ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤] ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء:٢٣] والذي لا يتعرف على والديه ولا يتعرف على طاعتهم في الدنيا هذا جدير ألا يتعرف على طاعة الله؛ لأن أعرف الناس وأوثق الناس بك فضلاً بعد الله هم أبواك. والثالث قال: (ورغم أنف من ذكرت عنده ولم يصلَّ عليك قل: أبعده الله، قلت: آمين) لماذا؟ لأنه ما الذي ينقص عليه لما يقول: اللهم صلَّ على محمد ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٦] فإذا كنتم في الأرض محرومين لا تريدون أن تصلوا عليه، فالله في السماء وملائكته في السماء يصلون على النبي، ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وفي الحديث الصحيح: (من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا) فأنت لست بخاسر، صلِّ واحدة وربي يعطيك عشرة منه.

стр. 706

البرنامج العملي للعبادات في رمضان فتبدأ نهار رمضان بالإشراقة النفسية والرغبة في التوبة، وبعد ذلك تخرج إلى المسجد مبكراً بمجرد تناولك طعام السحور لكي تقرأ ما يسر الله من التلاوة قبل الصلاة. وبعد الصلاة إن كنت موظفاً أو طالباً فليس هناك مانع من أن تعود إلى البيت لتنام حتى توفر لك جزءاً من الوقت أكثر؛ لأنك ربما ما نمت في الليل، فتنام من بعد صلاة الفجر، أما إذا كنت غير موظف وليس عندك دوام ولا شيء؛ فإن الأولى لك أن تجلس في المسجد تذكر الله وتقرأ القرآن ثم تصلي ركعتي الإشراق، ثم تذهب إلى البيت وتنام، خصوصاً إذا كنت تاجراً أو صاحب عمل، أما الطالب والمدرس والموظف فإذا أراد أن يجلس فهذا خير، وإن تعذر عليه لضيق الوقت ولرغبته في استغلال أكبر قدر من النوم، فلا مانع من أن يعود إلى بيته وينام إلى الساعة العاشرة إلا ربع؛ لأن الدوام سيكون الساعة العاشرة بمعنى قبل الدوام بربع ساعة يجب أن تقوم وتتوضأ وتتهيأ، إن أمكنك أن تصلي ركعتي الضحى فهذا طيب، وإلا فتذهب إلى مدرستك أو إلى عملك أو إلى وظيفتك وتستمر إلى أذان الظهر. وبعد ذلك أثناء العمل تمسك لسانك، ليعرف الناس أنك صائم، لا تتكلم غيبة ولا نميمة، وكلما جرك زملاؤك إلى شيء مما كنت عليه في الماضي قل: اللهم إني صائم، تخلق بأخلاق الصُّوَام، إلى أن يأتي الظهر فإذا أذن فبمجرد سماع الأذان اترك عملك واذهب إلى المسجد وخذ المصحف، وطبعاً يجب أن يكون لك مصحف من أول رمضان تقرأ فيه القرآن، ويجب أن تختم القرآن أقل شيء في كل ثلاثة أيام مرة، يعني: تقرأ في كل يوم أقل شيء عشرة أجزاء، كان السلف يختمون القرآن ستين مرة، يعني: يختمون ختمة في الليل وختمة في النهار، وكانوا يعطلون كل جلساتهم وعلومهم وكل أشغالهم ويتفرغون للقرآن؛ لأنه شهر القرآن: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] لكن بحكم عدم تفرغنا نحن فلا مانع أن نختم في كل رمضان عشر مرات، يعني في كل ثلاثة أيام مرة، وهناك تقسيم آخر لأحد الإخوان يقول: تقرأ بعد كل فرض جزأين أو قبله كما تريد، تقرأ جزأين بعد الفجر أو قبله، بعد الظهر أو قبله، بعد العصر أو قبله، بعد المغرب أو قبله، بعد العشاء أو قبله لابد أن تقرأ جزأين في خمس صلوات في رمضان تختم عشر مرات كتاب الله ، وهذا فضل عظيم، ثم بعد ذلك تصلي مع الجماعة في المسجد وتعود من الصلاة إلى مواصلة عملك إلى أن ينتهي النهار والدوام، ثم تعود إلى المسجد وتصلي في المسجد مع الجماعة وتجلس تقرأ القرآن في المسجد إلى المغرب، فلا داعي أن تذهب إلى البيت أو السوق؛ السوق هذا لا تنزل فيه إلا لغرض ضروري جداً تأخذ غرضك وتمشي، اجلس في المسجد اقرأ إلى أن تغرب الشمس ثم اذهب إلى بيتك ونبه على زوجتك على ألا تقدم أي نوع من الطعام إلا التمر فقط، فكل تمرات وتراً ثلاث أو خمس أو سبع تمرات، ثم اشرب عليها فنجان قهوة أو فنجان ماء، واذهب إلى المسجد مبكراً وصل المغرب، وبعد صلاة المغرب عد إلى بيتك وتناول طعام العشاء الخفيف الذي لا ترهق فيه بطنك ولا معدتك، وإنما تلبي فيه احتياجك بقدر الضرورة؛ لأن الأطباء يقولون: إن الحاجة في الطعام للثلث فقط، وإذا ترست الثلثين فالبقية كله يحول إلا أجزاء المعدة وإلى الهضم من أجل يخرج فضلات، فما دام أنه يخرج فضلات فاجعله في الثلاجة يا أخي، لماذا تحمل نفسك وتقعد تكظمه وتهضمه وبعد ذلك يذهب في الخلاء، وما استفدت منه شيئاً؛ لأنه لا يستفيد جسمك أبداً إلا من ثلث بطنك، وإلا لو تتصورون إن الإنسان يستفيد من كل الطعام الذي يأكله كان الشخص منا ليس مثلنا الآن كان مثل (القصبة)، كم أكل من يوم خلق وهو يأكل (تيوس وخرفان وغزلان ودجاج وسمك) أين هي؟ ليس هناك شيء، إنما الثلث فقط يذهب غذاء لجسمك والباقي يحول إلى فضلات، فكل بالثلث فقط، وما علامة الثلث؟ لأن بعضهم لا يأكل إلا بالثلث قلت: ما العلامة؟ قال: إذا (ترغت) من هنا، إذا امتلأ (التانكي) قال: غلق الثلث، يعني: عبا الثلاثة الأثلاث حتى الهواء فلا يوجد، فالهواء يخرج من رقبته، لا. علامة الثلث أن تشعر بأنك لا تزال جائعاً، هذا معناه أن الثلث عندك اكتفى، إذا شعرت أنك لا زلت محتاجاً إلى الطعام فمعنى هذا أنه امتلأ الثلث عندك، أما إذا شبعت فقد امتلأت الثلاثة الأثلاث كلها، ولهذا قال النبي ﷺ للرجال: (نحن قومٌ لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع) يعني: يقوم قبل أن يشبع، فقم قبل أن تشبع من الطعام، وبعد ذلك تقوم إلى المسجد، وابحث عن إمام يؤدي الصلاة بتؤدة وخشوع، وبطول قراءة وقنوت، تبحث عن إمام تطمئن إلى قراءته، وإلى إنسان يطول القراءة ويعطي القراءة حقها من التجويد والترتيل والإطالة والركوع والسجود، حتى تعرف أنك في رمضان، أنت في رمضان ما أنت في لعب، فتصلي معه، وتأتي قبل الأذان في الصف الأول، وتأخذ مصحفك وتقرأ إلى أن يصلي العشاء والتراويح.

стр. 707

البرنامج الليلي بعد التراويح وبعد التراويح يجب أن تنظم وقتك مع بعض إخوانك في الله، فتشكل لك مجموعة من أربعة أو خمسة أو ستة نفر أو ثمانية بقدر الحاجة وبقدر الموجودين وبعد ذلك تقول: نحن نريد أن نحيي ليالي رمضان، كيف برنامج هذه الليلة؟ بعد الوصول إلى صاحب البيت الذي فيه الجلسة أو السمرة يقدم القهوة والشاي ولا بأس بنوع من المشروبات الخفيفة، وبعد ذلك يدار المصحف ويخرج كل شخص منكم مصحفه وتبدءون من سورة: ق، من المفصل، سورة ق تقرأ كلها تلك الليلة، وبعد قراءتها يطلب من الشيخ الفاضل ابن كثير ﵀ -وهو جالس في المكتبات بستين ريال أو بخمسين ريال- نقول له: يا ابن كثير! نريد أن تعلمنا تفسير هذه الآيات، فيأخذ واحد منه التفسير ويقرأ علينا تفسير ابن كثير لهذه السورة، تستغرق هذه الحصة نصف ساعة أو ساعة إلا ربع، بعدها هات الماء يا ولد، أو هات حليب، أو شاهي، أو مشروب من أجل ينوعون. وبعدها درس في الفقه، يؤتى بكتاب الفقه وليكن الروض المربع أو زاد المستقنع أو المغني إذا كانوا من الطلبة الكبار الذين فيهم تبحر في العلم، وتبحث مسائل، ولنبدأ من باب الطهارة، من تقسم المياه، من باب الآنية، كيف نتوضأ؟ كيف نغتسل من الجنابة؟ أحكام الغسل، هذه مجهولة عند كثيرٍ من الناس، حتى عند بعض طلبة العلم لا يعرف كيف يغتسل من الجنابة وكيف يبدأ وكيف ينتهي، نتعلم درساً من الفقه لمدة نصف ساعة أو ساعة إلا ربع، فإذا انتهينا منه نأخذ درساً في التوحيد، نأخذ كتاب فتح المجيد الذي هو حق الله على العبيد، أو نأخذ كتاب الإيمان للشيخ/ عبد المجيد الزنداني، أو نأخذ من كتب التوحيد التي هي مجموعة كتب الشيخ الدكتور/ عمر سليمان الأشقر، الإيمان بالله والملائكة والبعث والآخرة والكتب والرسل، موجودة هذه الكتب كلها وأظنها بخمسين ريالاً أو ستين ريالاً، أكثر من ثمانية كتب نقرأ في هذه. بعد ذلك فرغنا منها نقول: هاتوا درساً من السيرة العطرة، فنأخذ سيرة النبي ﷺ ، نبدأ بمولده ﷺ ، والليلة الثانية نأخذ كيف بعث، بعد ذلك نأخذ الغزوات؛ لأن السيرة لذيذة وشيقة، وتأخذ فيها أحسن كتاب أدلكم عليه هو سيرة ابن هشام، سيرة ابن هشام ﵀ أربعة أجزاء في مجلدين تقرءونها، بإذن الله تجدون فيها من العذوبة كأنك في أعظم روضة في ليلتك، انتهيت من درس التوحيد والفقه والحديث والتفسير في نحو الساعة الثانية عشرة، فلا تطل السهر إلى الساعة أربعة أو ثلاثة، لماذا؟ لأن لأهلك عليك حقاً إن كنت متزوجاً، أو لنفسك عليك حقاً إن كنت عزباً لترتاح، أو لدروسك وواجباتك عليك حقاً إن كنت طالباً، فلا بد أن تعطي الحقوق كاملة، أما أن تسمر حتى ييبس رأسك، ثم تملأ بطنك وتنام، ولا تصلي الفجر في المسجد فهذه مصيبة، بل تذهب إلى البيت لتنام مبكراً حتى الساعة ثلاثة أو ثلاثة ونصف ثم تستيقظ، وبعد الاستيقاظ تتوضأ وتصلي ركعتين، بعض الناس يقول: ما هاتان الركعتان، نقول: هذه ركعتان في جوف الليل خيرٌ من الدنيا وما عليها، ليس لها علاقة بالإمساك ولكنها من قيام الليل، وما دام قمت والله أقامك إلى السحور فعليك أن تحمد الله على هذه النعمة وتذهب تتوضأ وما هناك كلفة عليك يا أخي. احمد الله، كان الأولون إذا أرادوا أن يتوضئوا ينزلون من البيت ولا توجد لهم حمامات ويذهب إلى الحوش ويلقى الجوحل (والجوحل إناء فخاري) أو قربة قد صار الماء فيها ثلجاً وتوضأ، وبعد ذلك خرج لأنه لا يوجد حمام في البيت وتوضأ، ورجع والهواء يلفحه ويقطعه، وأرجله حافية وما عنده (فازلين) وليس له حذاء ولا ثياب ويذهب يصلي، لكن أنت الآن في نعمة ليس بعدها نعمة، تستيقظ من نومك وتقوم من غرفتك وتخرج فتجد الحمام، وتجد المغسلة، وتفتح الصنبور فينزل عليك الماء الحار المحمى من الليل من أين ينزل الماء؟ من الجن، كما قد قلت لكم مرة: شخص من أهل تهامة طلع إلى (السراة)، ويوم أن وصل عند صاحب (السراة) فأدخله الحمام ليتوضأ، فيفك الصنبور وإذا به ينزل الماء من الجدر ساخناً، فصرخ، قال: ماذا بك؟ قال: ماء حار من الجدر، فما صدق، لأنه لم يشاهد (طباخة) ولم يشاهد (دافوراً) ولم يشاهد شيئاً، أين (الطباخة) و (الدافور) لا توجد؟ لكنها معلقة في الحمام وتنزل لك ماءً حاراً، تتوضأ وتنشط، ثم تدخل في غرفتك بدون هواء وبدون مشكلة وتفرش سجادتك وتصلي ركعتين لربك، فربما لا يثقل ميزانك عند الله يوم القيامة إلا هاتان الركعتان، ما فيها والله تعب عليك، وبعد ذلك تأتي إلى سحورك وتتناول ما تيسر منه، ثم بعد السحور تذهب إلى المسجد كما قلنا. هذا هو البرنامج الإيماني الذي نسأل الله أن يجعلنا ممن يقوله ويعمله، أنا لا أدري أطبقه أم لا، لكن ربما تستفيدون مني أكثر من أن أستفيد من نفسي، ولكن أعوذ بالله أن أكون ممن يقولون ما لا يفعلون؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣]. هذا ملخص عن شهر رمضان الذي نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يبلغنا إياه، وأن يتقبله منا، وأن يعيننا وإياكم على صيامه وعلى قيامه إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 708

أحكام تتعلق بالصيام ولا بد من إلمامة بسيطة من بعض الأحكام المتعلقة بالصيام حتى يكون الصائم على فقه من دينه.

стр. 709

حكم الأكل والشرب نسياناً أو خطأً للصائم أولاً: إذا تناول الصائم شيئاً من المفطرات مأكولاً أو مشروباً ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه وعليه أن يتم صومه؛ لأنه بحكم العادة ربما في الدوام أو في البيت وهو صائم يجد شيئاً ويأكله ناسياً أنه صائم فلا شيء عليك حتى إذا أكلت وشبعت، فإنما أطعمك الله وسقاك. وهذه -أيها الإخوة- يقول العلماء: فيها إشارة إلى عدالة الله، وفيها إجابة على القدريين والجبريين الذين يقولون: أنا مجبور على العصيان، ما أنت مجبور، إذا نزع الله منك الاختيار نزع عنك التكليف، ولذا إذا أكلت ناسياً فما عليك شيء إنما أطعمك الله وسقاك، إذا حصل لك احتلام في المنام في نهار رمضان، فتقوم تغتسل وتكمل صيامك ولا شيء عليك، لماذا؟ لأنك احتلمت بغير اختيار، لكن لو أن الإنسان تسبب في الإمناء؛ فإنه أفسد صومه، ولزمه القضاء، ولحقه الإثم والعقوبة؛ لأن من أفطر يوماً من رمضان لم يقضه ولو صام الدهر كله، لا يقضي إثمه إلا التوبة، فإنها تجب ما قبلها، فإذا نسي الصائم فأكل أو شرب لم يفسد صومه؛ لأنه ناسٍ، ولو أكل أو شرب وهو يعتقد أن الليل باقٍ فتبين أنه طلع النهار فهذا حكمه حكم الناسي، لماذا؟ لأن الأصل بقاء الليل، فلا ينقض الأصل بما يحدث عليه، لكن إذا أكل أو شرب ظاناً أن النهار قد انتهى وبعد قليل ظهرت الشمس بعد أن ذهبت الغيوم، ففي هذا اختلف أهل العلم: يقول جماهير العلماء -والحنابلة يتزعمون هذا- يقولون: عليه صوم، يقضي هذا اليوم، لماذا؟ لأن الأصل بقاء الصوم، فلا ينقض بما يحدث عليه، وبعض أهل العلم وهم أهل الحديث يقولون: ليس عليه قضاء، لماذا؟ لأنه جاهل والله يقول: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وأنا أخطأت في تقدير الصوم، فلا شيء عليَّ، ولكن الراجح هو قول الأئمة والجمهور، لماذا؟ لأن المسلم مأمور بالاحتياط في دينه، فلا ينبغي له بمجرد ما يأتي غيم يقوم يأكل ويترتب على هذا إفساد صومه. كذلك لو تمضمض الإنسان فدخل الماء إلى حلقه من غير قصدٍ لم يفسد صومه، ولكن ينبغي له أن يحتاط للحديث الذي في السنن: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)، فإذا كنت صائماً فعليك أن تتمضمض وتستنشق لكن بدون مبالغة، لكن إذا تمضمضت بغير قصدٍ للمبالغة وسقطت قطرة عن غير قصدٍ وإنما سهواً فلا شيء عليك؛ لأن هذا من المعفو عنه إن شاء الله.

стр. 710

مفسدات الصوم أما المفسدات للصوم فهي كثيرة، وأعظمها الجماع في نهار رمضان، والدليل فيه: حديث سليك الغطفاني الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: (هلكت، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم في رمضان) فأقره النبي ﷺ على كلمة هلكت، فإنها هلكة حقيقة ولا ينبغي للمسلم أن يمارسها، ولكن هذا الرجل كان مبتلى (عنده شبق جنسي) وما كان يصبر عن امرأته إذا رآها، فوقع عليها، وجاء يستفتي النبي ﷺ . (قال له: أعتق رقبة، قال: لا أجدها يا رسول الله! قال: صم شهرين متتابعين، قال: وهل أتيت إلا من الصوم -يقول: ما ذبحني إلا الصوم تريدني أصوم شهرين، ما قدرت أصوم شهر واحد- فقال له النبي ﷺ : أطعم ستين مسكيناً قال: ليس في المدينة أفقر مني ولا عندي شيء، فبينما الرسول جالس والصحابي جالس إذ جاء رجل بعرق -مكتل- فيه تمر، قال: خذ هذا المكتل وقسمه على ستين مسكيناً، قال: والله ما بين لابتيها أفقر مني يا رسول الله! قال: خذه وأطعمه أهلك، فخرج الرجل يضحك ورسول الله ﷺ يضحك) صلوات الله وسلامه عليه، ما أعظمه من مربٍ! وما أعظمه من إنسان! ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] هذا جاء بهذه المشكلة وخرج ومعه مكتل تمر فربح الخطين، لكن لا يعملها شخص منكم ويقول: لا. أنا سوف أربح الخطين، وإنما ينبغي لك أن تدع الجماع ودواعيه، وكل ما يوصل إليه؛ لأن ما كان حراماً فما يوصل إليه حرام، لا تقرب من المرأة ولا تقبلها، ولا تضاجعها، وإنما تنام في فراش وهي في فراش إذا كنت تخاف على نفسك، أما إذا كان الرجل كبيراً وشيخاً هرماً ولا يحصل منه شيء من الانتشار أو من الرغبة، فإنه لو قبل زوجته فلا حرج فإن النبي ﷺ كان يقبل عائشة وهو صائم كما جاء في الحديث الصحيح قالت: (كان يقبلني وهو صائم، لكنها قالت: وكان أملككم لإربه) ما كان شهوانياً صلوات الله وسلامه عليه. إنزال المني يفسد الصيام بشرط: أن يكون عمداً باستمناءٍ، أو مباشرة، أو تقبيلٍ، أو نظرٍ، أو ينظر في النساء حتى يمني فهذا أفسد صومه. الأكل والشرب سواءً كان نافعاً أو ضاراً، ويدخل فيه اللبان، ويدخل فيه الدخان، ويدخل فيه معجون الأسنان؛ لأنه في حكم الأكل والشرب. حقن الإبر الغذائية لا الدوائية، الإبر تنقسم إلى قسمين: إبر غذاء، وإبر دواء، فالإبر الغذائية التي يستعاض بها عن الغذاء وهي الجلوكوز أو غيره هذه تفطر؛ لأنها في حكم الغذاء، أما الإبر الدوائية التي تعطى كدواء ولا لها علاقة بالغذاء فهذه لا تفطر ولو أخذها الإنسان وهو صائم فلا شيء عليه إن شاء الله، ولكن الأولى له خروجاً من الخلاف والأحوط أن يتناولها في الليل؛ لأنه لا يوجد أحد يأخذ إبرتين في النهار والليل، إنما بإمكانه أن يأخذ يومياً إبرة يأخذها في الليل، لكن لو كانت الجرعة عنده إبرة صباحاً وإبرة مساءً، يأخذ إبرة في الصباح إذا كانت علاجية ولا شيء عليه ويأخذ إبرة في الليل إن شاء الله وهو مفطر. كذلك من المفطرات: حقن الدم، مثل أن يحصل للصائم نزيف فيحقن له دم، يحصل له حادث ويأتون يعطونه قربة دم أو نصف قربة لأن هذا غذاء، بل هو لب الغذاء؛ لأن الغذاء كله يتحول إلى الدم فيفطر الصائم بذلك. خروج دم الحيض والنفاس أيضاً تفطر به المرأة، أما دم الاستحاضة، أو دم العرق، أو دم العلة، أو دم النزيف، فهذا لا تترك بسببه الصلاة ولا الصيام، -مثلاً- امرأة حامل في الشهر الخامس وخرج منها قطرات دم نزيف، وهذا ربما يخرج من الحامل فلا هو حيض ولا هو نفاس، عليها أنها تصوم وتصلي وتعتبره في حكم البول تغسله من الثوب وتتوضأ منه ولا شيء عليها، هذا دم الاستحاضة والنزيف والعلة والعرق، أما دم النفاس الذي يخرج عقب النفاس أو دم العادة الشهرية الذي يخرج في زمنها، وهذا معروف عند النساء فإنها تدع الصوم وتدع الصلاة ولكنها تقضي الصوم بعد رمضان ولا تقضي الصلاة. خروج الدم من الإنسان إما بالحجامة، أو بالسحب (سحب الدم) للإسعاف، أما سحب الدم اليسير للتحليل قال العلماء: لا يؤثر؛ لأنه بسيط، والرعاف بسيط لا يؤثر، ونزع الضرس وخروج دم بعده لا يؤثر، وخروج الجرح البسيط الذي يخرج من دمك وسيل الدم منه بسيط لا يؤثر، لكن ما يحصل بسحب الدم فإنه يؤثر على الإنسان، وبالتالي حكمه حكم المريض يلزمه أن يفطر ويلزمه شيء من المشروبات ليعوض هذا الدم الذي سحب منه. أما موضوع الحجامة فهو موضوع مختلف فيه بين أهل العلم: طائفة من أهل العلم يرون أنها لا تفطر لحديث النبي ﷺ : (أنه احتجم وهو صائم) وحديث آخر يعارضه ومن أراد أن يرجع إليهما فليرجع إلى سبل السلام للشيخ/ الصنعاني، أنه ﷺ مر على رجلٍ يحتجم فقال: (أفطر الحاجم والمحجوم). ولكن يرجح أئمتنا ومشائخنا منهم الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين أنها تفطر، فإذا احتجم الإنسان فإنه يخرج منه دم كثير، وهذا الدم يتعبه وبالتالي ينبغي له أن يأكل شيئاً. مما يفطر وينقض الصوم القيء، إذا تعمد الإنسان في إخراجه، أما إذا غلبه وذرعه من غير قصدٍ ولا عمدٍ منه فلا شيء عليه. هذا ما يتعلق بالمفطرات.

стр. 711

من فضائل الصوم من فضائل الصوم: أنه سبب لمغفرة الذنوب وتكفير السيئات لما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) هذه كرامة عظيمة لا يتركها إلا خاسر (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) وهذا بإمكانك إن شاء الله، ومعنى إيماناً: أي: رضاً وتصديقاً بفرضية صومه، ومعنى احتساباً: أي: احتساب الأجر والمثوبة عند الله، لا كارهاً للفرضية، فإن من الناس من يصومه كارهاً، إذا دخل رمضان فأثقل شيء عليه رمضان، فلا يحب أن يدخل رمضان، لماذا؟ لأنه يمنعه من الكبسة ومن الغداء، وتشوفه يعد لياليه وأيامه كأنه أثقل ضيف، هذا لا يغفر له ذنبه؛ لأنه ما صام رمضان إيماناً واحتساباً وإنما صامه كارهاً والعياذ بالله. ومن فضائل رمضان: أن الثواب الذي رتبه الله عليه لا يتقيد بعددٍ ولا بحدٍ معين، بل يعطى للصائم أجراً بغير حساب، كما قال : (كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) كم يجزي به ربي؟ لا نعلم، والله كريم، ولا راد لفضله ﵎. ومن فضائل الصيام: أنه يشفع لصاحبه يوم القيامة لما في حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي صلى الله وعليه وسلم والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده قال: (إن الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: ربي! منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: ربي منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان فيه حتى يدخلاه الجنة) الصوم والقرآن شافعان، يشفعان لك يوم القيامة.

стр. 712

أعذار الفطر وأحكامها أما بعض الأحكام المتعلقة بالناس في رمضان، يعني الناس ليسوا كلهم على وتيرة في فرضيته وإنما يتفاوتون بتفاوت أحوالهم ومناسباتهم. فالصوم واجب وفرض على كل مسلم بالغٍ عاقلٍ قادرٍ مقيم، وبهذه الخمس التعريفات يخرج من المحترزات أصناف منها: المحترز الأول: أن الكافر لا يصوم، ولو صام لم يقبل منه، وإذا أسلم لا يقضي الذي فاته؛ لأن التوبة والإسلام يجب ما قبله، إذ يشترط فيمن يصوم أن يكون مسلماً؛ لأن الإسلام هو أساس كل عمل. الصغير الذي لم يبلغ سن الرشد، وسن الرشد يعرف بواحدة من ثلاثة أشياء: إما بالإنبات، أو بالاحتلام، أو ببلوغ الخامسة عشرة، ومن بلغ خمس عشرة سنة أو أنبت أو احتلم فقد بلغ، ووجب عليه الصوم، وإذا لم يصم فمعناه أنه ترك ركناً من أركان الإسلام، لكن الصغير يعود عليه، ويدرب من الصغر، من السبع سنوات يدرب يوم في رمضان هذا يصوم يومين أو ثلاثة أو أربعة فيأتي رمضان القادم فيصوم أسبوعاً وعمره إذا كان ثمان سنوات يصوم عشرة أيام وهكذا كما قالت عائشة ﵂: [كنا نلهي الصبيان باللعب حتى يفطروا في المغرب] فكونك تدربه فعل حسن لأن بعض الناس يقول: لا أريد أذبح الولد، فالولد يريد يصوم لكن يصيح أبوه، يقول له: أفطر يا بني -سبحان الله- تذبحه يوم يصوم لرب العالمين، لا إذا صام في صحته وفي عافيته إن شاء الله فهو تدريب على الخير فقوِ فيه هذه الروح ولا تحبطها فيه ولا تخذله. المجنون لا يجب عليه الصوم ولا الإطعام؛ لأنه غير مكلف، وإذا فاق وعاد إليه رشده وعقله فإنه يصوم من وقته ولا يقضي ما فاته لارتفاع التكليف عنه، لحديث النبي ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة: الصغير حتى يبلغ، والنائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق). العاجز عن الصوم بسبب كبرٍ، أو بمرضٍ لا يرجى برؤه، وقرر الأطباء المسلمون أن الصيام مضرٌ به، فإن هذا يسقط عنه الصوم ولكنه يطعم عن كل يومٍ مسكيناً، فإن كان عاجزاً لا يستطيع حتى الإطعام سقط عنه الإطعام والصيام، وهذا من رحمة الله ﵎. المريض الذي يمرض مرضاً طارئاً وقتياً، فهذا يفطر ولكنه يقضيه بعد أن يمن الله عليه بالشفاء للآية الكريمة: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] يعني: فعدة ما أفطرت من أيام أخر بعد رمضان. الحامل التي في بطنها جنين، أو المرضع التي ترضع جنينها ويترتب على صيامها ضرر عليها أو على جنينها، فإنها تفطر، وتصوم بعد أن تضع أو بعد أن تفطم هذا الولد، وفرق أهل العلم فقالوا: إن كانت تخاف على جنينها أو على ولدها فإنها تفطر وتطعم إذا قضت، أما إذا خافت على نفسها فإنها تصوم ولا تطعم، ولكن المحققين من أهل العلم يقولون: لا دليل على التعزيز بالإطعام، وإنما إذا أفطرت فإن عليها القضاء ولا كفارة مع ذلك، وإنما هي من اجتهادات أهل الفقه رحمهم الله تعالى. الحائض والنفساء لا تصومان ولكن تقضيان الصوم ولا تقضيان الصلاة بعد رمضان. الذي يضطر اضطراراً بالغاً للإفطار مثل: إنقاذ غريق، إنسان مسلم سوف يموت في البحر، وهذا يريد ينقذه، ولكنه لا يستطيع أن ينقذه إلا إذا كان متزوداً بشيء من الإمكانيات فهذا يجوز له أن يفطر من أجل إنقاذ هذا الإنسان، وقد نص على هذا أهل العلم، وقاسوا عليه من يكون مستعداً لإخراج الدم لإنقاذ حياة مريض، مريض وقع له حادث مروري وقالوا: إذا لم يوجد دم الآن سوف يموت هذا الإنسان، فيعطيهم ويفطر، فهذا مضطر لأن يفطر، لأنه أنقذ إنساناً من الموت بإذن الله . أما المسافر فإنه مخير بين الصوم وبين الإفطار بحسب ما يتيسر له، فإن كان الإفطار أيسر له فعليه أن يأتي بهذه الرخصة؛ لأن الله يحب أن تؤتى رخصه، وإذا كان الصيام في حقه أفضل فيتبع ما شاء، لأن بعض الناس تجده يسافر للعمرة وفي الطريق يجوع ويعطش، وأولاده يجوعون ويعطشون ولكنه يرفض أن يفطر، وهذا إذا كان عليه مشقة فإنما يرد رخصة الله، ويريد غير ما أراد الله؛ لأن الله يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] فكأنك أنت بالصيام تريد لنفسك العسر والله يريد بك اليسر، فما دام الله سمح لك فلماذا تشق على نفسك يا أخي؟! أفطِر، ويضرب أهل العلم مثالاً: لو أن عندك عاملاً في مزرعتك ودخلت عليه وهو صائم ويشتغل في المزرعة، فلما رأيت عرقه يتصبب وجهده واضحاً أشفقت عليه فقلت له: يا فلان! قف من الشغل واذهب فما بقي من النهار فهو إجازة، إذا وضع المسحاة وشكر لك وقال: الله يجزيك خيراً، يكون أحب إلى نفسك من أن يستمر ويقول: والله لا أتوقف إلا وقت الغروب، ما رأيك أنت تقول: الله لا يعينك، ما دام رحمناك وأبيت فالزم مكانك، ولله المثل الأعلى، الله يرحمك ويقول: إذا كنت في سفر وعليك مشقة ولحقك ضرر، وأردت لنفسك يسراً بما يسر الله عليك من الإفطار فلا تختر لنفسك عسراً؛ لأن النبي ﷺ قال في يومٍ من الأيام وهو في سفرٍ؛ ومن الصحابة من كان صائماً، قال: (ما صنع العصاة؟) سماهم العصاة وقال للذين أفطروا: (ذهب المفطرون اليوم بالأجر) ولكن بحكم أن وسائل السفر اليوم عندنا بفضل الله تغيرت عن وسائل الماضي وأصبح الإنسان يسافر بالطائرة أو بالسيارة فهو مخير بين الإفطار والصيام بحسب ما يتيسر له من دون أن يلحق بنفسه مشقة. أحد الناس قال لي: أنا سوف أذهب آخذ عمرة، والعمرة سنة، فكيف أذهب آتي بعمرة وأضيع فريضة؟! قلت له: لا تأخذ عمرة، لو أردت أن تسافر إلى جدة تشتري قطعة غيار لسيارتك هل يجوز أن تفطر؟ قال: نعم. قلت: كيف تذهب تأخذ قطعة غيار لسيارتك وتضيع فريضة، الفريضة أهم أو قطعة سيارتك؟! فسكت الرجل، فالقضية ليس أنك ذاهب تأخذ عمرة أو غيرها، بل ما دمت في سفر والسفر حدده العلماء فقالوا: إما أن يكون سفراً واجباً، أو سفر طاعة، أو سفر مباح، أما سفر المعاصي فللعلماء فيه كلام، كمن يسافر ليفطر، مثل الأعرابي الذي دخل عليه رمضان قالوا: جاء رمضان، قال: والله لأبددن شمله بالأسفار، قال: أريكم فيه كل يوم أنا في أرض، من أجل يفطر كل يوم، هذا لا يفطر، لماذا؟ لأنه متى يقضي والعياذ بالله؟ أو سفر معصية، كمن يسافر من هنا فيخرج إلى خارج المملكة ليشرب الخمور أو ليزني، فهذا لا يفطر؛ لأنه سوف يذهب يستعين بهذا الإفطار على معصية الله -والعياذ بالله- فشرط أن يكون السفر سفر طاعة أو سفراً مباحاً كعلاج أو دراسة أو بيع أو شراء، أو زيارة، أو سياحة أو تمشية، فإنه يجوز لك أن تفطر فيه إذا لحقت بك المشقة.

стр. 713

فوائد تتعلق بالصوم هذه بعض الفوائد المتعلقة بالصيام وهي مهمة جداً: يجوز للصائم أن يصبح جنباً من احتلامٍ أو من إتيانٍ لأهله ثم يقوم يتسحر ويعقد نية الصيام ثم يغتسل ويذهب يصلي في المسجد، إذ أن الطهارة لا تشترط للإمساك، فقد كان ﷺ يصبح جنباً فيتسحر ويغتسل ويذهب يصلي. أيضاً إذا طهرت المرأة في رمضان قبل الفجر فعليها أن تصوم وإن لم تغتسل، يعني: لو طهرت وانقطع دمها مع الإمساك وما وسعها الوقت لتغتسل فتعقد نية الصيام وتصوم، ولا تغتسل إلا بعد ذلك على مهلها إن شاء الله بحيث تدرك وقت صلاة الفجر. يجوز للصائم أن يدهن نفسه ورأسه بالدواء مثل الفكس، فيجوز أن تضعه في رأسك وظهرك، لكن لا تدخله داخل الأنف، ويجوز قلع الضرس، ومداواة الجرح، والتكحل في العين، والتقطير في العين والأنف والأذن، ولا يفطر بذلك حتى ولو أحس بطعمه في حلقه؛ لأنها ليست منافذ للطعام. يجوز أيضاً للصائم أن يتسوك في نهار رمضان من أول النهار وآخره لحديث: (رأيت النبي ﷺ وهو يستاك في نهار رمضان يقول: لا أحصي مرات ما رأيته صلوات الله وسلامه عليه). أيضاً إذا كان الإنسان في منطقة حارة وشعر بالحرج والحر فإنه يجوز له التبرد بالماء، كأن يدخل في الحمام ويفتح الدش عليه ليبرد، أو يأخذ ماء ويصبه على الفراش وينام عليه، لا شيء في هذا، وهذا لا يؤثر على صومه. يجوز للصائم إذا كان مريضاً بالربو أن يبخ في فمه هذا البخاخ، ولا علاقة له؛ لأنه ليس طعاماً ولا شراباً، أو في حكمهما، وإنما هو هواء مثل الأكسجين، بل هو أكسجين مضغوط، فإذا تناوله بفمه إذا كان عنده ربو فلا شيء عليه ولا يؤثر بإذن الله. يسن للصائم أن يؤخر السحور إلى قبل الفجر، وأن يعجل الفطور بعد غروب الشمس، ويفطر على رطبٍ فإن لم يجد فعلى ماء. أيضاً يجب على الصائم أن يكمل صيامه بابتعاده عن المحرمات؛ خصوصاً الغيبة والنميمة، واستماع الأغاني، والنظر المحرم والسب والشتم، ويجب عليه أن يحافظ على الواجبات مثل الصلوات الخمس ويؤديها جماعة في المسجد، ومثل الإكثار من قراءة القرآن والتلاوة وفعل الخير، وزيارة الرحم والصدقات في هذا الشهر المبارك. هذا ونسأل الله التوفيق والهداية، والقبول لنا ولكم ولسائر المسلمين.

стр. 714

الأسئلة

стр. 715

حكم ركوب المرأة مع السائق الأجنبي السؤال هنا رسالة مهمة من أحد الإخوة يقول: منظرٌ يحرق قلبي وأنا أشاهده كل يوم، خصوصاً عند أبواب مدارس البنات، وأنا آتي آخذ أهلي فأشاهد الفتيات يركبن في سيارات مع السائقين وليس معهن محرم، فما هذا وكيف فقدت الغيرة من قلوب المسلمين؟ وكيف دفنت المروءة والشهامة إلى هذا الحد فإنا لله وإنا إليه راجعون؟! الجواب هذه أيها الإخوة (مشكلة السائق) حقيقة أنها معضلة خطيرة ومشكلة اجتماعية هامة جداً، وقد كان يمكن للناس أن يستوردوا عمالاً في كثيرٍ من أعمالهم للحاجة، إنما لا يسوغ لهم أن يستوردوا سائقاً لعوائلهم؛ لأن العائلة من ألصق الأشياء بك أنت، يعني: إذا كنت لا تسوق بأهلك فماذا بقي بعد هذا، هذه اختصاصاتك أنت، أنت الذي تسوق بزوجتك وأمك وبأهلك، أما أن تأتي بشخص يسوق السيارة لزوجتك وابنتك فماذا بقي معك؟ ولا يجوز كما قال العلماء أن تستورد سائقاً بأي حالٍ من الأحوال للسياقة بأهلك، بل عليك أن تسوق أنت أو يسوق ولدك، أو اجعلها لا تدرس إلى يوم القيامة، أما أن تأتي لها بسائق فلا. قال العلماء: ويجوز استيراد سائق عند الضرورة لرجلٍ كبير السن ولا يعرف يسوق، شيبة، أو أعمى ولا يستطيع يسوق وما عنده أولاد، وله مصالح ويريد يأتي بحاجاته وعنده سيارة فهذا قال العلماء: يجوز للضرورة، لكن بشروط: أولاً: أن يكون هذا السائق مسلماً فلا تأتِ بكافر. ثانياً: أن يكون هذا السائق رجلاً مسناً كبيراً قد انعطف ظهره، وسقطت أسنانه، وليس فيه عرق يلف، من أجل يسوق السيارة إن كنت تريده يسوق السيارة، وبعد ذلك هذا المسن هذا الذي ظهره قد انحنى يأتي بزوجته معه، لا تأتي به لحاله ولو كان مسناً، والمسن فيه خطر أيضاً، هات شايب وعجوز معه، وبعد ذلك تستأجر لهم بيتاً بعيداً عن أهلك، ولا يدخل بيتك في أي حالٍ من الأحوال ولا تركب معه زوجتك أو ابنتك أو أمك أو أختك إلا وأنت موجود، أما أن ينفرد بهم فهذا حرام. وما نراه -كما ذكر الأخ- والله إنه يدمي القلب أن ترى الرجل شاباً في عمر الخمسة والعشرين والثلاثين وكافر فلبيني أو كوري، وبعد ذلك يركب مع البنت يذهب بها المدرسة، وقد ورد في الحديث: (ما خلى رجلٌ بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) وإعطاء الثقة المطلقة في النساء تجر إلى كوارث، لا ننزع الثقة من النساء، نحن نثق فيهن، لكن إلى جانب الثقة نتقيد بأوامر الشرع، فإذا رفضنا الشرع وجعلنا الرجال مع النساء من باب الثقة حصلت الكوارث والمصائب، فإنا لله وإنا إليه راجعون!

стр. 716

حكم الجوائز التي يضعها التجار للتنافس السؤال ما حكم جوائز (المراعي) فالناس يتسابقون عليها من أجل الجائزة؟ الجواب يريد يشتري سيارة بخمسة ريال، سيارة قيمتها ثلاثين ألف يقول: يريدها بخمسة ريال: وقد رأيت شخصاً في سوق المركزي جاءه شاب واشترى عشر علب بخمسين ريال وفتحها وهي على (الماسة)، كلما فتحها وإذا بها عشر (هللات) عشر (هللات) فإذا كملت فإنه يلعنهم ويأخذها ويضرب بها التراب، ونتسابق عليها كلنا وإنه يلحقني منها اثنتان مجاناً، هذا -أيها الإخوة- أسلوب شيطاني من وسائل اليهود من أجل ابتزاز أموال الناس، بعض الناس لا يريد لبن لكن يقول: يا شيخ! لبن تأتي معه سيارة، ولذا ينفقون، وكم يضعون؟ يصنعون عشرة مليون علبة ويضعون فيها سيارة، وبعد ذلك على فرض إنك اشتريت أول علبة وطلعت لك سيارة، سيارة بأي حق تأخذها، من أين أخذتها من ظهور هؤلاء الذين يلاعنون والذين هم قاعدون يشترون سنين ولا طلعت لهم سيارة، أجل دخلت عليك السيارة من غير طريق شرعي وحرام، وفي هذا فتوى صريحة للشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ وهي صادرة منه وهو الرئيس العام لـ إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. يقول: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة على رسول الله. أما بعد: لوحظ قيام بعض المؤسسات والمحلات التجارية بنشر إعلانات في الصحف وغيرها عن تقديم جوائز لمن يشتري من بضائعها المعروضة مما يغري بعض الناس ويدفعهم إلى الشراء من هذا المحل دون غيره، أو يشتري سلعاً ليس له فيها حاجة طمعاً في الحصول على إحدى هذه الجوائز، وحيث أن هذا نوعٌ من القمار المحرم شرعاً -اسمعوا هذا كلام الرئيس العام الذي أطبقت الأمة على قبول كلامه ﵀ وأطال وأمد بركة علمه- يقول: إن هذا نوعٌ من القمار المحرم شرعاً والمؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل لما فيه من الإغراء، والتسبب في ترويج سلعته وإكساد سلع الآخرين المماثلة ممن لم يقامر مثل مقامرته، لذلك أحببت تنبيه القراء على أن هذا العمل محرم شرعاً، والجائزة التي تحصل من طريقته محرمة شرعاً -ساعة أو قلماً أو سيارة أو غير ذلك لا تأخذه أبداً- لكونها من الميسر المحرم شرعاً وهو القمار، فالواجب على أصحاب التجارة الحذر من هذه المقامرات وليسعهم ما يسع الناس، وقد قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء:٢٩] * ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ [النساء:٣٠] وهذه المقامرة ليست من التجارة التي تباح بالتراضي بل هي من الميسر الذي حرمه الله لما فيه من أكل المال بالباطل، ولما فيه من إيقاع الشحناء والعداوة بين الناس كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠] * ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١]. والله المسئول أن يوفقنا وجميع المسلمين لما فيه رضاه وصلاح عباده، وأن يعيذنا جميعاً من كل عمل يخالف شرعه إنه جواد كريم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لـ إدارة البحوث العلمية والدعوة والإرشاد. فرحم الله امرأً انتهى إلى ما سمع، والذي يلزمك هو أن تقاطعها كنوع من ردة الفعل، لماذا؟ لأننا في مجتمع مسلم متماسك، فإذا أرادت شركة أو محل تجاري أن يبتز أموالنا أو أن يضرب الآخرين، الغرض من هذا ضرب المحلات الأخرى. مثلاً: هناك في السوق ألبان (الصافي) -مثلاً- فالناس كلهم يتوجهون إلى ألبان (المراعي) ويتركون (الصافي) وبالتالي تضطر (الصافي) تعمل نفس العملية وتبدأ المنافسة في الاستهلاك وهذا لا يجوز، ولكن من باب ردة الفعل وباعتبارنا شعباً مسلماً وفي بلد مسلم إذا رأينا مثل هذا فلنقاطعها ولنأخذ من الذين لا يروجون لسلعهم بهذه الطرق المحرمة حتى يتأدبوا؛ لأنه عندما يرى أنه رصد جوائز وأعلن إعلانات ولا أحد اشترى منه، نسبة المبيعات عنده كانت -مثلاً- في اليوم في الماضي مائة ألف علبة لكن لما عمل الدعاية نزلت النسبة إلى ثلاثين ألف علبة قال: إذاً المسألة لا تمشي على هؤلاء، هؤلاء عقلاء وأهل إيمان وتوحيد، ويرجع إلى وضعه الأول، ويحاول أن يكسب السوق إما بإرخاص الثمن مثل (الصافي)، فالحليب (الصافي) كان بخمسة ريال والآن بأربعة ريال، أو بتحسين الجودة فيصنع لبناً ممتازاً.

стр. 717

حكم الفيديو والألعاب في البيت السؤال يقول الأخ الكريم: ما رأيكم برجل يشتري الفيديو لعياله وهو من أهل الصلوات الخمس ويقول: لأني أريد أن أسليهم؟ الجواب نقول: من يشتري الفيديو والألعاب هذه لأولاده فقد خان أمانته، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧] ويقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] وهؤلاء الأولاد أمانة في عنقك إلى يوم القيامة، فأحسن إليهم، ولا تسليهم بمعصية الله وإنما ربهم على الإيمان وأدبهم بأدب القرآن، وقدهم إلى ساحل النجاة إلى الجنة، أما أن تسليهم الآن من أجل أن يعذبوا في النار فيوم القيامة سوف يلعنونك لعنة طويلة، ويقولون كما قال الله : ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨] فلا -يا أخي- لا داعي أنك تسليهم بمعصية الله ﵎.

стр. 718

حكم بيع الشيشة والدخان السؤال هل يجوز لرجلٍ لا يفارق الجماعة في المسجد حتى في صلاة الفجر ويأمر أولاده بالصلاة إلا أنه لديه قهوة (للشيش) يشرب فيها الناس ويتاجر بها هو، هل يجوز له ذلك؟ الجواب لا يجوز له ذلك، (الشيش) هذه -يا إخواني- أوكار من أوكار الفساد، وهي بمنزلة مساجد الشيطان، وهي خطر على المسلمين، وولاة الأمر إن شاء الله لديهم نية وقد أخبرني مسئول في جدة أن هناك أوامر صدرت بعدم تجديد الرخص لأهل المقاهي وإعطائهم فرص لتصفيتها، وتغييرها إلى محلات ثانية؛ لأنهم وجدوا من خلال الأحداث التي تحدث كالمخدرات والخمور والزنا واللواط أن كل الأسباب تتجمع من أين؟ من القهوة، وإذا أردت أن تعرف فمر في قهوة من المقاهي وستشاهد الوجوه الجالسة في المقاهي كلهم -والعياذ بالله- من المنحرفين إلا من رحم الله، وبعد ذلك ماذا تشاهد؟ أجواء الدخان وأجواء مآذن الشيطان هذه (الشيش) هذه التي يقول فيها الشيخ حافظ: كذاك معشوقة الشيطان قد نصبت بها فخاخ لأرباب الجهالات ثم يقول: من أي وجه أتاها الحسن لقد أخطأ الطريق إليها في المرادات من حسن لمعتها من طول قامتها من ذلك الحبل مطوياً بليات يقول: ما هذا من أين جاءها الجمال؟ وبعد ذلك: بداخلها ماء يقاس على بول الكلاب، فالماء الداخل في العلبة تلك مثل بول الكلب، ويأتي يضع (المخمج الأسود) فوق ويضعون فوقها النار ثم تشب وذاك جالس (يقرقر) تحتها، وإذا أكمل مسحها وقال: هات، ويأخذ الثاني، وهكذا. وقرأت أنا بحثاً علمياً أجرته جامعة الملك عبد العزيز في جدة كلية الطب مدعوماً بالأرقام، فوجدوا أن هناك الآن إيدز جديد يهدد الناس اسمه الفيروس الكبدي، وأن سبعة وخمسين في المائة من الشعب يحمل هذا الفيروس، وأكثر هؤلاء من أصحاب (الشيشة)، فأصحاب (الشيشة) عندهم فيروس كبدي. فاترك -يا أخي- (الشيشة)، واترك أنت يا صاحب القهوة القهوة، اتركها ولا تؤجرها، وإذا كان عندك أحد فأخرجه، أما أن تصلي الفجر وأنت من أهل الإيمان وترضى بالمنكر فلا يجوز ذلك. الآن بعض الشباب ينام في بيت أهله، فإذا جاءت الساعة الحادية عشرة أو الثانية عشرة استغل غفلة أبيه ووجود النوم وقام وفتح الباب وخرج، أين يذهب؟ يذهب المسجد، لا. بل يذهب إلى القهوة، ومن يجد في القهوة؟ ربما يريد يشرب كأس شاهي فقط، لكن مع كأس الشاهي يأتي زميل له يقول: لماذا لا تدخن؟ فيقول: يا شيخ! لا أدخن، قال: يا شيخ! تمرن ماذا في الدخان، والله تأخذ واحدة تشاهد مصر من هنا، هذا يا شيخ! ليس فيه شيء جرب حبة، فتبدأ القضية بالتقليد فقط، جرب حبة ومن الحبة انزلق، أو جرب حبة مخدرات، المخدرات الآن يدخل الشخص القهوة وليس عنده شيء، ماذا فيك؟ قال: زعلان، طيب جرب هذه الحبة، هذه الحبة تفعل في الإنسان فعل النار؛ لأنها تسممه وتقضي على دمه، وبعد ذلك يصبح مدمناً، ولا يهمه عواقب مدمن المخدرات. أقيمت ندوة في الثانوية التجارية، اشتركت فيها أنا ودكتور من الشئون الصحية ودكتور في علم الاجتماع، وتناول كلٌ منا جانباً من الجوانب، أنا تناولت الجوانب الشرعية، وآخر تناول الجوانب الطبية، وآخر تناول الجوانب الاجتماعية، وهذا الشريط موجود الآن في المكتبة، ويباع بعنوان: أضرار المخدرات والتدخين، وأنا أنصح كل شاب أن يسمع هذا الشريط؛ لأنه تكلم فيه هذا الطبيب الذي عنده درجة الدكتوراه في الطب وفي كلامه يقول: والله إن الدخان لا يقل خطورة بل هو أعظم من المخدرات في فتكه بالجسد، وفي فتكه بالمعدة، وفي السبب الذي يسببه على الإنسان من الأمراض الخطيرة ولذا يقول: ليس حراماً وإنما هو أعظم من حرام، وهو طبيب وليس عالماً، وأما دكتور عام الاجتماع فتكلم بكلام تشيب منه الرءوس. فالقهوة هذه وكر من أوكار الفساد، يتجمع فيها الشباب ويلعبون الورق ويلعبون (الكيرم)، وبعد ذلك يأتي الشيطان فيقوم شخص يقول: أين أنتم ذاهبون؟ قالوا: نذهب نتمشى، وذهبوا يتمشون يتتبعون أعراض المسلمين، ويدقون على الناس بيوتهم، وبعضهم يذهب يسرق في الليل إذا لم يكن عنده فلوس ليشتري مخدرات، وبعضهم إذا ما وجد امرأة يزني بها يلوط برفيقه، والجرائم كثيرة جداً في أسباب المقاهي هذه. فنقول للمسلم هذا: اتق الله، وعليك أن تتوب إلى الله من فتح هذا المقهى وأن تتركها خوفاً من الله.

стр. 719

حكم الوساوس في القلب السؤال يقول: الشيطان يوسوس لي وساوس خطيرة تؤدي إلى الشبه، فهل أنا محاسب بتلك الوساوس ولو لم أكن راضياً؟ الجواب لا. لست محاسباً، وقال الصحابة للنبي ﷺ : (يا رسول الله! إنا نجد في نفوسنا شيئاً لا نستطيع أن نعلمك به فقال: الحمد لله الذي رد كيد عدو الله إلى الوسوسة، ثم قال: ذلك صريح الإيمان، ذلك صريح الإيمان، ذلك صريح الإيمان) وأخبر ﷺ وأمر من يجد في نفسه مثل هذه الأسئلة أن يقول: (أستغفر الله لا إله إلا الله) ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فإنه إن شاء الله لا يضره.

стр. 720

حكم اللقطة التي لا يعرف صاحبها للمسافر السؤال شخص وجد مالاً من الريالات وهو في سفر وليس قريباً من أحدٍ، وهو بحاجة إلى هذا المال؛ لأنه في سفر فهل يأخذه؟ الجواب لا يجوز له ولو كان محتاجاً إليه، بل عليه إذا أخذه أن يعرفه عاماً كاملاً، فإن لم يستطع أن يعرفه فلينفقه في وجوه البر على نية صاحبه، أما أن يأخذه ويستحله قبل التعريف فلا.

стр. 721

أقسام القلوب السؤال يقول: إني أحبك في الله، وأرجو منك أن تبين لنا أقسام القلوب ونريد الأمثلة عليها؟ الجواب أقسام القلوب والأمثلة عليها تحتاج إلى وقت طويل، ولكني أحيلك إلى شريطٍ في السوق اسمه: أمراض القلوب، وهي محاضرة ألقيت في الأطاولة في زهران، وقد عددنا فيه أنواع القلوب وسبب أمراض القلوب، وعلاج أمراض القلوب، وعلامات أمراض القلوب، وهو شريط مفيد بإذن الله .

стр. 722

نصاب الزكاة السؤال كم نصاب الزكاة في النقود بالريال؟ الجواب في كل مائة اثنين ونصف وفي الألف خمسة وعشرين، وفي العشرة آلاف مائتين وخمسين، في الأربعين ألف؛ ألف ريال، وهكذا.

стр. 723

كلمة (واضي) هل هي من أسماء الشيطان ؟ السؤال يقول لي أحد الأصدقاء: أنَّ (واضي) اسم من أسماء الشيطان، فيكره أن يقول للإنسان: أنت واضي ولكن يقول: أنت متوضئ؟! الجواب نعم. قال بعض أهل العلم: أن هذا اسم من أسماء الشياطين، وأسماء الشياطين كثيرة، منها، و (لهان)، و (الولهان) شيطان الوضوء، ومنها (خنزب) وهو شيطان الصلاة، فإذا أتيت تصلي قام يوسوس عليك من أجل أن يأخذ قلبك ويذهب بك في متاهات، وأيضاً اسمه (مبسوط) لا بسطه الله، فإذا أحد قال لك: مبسوط قل له: لا ما أنا مبسوط، يعني: ما أنت شيطان، ومنها (واضي) وكثير من الأسماء، لكن إذا قالها الواحد وهو لا يعني بها الشيطان فما فيها شيء.

стр. 724

حكم الإقامة بعد الأذان مباشرة السؤال هل تقام الصلاة إذا توفرت الجماعة بعد الأذان مباشرةً لمصلحة العمل؟ الجواب نعم. إذا كان الناس في الإدارة وجاءوا كلهم مع الأذان وكلهم موجودون فأذنوا وأقاموا الصلاة لا شيء في ذلك إن شاء الله.

стр. 725

حكم ترك المؤذن أو الإمام المسجد لحضور محاضرة السؤال ماذا تقول في بعض الأئمة والمؤذنين الذين يحرصون على حضور هذه الندوة ولكنهم يتركون مساجدهم؟ الجواب نقول لهم: إن طلب العلم فريضة، ولكن قيامهم بالواجب أفرض إلا أن يوكلوا، فإذا كنت أوكلت أذانك إلى من تبرأ به الذمة وأوكلت إمامتك إلى من تبرأ به الذمة فلا حرج أن تأتي إلى طلب العلم، أما إذا كنت تعرف أنه لا أحد يؤذن في المسجد ولا أحد يصلي بهم فأنت مؤتمن على تلك الوظيفة فلا تتركها، فقيامك بالواجب أفضل وأولى، وبإمكانك أن تشتري الشريط بخمسة ريال وتسمعه أنت وأهلك. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 726

حال الناس في القبور القبر محطة مهمة في طريق الإنسان إلى ربه، يدرك الكافر فيه بعضاً مما سيحل به، وينعم المؤمن بما سينال من أجر على جده وتعبه. وقد بدأ الشيخ حفظه الله هذا الدرس بمقدمة عن الذكر وفضله، ثم انتقل إلى موضوع الدرس بذكر أدلة إثبات عذاب القبر ونعيمه، من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومنها الحديث المفصل لأحوال المؤمن والكافر من بداية نزع الروح إلى عودتها من السماء.

стр. 727

الذكر حياة القلوب الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. وبعد: أيها الأحبة في الله: فإن حاجة القلوب إلى سماع العلم والذكر أعظم من حاجة الأرض إلى نزول الغيث والمطر، فكما أن المطر والغيث هو حياة الأرض فكذلك العلم والدين والإيمان هو حياة القلوب، وحينما يحبس المطر عن الأرض ينعدم خيرها، ويسوء منظرها، وتستحيل الحياة فيها، قال الله: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥] وكذلك القلوب إذا انحبس عنها الذكر والعلم، والإيمان والقرآن انعدمت فيها الحياة وتحجرت، وانقطع عنها الخير وكثر فيها الشر، فإذا جاء القرآن وجاء الإيمان اهتزت وربت وآتت أكلها بإذن ربها، وظهر الخير في سلوك الإنسان وفي تعامله وعقيدته بناءً على سماع العلم والقرآن، ولذا كانت وظيفة الرسل والأنبياء التذكير بهذا الكلام، وقد حدد الله للنبي ﷺ مسئوليته بقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:٢١] إنما: أداة حصر، حصر للمسئولية التي بعث الله محمداً ﷺ لها، وهي تذكير الأمة: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:٢١] ويقول له: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ﴾ [الذاريات:٥٥] لا تنفع الناس كلهم، بل تنفع شريحة واحدة من المجتمع وفئة واحدة من الناس -أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- وهم أهل الإيمان: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥] والله يحدد صفات أهل الإيمان في أول سورة الأنفال فيقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ [الأنفال:٢ - ٤] هذه شهادة من الله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٤].

стр. 728

من علامة الإيمان: حب مجالس الذكر إذا عرفت -يا أخي- أنك تحب الذكر وتسعى إلى مواطن الذكر وتشتاق إليه، وتتطلع إلى مواعظ الذكر فاعلم أن هذه علامة الإيمان -فاسأل الله أن يزيدك إيماناً- وإن تكن الأخرى وهو الفتور وعدم الرغبة في مجالس العلم، وإذا قيل لك: هناك درس تقول: قد سمعنا كثيراً فماذا عندهم من جديد؟ ماذا تريد من جديد؟ هل العلماء والدعاة يغنون حتى يأتوا لك بجديد؟ لا. العلماء والدعاة أصحاب رسالة يبلغون دين الله، وهل هناك أفضل من كلام الله؟ هل هناك جديد أعظم مما يخبر الله به ويخبر به رسوله ﷺ ؟ فإذا وجدت في نفسك عزوفاً وعدم رغبة وكسلاً وفتوراً عن هذه المجالس فاعلم أن هذه نقطة الخطورة، وبداية الانحدار، وعلامة الهلاك -والعياذ بالله- لماذا؟ لأن القلب تؤثر فيه عوامل التعرية، وعوامل الهدم والنحت من جراء الحياة، ويحتاج القلب إلى صيانة وحماية، ثوبك إذا لم تغسله اتسخ، وسيارتك إذا لم تجر لها صيانة دورية خربت، قلبك لا يريد له صيانة بل يريد له تعهداً لكن كيف تتعهده؟ في مواطن الذكر، وفي مجالس الإيمان، ولذا يخبر الله أنه لا يوجد أظلم ممن يذكر ثم يترك الذكر، فهو ظالم في أعلى مستويات الظلم، يقول : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢] قال المفسرون: أي: لا أظلم منه، ويخبر الله عن حالة المؤمن إذا سمع الذكر، قال : ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] أي: خافت، ويخبر عن حالة البعيد -أعاذنا الله وإياكم منه- صاحب القلب المنكوس أنه يشمئز قلبه، قال : ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥] أي شيء دون الله، يعبد مباراة أو سهرة أو أكلة أو رحلة أو جلسة، أي شيء يستبشر به، لكنه ينقبض من جلسة علم، لا يريدها. لماذا؟ لأن قلبه منكوس قال تعالى: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الأنعام:١١٣].

стр. 729

حاجتنا إلى العلم إخوتي في الله: نحن في زمن أحوج ما نكون فيه إلى سماع العلم، لقد كانت المؤثرات في حياة الأولين قليلة ومحدودة ولم يكن هناك انفتاح مثلما هو حاصل الآن، كان التأثير محصوراً في قنوات محددة: في الأم، والأب، والشارع المحيط بالإنسان، لكن اليوم لم يعد هناك حواجز على الأمم والشعوب، أصبح العالم كله مفتوحاً، تأثير من كل اتجاه ومن كل جانب؛ مما يحتم عليك أن تحمي قلبك مما قد يتسلل إليه من أفكار، أو يغزوه من نزغات، فتحميه بالحماية العظيمة عن طريق سماع العلم المقتبس من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ ؛ لأنه نور، ولأنه حياة، ولأنه روح، يقول الله : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣] وإن مما غزا القلوب وغطاها وغلفها نسيان القبور.

стр. 730

القبر إحدى المحطات التي يمر بها الإنسان القبر هو المحطة الثالثة من محطات رحلة الحياة؛ لأن الإنسان في رحلة وسفر منذ أن يوضع نطفة في الرحم إلى أن تستقر قدمه، إما في الجنة وإما في النار، فهو في رحلة، وهذه الرحلة تتم عبر أربع محطات: المحطة الأولى: عالم البطن والأرحام، ومدة الرحلة تسعة أشهر في الغالب. المحطة الثانية: عالم الحياة ومدة الرحلة من الستين إلى السبعين وقليل من يجاوز المائة أو يصل إليها. ثم يرتحل الناس عنها، وهذه المحطات الارتحال عنها إجباري وليس بالاختيار. فيوم خلقت هل أخذ رأيك؟ لا. ويوم ولدت هل أخذ رأيك؟ لا. ويوم تموت هل يؤخذ رأيك؟ لا. ولو أخذ رأي الشخص فإنه لا يريد أن يموت. من الذي يريد أن يتنقل من القصر إلى القبر؟ فكل شخص يريد أسرته وزوجته ويريد أولاده وبيته خاصة، ولا يأتي الموت إلا إذا زانه فإذا زانك من كل شيء جاء الموت يخربها من كل شيء: لهوت وغرتك الأماني وعندما أتمت لك الأفراح فوجئت بالقبر ... ما للمقابر لا تجيب إذا رآهن الكئيب حفر مسقفة عليهن الجنادل والكثيب فيهن أطفال وولدان وشبان وشيب كم من حبيب لم تكن عيني لفرقته تطيب غادرته في بعضهن مجندلاً وهو الحبيب تغادر أحب الناس إليك وتهيل عليه التراب ثم تنسى، وتدور الأيام دورتها ويأتي الدور عليك وتدخل في الحفرة ويهيل الناس عليك التراب ثم يخرجون وينسونك تخرج إلى الدنيا وأنت تبكي والناس حولك يضحكون فلا يولد مولود من بطن أمه إلا وهو يصيح، لماذا؟ هنا سرٌ فأنت كنت في الضيق فلماذا تصيح إذا خرجت إلى السعة؟ قال العلماء: لأن الشيطان ينزغه في ضلعه الأيسر فيصيح الولد؛ ويقول: (واء) كل طفل يصيح إلا الميت الذي يكون ميتاً في بطن أمه فإنه لا يصيح، ولهذا يعتبر الفقهاء بالنسبة للميراث أنه إذا استهل صارخاً أي: إذا خرج مستهلاً للحياة صارخاً حكم بحياته وحكم بميراثه، وإذا لم يستهل صارخاً فلا يحكم بميراثه وتأتي الرحلة الثانية ويخرج الإنسان وتنتقل المسألة، فالذين يضحكون يوم خرجت هم الآن يبكون، وأنت حين خرجت وأنت تبكي ماذا خرجت تفعل؟ هنا يتحدد مصيرك بحسب عملك، إن كان عملك حسناً تخرج وأنت تضحك، جئت تبكي وهم يضحكون والآن اقلب المسألة، دعهم يبكون وأنت تضحك، ولكن جئت تبكي وهم يضحكون وبعد ذلك هم يبكون وأنت تبكي هذه مصيبة. ولدتك أمك يا ابن آدم باكياً والناس حولك يضحكون سرورا فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسرورا

стр. 731

نسيان القبر علامة موت القلب ويعيش الإنسان فترة العمر ثم يموت، وهذا الانتقال -كما قلت- إجباري وينتقل إلى أين؟ إلى القبر، ومما أصيبت به الأمة وهذا من علامات الخزي، وعلامات موت القلب: نسيان الآخرة، ونسيان أول محطة من محطاتها وهي القبر، وهذا مشاهد الآن على مستوى الأفراد والبشر وعلى مستوى الأحياء والمجتمعات، في الوسائل والصحف والمدارس، كم نسبة ذكر الموت؟ اسأل نفسك في بيتك كم تذكر الموت؟ وأنا كم أذكر الموت؟ في البيوت نذكر كل شيء إلا الموت: الأخبار نذكرها، الأكل نذكره، النزهة نذكرها، المذاكرة للأولاد نذكرها، ماذا نتغدى؟ ماذا نتعشى؟ أين نسمر؟ وأين نذهب؟ ولكن هل نجلس جلسة ونقول: تعالوا نرى ماذا بعد الموت؟ هذا غير موجود إلا قليلاً. والآن أمامنا المخططات في مدينة جدة وأنا أقول لأحد الإخوة هذا اليوم: أين يدفنون الناس في جدة؟ جدة مدينة الملايين، والمخططات فيها تتوسع ذات اليمين وذات الشمال، والشرق والغرب، والجنوب والشمال، وكل المخططات لا توجد فيها مقبرة ولا مقابر، كأن الناس لا يموتون، كأنهم خلقوا ليبنوا الدنيا وينسوا الآخرة، وإذا وجد مخطط وفيه مقبرة لا أحد يشتري بجانب المقبرة، يقول: نريد مكاناً حياً فالمقبرة وحشة، قف بسيارتك وانزل وسلم على المقبرة وقل: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين) هذه السنة الآن ضاعت وماتت؛ نظراً لأن الناس كانوا يمشون على أقدامهم، فإذا مروا تجدهم بطبيعة الحال ينظرون إلى المقبرة ويسلمون على أهلها، لكنهم الآن يمشون في السيارات، والسيارات تمشي مسرعة، السائق مشغول بالسيارات أمامه وخلفه ويدقق النظر في الإشارة ولا ينظر إلى أمامه ولا ورائه وضاعت سنة زيارة القبور، وإذا نظرت إلى القبور تجد فيها هدوءاً وسكوناً، فغالباً يكون ضجيج السيارات في الخارج لكن تعال إلى المقبرة تجد الهدوء والسكينة، يقول علي ﵁ وهو يخاطب أهل القبور: [يا أهل القبور! أما النساء فقد تزوجت، وأما الديار فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت] إذا مات الإنسان وترك مالاً وأولاداً وزوجة وبيوتاً، فالبيوت تسكن، والزوجة تتزوج، والأولاد يتقسمون المال وهو في الحفرة، ثم قال لهم: [هذه أخبارنا فما أخباركم؟] هذه نشرة الأخبار عندنا بعدما ذهبتم عنا أيها الأموات! هذه أخبارنا: وهي أن بيوتكم سكنت، وزوجاتكم نكحت، وأموالكم قسمت، هذه أخبارنا فما أخباركم؟ ماذا عندكم أنتم؟ ثم قال: [أما والله لو تركوا لقالوا: ((وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)) [البقرة: ١٩٧]] ونحن نعرف هذا حقيقة حين نخرج إلى المقابر مع الأموات، فيخرج مع الميت ثلاثة: ماله الممثل في النعش أو الشيء الذي يؤخذ معه من ماله، وأولاده، وعمله، فيرجع المال ويرجع الولد ويبقى معه العمل، ونحن الآن نحب المال والولد ونكره العمل، نكره صديق الشدة ونحب صديق العافية، فصديق العافية الولد والمال، لكن إذا جاءت الشدة تبرأ منك الولد وتبرأ منك المال. من الذي معك؟ العمل. يقول العمل: أنا معك، سأكون معك كما كنت معي، إن كنت محسناً كنت لك محسناً، وإن كنت مسيئاً فأنا لك مسيء.

стр. 732

تذكر القبر يعين على الطاعة يا أيها الإخوة: إن من المعقول جداً بل من المفروض أن ننتبه لحياتنا بعد هذه الحياة، وأن نعرف ما هي أحوالنا في القبور؛ لأن هذا مما يساعدنا كثيراً على العبودية وعلى القيام بالطاعة وترك المعاصي كلما تذكرنا القبر والموت. وأنت أيها الإنسان إذا صححت عملك، وضبطت موازينك تجد أنه عندما يبدأ الانحراف تذكر الموت لماذا؟ لأن هذا الانحراف لا يأتي إلا من الغفلة، لكن حين تذكر الموت والقبر، والجنة والنار تتحقق المفاهيم وتنضبط المسارات، وفي نفس الوقت تضع ضوابط على تصرفاتك فتسير في الطاعات وتترك المعاصي. أخي في الله: أنسيت القبر؟ أنسيت أن القبر يناديك ويقول: يا ابن آدم! ألم تعلم أني بيت الدود؟! ألم تعلم أني بيت الوحشة؟! ألم تعلم أني بيت الوحدة؟! ماذا أعددت لي؟! تصور -يا أخي- أنك الآن في القبر وقد طرحت في حفرة مظلمة، في حفرة قصيرة الطول ضيقة العرض؛ فاشتدت بها وحشتك، واستبانت بها غربتك، ضمتك ضمةً كسرت عظامك، وقطعت أوصالك، وقد كنت غافلاً عن هذا المصير، بما كنت تجمع في هذه الدنيا من الحطام، غافلاً عن هذا المكان، فتأمل -رحمك الله- وادفع عن نفسك جوانب الغفلة، واطلب من الله أن يؤانس وحشتك في هذا المكان، لعل الله أن يرحمك ويغفر ذنبك ويقبل توبتك.

стр. 733

الجزاء في القبر من جنس العمل أيها الأحبة: القبر هو أول منازل الآخرة، فبعد الموت وانقطاع الحياة ينتقل الإنسان إلى الآخرة عبر هذا المسار -مسار القبر- ليبدأ الجزاء على الأعمال، فمن كان محسناً كافأه الله على إحسانه بتحويل قبره إلى روضة من رياض الجنة، ومن كان مسيئاً -عياذاً بك اللهم من هذه الإساءة- عاقبه الله في قبره بتحويله إلى حفرة من حفر النار، ثم يستمر العذاب أو يستمر النعيم فترة البرزخ وهي فترة طويلة غيبية، لا يعرف الإنسان مدتها، ولا طولها، ولا عرضها، إلى أن تقوم الساعة ويبعث الناس من قبورهم، ثم يفصل بينهم في أرض المحشر وينقسمون إلى فريقين: فريقٌ في الجنة وفريق في السعير.

стр. 734

الإيمان بعذاب القبر جزء من عقيدة المسلم إن قضية الإيمان بعذاب القبر أو نعيمه جزءٌ من عقيدة المسلم، أي: ليس أمراً بسيطاً، بل هو شيء من العقيدة، ولهذا يبوب العلماء في مسائل الاعتقاد؛ أن الاعتقاد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: عقيدة التوحيد. القسم الثاني: عقيدة النبوة. القسم الثالث: عقيدة المعاد واليوم الآخر. والإيمان باليوم الآخر يشمل: الإيمان بالموت، وعذاب القبر ونعيمه، والبعث بعد الموت، والحوض، والصراط، والميزان، والكتب، ثم بعد ذلك الجنة أو النار.

стр. 735

الأدلة من القرآن على وجوب الإيمان بعذاب القبر أيها الإخوة: هذه كلها قضايا عقدية من شئون المعاد والبعث بعد الموت، وقد جاءت الأدلة من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ الموجبة للإيمان بقضية عذاب القبر، منها: قول الله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] نزلت هذه الآية كما يذكر ذلك المفسرون في عذاب القبر، ففي الصحيحين عن البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا أقعد المؤمن في قبره) -أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من هؤلاء-: (إذا أقعد) تبدأ حياته الجديدة، حياة القبر وهي عالم آخر غير عالم الدنيا، له نظامه، مثل عالم البطن الذي له نظامه، أليس الطفل في بطن أمه حي، وترصد حركته؟ لكنها حياة غير حياتنا، عنده أنف لكنه لا يتنفس منه؟ لا يوجد أكسجين في البطن، عنده فم لكنه لا يأكل به؟ فلا يوجد طعام في البطن، عنده عينان لكنه لا يرى بها؛ لأنه لا يرى في الظلمات؟ عنده أذن لكنه لا يسمع بها الكلام الذي في الخارج؟ عنده أقدام لكنه لا يمشي عليها؟ فإذا خرج إلى الدنيا تغير النظام كاملاً، فأصبح يتنفس من أنفه، ويأكل من فمه، ويرى بعيونه، وأصبح له أذن يسمع بها، ويد يبطش بها، ورجل يمشي عليها، فقد خرج إلى عالم جديد غير عالم البطن، ونسبة عالم البطن إلى عالم الحياة كنسبة عالم الحياة إلى عالم القبر، ولو جئنا عند طفل في بطن أمه مهيأ للخروج وقلنا له: يا طفل! سوف تخرج بعد دقائق إلى دنيا فيها جبال وسيارات وسماوات وأرض وأشجار وأنهار وبحار وعمارات وغيرها، فإذا فكر الولد الجنين في بطن أمه بعقلية البطن ونظر يميناً وشمالاً ماذا سوف يقول لهذه الأخبار؟ يقول: هؤلاء مجانين، هؤلاء رجعيون، عقولهم متخلفة، ويؤمنون بالخرافات، أين السماوات؟ وأين الأرض؟ وأين الجبال؟ والسيارات؟ وأين العمارات؟ لا يوجد إلا بطن أمي؛ لأنه لم ينظر إلا بطن أمه، أمامه العمود الفقري وعلى يمينه الطحال ومن هنا الكبد ومن هنا الجهاز الهضمي للأم، فإذا سجلت كلامه الذي قاله وهو صغير ثم خرج إلى الدنيا وعاش، وقلنا له: نحن وأنت صغير كلمناك في بطن أمك وقلنا لك: إنه يوجد دنيا وأنك ستخرج فيها فكذبت، ما رأيك في معلوماتك التي قلتها صحيحة أم خاطئة؟ حتماً سيقول: لا والله خاطئة، فلماذا تُكذِّب؟ قال: والله أنا قست على بطن أمي وتلفت في بطن أمي وما رأيت إلا هذا، فأحسبه كذلك، والآخرة عندما تقيسها على الدنيا تحسب أنه لا يوجد غيرها، لكن عندما تموت وتنظر الآخرة حقه: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٣] ثم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧] ربنا ردنا مرة ثانية لكي نعمل، لكن لا ينفع، نفس الكلام، نفس الميزان، عالم القبر عالم. عندما تغطى القبور ويدفن الأموات وتبدأ الحياة الثانية، قد يأتي شخص ويقول: كيف يبدأ حياة ثانية؟ من أين يأكل؟ نقول له: يعيش بدون أكل، لكن الجسم يفتت، وتأكله الأرض والطين والدود ويذهب. كيف يتعذب وهو تراب؟! يذكر ابن القيم في كتابه (الروح) على هذا مثالاً عظيماً يقول: ينام رجلان في غرفة واحدة، هذا على سرير وهذا على سرير، ويرى أحدهما رؤيا حسنة يرى أنه تزوج، وأنه في ليلة العمر ليلة الدخلة، وأنه دخل على الزوجة الجميلة التي يحبها وتحبه، وعاش سعيداً، طوال الليل، والشخص الذي بجواره الذي في السرير الثاني يرى رؤيا سيئة أنه تسلط عليه شخص ومعه سكين وطعنه في بطنه وفي ظهره، يطعنه طوال الليل، فهذا طوال الليل في عذاب، وهذا طوال الليل في نعيم، وجاء شخص وأقامهم وجاء عند صاحب الرؤيا الحسنة قال: قم وتلفت ولم يجد شيئاً لا امرأة ولا غيرها، فقال: لماذا توقظني؟ كنت في حلم جميل: كان عندي زوجة وانبسطت معها، وهذا الذي كان نائماً ويرى أنه يطعن حين أقمته قال: الحمد لله الحمد لله، لا إله إلا الله، جزاك الله خيراً، أيقظتني الحمد لله ليس هناك شيء وينظر وإذا به لا يجد شيئاً، إذاً هذا تنعم طوال الليل، وهذا تعذب طوال الليل، والأجساد سليمة، هذا الجسد نائم على الفراش وليس معه امرأة ولا به شيء، وهذا الجسد الثاني لم يطعن ولا حصل له شيء، لكن من الذي تنعم وتعذب؟ الروح، تنعمت الروح في الحلم الجميل فتنعم الجسد رغم عدم وجود امرأة، ليس معه إلا الفراش، لكنه طوال الليلة معه امرأة زوجة، وهذا الذي يطعن تعذب بالطعن وهل يوجد طعون في جسده؟ لا. لكن العذاب في الروح، هذا ما سيحصل في القبر، فإذا كان المؤمن من أهل الإيمان فإنه يتنعم، لكن ليس ساعات في ليلة بل عمر طويل لا يعلمه إلا الله، يتنعم ويعيش في روضة من رياض الجنة، وذاك -أعوذ بالله وإياكم من ذلك، أسأل الله السلامة والعافية- يتعذب نار وحيّات وعقارب، ضمة القبر ومنكر ونكير، والجسد صار تراباً، ولكن الروح تتعذب، وذلك الجسد صار تراباً لكن الروح تتنعم، هذا هو ما سيحصل للناس في قبورهم، قال ﵊ والحديث في الصحيحين قال: (إذا أقعد المؤمن في قبره أتي -أي: يؤتى من قبل الملائكة- ثم يشهد أن لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله فذلك القول الثابت) هذا القول الثابت، قال : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم:٢٧] أين؟ ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم:٢٧] أي: الآن تعيش على لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي الآخرة أي: في القبر، من عاش على لا إله إلا الله وحكم نفسه بلا إله إلا الله وعاش عليها في كل شئون حياته يثبته الله، ومن عاش على غير لا إله إلا الله يضله الله كما قال : ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] هذا في الصحيحين. الدليل الثاني من أدلة أهل السنة والجماعة على إثبات عذاب القبر ونعيمه: قول الله عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] فدلت الآية على أن عذابهم يوم القيامة في النار ولكنهم الآن في البرزخ يعرضون على النار، قال : ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ [غافر:٤٦] أي: فترة البرزخ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر:٤٦] أي: يوم تنتهي فترة البرزخ في القبور: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] هذا دليل صريح في إثبات عذاب القبر. قال قتادة -والنقل عن الطبري في تفسيره - يقول قتادة: [يقال لهم: يا آل فرعون هذه منازلكم غدواً وعشياً] على سبيل التوبيخ، وعلى سبيل النقيصة والصغار -والعياذ بالله- وأعوذ بك اللهم أن يكون مصيرنا إلى النار، يعرضون عليها غدواً وعشياً، فرعون الذي كان يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] وكان يقول لأهل مصر: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] وكان يقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] كانت جداول نهر النيل تتخلل قصوره، وتسري في بساتينه ثم يقول: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ [الزخرف:٥٢] يقول: أنا أفضل: ﴿مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ [الزخرف:٥٢] أي: موسى: ﴿وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢] لا يستطيع أن يتكلم، لكن أين هو اليوم؟ في سافلة آل فرعون في النار ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]. الدليل الثالث من أدلة أهل السنة والجماعة: قول الله : ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور:٤٧] قال ابن جرير: اختلف في العذاب الذي توعد الله به الظلمة قبل يوم القيامة، فقال معظم أهل التفسير: هو عذاب القبر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور:٤٧] أي: قبل العذاب الأخير الذي في الآخرة، أين يكون هذا؟ قال أهل التفسير: هو في القبر.

стр. 736

الأدلة من السنة على ثبوت عذاب القبر ونعيمه الأدلة من السنة قد جاءت كثيرة جداً، أكتفي بثلاثة أدلة: الدليل الأول: حديث في صحيح البخاري عن عائشة ﵂: (أن يهودية دخلت على عائشة فذكرت عذاب القبر - عائشة ذكرت عذاب القبر- فقالت اليهودية، أعاذك الله من عذاب القبر، ثم خرجت فدخل النبي ﷺ ، فسألت عائشة النبي ﷺ عما قالت اليهودية: كيف أعاذك الله من عذاب القبر؟ فقال: نعم عذاب القبر حق) رواه البخاري، هذا كلام النبي ﷺ . الدليل الثاني: حديث في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) رواه البخاري ومسلم، فهذا حديث في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إذا تشهد أحدكم) أي: إذا انتهى من التشهد والصلاة على النبي ﷺ وهذا يكون في آخر الصلاة في التشهد الأخير قبل السلام حتى عده بعض أهل العلم ركناً من أركان الصلاة، أركان الصلاة أربعة عشر، وبعض أهل العلم يرى أنها خمسة عشر، والركن الخامس عشر: الاستعاذة من أربع في آخر التشهد قبل السلام (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) والدلالة من النبي ﷺ ، والأمر للأمة بالاستعاذة من عذاب القبر بمعنى: أنه حق وأنه كائن، إذ كيف يأمر أمته أن تستعيذ من شيء ليس صحيحاً، والحديث في الصحيحين!

стр. 737

وقفات مع حديث البراء في عذاب القبر ونعيمه الدليل الثالث: حديث البراء بن عازب وهو -أيضاً- حديث صحيح رواه أبو داود، ورواه الإمام أحمد، وصححه الحاكم وهو صحيح، هذا الحديث فيه تفصيل وفيه تصوير كامل لأحداث القبر وكيف يكون حال الناس في القبور. قال البراء بن عازب ﵁: (خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجلٍ من الأنصار) وهذه سنة نبوية أن تخرج مع الميت وتتبع جنازته؛ لأن حقوق المسلم على المسلم ست ومنها: إذا مات أن تتبع جنازته، وفي اتباع الجنازة والصلاة على الميت ثواب عظيم، وفي دفنه ثواب عظيم، يقول ﵊: (من تبع الجنازة حتى يصلى عليها كان له من الأجر قيراط، ومن تبعها حتى تدفن كان له من الأجر قيراطان، قيل: وما القيراط يا رسول الله؟ قال: القيراط مثل جبل أحد). جبل أحد يكون حسنات إذا تبعت جنازة حتى يصلى عليها، لكن أكثر الناس الآن لا يتبع جنازة يرى جنازة فيقول: أنا مشغول، لا يريد قيراطاً، مشغول! لا إله إلا الله! ألا تعلم أن في خروجك إلى الجنازة موعظة لك؟ فكثير من الناس لم يهتد إلا عندما جاء إلى المقبرة ورأى القبر ورأى الميت وهو يدفن ويدخل في ذلك المكان، وتصور أنه في يوم من الأيام سوف يكون في هذا المكان فذهب يصحح وضعه قبل أن يكون هذا وضعه، وهذا هدي السلف ﵏، استجابة لأمر النبي ﷺ فإن الرسول كان يأمر بزيارة القبور يقول: (ألا إني كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة) وكان يزور المقابر ﷺ ، والأحاديث في هذا كثيرة جداً لكن هذه السنة قد ماتت -لا حول ولا قوة إلا بالله-.

стр. 738

الوقفة الأولى: تجهيز القبر واللحد يقول البراء بن عازب: (خرجنا في جنازة رجلٍ من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد) أي: لم يلحد بعد؛ لأن اللحد شق داخل الشق ولا أدري هل يصلح عندكم في جدة لحود أم لا فالذي أعلمه أنه يحفر حفرة بمقاس الإنسان (متر ونصف) في (نصف متر) أو أكثر ثم ينزلون متراً واحداً ثم يأتون به من جهة القبلة ويدخلونه في مكان ضيق، ثم يدفنونه في ذلك المكان، أي: يضعه أحد الناس ما كأني أنا ولا أنتم سنوضع في هذا المكان، تصور -يا أخي- وضعك إذا وضعت في ذلك المكان، أنت الآن إذا أتيت تنام في غرفة النوم سرير النوم عندك (٢م×٢،٤٠م) وهناك أسرة (٣×٣م) ورأيت بعيني (٤×٥م) هناك غرفة نوم (١٠×١٠م) فقلت للزوج صاحب العمارة: ماذا تريد من هذه؟ السرير عشرون متراً من ثمانين متراً ما هذا هل تريد أن تفعل مطاردة أنت والمرأة أم مسابقة في الغرفة؟ قال: أريد أن أوسع خاطري، قلت: والله لا تتوسع -يا أخي- إلا بذكر الله، والله لو أنك تعيش على حصير وقلبك ممتلئ بالإيمان فإنك في راحة، ووالله لو أنك تنام في ملعب كرة وتنبطح من طرفه إلى طرفه وقلبك ليس فيه إيمان ولا دين فإنك في عذاب، لماذا؟ لأن السعادة والروحانية والإيمان لا ينبع من الأشياء الخارجية وإنما ينبع من القلب الذي ينبع منه السعادة، فإذا كان القلب فيه سعادة فكل شيء جيد، وإذا كان فيه عذاب فكل شيء قبيح. انظروا إلى الغرب، لما أقفرت قلوبهم وأرواحهم عن الدين كيف حياتهم تعيسة، رغم أنهم في الجانب المادي في أعلى درجات المادة، لكن هل حققت لهم المادة سعادة؟ لا. أسوأ عيش هو عيشهم؛ لأنه عيش الكلاب، فلا ينامون إلا بالحبوب المخدرة، وأمراض نفسية، وجنون مسرحي وتمثيلي وكروي -والعياذ بالله- وتفكك اجتماعي، وانتحار، فكل شخص يستعمل له حبوباً ويرمي نفسه من جبل، لماذا؟ لكي يتخلص من الحياة، فإنها تضغط على نفوسهم حتى تفجرها من الداخل لماذا؟ لأنه لا يوجد دين، فأنت الآن إذا أتيت تنام على غرفتك (٢×٢٠ =٤٠م) ما شاء الله تتقلب من الطرف إلى الطرف، لماذا تتوسع؟ حسناً في تلك الحفرة كيف تتوسع؟ كيف تنقلب؟ كيف تكف رجلك في ذلك المكان؟ لا إله إلا الله! قال: (ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ مستقبل القبلة وجلسنا حوله، وكأن على رءوسنا الطير) وهكذا شأن المؤمنين إذا جلسوا في المقابر يعتبرون وينظرون ويتفكرون وينزجرون ويتوبون ويبكون، لكن في بعض المقابر -وقد رأيت هذا- على المقبرة يبيعون ويشترون، يبيعون الأراضي في المقبرة، بل جئت في يوم من الأيام وأنا مار في أبها على المقبرة وإذا بشخص من الحفارة جالس بعيداً عن القبر يدخن، يدخن داخل المقبرة!! فأخذته قلت: تعال -يا أخي- بالله هل تسكن في هذا المكان؟ قال: نعم. قلت: كيف تدخن؟ قال: أنا كنت أحفر وتعبت، يقول: لا أقدر أن أواصل الحفر إلا إذا دخنت، قلت: إذا سكنت هناك وجاءك منكر ونكير يسألانك ماذا تقول لهما؟ تقول: أريد (دخاناً) لا أجيب الآن، ائتوا لي بدخان، سيعطونك دخان لكنه دخان في جهنم ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ﴾ [الدخان:١٠] أين عقلك -يا أخي-؟ يقال: إن رجلاً من الذين يشربون الشيشة ويسمونها المعسل، رجل صالح ولكنه مبتلى بهذه الشيشة، فرأى في المنام أنه مات وأن الله أدخله الجنة وأعطاه في الجنة كل شيء، لكنه لم يجد شيشة ولا معسلاً، فقال: أريد شيشة يا ربي! قال: لا توجد شيشة، ولا تصلح الشيشة إلا بنار، وليس في الجنة نار، قال: لابد من شيشة، فلا أنبسط إلا بالشيشة، قال: افتح الغرفة هذه ففتح النافذة وأدخل يده يريد أن يأخذ رأساً ويريد حجراً لكي يضعها وينبسط فاحترقت يده في المنام، وحين استيقظ في الصباح إذا بيده محروقة سوداء كأنها فحمة. هذه القصة في صحتها نظر لكنها تقال، ولا نجزم بصحتها والعهدة على الناقل، المهم عندما تجلس على القبر فلا تفكر إلا فيه، فهي لحظة اعتبار يمكن أن يتحدد مصيرك في هذه الجلسة.

стр. 739

الوقفة الثانية: إخراج روح المؤمن يقول البراء: (فجلسنا وكأن على رءوسنا الطير، وفي يده عودٌ ينكت به في الأرض -في يد الرسول ﷺ عود- فجعل ينظر إلى السماء وينظر إلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه ثلاثاً، كأنه رأى شيئاً، ثم قال: استعيذوا بالله من عذاب القبر) اللهم إنا نعوذ بك من عذاب القبر، ثم قال: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا -أي: انتهت أيامه وساعاته ودقائقه- وإقبالٍ إلى الآخرة -أي: أزفت الرحلة- نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه -هذا من هو؟ المؤمن- كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يأتي ملك حتى يجلس عند رأسه ويقول: يا أيتها النفس الطيبة المطمئنة كانت في الجسد الطيب اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان) اللهم إنا نسألك من فضلك، انظروا هذا النداء: يا أيتها النفس الطيبة؛ طيبة طابت بذكر الله، لا تكون طيباً إلا بالدين وبالإيمان، وبالصلاة وبالقرآن، وبالعمل الصالح، لكن بغير هذا هل تكون طيباً؟ لا. والناس كلهم يحكمون الآن أي شخص ليس عنده دين يقولون: إنه خبيث. تشكو لي امرأة وتقول لي: إن زوجها متدين فيه خير، ولكنها قالت: جاءتها الشغالة وقالت لها: زوجها ليس طيباً، تقول: أنا أعرف زوجي من ظاهره ومن صلاته لكنها تعطيني معلومات عكس ذلك، قلت: لماذا؟ قالت: هو يمسكها، كأنه مر من عندها وأمسكها، فأتت بالزوج، وقالت: كيف أنت متدين وظاهرك جيد وتصلي وهذه تقول فأراد أن ينكر فقالت: ما الذي يجعلها تقول: إنك لست طيباً، هذه شغالة، ليس لها مصلحة تريد راتبها فقط، فهل من المعقول أنها تأتي لتقول: إنك لست طيباً؟ فأسألك بالله لا تكذب، تقول له زوجته: لا تكذب ولا تغالطني ولو كذبت عليَّ لن تكذب على الله، أخشى أنك تحلف فتحيط بك، لكن تب إلى الله، قال: صَدَقَتْ أنا لست طيباً وأتوب إلى الله وأستغفره، تقول: وتاب، وتاب الله عليه إن شاء الله، هذا أدنى مستوى من المعاملة، أن الشغالة تقول لك: أنت خبيث، لماذا؟ لأنك لست طيباً، مددت يدك إلى الحرام، وما عندك خوف من الله، جاء في الحديث: (من مد يده إلى امرأة لا تحل جاء يوم القيامة ويده مغلولة إلى عنقه) ستسأل عن هذه اليد لماذا مددتها إلى الحرام؟ -لا إله إلا الله- فهنا تقول الملائكة ويقول ملك الموت يخاطب الروح: (يا أيتها الروح الطيبة) أتريد -يا أخي- أن يقال لك هذا الكلام؟ أم تريد أن يقال لك: يا أيتها الروح الخبيثة؟ لا أحد يريد، من الآن اضبط نفسك وكن طيباً، أما أن تصير خبيثاً وتريد أن يقولوا لك: يا أيتها الروح الطيبة، فلا، الخبيث خبيث، فالناس يقولون له: خبيث، وزوجته تقول له: خبيث، وهو نفسه يعرف أنه خبيث، وحين الموت يقول له ملك الموت: خبيث أين يدخل هذا؟ في دار الخبث والخبائث في النار، والطيب طيب، والله طيب، والجنة طيبة للطيبين -اسأل الله أن يجعلني وإياكم من الطيبين- والملائكة تقول لأهل الإيمان: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر:٧٣] أنتم طيبين: ﴿فَادْخُلُوهَا﴾ [الزمر:٧٣] الله أكبر!

стр. 740

الوقفة الثالثة: صعود روح المؤمن إلى السماء قال: (فتخرج روحه) وخروج الروح كما بينا لكم، فيه ألم لكنه ضعيف، تخرج روحه (تسيل كما تسيل القطرة من فم السقاء -أي: من فم القربة- حتى إذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض) هذا أول شيء، قبل صلاة الناس، يصلي عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملكٍ في السماء، فيأخذها -أي: يأخذ الروح- فإذا أخذها أصبحت الروح في يد من؟ في يد ملك الموت، وملائكة الرحمة ينتظرون خروجها؛ فليس لهم سلطة وهذه اختصاصات، هؤلاء لهم وظيفة، وهؤلاء لهم وظيفة، فإذا خرجت الروح يأخذونها مباشرة منه قال: (فلا يدعها في يده طرفة عين) مباشرة يأخذونها فيضعونها في ذلك الكفن الذي من الجنة، وفي ذلك الحنوط الذي من الجنة، فذلك قوله : ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١] الروح عندما تخرج يخرج منها ريح كأطيب ريحٍ وجد على وجه الأرض؛ لأن ريح الخبيث والطيب الآن غير ظاهرة، الناس الآن مستورون، مثل قدور الضغط، ولكن إذا كشفنا الغطاء ظهر كل واحد بما فيه، فالذي في قلبه إيمان وقرآن وذكر ودعوة وعمل صالح وحب في الله وبغض في الله أي خير، هذا تكون ريحه جيدة. والذي في قلبه -والعياذ بالله- أغانٍ وأفلام ومسلسلات ونساء وخمر ونوم عن الصلوات ومعاصٍ وفواحش ماذا نجد إذا كشفنا قدره والعياذ بالله؟ خبث وخزي ويظهر منه ريح كأنتن ريح جيفة وجدت على ظهر الأرض، أما ذاك فكأطيب ريح وجد على ظهر الأرض، قال: (فيصعدون بها -هذه الريح يصعدون بها- فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قال الملائكة: ما هذه الروح؟ وما هذه الريح الطيبة؟ فيقولون: روح فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا) تشريفات تصعد من سماء إلى سماء، واسمك يمر فلان بن فلان، جاء من الأرض جاء العبد الصالح، جاء العبد المؤمن المصلي المتزكي الذاكر التالي صاحب الخشية، هذا هو الفخر، لكن ذاك سترون كيف يقال له -والعياذ بالله- قال: (حتى ينتهون بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون لها -وكل سماء لها أبواب ومغاليق وملائكة- فيفتح لهم) لماذا يفتح؟ قالوا: لأنه معروف عند أهل السماء، فأعمالك الآن تسجل وترفع إلى السماء: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]. فأهل السماء يعرفونه، كل يوم وأنت تمشي للصلاة، فلك حسابات مع أهل السماء، الآن إذا لك حسابات في أي مصرف أو بنك وتأتي ولك حساب جارٍ عندهم، ولك معاملات وتطلب أو تعطي، فأنت معروف عندهم، لكنك عندما تأتي وأنت مجهول وليس لك رصيد عندهم وتطلب منهم يقولون: من أين نعطيك؟ لا نعرفك، كذلك المؤمن له حسابات في السماء، فإذا فتح له قيل: فلان بن فلان، فيقال: ادخل! هذا معروف، هذا يصلي كل يوم، كل يوم يصعد له صلاة فجر وصلاة ظهر وصلاة عصر وصلاة مغرب، ويصعد له قرآن ويصعد له ذكر، هذا حساباته جارية ومتواصلة مع الله ، فيفتح له السماء الأولى: (ثم يتبعه من كل سماء مقربوها إلى السماء الثانية، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين) عليين: درجة من الجنة قال الله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:١٩ - ٢١]-نسأل الله من فضله-. فيكتب كتابه في عليين، أي: كما قال العلماء: يحجز مكانه، ويحجز كرسيه، قد عرف وسجل أنه من أهل الجنة، وهذا مكانه في عليين، ثم يعاد من أجل إتمام بقية مؤهلات الجنة.
следующие страницы →