← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الأدلة من السنة على ثبوت عذاب القبر ونعيمه الأدلة من السنة قد جاءت كثيرة جداً، أكتفي بثلاثة أدلة: الدليل الأول: حديث في صحيح البخاري عن عائشة ﵂: (أن يهودية دخلت على عائشة فذكرت عذاب القبر - عائشة ذكرت عذاب القبر- فقالت اليهودية، أعاذك الله من عذاب القبر، ثم خرجت فدخل النبي ﷺ ، فسألت عائشة النبي ﷺ عما قالت اليهودية: كيف أعاذك الله من عذاب القبر؟ فقال: نعم عذاب القبر حق) رواه البخاري، هذا كلام النبي ﷺ . الدليل الثاني: حديث في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) رواه البخاري ومسلم، فهذا حديث في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إذا تشهد أحدكم) أي: إذا انتهى من التشهد والصلاة على النبي ﷺ وهذا يكون في آخر الصلاة في التشهد الأخير قبل السلام حتى عده بعض أهل العلم ركناً من أركان الصلاة، أركان الصلاة أربعة عشر، وبعض أهل العلم يرى أنها خمسة عشر، والركن الخامس عشر: الاستعاذة من أربع في آخر التشهد قبل السلام (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) والدلالة من النبي ﷺ ، والأمر للأمة بالاستعاذة من عذاب القبر بمعنى: أنه حق وأنه كائن، إذ كيف يأمر أمته أن تستعيذ من شيء ليس صحيحاً، والحديث في الصحيحين!

стр. 737

وقفات مع حديث البراء في عذاب القبر ونعيمه الدليل الثالث: حديث البراء بن عازب وهو -أيضاً- حديث صحيح رواه أبو داود، ورواه الإمام أحمد، وصححه الحاكم وهو صحيح، هذا الحديث فيه تفصيل وفيه تصوير كامل لأحداث القبر وكيف يكون حال الناس في القبور. قال البراء بن عازب ﵁: (خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجلٍ من الأنصار) وهذه سنة نبوية أن تخرج مع الميت وتتبع جنازته؛ لأن حقوق المسلم على المسلم ست ومنها: إذا مات أن تتبع جنازته، وفي اتباع الجنازة والصلاة على الميت ثواب عظيم، وفي دفنه ثواب عظيم، يقول ﵊: (من تبع الجنازة حتى يصلى عليها كان له من الأجر قيراط، ومن تبعها حتى تدفن كان له من الأجر قيراطان، قيل: وما القيراط يا رسول الله؟ قال: القيراط مثل جبل أحد). جبل أحد يكون حسنات إذا تبعت جنازة حتى يصلى عليها، لكن أكثر الناس الآن لا يتبع جنازة يرى جنازة فيقول: أنا مشغول، لا يريد قيراطاً، مشغول! لا إله إلا الله! ألا تعلم أن في خروجك إلى الجنازة موعظة لك؟ فكثير من الناس لم يهتد إلا عندما جاء إلى المقبرة ورأى القبر ورأى الميت وهو يدفن ويدخل في ذلك المكان، وتصور أنه في يوم من الأيام سوف يكون في هذا المكان فذهب يصحح وضعه قبل أن يكون هذا وضعه، وهذا هدي السلف ﵏، استجابة لأمر النبي ﷺ فإن الرسول كان يأمر بزيارة القبور يقول: (ألا إني كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها تذكركم الآخرة) وكان يزور المقابر ﷺ ، والأحاديث في هذا كثيرة جداً لكن هذه السنة قد ماتت -لا حول ولا قوة إلا بالله-.

стр. 738

الوقفة الأولى: تجهيز القبر واللحد يقول البراء بن عازب: (خرجنا في جنازة رجلٍ من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد) أي: لم يلحد بعد؛ لأن اللحد شق داخل الشق ولا أدري هل يصلح عندكم في جدة لحود أم لا فالذي أعلمه أنه يحفر حفرة بمقاس الإنسان (متر ونصف) في (نصف متر) أو أكثر ثم ينزلون متراً واحداً ثم يأتون به من جهة القبلة ويدخلونه في مكان ضيق، ثم يدفنونه في ذلك المكان، أي: يضعه أحد الناس ما كأني أنا ولا أنتم سنوضع في هذا المكان، تصور -يا أخي- وضعك إذا وضعت في ذلك المكان، أنت الآن إذا أتيت تنام في غرفة النوم سرير النوم عندك (٢م×٢،٤٠م) وهناك أسرة (٣×٣م) ورأيت بعيني (٤×٥م) هناك غرفة نوم (١٠×١٠م) فقلت للزوج صاحب العمارة: ماذا تريد من هذه؟ السرير عشرون متراً من ثمانين متراً ما هذا هل تريد أن تفعل مطاردة أنت والمرأة أم مسابقة في الغرفة؟ قال: أريد أن أوسع خاطري، قلت: والله لا تتوسع -يا أخي- إلا بذكر الله، والله لو أنك تعيش على حصير وقلبك ممتلئ بالإيمان فإنك في راحة، ووالله لو أنك تنام في ملعب كرة وتنبطح من طرفه إلى طرفه وقلبك ليس فيه إيمان ولا دين فإنك في عذاب، لماذا؟ لأن السعادة والروحانية والإيمان لا ينبع من الأشياء الخارجية وإنما ينبع من القلب الذي ينبع منه السعادة، فإذا كان القلب فيه سعادة فكل شيء جيد، وإذا كان فيه عذاب فكل شيء قبيح. انظروا إلى الغرب، لما أقفرت قلوبهم وأرواحهم عن الدين كيف حياتهم تعيسة، رغم أنهم في الجانب المادي في أعلى درجات المادة، لكن هل حققت لهم المادة سعادة؟ لا. أسوأ عيش هو عيشهم؛ لأنه عيش الكلاب، فلا ينامون إلا بالحبوب المخدرة، وأمراض نفسية، وجنون مسرحي وتمثيلي وكروي -والعياذ بالله- وتفكك اجتماعي، وانتحار، فكل شخص يستعمل له حبوباً ويرمي نفسه من جبل، لماذا؟ لكي يتخلص من الحياة، فإنها تضغط على نفوسهم حتى تفجرها من الداخل لماذا؟ لأنه لا يوجد دين، فأنت الآن إذا أتيت تنام على غرفتك (٢×٢٠ =٤٠م) ما شاء الله تتقلب من الطرف إلى الطرف، لماذا تتوسع؟ حسناً في تلك الحفرة كيف تتوسع؟ كيف تنقلب؟ كيف تكف رجلك في ذلك المكان؟ لا إله إلا الله! قال: (ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ مستقبل القبلة وجلسنا حوله، وكأن على رءوسنا الطير) وهكذا شأن المؤمنين إذا جلسوا في المقابر يعتبرون وينظرون ويتفكرون وينزجرون ويتوبون ويبكون، لكن في بعض المقابر -وقد رأيت هذا- على المقبرة يبيعون ويشترون، يبيعون الأراضي في المقبرة، بل جئت في يوم من الأيام وأنا مار في أبها على المقبرة وإذا بشخص من الحفارة جالس بعيداً عن القبر يدخن، يدخن داخل المقبرة!! فأخذته قلت: تعال -يا أخي- بالله هل تسكن في هذا المكان؟ قال: نعم. قلت: كيف تدخن؟ قال: أنا كنت أحفر وتعبت، يقول: لا أقدر أن أواصل الحفر إلا إذا دخنت، قلت: إذا سكنت هناك وجاءك منكر ونكير يسألانك ماذا تقول لهما؟ تقول: أريد (دخاناً) لا أجيب الآن، ائتوا لي بدخان، سيعطونك دخان لكنه دخان في جهنم ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ﴾ [الدخان:١٠] أين عقلك -يا أخي-؟ يقال: إن رجلاً من الذين يشربون الشيشة ويسمونها المعسل، رجل صالح ولكنه مبتلى بهذه الشيشة، فرأى في المنام أنه مات وأن الله أدخله الجنة وأعطاه في الجنة كل شيء، لكنه لم يجد شيشة ولا معسلاً، فقال: أريد شيشة يا ربي! قال: لا توجد شيشة، ولا تصلح الشيشة إلا بنار، وليس في الجنة نار، قال: لابد من شيشة، فلا أنبسط إلا بالشيشة، قال: افتح الغرفة هذه ففتح النافذة وأدخل يده يريد أن يأخذ رأساً ويريد حجراً لكي يضعها وينبسط فاحترقت يده في المنام، وحين استيقظ في الصباح إذا بيده محروقة سوداء كأنها فحمة. هذه القصة في صحتها نظر لكنها تقال، ولا نجزم بصحتها والعهدة على الناقل، المهم عندما تجلس على القبر فلا تفكر إلا فيه، فهي لحظة اعتبار يمكن أن يتحدد مصيرك في هذه الجلسة.

стр. 739

الوقفة الثانية: إخراج روح المؤمن يقول البراء: (فجلسنا وكأن على رءوسنا الطير، وفي يده عودٌ ينكت به في الأرض -في يد الرسول ﷺ عود- فجعل ينظر إلى السماء وينظر إلى الأرض، وجعل يرفع بصره ويخفضه ثلاثاً، كأنه رأى شيئاً، ثم قال: استعيذوا بالله من عذاب القبر) اللهم إنا نعوذ بك من عذاب القبر، ثم قال: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا -أي: انتهت أيامه وساعاته ودقائقه- وإقبالٍ إلى الآخرة -أي: أزفت الرحلة- نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه -هذا من هو؟ المؤمن- كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يأتي ملك حتى يجلس عند رأسه ويقول: يا أيتها النفس الطيبة المطمئنة كانت في الجسد الطيب اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان) اللهم إنا نسألك من فضلك، انظروا هذا النداء: يا أيتها النفس الطيبة؛ طيبة طابت بذكر الله، لا تكون طيباً إلا بالدين وبالإيمان، وبالصلاة وبالقرآن، وبالعمل الصالح، لكن بغير هذا هل تكون طيباً؟ لا. والناس كلهم يحكمون الآن أي شخص ليس عنده دين يقولون: إنه خبيث. تشكو لي امرأة وتقول لي: إن زوجها متدين فيه خير، ولكنها قالت: جاءتها الشغالة وقالت لها: زوجها ليس طيباً، تقول: أنا أعرف زوجي من ظاهره ومن صلاته لكنها تعطيني معلومات عكس ذلك، قلت: لماذا؟ قالت: هو يمسكها، كأنه مر من عندها وأمسكها، فأتت بالزوج، وقالت: كيف أنت متدين وظاهرك جيد وتصلي وهذه تقول فأراد أن ينكر فقالت: ما الذي يجعلها تقول: إنك لست طيباً، هذه شغالة، ليس لها مصلحة تريد راتبها فقط، فهل من المعقول أنها تأتي لتقول: إنك لست طيباً؟ فأسألك بالله لا تكذب، تقول له زوجته: لا تكذب ولا تغالطني ولو كذبت عليَّ لن تكذب على الله، أخشى أنك تحلف فتحيط بك، لكن تب إلى الله، قال: صَدَقَتْ أنا لست طيباً وأتوب إلى الله وأستغفره، تقول: وتاب، وتاب الله عليه إن شاء الله، هذا أدنى مستوى من المعاملة، أن الشغالة تقول لك: أنت خبيث، لماذا؟ لأنك لست طيباً، مددت يدك إلى الحرام، وما عندك خوف من الله، جاء في الحديث: (من مد يده إلى امرأة لا تحل جاء يوم القيامة ويده مغلولة إلى عنقه) ستسأل عن هذه اليد لماذا مددتها إلى الحرام؟ -لا إله إلا الله- فهنا تقول الملائكة ويقول ملك الموت يخاطب الروح: (يا أيتها الروح الطيبة) أتريد -يا أخي- أن يقال لك هذا الكلام؟ أم تريد أن يقال لك: يا أيتها الروح الخبيثة؟ لا أحد يريد، من الآن اضبط نفسك وكن طيباً، أما أن تصير خبيثاً وتريد أن يقولوا لك: يا أيتها الروح الطيبة، فلا، الخبيث خبيث، فالناس يقولون له: خبيث، وزوجته تقول له: خبيث، وهو نفسه يعرف أنه خبيث، وحين الموت يقول له ملك الموت: خبيث أين يدخل هذا؟ في دار الخبث والخبائث في النار، والطيب طيب، والله طيب، والجنة طيبة للطيبين -اسأل الله أن يجعلني وإياكم من الطيبين- والملائكة تقول لأهل الإيمان: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر:٧٣] أنتم طيبين: ﴿فَادْخُلُوهَا﴾ [الزمر:٧٣] الله أكبر!

стр. 740

الوقفة الثالثة: صعود روح المؤمن إلى السماء قال: (فتخرج روحه) وخروج الروح كما بينا لكم، فيه ألم لكنه ضعيف، تخرج روحه (تسيل كما تسيل القطرة من فم السقاء -أي: من فم القربة- حتى إذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض) هذا أول شيء، قبل صلاة الناس، يصلي عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملكٍ في السماء، فيأخذها -أي: يأخذ الروح- فإذا أخذها أصبحت الروح في يد من؟ في يد ملك الموت، وملائكة الرحمة ينتظرون خروجها؛ فليس لهم سلطة وهذه اختصاصات، هؤلاء لهم وظيفة، وهؤلاء لهم وظيفة، فإذا خرجت الروح يأخذونها مباشرة منه قال: (فلا يدعها في يده طرفة عين) مباشرة يأخذونها فيضعونها في ذلك الكفن الذي من الجنة، وفي ذلك الحنوط الذي من الجنة، فذلك قوله : ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١] الروح عندما تخرج يخرج منها ريح كأطيب ريحٍ وجد على وجه الأرض؛ لأن ريح الخبيث والطيب الآن غير ظاهرة، الناس الآن مستورون، مثل قدور الضغط، ولكن إذا كشفنا الغطاء ظهر كل واحد بما فيه، فالذي في قلبه إيمان وقرآن وذكر ودعوة وعمل صالح وحب في الله وبغض في الله أي خير، هذا تكون ريحه جيدة. والذي في قلبه -والعياذ بالله- أغانٍ وأفلام ومسلسلات ونساء وخمر ونوم عن الصلوات ومعاصٍ وفواحش ماذا نجد إذا كشفنا قدره والعياذ بالله؟ خبث وخزي ويظهر منه ريح كأنتن ريح جيفة وجدت على ظهر الأرض، أما ذاك فكأطيب ريح وجد على ظهر الأرض، قال: (فيصعدون بها -هذه الريح يصعدون بها- فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قال الملائكة: ما هذه الروح؟ وما هذه الريح الطيبة؟ فيقولون: روح فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا) تشريفات تصعد من سماء إلى سماء، واسمك يمر فلان بن فلان، جاء من الأرض جاء العبد الصالح، جاء العبد المؤمن المصلي المتزكي الذاكر التالي صاحب الخشية، هذا هو الفخر، لكن ذاك سترون كيف يقال له -والعياذ بالله- قال: (حتى ينتهون بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون لها -وكل سماء لها أبواب ومغاليق وملائكة- فيفتح لهم) لماذا يفتح؟ قالوا: لأنه معروف عند أهل السماء، فأعمالك الآن تسجل وترفع إلى السماء: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]. فأهل السماء يعرفونه، كل يوم وأنت تمشي للصلاة، فلك حسابات مع أهل السماء، الآن إذا لك حسابات في أي مصرف أو بنك وتأتي ولك حساب جارٍ عندهم، ولك معاملات وتطلب أو تعطي، فأنت معروف عندهم، لكنك عندما تأتي وأنت مجهول وليس لك رصيد عندهم وتطلب منهم يقولون: من أين نعطيك؟ لا نعرفك، كذلك المؤمن له حسابات في السماء، فإذا فتح له قيل: فلان بن فلان، فيقال: ادخل! هذا معروف، هذا يصلي كل يوم، كل يوم يصعد له صلاة فجر وصلاة ظهر وصلاة عصر وصلاة مغرب، ويصعد له قرآن ويصعد له ذكر، هذا حساباته جارية ومتواصلة مع الله ، فيفتح له السماء الأولى: (ثم يتبعه من كل سماء مقربوها إلى السماء الثانية، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين) عليين: درجة من الجنة قال الله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:١٩ - ٢١]-نسأل الله من فضله-. فيكتب كتابه في عليين، أي: كما قال العلماء: يحجز مكانه، ويحجز كرسيه، قد عرف وسجل أنه من أهل الجنة، وهذا مكانه في عليين، ثم يعاد من أجل إتمام بقية مؤهلات الجنة.

стр. 741

الوقفة الرابعة: إعادة روح المؤمن إلى الأرض يقول: (وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، فيرد إلى الأرض وتعاد روحه إلى جسده، ويأتيه ملكان شديدا الانتهار، فينتهرانه ويجلسانه ويقولان له: من ربك؟) وهذا الانتهار لكل واحد؛ لأنه إلى تلك اللحظة لا يعلمون أنه مؤمن، الملائكة الذين يسألون لا يعلمون، فهو آت من الدنيا وهم لا يعلمون الغيب والسؤال واحد: (من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ -لكن المثبت إذا سئل- قال: ربي الله؛ -لأنه لا يعرف رباً إلا الله- فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام -ما له دين إلا الإسلام، ليس دين الهوى والشهوات- فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: محمد ﷺ رسول الله، فيقولان له: وكيف علمت وما أدراك؟ قال: قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقت، فذلك حيث يقول الله : ((يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)) [إبراهيم:٢٧]) تلك اللحظات لحظات حرجة، إذا لم يكن هناك تثبيت من الله، تضيع العقول وتذهب الألباب وتتبعثر المعلومات، لماذا؟ لأنك أمام ملائكة، وفي قبر وفي عالم آخر ولا تدري ماذا تقول، لكن الله يلهمك حجتك ويثبتك -اللهم ثبتنا بالقول الثابت-. (فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي فافرشوا له من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره) انظروا إلى القبور الآن، القبر بجانب القبر، بعضها لا يبعد نصف متر، لكن أحدهم في حفرة من حفر النار، والثاني في روضة من رياض الجنة على مد بصره، كم مد بصرك؟ بصرك يمكن أن تنظر مسافة ٤٠كم مد بصرك هذا مكانك روضة من رياض الجنة: (ثم -وهو في تلك اللحظات- يأتيه رجلٌ حسن الوجه، جميل المنظر، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول له: أبشر بالذي يسرك، أبشر برضوان من الله وجناتٍ فيها نعيم مقيم، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: وأنت من أنت بشرك الله بالخير؟ فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير) يقول: تبشرني بشرك الله بالخير لكن من أنت وأنا في وضع عظيم؟ (قال: أنا عملك الصالح) الله أكبر! أنا صلاتك، وزكاتك، وحجك، وبرك، وإحسانك (فوالله ما علمتك إلا كنت سريعاً في طاعة الله، بطيئاً عن معصية الله فجزاك الله خيراً) يشهد له العمل ويقول: والله ما عرفتك إلا سريعاً في طاعة الله، بطيئاً عن معصية الله فجزاك الله خيراً (ثم يفتح له بابٌ إلى الجنة، وباب إلى النار ويقال له: هذا منزلك لو أنك عصيت الله، أبدلك الله به هذا المنزل -حين أطعت الله- فإذا رأى ما في الجنة قال: رب أقم الساعة) يريد أن تقوم الساعة لكي يدخل الجنة (رب عجل قيام الساعة لكي أرجع إلى أهلي ومالي فيقال له: اسكن ونم نومة العروس) ونومة العريس أحسن نومة.

стр. 742

الوقفة الخامسة: مع إخراج روح الكافر من جسده قال: (وأما العبد الكافر أو الفاجر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة نزل عليه من السماء ملائكة غلاظٌ شداد، سود الوجوه، معهم مسوح من النار وكفن من النار، فيجلسون مد البصر، ثم يأتي ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: يا أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب) لا إله إلا الله! كم بينك يا أخي وبيني وبين أن يدعونا الداعي إما هذا أو هذا، ما أقرب -أيها الإخوان- هذا، يمكن أن أحدنا يدعى هذه الليلة، قال: (فتتفرق روحه في جسده) لا تسيل مثل القطرة. قال: (فتتفرق في جسده فينزعها كما ينزع السفود -وهو الحديد ذو الشاحب من الصوف المبلول- فتتقطع معها العروق والعصب، فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء، فتغلق أبواب السماء) إذا صعد بالروح منع من الدخول، لماذا؟ ليس معروفاً، يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠] الله أكبر! علقهم الله على المستحيل، إذا دخل البعير في خرق الإبرة دخلوا الجنة، هل يعقل هذا؟ لا. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:٤٠ - ٤١]-نعوذ بالله من عذاب الله-.

стр. 743

الوقفة السادسة: مع صعود روح الكافر في السماء قال: (فتغلق أبواب السماء ليس من أهل باب -من السماء- إلا وهم يدعون الله ألا تعرج الروح من عندهم) يقولون: لا نريده، لماذا؟ لأن له ريح منتنة -والعياذ بالله- قال: (فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في ذلك المسوخ، فيخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على ظهر الأرض) الجيفة هي: الدواب التي تموت حتم أنفها ثم ترمى في الصحراء وتمر عليها أيام ثم تتعفن فتخرج منها ريح، الذي يمر من مسافة بعيدة يعرف أن هناك شيئاً ميتاً، جيفة لا يتحملها أحد أي: يكاد يموت، فهذا ريحته ريحة الجيفة، من أين جاءت الجيفة فيه؟ لأنه خبيث، لا يعرف الله، ولا يحب بيوت الله، ولا يحب الصلاة، ولا يحب الطاعة -والعياذ بالله-. قال: (فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: روح فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح له فلا يفتح له باب، ثم يقول : اكتبوا كتابه في سجين -قال : ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المطففين:٧ - ١٠]- ثم يقال: أعيدوا روحه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتطرح روحه طرحاً) يرجم بها من السماء، وذلك قوله : ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] (فتعاد روحه إلى جسده، وإنه ليسمع خفق نعالهم وصفق أيديهم) وما زالوا عند المقبرة يصفقون، وقد صعدت الروح ونزلت فيأتيانه -الملكان- فينتهرانه ويقولان له: من ربك؟ وهنا لا يعرف؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس:٦٥] يمكن في الدنيا يعرف بالكذب، لكن هناك لا يوجد كذب، (فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون فقلت، فيقال: لا دريت ولا تليت -يعني: جعلك ما تدري- ثم ينادي منادٍ من السماء: أن كذب عبدي، فافرشوا له من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه القبر، وتضمه الأرض حتى تختلف الأضلاع -أضلاع اليمين في الشمال، وأضلاع الشمال في اليمين- ثم يأتيه رجلٌ قبيح الوجه قبيح المنظر منتن الريح فيقول له: أبشر بالذي يسوءك -أصبح هو في سوء ويقول: أبشر بالذي يسوءك. قال:- هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت بشرك الله بالشر؟) هل تبشرني على ما أنا فيه؟ من أنت؟ قال: (أنا عملك الخبيث، فوالله ما علمت إلا أنك كنت بطيئاً في طاعة الله، سريعاً في معصية الله، فجزاك الله شراً) من الذي يقوله؟ عملك، لماذا تعمل شيئاً يضرك؟ غريب والله -يا إخواني- هذا يدل على نقص العقول، أنت تعمل عملاً تعرف أنك غداً سوف تؤاخذ عليه، لماذا تعمله؟ هذه عينك الآن تحت حكمك، لماذا تنظر بها إلى الحرام وأنت تعلم أنك غداً سوف تسأل عن نظرك؟ وهذه أذنك تحت حكمك لماذا تسمع بها الأغاني وأنت تعرف أنك غداً سوف تسمع -بعد هذا السمع- رصاصاً مذاباً في جهنم؟ أين عقلك؟ أنت مؤمن بهذا أم لا؟ لكن -أيها الإخوة- القضية كلها ضعف الإيمان.

стр. 744

الوقفة السابعة: حال الكافر في قبره قال: (ثم بعد هذا يفتح له باب إلى النار، ويقيض له الفتان أعمى أصم أبكم) هذه صفات الفتان، أعمى من أجل لا ينظر إليه فيرحمه، وأصم من أجل لا يسمعه، وأبكم لا يتكلم لا يعرف إلا الضرب، (وفي يده مرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لكان تراباً، فيضربه ضربةً حتى يصير بها تراباً، ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربةً ثم يعيده الله كما كان، ثم يصيح صيحة يسمعها كل شيءٍ إلا الثقلين ولو سمعوها لصعقوا) يقول ﵊: (والذي نفسي بيده لولا ألا تدافنوا لسألت الله أن يسمعكم صيحة واحدة فقط) لكن لو سمعتموه فلا أحد يدفن الثاني كلكم تموتون سواء وتصعقون، ولهذا القبور الآن ترونها ساكنة لكن بداخلها حسرات وعذاب أو نعيم -نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل النعيم-. (ثم يفتح له باب إلى النار) فينظر النار والعقارب والحيات والأهوال فيقول: (رب لا تقم الساعة) يقول: هذه أحسن من تلك، رغم أنه في نار، لكنه يرى النار الكبرى فيقول: رب لا تقم الساعة.

стр. 745

الوقفة الثامنة: فوائد معرفة الحديث أخي في الله: هذا الحديث يعلمك الكثير. أولاً: أن الإيمان بعذاب القبر ونعيمه جزءٌ من عقيدتك، فإن المخبر بذلك الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه. ثانياً: يرشدنا إلى أن من كان مع الله في الدنيا كان الله معه في القبر. ثالثاً: يفهمنا أن المنافق أو الكافر أو الفاجر ينساه الله من رحمته؛ لأنه نسي أمر الله وطاعته. رابعاً: يعرفنا أن أهل السماء يعرفون أهل الإيمان. خامساً: يعرفنا -أيضاً- أن أبواب السماء ترحب بنا يوم نموت، وتغلق أمام الكافرين والمنافقين، ويعلمنا -أيضاً- أن المؤمن في قبره في روضة من رياض الجنة، وأن العاصي في حفرة من حفر النار، ويخبرنا الحديث أن العبد يكال له بما كال به لنفسه، الوفاء والنقص مكيال، فإن أردت الوفاء فأوف، وإن أردت النقص فأنقص، والله يجازيك بما عملت لنفسك، يقول الله : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل:٨٩ - ٩٠]. أخي المسلم: كيف تؤمن بعذاب القبر ونعيمه ثم لا تعمل، أين توحيدك لربك؟ أين متابعتك لسنة نبيك؟ أين صلاتك؟ أين خشوعك في صلاتك؟ أين صلاتك في الفجر؟ أين برك لوالديك؟ أين صلتك لرحمك؟ أين توبتك وندمك؟ هل حفظت ذلك؟ أسأل الله أن يتوب عليَّ وعليك، ونعوذ بك اللهم من عذاب القبر، اللهم قنا عذاب القبر، واجعل قبورنا روضة من رياض الجنة. والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 746

الأسئلة

стр. 747

طلب إلقاء درس شهري في مدينة جدة السؤال نحن أهل جدة نحبك في الله ونشهد الله على ذلك، ونقول لك: ليتك تخصص لنا درساً شهرياً طالما أنك قريبٌ في مكة، وليكن في هذا المسجد؛ نظراً لسعة المسجد ووجود المواقف المتسعة؟ الجواب أولاً: أحبكم الله يا أهل جدة، وأنا أحبكم كذلك، وأسأل الله أن يظلنا وإياكم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ببركة الحب فيه. أما تخصيص درس شهري، فهذا منذ سنتين -والحمد لله- درس شهري في مدينة جدة، الأخ كأنه لا يعلم بالموضوع، والدرس كل أربعة أسابيع في يوم السبت من آخر كل شهر، وكان الدرس ينتقل من مسجد إلى مسجد، لكن اليوم تم الاتفاق مع مدير مركز الدعوة والإرشاد على تثبيته في مسجد، وتم اختيار هذا المسجد سبحان الله! بالمناسبة أن يكون ثابتاً فيه لعدة اعتبارات: أولاً: سعة المسجد. ثانياً: جودة التهوية، وأيضاً جودة التكبير للأصوات. ثالثاً: عدم وجود أعمدة كثيرة أي: بإمكان أي مستمع في المسجد أن يرى المحاضر. رابعاً: مواقف السيارات -والحمد لله- جميع طلبة العلم يأتون إلى المساجد والمحاضرات بالسيارات، حتى لو كان المسجد قريباً منه سيأتي بالسيارة، إلا أن هذا لن يكون من الشهر القادم، نظراً لسبق الارتباط، فستكون محاضرة الشهر القادم في مدينة الحرس الوطني بعدها إن شاء الله في شهر ذي الحجة سيكون الدرس ثابتاً في هذا المسجد إن شاء الله، ونسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما نقول وما تسمعون.

стр. 748

حكم المقابر التي جرفتها الأمطار السؤال توجد مقابر وهذه المقابر جرفتها السيول، فماذا يجب علينا أن نفعل؟ الجواب المقابر يجب حمايتها عن طريق تسويرها، وهذه مسئولية البلديات وأمانة العاصمة، فإذا وجد شيء في مدينة جدة تعرفونه، فعلى الحي الذي بجوار هذه المقبرة أن يعدوا استدعاء ويتقدمون إلى الأمانة من أجل القيام بتسويرها وحمايتها، وهذا شيء معروف في كل البلديات -والحمد لله- وإذا كان خارج المدينة، فنفس الناس الذين هم قريب منها، يتبرعون أو يتصلون بالمحسنين ويجمعون تبرعات ويقيمون حولها سوراً إما بالإسمنت إن تمكنوا، وإما فلا أقل من شبك حتى يحموها من المواشي أو الدواب أو من الاعتداء عليها، وربما بعد أيام يعتدى عليها وتحول إلى أرض، ويحفر فيها بيارات ويسكن فيها، وهي مقابر لمسلمين وهذا لا يجوز.

стр. 749

حكم خروج المرأة المتطيبة السؤال يقول: لو تطيبت المرأة في بيتها، وبعد ذلك اضطرت إلى الخروج، فماذا تصنع؟ الجواب إذا أرادت أن تخرج وقد تطيبت في بيتها فإن عليها أن تغير الملابس التي تطيبت فيها؛ لأن الطيب تضعه المرأة دائماً في ملابسها، وإذا كانت وضعت الطيب في شيءٍ من جلدها في وجهها أو في غيره فتغسله حتى لا تتعرض للوعيد الشديد الذي ورد في إثم وعقوبة من تتطيب ثم تخرج ويشم الرجال ريحها، حتى عدها النبي ﷺ زانية قال: (أيما امرأة استعطرت ثم خرجت ليشم الرجال ريحها، فهي زانية زانية زانية) -والعياذ بالله- فلا ينبغي، لماذا؟ لأن الريح يفتن، إذا مرت المرأة وشم الرجال ريحها وهي محجبة سرت الفتنة إلى قلوبهم برائحتها ولو كانت قبيحة، وإن كانت متغطية وشموا الريح قالوا: ما جاء الريح إلا ووراءه شيء، إذاً فلا يجوز لها أن تتطيب. يقول الأخ: هل عليها أن تغتسل أم تتوضأ؟ لا. الجنابة هنا والزنا ليس حسياً حتى يلزمها، إنما عليها أن تتوب إلى الله وألا ترجع إلى هذا.

стр. 750

الكرامات في القبور السؤال يقول: نسمع كثيراً عن أناسٍ فتحت قبورهم بعد دفنهم بثلاث سنوات فوجدوا أنهم على حالهم، فهل هذا يمكن؟ الجواب نعم. يمكن، الأنبياء لا تأكل الأرض لحومهم، قال ﵊: (إنا معشر الأنبياء حرم الله على الأرض أكل لحومنا) أي: لو جئنا إلى قبور الأنبياء تجد الجثة كما هي يوم وضعت، وكذلك قد ينال هذه الكرامة غيرهم من الأولياء والصالحين والشهداء، وقد سمعنا الكرامات التي حصلت للمجاهدين الأفغان أيام الجهاد الأفغاني كثيرة، وجد بعض الشهداء بعد شهر أو شهرين وجدوا رائحته مثل المسك، بينما الكافر من اليوم الثاني بعد دفنه إذا بطنه مثل الكيس انتفخ وأصبح ريحته -والعياذ بالله- متعفنة.

стр. 751

نصيحة لمن ابتلي بالعادة السرية السؤال يقول: أنا شاب مبتلى بالعادة السرية ولا أستطيع الزواج فماذا أفعل؟ الجواب استعف -يا أخي- فإذا لم تستطع الزواج فعليك بالعفة؛ لأن الله يقول: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣] ما أمرك الله أنك إذا لم تستطع النكاح أنك تنكح يدك، لا؛ والعادة السرية وهذا من تلطيف اسمها، أما اسمها في الشرع فهو نكاح اليد، وهي محرمة ولا تجوز، وأدلة تحريمها كثيرة جداً منها في القرآن الكريم يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المعارج:٢٩ - ٣٠] أي: الأمة التي يملكها الإنسان ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ [المعارج:٣٠ - ٣١] وتدخل العادة السرية في وراء ذلك ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ﴾ [المعارج:٣١] أي: المعتدون المتجاوزون لحدود الله. وفي الصحيحين يقول ﵊: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة -أي: النفقة والزواج- فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم) ما قال: فعليه بيده، ولو أنه يجوز لبينه النبي ﷺ ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولو أنه جائز وما أخبر به النبي ﷺ لكان هذا من كتمان الرسالة، ومن عدم إكمال الدين، لكن الرسول ما أمر إلا بالصوم، بالإضافة إلى الآثار التي وردت: (أن ناكح يده ملعون) (أن ناكح يده يبعث يوم القيامة ويده حبلى له)، وأنه ما من حيوانٍ منوي يخرج عن طريق الاستمناء باليد إلا تحمل به اليد لكن آثار الحمل لا تظهر إلا يوم القيامة. فهذه مصيبة عليك -يا أخي المسلم-. فنقول لك: عليك أن تتوب وأن تلتجئ إلى الله وهناك وسائل تعينك على العفة: أولاً: الإكثار من قراءة القرآن وذكر الله؛ لأن الاستمناء يأتي عن طريق وسوسة الشيطان، فإذا أكثرت من الذكر لله وقراءة القرآن خنس الشيطان. ثانياً: عليك أن تمارس عملاً مهنياً حتى تستنفذ الطاقة؛ لأن عندك طاقة فاستعملها في عمل بدني، إما في عمل مع أبيك، أو في تجارتك، أو في مزرعتك، أو في رياضة، حتى لو فعلت لك في البيت عقلة أو أتيت بأثقال حتى تفنى، فإذا تعبت فاذهب ونم فلن تفكر في شيء وسوف تنام سريعاً. ثالثاً: لا تكثر من الأطعمة المهيجة للجنس ما دمت عزباً، كل قوتاً خفيفاً لكي تعيش، إلى أن تتزوج، فإذا تزوجت فكل؛ لأن معك امرأة، لكن تكثر من الطيبات، وليس معك امرأة أين تذهب؟ تعود إلى يدك، هذا ليس جيداً، دع الطعام ولا تأكل إلا الأشياء الخفيفة، لكن تأكل من العسل والبر والسمن والشحم واللحم والمغذيات هذه لا تصلح لك، اتركها حتى تتزوج إن شاء الله. رابعاً: لا تنظر إلى الأفلام والمسلسلات، ولا تنظر إلى النساء في الشوارع، ولا تقرأ قصص الغرام والجنس؛ لأن هذه تُذكي فيك الغريزة وتهيج فيك الجنس. خامساً: إذا أويت إلى فراشك فلا تأتي إلا وأنت تريد أن تنام، من أجل أن تضع رأسك وإذا بك نمت، لكن تأتي وليس فيك نوم وتقعد تتقلب فيأتيك التفكير في هذا الأمر، كيف تصنع؟ اقعد اقرأ في القرآن، اقرأ في السنة، اقرأ في التاريخ، احفظ أبياتاً من الشعر، فإذا تعبت من القراءة قم وصلِّ ركعتين، وإذا جاء الشيطان دفعته بركعتين، والله لن يأتيك أبداً، أحد الإخوة قلت له هذا الأمر يقول: والله فعلتها وما أتاني أبداً؛ لأنه وسواس، كلما جاء الشيطان فعلها يقول: حتى مات مرة واحدة. سادساً: اسأل الله العفة -نسأل الله العفة- جاء رجل إلى النبي ﷺ ، وكان عنده شهوة وجنس يريد النساء فقال: (يا رسول الله! آمنت بك وصدقت ولكن ائذن لي في الزنا) يريد رخصة تصريح في الزنا، فالصحابة استغربوا هذا السؤال الذي لا يعقل، كيف يأذن له في الحرام؟! وكل واحد منهم يضع يده على السيف ينتظرون الإشارة لقطع رأسه، فالنبي ﷺ هدأ روع الرجل وقال له: (تعال أدن مني، ولما دنى قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا. -الرجل لا يحبه لأمه- قال: أتحبه لبنتك؟ قال لا. قال: أتحبه لأختك؟ قال: لا. قال أتحبه لزوجك؟ قال: لا. قال: والناس كذلك لا يحبونه لأمهاتهم ولا لأزواجهم، ثم وضع يده على صدره وقال: اللهم طهر قلبه، وحصن فرجه، واغفر ذنبه) هذه ثلاث دعوات والحديث في الصحيح قال: (اللهم طهر قلبه، وحصن فرجه، واغفر ذنبه، ثم قام الرجل يقول: فوالله إنني قمت وليس في الدنيا أكره عندي من الزنا) وهذا مجرب. عليك دائماً أن تقول في الدعاء: اللهم طهر قلبي، وحصن فرجي، واغفر ذنبي، حتى يحصن الله فرجك -إن شاء الله- من كل شيء، ويطهر الله قلبك من النظر، انتبهوا لا أحد يتساهل ويقول: النظر بسيط، أول شيء تنزلق فيه إلى الزنا العين، ولهذا لما تغضها تستريح، قال الله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] وحين تزل بك القدم في النظر لن تبقى على العين فقط، ستستمر سنة وسنتين وأنت تنظر وبعد ذلك؟ ينقلك الشيطان إلى الثانية وهي: الكلام، والتليفون، وبعد ذلك تقعد على المكالمات فترة، ثم ينقلك الشيطان يقول: إلى متى هذه المكالمات فإنها لا تنفع؟ ثم موعد ولقاء وزنا ثم جهنم، لكن لو أنك أقفلتها من أول باب من عند العين ارتحت، ولهذا ليس في الدنيا أسعد قلب ولا أريح بال من المؤمن الملتزم الذي يغض بصره ولا يرى شيئاً، كلما رأى امرأة، غض بصره وذهب البيت ونظر إلى امرأته ملكة جمال، وإن كان ليس عنده امرأة صبر حتى تأتيه امرأة، لكن الذي لا يغض بصره في النساء يرى أصناف النساء وبعد ذلك لا يقدر أن يصبر عليهن كلهن، فيتقطع قلبه ويقول: وأنا الذي جلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتل؟ وإنك إن أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر ثم إذا عندك زوجة وذهبت البيت ونظرت إليها وقد نظرت إلى أحسن منها، فتنظر فيها أنها قبيحة، فمن حين تدخل تعمل مشكلة معها ولا تسلم، لماذا؟ لأنك رأيت امرأة في الخارج جميلة، وتقول: ما هذه المرأة القبيحة؟ فيأتي إليها الشيطان ويقول: هذا الذي لا يسلم لماذا لا تأخذي رجلاً أحسن؟ وتذهب تبحث عن رجل يسلم، وتصير الحياة تعيسة بسبب إطلاق النظر، لكن لا تنظر إلا إلى امرأتك، فإذا لم تر إلا هي ترى كأنها ملكة جمال الدنيا؛ لأنك لا ترى إلا زوجتك، ولهذا قال الله: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠].

стр. 752

الشفاعة وشروطها السؤال أحب الصالحين ولست منهم وأرجو أن أنال بهم شفاعة هل هذا القول سليم؟ أم أنه يمس في العقيدة؟ الجواب الأخ طالب علم، جزاه الله خيراً ويقصد بهذا شفاعة الصالحين، هل تصح أم لا؟ أقول: قد تحدث العلماء عن الشفاعة وهي جزء من قضايا العقيدة، وقسمها العلماء إلى ثمانية أقسام. وهذه الشفاعة لا تتم إلا بشرطين: أولاً: الإذن من الشافع وهو الله. ثانياً: الرضا عن المشفوع وهو الذي يشفع له، قال الله : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] هذا هو الشرط. والثانية قال الله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨] فإذا أذن الله ورضي عن المشفوع له نفعت الشفاعة، أما إذا لم يوجد أذن ولا رضا فقد قال الله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨] فهذا البيت صحيح وينسب إلى الشافعي، يقول: (أحب الصالحين ولست منهم) يقول هذا على باب التواضع، وإلا فـ الشافعي من أعظم الصالحين، الشافعي ﵀ له سيرة عطرة وتراجم لو المقام يسمح لأتيت لكم بشيء كثير منه، شيء يعطر القلوب، شيء عجيب لدرجة أنه أوتي قدرة وحافظة وكان إذا أراد أن يقرأ كلاماً يضع المسطرة على السطر الثاني حتى لا تسبق عينه السطر الثاني فيحفظه قبل الأول، حفظ الموطأ وهو أعقد كتاب من كتب الحديث، إذا قرأته تريد لك تراجم فيه، حفظه من قراءة واحدة، ولما جلس على الإمام مالك قال: حفظته من قراءة واحدة، قال له: إنك امرؤ نور الله قلبك لكن لا تطفئها بظلمة المعاصي. ولما خرج إلى السوق فرأى عقب امرأة، عندما هبت الريح فكشفت عن رجلها، ورجع يقرأ وإذا به لم يستطيع أن يحفظ، كما كان من قبل، فذهب إلى وكيع بن الجراح يشكي إليه، وقال له: إني لا أحفظ مثلما كنت، قال له: أين ذهبت اليوم؟ قال: إلى السوق، قال: ماذا رأيت؟ قال: رأيت عقب امرأة، قال: هذه هي، ارجع وتب إلى الله، ويقول في أبيات: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نورٌ ونور الله لا يؤتى لعاصي بعض الناس يقول: أريد أن أقرأ القرآن وأحفظ العلم، وهو طيلة ليله على الأفلام والمسلسلات، من أين يأتيك العلم والقرآن؟ والله لا ينظر لك ولا يمر من عندك، العلم يريد له قلباً منوراً قلباً مفتوحاً لله، أما قلب يعشق الشر ويحب المجون ويريد أن يحفظ القرآن، فلا يمكن أبداً، فيقول الشافعي: أحب الصالحين ولست منهم وأرجو هنا أرجو محمولة على أن المرجو هو الله (وأرجو أن أنال بهم) أي: بحبهم وبحب الصالحين وبمجالستي إياهم. (وأرجو أن أنال بهم شفاعة) عند الله . ثم يقول: (وأكره من بضاعته المعاصي) يقول: الذي عنده بضاعة (معاصي) أكرهه. (وإن كنا سواءً في البضاعة) يقول: ولو أن بضاعتي مثله، لكنه ليس عنده شيء، فإذا كان عقب امرأة رآه عمل له مشكلة فكيف عنده معاصي؟ فقال له الثاني: تحب الصالحين وأنت منهم وحب القوم يلحق بالجماعة وتكره من بضاعته المعاصي يقيناً لست من أهل البضاعة يقول: ما أنت من أهل بضاعة المعاصي -أثابك الله- وأنا رقعتها ولا أدري هل البيت كذا أم لا. أكتفي -أيها الإخوة- بما قلت، وأرجو الله أن ينفعني وإياكم بما قلته، ونعدكم إن شاء الله بمحاضرة يوم خمسة وعشرين، وسيعلن عنها، ولكن أعلن عنها من الآن حتى يكون الإنسان على علم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 753

أهوال القبر تحدث الشيخ في بداية الدرس عن محبة الرسول ﵊، وما يناقض هذه المحبة من الابتداع، مثل بدعة المولد النبوي التي لم يقم عليها دليل من كتاب أو سنة ولا من فعل الصحابة أو التابعين ومن تبعهم بإحسان، ثم ساق أدلة تحريم هذه البدعة. ثم تحدث عن القبر وأهواله وفظاعته، وإكثار النبي ﵊ وصحابته من تذكر الموت والقبر الذي هو أول منازل الآخرة. وفي القبر فتنة سؤال منكر ونكير التي لا يتجاوزها إلا من ثبته الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة.

стр. 754

محبة الرسول ﵊ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة في الله! أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يبقي فينا ولا معنا شقياً ولا محروماً، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، نجد ثوابه إن شاء الله يوم الوقوف بين يدي الله . قبل أن أبدأ في موضوع الدرس أحب أن أشير بالمناسبة إلى شيء اعتاد الناس أن يفعلوه في مثل هذه الأيام على اعتبار أنه دين وليس بدين. كلكم يعلم أن محبة النبي ﷺ دين يدين المسلم به لله ، وأنه قربة من أعظم القرب، وأن بغضه أو كراهيته أو بغض شيء مما جاء به صلوات الله وسلامه عليه، كفر بدين الله مخرج لصاحبه من الملة، فقد ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته نواقض الإسلام، أن من ضمن النواقض: بغض الرسول ﷺ ، أو بغض شيء مما جاء به النبي ﷺ ، حتى ولو عمل بهذا الأمر ولكنه من قرارة نفسه يبغضه أو يكرهه، فإنه يكفر ولو عمل به؛ لأن الله يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦]. محبة النبي ﷺ قربة وطاعة ومن أعظم الطاعات، بأبي وأمي هو ﷺ معلم البشرية، ومنقذ الإنسانية، والذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وهدى الله به من الضلالة، وعلم به من الجهالة، فصلوات الله وسلامه عليه، صلاة دائمة متتابعة ما تتابع الليل والنهار.

стр. 755

البدعة تنافي محبة رسول الله ﵊ اعتاد الناس أن يقيموا احتفالات يسمونها حفل المولد، وحفل المولد جاء من عادة نصرانية الغرض منها التذكير بحالة المحتفل به؛ لأن الإنسان ينسى في زحمة الأعمال، وكثافة الأشغال من لا يذكره باستمرار، حتى إنك الآن ربما تنسى أباك الذي مات منذ سنوات ولا تذكره إلا إذا ذكرك شيء به، فلا تتذكره باستمرار، بخلاف إذا مات في الأسبوع الأول أو الشهر الأول تتذكره في كل حين، وترى آثاره في كل وقت، لكن بعد مضي سنة أو سنتين أو ثلاث ينسى الإنسان. وما سمي الإنسان إلا لنسيه ولا القلب إلا أنه يتقلب فهم شرعوا لأنفسهم حفلاً يقيمونه، يحتفلون فيه في كل عام بمولد هذا الإنسان الذي يريدون أن يذكروه، ثم صيروا ذلك شعيرة من شعائرهم، يحتفلون فيها حتى بمولد نبيهم عيسى عليه وعلى نبينا وعلى سائر الأنبياء أفضل الصلاة والسلام. وجاء المقلدون والرعاع من هذه الأمة يريدون أن يحتفلوا بذكرى مولد النبي ﷺ ، وما علموا أن ذكراه ﷺ حية في كل وقت وحين، فنحن لا ننساه، ننسى أنفسنا وآباءنا وأمهاتنا وأزواجنا وأولادنا، بل ننسى ذواتنا ولا ننساه صلوات الله وسلامه عليه، كيف ننساه ونحن نسمع ذكره يعلو على كل مأذنة في كل يوم خمس مرات؟ فما من أذان يرفع إلا وفيه أشهد أن محمداً رسول الله، كيف تنساه الأمة وهي مطلوب منها وهي تصلي في كل يوم خمس صلوات، ولا تقبل صلاتها إلا بالصلاة عليه في تشهدها الأوسط والأخير، فأنت تقول: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، اللهم صلِّ على محمد. هل يمكن أن تنسى هذا الإنسان الذي تذكره في كل وقت وحين؟ تذكره وأنت تدخل البيت، فتتذكر أن هناك هدياً وسنة لا بد أن تقولها، ثم وأنت تأكل الطعام، ولما تشبع من الطعام، ثم وأنت تنام، وعندما تستيقظ، وتذكره وأنت ترى القمر، وتسمع هبوب الرياح، وترى المطر ينزل، وتذكره وأنت تأكل من باكورة الثمار، تذكره في كل شيء؛ لأن معالمه وبصماته صلوات الله وسلامه عليه مرسومة في كل هديك، وسلوكك وتصرفاتك، فهل نحتاج بعد هذا إلى أن نحتفل بذكراه مرة في العام ثم ننساه؟!!

стр. 756

محبة أهل البدع للرسول محبة زائفة إن من يحتفلون بمولده صلوات الله وسلامه عليه هم أهل البدعة والخرافة والتضليل، يحتفلون ويقيمون السرادقات، ويضيئون الأنوار، ويأكلون الحلوى، وينشدون الأشعار والمديح والتغني فيه، ثم يخرجون وينسونه إلى أن يأتي مثل هذا اليوم من السنة المقبلة، لا يحيون سنته، ولا يرومون طريقته، ولا يتبعون هديه، وإذا جاء الاحتفال احتفلوا به، وإذا أنكر عليهم وقيل لهم: هذه بدعة، قالوا: نحن نحب الرسول ﷺ وأنتم تكرهونه ولا تحبونه ولذا لا تحتفلون بمولده، أما نحن فنحبه. نقول لهم: خسئتم والله، بل أنتم أعداؤه، أنتم لا تحبونه؛ لأن من كان يحبه فليسر في هديه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران:٣١] فماذا؟ ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] نحن نحبه أشد حباً: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] ومن محبة الله محبة رسوله ﷺ . ففي الصحيحين عن أنس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: -الأولى- أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) ويقول ﵊ يوماً لصحابته: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين) فيقول عمر بن الخطاب ﵁ وهو يعرف وزن الكلمة وقيمتها، ليس إنساناً مغالطاً، أو يقول الكلام على عواهنه، قال: (والله يا رسول الله! إنك أحب إليَّ من أهلي ومالي ومن الناس أجمعين إلا من نفسي) لا يعرف الكذب، ولا التملق، قال: (لا يا عمر -حتى الآن ما آمنت- حتى أكون أحب إليك من نفسك) فلما وازن وقارن بين ما يمكن أن يربحه إذا أحبه أكثر من نفسه وهي الجنة، وبين ما يمكن أن يخسره إذا لم يحبه أكثر من نفسه فقال: (والله لأنت أحب إلي يا رسول الله! من نفسي وأهلي ومالي والناس أجمعين، فقال ﵊: الآن يا عمر، الآن يا عمر) اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. فهؤلاء المبتدعة يبتدعون في الدين ما لم يأذن به الله، ويوردون ديناً على الناس وليس بدين، وقد ذكر علماء الإسلام أن عملهم هذا محرم، ولا يجوز إقراره، ويجب إنكاره، ولا يجوز السكوت عليه، بل ينبغي من درس التوحيد، وعرف هدي السلف، ثم ذهب إلى أي بلاد من هذه البلاد، وعلم بأنه يقام مثل هذا الاحتفال في هذه البلاد بأن ينصحهم ويعظهم؛ لأننا نعرف ونسمع أن هناك من خفافيش الظلام من لا يستطيعون أن يظهروا في الضوء، فهم يعيشون في الظلام ببدعتهم. سألني شخص هذا اليوم، قال لي: متى يوافق اليوم الثاني عشر بالضبط؟ قلت: لماذا؟ قال: أريد أن أصوم هذا اليوم، قلت: ولم؟ قال: لأنه مولد النبي ﷺ ، قلت: هل أمرك أن تصومه؟ قال: لا. قلت: هل صامه خلفاؤه الراشدون؟ قال: لا. قلت: هل صامه سلف هذه الأمة؟ قال: لا. قلت: من أمرك؟ قال: الناس عندنا يصومون هذا اليوم في باكستان، قلت: سبحان الله! تأخذ دينك من الناس، هذا دين لا يؤخذ إلا عن الله ورسوله ﷺ ، لا تصم هذا اليوم، وإن صمته على أنه قربة فأنت آثم ولست بمأجور؛ لأنك تبتدع بدعة أعظم في الدين من ثواب هذا اليوم الذي تريد أن تتقرب به وليس بقربة.

стр. 757

أدلة تحريم بدعة المولد يقول علماء الإسلام: إن هذا العمل محرم لأدلة شرعية كثيرة، منها ثمانية أدلة:

стр. 758

المولد لم يفعله النبي لنفسه ولا صحابته من بعده الدليل الأول: أنه ﷺ لم يفعله، ولو كان هدى لكان أول من يفعله هو، فيحتفل بمولده هو ﷺ ، فإنه يعرف فضائل الأعمال، ولو كان خيراً لسبق إليه، وأيضاً لم يحتفل بذلك خلفاؤه الراشدون وأصحابه البررة، فهم كانوا أحب الناس إليه، وهو أحب الناس إليهم، وحينما افتقدوه في أول يوم، يقول أحد الصحابة: [والله ما عدنا من المقبرة إلى البيوت إلا وقد تغير كل شيء في حياتنا، حتى الشمس والليل والنهار] أنكروا كل شيء بعد النبي ﷺ لكنهم ما ابتدعوا في الدين، وجاءوا يوم ميلاده وقالوا: نحيي ذكراه، فهو حي في كل وقت وحين، وأيضاً لم يفعله سلف هذه الأمة في القرون المفضلة، التي قال فيها ﵊: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) هذه الثلاثة القرون هي النماذج الحية للإسلام وللتطبيق السلفي لدين الله، فلما لم يفعله الرسول، ولم يفعله خلفاؤه، ولا الصحابة، ولا التابعون، ولا السلف الصالح، دل هذا على أنه ليس بدين، وأن من أتى به فهو مردود على وجهه، لا نقبله منه.

стр. 759

المولد فيه دعوى أن الدين لم يكتمل الدليل الثاني: أن الله أنزل على رسوله ﷺ في حجة الوداع آية، يقول الله فيها: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] فلا يجوز أن نكذب الله وأن نقول: الدين ما كمل إلى الآن، نحن نريد أن نضيف فيه إضافات؛ لأننا نحب الرسول ﷺ ، فنحتفل بهذا اليوم، ونتهم الرب وتعالى في ذلك أنه ما أكمل لنا الدين ونحن نكمله، هذا لا يجوز، وفيه ردٌ لهذه الآية، ومن رد حرفاً أو آية من كلام الله فقد كفر، وقوله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] وقد علم في الدين أنه لم يأمر به ﷺ ولم يفعله.

стр. 760

مخالفة المولد للسنة الدليل الثالث: قوله ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود والترمذي قال: (عليكم بسنتي -أي: هديي وطريقتي- وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ) والنواجذ هي: الأسنان الواقعة في طرف الأضراس مما يلي الجسم، والنواجذ لا تستعملها أنت إلا في الأشياء الصعبة، إذا كان معك عظم تريد أن تكسره فتضعه بين هذه النواجذ، فالنبي ﷺ ، يقول: (عضوا عليها -أي: هذه السنة- بالنواجذ) كناية عن التمسك بالسنة بأقصى قوة، وبأعظم إمكانية وهي النواجذ، وفي هذا استعارة لطيفة من بلاغته صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال: (فإنه من يعش منكم فسيرى بعدي اختلافاً كثيراً) يخاطب الصحابة أن من يعيش بعده منهم فسيرى اختلافاً، فكيف بمن بعدهم؟ كيف وأنتم في كل يوم تضيعون سنناً وتحدثون بدعاً؟! وهذه من البدع التي أحدثها أعداء الله، اقتبسوها من النصارى وسموها ديناً، ووصفوا من لا يفعلها، والذي يذب عن هديه، ودينه، يسمونه (وهابي) يقولون: أنت لا تحب الرسول ﷺ ، سبحان الله! كيف انقلبت المفاهيم وانعكست الموازين، وأصبح أتباعه هم أعداؤه، وأصبح المبتدعة هم أحبابه، يقولون: نحن أحبابه، وقد خسئوا فهو منهم براء، صلوات الله وسلامه عليه. (إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، ثم قال: وإياكم -تحذير- ومحدثات الأمور) أي: في الدين، ليس المحدثات في الأمور العادية وعادات الناس، يجب أن يفهم الناس ما معنى المحدثة، المحدثة في الأمر أي: في أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، أما في عادات البشر فليس عليه حرج، كونك تركب سيارة، أو تأخذ ثلاجة، أو تلبس ثياباً، أو تفرش بيتك، هذه كلها لم تكن موجودة وهي مما أباحه الله . إنما الشيء المرسوم، والمحدد بإطار معين، والمحاط بسور الاتباع هو دين الله، وما أمر به الله أو أمر به رسوله ﷺ (إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) وقد سمعت شخصاً من المبتدعة المفتونين يتكلم ويكتب ويقول: إن البدعة منها ما هي بدعة حسنة، ومنها ما هي بدعة محرمة وغير ذلك، فقسم البدعة إلى خمسة أقسام على أقسام الحكم التكليفي. الحكم التكليفي كما تعرفون في الأصول أقسامه خمسة، فقال: بدعة محرمة، وبدعة مكروهه، وبدعة واجبة، وبدعة مستحبة، وبدعة مباحة. الله أكبر! ما هذا الفقه؟! والنبي ﷺ يقول: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) كل ضلالة في جهنم. فهذا الحديث يبين لنا أنه لا ينبغي لأحد أن يستن إلا بهدي الرسول ﷺ ، وبهدي خلفائه الراشدين، وألا يعمل أمراً أو يضيف ديناً بعد رسول الله ﷺ ، وبعد خلفائه الراشدين، فالدين ما شرع الله وما سن رسوله ﷺ .

стр. 761

المولد بدعة محدثة في الدين الدليل الرابع: روى البخاري ومسلم في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد) أي: باطل مردود، مضروب به في وجهه، لا نقبل الدين بالآراء، نحن لسنا عبيداً إلا لله، ونحن أتباع لهذا الرسول ﷺ ، لسنا إمعات، لا لعالم ولا لولي ولا لصالح، إن جاءنا العالم يقول قولاً: قلنا هات الدليل، وإذا كان معك دليل سمعنا وأطعنا، وإن لم يوجد معك دليل فلا سمع ولا طاعة، لا نقبل ديناً بالآراء والاستحسانات، فمن أحدث في دين الله ما ليس منه فهو رد، مردود باطل مضروب به في وجهه، لو جاء رجل الآن عندكم، قال: أنتم تصلون المغرب الآن ثلاث ركعات، وتصلون العشاء أربع ركعات، يأتي المغرب وأنتم ما زلتم نشيطين في أول الليل ويأتي العشاء والواحد مرهق ومسترخ يريد أن ينام، لماذا لا نجعل المغرب أربعاً والعشاء نجعلها ثلاثاً، من أجل أن العقل يحكم بهذا، وبعد ذلك في الصباح لماذا لا نجعل صلاة الفجر -ونحن نشيطون وقائمون من النوم وليس فينا تعب- نجعل صلاة الفجر أربعاً، والظهر التي هي في وسط الدوام والشخص يريد أن يجلس نجعلها اثنتين، ما رأيكم بهذا الرأي؟ نقول له: لا. الدين ما شرع الله لا ما شرعت أنت، رأيك اجعله لك؛ لأن الله أعلم وأحكم ﵎، (فمن أحدث في ديننا) وهذا إحداث في الدين. قد يقول قائل: إن هذه الاحتفالات من الأمور العادية، نقول لا. ليست من الأمور العادية؛ إنها من الأمور الشرعية الدينية؛ لأن كل ما كان له علاقة بالكتاب، أو بالسنة، أو برسول الله ﷺ فهو دين، فكونه يحتفل به على أنه قربة، وأن هذا يقرب إلى الله؛ لأن هذا رسول الله، والاحتفال به شيء عظيم، فقد جعله من الدين، وليس عليه دليل، فهو مردود.

стр. 762

الإجماع منعقد على أن العبادات توقيفية الدليل الخامس: أن أهل العلم أجمعهم -بدون خلاف- قالوا: إن العبادات الأصل فيها التوقيف، يعني: ليس للإنسان رأي في أن يأتي بشيء من عند نفسه، لا بد أن تقف فيها على دليل، ولا مجال للاستحسان والرأي، فإن الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، ولا مجال لإدخال العقل في قضية العبادات، فإنها كلها توقيفية ثابتة عن رسول الله ﷺ ، والله يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١].

стр. 763

متابعة النبي ﷺ علامة محبة الله الدليل السادس: أن دعوى محبة النبي ﷺ لتبرير هذا العمل دعوى باطلة ومردودة؛ لأن محبته ﷺ تظهر جلية في متابعته لا في الابتداع عليه، ومخالفة أمره، محبة الرسول ﷺ بالسير على منهجه، وقد امتحن الله الأمة بهذه الآية كما يقول ابن عباس، قال: [امتحن الله العباد بهذه الآية، قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] فعلق محبته للعباد على اتباع الرسول ﷺ ].

стр. 764

إقامة المولد تشبه باليهود والنصارى الدليل السابع: أن في ذلك تشبهاً باليهود والنصارى، فهم يحتفلون بعيد الميلاد في كل حياتهم، حتى مواليدهم الصغار، إذا ولد له ولد مثلاً في يوم (٨/ ربيع الأول) بعد سنة كاملة يقيم حفلاً، وبعض الإمعات والجهلة من المسلمين الذي يظنون أنهم متطورون -وهم في الحقيقة متثورون- إذا جاء له ولد وبعد سنة قال: اليوم عندنا وليمة، ماذا عندك؟ قال: نطفئ الشمعة الأولى من عمر فلان المديد. اليهود والنصارى يعتقدون أنك إذا ما احتفلت بعيد ميلاد ولدك هذا فإنه قد يموت، فأنت كل سنة يمر عليك تقيم له حفلاً، وتدعو الناس، وتطفئ شمعة وتشعل شمعة جديدة، وإطفاء الشمعات وإشعالها هذا ليس منك، والأعمار بيد الله، والله ﵎ هو الذي يقضي بالليل والنهار على عباده، ولا راد لأمره ﵎، ولا معقب لحكمه، وهذه بدعة نصرانية مردودة. فلا ينبغي للمسلم أن يكون ذيلاً لهم، وإذا علم أن هذه الوليمة أو هذا العشاء بمناسبة مرور ثلاث أو خمس أو ست سنوات على زواج فلان، أو على ميلاد فلان، يرفضه ويقول: لا أحضر إلى بدعة ليس عليها دليل من النبي ﷺ . والتشبه باليهود والنصارى محرم بدليل الحديث الذي رواه الإمام الترمذي في السنن وهو صحيح، قال ﵊: (لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإنه ليس منا من تشبه بغيرنا) وفي حديث آخر، قال ﵊: (من تشبه بقوم فهو منهم) والتشبه أن تعمل أعمالهم. لا يا أخي كن إنساناً استقلالياً، لا تكن تبعياً، كن إنساناً بارزاً لك قدوة وأسوة في رسول الله ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١].

стр. 765

منكرات الموالد والشرك الحاصل فيها الدليل الثامن: يقع في تلك الاحتفالات من المنكرات والعظائم ما لا يعلمه إلا الله، وأعظم ما يقع فيها الشرك بالله، فإنهم في تلك الاحتفالات يتصورون أن النبي ﷺ يحضر، وبينما هم في المديح، والأدعية، والثناء، وهز الرءوس والتطريب يقولون: اسكتوا! وتقدم الحلاوة والذبائح والأكلات والبسطات، وبعد ذلك يقولون: جاء الرسول ﷺ ، فيقومون قياماً، ويرخون رءوسهم، وينعقون ويبدءون في تقديم الدعاء، يدعون رسول الله ﷺ ، ويقولون: يا مفرج الكروب، يا قاضي الحاجات، يا شافي الأمراض. الله أكبر! لا إله إلا الله! يشرك برب الأرض والسماوات، وهذا هو الذي نزل من أجله الكتاب، وشرع من أجله الجهاد، وبعثت من أجله الرسل؛ أن يدعى الله وحده، والله يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨]. والنبي ﷺ يقول للصحابي الذي قال له: (ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله نداً؟! قل ما شاء الله وحده) (ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي ولكن يقول: فتاي وفتاتي) والله يقول للرسول ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] هذا الرسول ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ * وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٧] سبحانه وتعالى عما يشركون علواً كبيراً، فيدعون الرسول ﷺ . وهؤلاء نقول لهم بمنطق العقل: إذا كان في أكثر بقاع العالم هذه الاحتفالات، وكلهم يزعم أن الرسول جاء، فكيف انقسم عليهم الرسول ﷺ ، ودخل كل حفل من احتفالاتهم؟!! كيف قام ووصل إلى كل هؤلاء، وخرج من عند هؤلاء في خلال ساعة، أو في يوم، أو في ليلة واحدة؟!! أهذا كلام يعقل؟ سبحان الله! رسول الله ﷺ ميت صلوات الله وسلامه عليه، كما قال الله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء:٣٤ - ٣٥] هو ميت ولكنه حي، كأكمل حياة الشهداء، حياة برزخية، ليست حياة مثل حياتنا، حياة بزرخية كأكمل حياة الشهداء صلوات الله وسلامه عليه، وهو لا يخرج من قبره ولا يعلم ما يحدث في أمته من بعده، ولهذا يوم القيامة يوم تذاد مجموعة من الأمة عن الحوض فيقول: (أمتي أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، لا زالوا يرجعون عن دينهم القهقرى، فأقول: بعداً بعداً، وسحقاً سحقاً) وأقول كما يقول العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة:١١٧] إلى آخر الآيات. فهذه المنكرات يحصل فيها الشرك بالله، بالإضافة إلى الإسراف، والتبذير في إقامة الولائم، ونصب السرادقات، وإضاءة الأضواء، وإهلاك الأموال في هذا الأمر الذي لم يأذن به الله، ولم يشرعه رسوله ﷺ ، فلا يسعنا -أيها الإخوة- إلا ما وسع السلف [ومن كان مستناً فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تأمن فتنته]. ونقول للناس الذين يبتدعون هذا: لو كان خيراً لسبقنا إليه صحابة رسول الله وسلف هذه الأمة، وما لم يسبقونا إليه فليس بدين، وما لم يكن في عهدهم دين فلن يكون في عهدنا دين، فقد ضيع هؤلاء أكثر دين الله، ثم يحدثون فيه ما ليس من دين الله، فنريد -أيها الإخوة- أن نعرف هذا الأمر على حقيقته، وأن نعرف أدلة رده حتى إذا ما ناقشنا مبتدع، أو جاء ليضللنا ضال؛ لأن كثيراً من المسلمين -فقهنا الله وإياهم بالدين- بحبهم للنبي ﷺ وبفطرتهم السليمة، إذا جاءهم مبتدع وسوغ لهم هذا الأمر، ربما ينطلي عليهم، وربما بدافع الحب للنبي ﷺ يصنعون هذا الأمر وهم لا يشعرون، فنريد أن يعي إخواننا، وهم بدورهم ينقلون هذا إلى كل من يسمعون أنه يحدث مثل هذه البدعة، ويقولون له: هذا ليس بدين، بل هي بدعة، والبدعة طريق الشرك. فأَقَلّ بدعة كما يقول شيخ الإسلام ابن القيم: أعظم عند الله من أعظم كبيرة من كبائر الذنوب، يعني: البدعة الصغيرة أعظم من كبيرة الخمر والزنا، لماذا؟ قالوا: لأن صاحب الخمر والزنا يرجو أن يتوب، لكن صاحب البدعة يحسب أنه على هدى، ولا يفكر أن يتوب أبداً؛ لأنه يدعو إلى بدعته، والعياذ بالله! هذا -أيها الإخوة- ما أردت أن أذكره لكم كبداية في هذه الجلسة.

стр. 766

القبر وأهواله أما موضوعنا الذي سوف نواصل البحث فيه، فهو عن القبر وفظاعته وأهواله، نسأل الله أن يخفف عنا وعنكم في تلك اللحظات الحرجة.

стр. 767

الإكثار من تذكر الموت والقبر الحديث عن القبر ينبغي أن يكون نصب أعيننا في كل وقت وحين، فإننا ما دمنا نذكره، فسوف نستعد له، وإذا نسيناه غفلنا عنه، وكان الرسول ﷺ يكثر ويأمر أصحابه بالإكثار من ذكر الموت والقبر، وكان يقول: (إني كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزورها فإنها تذكر بالآخرة) والناس اليوم قليل من يزور القبور؛ لأن الناس لا يمشون على أقدامهم، كنت قبل أن أشتري سيارة أمشي على قدمي، وما أمر بمقبرة إلا أسلم عليها؛ لأني أرى القبور، وهي ليست مرتفعة، وليس عليها سور، ولا مناظر جميلة من أجل أن تلهي الناس، فكلما رأيت قبراً أسلم، وبعدما اشتريت سيارة، فانشغلت بالسيارة فلا تنظر عيني إلا في الخط، ولا أستطيع أن أنظر، والمفروض أن أنتظر لحظة وأسلم، وليس بالضروري أن يستمر نظري إلى المقبرة مسّلِماً، وإنما إذا مررت بالمقبرة أسلم وأركز على الخط، لكن العبرة في هذا أقل من العبرة لو سرت بقدمي ووقفت على طرف المقبرة ونظرت إليها، وشاهدت ظاهر القبور وما يحصل فيها من الهدوء والوحشة والانفراد، يحدث بهذا تأثر كبير، إذا مارسه الإنسان. يحدث هانئ مولى عثمان بن عفان ﵁، قال: [كان عثمان بن عفان ﵁ إذا وقف على قبر يبكي، حتى تبتل لحيته] ودائماً تسمعون في أكثر الأحاديث بكى حتى ابتلت لحيته، لكن لو بكى أحدنا وليس معه لحية، فماذا نقول: حتى ابتلت جلدته، حتى يبتل ذقنه، ماذا نقول؟ ليس هناك شيء يبتل. إذاً اللحية معلم من معالم الرجولة، وسنة من سنن النبي ﷺ ، لا بد من إبقائها في الوجه عملاً وتطبيقاً لهدي رسول الله ﷺ . قيل له: (يا أمير المؤمنين! نراك تذكر الجنة والنار فلا تبكي، ثم تذكر القبر فتبكي، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر، وإن لم ينج منه فما بعده أشد) قال: (وسمعت رسول الله ﷺ يقول: ما رأيت منظراً قط إلا والقبر أفظع منه) رواه الترمذي، وابن ماجة، والإمام ابن الأثير في جامع الأصول، وقال الشيخ الألباني في تعليقه عليه: سنده حسن، وأخرجه وحسنه في صحيح الجامع للسيوطي. حقيقةً القبر -أيها الإخوة- من أفظع ما يمكن على الناس؛ لأنك لو نمت في غرفة، هذه الغرفة مساحتها (٢م×٢م) أو (٢م×١م)، وبعدها تعرف أنه لا يوجد معك أحد باستمرار، وليس عندك طعام ولا شراب، وسقفها قريب منك، إذا كنت في غرفة، أو سجن، أو زنزانة، أو غرفة كبيرة لا بد أن يكون سقفها بينك وبينه (٢م) أو (٣م)، لكن إذا كانت الغرفة التي تنام فيها (١. ٥م×١. ٥م)، وارتفاع السقف شبر واحد، والحجارة فوق ظهرك، هذا شيء فضيع (ما رأيت منظراً إلا والقبر أفظع منه)، وليته رقود ولا شيء بعده، ولكن هناك أشياء: ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شيء

стр. 768

القبر أول منازل الآخرة فالقبر أول منزل من منازل وأول درجة من درجات الآخرة، وهو إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار. فلذا كان عثمان ﵁ إذا ذكر القبر بكى وارتعد، وإذا ذكر الجنة والنار لم يبك؛ لأنه يرجو ويخاف، يرجو في رحمة الله أن يكون القبر روضة من رياض الجنة، ويخاف من عذاب الله أن يكون القبر حفرة من حفر النار، فيخاف من القبر؛ لأنه يعلم أن ما بعده أيسر أو أشد منه، ولما كان ما بعد القبر أيسر منه لمن نجا، فإن العبد إذا رأى في قبره ما أعد الله له من نعيم قال: كما في حديث البراء بن عازب: (رب أقم الساعة، رب أقم الساعة، رب أقم الساعة، فيقال له لم؟ قال: لعلي أرجع إلى أهلي ومالي) أين أهله وماله؟ ليس ذلك في الدنيا، وإنما يرجع إلى أهله وماله في الجنة؛ لأنه يرى قصوره ويرى الحور وما أعد الله له من النعيم، فهو في القبر في روضة من رياض الجنة، لكنه يريد ما هو أعظم، يريد الجنة. وأما الكافر -والعياذ بالله- والمنافق والفاجر، فإنه وهو في حفرة من حفر النار يرى الحيات والعقارب، والسلاسل والأغلال والأنكال وأودية العذاب، والنار يحطم بعضها بعضاً، عند ذلك يقول: رب لا تقم الساعة، رغم أنه في عذاب لكن ما بعده أفظع، فهو لا يتمنى أن تقوم الساعة عليه؛ لعلمه بأن ما بعده أعظم مما هو فيه، والعياذ بالله! أما ظلمة القبر، فالقبر له ظلمة وله نور أيضاً، فهو ظلمة على أهل المعاصي، ونور على أهل الطاعات، نور الله قلوبنا وقلوبكم وقبورنا وقبوركم، وقبور آبائنا وأمهاتنا وجميع إخواننا المسلمين، وفي الحديث الذي رواه الإمام البخاري، ومسلم، وأصحاب السنن: والبيهقي، وأحمد في المسند - قال: (ماتت امرأة كانت تقمّ المسجد على عهد رسول الله ﷺ تقم المسجد: أي تزيل القذر، والقذر غير النجاسة، إذ لا يتوقع أن يكون في مسجد النبي ﷺ نجاسة، لكن القذر: ما يتقذر منه، كالشعرة، والعود، والورقة، والكناس، أي شيء من هذا الذي تجده في المسجد، من أعظم القربات أن تحمل هذه الشيء. ولقد قال لي أحد المشايخ يقول: رأيت شاباً في مقتبل العمر وهو جالس في المسجد يذكر الله ويقرأ، فرفع رأسه فرأى أمامه أعواداً، يقول: فجمع الأعواد من أمامه وفتح جيبه وجعلها في جيبه. يقول: سبحان الله! كيف ترق نفس المؤمن وتصبح شفافة إلى أبعد درجة، لدرجة أنه يجعل المسجد أعظم حرمة من ثوبه وجيبه، يجمع أذى المسجد ليضعه في جيبه، الإنسان لا يضع في جيبه إلا الشيء الغالي أليس كذلك؟ تضع النقود، والشيكات والأوراق الغالية والنفيسة، لكن تضع القمامة في جيبك؟! لو كنت في بيتك ووجدت أي قمامة لا يمكن أن تضعها في الجيب، تأخذها وترميها أو تتركها؛ لكن في بيت ربك، لا. جيبك أولى بالقمامة من بيت ربك. فهذا العمل بسيط في ظاهره كونه يأخذ الحبة ويضعها في جيبه، لكنه عند الله عظيم، لا إله إلا الله! بدليل حديث البخاري ومسلم: أن هذه المرأة التي كانت تقم المسجد أي: تكنسه وتنظفه، ففقدها النبي ﷺ ، فقدها وفقد آثار عملها، رأى بعض الأشياء في المسجد، ففقدها من فقدانه لأثر فعلها، وهو تنظيفها للمسجد فسأل عنها، فأخبروه: أنها ماتت بالليل وأنهم دفنوها، ولم يخبروه ﷺ ؛ لأنهم كرهوا إيقاظه وإزعاجه، لعلمهم بما كان يبذل ﷺ من جهد جهيد في سبيل خدمة الدعوة الإسلامية، فكانت حياته كلها لله. فغضب النبي ﷺ وقال: (أفلا آذنتموني؟ أفلا آذنتموني؟ ثم طلب من أصحابه أن يدلوه على قبرها، ثم جاء إلى قبرها، فصلى عليه صلوات الله وسلامه عليه -صلى عليها صلاة الجنازة- ثم قال: إن هذه القبور مليئة بالظلمة على أهلها، وإن الله منورها لهم بصلاتي عليهم) رواه البخاري ومسلم. فالظلمة موجودة في القبر؛ وسبب الظلمة ما يكتسبه الإنسان من دخان المعاصي في الدنيا، فمن يعيش في بيته على دخان المعاصي يعيش في دخانها هناك، وفي ظلمتها في القبر، وعلى الصراط، وفي دار الظلمات، يوم أن ينادي أهل الإيمان ويقول: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً﴾ [الحديد:١٣] من أراد النور فعليه بالتعبئة من الآن من محطات النور وأماكن الطاعات، فالطاعة نور والمعصية ظلام -أعاذنا الله وإياكم من ذلك- هذه ظلمته!

стр. 769

ضمة القبر وضغطته ضمة القبر ثبتت بالأحاديث الصحيحة، وثبتت مع من كان من أكابر الصحابة، والذي شهد له الرسول ﷺ بالجنة، واهتز له عرش الرحمان، ونزل سبعون ألف ملك يشيعون روحه، وأيضاً مات شهيداً في سبيل الله، والشهداء في المراتب التي تلي مراتب الأنبياء، وبالرغم من هذا ضغطه القبر. والعلماء يحققون في هذا، يقول الإمام الذهبي: وليست ضغطة القبر التي تعرض لها سعد بن معاذ ﵁ من عذاب القبر في شيء؛ لأنه مشهود له بالجنة، ومن أهل الجنة، فلا يتصور أن يضغطه القبر عذاباً، ولكن قالوا: إن ضغطة القبر وألم الضغطة الذي تعرض لها سعد، وسوف يتعرض لها كل إنسان، هي من نوع الألم الذي يجده الإنسان عند الموت مثل الحشرجة، والألم الذي يجده الإنسان عند المرض والجوع ووخز الإبرة، هذه كلها آلام تأتي للجسد.

стр. 770

قصة إسلام سعد وجوانب من سيرته إذا وضع المؤمن في القبر، وفي الظلمة يحصل له ضمة، لكنها ليست عذاباً، إذ أن سعداً ليس من أهل العذاب، فهو مشهود له بالجنة، ومن السابقين إلى الإسلام، ومن كبار الصحابة، وأسلم مع السابقين، وكان إسلامه فتحاً ونصراً للإسلام والمسلمين؛ لأنه أسلم على يد مصعب بن عمير، وكان مصعب بن عمير أول سفير يرسله الرسول ﷺ للدعوة إلى الله، فأرسله إلى المدينة، وجلس يعلم بعض رجالها، فلما سمع سعد بن معاذ به أرسل إليه أسيد بن حضير، قال: أسكته، فإن سكت وإلا فأت برأسه -ليس عندهم لعب- فذهب إليه، فقال له: اسكت، قال: اسمع ما نقول: فإن أعجبك وإلا كففنا عنك، قال: لقد أنصفت، فقرأ عليه من القرآن، فلما انتهى، قال: ماذا يقول من يريد أن يدخل في دينكم؟ قال: يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم قال: إني ذاهب إلى زعيم القوم، فاصدق الله فيه فإنه إن يُسلِم تُسلم المدينة كلها، يقول: أي ادعو الله أن يهديه، أدعوه بإخلاص وبيقين وبصدق. فذهب إلى سعد بن معاذ وقال له اذهب أسكته أنت، فغضب سعد، وكأنه استشف أن مصعباً رفض أنه يسكت، فأخذ حربته وسيفه وقدم على مصعب يريد قتله، فقال له: تسفه الأحلام وتغوي الأبناء، اسكت، قال له: يا هذا اسمع ما نقول، فإن أعجبك ما نقول وإلا كفننا عنك -وكانوا عقلاء، عندهم إنصاف- قال له: لقد أنصفت، فجلس عنده، وسمع منه ما سمع من القرآن الكريم، فقال: ماذا يفعل من يريد أن يدخل في دينكم؟ قال: يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم رجع، ثم جاء إلى قومه قال: ما أنا فيكم؟ قالوا: أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، قال: فكلامكم وطعامكم وشرابكم عليّ حرام إن لم تأمنوا بمثل ما آمنت به، فما أمسى بيت من بيوت عبد الأشهل إلا وقد دخله الإسلام في تلك الليلة. هذا إنسان عظيم من كبار الصحابة، كان في الجاهلية صديقاً لـ أمية بن خلف، وكان أمية بن خلف زعيم الكفار وصنديداً من صناديدهم، إذا ذهب إلى الشام يمر على المدينة فيجلس عند سعد؛ لأنه زعيم الأوس، وكان إذا اعتمر سعد بن معاذ أو ذهب إلى مكة لزيارة الحرم والطواف بالبيت على طريقة الجاهليين يجلس عند أمية، فبعد أن أسلم سعد ذهب إلى مكة ليعتمر، ونزل عند أمية صديقه، فلما نزل عنده قال: ما جاء بك؟ قال: جئت معتمراً، قال: اجلس حتى يضحي النهار ويخف الناس -يقول: ما أريد أن تطوف وأنا معك ويعرفون أنك قد آويت الرسول ﷺ وأصحابه وتأتي هكذا آمناً، اترك الناس يذهبون وبعد ذلك نطوف أي: نطوف خفية- قال: لا. بل أطوف، وذهب يطوف، وبينما هو يطوف رآه أبو جهل -عليه من الله ما يستحق- فجاء إليه وأمسكه -ولكن سعداً بطل- قال له: أتطوف آمناً وقد آويت من آويت -تطوف ببيتنا وبيت الله وفي مكاننا وأنت آمن- قال: اسكت، والله لئن منعتني لأقطعن عليك التجارة من الشام فلا يمر لكم جمل من عندي -قول وفعل فقال أمية بن خلف لرفيقه سعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيد الوادي. ولما جاءت غزوة بدر وخرج كفار قريش لمحاربة الله ورسوله، خرجوا بحدهم وحديدهم وقضهم وقضيضهم، وقالوا: بعد أن سمعوا أن القافلة قد نجت، قالوا: والله ما نرجع حتى ننحر الجزور، ونشرب الخمر ونستأصل شأفة محمد، وتعلم العرب عنا، وترقص القيان بين أيدينا على بدر؛ لأنهم علموا أن الرسول ﷺ قد خيم على بدر فقام أمية وجاء إلى أبي جهل -لأنهم رفقاء- قال له: أريد منك أن تسمح لي قال: يا أمية! ماذا يقول الناس وأنت من رجال القوم وصناديدهم، ولكن اخرج معنا يوماً أو يومين، ثم ارجع، فخرج معهم، ولكنه لم يرجع؛ فقد قتله صحابة ﷺ يوم بدر.

стр. 771

شجاعة سعد هذا سعد بن معاذ رجل عظيم، فقبل معركة بدر صف رسول الله ﷺ الجيش، وكان ﵊ قد بايع الصحابة من الأنصار أنهم يمنعونه مما يمنعون منه نساءهم وأموالهم وأنفسهم، وما بايعهم على أن يغزو بهم الناس، وقد قالوا هم: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، فخشي في ذلك اليوم ألا يلتزموا بشيء؛ لأنه ليس في رقابهم بيعة على المقاتلة. فقال: (أيها الناس أشيروا عليّ، فقام المهاجرون وقالوا: نحن معك يا رسول الله! قال: أيها الناس أشيروا عليّ ثلاث مرات، فقام سعد البطل وكان رجلاً طويل القامة أبيض الوجه جميل المحيا، قال: كأنك تعنينا يا رسول الله! قال: نعم. قال: والله ما نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إن هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا فإنا معكما مقاتلون، ولقد علمت العرب أننا لصدق في الحرب، صبر عند اللقاء، وليرينك الله منا ما تقر به عينك). أشهد بالله أنه بطل، ثم قال: (والله لئن خضت بنا البحر لخضناه معك، ما تخلف منا رجل) وفعلاً كانوا صدق في الحرب لا يعرفون الرجوع إلى الوراء. هذا سعد بن معاذ ﵁ لما كان في يوم الخندق، وكانت عليه درعه، والدرع من حديد، الدروع كانت تصنع من الحديد وهي حلق، وأول من صنعها داود، والله قال له: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ:١١] سابغات: أي دروع كاسية، تسبغ الإنسان وتغطيه ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ:١١] أي: ضيق في الحلق؛ لأنه كلما كانت الحلق أضيق كان الدرع أقوى، لكن عندما تكون الحلق متباعدة يمكن أن يدخل من هذه الحلقة أي شيء، وهذه من حكمة الصنعة التي علم الله نبيه داود ﵇: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ:١١]. فكان عليه درع، وخرج منه يمينه؛ لأنه كان طويلاً، فوقع فيه سهم فقطع أكحله -الأكحل العرق- فدعا الله ﵎، فقال: [اللهم إن كنت قد أبقيت من قتال أعدائك قريش شيئاً فلا تمتني حتى أقاتلهم، ثم قال: ولا تمتني حتى تحكمني في قريظة] ويهود قريظة في غزوة الأحزاب نقضوا العهد، وخالفوا الأوامر، فلما انتهت المعركة وأراد الرسول ﷺ أن ينهي المعركة، جاء جبريل، قال: إن الملائكة ما وضعوا السلاح، أنتم انتهيتم من الكفار والأحزاب، لكن بقي المنافقون واليهود الذين تخلفوا ونقضوا العهد. فلبس ﵊ سلاحه وقال ﵊ للصحابة: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) فمشى الصحابة كلهم، منهم من صلى في بني قريظة تبعاً للأمر، ومنهم من أدركته الصلاة قبل بني قريظة فصلى في وقته، وأقرهم النبي ﷺ كلهم على فقههم واجتهادهم، وبعد ذلك قبض على الرجال من اليهود من بني قريظة، وبعد ذلك قال: (اختاروا حكماً) قالوا: نحكم سعداً، وكان سعد حليفهم في الجاهلية، فظنوا أن حكم سعد سيكون خفيفاً؛ لأنه حليف، والحلف في العرب معروف أنه رابطة قوية، لكن جاءت رابطة الدين فنقضت كل رابطة، ولم تبق إلا رابطة الدين فقط. فقال سعد لما جاءوا به وكان يعالج في مسجد النبي ﷺ في خيمة قد نصبت له في المسجد، وكان يعالجه النبي ﷺ حتى أشرف جرحه على الاندمال، فجاءوا به على حمار حتى أدخلوه على النبي ﷺ وهو في بني قريظة، قال: (هذه قريظة تريد أن تحكمك فاحكم فيها بحكمك) -احكم فنحن نازلون على حكمك وهم راضون بحكمك- قالوا له: يا سعد أنت حليفنا ورفيقنا ونحن قبلنا حكمك، قال: قبلتم حكمي، قالوا: نعم. قال: [لقد آن لـ سعد ألا تأخذه في الله لومة لائم]، اللهم صلِّ وسلم على رسول الله. انظروا الطراز العظيم، لا تأخذه في الله لومة لائم (إني أحكم بقتل رجالهم، وسبي أموالهم وذراريهم -الله أكبر! - قال ﷺ : لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سموات) ثم حفر الحفر وجاء بالجلادين، وأتوا بهم واحداً واحداً، حتى خرج حيي بن أخطب، خرج وكان زعيمهم وعليه ثوب جميل، وبردة حرير، فخرق الثوب كله قالوا له: لماذا؟ قال: لا أريد أن يلبسوه بعد قتلي لا يريد أن يلبس المسلمون ثوبه بعد قتله، وقتله رسول الله ﷺ ، ثم بعد ذلك فجر الله أكحل سعد، بعد ما أكمل الحكم ومات شهيداً ﵁ وأرضاه.

стр. 772

ضمة القبر لسعد هذا الصحابي الجليل، ضمه القبر، يقول: لا ينجو من ضمة القبر أحد، صالحاً كان أو طالحاً، فلقد جاء الحديث: أن القبر ضم سعد بن معاذ ﵁، وهو الذي اهتز لموته واهتز عرش الرحمن، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفاً من الملائكة، لما دخل ﵊ المسجد يريد أن يصلي عليه أخذ حذاءه وجعلها في يده وجعل يتوكأ في الأرض، كأنه يتوقى مع أنه، لا يوجد أحد أمامه، قالوا: ما بك يا رسول الله! قال: إني أرفع رجلي عن أجنحة الملائكة، الآن سبعون ألف ملك نزلوا من السماء يشيعون جنازته، عظيم هذا الرجل، وبالرغم من هذا ضمه القبر، ﵁ وأرضاه. روى النسائي في سننه بسند صحيح عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (هذا الذي تحرك له عرش الرحمن، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفاً من الملائكة، لقد ضم ضمة ثم فرج عنه). وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (إن للقبر ضغطة لو كان أحد ناجياً منها لنجا منها سعد). وعند الطبراني في الكبير والأوسط عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: (لو نجا أحد من القبر لنجا سعد بن معاذ، ولقد ضمه ضمة ثم فرج عنه) هذا الحديث رواه أيضاً السيوطي في جامعه وقال: إسناده صحيح. ومما يدل على أن ضمة القبر لازمة لكل إنسان، حتى الصبيان الصغار لا ينجون منها، ما رواه الطبراني عن أبي أيوب الأنصاري بإسناد صحيح، أن رسول الله ﷺ قال: (لو أفلت من ضمة القبر أحد لنجا منها هذا الصبي) صبي دُفن في عهد النبي ﷺ . وقد قلت لكم: إن هذا الأمر لا يعتبر من عذاب القبر، وإنما هو شيء من الآلام التي تحدث للإنسان بحكم طبيعته، وبحكم تكوينه البشري. وقد أهدي إلى النبي ﷺ جبة -والحديث في البخاري ومسلم، والجبة هذه من سندس- أعجب بها الناس، يعني: شيء ما تعوده أبداً، فقال: (تعجبون من هذا، والذي نفسي بيده لمناديل سعد في الجنة أعظم منها) يعني: ومناديله وكسوته في الجنة أعظم من هذا الذي تعجبون منه، والحديث صحيح رواه البخاري ومسلم.

стр. 773

فتنة القبر أما كيف تكون فتنة القبر؟ وما هي الكيفية التي تأتي بها هذه الفتنة؟

стр. 774

حال المؤمن عند فتنة القبر ذكرت الأحاديث الصحيحة كيفيتها: وهو أن الميت إذا وضع في قبره جاءته الملائكة على صورة منكرة، في سنن الترمذي قال: (إذا قبر الميت جاءه ملكان أسودان أزرقان) يقول المحققون: كيف يكون أسود وأزرق؟ هذه من الأشياء المتضادة، الأسود لا يكون أزرق، والأزرق لا يكون أسود، قالوا: أسودان في خلقتهما ووجوههما، وأزرقان في عيونهما، زرقة العين في بياض الوجه جمال، لكن زرقة العين مع سواد الوجه فيها تخويف، ولذا (أزرقان أسودان، يقال لأحدهما منكر والآخر نكير، فيقولان للإنسان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ -يعني: رسول الله ﷺ فيقول إذا كان مؤمناً: هو عبد الله ورسوله) أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، اللهم ثبتنا يا رب بالقول الثابت في الدنيا والآخرة. وإن كان منافقاً لا يعرف الرسول؛ لأن المنافق يعرف الرسول معرفة سطحية، والذي يعرف الرسول ﷺ معرفة سطحية لا تبقى، والذي يعرف الرسول ﷺ معرفة عملية باتباع هديه، والعض على سنته، والتمسك بطريقته، هذا هو الذي يلهمه الله حجته، أما الذي يعرف الرسول وهو ضد سننه، لا يقيم لله أمراً، ولا لرسول الله سنة ولا وزناً، هذا لا يعرف الرسول ﷺ . قال: (وإن كان منافقاً أو فاجراً قال: سمعت الناس يقولون قولاً فقلته، لا أدري) هذا رواه الترمذي في كتاب الجنائز وقال: حديث حسن، وقد رمز له الشيخ محمد الألباني في كتابه وتصحيحه للجامع، قال: بأنه حسن. وأيضاً جاء في الحديث الذي يرويه البراء بن عازب ﵁؛ والبراء صحابي جليل، من كبار الفقهاء والمحدثين عن رسول الله ﷺ ، روى أكثر من ثلاثمائة وستة أحاديث، وكان قد شهد الغزوات كلها إلا بدراً فإنه اسْتُصْغِر، أي: ما أذن له؛ لأنه كان صغيراً، ففي معركة بدر خرج حتى الصبيان، فلما جاء النبي ﷺ يراهم، رأى أنهم أولاد أعمارهم أربع عشرة أو ثلاث عشرة سنة فردهم، فكان البراء وابن عمر وسمرة بن جندب ممن كانوا عند الرسول يرى رءوسهم، كان الواحد يقف على أطراف أصابعه ويتطاول؛ من أجل أن يأذن له الرسول في الخروج لا ليذهب إلى الملاهي والألعاب، بل يتطاول من أجل أن يذهب لكي تضرب رقبته بالسيف، أو يموت، لأنه يريد الجنة، فاستصغره النبي ﷺ ورده يوم بدر، ﵁ وأرضاه. هذا البراء بن عازب له حديث عظيم، حديث رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه، وهو صحيح قال: (خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار)، والحديث طويل جداً نأخذ منه الشاهد وهو: (فيأتيه ملكان شديدا الانتهار) والانتهار: هو شدة القول، وهو دائماً شأن كل محقق، فأي شخص يحقق في قضية مع أي متهم لا يقدم له السؤال بالصيغة الطيبة، فيقول له: يا (أفندي)! يا (طويل العمر)! يا (سعادة الأستاذ)! نريد أن تقدم رأيك في هذا الموضوع، هل يقول له ذلك؟ لا. بل ينتهره، لماذا؟ لأنه متهم بقضية حتى تثبت براءته أو إدانته، ولذلك المحققون في القبر ينتهرون المحَقَّق معه: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ انتهار شديد، وليس انتهار ضابط، ولا عسكري، ولا مفتش مثلك، بل انتهار مَلَكٍ شديد قوي أسود أزرق، صوته قوي، وأنت عارٍ، ضعيف، فقير، ليس معك مال، ولا سلطان، ما معك أحد في تلك الحفرة، وفي قبر ضيق، وظلمة، وهذا أمامك. لا إله إلا الله ما أعظم القبر أيها الإخوة!! قال: (فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟) وهي آخر فتنة، تعرض على المؤمن، وآخر شيء يوجه للمؤمن هذه الفتنة، فتنة المؤمن عند حشرجة الموت وعند ضغطة القبر؛ لأن الملائكة لا يعلمون الغيب حتى يعاملونه معاملة حسنة، فهم يسألونك كأي شخص من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فإذا قلت: ربي الله، ديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ ، كشفت عن هويتك، بينت أسلوبك، أخرجت شهادتك، بعد ذلك لا فتنة عليك إلى يوم القيامة، فقط يقولون لك: (على هذا عشت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله، وينادي منادٍ من السماء: صدق عبدي، فافرشوا له من الجنة، وافتحوا له إلى الجنة). فذلك حين يقول الله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] قال: (فإن كان مؤمناً قال: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ ، فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي).

стр. 775

حال الكافر عند فتنة القبر قال: (وأما العبد الفاجر، الكافر، والمنافق) العاصي الهارب عن الله، الذي لا يعرف الله ولا رسول الله، ولا الإسلام، إنما يعرف الهوى، والغناء، والزنا، واللعب، واللهو، والأفلام، والمسرحيات، ومتابعة الفتيات، والمكالمات، والمعاكسات، يعيش عبداً لشيطانه وشهواته، هذا ماذا يقول؟ يقول: (هاه)، (يقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري). لقد كان نائماً، واستيقظ الآن، ما استيقظ إلا في القبر، (فتقول له الملائكة: لا دريت ولا تليت)، أي: تدعو عليه: جعلك الله لا تدري! قال: (فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي) فإنه يدري، بلغته الحجة، لكنه كذاب مماطل دجال، عبد للشيطان (كذب عبدي، فافرشوا له من النار، وافتحوا له باباً من النار، فيأتيه من حرها وسمومها حتى تقوم الساعة) نعوذ بالله وإياكم من ذلك! وعن أنس ﵁، والحديث أيضاً في صحيح البخاري وصحيح مسلم ورواه أبو داود في السنن والنسائي يقول ﵊: (إن العبد إذا وضع في قبره تولى عنه أصحابه -أي: آخر من يدفنه- وإنه ليسمع قرع نعالهم) أي: أرجلهم وهم راجعون يسمعها الميت، وسوف أسمعها وتسمعها أنت ويسمعها كل واحد منكم في القبر، هذا الحديث صحيح. وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم (إن الميت إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه سمع قرع نعالهم إذا انصرفوا، وأتاه ملكان فيقعدانه ويقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل -محمد- فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، وأما الكافر والمنافق -وفي رواية: وأما المنافق والكافر- فيقول: لا أدري لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس فيه، فيقال: لا دريت ولا تليت) يروي هذا الحديث أنس بن مالك ﵁. وأنس هذا صحابي جليل ﵁، وهو خادم الرسول، وقريب الرسول لأمه، وتلميذ النبي ﷺ ، تتلمذ على يديه عشر سنوات، وهو آخر من مات من الصحابة ﵁، أمه أم سليم بنت ملحان ﵂ وأرضاها، جاءت إلى النبي ﷺ وقالت: (يا رسول الله! إني أعطيك هذا خادماً لك، ولكن ادع له، فدعا له وقال: اللهم أطل عمره، وأكثر ماله وولده) فأطال الله عمره حتى بلغ عمره مائة وثلاث سنوات، وأكثر الله أولاده حتى خرج من صلبه مائة وستة ولد، جيش من صلبه بدعوة النبي ﷺ ، وكثر الله ماله، حتى كانت بساتين الكرم -العنب- والنخيل تثمر في السنة مرتين، وجميع ثمار الأرض كلها تثمر مرة واحدة في السنة، إلا نخيل وعنب أنس، وفي يوم من الأيام ﵁ جاءه عامله في بستانه فقال له: إن بستانك قد أقحل وليس فيه ماء، فنظر إلى السماء وكان في يوم صيف قائظ، والشمس في وسط النهار، فدعا الله أن يمطره، يقول: فثار السحاب في وسط السماء، ثم جاءت على مزرعته، فأمطرتها حتى ملأتها، يقول: ثم لما جاء وأخبروه، قال: انظروا هل تجاوزتها، قالوا: والله ما تجاوزت حدودها، وسقيت المزرعة كاملة ببركة دعوة النبي ﷺ لهذا الرجل العظيم، ويقول: [منذ موت النبي ﷺ ما نمت ليلة إلا رأيته فيها] عظيم هذا الرجل، نحن ما نرى الرسول ﷺ ، وهذا نعتبره حرماناً، لماذا؟ لأن الشيطان لا يتمثل بالنبي ﷺ ، ومن رآه في المنام فقد رآه حقاً، لقد كان يحب الرسول ويعيش مع النبي ﷺ ، يقول: [ما نمت ليلة إلا رأيت رسول الله ﷺ فيها بالمنام] ﵁ وأرضاه، هو راوي هذا الحديث، ولم يكن رسول الله ﷺ يعلم في أول أمره أن القبور فيها فتنة، وأن الأمة تفتن في قبورها، ثم أوحى الله له بهذا العلم.
следующие страницы →