Полный текст (2 982 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
شجاعة سعد
هذا سعد بن معاذ رجل عظيم، فقبل معركة بدر صف رسول الله ﷺ الجيش، وكان ﵊ قد بايع الصحابة من الأنصار أنهم يمنعونه مما يمنعون منه نساءهم وأموالهم وأنفسهم، وما بايعهم على أن يغزو بهم الناس، وقد قالوا هم: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، فخشي في ذلك اليوم ألا يلتزموا بشيء؛ لأنه ليس في رقابهم بيعة على المقاتلة.
فقال: (أيها الناس أشيروا عليّ، فقام المهاجرون وقالوا: نحن معك يا رسول الله! قال: أيها الناس أشيروا عليّ ثلاث مرات، فقام سعد البطل وكان رجلاً طويل القامة أبيض الوجه جميل المحيا، قال: كأنك تعنينا يا رسول الله! قال: نعم.
قال: والله ما نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إن هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا فإنا معكما مقاتلون، ولقد علمت العرب أننا لصدق في الحرب، صبر عند اللقاء، وليرينك الله منا ما تقر به عينك).
أشهد بالله أنه بطل، ثم قال: (والله لئن خضت بنا البحر لخضناه معك، ما تخلف منا رجل) وفعلاً كانوا صدق في الحرب لا يعرفون الرجوع إلى الوراء.
هذا سعد بن معاذ ﵁ لما كان في يوم الخندق، وكانت عليه درعه، والدرع من حديد، الدروع كانت تصنع من الحديد وهي حلق، وأول من صنعها داود، والله قال له: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ:١١] سابغات: أي دروع كاسية، تسبغ الإنسان وتغطيه ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ:١١] أي: ضيق في الحلق؛ لأنه كلما كانت الحلق أضيق كان الدرع أقوى، لكن عندما تكون الحلق متباعدة يمكن أن يدخل من هذه الحلقة أي شيء، وهذه من حكمة الصنعة التي علم الله نبيه داود ﵇: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ:١١].
فكان عليه درع، وخرج منه يمينه؛ لأنه كان طويلاً، فوقع فيه سهم فقطع أكحله -الأكحل العرق- فدعا الله ﵎، فقال: [اللهم إن كنت قد أبقيت من قتال أعدائك قريش شيئاً فلا تمتني حتى أقاتلهم، ثم قال: ولا تمتني حتى تحكمني في قريظة] ويهود قريظة في غزوة الأحزاب نقضوا العهد، وخالفوا الأوامر، فلما انتهت المعركة وأراد الرسول ﷺ أن ينهي المعركة، جاء جبريل، قال: إن الملائكة ما وضعوا السلاح، أنتم انتهيتم من الكفار والأحزاب، لكن بقي المنافقون واليهود الذين تخلفوا ونقضوا العهد.
فلبس ﵊ سلاحه وقال ﵊ للصحابة: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) فمشى الصحابة كلهم، منهم من صلى في بني قريظة تبعاً للأمر، ومنهم من أدركته الصلاة قبل بني قريظة فصلى في وقته، وأقرهم النبي ﷺ كلهم على فقههم واجتهادهم، وبعد ذلك قبض على الرجال من اليهود من بني قريظة، وبعد ذلك قال: (اختاروا حكماً) قالوا: نحكم سعداً، وكان سعد حليفهم في الجاهلية، فظنوا أن حكم سعد سيكون خفيفاً؛ لأنه حليف، والحلف في العرب معروف أنه رابطة قوية، لكن جاءت رابطة الدين فنقضت كل رابطة، ولم تبق إلا رابطة الدين فقط.
فقال سعد لما جاءوا به وكان يعالج في مسجد النبي ﷺ في خيمة قد نصبت له في المسجد، وكان يعالجه النبي ﷺ حتى أشرف جرحه على الاندمال، فجاءوا به على حمار حتى أدخلوه على النبي ﷺ وهو في بني قريظة، قال: (هذه قريظة تريد أن تحكمك فاحكم فيها بحكمك) -احكم فنحن نازلون على حكمك وهم راضون بحكمك- قالوا له: يا سعد أنت حليفنا ورفيقنا ونحن قبلنا حكمك، قال: قبلتم حكمي، قالوا: نعم.
قال: [لقد آن لـ سعد ألا تأخذه في الله لومة لائم]، اللهم صلِّ وسلم على رسول الله.
انظروا الطراز العظيم، لا تأخذه في الله لومة لائم (إني أحكم بقتل رجالهم، وسبي أموالهم وذراريهم -الله أكبر! - قال ﷺ : لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سموات) ثم حفر الحفر وجاء بالجلادين، وأتوا بهم واحداً واحداً، حتى خرج حيي بن أخطب، خرج وكان زعيمهم وعليه ثوب جميل، وبردة حرير، فخرق الثوب كله قالوا له: لماذا؟ قال: لا أريد أن يلبسوه بعد قتلي لا يريد أن يلبس المسلمون ثوبه بعد قتله، وقتله رسول الله ﷺ ، ثم بعد ذلك فجر الله أكحل سعد، بعد ما أكمل الحكم ومات شهيداً ﵁ وأرضاه.
стр. 772
ضمة القبر لسعد
هذا الصحابي الجليل، ضمه القبر، يقول: لا ينجو من ضمة القبر أحد، صالحاً كان أو طالحاً، فلقد جاء الحديث: أن القبر ضم سعد بن معاذ ﵁، وهو الذي اهتز لموته واهتز عرش الرحمن، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفاً من الملائكة، لما دخل ﵊ المسجد يريد أن يصلي عليه أخذ حذاءه وجعلها في يده وجعل يتوكأ في الأرض، كأنه يتوقى مع أنه، لا يوجد أحد أمامه، قالوا: ما بك يا رسول الله! قال: إني أرفع رجلي عن أجنحة الملائكة، الآن سبعون ألف ملك نزلوا من السماء يشيعون جنازته، عظيم هذا الرجل، وبالرغم من هذا ضمه القبر، ﵁ وأرضاه.
روى النسائي في سننه بسند صحيح عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (هذا الذي تحرك له عرش الرحمن، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفاً من الملائكة، لقد ضم ضمة ثم فرج عنه).
وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (إن للقبر ضغطة لو كان أحد ناجياً منها لنجا منها سعد).
وعند الطبراني في الكبير والأوسط عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: (لو نجا أحد من القبر لنجا سعد بن معاذ، ولقد ضمه ضمة ثم فرج عنه) هذا الحديث رواه أيضاً السيوطي في جامعه وقال: إسناده صحيح.
ومما يدل على أن ضمة القبر لازمة لكل إنسان، حتى الصبيان الصغار لا ينجون منها، ما رواه الطبراني عن أبي أيوب الأنصاري بإسناد صحيح، أن رسول الله ﷺ قال: (لو أفلت من ضمة القبر أحد لنجا منها هذا الصبي) صبي دُفن في عهد النبي ﷺ .
وقد قلت لكم: إن هذا الأمر لا يعتبر من عذاب القبر، وإنما هو شيء من الآلام التي تحدث للإنسان بحكم طبيعته، وبحكم تكوينه البشري.
وقد أهدي إلى النبي ﷺ جبة -والحديث في البخاري ومسلم، والجبة هذه من سندس- أعجب بها الناس، يعني: شيء ما تعوده أبداً، فقال: (تعجبون من هذا، والذي نفسي بيده لمناديل سعد في الجنة أعظم منها) يعني: ومناديله وكسوته في الجنة أعظم من هذا الذي تعجبون منه، والحديث صحيح رواه البخاري ومسلم.
стр. 773
فتنة القبر
أما كيف تكون فتنة القبر؟ وما هي الكيفية التي تأتي بها هذه الفتنة؟
стр. 774
حال المؤمن عند فتنة القبر
ذكرت الأحاديث الصحيحة كيفيتها: وهو أن الميت إذا وضع في قبره جاءته الملائكة على صورة منكرة، في سنن الترمذي قال: (إذا قبر الميت جاءه ملكان أسودان أزرقان) يقول المحققون: كيف يكون أسود وأزرق؟ هذه من الأشياء المتضادة، الأسود لا يكون أزرق، والأزرق لا يكون أسود، قالوا: أسودان في خلقتهما ووجوههما، وأزرقان في عيونهما، زرقة العين في بياض الوجه جمال، لكن زرقة العين مع سواد الوجه فيها تخويف، ولذا (أزرقان أسودان، يقال لأحدهما منكر والآخر نكير، فيقولان للإنسان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ -يعني: رسول الله ﷺ فيقول إذا كان مؤمناً: هو عبد الله ورسوله) أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، اللهم ثبتنا يا رب بالقول الثابت في الدنيا والآخرة.
وإن كان منافقاً لا يعرف الرسول؛ لأن المنافق يعرف الرسول معرفة سطحية، والذي يعرف الرسول ﷺ معرفة سطحية لا تبقى، والذي يعرف الرسول ﷺ معرفة عملية باتباع هديه، والعض على سنته، والتمسك بطريقته، هذا هو الذي يلهمه الله حجته، أما الذي يعرف الرسول وهو ضد سننه، لا يقيم لله أمراً، ولا لرسول الله سنة ولا وزناً، هذا لا يعرف الرسول ﷺ .
قال: (وإن كان منافقاً أو فاجراً قال: سمعت الناس يقولون قولاً فقلته، لا أدري) هذا رواه الترمذي في كتاب الجنائز وقال: حديث حسن، وقد رمز له الشيخ محمد الألباني في كتابه وتصحيحه للجامع، قال: بأنه حسن.
وأيضاً جاء في الحديث الذي يرويه البراء بن عازب ﵁؛ والبراء صحابي جليل، من كبار الفقهاء والمحدثين عن رسول الله ﷺ ، روى أكثر من ثلاثمائة وستة أحاديث، وكان قد شهد الغزوات كلها إلا بدراً فإنه اسْتُصْغِر، أي: ما أذن له؛ لأنه كان صغيراً، ففي معركة بدر خرج حتى الصبيان، فلما جاء النبي ﷺ يراهم، رأى أنهم أولاد أعمارهم أربع عشرة أو ثلاث عشرة سنة فردهم، فكان البراء وابن عمر وسمرة بن جندب ممن كانوا عند الرسول يرى رءوسهم، كان الواحد يقف على أطراف أصابعه ويتطاول؛ من أجل أن يأذن له الرسول في الخروج لا ليذهب إلى الملاهي والألعاب، بل يتطاول من أجل أن يذهب لكي تضرب رقبته بالسيف، أو يموت، لأنه يريد الجنة، فاستصغره النبي ﷺ ورده يوم بدر، ﵁ وأرضاه.
هذا البراء بن عازب له حديث عظيم، حديث رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه، وهو صحيح قال: (خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار)، والحديث طويل جداً نأخذ منه الشاهد وهو: (فيأتيه ملكان شديدا الانتهار) والانتهار: هو شدة القول، وهو دائماً شأن كل محقق، فأي شخص يحقق في قضية مع أي متهم لا يقدم له السؤال بالصيغة الطيبة، فيقول له: يا (أفندي)! يا (طويل العمر)! يا (سعادة الأستاذ)! نريد أن تقدم رأيك في هذا الموضوع، هل يقول له ذلك؟ لا.
بل ينتهره، لماذا؟ لأنه متهم بقضية حتى تثبت براءته أو إدانته، ولذلك المحققون في القبر ينتهرون المحَقَّق معه: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ انتهار شديد، وليس انتهار ضابط، ولا عسكري، ولا مفتش مثلك، بل انتهار مَلَكٍ شديد قوي أسود أزرق، صوته قوي، وأنت عارٍ، ضعيف، فقير، ليس معك مال، ولا سلطان، ما معك أحد في تلك الحفرة، وفي قبر ضيق، وظلمة، وهذا أمامك.
لا إله إلا الله ما أعظم القبر أيها الإخوة!! قال: (فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟) وهي آخر فتنة، تعرض على المؤمن، وآخر شيء يوجه للمؤمن هذه الفتنة، فتنة المؤمن عند حشرجة الموت وعند ضغطة القبر؛ لأن الملائكة لا يعلمون الغيب حتى يعاملونه معاملة حسنة، فهم يسألونك كأي شخص من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فإذا قلت: ربي الله، ديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ ، كشفت عن هويتك، بينت أسلوبك، أخرجت شهادتك، بعد ذلك لا فتنة عليك إلى يوم القيامة، فقط يقولون لك: (على هذا عشت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله، وينادي منادٍ من السماء: صدق عبدي، فافرشوا له من الجنة، وافتحوا له إلى الجنة).
فذلك حين يقول الله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧] قال: (فإن كان مؤمناً قال: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ ، فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي).
стр. 775
حال الكافر عند فتنة القبر
قال: (وأما العبد الفاجر، الكافر، والمنافق) العاصي الهارب عن الله، الذي لا يعرف الله ولا رسول الله، ولا الإسلام، إنما يعرف الهوى، والغناء، والزنا، واللعب، واللهو، والأفلام، والمسرحيات، ومتابعة الفتيات، والمكالمات، والمعاكسات، يعيش عبداً لشيطانه وشهواته، هذا ماذا يقول؟ يقول: (هاه)، (يقال له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري).
لقد كان نائماً، واستيقظ الآن، ما استيقظ إلا في القبر، (فتقول له الملائكة: لا دريت ولا تليت)، أي: تدعو عليه: جعلك الله لا تدري! قال: (فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي) فإنه يدري، بلغته الحجة، لكنه كذاب مماطل دجال، عبد للشيطان (كذب عبدي، فافرشوا له من النار، وافتحوا له باباً من النار، فيأتيه من حرها وسمومها حتى تقوم الساعة) نعوذ بالله وإياكم من ذلك! وعن أنس ﵁، والحديث أيضاً في صحيح البخاري وصحيح مسلم ورواه أبو داود في السنن والنسائي يقول ﵊: (إن العبد إذا وضع في قبره تولى عنه أصحابه -أي: آخر من يدفنه- وإنه ليسمع قرع نعالهم) أي: أرجلهم وهم راجعون يسمعها الميت، وسوف أسمعها وتسمعها أنت ويسمعها كل واحد منكم في القبر، هذا الحديث صحيح.
وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم (إن الميت إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه سمع قرع نعالهم إذا انصرفوا، وأتاه ملكان فيقعدانه ويقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل -محمد- فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، وأما الكافر والمنافق -وفي رواية: وأما المنافق والكافر- فيقول: لا أدري لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس فيه، فيقال: لا دريت ولا تليت) يروي هذا الحديث أنس بن مالك ﵁.
وأنس هذا صحابي جليل ﵁، وهو خادم الرسول، وقريب الرسول لأمه، وتلميذ النبي ﷺ ، تتلمذ على يديه عشر سنوات، وهو آخر من مات من الصحابة ﵁، أمه أم سليم بنت ملحان ﵂ وأرضاها، جاءت إلى النبي ﷺ وقالت: (يا رسول الله! إني أعطيك هذا خادماً لك، ولكن ادع له، فدعا له وقال: اللهم أطل عمره، وأكثر ماله وولده) فأطال الله عمره حتى بلغ عمره مائة وثلاث سنوات، وأكثر الله أولاده حتى خرج من صلبه مائة وستة ولد، جيش من صلبه بدعوة النبي ﷺ ، وكثر الله ماله، حتى كانت بساتين الكرم -العنب- والنخيل تثمر في السنة مرتين، وجميع ثمار الأرض كلها تثمر مرة واحدة في السنة، إلا نخيل وعنب أنس، وفي يوم من الأيام ﵁ جاءه عامله في بستانه فقال له: إن بستانك قد أقحل وليس فيه ماء، فنظر إلى السماء وكان في يوم صيف قائظ، والشمس في وسط النهار، فدعا الله أن يمطره، يقول: فثار السحاب في وسط السماء، ثم جاءت على مزرعته، فأمطرتها حتى ملأتها، يقول: ثم لما جاء وأخبروه، قال: انظروا هل تجاوزتها، قالوا: والله ما تجاوزت حدودها، وسقيت المزرعة كاملة ببركة دعوة النبي ﷺ لهذا الرجل العظيم، ويقول: [منذ موت النبي ﷺ ما نمت ليلة إلا رأيته فيها] عظيم هذا الرجل، نحن ما نرى الرسول ﷺ ، وهذا نعتبره حرماناً، لماذا؟ لأن الشيطان لا يتمثل بالنبي ﷺ ، ومن رآه في المنام فقد رآه حقاً، لقد كان يحب الرسول ويعيش مع النبي ﷺ ، يقول: [ما نمت ليلة إلا رأيت رسول الله ﷺ فيها بالمنام] ﵁ وأرضاه، هو راوي هذا الحديث، ولم يكن رسول الله ﷺ يعلم في أول أمره أن القبور فيها فتنة، وأن الأمة تفتن في قبورها، ثم أوحى الله له بهذا العلم.
стр. 776
فتنة الأمة في قبورها
حدث عروة بن الزبير، وعروة هذا أيضاً من خيار التابعين، ليس صحابياً؛ لأنه لم يدرك النبي ﷺ ، ولكن من كرامته أن تعلم عليه بعض الصحابة، وكان أحد فقهاء المدينة السبعة، وكان عالماً عظيماً من علماء المسلمين، وأيضاً كان يتتلمذ على خالته عائشة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها، فإن أباه الزبير بن العوام حواري الرسول ﷺ ، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂ ذات النطاقين، فهو كريم المحفد من الأم والأب، جده أبو بكر لأمه، وأبوه الزبير بن العوام ﵁، فهذا رجل عظيم في ثقافته وفي فكره، وقد روى كثيراً من الأحاديث، وكان من أشهر عباد الله ، كان يقول: [ما تركت ربع القرآن ليلة -كل ليلة يقرأ سبعة أجزاء ونصف- إلا ليلة قطعت رجلي فلم أستطع] كيف قطعت رجله؟ قطعت رجله بعد أن دبت فيها الآكلة، وهو داء يأكل العظام، فنصح بقطعها من أسفلها فأبى، قال: ما أريد أن تقبر رجلي لوحدها، فلما وصلت إلى ركبته قالوا له: إن لم تقطعها فسوف تتجاوز إلى أكثر من ذلك، فأشار إليه الخليفة أن يقطعها، فوافق على قطعها، وكيف قطعها؟ قالوا له: نريد أن نسقيك مسكراً -وهو المخدر- قال: لا.
إني أحتسب على الله ألمها كما أحتسب فقدها، يقول: أحتسب فقدها، ولكن تفقد مني بألم أحتسبه عند الله، فجيء إليه بالسكين وقطع اللحم، ثم جيء إليه بالمنشار فنشر العظم، ثم انتهوا منها وجاءوا بالسمن المحمي ووضعت رجله فيه حتى لا ينزف دمه فيموت، ثم قال: وقد رفع رأسه إلى السماء: [اللهم إنك ابتليت فعافيت، وأخذت وأبقيت، جعلت لي أربعة أطراف وأخذت منها واحداً وبقي ثلاثة] ﵃ وأرضاهم.
هذا التابعي الجليل العظيم لما نظر إلى رجله في الطست بعدما وضعوها رفع نظره إلى السماء وقال: [اللهم إنك تعلم أنها ما حملتني إلى معصية قط] يقول: والله ما حملتني إلا إلى طاعة الله ، وطاعة رسوله ﷺ ، إنه رجل عظيم ولكن ابتلاه الله بها ولكنه يحتسبها عند الله، وستكون سابقة له عند الله ، أسأل الله ﵎ أن يجعلنا وإياكم من أتباع رسوله ﷺ .
هذا عروة بن الزبير يحدث حديثاً، والحديث صحيح عن خالته عائشة ﵂، قالت: (دخل علي رسول الله ﷺ وعندي امرأة من اليهود، وهي تقول: هل شعرتم أنكم تفتنون في قبوركم؟ فارتاع الرسول ﷺ وهي تقول ذلك، وقال: إنما تفتن يهود -يقول: الفتنة ما هي للمسلمين، تفتن يهود فقط- قالت: عائشة فلبثنا ليالي بعدها، ثم قال رسول الله ﷺ : إنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور، قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ بعد ذلك يستعيذ بالله كثيراً من عذاب القبر) هذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه، لقد كان لا يعلم قبل ذلك أنه تفتن الأمة في قبورها، ولكن أوحي إليه بعد ذلك أنه تفتن الأمة في قبورها، فكان يستعيذ بالله من عذاب القبر أعاذنا الله وإياكم من عذاب القبر! والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 777
الأسئلة
стр. 778
حكم الشيشة
السؤال
تكلمت في بعض المحاضرات عن التدخين ولكنك لم تتطرق إلى الشيشة وهي أخبث من السيجارة، وبعض المشيشين يقولون: إن الشيشة ليست في حكم السيجارة؛ لأنها أخف منها، فما الحكم فيها؟
الجواب
بل الشيشة أفظع -والعياذ بالله- وأنجس، ولكن الشيشة هذه هل تدرون من أين تصنع؟ هذه الشيشة طبعاً كما يقول الشيخ حافظ الحكمي وهو يصفها، يقول:
كذاك معشوقة الشيطان قد نصبت بها فخاخ لأرباب الجهالات
وبعد ذلك يقول إنهم يتغنون فيها يقولون: إنها جميلة:
من أي وجه أتاها الحسن لقد أخطأ الطريق إليها في المرادات
من حسن لمتها في طول قامتها من ذلك الحبل مطوياً بليات
يقول: مثل البغي الزانية التي تقبل من ألف فم، أعوذ بالله من هذه المهزلة، هذا (الجراك) الذي يوضع فيها أصله فضلات الفواكه، الموز والتفاح والبرتقال الذي يرمى عندنا في الزبالة يجمع هناك في بعض البلاد، وبعد ذلك يوضع في مصاهر، ويضاف إليه عروق التبغ وبعض أشجار الدخان تضاف إليه، ثم يصهر إلى درجة حرارية قوية جداً حتى يسود، ثم يجمع في أواني وعلب، ويكتب عليها (باز بيد)، و (بال بيد)، ويأتي إلى بلدنا يشترونها بأربعين ريالاً وبثلاثين ريالاً، علبة الطحينية بخمسة ريالات وعلبة هذا الأسود الخبيث بثلاثين، هذه مصيبة ولا حول ولا قوة إلا بالله! فهذه الشيشة خبيثة، والمسلم منزه عن الخبث والخبائث، والله يقول: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧].
стр. 779
حكم كشف المرأة لوجهها
السؤال
هناك كثير من الناس الفضلاء والذين نعدهم من الصالحين ونحسبهم والله حسيبهم، يسمحون لزوجاتهم بكشف الوجه إذا ركبوا في السيارة، وتبقى امرأته معه حاسرة الوجه، بل ربما حاسرة الرأس، مما يولد في القلب شيئاً من الاستحقار لهذا الشخص، كيف يرضى بذلك وهو يعرف أن الأدلة على تحريم ذلك كالشمس في رابعة النهار؟
الجواب
نعم.
بعض الإخوة يتساهل في هذا الأمر، ويكشف وجه زوجته في سيارته، ومعروف أن وجه الزوجة هو مجمع الفتنة، وهو عنصر وجماع كل شيء؛ لأنه من المعروف أن المرأة تغطي وجهها منذ زمن بعيد، فالحجاب حجاب الوجه؛ لأن الوجه مجمع الزينة: فيه العين، والأنف والشفتان، والأسنان، والخدان، وكل شيء في الوجه، ولذا إذا أردت أن تتزوج بامرأة، ماذا ترى فيها؟ تنظر إلى وجهها، فإذا أعجبك وجهها زال كل شيء، فالإنسان زينته في وجهه، فالله أمر بتغطية الوجه؛ لأنه قال: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فلا يضرب الخمار على الجيب إلا مروراً بالوجه، والله يقول: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] نهى الله المرأة أن تضرب برجلها حتى لا تفتن، فكيف يسمح لها بأن تكشف وجهها، والأدلة الصريحة الصحيحة من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ ترد قول من يقول بكشف الوجه، ولا دليل معهم إلا دليل ضعيف لا يحتج به وإما منسوخ، ومن أراد المزيد في المسألة والتحقيق فليقرأ كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، عند الكلام على قول الله : ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] تكلم هناك على كلمة (ما ظهر منها) وما المقصود بها، وبين أن الزينة التي عفي عنها هي الزينة المكتسبة؛ لأن الله قال: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] والضمير عائد على أقرب مذكور كما هو معروف في اللغة، وأقرب مذكور هنا الزينة، والزينة قسمان: زينة مكتسبة، وزينة خلقية، زينة يضيفها الإنسان، وزينة خلقها الله فيه، نرجع إلى كلمة الزينة في القرآن كله، نجد أن القرآن استعمل كلمة الزينة في الزينة المكتسبة، قال الله في قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص:٧٩] أي في هيلمانه ورجاله، وما أضيف حوله، والزينة في القرآن كلها مقصود بها الزينة الخلقية، فالله عفا عن المرأة ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور:٣١] لا تبدي زينتها ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] أي: إذا لبست عباءتها، وخرجت منتقلة من بيتها إلى بيت جارتها، أو عملها، أو مدرستها، أو أي شيء، ورغم هذا ففيه فتنة.
أما ترون المرأة إذا مرت وهي متغطية من رأسها إلى قدمها، لكن الشيطان يفتن بها، ولكن هذا أمر خارج عن إرادتها، فماذا تفعل؟ هل تدفن نفسها في الرمل، أم تتخذ نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء، قال الله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] هذا هو المعفو عنه.
стр. 780
حكم (الشرعة) للعروس
السؤال
يوجد عندنا جيران عندهم زواج بعد أيام، ويسألون عن حكم الشرعة؟
الجواب
( الشرعة) شرعها الشيطان، واستجاب لها أتباعه، وهي لباس فضفاض كبير أبيض، وفوقه مثل سنم البعير، وتأتي واحدة تقعد تزينها من الصباح، يسمونها (المصففة) أو (الممكيجة)، تقعد (تصفصفها) من الصباح ولا تصلي ظهراً ولا عصراً ولا مغرباً ولا عشاء، فتخرج كأن حملاً فوق رأسها، وتأتي تركب بالسيارة، ويرخون المقعدة حتى لا تدق رأسها بالسقف، ثم يضيئون السيارة من هنا ومن هنا، وإشارات وأضواء، ويجمع العريس أصحابه، ويطوف بالناس يُريهم امرأته! فهذا تافه سافل لا قيمة له، إنما الزواج ستر وليس فضيحة.
إذا تزوجت يا أخي اجعل زوجتك تلبس ثيابها الشرعية، وتخرج من بيت أهلها إلى بيتك معززة مكرمة بظلمة الليل ولا يرافقها أحد إلى بيتك وأدخلها في سترك، أما أن تفعل بها مظاهرة، وتعلن الاستنفار للناس من أجل أن يخرجوا وينظروا إلى امرأتك، هذا عيب والله! وأنا والله إذا رأيت من هذا المنظر أتقزز، ولا أعتبر من يفعله من الرجال، فلو كان فيه ذرة من الرجولة ما عمل مثل هذا العمل المنكر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 781
كيفية معرفة التقوى
السؤال
يقول الله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧] فكيف يعرف الإنسان أنه من المتقين حتى يسير في طريقهم؟
الجواب
تعرف أنك من المتقين بثلاثة أمور: الأمر الأول: فعل أوامر الله.
والأمر الثاني: ترك ما نهى الله.
والأمر الثالث: تصديق أخبار الله.
فتصير بهذا من المتقين.
والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 782
عقيدة أهل السنة والجماعة
تحدث الشيخ في هذا الدرس عن أسئلة مهمة، وقد أفرد هذا الدرس للإجابة عن بعضها، فكان السؤال الأول عن عقيدة أهل السنة والجماعة فأجاب مبيناً مجمل عقيدتهم، وأن منها: وحدة الأمة، ووجوب الاعتصام بالوحيين على فهم السلف، وذكر أركان الإيمان، وعقيدتهم تجاه الصحابة، وولاة الأمر ثم أجاب عن أسئلة حول: الضوابط والآداب لخروج المرأة المسلمة من بيتها، والتعاون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعقوبة تارك الصلاة وغيرها.
стр. 783
مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الأحبة في الله: أولاً: أعتذر للإخوة الطلبة الذين يستعدون لأداء امتحانات الفصل الدراسي الأول من هذا العام، لوقوع المحاضرة في هذا الوقت المحرج، الذي هم فيه أحوج إلى الساعة أو الدقيقة لصرفها في الاستعداد للامتحان، ولكني أرجو الله الذي لا إله إلا هو أن يجعل في هذه الساعة التي يقضونها في طلب العلم عوناً لهم، وفتحاً في قلوبهم، وتهيئة لفهمهم على تلك العلوم التي ينتظرونها إن شاء الله؛ لأن التقوى من أعظم وسائل التوفيق في هذه الحياة، يقول الله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾ [الأنفال:٢٩].
فأسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يفتح على إخواننا الطلاب مغاليق العلوم، وأن يوفقهم ويعينهم على أداء امتحاناتهم، وأن يكلل مساعيهم بالنجاح، إنه على كل شيء قدير.
الأمر الثاني: في نهاية كل درس من الدروس الماضية كانت ترد مجموعة من الأسئلة، ولا نتمكن من الإجابة عليها لضيق الوقت، ووعدت الإخوة بأن نجيب عليها في إحدى الحلقات، وكان من المناسب أن تكون الإجابات في هذه الليلة إن شاء الله، خصوصاً الأسئلة ذات الصيغة العامة التي تنفع العموم، وليست مختصة بقضية شخصية، ومن أهمها وهي التي دفعتني إلى تخصيص حلقة للإجابة على هذه الأسئلة، سؤال مهم جاءني من بعض طلبة العلم الذين يجلسون في مجالس العلم ويتابعون المحاضرات والدروس، وأقرأ عليكم
السؤال
السؤال يقول: نحن طلبة علم نحرص على حضور المحاضرات وسماع الخطب ومتابعة الدروس، ونسمع عن الفرقة الناجية وعن أهل السنة والجماعة، وعن معتقد أهل السنة والجماعة، وعن أصول أهل السنة والجماعة، ولكنا نسمع هذا ولا نعرف شيئاً عنه، وإذا رجعنا إلى الكتب لم نجد فرصاً أو كتباً تعالج هذا الموضوع بشيء من الاختصار دون الإطالة، ونسمع عن الجماعات الإسلامية التي تعمل في الساحة، وأن كل جماعة تدّعي أنها هي الفرقة الناجية، وأنهم هم أهل السنة والجماعة، فهل من بيانٍ يكشف هذا اللبس، وهل من توضيحٍ لهذا الموضوع؟
الجواب
هذا السؤال -أيها الإخوة- مهم؛ لأن عدم الإدراك والإلمام به؛ قد يؤدي إلى وقوع الشاب وهو متدين وملتزم في الفرق الضالة وهو لا يدري، بينما هو يحب أن يسير في رضا الله، وأن يحقق طاعة الله، لكن إذا لم يعرف هذه الأصول والمعتقدات، معتقد أهل السنة والجماعة، معتقد الفرقة الناجية، ربما يقع بجهله وبعدم علمه وباندفاعه إلى الوقوع في الفرق الضالة وهو لا يدري، فقد يكون خارجياً أو قدرياً أو مرجئاً أو رافضياً وهو لا يدري.
إذاً من هم أهل السنة والجماعة؟ ومن هم أهل الفرقة الناجية؟ وما أصولهم؟ وما معتقدهم؟ هناك شيءٌ مهم جداً ينبغي أن يعرفه الشاب حتى يسير على نور وهدىً وبصيرة، ولقد رجعت في بحث هذا الموضوع إلى كلام العلماء، واستطعت أن أخرج بزبدة الموضوع بشكل مختصر من غير إطالة، بما يكفي ويستوعبه طالب العلم؛ لأن طالب العلم المبتدئ لا يريد أن يُكثر عليه في المسائل، وإنما يكفيه من المسائل رءوس الأقلام التي تحفظ له عقيدته وتنور بصيرته ويستقيم بها على مذهب أهل الحق، مذهب أهل السنة والجماعة، مذهب الفرقة الناجية والطائفة المنصورة.
стр. 784
الالتزام بالوحدة العامة وفق الوحيين
أولاً: أمة الإسلام أمة واحدة، وربها واحد، ودينها واحد، ونبيها واحد، وكتابها واحد، يقول الله : ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢] والمسمّي لهذه الأمّة بأمة الإسلام هو الله : ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] فلا مسمَّى لهذه الأمّة غير هذا الاسم، ولا داعي للعاملين في ساحات الإسلام من أن يرفعوا لوحات أو شعارات بغير مسمّى الإسلام؛ لأن الانتماء إلى أي مسمّى والالتفاف حول أي شعار يلزم منه الولاء له وترك الولاء لغيره، وبالتالي تتشتت الأمّة وتتفرق، وإذا تفرقت فشلت؛ لأن الله قد أمرنا بالاعتصام وبأن نكون مجتمعين، يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَق تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٣] ويقول أيضاً: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦] ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩].
فلا سبيل -أيها الإخوة- إلى نصرة الإسلام عن طريق التشتت والتشرذم والتفرق، لا بد من الاجتماع على الحق، وما دامت هذه الجماعات تدّعي أنها كلها على مذهب أهل السنّة والجماعة فلمَ الفرقة ولمَ الخلاف؟ ولمَ التنازع؟ ولمَ الشتائم والسباب؟ ولمَ التفسيق والتبديع؟ ولمَ التجهيل؟ إن هذا كله من كيد الشيطان، ما دامت أمتنا واحدة، وربنا واحد، وكتابنا واحد، ومنهجنا واحد، وطريقنا واحد، فيجب أن نسير في هذا الخط، أما إن اختلفت الأساليب فقط، يعني: أنا أدعو إلى الله على منهج أهل السنّة والجماعة بأسلوب أرى أنه هو الذي ينفع الناس، ويأتي رجل آخر فيدعو إلى الله على مذهب أهل السنّة والجماعة لكن يرى أن أسلوبه هو أفضل من أسلوبي، ليعمل هو بأسلوبه وأعمل أنا بأسلوبي وذاك يعمل بأسلوبه، وفي النهاية نلتقي كلنا عند نقطة واحدة وهي: نصرة هذا الدين، فلا بأس في ذلك، أما أن أختلف معه في الرأي وفي الأسلوب، فيأخذ من الاختلاف في الأسلوب ذريعة إلى الاختلاف في المنهج والطريق، فهذا شر لا ينبغي أن يقع.
أهل السنّة والجماعة هم الفرقة الناجية التي قال فيهم النبي ﷺ : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمّة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي) هذا هو المنهج، فإذن جميع الفرق التي تنتمي إلى الإسلام، وتقول: إنها تعمل للإسلام، إن لم تكن على مثلما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه؛ فإنها في النار.
حسناً! كيف كان النبي ﷺ ، وكيف كان أصحابه؟ هاهو المنهج أمامنا: كتاب الله وسنّة رسول الله ﷺ .
ولقد شرع الله للأمة وأمرها بالاعتصام، وشرَّع لها من العبادات ما يدعوها إلى الاعتصام، وما يؤهلها إلى الاجتماع، فما الصلوات الخمس، والجمعة، والحج، والعيدين؛ إلا طريقٌ من الطرق التي يهيئها الله للاجتماع حتى لا تتفرق هذه الأمّة.
وقد أخبر ﷺ بخبر الافتراق وتحقق، وهذا من معجزاته ﷺ ، قال: (وستفترق هذه الأمّة) وتحقق ما أخبر به النبي ﷺ فافترقت الأمّة في أواخر عهد الصحابة ﵃ أجمعين، بينما في عهد الرسول ﷺ ما كانت هناك فرق أبداً، وفي عهد أبي بكر الصديق وعمر وعثمان ما كانت هناك فرق، وإنما كان كلهم معتصمين بالكتاب والسنّة، أما في عهد علي فقد بدأت الفتن تخرج أعناقها، وبدأت الصراعات تحصد، وخرجت فرقة اسمها الرافضة، وجاءت أخرى كردة فعل للرافضة اسمها الخوارج، فـ الرافضة تُؤَلِّهُ علياً، والخوارج تكفر علياً، فكانت ردة فعل! ثم جاءت الفرق من بعدهم، فجاءت القدرية، والمعتزلة، والأشعرية، كل هذه الفرق ضلت عن منهج الحق وعن منهج الكتاب والسنّة، وتحقق ما أخبر به النبي ﷺ ، وازداد هذا التفرق، فكلما بعدت الأمّة عن القرون المفضلة -قرن الرسول ﷺ وأصحابه، والقرن الثاني، والثالث- كلما ازدادت الأمة تفرقاً، وتوسعت زاوية الانفراج والبعد عن هدي الرسول ﷺ ، وعن هدي أصحابه رضوان الله عليهم؛ وكثرت النحل وتعددت الملل، وكثرت المذاهب الباطلة.
ولكن بقيت الفرقة الناجية والطائفة المنصورة المتمسكة بالإسلام الصحيح تدعو إلى الله، ولا تزال ولن تزال بحمد الله مستمرة صادقة حتى يأتي وعد الله .
هذه الفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة، وهم الذين على الكتاب والسنّة، على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وتتميز هذه الفرقة بميزة غير موجودة في جميع الفرق، وهو الذي جعلنا نجزم بأنها هي الفرقة الناجية، هذه الميزة هي: الاعتصام بالكتاب والسنّة وبالاجتماع وعدم التفرق، هذه ميزتهم: أنهم يقفون عند النص، فإذا سمعوا: قال الله! صدروا عنه، فإذا لم يجدوا في كتاب الله رجعوا إلى السنّة: قال رسول الله، فأخذوا بها، فإذا لم يجدوا من السنّة نظروا فيما قال السلف، ثم ما أجمعت عليه الأمّة وأخذوا به.
هؤلاء الذين يأخذون أحكام الله من هذه المصادر ويقفون عندها، هم أهل السنة والجماعة، بخلاف الفرق والملل والنحل الأخرى الذين يقدمون الآراء على كتاب الله، فإن وافق القرآن معتقدهم أخذوا به، وإن عارضه أَوَّلُوْه، وإن وافقت السنّة معتقدهم أخذوا بها، وإن خالفته أبطلوها، وقالوا: هذه أحاديث غير صحيحة، وهي صحيحة لكنها تخالف ما يعتقدون.
إذن الذي يرجعون إليه ليس الكتاب ولا السنّة، وإنما ملتهم نحلتهم فرقتهم مذهبهم إذاً ليسوا هم الفرقة الناجية، فالفرقة الناجية هي من تقف عند كلام الله وعند سنة رسول الله ﷺ ، وعند التطبيق المثالي الصحيح للكتاب والسنّة، وهم: الصحابة والتابعون ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 785
اعتقاد أهل السنة في أركان الإيمان الستة
وهذه الفرقة فرقة أهل السنة والجماعة لها ثوابت ومعتقدات وأصول يسيرون عليها، ويدعون إليها في العقيدة والعبادة والسلوك، وكلها مدعَّمة ومُدللٌ عليها من كتاب الله، ومن سنّة رسوله ﵌ وصحابته رضوان الله عليهم، وهذه الأصول يمكن جمعها فيما يلي، وسوف أذكرها لكم باختصار إن شاء الله:
стр. 786
الإيمان بالله وترسيخ توحيد الربوبية
أولاً: الإيمان بالله.
هذا أصل من أصول أهل السنة والجماعة، ويقتضي الإقرار بأنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
توحيد الربوبية: هو توحيد الله بفعله، وفعله مثل: الخلق والرزق، والإحياء والإماتة، والضر والنفع، والخفض والرفع، والبسط والمنع، كل هذه من أفعال الله، فهو الذي يحيي ويميت، ويخلق ويرزق، ويرفع ويخفض، ويعز ويذل، هذه كلها من أفعال الله، ينبغي لك أيها الموحد! أن توحد الله بها فلا تشرك معه أحداً، فلا تعتقد أن أحداً يرزق غير الله أو مع الله، أو أن أحداً يخلق غير الله أو مع الله، أو أن أحداً يضر أو ينفع غير الله، أو أن أحداً يحيي أو يميت غير الله، بل له الأمر وله الخلق، وهذا كله اسمه: توحيد الربوبية، وهذا التوحيد لا يكفي وحده، فقد أقر به الكفار، ومع هذا قوتلوا ولم يدخلوا في الإسلام، يقول الله عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] يقول الله عن الكفار المشركين: لو سألتهم: من خلق السماوات والأرض؟ لقالوا: الله، ولكن هل نفعهم هذا؟ لا.
لا ينفع وحده.
حتى يُعتبر الإنسان موحداً، لا بد أن يقر بالأنواع الثلاثة.
стр. 787
الإيمان بالله وترسيخ توحيد الألوهية
الثاني: توحيد الألوهية وهو: توحيد الله بفعلك أنت، فكما وحَدَّته بفعله توحده بفعلك، ما هو فعلك؟ العبادة، فلا تجعل مع الله في عبادتك شريكاً، فتصرف جميع أنواع العبادة منك إلى الله، وإذا صرفت منها شيئاً لغير الله فهذا هو الشرك، مثل الدعاء، والدعاء نوع من العبادة، بل هو العبادة، يقول الله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠] أي: عن دعائي، فسمّى الله الدعاء عبادة، وقال : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨] فالدعاء يجب أن يصرف منك -أيها العبد- لله: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨] فلا يُصرف لنبي، ولا لولي، ولا لإنس، ولا لجن، ولا لأحد؛ لأن الدعاء إذا صرفته لغير الله أشركت، حتى النبي ﷺ لا تدعُه، بعض الناس يقول: مدداً يا نبي! وهذا هو الشرك الأكبر، لا تقل ذلك.
بل قل: مدد يا ألله؛ لأنك تدعو النبي والنبي ﷺ لا يستطيع أن ينفعك أو يعطيك أو يمنعك، بل لا يعلم شيئاً بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليه، إلا أن الملائكة تبلغه السلام فقط.
أما ما تحدثه الأمّة من بعده فهو لا يعلم عنه شيئاً، ولهذا جاء في الصحيح أنه ﷺ يشفع في أقوام من أمّته يذادون عن الحوض، فتقول الملائكة: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة:١١٧] سحقاً سحقاً وبعداً بعداً لمن غير وبدل) فالنبي ﷺ لا يستطيع أن ينفعك الآن إذا قلت: مدداً يا نبي! وكذلك لا يجوز دعاء الأولياء أصحاب الأضرحة والقبور، كما يُصنع في بعض البلدان، يأتي الرجل أو المرأة إلى صاحب القبر يدعوه من دون الله، يدعونه دعاءً لا يُصرف إلا لله، يقول الرجل منهم: (يا سيد العارفين! العارف لا يُعرّف، والشكوى على أهل البصيرة عيب، أنت تعرف ما في قلبي، وتعرف غرضي؛ أعطني غرضي).
من الذي يعرف ما في قلبك إلا الله، هذا هو الشرك الأكبر، فلا تصرف الدعاء إلا لله، والذبح إلا لله قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام:١٦٢] والنسك يعني: الذبح ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] فلا تذبح لغير الله: لا لقبر، ولا لولي، ولا لجن، ولا لأي غرض، فإنك إن ذبحت لغير الله أشركت، ولا يدخل في هذا ذبيحتك في بيتك لضيوفك، حتى لا يأتي بعض الناس فيقول: أنا لن أذبح للضيف؛ لأن الذبح لغير الله شرك، لا.
اذبح للضيف فإنه لله، لماذا؟ لأنك تقول: باسم الله والله أكبر.
أما الذبح لغير الله؛ فهو أن تذبح عند القبر ولا تسمي الله، أو تسمي باسم القبر أو باسم الولي، أما إذا ذبحت لله وذكرت اسم الله وكان الغرض من هذه الذبيحة إكرام ضيفك، أو الذبح لأهلك حتى تأكل في بيتك، فهذه لله إن شاء الله.
كذلك النذر، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والاستعانة، والاستغاثة، والاستعاذة، كل هذه من أنواع العبادة فلا تصرف منها شيئاً إلا لله، وإذا صرفت -أيها العبد- منها شيئاً لغير الله؛ فهذا هو الشرك الأكبر المخرج للإنسان من الملة.
هذا هو التوحيد الثاني واسمه توحيد الألوهية، وهو: توحيد الله بأفعال العبد.
стр. 788
الإيمان بالله وترسيخ الاعتقاد في الأسماء والصفات
الثالث: توحيد الأسماء والصفات، وهذا هو التوحيد الذي ضلت فيه أكثر الأمّة، من أهل الكلام من الأشاعرة والمعتزلة والجهمية والقرامطة فقد ضلوا في هذا الباب؛ لأنهم دخلوا بعقولهم الصغيرة، وبأفئدتهم وألبابهم المحدودة في هذا المجال المقفل الذي لا يدخله إلا من عنده دليل من كتاب وسنّة، فعطلوا صفات الله، بل بعض غلاة الجهمية سلبوا عن الله النقيضين، حتى قالوا: (إن الله لا موجود ولا معدوم) وقالوا: إن أثبتنا لله الوجود شبهناه بالموجودات، وإن قلنا: إنه معدوم شبهناه بالمعدومات، فوصفوه بالممتنعات، لأن الذي ليس معدوماً ولا موجوداً هو الممتنع، فهربوا من شيء ليقعوا في شر منه.
أهل السنة والجماعة يثبتون لله جميع الأسماء والصفات التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تشبيه ولا تعطيل، بل يؤمنون بأن الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] هذا معتقد أهل السنة والجماعة.
بينما أثبت الأشاعرة لله سبع صفات فقط: العلم، والسمع، والقدرة، والإرادة، والحياة، والكلام، سبع صفات فقط، والباقي نفوها عن الله، لماذا؟ قالوا: إذا أثبتناها شبهنا.
حسناً! كيف يكون محذوراً في الباقي، ولا يكون محذوراً في السبع التي أثبتموها، فإما أن تنفوا أو أن تثبتوا كل شيء.
وجاءت المعتزلة لتنفي عن الله الصفات كلها وأثبتوا الأسماء، فقط، يقولون: إن الله عليم لكن بلا علم، يقولون: هذه الأسماء مثل اسم سعيد، لا يعني أنك سعيد؟ أو اسم محمود، لا يعني أنك محمود؟ أو اسم علي، لا يعني أنك علي، فهذه الأسماء فقط لا تدل على معاني، فيقولون: إن الله عليم بلا علم، وسميع بلا سمع، وحكيم بلا حكمة.
لا إله إلا الله!! كيف هذا؟ قالوا: إذا أثبتنا الصفة لزم من إثبات الصفة التشبيه بالمخلوق، فنحن ننفي الصفة عن الله حتى لا نشبه الله بالمخلوقين.
ومن قال لكم: إن صفة الله مثل صفة المخلوقين؟! يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الرسالة التدمرية: كما أن لله ذاتاً تختلف عن ذوات المخلوقين، فإن لله صفات تختلف عن صفات المخلوقين، ولذا السؤال عن الصفة بدعة وضلالة:
لا تقل كيف استوى كيف النزول أنت لا تعرف من أنت ولا كيف تبول
جاء رجل إلى الإمام مالك فقال له: كيف الاستواء؟ قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وسأل آخر ربيعة فقال: كيف الاستواء؟ قال ربيعة: كيف الله؟ قال: ما أدري، قال ربيعة: وأنا لا أدري كيف صفته.
فلا نعرف ذاته ولا نعرف صفته، ولكن نؤمن بها على حقيقتها دون توقف، بل نؤمن بجميع الصفات ونثبتها لله كما أثبتها لنفسه، وكما أثبتها له رسوله ﷺ .
هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة وفيه مخرج مما ضلت فيه الأمم والفرق الضالة الذين نفوا عن الله الصفات.
وهناك فرق ضالة نفت عن الله الاسم والصفة وهم الجهمية، قالوا: إن الله لا اسم له ولا صفة، وغلاة الجهمية نفوا عن الله كما ذكرت لكم النقيضين وقالوا: (إن الله لا موجود ولا معدوم) فشبهوه بالممتنعات: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤] وتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
هذا هو الإيمان بالله وتوحيده، هذا أصل من أصول أهل السنة والجماعة.
стр. 789
الإيمان بالملائكة
ومن أصول أهل السنة والجماعة: الإيمان بالملائكة، والتصديق بوجودهم، وأن الله خلقهم لعبادته، وأنهم موكلون ببعض الوظائف.
فنؤمن بهم على الإجمال والتفصيل، فعلى الإجمال: نؤمن بأنهم من جنود الله: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفتح:٤] ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] أما على التفصيل فنعرف بعضهم وبعض وظائفهم، فنعرف جبرائيل وأنه أمين الوحي، ونعرف ميكائيل وأنه ملك الغيث الموكل بإنزال الغيث، ونعرف إسرافيل وأنه نافخ الصور، ونعرف مالكاً وأنه خازن النيران، ونعرف رضوان وأنه خازن الجنان، ونعرف رقيباً وعتيداً الموكلان بكتابة الحسنات والسيئات، وغير ذلك ممن وردت بهم الأدلة، هذا على التفصيل.
وأيضاً يقتضي الإيمان بالملائكة وبوظائفهم: أن نلتزم بما يقتضيه هذا الإيمان، فإذا آمنتُ أن هناك رقيباً يسجل حسناتي، وعتيداً يسجل سيئاتي، فإنني أصنع الحسنة وأبتعد عن السيئة، فأحذر من أن يُسجل علي شيء، وأرغب في أن يسجل لي شيء، لكن الذي يقول: أنا مؤمن برقيب وعتيد، ولا يعمل سوى السيئات؛ فهذا كاذب، فلو أنه صدر أمر، مثلاً: أن الناس يذكرون الله، ولذا تقرر أن يعلق مع كل شخص مسجل في رقبته، وفي نهاية كل يوم يُفتح هذا المسجل، وتحسب ألفاظه، فمن ذكر الله : سبح الله أو حمد الله أو هلل أو أثنى على الله، فإن له في كل تسبيحة ريالاً، وبكل تحميدة ريالاً، وبكل تهليلة ريالاً، بينما الذي يلعن أو يسب أو يشتم، أو يغتاب أو ينم، أو يكذب؛ على كل كذبة ضربة، ما رأيكم من منا لن يذكر الله ؟! والله لن نشتغل إلا بذكر الله! وإذا أتاك شخص يكلمك فستقول له: لا يا شيخ! سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، لماذا؟ قال: سأكسب ريالاً على كل ذكر، ويجيء آخر النهار ويفتح المسجل ويجد عشرة آلاف تسبيحة ويأخذ عليها شيكاً بعشرة آلاف ريال، بينما آخر لم يجد سوى ألف تسبيحة أي بألف ريال، ما رأيكم في شعور هذا الذي حصل على ألف ألا يحزن ويندم؟ سيبيت الليل كله يقول: يأخذ عشرة آلاف وأنا ألف فقط! والله ما أقول كلمة في الغد إلا سبحان الله، لماذا؟ لأنه آمن بقيمة الريال الشرائية.
حسناً! ما الذي يمنع الناس الآن من التسبيح والتهليل؟ وما الذي يدفعهم إلى اللعن والسب والشتيمة والغناء واللهو إلا عدم إيمانهم بأن هناك من يسجل الحسنات والسيئات، وما آمنوا أن الله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ [ق:١٨] أي: أي كلمة تخرج من فيه: ﴿إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]! فهذا معنى الإيمان بالملائكة، أنك تؤمن بالملك وبوظيفته، وينقدح في ذهنك شيء من إيمانك به، وهكذا تؤمن بمنكر ونكير، وأنهما ملكا سؤال، وتؤمن بمالك خازن النيران، ولا تود أن تمر من عنده، وتؤمن برضوان وتتمنى أن الله يدخلك الدار التي هو مسئول عنها، هذا هو معنى الإيمان بالملائكة.
ومن أعظم ما يقوي الإيمان في قلب الإنسان بإذن الله: الحديث عن الملائكة: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠] يقول النبي ﷺ في حديث ذكره السيوطي في صحيح الجامع وصححه الألباني يقول: (أُذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة خمسمائة عام) أي: رقبته فقط، فأنت لا تتجاوز رقبتك بضع أصابع، بينما هذا الملك طول عنقه مسيرة خمسمائة عام، لا يعصي الله طرفة عين، وأنت رقبتك أربع أصابع وتعصي الله، ماذا أنت بالنسبة له وهو من حملة العرش؟ وحملة العرش ثمانية، قيل ثمانية من الملائكة، وقيل ثمانية صفوف ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧].
стр. 790
الإيمان بالكتب المنزلة والرسل
ومن أصول أهل السنة والجماعة: الإيمان بالكتب المنزلة التي أنزلها الله على أنبيائه ورسله.
فالتوراة أنزلها الله على موسى، والإنجيل أنزله على عيسى، والزبور أنزله على داود، والقرآن الكريم أنزله على محمد ﷺ ، ومعلوم أن القرآن الكريم هو المهيمن، وهو الناسخ لجميع الرسالات، وهو الكتاب الذي ليس بعده كتاب؛ لأنه آخر الكتب، ونبينا آخر الأنبياء، وأمتنا آخر الأمم.
ويعتقد أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق حروفه ومعانيه، لم يُخلق منه شيء، خلافاً للجهمية والمعتزلة والأباضية الذين يقولون: أن القرآن كله مخلوق حروفه ومعانيه.
وخلافاً للأشاعرة الذين يقولون: إن كلام الله هو المعاني فهو منزل، أما الحروف فهي مخلوقة، وكلا القولين باطل، والقول الصحيح المدعَّم بالدليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هو: أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف:١] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ﴾ [الزمر:٢٣] أدلة كثيرة بالنسبة لتنزيل القرآن، لكن سبحان الله! كيف ضلت تلك العقول، وذهبت إلى ما يضلها في دنياها وآخرتها من غير حاجة؟ لكن الشيطان سول لهم وأملى لهم.
أيضاً من أصول أهل السنة والجماعة: الإيمان بالرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وأن أولهم نوح وآخرهم محمد ﷺ ، وأنه خاتم الأنبياء، وأنه لا نبي بعده، ونؤمن بالرسل كلهم ولا نتبع شريعتهم، وإنما نتبع شريعة النبي ﷺ ؛ لأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع، لو أن أحداً أتانا وقال: أنا أؤمن بكل الأنبياء إلا نبياً واحداً لا أؤمن به، قلنا: كفرت بكل الأنبياء، لا بد أن تؤمن بكل الأنبياء الذين جاء ذكرهم في الكتاب والسنّة، وأنهم رسل، فنعتقد عقيدة من قلوبنا أنهم أنبياء الله ورسله، ولكن لا يلزمنا اتباع شريعتهم، وإنما نتبع شريعة محمد ﷺ .
стр. 791
الإيمان بالبعث وما يترتب عليه
أيضاً من أصول أهل السنة والجماعة: الإيمان بالبعث بعد الموت، وبكل ما يكون بعده مما أخبر الله به، وأخبر به رسوله ﷺ .
أولاً: عذاب القبر ونعيمه، فإن هذا غيب، ومن معتقد أهل السنة والجماعة الإيمان به، والإيمان به يقتضي الاستعداد له، فإذا عرفت أنك مسئول في القبر وأنك معذب أو منعم؛ فإنك مباشرة تقف عند الأوامر وتنتهي عند النواهي، فتفعل ما أمرك الله به، وتنتهي عما نهاك الله عنه.
وأيضاً البعث: وهو إعادة الناس إلى الحياة كما كانوا أحياء، وأن الله يردهم مثلما كانوا، وأن الناس يفنون، وتتفرق أجسامهم، وتتقطع أوصالهم، ولا يبقى منهم إلا عَجبُ الذنب؛ وهي: حبة صغيرة في آخر العمود الفقري، وهذه أصل الإنسان، تبقى في التراب إلى أن يُنزل الله ماء من بحر يقال له الحيوان من السماء، فتنبت منه هذه الحبَة كما تنبت الحِبة في حميل السيل، حتى يعود الناس كلهم كما كانوا أول مرة يوم أن خلقهم الله ، وهذا بعد النفخة الأولى، أما في النفخة الأولى فيصعقون، ثم ينزل هذا الماء وينبتون، ثم يُنفخ النفخة الثانية فتطير الأرواح من الصور إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَق وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر:٦٨ - ٦٩].
ثم بعد البعث الحشر، إلى المكان الذي هيأه الله وأعده ليكون موعد الفصل والحساب للناس، ثم الحساب، وهو: محاسبة الناس على الأعمال، ووزن الأعمال ونشر الدواوين والدواوين هي: الكتب التي قد كتبت علينا، ما من إنسان إلا وله كتاب وديوان مسجل فيه كل عمله، فإذا مات قيل له: اقرأ كتابك: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:١٣ - ١٤] وقال تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَق إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩].
ثم الصراط: وهو جسر على متن جهنم لا يمكن الوصول إلى الجنة إلا عن طريقه، والناس يجتازونه على ضوء أعمالهم وتمسكهم بكتاب الله وسنة رسوله في هذه الدار.
والإيمان بالجنة وما أعد الله فيها من النعيم، وبالنار وما أعد الله فيها من العذاب الأليم، والاستعداد لهذا كله بالإيمان والعمل الصالح.
هذا معتقد أهل السنّة والجماعة في البعث بعد الموت.
стр. 792
الإيمان بالقدر خيره وشره
ومن الأصول عند أهل السنة والجماعة: الإيمان بالقدر خيره وشره من الله .
ومعنى الإيمان بالقدر: أن الله قد علم كل شيء؛ ما كان وما سيكون، وقدره الله وكتبه، وأن للعباد إرادة وقدرة واختياراً لما يقع منهم من طاعة أو من معصية، ولكن ذلك تابعٌ لإرادة الله ومشيئته، وهذا خلافاً للجبرية، الذين يقولون: إن العبد مجبر على أفعاله، وكثير من الناس الآن جبري، إذا قلت له: يا أخي! أترك المعاصي قال: الله جبرني، هذا جبري؛ لأنه يدعي أن الله جبره على المعصية، وطائفة الجبرية فرقة من الفرق الضالة فيكون جبرياً وهو لا يدري، ولو درى أنه جبري لتوقف، فـ الجبرية يقولون: إن العبد مجبر على فعله.
وخلافاً أيضاً للقدرية الذين يقولون: إن العبد يخلق فعله، وإن إرادة العبد غالبة على إرادة الله.
وهذا باطل، إذ لا يمكن أن يكون في الكون شيء خارج عن إرادة الله ، ولكن للعبد إرادة ولله إرادة، والله يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩] فأثبت الله للعبد مشيئته رداً على الجبرية، وأثبت الله مشيئته التي تتبعها مشيئة العبد رداً على القدرية، وهذا من أعظم ما أجيب به في هذا الموضوع، وهو الذي يتمشى مع عقل الإنسان، إذ كيف يسلبك الله الإرادة ويجعلك مجبوراً على عمل ثم يحاسبك عليه؟ هل هذا معقول؟! الله منزه عن هذا، بدليل: ألست -أيها المسلم- مأموراً بالصلاة في المسجد؟ وإذا سمعت حي على الصلاة حي على الفلاح ولم تأت وأنت قادر على الصلاة فأنت آثم معرض نفسك للعذاب، لكن إذا مرضت فمن الذي أمرضك؟ الله، ومن الذي أمرك بالصلاة في المسجد؟ الله، فسلبك الله القدرة على القيام بالصلاة وعندها هل يطلب منك أن تصلي في المسجد؟ لا.
بل صلِّ في بيتك، وهل يحاسبك الله إذا صليت في بيتك؟ لا.
لحديث: (صلِّ قائماً فإن لم تستطع فصل جالساً) مع أن القيام في الصلاة ركن، القيام مع القدرة ركن من أركان الصلاة، فلو أن شخصاً صلى جالساً وهو قادر على القيام لبطلت صلاته.
وكم أركان الصلاة؟ أربعة عشر، القيام مع القدرة أول ركن، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة هذه أركان الصلاة، لكن لو أن شخصاً لا يستطيع أن يقوم ليصلي، سلبه الله العافية، فكيف يصلي؟ يصلي جالساً، لماذا؟ لأن الله سلبه العافية فرفع عنه التكليف، وهذا يتماشى مع كل أحكام الشرع.
فالله لا يمكن أن يأمرك بشيء وقد سلبك القدرة على فعله ثم يحاسبك عليه؛ لأن الله منزه عن الظلم، يقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٠].
стр. 793
وسطية أهل السنة بين الفرق
стр. 794
وسطيتهم في الإيمان
ومن معتقد وأصول أهل السنة والجماعة: أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، قول بالألسن، وعمل بالأركان والجوارح، واعتقاد بالقلوب، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وليس الإيمان قول وعمل دون اعتقاد، فهذا إيمان المنافقين، فالمنافقون في عهد النبي ﷺ كانوا يقولون: آمنا ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨] وكانوا يصلون، يقول الله : ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢] وكانوا أيضاً يتصدقون، يقول الله : ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٥٤] فأثبت الله لهم صلاة وصدقة، لكن افتقدوا الشرط الثالث وهو الاعتقاد، فما كانت عقائدهم سليمة، ولو كانوا يعملون عملاً صالحاً، ويقولون قولاً صالحاً لكن عقائدهم من الداخل كانت فاسدة، فهم يؤمنون بألسنتهم ويكفرون بقلوبهم فلم ينتفعوا، فليس الإيمان قولاً وعملاً دون اعتقاد، وهذا إيمان المنافقين.
وليس الإيمان مجرد المعرفة بدون قول ولا عمل فهذا إيمان الكافرين، فالكافرون إذا سألتهم من خلق السماوات والأرض يقولون: الله، لكن لا يؤمنون ولا يعملون.
وليس أيضاً مجرد اعتقاد وقول من دون عمل، فهذا عمل المرجئة، والمرجئة فئة من الفئات الضالة يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، ولا ينفع مع الكفر طاعة، وقالوا: إن إيمان جبريل مثل إيمان الشيطان الرجيم، لماذا؟ قالوا: لأن جبريل مؤمن بالله وإبليس مؤمن بالله، يقول: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [ص:٧٩] ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] فما دام مؤمناً مُقراً بقلبه ولسانه فإنه يكفيه الإيمان فقط، ولا يوجد حاجة إلى العمل، وهؤلاء هم المرجئة الذين دمروا الإسلام في فترة من فتراته، حيث أعطوا مؤشراً وتصريحاً للناس في ترك الدين، عندما قالوا لهم: أنتم مسلمون بمجرد أن يقول الواحد منكم: لا إله إلا الله، وإن لم يصلِّ ويصم، ولم يمتنع عن فعل المحرمات، وهذه يسمونها عقيدة الراحة والإباحة، راحة من التكاليف وإباحة للمنهيات، يزني ويسكر ويعمل كل شيء ثم يقول: الحمد لله أنا أشهد أن لا إله إلا الله، والإيمان في القلب، ربنا رب قلوب، وهؤلاء هم المرجئة.
وما أكثر المرجئين في هذا الزمان تراه وهو منغمس إلى أذنيه في المعاصي وتقول له: اتق الله، فيقول لك: يا أخي: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم -وما أكملُ الحديث- وأعمالكم) يقولون: إن الله ينظر إلى القلوب! هذه قاعدة الإرجاء، وهي مخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة، أما مذهب أهل السنّة والجماعة فإن الإيمان قول باللسان، واعتقادٌ بالجنان، وتطبيق وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعات، وينقص بالعصيان، والدليل على زيادته قول الله : ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [الأنفال:٢] فالإيمان يزيد بالطاعة، ودليل النقص قوله ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) لأنه ينقص إيمانه، ويرتفع عنه الإيمان والعياذ بالله إذا مارس هذه الجريمة.
стр. 795
وسطيتهم في حكم مرتكب الكبيرة
من أصول أهل السنّة والجماعة: أنهم لا يُكَفِرون أحداً من المسلمين، انتبهوا! لا يكفرون، أما التفسيق والتبديع لمن يستحق فهو من معتقدات أهل السنّة والجماعة، فهم لا يطلقون كلمة الكفر على مسلم إلا إذا ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام العشرة، أو ترك شيئاً تركه كفر مثل الصلاة، لأن الصلاة أتت فيها أدلة خاصة بأن تاركها كافر، والدليل في مسلم عن جابر بن عبد الله قال: قال ﵊: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) وفي سنن أبي داود ومسند أحمد عن بريدة ﵁ قال: قال ﵊: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر).
أما الكبائر كبائر الذنوب؛ فإن أتى شخص بالأركان ولم يأت بناقض من نواقض الإسلام ولكن وقع في معصية أو كبيرة أو صغيرة فإنهم لا يكفرونه بها وإنما يرون أنه فاسق عاصٍ لله، ناقص الإيمان، وهو تحت مشيئة الله في الدار الآخرة، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له، وهذا هو المذهب الوسط، وهو الوسط بين الخوارج الذين يكفرون بالكبيرة -إذا وقع أي أحد في كبيرة يرون أنه كافر- وبين المرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، أما مذهب أهل الحق فيكفرون من نقض إسلامه، أما بالكبائر والذنوب فلا يكفرونه، والأدلة على ذلك كثيرة لا أستطيع حصرها.
أول دليل في مسلم: (أن رجلاً جيء به إلى الرسول ﷺ وقد شرب الخمر فحدَّه -أي: ضربه وأقام الحد عليه- ثم ذهب فشرب الخمر مرة أخرى فجيء به فحدَّه، فشرب الخمر مرة أخرى فجيء به فحدَّه، فقال أحد الصحابة: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به، فقال الرسول ﷺ لصاحبه: لا تقل هذا! لا تعينوا الشيطان على أخيكم، والله إني لأعلم أنه يحب الله ورسوله) هذا الرسول ﷺ يشهد لهذا السكير مرتكب الكبيرة، لكن مسكين وقع في هذه المعصية بحكم ضعفه البشري ولكنه يحب الله ورسوله.
فنحن لا نكفر صاحب الذنب ولو كان كبيراً ولكن نسميه عاصياً، ونسميه فاسقاً، وهو تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه بقدر معصيته وكبيرته، لكن نهايته إلى الجنة متى ما أقام أركان الإسلام، أما إذا ترك الصلاة، ولو لم يشرب الخمر فهو كافر، ولو لم يسمع الأغاني فهو كافر، لماذا؟ لأن ترك الصلاة كفر يخرج من الملة والعياذ بالله.
стр. 796
عقيدة أهل السنة في الأبواب الأخر
стр. 797
وجوب طاعة ولي الأمر
ومن عقيدة أهل السنّة والجماعة، ومن معتقدهم وأصولهم: وجوب طاعة ولي الأمر المسلم.
وهذه المسألة تخفى على كثير من طلبة العلم، وينبغي أن نتوسع ونتوقف فيها، لأن القضية ليست قضية مجاملات أو مداهنات، بل هو أصل من أصول أهل السنة والجماعة، يجب أن تفهمه على أنه عقيدة، ليس هوىً ولا خوفاً ولا مجاملة للسلطان، ولا رغبة فيما عند السلطان.
والله! ما نقول هذا إلا براءة لذمتنا، وبياناً لعقيدتنا التي هي عقيدة أهل السنّة والجماعة أنه يجب على كل مسلم طاعة ولي الأمر المسلم ما لم يأمر بمعصية الله، طاعته في المعروف، أما إذا أمر بمعصية الله فلا طاعة له فيما أمر به من معصية، وتجب طاعته في خلاف ذلك، يعني: إذا أمرك بمعصية فلا تطعه في المعصية، لكن لا تعصه في بقية الأوامر؛ لأنه لا يجوز لك أن تخرج عن طاعته، فعقيدة أهل السنّة والجماعة أنه يجب طاعة ولي الأمر المسلم فيما ليس بمعصية، أما المعصية فلا يجوز طاعته فيها ويجب طاعته فيما بقي، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] ويقول ﵊: (أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن تأمَّر عليكم عبد) وحديث العرباض بن سارية حديث مشهور، والذي قال فيه: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب فقال في نهايتها: وعليكم بالسمع والطاعة وإن تأمَّر عليكم عبدٌ حبشيٌ كأن رأسه زبيبة) هكذا معتقد أهل السنّة والجماعة.
وهذا ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكره شيخ الإسلام ابن القيم وذكره الإمام أحمد، وذكره الإمام البغوي في كتاب شرح السنّة، وذكره الأئمة كلهم، منهم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله تعالى عليه، ذكره في المسائل التي خالف الرسول ﷺ أهل الجاهلية فيها، وهي مائة مسألة ذكر في المسألة الثالثة: اعتقاد بعض الناس -وهذه مصيبة حتى بعض الشباب قد يقع فيها وهو لا يدري- أن مخالفة ولي الأمر وعدم طاعته فضيلة وقوة في الله وصدع بالحق وعدم الخشية في الله من لومة لائم، وأن السمع والطاعة لولي الأمر ذل وإهانة ومداهنة، فخالفهم رسول الله ﷺ وأمر بالصبر على جور الولاة، وأمر بالسمع والطاعة لهم، والنصيحة لهم وغلَّظ في ذلك وأبدأ وأعاد، لما في عدم طاعة ولاة الأمر من المفاسد التي لا يعلمها إلا الله.
ويقول عبد الله بن المبارك: أصل جميع الفرق الضالة وهي اثنتان وسبعون فرقة تجتمع في أربع فرق، القدرية والمرجئة والرافضة والخوارج، فمن قدم أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي على أصحاب رسول الله ﷺ ، وترضى عن الصحابة كلهم، ولم يتكلم في بقيتهم إلا بخير، ودعا لهم، وكف عما حصل بينهم فقد خرج من التشيع أوله وآخره، ومن قال: الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فقد خرج من الإرجاء أوله وآخره، ومن قال بالصلاة خلف كل إمام بر أو فاجر وجاهد مع كل خليفة، ولم ير الخروج على السلطان، ودعا لهم بالصلاح، فقد خرج من قول الخوارج أوله وآخره، ومن قال: المقادير كلها من الله خيرها وشرها، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، فقد خرج من قول القدرية أوله وآخره، وهو صاحب سنّة.
هذا هو معتقد أهل السنّة فيما يتعلق بولي الأمر، إذ أن الخروج على ولي الأمر المسلم انتبهوا! ولي الأمر المسلم مقيدة بالإسلام أما ولي الأمر الكافر هذا له تعامل آخر لكن ولي الأمر المسلم الذي يحكم بالشريعة فإنه يجب طاعته حتى ولو حصل منه ظلم، ولو حصل منه مخالفة أو جور، فلا ينبغي الخروج عليه، ولا ينبغي طاعته إذا أمر بمعصية، ولكن يطاع في غيرها ويدعى له، فإن الدعاء له طاعة لله.
يقول: الفضيل بن عياض: لو أني أعلم أن هناك دعوة مستجابة لصرفتها لولي الأمر، وتروى هذه الحكاية عن الإمام أحمد رحمة الله تعالى عليه؛ لأن في الدعوة له مصلحة للإسلام والمسلمين، نسأل الله أن يصلح وأن يوفق ولاة أمورنا لما يحبه الله ويرضاه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: لا يكاد يُعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من المفاسد أكثر من الذي خرجت لإزالته.
اقرأ التاريخ؛ فلا يكاد يعرف عن طائفة خرجت على ذي سلطان إلا ووقع بخروجها من المفاسد عليها وعلى الأمّة أعظم مما خرجت من أجله، فهي خرجت لتزيل مفسدة فوقعت في مفسدة أكبر، ولهذا تقدم المصالح وتدرأ المفاسد، هذا معتقد أهل السنّة والجماعة.
стр. 798
الكف عما شجر بين الصحابة
ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ وحبهم لهم، والترضي عنهم، والكف عن الخوض فيما دار بينهم، خلافاً للرافضة والخوارج.
فيرون أن الخليفة بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ثم إنهم يحبون أهل بيت رسول الله -هذه عقيدة أهل السنة والجماعة - فنحن لا نكره أهل بيت رسول الله ﵌، بل نحبهم ونتولاهم، وآباؤنا وأمهاتنا وأنفسنا فداء لرسول الله ﷺ وأهل بيته.
ومن أهل بيته أزواجه خلافاً للرافضة، فـ الرافضة يقولون: إن أزواجه لسن من أهل بيته، سبحان الله! أزواجه هن أهل بيته، ومَن أهل بيته إن لم تكن أزواجه من أهل بيته؟! فأول أهلك زوجتك، وأهل بيت رسول الله زوجاته ﵃ وأرضاهم، وأهل بيته قرابته وهم الصالحون منهم، أما غير الصالحين فليسوا من أهل بيته كعمه أبي لهب، ما رأيكم في أبي لهب؛ هل هو من أهل بيت النبي ﷺ ؟ هو عم رسول الله، والرسول ﷺ اسمه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وأبو لهب هو: أبو لهب بن عبد المطلب، هو: عبد شمس ويُدعى أبا لهب؛ لأنه من أهل اللهب والعياذ بالله في النار، فـ أبو لهب عم الرسول ولكنه ليس من أهل بيته، بل أهل بيته من سار على نهجه واتبع سنته وكان له قرابة، فنتولاه ونحبه بحب رسول الله ﷺ .
يقول ﵊: (يا معشر قريش! لا أغني عنكم من الله، يا عباس! يا عم رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد! سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً) ويقول: (يا فاطمة! يا آل محمد! لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم، اعملوا لا أغني عنكم من الله شيئاً) وهؤلاء القرابة لهم علينا حق الإكرام، وحق المحبة، وحق الاحترام، من غير غلو فيهم، فلا نتقرب إليهم بشيء من العبادة، ولا نعتقد أنهم يتصرفون في الخلق، أو أنهم ينفعون أو يضرون، يقول الله لنبيه: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ [الجن:٢١] ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [يونس:٤٩] فإذا كان الرسول ﷺ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فكيف بغيره، وهذا خلاف لمعتقد الرافضة الذين يعتقدون أن الأئمة ينفعون ويضرون، وأن بهم قامت السماوات والأرض، وأن الرعد والبرق صوت علي، وأن كل شيء بيده، وهذا كله من الشركيات والضلالات التي ما أنزل الله بها من سلطان.
стр. 799
التصديق بكرامات الأولياء
ومن معتقد أهل السنة والجماعة: التصديق بكرامات الأولياء.
ما هي الكرامة؟ الكرامة: هي أمر خارق للعادة يجريه الله على أيدي بعض عباده الصالحين، أما المعجزة: فهي أمر خارق للعادة يقصد به التحدي، يجريه الله على أيدي أنبيائه، والكرامات مثل كرامة عمر وهو في المدينة يخطب الجمعة فرأى الجيش يأتي من وراء سارية فقال: [يا سارية! الجبل] هذه كرامة من كرامات عمر ﵁.
والكرامة تختلف عن الشعوذة والكهانة، فإن الكرامة تجري على أيدي الصالحين وسبيلها الطاعة، أما الشعوذة والكهانة فتجري على أيدي السحرة وسبيلها الكفر والمعصية والعياذ بالله، حتى لا يختلط على الناس معنى الكرامة ومعنى السحر، فإن من الناس من يعمل على يديه أشياء يتضح بها أنه يسحر الناس.
وقد أخبرني أحد الإخوة عن بلدهم يقول: كنت أزور شيخ طريقة، ظناً مني أنه رجلٌ صالح يقربني إلى الله، يقول: فجلسنا عنده من المغرب إلى العشاء، وكان يأمرنا بالأذكار والتسبيح وذكر الله، يقول: ولما حان وقت الصلاة، قال لنا: قوموا صلوا، فقلت أنا -وأنا جديد على الجلسة، يقول ما أعرف آداب المريد ولا آداب التابع للشيخ- وأنت يا شيخ! لماذا لا تصلي؟ قال: أنا أصلي في الحرم، وهو في بلد بعيد بينه وبين المسجد الحرام ألفا كيلو تقريباً، يقول: فقمنا وذهبنا نصلي، يقول: لم يدخل في عقلي أنه يصلي في الحرم، كيف يصلي بالحرم وهو في الغرفة؟ يقول: فلما أقيمت الصلاة وأنا في المسجد خرجت من الصف وذهبت إلى بيت الشيخ، أريد أن أرى كيف يصلي في الحرم، يقول: فجئت وهو مقفلٌ على نفسه الباب، والباب خشب لكن فيه شقوق في الطول، فنظرت وإذا بالرجل راقد لا يصلي.
فهو أصلاً يعرف أنه ليس له صلاة، هو ضال، ولكن يضحك على هؤلاء بأنه يصلي في الحرم، هذا من الضلال، فإذا رجعوا إليه قالوا: أين صليت؟ قال: صليت في الحرم، هذه كرامة لي، وهذه ليست بكرامة وإنما ضلالة والعياذ بالله.
стр. 800
الاعتماد في التشريع على الكتاب والسنة وفق فهم السلف
ومن أصول أهل السنة والجماعة: أنهم يستدلون بالكتاب والسنّة، واتباع ما كان عليه أصحاب النبي ﷺ ، فلا يستدلون بالآراء ولا بكلام العلماء، إلا إذا كان كلام العلماء مقتبساً ومستنداً إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
ولذا سُمُّوا أهل السنة والجماعة؛ لأنهم مجتمعون على كتاب الله وعلى سنة رسول الله ﷺ .
ولا يعتقدون العصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ ، بل عقيدتهم: أن العصمة لرسول الله، وأن كل من بعده قد يخطئ، حتى الصحابة قد يخطئون؛ لأنهم بشر غير معصومين.
وأيضاً: لا نتعصب إلا للحق، ونعتقد أن المجتهد يصيب ويخطئ، وأنه إذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر الاجتهاد وليس عليه ذنب الخطأ، وأن الاجتهاد لا يزال مسموحاً به ومفتوحاً لمن توفرت فيه شروط الاجتهاد إلى يوم القيامة.
ويعتقد أهل السنّة والجماعة أن الاختلاف وارد، لأن الناس ليسوا متساوين جميعاً في الفهم، فالله خلق الناس مختلفين: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩] ولكن هذا الخلاف لا يفسد للود قضية، ولا يُوجِد بين المؤمنين عداوة، بل يحب بعضهم بعضاً، ويوالي بعضهم بعضاً، ويصلي بعضهم خلف بعض، ويلتمس مصيبهم لمخطئهم العذر، مع اختلافهم في المسائل الفرعية التي هي محل نظر واجتهاد، فإذا أخطأ واحد منهم يأتون إليه وينصحونه ويصححون خطأه، ولا يلتقطون هذا الخطأ عليه ويفسقونه ويبدعونه به، ويخرجونه من الملة، ويحذرون الناس منه، لا.
بل يصححون خطأه ويعتذرون له، ويدعون له.
يقول الشافعي رحمة الله عليه: كلامنا صواب يحتمل الخطأ، وكلام غيرنا خطأ يحتمل الصواب.
انظروا كيف أدبهم رحمة الله عليهم، يقول: كلامي صواب، ما أعتقد إلا الصواب، لكنه يحتمل الخطأ، وكلام خصمي خطأ ولو أعرف أنه صواب لاتبعته لكن يحتمل أن يكون صواباً، لكن أين الكلام الصواب الذي لا يحتمل الخطأ؟ إنه كلام الله وكلام رسوله ﵌، أما ما دمنا بشراً فإن كلامنا مهما كان صواباً فإن احتمال وقوع الخطأ فيه وارد، وهذا مذهبهم رحمة الله تعالى عليهم.
стр. 801
تعظيم شعائر الله
وأخيراً من أصول أهل السنة والجماعة: أنهم يحافظون على إقامة شعائر الإسلام، خصوصاً الصلاة في جماعة المسلمين، وينصحون لكل مسلم وخصوصاً ولاة الأمر لأن (الدين النصيحة قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم) والحديث في مسلم.
ويتعاونون على البر والتقوى ويصبرون عند البلاء، ويشكرون عند الرخاء، ويرضون بمر القضاء، ويتحلون بمكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، مثل: بر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي والظلم؛ لأن (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقا).
هذا معتقد أهل السنّة والجماعة.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا وإياكم من هذه الفرقة الناجية، وأن يثبتنا جميعاً عليها إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 802
خروج المرأة أحكام وضوابط وآداب
السؤال
ما هي ضوابط وآداب خروج المرأة المسلمة من بيتها؟
الجواب
الأصل في المرأة المسلمة أن تستقر في بيتها، وتمضي معظم عمرها في بيتها؛ لأن بيتها عرشها، ومكان عزها وسترها، ولا يستطيع الشيطان أن يتسلط عليها ما دامت في بيتها، لكن إذا خرجت جاء في الحديث: (إذا خرجت المرأة من بيتها استشرفها الشيطان) يعني: استفزها، وقال ﵊: (إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان) والله أمر المرأة بأن تستقر، قال : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] فعلى المرأة المؤمنة أن تربي نفسها على هذا الطبع، وأن تَلزم البيت باستمرار، وتستطيع المرأة أن تعرف هل هي مؤمنة أم غير مؤمنة عن طريق عرضها على حب البيت وعدم حبه، فإن كانت تألف البيت وتحبه ولا تحب الخروج منه إلا مغصوبة وكارهة فهي مؤمنة، أما التي تضيق في البيت، ولا ترتاح إلا إذا أخذت عباءتها وخرجت، فهذه ليست بمؤمنة، هذه تعرِّض نفسها للفتنة، وعليها أن تتوب إلى الله ، هذا الأصل.
لكن هل يجوز الخروج؟ نعم يجوز الخروج في حالات، منها: الخروج للصلاة، وخصوصاً إذا كان هناك مصلحة علمية كحضور درس -مثل هذا الدرس- أو حضور صلاة تراويح في رمضان، إذا كانت المرأة في بيتها لم تصلِّ التراويح كما ينبغي، يشغلها أطفالها في البيت، لكن في المسجد تصلي صلاة كاملة، أو حضور صلاة الجمعة مع أنها لا تجب عليها، لكن لو حضرتها أجزأتها من أجل أن تسمع الخطبة، أو حضور صلاة العيدين، تقول أم عطية: [كنا نُخرج الحُيَّض وذوات الخدور يشهدن الخير ودعوة المسلمين] فيجوز في هذه الأمور، أيضاً أن تخرج إلى العمل إذا كان عملها مباحاً -مثل: التعليم، ففيه مصلحة لبنات المسلمين- وهي ملتزمة ومتدينة، فيحصل على يديها خير من تعليم بنات المسلمين، أو الخروج لزيارة رحم أو قريب، أو عيادة مريض، أو زيارة جار، وفي أضيق الظروف هذا يجوز كله، لكن بآداب شرعية أذكرها لكم وهي خمسة آداب: الأدب الأول: ما يتعلق باللباس، أن يكون لباسها ساتراً لها من أخمص قدميها إلى مشاش رأسها، لا يبدو منها شعرة ولا ظفر ولا إصبع، ولا يد، ولا رجل، ولا شعر، ولا شيء حتى الأيدي مُلبسة حتى الأقدام عليها جوارب أسود، ويكون هذا الستار نفسه غير ملفت للنظر؛ لأن بعض العباءات الآن مزينة بحيث تحتاج المرأة إذا لبستها أن تلبس عليها عباءة ثانية؛ لأنها مطرزة، أو موشاة بالقصب (الذهب)، أو بالفضة، والقصد من العباءة الستر، فإذا كانت العباءة فاضحة؛ فإنها تستتر عليها بعباءة ثانية لكي تستر نفسها.
هذا أول شرط من شروط اللباس.
الشرط الثاني: أن يكون هذا اللباس هادئاً غير ملون، وغير ملفت للنظر، ليس مزركشاً، حتى ولو كان تحت العباءة، فتلبس لوناً واحداً رمادياً أو بنياً أو أي لون هادئ ليس مزركشاً ولا ملفتاً للنظر؛ لأن هذه الألوان تثير الغرائز، أنت إذا رأيت لوناً مزركشاً ملفتاً للنظر يستثيرك، أما إذا كان لوناً عادياً هادئاً فإنه لا يكون هناك إثارة، هذا المطلوب في ثوب المرأة الذي تخرج به إلى تلك التجمعات، وعليها أن تدع الثوب المزركش والجميل للزوج في البيت، وهو المطلوب من المرأة؛ لأن بعض النساء تلبس في البيت أسوأ الثياب، تطبخ وتكنس وتغسل تعمل كل ذلك في ثوب واحد، فإذا دخل زوجها يراها في ثوبها فكأنها قردة والعياذ بالله، فإذا أرادت أن تخرج تلبس الثياب الجميلة للشارع وللزيارات، والثياب السيئة للبيت، فإذا دخل وراءها كأنها شيطانة، فيكرهها ويخرج إلى الخارج يبحث عن المتزينة، لكن لو أنه كلما دخل وإذا بها في لون جديد، وكل يوم وهي في ثوب، فسيرى أنها أجمل امرأة في الدنيا، وإذا خرجت تلبس الثوب السيئ الذي لا يلفت أنظار الناس إليها، هذا الشرط الثاني من آداب اللباس.
الشرط الثالث: أن يكون سميكاً أي: يكون هذا الثوب متيناً سميكاً، ليس بشفاف ولا يصف؛ لأن بعض الثياب ترى الجلد وراءه، فهي كاسية عارية، فلا يجوز أن يكون الثوب إلا سميكاً لا يشف ولا يصف.
الشرط الرابع: أن يكون واسعاً فضفاضاً مثل الخيمة، عباءة كاملة، ويدخل في هذا التحريم (الكاب) الذي تلبسه النساء الآن، هذا (الكاب) ليس عباءةً ولا ستاراً، ولا يكفي للحجاب، بل لا بد من العباءة، لأن (الكاب) يُظهر رقبة المرأة ورأسها ويظهر أثداءها ويظهر أكتافها، ويظهر أردافها، وبالتالي كأنها لابسة ثوباً معتاداً لا حجاباً، لكن إذا لبست عباءة فإن العباءة تنزل من الرأس على الجسم بشكل هرمي فتخفي جميع تقاسيم المرأة ومحاسنها.
وفي هذا فتوى من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز أنَّ لبس (الكاب) غير جائز للمرأة المسلمة إذا أرادت أن تخرج به وينبغي أن تلبس العباءة الساترة.
أيضاً من شروط اللباس: ألا يكون فيه تشبه بالكافرات، مثل لبس القصير، فإن هذا مما اختص به نساء أهل الكفر، فلا ينبغي للمرأة أن تتشبه بهم؛ لأن (من تشبه بقوم فهو منهم).
ولا أن يكون فيه تشبه بالرجال، مثل لبس البنطال، الآن نعرف أن بعض النساء بدأت تلبس بنطالاً، كأنها رجل، وهذا من التشبه بالرجال، والنبي ﷺ يقول: (لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال، ولعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء) هذا الأدب الأول في اللباس.
الأدب الثاني ويتعلق بالعطر: إذ يحرم على المرأة أن تتعطر ثم تخرج، والعطر إما أن يكون في ثيابها من السابق أو أخذته في نفس الوقت إذا خرجت؛ لأن بعض النساء لا تتعطر في ذاك الوقت ولكن تخرج وثيابها معطرة، فإذا قيل: في ثوبك عطر، قالت: لا.
هو فيه منذ زمن، ولو كان فيه منذ زمن، دعي الثياب التي فيها العطر، وخذي الثياب غير المعطرة، لما روى الإمام أحمد في المسند أنه ﷺ قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تفلات) وتفلة يعني: غير متعطرة، رائحتها رائحة عادية، ليس فيها أي شيء مُلفت للنظر؛ لأن العطر يثير غريزة الرجل، فإذا مرت من عنده وفيها رائحة فإنها تفتنه، وروى الإمام أحمد ومسلم -أيضاً- أن النبي ﵌ قال: (أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد الصلاة معنا) فمنعها الرسول ﷺ من دخول المسجد إذا كانت رائحتها بخور.
وفي مسند أحمد وفي السنن الأربعة إلا ابن ماجة -وهو صحيح- قال: (أيما امرأة استعطرت في بيتها ثم خرجت فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية) وهذا وعيد شديد، حتى ولو خرجت إلى بيت الله ﵎.
الأدب الثالث فيما يتعلق بالخروج: وفيه أن تتصف المرأة بصفة الحياء، فالحياء قرين الإيمان، فإذا نزع الحياء نزع الإيمان، وأكثر ما ينبغي أن تكون عليه المرأة حياءً إذا خرجت من بيتها، ويكون هذا بأمرين: فالحياء يظهر في صورتين: الصورة الأولى: أن لا تمشي في وسط الطريق، إذا خرجت فعليها أن تمشي في الطرف، لا تمشي في الطريق كأنها عسكري أو رجل، وإنما تمشي في طرف الطريق، حتى إذا تعرضت للفتنة تتعرض من جانب واحد فقط، والجانب الآخر هو الجدار، لكن عندما تمشي في الوسط، فإن الذين على جنبات الطريق ينظرون إليها ويفتنونها وتفتنهم، وهذا فيه حديث صحيح، يقول ﵊: (يا معشر النساء! استأخرن والزمن حافة الطريق) فلا ينبغي أن تمشي المرأة إلا في حافة الطريق، هذا الأدب الأول في الحياء.
يثني الله على المرأة التي دعت موسى ﵇: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص:٢٥].
الصورة الثانية: أن تغض طرفها وأن ترخي رأسها وأن لا تلتفت يميناً ولا شمالاً؛ لأنها إذا تلفتت فإن في هذا إشارة مرور من الشيطان أنها ما التفتت إلا تريد شيئاً، وإلا لماذا التفتت! فليس هناك إلا الأمام فقط وعلى الأرض، لا ترفع رأسها ولا تلتفت، وتغض بصرها لأن الشرع نهى المرأة عن النظر إلى الرجال كما نهى الرجال عن النظر إلى النساء، والآية في سورة النور، قال الله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] وقال بعدها: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١] فكما أن الرجل مأمور بغض بصره؛ فالمرأة مأمورة بغض بصرها، فلا تقول أنه لا يراها أحد، فهي لا تُرى ولكنها تَرى، والفتنة تقع منكِ وعليكِ -أيضاً- وهناك حديث صحيح رواه الإمام أحمد في المسند ورواه الترمذي وصححه ابن حبان من حديث أم سلمة ﵂ قالت: (كنت عند ميمونة -أمهات المؤمنين- فدخل ابن أم مكتوم الأعمى، فقال النبي ﷺ لهما: احتجبا عنه، قلنا: أوليس أعمى يا رسول الله؟! قال: أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه) فإذا كان الرجل لا يراك لأنه أعمى، فإنك ترينه، فغضي بصرك أيتها المرأة المؤمنة؛ نظراً لأن في غض البصر مصلحة وتنفيذ لآداب الله ﵎، وهذا الأدب الثالث وهو الحياء.
الأدب الرابع: أن تدخل المسجد من باب النساء المخصص لهن، وأن تدخل السوق المخصص للنساء، وأن تشتري السلعة في وقت لا يكون فيه رجال ولا زحام رجال، وألا تتكلم هي إذا دخلت السوق فتشتري وتبيع مع الرجل؛ لأن في بيعها وشرائها فتنة لها وللرجل الذي يبيع ويشتري معها، هذه كلها آداب المرأة.
الأدب الخامس: أن يكون معها محرم إذا خرجت، فلا تخرج لوحدها، فإنها إذا خرجت لوحدها كانت عرضة لسطو المعتدين عليها من الرجال، إما بالكلام أو بالغمز أو بالملاصقة، أو بأي تصرف يكون، لكن إذا رأى الرجل الشرير أن امرأة معها رجل بجانبها فإنه يصرف النظر عنها، ولا يمد يده أو عينه أو يحاول أن يؤذيها بأي أذى، فإذا خرجت إلى المسجد فأنت معها، أو إلى السوق وأنت معها وليس شرطاً أن يكون زوجها، المهم أن يك
стр. 803
التعاون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
السؤال
نرجو توجيه كلمة للذين يجادلون رجال الهيئة ولا يتعاونون معهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الجواب
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مسئولية رجال الهيئة فقط، إنه مسئولية كل مسلم، واسمعوا ماذا يقول الله في سورة آل عمران: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] فالذي لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر كأنه يقول: أنا لست من هذه الأمّة، كأنه ليس من أمة محمد ﷺ ، فقول: ﴿كُنْتُمْ﴾ [آل عمران:١١٠] أي: أنتم كلكم، وليس رجال الهيئة بمفردهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] قدَّم الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان، مع أنه لا يصح الأمر ولا النهي إلا بالإيمان؛ لبيان عظم شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فهي مسئوليتك ومسئوليتي، فإذا وجدتُ رجلاً من رجال الهيئة الذين جعلتهم الدولة مسئولين فوق مسئوليتهم؛ لأنهم مكلفين من قبل الدولة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومسئولين -أيضاً- أمام الله، فإذا وجدتُ رجلاً من رجال الهيئة في السوق أو في أي مكان يأمر وينهى فموقفي أن أساعده، وأقول: نعم.
صدقت! وأتعاون معه ويقوم السوق كله مناصراً لهذا الرجل؛ لأننا أمة الأمر والنهي، أمة الدعوة، أمة النهي عن المنكر، لكن إذا قام رجل الهيئة يتكلم: يا امرأة غضي بصرك، صاح عليه ذاك: ماذا عملت؟ ما لك ولها؟ أعوذ بالله! إذاً أنت تأمر بالمنكر، والله قد ذكر في سورة التوبة أن الذين يأمرون بالمنكر هم المنافقون، يقول الله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٧١]-اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين- حسناً! والذي لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر بل بالعكس قال الله فيه: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧].
فإذا رأيت رجلاً صالحاً من أهل الحسبة ممن كلف بهذا العمل، وهو يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر يجب أن تشد أزره وأن تساعده وتتعاون معه، وتقمع المنكر؛ لأنك إذا قمت بهذا برهنت على أنك مؤمن، أما إذا قمت ضده وساعدت صاحب المنكر عليه فأنت بهذا تُعَدُّ آمراً بالمنكر، وهذه صفة والعياذ بالله من صفات المنافقين.
стр. 804
عقوبة تارك الصلاة
السؤال
ما عقوبة تارك الصلاة والمتهاون فيها بعد النصح والإرشاد؟
الجواب
الناس ثلاثة: تارك بالكلية، فهذا كافر بالإجماع.
والثاني: متهاون يصلي ويترك، أي: في غير جماعة كسلاً فيصلي في البيت، وهذا منافق.
والثالث: مصلٍّ مواظب في جماعة المسلمين وهذا مؤمن.
ذاك تارك الصلاة الأول حكمه وعقوبته: أنه كافر وعليه أن يتوب إلى الله؛ لأنه يلزم من كونه كافراً أن تطبق عليه الأحكام الشرعية السبعة وهي: الأول: أنه لا يُزوَّج مسلمةً لأنه كافر.
الثاني: وإذا كان متزوجاً فإن امرأته تحرم عليه، ولا ينبغي لوليها أن يرضى لها أن تبقى في بيت هذا الرجل، وإذا بقيت هي في بيته فإنما يزني بها، وأولادها منه أولاد سفاح وزنا، لأنها حرمت عليه بمجرد كفره وتركه للصلاة، والله يقول: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠].
الثالث: ثم لا يجوز له دخول مكة لأن مكة بلد محرم مطهر مقدس، أرضه طاهرة لا يجوز أن تطأها إلا قدم مسلم طاهر، أما الكافر فهو نجس، يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨] وإذا دخل مكة وهو لا يصلي نجسها، ووالله إنه أنجس من الكلب، يدخل الكلب ولا يدخل هذا.
الرابع: أنه لا يجوز له أن يذبح ذبيحة، ولا أن تؤكل ذبيحته؛ لأنه إذا ذبح فإن ذبيحته تأكلها الكلاب ولا يأكلها مسلم.
الخامس: أنه لا يرث ولا يورث، لا يَرث إذا مات وليه، ولا يُورث إذا مات، بل ماله لبيت مال المسلمين.
السادس: لا يؤاكل ولا يشارب ولا يُجالس ولا يُسلم عليه، ولا يزار إذا مرض، ولا تتبع جنازته، ولا يُغسل ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين.
السابع: أنه لا يترحم عليه بعد موته، فلا يقال: رحمة الله تعالى عليه؛ لأن الله نهى عن الترحم على الكفار وقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣].
стр. 805
حكم النظر إلى النساء
السؤال
يقول: مشكلتي أنني أنظر إلى النساء منذ زمن بعيد، وكلما أردت التوبة رجعت إليها؟
الجواب
مشكلتك خطيرة، وأنت عبد شهوة، وينبغي لك أن تحارب نفسك، وهذا الموضوع يخصك، فليس هناك أزرار نستطيع أن نركبها في عينك بحيث إذا رأيت امرأة تغلقها، إنما الأزرار في قلبك، أزرار الشعور بأن الله أمرك وقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] واعلم بأن النظر مضرة عليك، وما دمت عاقلاً فلا تتبع نظرك في منظر يضرك، غض بصرك! فإنه أتقى لربك وأهنأ لقلبك، وأكثر راحة لبالك، وأسلم لدينك، أما إطلاق النظر فليس منه مصلحة بأي حال من الأحوال، لأن الله يقول: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] ووالله ليس هناك أهنأ في الدنيا ممن يغض بصره، ولا أتعس وأشقى ممن يطلق بصره؛ لأن الذي يطلق بصره يرى أشكالاً غريبة وعجيبة وبالتالي:
وإنك إن أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظرُ
رأيت الذي لا كله أنت قادرٌ عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ
وطريق السلامة أن تغض بصرك، قد يقول شخص: كيف أغض بصري؟ بالمجاهدة، جاهد! فعينك برأسك ومن الذي سوف يفتح عينك بالقوة، من الذي يفتح عينك ويقول لك انظر؟ الشيطان! الشيطان يأتي إليك ويقول: التفت! هذا منظر جميل؛ لأن بعض الناس يغض عن المناظر العادية، ثم إذا رأى شيئاً باهراً قال: لا يفوتني هذا، لا.
غضك للبصر واجب عن كل منظر، فإذا أتاك هذا الشعور قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
стр. 806
حكم الشدة والعنف عند المصافحة
السؤال
نرجو منك توضيح حكم الشرع في: شخص يصافحني ويشد على يدي ويهز يدي حتى يكاد يخلعها من كتفي أو يكسرها؟
الجواب
لا حول ولا قوة إلا بالله! هذا الذي يشد على يدك ويهزها ينبغي أن لا تعطيه يدك، وإنما تعطيه رجلك لكي يقبضها؛ لأن الإنسان يحتاج إلى تدليك الرجل، وقل له: أما أن أعطيك يدي لكي تحييني فتهز يدي حتى تخلعها من كتفي فلا.
بعضهم إذا كان قوياً يمسكها، فيجمع الأربع الأصابع ثم يضغطها بشدة، فإن قيل له: ما هذا؟ قال: أحبه في الله، هذا ليس حباً في الله، وإنما سوء أدب.
وأيضاً ليس من الأدب أن تعطيه يدك كأنه سارق، بل أعطه بتوسط واعتدال، وشد عليه بلطف وحنان، أما شد العداوة فهذا مخالف لتعاليم الشرع.
السائل: يقول: شخص آخر إذا مددت له يدي صافحني، ولكن يسحب يده مني بسرعة؟ الشيخ: هذا أيضاً من سوء الخلق، وقد لاحظته في بعض الناس، ما إن يعطيك يده إلا ويسحبها، وأنا أحد الناس حياني وعانقني ومد يده، وإذا به بسرعة يسحب يده من يدي، فقلت: ما بك تسحب يدك من يدي، ماذا بك؟ قال: لا شيء، قلت: فلماذا تسحبها بقوة؟ قال: عادة، قلت: بئس العادة! اجعل يدك في يدي حتى أنتهي، ثم مع السلامة، فتسأل عن الحال ثم تفك وأفك، لكن منذ أن تسلم علي تسحب يدك كأني ممسوس، أو كأن يدي ثعبان التف على يدك، أو أن في يدي ناراً أحرقتك، أو نجاسة أصابتك، فإذا كنت لا تريد أن تحييني فلا تحيني أصلاً، فهذا من سوء الأدب من المسلم مع أخيه المسلم.
стр. 807
حكم صلاة الرجل منفرداً خلف الصف
السؤال
أفيدونا أثابكم الله: ما حكم من صلى منفرداً خلف الصف؟
الجواب
هذه المسألة موضوع خلاف بين العلماء، دخل رجل المسجد والصف الأول مكتمل ولم يجد أحداً يصلي معه خلف الصف، وانتظر فما رأى أحداً، فماذا يصنع؟ هذه قضية خلافية: مجموعة من أهل العلم يقولون: ينتظر حتى يأتي شخص آخر، فإذا لم يأت أحد فيبقى واقفاً حتى تنتهي الصلاة، فإذا انتهت الصلاة يقيم الصلاة ويصلي وحده، لماذا؟ قالوا: لحديث: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) وإذا صليت وحدك وكبرت وحدك فالصلاة باطلة؛ لأنك منفرد، وهذا قول طائفة من أهل العلم، ويرى بهذا الرأي شيخنا سماحة الوالد عبد العزيز بن باز.
وقال بعضهم: يسحب شخصاً، وردوا عليه فقالوا: لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ قال: (أتموا الصفوف) وهذا نقص من الصف، وإذا سحبته من الصف الأول نقص أجره لأنه رجع إلى الصف الثاني، ثم لماذا زعزعة الصف؟ فإنك بمجرد أن تسحبه فإن الصف يضطرب لأن الكل يتحرك ليسد الخلل، إذاً لا يصح هذا.
وقال آخرون: يبحث له عن فرجة، بحيث يقارب الصفوف قليلاً ثم يدخل، أو يدخل مع الإمام إن وجد، أو ينتظر إن أمكن، فإن لم يجد فيصلي لوحده خلف الصف، قالوا: لأن حديث المنفرد هذا إنما هو إن صلى وهو يجد فرجة في الصف الذي أمامه، انطلاقاً من الحديث الآخر: (أتموا الصفوف الأول فالأول) وبهذا القول يفتي الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين وشيخه الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمة الله تعالى عليهم، وهو الذي يميل إليه القلب لأن الشرع قد حض على الجماعة، والأدلة قد رغبت في الجماعة، وما دام هذا الشخص دخل المسجد ولم يجد ما يفعل فلا تفوته الجماعة، يصلي وأمره إلى الله والله أعلم.
стр. 808
حكم مسح اليد بعد الأكل بالخبز
السؤال
هناك شاب وجدته في مطعم يأكل ولما انتهى من الأكل مسح يده بقرص العيش؟
الجواب
أعوذ بالله! هذا مما لا يليق بالمسلم، وليس من شكر نعمة الله ؛ لأن هذا العيش وضع للأكل وليس للتمسح، لكن من سوء الأدب مع الله ومن بطر النعمة أصبح الشخص يمسح يده في قرص العيش، فلا ينبغي أن يمسح به، وعليه أن يتوب إلى الله.
والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 809
أسباب تزكية النفس
النفس جزء من الأجزاء الرئيسية التي يتكون منها الإنسان، وهذه الأجزاء الخمسة هي: الجسد، والروح، والنفس، والعقل، والقلب، وقد اهتم الناس بالجزء غير المهم وهو الجسم، أما الأجزاء الرئيسية الأخرى فقد أهملوها، والنفس هي من الأجزاء التي يجب الاعتناء بها وتزكيتها، لأنه ورد في القرآن ذكر النفس وثواب من زكاها، وقد تكلم الشيخ عن الأسباب التي تعين على تزكية النفس.
стр. 810
مكانة الجسد في الإسلام
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الأحبة في الله: النفس جزء من الأجزاء الرئيسية في هذا الإنسان، والإنسان يتكون من خمسة أجزاء رئيسية، ومن المؤسف جداً أن الناس لا يفهمون إلا جزءاً واحداً، وهو الجزء الغير مهم، أما الأجزاء الرئيسية المهمة التي لها أثر في تسيير حياة الإنسان، إما إلى النار وإما إلى الجنة، وإما إلى الهلاك وإما إلى النجاة، وإما إلى السعادة وإما إلى الشقاء، فهي مهملة في حياة الإنسان، ولا يعرف الإنسان إلا الشيء الذي لا يقوم به مدح ولا ذم، ولا يتعلق به نجاة ولا يتعلق به هلاك.
هذه الأجزاء الرئيسية الخمسة أول جزء منها: الجسد: وهذا هو المعروف عند الناس، ولذا يحرص الناس على الجسد حرصاً شديداً، إذا مرض عالجوه، وإذا جاع أطعموه، وإذا عطش سقوه، وإذا برد أدفئوه، وإذا شرب بالحرارة بردوه، وإذا تعب أراحوه، المهم لا يعرفون إلا هذا.
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته أتعبت نفسك فيما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
الجسد ما ورد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ مدح لصاحبه، بل ورد العكس، ورد في مسلم قول الرسول ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم) هذه ليست محل نظر الرب، كون صورتك حسنة، وجسمك متين، أو قوي، أو كبير، أو أبيض، أو جميل، هذه لا تنفع عند الله (ولكن إلى قلوبكم وإلى أعمالكم).
بل عاب الله على المنافقين ضخامة أجسادهم قال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤].
وألغى الإسلام قضية الافتخار والاعتداد بالأجسام والألوان، والأعراق والأنساب، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣] والتقوى عمل قلبي، وعمل نفسي، وليست عملاً جسدياً.
ولهذا النبي ﷺ عندما جاء على مجتمع لا يقيم اعتباره إلا لهذه الأشياء، أعلن الوحدة للجنس البشري، وحطم هذه المعايير، وأقام المعيار الصحيح وهو التقوى، حتى انتشر هذا المفهوم في المجتمع الذي لم يكن يقبله ولا يمكن أن يقبله، لكن قوة التأثير -تأثير العقيدة- في تحويل النفوس البشرية أزاحته حتى جعلت عمر بن الخطاب وهو القرشي المخزومي يقول: [أبو بكر سيدنا أعتق بلالاً سيدنا] سيد من بلال وهو عبد حبشي؟! يباع بيع الرقيق، اشتراه أبو بكر وأعتقه، صار سيداً لـ عمر، بِمَ ساده؟! بالجسد! باللون الأسود! بالشعر المحبب! لا.
لكن بالإيمان العميق، بالنفس المشرقة، بالقلب المنير، يقول فيه النبي ﷺ : (إيه يا بلال! والذي نفسي بيده، إني لأسمع قرع نعليك في الجنة- بلال عبد حبشي، لكن رسول الله يسمع قرع نعاله في الجنة، وهو في الدنيا حي- فماذا تصنع يا بلال؟ قال: لا شيء يا رسول الله غير أني كلما أحدثت توضأت، وكلما توضأت صليت لله ركعتين).
عبد في الأرض، لكن له ذكر في السماء له عمل دائماً على طهارة، دائماً في نظافة وفي تزكية، وكلما تطهر، صلى ركعتين، يصل الأمر بالسماء في كل لحظة وفي كل حين.
وابن مسعود الهذلي راع من رعاة مكة، وليس له قيمة عند الناس، أمسك بأذنه أبو جهل لما سمع أنه أسلم، وكاد أن يقطعها من رأسه، وقال: صبأت يا رويعي الغنم، يقول: [فما رددت عليه، لا أقدر أن أقول شيئاً، ولو قال شيئاً لقتله، يقول: ثم أخذني وسحبني إلى الجدار، وأخرج مسماراً من جيبه، ودق أذني في الجدار، وعلقني بمسمعي في الجدار.
يقول: وسال الدم، ومر الصبيان يضحكون عليَّ ولا أحد يستطيع أن يفكني، حتى مر أبو بكر ﵁ ففكني ونزع المسمار والدم يسيل من أذني].
وتمر الأيام، وفي المدينة يصعد ابن مسعود إلى شجرة من أجل أن يأخذ سواكاً لرسول الله ﷺ فتهب الريح فتكشف عن ساقيه وكانتا دقيقتين، وكان جسمه قصيراً من أصغر الصحابة، فضحك بعض الصحابة وتبسم النبي ﷺ من دقة ساقيه، وقال: (أتعجبون من دقة ساقي ابن مسعود؟ والذي نفس محمد بيده لهما في الميزان عند الله أثقل من جبل أحد) هاتان ساقان دقيقتان، لكنهما تحملان قلباً قوياً.
وبعض الناس ساقه مثل ساق الحمار لكنها لا تنفعه، وبعض الناس ساقه مثل ساق البغل لكنها لا توقظه للصلاة، يصول ويجول في الملعب وإذا جاء وقت الصلاة نام فلا يقوم، هاتان الساقان إلى النار، هذا جسم -والعياذ بالله- إلى جهنم، هذا نجم لكن حقه الرجم، هذا بطل لكنها بطل إلى النار.
إن البطولة والنجومية والرفعة في أن تملأ هذا القلب بمفاهيم الكتاب والسنة، وتملأ هذا القلب بالإيمان، ثم تترجم هذه المفاهيم في سلوك وعمل واستقامة وعبادة ودعوة، وفي خير للناس وللأمة وللمجتمع.
وتدور الأيام دورتها، وتأتي معركة بدر، ويخرج ابن مسعود مقاتلاً في جيش الإسلام، وما مر آخر اليوم إلا وأبو جهل يتشحط في دمه، قد ضربه معاذ ومعوذ ابني عفراء، بضربتين مختلفتين، لكنه لم يمت، ما زال يلفظ أنفاسه، وإذا به يئن من الموت الذي في بطنه، فقد قطعوا بطنه بالسيوف، فقام ابن مسعود على صدره، وأخرج سيفه وأمسك بلحيته، فقال له أبو جهل: لقد ارتقيت مرتقىً صعباً يا رويعي الغنم، يقول: صعدت على مكان لا أحد يصعد عليه -على صدره- قال: فإذا قطعت رأسي فأطل عنقي، أي: لا تقطعني من أعلى الرقبة، اقطعني من أسفل الرقبة، حتى يكون الرأس كبيراً بالرقبة يريد أن يكون رأسه كبيراً حتى وهو ميت، انظروا الكبرياء والأنفة -والعياذ بالله- الغطرسة حتى في الموت، فقام وجز رأسه ثم سحب رأسه يريد أن يذهب به إلى النبي ﷺ ليخبره بموت عدو الله -فرعون هذه الأمة- فما استطاع أن يحمله؛ لأن ابن مسعود رجل صغير، والرأس هذا رأس ثور -رأس كبير- لا يحمله إلا اثنان من الرجال، فقام وأخرج السيف وخرم في مسمع أبي جهل وربطه بحبل، وأخذ يدهد رأسه وراءه، حتى رأى النبي ﷺ وهو جالس في السقيفة في العريش، ولما رأى الرأس قال: (ما هذا يا ابن مسعود؟! قال: هذا رأس عدو الله أبو جهل، قال: يا ابن مسعود! الأذن بالأذن، والرأس زيادة).
أي: مسمع في مكة بمسمع هنا، والرأس مكسب؟ خرم أذنك وأنت خرمت أذنه والله أعطاك رأسه فوق هذا، هذا ابن مسعود دقيق الساقين، والجسد لا يعمل على خدمته إلا بمقدار ضرورته، لا نقول: لا تخدم الجسم، لا.
اخدم الجسم، أنت مأمور بهذا، أنك إذا مرضت تتعالج، وإذا جعت تأكل، هذا من الدين، لكن ركز على الأجزاء المهمة فيك.
следующие страницы →