← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

حكم الشدة والعنف عند المصافحة السؤال نرجو منك توضيح حكم الشرع في: شخص يصافحني ويشد على يدي ويهز يدي حتى يكاد يخلعها من كتفي أو يكسرها؟ الجواب لا حول ولا قوة إلا بالله! هذا الذي يشد على يدك ويهزها ينبغي أن لا تعطيه يدك، وإنما تعطيه رجلك لكي يقبضها؛ لأن الإنسان يحتاج إلى تدليك الرجل، وقل له: أما أن أعطيك يدي لكي تحييني فتهز يدي حتى تخلعها من كتفي فلا. بعضهم إذا كان قوياً يمسكها، فيجمع الأربع الأصابع ثم يضغطها بشدة، فإن قيل له: ما هذا؟ قال: أحبه في الله، هذا ليس حباً في الله، وإنما سوء أدب. وأيضاً ليس من الأدب أن تعطيه يدك كأنه سارق، بل أعطه بتوسط واعتدال، وشد عليه بلطف وحنان، أما شد العداوة فهذا مخالف لتعاليم الشرع. السائل: يقول: شخص آخر إذا مددت له يدي صافحني، ولكن يسحب يده مني بسرعة؟ الشيخ: هذا أيضاً من سوء الخلق، وقد لاحظته في بعض الناس، ما إن يعطيك يده إلا ويسحبها، وأنا أحد الناس حياني وعانقني ومد يده، وإذا به بسرعة يسحب يده من يدي، فقلت: ما بك تسحب يدك من يدي، ماذا بك؟ قال: لا شيء، قلت: فلماذا تسحبها بقوة؟ قال: عادة، قلت: بئس العادة! اجعل يدك في يدي حتى أنتهي، ثم مع السلامة، فتسأل عن الحال ثم تفك وأفك، لكن منذ أن تسلم علي تسحب يدك كأني ممسوس، أو كأن يدي ثعبان التف على يدك، أو أن في يدي ناراً أحرقتك، أو نجاسة أصابتك، فإذا كنت لا تريد أن تحييني فلا تحيني أصلاً، فهذا من سوء الأدب من المسلم مع أخيه المسلم.

стр. 807

حكم صلاة الرجل منفرداً خلف الصف السؤال أفيدونا أثابكم الله: ما حكم من صلى منفرداً خلف الصف؟ الجواب هذه المسألة موضوع خلاف بين العلماء، دخل رجل المسجد والصف الأول مكتمل ولم يجد أحداً يصلي معه خلف الصف، وانتظر فما رأى أحداً، فماذا يصنع؟ هذه قضية خلافية: مجموعة من أهل العلم يقولون: ينتظر حتى يأتي شخص آخر، فإذا لم يأت أحد فيبقى واقفاً حتى تنتهي الصلاة، فإذا انتهت الصلاة يقيم الصلاة ويصلي وحده، لماذا؟ قالوا: لحديث: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) وإذا صليت وحدك وكبرت وحدك فالصلاة باطلة؛ لأنك منفرد، وهذا قول طائفة من أهل العلم، ويرى بهذا الرأي شيخنا سماحة الوالد عبد العزيز بن باز. وقال بعضهم: يسحب شخصاً، وردوا عليه فقالوا: لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ قال: (أتموا الصفوف) وهذا نقص من الصف، وإذا سحبته من الصف الأول نقص أجره لأنه رجع إلى الصف الثاني، ثم لماذا زعزعة الصف؟ فإنك بمجرد أن تسحبه فإن الصف يضطرب لأن الكل يتحرك ليسد الخلل، إذاً لا يصح هذا. وقال آخرون: يبحث له عن فرجة، بحيث يقارب الصفوف قليلاً ثم يدخل، أو يدخل مع الإمام إن وجد، أو ينتظر إن أمكن، فإن لم يجد فيصلي لوحده خلف الصف، قالوا: لأن حديث المنفرد هذا إنما هو إن صلى وهو يجد فرجة في الصف الذي أمامه، انطلاقاً من الحديث الآخر: (أتموا الصفوف الأول فالأول) وبهذا القول يفتي الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين وشيخه الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمة الله تعالى عليهم، وهو الذي يميل إليه القلب لأن الشرع قد حض على الجماعة، والأدلة قد رغبت في الجماعة، وما دام هذا الشخص دخل المسجد ولم يجد ما يفعل فلا تفوته الجماعة، يصلي وأمره إلى الله والله أعلم.

стр. 808

حكم مسح اليد بعد الأكل بالخبز السؤال هناك شاب وجدته في مطعم يأكل ولما انتهى من الأكل مسح يده بقرص العيش؟ الجواب أعوذ بالله! هذا مما لا يليق بالمسلم، وليس من شكر نعمة الله ؛ لأن هذا العيش وضع للأكل وليس للتمسح، لكن من سوء الأدب مع الله ومن بطر النعمة أصبح الشخص يمسح يده في قرص العيش، فلا ينبغي أن يمسح به، وعليه أن يتوب إلى الله. والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 809

أسباب تزكية النفس النفس جزء من الأجزاء الرئيسية التي يتكون منها الإنسان، وهذه الأجزاء الخمسة هي: الجسد، والروح، والنفس، والعقل، والقلب، وقد اهتم الناس بالجزء غير المهم وهو الجسم، أما الأجزاء الرئيسية الأخرى فقد أهملوها، والنفس هي من الأجزاء التي يجب الاعتناء بها وتزكيتها، لأنه ورد في القرآن ذكر النفس وثواب من زكاها، وقد تكلم الشيخ عن الأسباب التي تعين على تزكية النفس.

стр. 810

مكانة الجسد في الإسلام الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أيها الأحبة في الله: النفس جزء من الأجزاء الرئيسية في هذا الإنسان، والإنسان يتكون من خمسة أجزاء رئيسية، ومن المؤسف جداً أن الناس لا يفهمون إلا جزءاً واحداً، وهو الجزء الغير مهم، أما الأجزاء الرئيسية المهمة التي لها أثر في تسيير حياة الإنسان، إما إلى النار وإما إلى الجنة، وإما إلى الهلاك وإما إلى النجاة، وإما إلى السعادة وإما إلى الشقاء، فهي مهملة في حياة الإنسان، ولا يعرف الإنسان إلا الشيء الذي لا يقوم به مدح ولا ذم، ولا يتعلق به نجاة ولا يتعلق به هلاك. هذه الأجزاء الرئيسية الخمسة أول جزء منها: الجسد: وهذا هو المعروف عند الناس، ولذا يحرص الناس على الجسد حرصاً شديداً، إذا مرض عالجوه، وإذا جاع أطعموه، وإذا عطش سقوه، وإذا برد أدفئوه، وإذا شرب بالحرارة بردوه، وإذا تعب أراحوه، المهم لا يعرفون إلا هذا. يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته أتعبت نفسك فيما فيه خسران أقبل على الروح واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسان الجسد ما ورد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ مدح لصاحبه، بل ورد العكس، ورد في مسلم قول الرسول ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم) هذه ليست محل نظر الرب، كون صورتك حسنة، وجسمك متين، أو قوي، أو كبير، أو أبيض، أو جميل، هذه لا تنفع عند الله (ولكن إلى قلوبكم وإلى أعمالكم). بل عاب الله على المنافقين ضخامة أجسادهم قال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤]. وألغى الإسلام قضية الافتخار والاعتداد بالأجسام والألوان، والأعراق والأنساب، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣] والتقوى عمل قلبي، وعمل نفسي، وليست عملاً جسدياً. ولهذا النبي ﷺ عندما جاء على مجتمع لا يقيم اعتباره إلا لهذه الأشياء، أعلن الوحدة للجنس البشري، وحطم هذه المعايير، وأقام المعيار الصحيح وهو التقوى، حتى انتشر هذا المفهوم في المجتمع الذي لم يكن يقبله ولا يمكن أن يقبله، لكن قوة التأثير -تأثير العقيدة- في تحويل النفوس البشرية أزاحته حتى جعلت عمر بن الخطاب وهو القرشي المخزومي يقول: [أبو بكر سيدنا أعتق بلالاً سيدنا] سيد من بلال وهو عبد حبشي؟! يباع بيع الرقيق، اشتراه أبو بكر وأعتقه، صار سيداً لـ عمر، بِمَ ساده؟! بالجسد! باللون الأسود! بالشعر المحبب! لا. لكن بالإيمان العميق، بالنفس المشرقة، بالقلب المنير، يقول فيه النبي ﷺ : (إيه يا بلال! والذي نفسي بيده، إني لأسمع قرع نعليك في الجنة- بلال عبد حبشي، لكن رسول الله يسمع قرع نعاله في الجنة، وهو في الدنيا حي- فماذا تصنع يا بلال؟ قال: لا شيء يا رسول الله غير أني كلما أحدثت توضأت، وكلما توضأت صليت لله ركعتين). عبد في الأرض، لكن له ذكر في السماء له عمل دائماً على طهارة، دائماً في نظافة وفي تزكية، وكلما تطهر، صلى ركعتين، يصل الأمر بالسماء في كل لحظة وفي كل حين. وابن مسعود الهذلي راع من رعاة مكة، وليس له قيمة عند الناس، أمسك بأذنه أبو جهل لما سمع أنه أسلم، وكاد أن يقطعها من رأسه، وقال: صبأت يا رويعي الغنم، يقول: [فما رددت عليه، لا أقدر أن أقول شيئاً، ولو قال شيئاً لقتله، يقول: ثم أخذني وسحبني إلى الجدار، وأخرج مسماراً من جيبه، ودق أذني في الجدار، وعلقني بمسمعي في الجدار. يقول: وسال الدم، ومر الصبيان يضحكون عليَّ ولا أحد يستطيع أن يفكني، حتى مر أبو بكر ﵁ ففكني ونزع المسمار والدم يسيل من أذني]. وتمر الأيام، وفي المدينة يصعد ابن مسعود إلى شجرة من أجل أن يأخذ سواكاً لرسول الله ﷺ فتهب الريح فتكشف عن ساقيه وكانتا دقيقتين، وكان جسمه قصيراً من أصغر الصحابة، فضحك بعض الصحابة وتبسم النبي ﷺ من دقة ساقيه، وقال: (أتعجبون من دقة ساقي ابن مسعود؟ والذي نفس محمد بيده لهما في الميزان عند الله أثقل من جبل أحد) هاتان ساقان دقيقتان، لكنهما تحملان قلباً قوياً. وبعض الناس ساقه مثل ساق الحمار لكنها لا تنفعه، وبعض الناس ساقه مثل ساق البغل لكنها لا توقظه للصلاة، يصول ويجول في الملعب وإذا جاء وقت الصلاة نام فلا يقوم، هاتان الساقان إلى النار، هذا جسم -والعياذ بالله- إلى جهنم، هذا نجم لكن حقه الرجم، هذا بطل لكنها بطل إلى النار. إن البطولة والنجومية والرفعة في أن تملأ هذا القلب بمفاهيم الكتاب والسنة، وتملأ هذا القلب بالإيمان، ثم تترجم هذه المفاهيم في سلوك وعمل واستقامة وعبادة ودعوة، وفي خير للناس وللأمة وللمجتمع. وتدور الأيام دورتها، وتأتي معركة بدر، ويخرج ابن مسعود مقاتلاً في جيش الإسلام، وما مر آخر اليوم إلا وأبو جهل يتشحط في دمه، قد ضربه معاذ ومعوذ ابني عفراء، بضربتين مختلفتين، لكنه لم يمت، ما زال يلفظ أنفاسه، وإذا به يئن من الموت الذي في بطنه، فقد قطعوا بطنه بالسيوف، فقام ابن مسعود على صدره، وأخرج سيفه وأمسك بلحيته، فقال له أبو جهل: لقد ارتقيت مرتقىً صعباً يا رويعي الغنم، يقول: صعدت على مكان لا أحد يصعد عليه -على صدره- قال: فإذا قطعت رأسي فأطل عنقي، أي: لا تقطعني من أعلى الرقبة، اقطعني من أسفل الرقبة، حتى يكون الرأس كبيراً بالرقبة يريد أن يكون رأسه كبيراً حتى وهو ميت، انظروا الكبرياء والأنفة -والعياذ بالله- الغطرسة حتى في الموت، فقام وجز رأسه ثم سحب رأسه يريد أن يذهب به إلى النبي ﷺ ليخبره بموت عدو الله -فرعون هذه الأمة- فما استطاع أن يحمله؛ لأن ابن مسعود رجل صغير، والرأس هذا رأس ثور -رأس كبير- لا يحمله إلا اثنان من الرجال، فقام وأخرج السيف وخرم في مسمع أبي جهل وربطه بحبل، وأخذ يدهد رأسه وراءه، حتى رأى النبي ﷺ وهو جالس في السقيفة في العريش، ولما رأى الرأس قال: (ما هذا يا ابن مسعود؟! قال: هذا رأس عدو الله أبو جهل، قال: يا ابن مسعود! الأذن بالأذن، والرأس زيادة). أي: مسمع في مكة بمسمع هنا، والرأس مكسب؟ خرم أذنك وأنت خرمت أذنه والله أعطاك رأسه فوق هذا، هذا ابن مسعود دقيق الساقين، والجسد لا يعمل على خدمته إلا بمقدار ضرورته، لا نقول: لا تخدم الجسم، لا. اخدم الجسم، أنت مأمور بهذا، أنك إذا مرضت تتعالج، وإذا جعت تأكل، هذا من الدين، لكن ركز على الأجزاء المهمة فيك.

стр. 811

أهمية الروح في الحياة الجزء الثاني: الروح، والمقام ليس مقام تفصيل في هذه الأشياء؛ لأن الموضوع آخر، والروح هذه سر من أسرار الله لا يعلمه البشر: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] ولا تعرف البشرية من أمر الروح شيئاً، إلا أنها تصعد، قال ﵊: (أول ما يتبع الروح البصر). ولهذا ترى الميت إذا خرجت روحه يشخص بصره، فمن السنة أن تغمض بصره، هذه أوصاف ثبتت بالسنة، لكن كنه الروح وحقيقة الروح، إذا نمت أين تذهب روحك؟ الروح في جسدك ملازمة لك مثل الكهرباء في هذا الجهاز الذي تشغله، إذا لم توجد كهرباء لا يشتغل الجهاز. جسدك إذا لم تكن فيه روح لا يشتغل، الجهاز البصري موجود، لكن إذا خرجت الروح هل تشتغل العين، العين هي التي ترى، لكن المشغل للعين: والروح إذا مات الإنسان عينه موجودة لكنه لا يرى، وأذانه موجودة لكنه لا يسمع، وأنفه موجود -جهاز الشم- لكنه لا يشم، وقلبه موجود -جهاز ضخ الدم- لكنه لا يعمل. ولهذا الآن في عمليات زرع الأعضاء، إذا مات الإنسان أخذوا قلبه ووضعوه في وحدة ثانية، ويشتغل قلبه، لماذا يشتغل هنا ولا يشتغل هناك؟ لأن المشغل هناك موجود وهو الروح، إذاً الحياة أين هي؟ في القلب، أو في الرئة، أو في الكبد، أو في الكلى، أو في الجسد كله؟ الحياة بالروح، ما هي الروح؟ سلوا البشر الآن في جامعات الطب، وفي أشهر مستشفيات الدنيا، وتحت المجاهر، تعرفون الروح؟ قالوا: لا. ولو أن الروح شيء يمكن الوصول إليه لكان الناس قد وصلوا إليه؛ لأنهم قد وصلوا إلى ما لا يمكن أن يوصل إليه، اكتشفوا الفيروسات والجراثيم عبر (مكرسكوب إلكتروني) وفيه راديو بالموجات، يكبر، أنا رأيت بعيني في أحد المستشفيات عبر مكبر يكبر ثلاثة مليون مرة، أي: الملي يجعله ثلاثة كيلو، ووضع أمامي الأخ شريحة عليها عينة بسيطة، وإذا بعالم من الجراثيم لا يعلمه إلا الله، فلو أن الروح يمكن أن ترى أو أن تكشف، لكان الإنسان قد اكتشفها، ولكن قال الله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥]. وقد قرأت في بعض المجلات أن عالماً من علماء الغرب، أجرى تجربة على حياة إنسان يلفظ أنفاسه، ووضعه في صندوق زجاجي وأجرى له وسائل الحياة وجعل يرصد حركته بحيث يعرف أين تذهب الروح، والأجهزة تعمل، وتخرج الروح ولا يدري أين ذهبت، أنت الآن إذا أتيت تنام، تموت وتخرج روحك، لكنها موتة صغرى، يقول الله : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢] أي: التي لم تمت يتوفاها وسمّاها الله وفاة، يتوفاها في منامها: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ [الزمر:٤٢]. أي: التي في النوم ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ [الزمر:٤٢] ولهذا ورد في الحديث: (أنك إذا وضعت جنبك، تقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي - إن كانت آخر نومة- فارحمها، وإن أرسلتها، فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) وفي حديث آخر: (باسمك اللهم أموت وأحيا)، (الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور). فالنوم موت، لكنه موت أصغر، فما معنى موت أصغر؟ قالوا: تخرج الروح، لكنها لا تذهب بعيداً، بل تخرج خروجاً جزئياً قريباً من الجسد، ويبقى الجسد موجوداً، فأنت تضع أمام عين النائم ألواناً فلا يراها، وتضع عند أنف النائم عطراً فلا يشمه، تحدث أصواتاً بسيطة عند أذن النائم فلا يسمع، تتكلم عنده وهو نائم فلا يسمع، لماذا؟ لأن الروح ليست موجودة؟ أينها؟ هي قريبة، فإذا كنتم تريدونها تأتي تقولون: فلان فلان انهض، فيستيقظ، ضع له رائحة يشم، ضع له منظراً يرى، وأين كان؟ كان موجوداً قريباً، وأنا أشبهها -وقد قلت هذا في مناسبة- مثل الإجازة القصيرة؛ الروح انفصالها عن الجسد في حالة النوم مثل الموظف الذي يعطى إجازة عن عمله لكنهم يأخذون رقم التليفون، إذا أرادوه قالوا: اتصلوا به. أما انفصال الروح عن الجسد بالموت مثل الفصل، فصل الروح عن الجسد لا تعود إلا يوم القيامة، هذا الجزء الثاني.

стр. 812

النفس وأهميتها الجزء الثالث من الأجزاء الرئيسية: النفس: وهي موضوع المحاضرة: أسباب تزكية النفس. وأذكر الرابع: العقل، والخامس: القلب، ولسنا بصدد الحديث عنهما، ولكن الحديث سيكون فقط عن النفس.

стр. 813

ذكر النفس في القرآن الكريم النفس جاء ذكرها في القرآن الكريم، وهي من أهم أجزاء الجسد، وعلى ضوء صلاحها وتزكيتها، يكون مصير الإنسان، أو هلاك الإنسان إذا كانت غير صالحة، أقسم الله بها في كتابه، قال : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٧ - ١٠]. ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ يقسم الله بالنفس وما سواها، أي: والذي سواها وهو الله. فألهمها: أي: فطرها، كل نفس ملهمة هذين الأمرين: ﴿فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ كل نفس قادرة على أن تسلك سبيل الفجور، وقادرة على أن تسلك سبيل التقوى، لكن من الذي يحدد الاتجاه إلى الطريق السليم أو الطريق الخطأ، أنت: قد أفلح قد فاز قد نجا من زكاها من صعد بها من طهرها من نقاها من اعتنى بها قد أفلح من زكاها. وقد خاب: خسر أو هلك -والعياذ بالله- من دساها، دنسها قذرها وسخها مرغها كل العبارات السيئة يمكن أن تضيفها في هذا الجانب. ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ ومن الذي يزكي نفسك ويدسيها؟ أنت، ولا تتصور أن أحداً غيرك يمكن أن يقوم بهذه المسئولية، ولهذا جعل الله الجزاء يوم القيامة على هذا، تستحق الجنة، إذا زكيت نفسك، ومتوعد الوعيد في النار إذا دس العبد نفسه، وأقسم الله بها في قوله : ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة:١ - ٢]. قوله: (ولا) لا عمل لها، أي: أقسم بيوم القيامة، وأقسم بالنفس اللوامة، ويخبر الله في كتابه الكريم أن دورك في عملية هذه النفس هو المجاهدة والنهي لها والرفض لكل حركاتها، وقصرها على الطاعة، هذا دورك أنت، يقول الله : ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١] اللهم إنا نسألك من فضلك يا أرحم الراحمين، كم هو عظيم أن يكون مأواك ومأواي الجنة، اللهم إنا نسألك من فضلك يا أرحم الراحمين. إذا قلت مأواك (الفلة) مأواك المزرعة العمارة، لكن مأواك الجنة، عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فيها القصور العالية، فيها الأنهار الجارية، فيها الثمار اليانعة، فيها الزوجات الجميلات، فيها ولدان مخلدون، وبعد ذلك أبد الآبدين، ليس ستين أو سبعين سنة ثم تخرج. إذا نزلت من العمارة وسكنت فيها ستين سنة، أنزلوك على رأسك، لكن في الجنة: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة:٣٧] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [النساء:٥٧]، في نعيم لا يتصوره العقل، يقول الله : ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧] كل ما خطر، اذهب بخيالك كل مذهب، وتصور كل نعيم ثم قف بخيالك، عاجزاً أن تتصور ما في الجنة من النعيم، وأعلى نعيم في الجنة وأعظم نعيم في الجنة النظر إلى وجه الله الكريم، في الدار الآخرة، هل هناك أعظم من هذا النعيم؟ نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهله، اللهم متع أبصارنا بالنظر إلى وجهك الكريم في الدار الآخرة يا رب العالمين.

стр. 814

تفسير كلمة الهوى هل هناك أعظم من سماع خطاب رب العالمين في الجنة؟ يقول ﵊: (ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) يكلمك رب العالمين، من أنت؟ أي رفعة وأي عزة؟ وأي مكان أعظم لك من أن تكون طرفاً في مناقشة وفي محادثةٍ الله الطرف الثاني فيها؟ وأي فخر وأي عزة -أيها الإخوة- لماذا نضيع هذا؟ ومتى تناله؟ بهذا الشرط: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات:٤٠] فقط خاف مقام الله، خاف وقوفه بين يدي الله، فاتق الله وضع بينك وبين عذاب الله وقاية، وبعد ذلك انه النفس عن الهوى، ما هو الهوى؟ المزاج. الذي يقول أكثر الناس الآن: على مزاجي، أو على هواي، لا. لست على كيفك ولا على مزاجك، ولا على هواك، أنت على مراد خالقك ومولاك، أنت على مراد ربك، أنت عبد مقهور لمعبود قوي قهار، أمرك ونهاك، لم يدع في حياتك جزئية من جزئياتك إلا وعليها أمر ونهي، كل حركة من حركاتك عليها أمر ونهي، منذ أن تفتح بصرك، من يوم أن تستيقظ إلى أن تغمض بصرك وأنت نائم، ما تنفك عن أمر لله أو نهي لله. حتى المباحات ليس لها علاقة في الدين، افعلها أو لا تفعلها، لكنك إذا فعلتها بنية حسنة تتحول إلى دين، يقول ﵊: (وفي بضع أحدكم صدقة) ويقول: (تبسمك في وجه أخيك صدقة) ويقول: (إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة) كل هذا تعظيم من الله لشأن هذا الإنسان. وقد كنت مرة من المرات، أجلس مع رجل في بلد إسلامي في مؤتمر للإعجاز العلمي، ومعنا رجل كافر من أشهر أهل الأرض في علم الجولوجيا وهو من إحدى البلدان الغربية، وألقى محاضرة على الناس، ودلل بالدليل العلمي عن طريق الشرائح والأبحاث والصور التي التقطت عن طريق الأقمار الصناعية، والتي تغوص حتى في باطن الأرض، دلل على أن كل جبل في الدنيا له وتد في الأرض، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾ [النبأ:٧] الجبال أوتاد لتثبيت الأرض: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل:١٥]. أي: لئلا تميد بكم، لولا الجبال كانت الأرض تميد، لكن الله أرساها: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات:٣٢]. ثبت الأرض بالجبال، وكل جبل جزئين منه فوق وثلاثة أجزاء تحت، إذا وضعت وتداً للخيمة أي جزء أكثر في الأرض فوق أو تحت؟ الذي تحت، لو جعلت -مثلاً- الجزء الأعلى سقطت الخيمة، لكن تثبت الخيمة بوضع ثلثي الوتد أسفل، وهذا الذي يحصل الآن في الجبال. وعندما انتهى من المحاضرة سألت الذي بجانبي، وكانت المحاضرة مترجمة وعندي جهاز يترجم، قلت: هذا آمن بلسانه، كلامه كله يدل على الإيمان حتى القرآن قرأه، هذا مسلم؟ قال: لا. لم يسلم إلى الآن، فقلت في نفسي: سبحان الله! سبحان الله! يقول الله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأعراف:١٤٦]. ثم سبحان الله في ثالث ليلة وكنا في المطعم، جلست أنا وأحد الإخوة نتعشى فعرف ذاك، قال: لنذهب نتعشى معه -وكان وحده- قلت: لا والله لا أذهب معك، كيف آكل مع كافر؟ قال: لنذهب يا أخي! ندعوه إلى الإسلام، قلت: ليس عندي مانع، فقمنا وأتينا إليه وجلسنا فعرفه بي وقال: فلان من السعودية ويدعوك إلى الإسلام، وقد أعجب بمحاضرتك، وسمع استشهاداتك العلمية، فقال لي -انظروا شبهته، شبهة بسيطة جداً هي التي أوقفته عن الإسلام- يقول: أنا أعرف أن الإسلام هو الحق، وأن هذا القرآن من عند الله، وأن الرسول نبي من عند الله، إذ لا يمكن أن يعرف هذا الكلام إلا رسول موحى إليه، ولكني أكره في الإسلام شيئاً واحداً، وهو: أن الإسلام يتدخل في جزئياتي الشخصية، يجعلني آكل نوعاً معيناً من الطعام، وأترك أنواعاً، ويجعلني آتي نوعاً من النساء وأترك أنواعاً، وأنا إنسان أحب أن أكون حراً آكل ما أشاء وأرفض ما أشاء، وأنكح من أشاء، قلت: هذه فقط، قال: فقط، قلت: قل له: نحن المسلمون نعتبر هذا وساماً نعلقه على رءوسنا، أن الله يكرمنا لدرجة أنه يحدد لنا أمورنا بحيث لا نأكل إلا بأمره، بدلاً من أن آكل بشمالي آكل بيميني، ومن الذي أمرني أن آكل بيمني؟ ربي، هذا شرف أم ليس بشرف؟ شرف أن الله يأمرك كيف تأكل، بل يعلمك كيف تدخل الحمام وكيف تخرج من الحمام، أي عزة للإنسان نالها في ظل الإسلام. ثم قلت له: هذه الشهوات التي تتمتع بها، وهذه الأمور أليس فيها طيب وغير طيب؟ بالعقل وبصرف النظر عن الدين. قال: نعم. قلت: أي شيء حرمه عليك الشرع والدين وهو طيب؟ وأي شيء أباحه لك الشرع وهو غير طيب؟ قال: لا يوجد. لأنه يعلم أن الزنا حرام وخبيث يجر إلى الإيدز وإلى الفساد. وآخر ما قرأت في مجلة أن في بلد إسلامي -قريب- فيه فنادق تمارس فيها الجرائم، وبعد ذلك صدر أمر بالقبض على البغايا، وحللوا فوجدوا إحدى وثلاثين منهن يحملن فيروس الإيدز، الذي يأتي عن طريق الزنا، والعلاقات المحرمة والعياذ بالله. فالله لم يحرم الزنا وفيه خير: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] فاعترف الرجل لي أن كل ما أحله الله طيب، وكل ما حرمه الله خبيث، لكن: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٤١].

стр. 815

نهي النفس عن الهوى النفس هذه مهمتك أن تنهاها عن الهوى والمزاجية، وأن تخضع الهوى للشرع، يقول الرسول ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) هذا معيار، هل هواك الآن ومزاجك تبعاً لما جاء به الرسول أم ما جاء به الرسول تبعاً لهواك؟ بعض الناس الآن ما جاء به الرسول من الدين تبعاً لهواه، إن أراد شيئاً أخذه وإن لم يرده تركه، ولهذا يصلي الظهر في الدوام، ولا يصلي الفجر في المسجد، ولا يصلي العصر في المسجد، لماذا؟ لأن صلاة الظهر توافق الهوى؛ لأنه يريد أن يتخلص من المكتب ويذهب يتطهر ويجلس ويتأنى ويصليها من وقت الدوام، ولهذا لا أحد يترك صلاة الظهر في المسجد. لكن اختبره بصلاة العصر، إذا خرج الساعة الثانية والنصف من الدوام، ووصل البيت الساعة الثالثة إلا ربع أو الثالثة تماماً، وتغدى وملأ بطنه، ثم أذن العصر، فهنا يكون الإيمان الصادق، هل ما جاء به الرسول هو الذي يحكمك، أم الهوى؟ وإن كنت قد نمت وتركت الصلاة فالذي يحكمك هواك، وهو ليس تبعاً لما جاء به الرسول، ولكن ما جاء به الرسول تبعاً لهواك، أخذت منه صلاة الظهر وضيعت العصر، وبعد ذلك يقوم الساعة الرابعة والنصف أو الخامسة ويقعد يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان، قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً، ثم ذهب يصلي المغرب، والعشاء ربما، لكن إذا بحثت عنه في الفجر لا تجده، ما هذا الانتقاء؟ كأنه ينتقي ويختار، وكأنه يخطئ الواحد القهار، فيأخذ الذي يناسبه، ويترك الذي لا يناسبه، هذا ليس بدين، ولهذا يقول الله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [النساء:١٠٣] أي: معلوماً مفروضاً محدداً. ليس لك حق أنك تأخذ الذي تريد وتترك الذي لا تريد، أنت عبد، والله يقول: انهض الساعة الرابعة والنصف للصلاة فتجعلها الساعة السابعة من أجل الدوام، وتقوم تصلي وتذهب للدوام، وإذا لم يكن هناك دوام فإنه لا يصلي إلا الساعة العاشرة؛ لأن الخميس والجمعة ليلة سهرة، وصلاة الفجر الله يرحمها، ما هذا -أيها الإخوة-؟! (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه -مزاجه، فكره- تبعاً لما جئت به) ويقول : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] اتخذ إلهه هواه ليس مولاه، ولا خالقه ولا سيده، فماذا حصل لما اتخذ إلهه هواه: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣] أضله الله على علم؛ لأنه اتخذ إلهه هواه، ولو أنه اتخذ إلهه مولاه لهداه الله، لكن لما اتخذ إلهه هواه أضله الله: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ [الجاثية:٢٣] ختم على سمعه فلا يسمع كلام الله، وإن سمع لا يدخل، تصبح أذنه فيها وقر، يسمع كلام الله فلا يبالي كأنه يكلم غيره، وقلبه مقفل لا تدخل فيه موعظة: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية:٢٣]. غشاوة أي: حواجز لا يرى بسببها طريق الخير، ولا يرى طريق النور، ويراها بصورة غير صحيحة، قال : ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:٢٣] من أين يأتي هذا كله؟ نتيجة اتخاذك للهوى إلهاً من دون الله .

стр. 816

دور الإنسان أمام نفسه أقول: ما هو دورك أمام هذه النفس؟ دورك أمامها الحرب، إن أردت النجاة، فأعلن الحرب على النفس، وقل لها: يا نفس! لا بد من أن نعرف كيف نتعامل معك؟ وأن نخضعك غصباً لأمر الله، النفس من طبيعتها أنها تحب الدعة وتكره القيود، وتحب الشهوات وتكره الطاعات، وتحب النوم وتكره الصلاة، وتحب الأغاني وتكره القرآن، وتحب الدخان وتكره الطيبات، لماذا؟ لأنها نفس أمارة بالسوء، تحب هذا كله، لكن أنت ما دورك مع النفس؟ أن تأخذها بصوت التربية والتهذيب، ولا تكن عبد نفسك. يقول ابن القيم ﵀: الناس رجلان، رجل امتطى نفسه فجعلها فرساً له يسير بها في طاعة الله، ورجل ركبت عليه نفسه فجعلته حماراً لها تسيره في معصية الله. ولهذا بعض الناس حمار نفسه، تقول له: أين أنت؟ قال: والله نفسي قالت: أسهر الليلة في الفندق، والليلة الثانية يقول: نفسي الليلة أسهر على فلم نفسي تقول لي أن أنام، عجيب هذا! نج نفسك إذا مت، دعها تنفعك ذاك اليوم: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ﴾ [النازعات:٤٠]. وأنت جالس على نفسي نفسي، لا. خالف النفس، لابد من مخالفة النفس ومحاربة النفس ومعاداة النفس حتى تستقيم على أمر الله.

стр. 817

أنواع النفوس النفوس كما ذكرها ابن القيم، ثلاثة أنواع: نفسٌ أمارة بالسوء، ونفسٌ لوامة، ونفسٌ مطمئنة، وقد جاء ذكرها في القرآن الكريم، متى تكون أمارة؟ ومتى تكون لوامة؟ ومتى تكون مطمئنة؟ قال ابن القيم ﵀: النفس الأمارة بالسوء هي: نفس الإنسان بالبداية؛ لأنها تريد أن تهلكك، فهي تأمر بالسوء، وليست آمرة، لا. أمّارة، وعلماء اللغة يقولون: هذه العبارة تعني: المبالغة، عندما تقول: فلان يأكل، لكن إذا قلت: فلان أكّال، أي: لا يترك شيئاً، فلان لاعب لكن فلان لعّاب، صيغة مبالغة. هذه النفس ليست آمرة، بل أمَّارة، أي: شأنها باستمرار، أن تأمر بالسوء، والسوء أي: السيئات، والمعاصي، والشرور، والآثام. وأعطيك مثالاً الآن، في رمضان إذا وقفت بعد الإمام في صلاة التراويح، كم يصلي أكثر الأئمة؟ عشر ركعات أو ثمان ركعات، وفي الحرم يصلون عشرين ركعة، والصلاة لا تستغرق أكثر من ساعة، كيف تدخل نفسك عليك في هذه الصلاة؟ وتضخمها وتطولها وتهولها، وإذا أكملت التسليمة الأولى، أتت النفس وقالت: يالله، بقي تسع ركعات من يقوم لها ويقعد؟ وكل قليل تراه ينظر في الساعة، ويقدم رجلاً ويؤخر أخرى، وإذا ركع رجم بنفسه من أعلى، وإذا قام الإمام من التسليمة الثانية جلس إلى أن يقرأ الإمام الفاتحة، وبعضهم يجلس إلى أن يركع الإمام ثم يقوم. من أجل ساعة لله كيف تفعل النفس؟ وعندما تكمل صلاة التراويح، ويخرج إلى السوق، والزوجة الله يكرمك تقول: ما عندي حذاء خذ لي حذاء، وأين تذهب بها؟ في سوق الأحذية الأوروبية، وتدخل من معرض إلى معرض ومن دكان إلى دكان، وبعد ذلك تخرج وتقول: لم أجد المطلوب، وتصل البيت تنظر الساعة من الساعة الحادية عشرة إلى الساعة الثانية، ثلاث ساعات من أجل حذاء وما تعبت، وساعة من أجل الكبير المتعال وخرجت وأنت متعب. يقول بعضهم: يا شيخ! الإمام هذا فتان، والله ما أكمل الصلاة إلا وقد كسر ظهورنا، الله يكسر ظهره، الله ينصرنا عليه، والله لا أصلي معه، لماذا؟ قال: يا شيخ! هذه ليست تراويح، هذا تهجد، يتهجد بنا من أول رمضان، لا إله إلا الله! انظر نفسك أمام مشاهدة كرة القدم، إذا انتهى الوقت النظامي للمباراة، وهو تسعون دقيقة، والمباراة على كأس والفريقان متعادلان، يتمنى كل مشاهد ألا يدخل جول في تلك اللحظات، لماذا؟ قال: من أجل التمديد لوقت إضافي، لكي نرى كذلك نصف ساعة كرة، وهم وقوف في المدرجات، يصلون لكن للكرة، لماذا النفس تجعلك هنا ولا تجعلك هناك؟ إنها أمارة بالسوء، خذ صحيفة وخذ مصحفاً، الصحيفة تقرؤها حرفاً حرفاً، من أولها إلى آخرها، والمصحف من أول ما تراه، بعضهم يقول: شكراً ما نريد، الحسنات كثيرة لا نريد قرآناً. لكن ما هو دورك أنت مع نفسك؟ دورك أن تتدخل، تأتي النفس تقول لها: الصلاة فتقول: إنها متعبة، تقول: لا. صلي، والله لن تخرجي إلا بعد آخر ركعة، يقول لي أحد الإخوة من إخواننا الشباب جزاه الله خيراً، يقول: سمعت درساً لك، وآليت على نفسي أني لا بد أن أربيها، وقلت: أول تربية لها في رمضان، يقول: لأول مرة في حياتي أصلي عشرين ركعة في الحرم، يقول: كنت أصلي تسليمة أو تسليمتين وبعد ذلك أخرج، وإذا تقويت ثلاثاً أو أربعاً، لكن أكمل عشرين ركعة، هذا مستحيل في حياتي، يقول: وفي أول ليلة من رمضان، قلت: والله لو تكسرت تكسيراً سوف أصلي عشرين ركعة، يقول: وصليت وجاء آخر رمضان والله ما وسوست لي ولا قالت لي كلمة؛ لأنها عرفت أن معها رجلاً، لكن لو أنه جلس يماليها ويشاورها، قالت: نم. الآن شارب الدخان، هل يستطيع أن يشرب الدخان في نهار رمضان؟ لا يفكر أبداً؛ لأنها عرفت أنه مصمم لا يقرب الدخان، لكن إذا أفطر وأذن للمغرب وأتى بتمر، تأتي النفس وتقول: واحدة فقط، وقام يدخن، ويشرب، لماذا ما أتته في العصر أو الظهر؟ لأنها علمت أنه لا يطيعها، وهذه النفس كما يقول البوصيري: النفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم فاصرف هواها وحاذر أن توليه إن الهوى ما تولى يَصم أو يُصم

стр. 818

أمثلة من حياة السلف على مجاهدة النفس أحد السلف، وهو صلة ابن أشيم العدوي، الشهيد ابن الشهيد، كان في الجهاد، ومات شهيداً، وكان يقوم في الليل، ويجاهد في النهار، كانوا فرساناً في النهار رهباناً في الليل، يقال عنه: أنه كان إذا قام من الليل ثم فتر، أخذ السوط وقام يضرب رجليه، ويقول: والله إنك لأحق بالضرب من دابتي، تتعبين من الصلاة، فتقوم رجله تصلي، إما صلاة وإما ضرب. هؤلاء الرجال يا إخواني! وهؤلاء الأبطال، هم الذين عرفوا كيف يربون أنفسهم، يقول ثابت البناني: [جاهدت نفسي على قيام الليل عشرين سنة، وتلذذت بها عشرين سنة أخرى]. ويقول سعيد بن المسيب: [والله ما نظرت إلى ظهر مصلي أربعين سنة] في الصف الأول، لا يُعرف وجهه، ولا سمع الأذان من خارج المسجد أربعين سنة، ما يؤذن المؤذن إلا وهو في الروضة إلا ليلة واحدة سمع الأذان من خارج المسجد وهي ليلة زفاف ابنته على أبي وداعة، وأبو وداعة تلميذ من تلاميذه، ماتت زوجته، ولما توفيت جلس في عزائها ثلاثة أيام فافتقده الشيخ سعيد بن المسيب إمام التابعين، فقال: [أين أنت؟ قال: توفيت زوجتي وجلست في عزائي والتجهيز لها، قال له: أتريد زوجة؟ قال: من أين؟ -فقير ما عنده شيء- قال: أزوجك ابنتي، ترضى؟ قال: نعم. أرضى] ومن الذي لا يرضى أن يتزوج بنت سعيد بن المسيب وقد خطبها أمير المؤمنين الخليفة الأموي لولده، وجاء بعشرات الجمال محملة بالذهب والفضة والملابس، ولما وصلت إلى المدينة، ردها وقال: ابنتي مخطوبة، لا نريد أن نزوجها، ثم زوجها لـ أبي وداعة، وعقد له ذاك اليوم بعد العصر، وراح أبو وداعة إلى البيت، ولما جاء بعد المغرب، تذكر سعيد بن المسيب أن أبا وداعة، سينام هذه الليلة وليس عنده زوجته، وهذه زوجته عنده ولا يجوز أن يبقيها في بيته، فقال للبنت: انهضي، قالت: أين؟ قال: زوجتك بأحد التلاميذ، ولا بد أن تنامي هذه الليلة في بيته، قالت: حسناً. ما قال له: نريد قصر أفراح، ونريد شرعة باثني عشر ألفاً، ثم في النهاية يطلقها بعد شهر؛ لأنه زواج قام على غير طاعة الله، وما قال: نريد قصراً فخماً، وستين خروفاً، وأربعين أو خمسين سيارة، وسيارة مزينة يلبسونها بعشرة آلاف، زينة السيارة! أين هذه العقول الضالة؟ انظروا هذا الرجل العظيم قال لابنته: انهضي، وذهبت معه في يده حتى وصل إلى باب أبي وداعة وطرق الباب وهو يؤذن للعشاء، قال: [من بالباب؟ قال: سعيد، قال: من سعيد؟ -يقول أبو وداعة: تصورت كل سعيد في الدنيا إلا ابن المسيب؛ لأن هذا الوقت ما هو في البيت في المسجد- قال: سعيد بن المسيب، قال: ففتحت الباب، يقول: فلما فتحت الباب، أخذ البنت ودفعها من ظهرها، وقال: هذه زوجتك، ذكرنا أنك تنام هذه الليلة عزباً فكرهنا، خذ بارك الله لك] فدخلت بنت سعيد بن المسيب، وجلس معها أياماً، ولما أراد أن يذهب إلى بيت الشيخ سعيد من أجل أن يطلب العلم، قالت: إلى أين؟ قال: إلى الشيخ سعيد؟ قالت: ولم؟ قال: أطلب العلم، قالت: اجلس فعندي علم سعيد. تقول: الذي عند سعيد هو في رأسي، كان يربيها على الدين، ما رباها على الفساد، ولا أحضر لها دشاً من أجل أن يمطرها بما في الأرض من فساد، كما يفعل بعض الآباء اليوم فيذهب يشتري دشاً بخمسة عشرة أو بعشرين ألفاً ويضعه فوق بيته من أجل أن يغرق زوجته ويغرق ابنته ويربيهم إلى آخر الليل وهم يطاردون الإذاعات والقنوات، من قناة إلى قناة، كلما أغلقت قناة حولوا قناة أخرى، حتى أن بعضهم إذا جاء ينام، لا يستطيع أن ينام، لا يستطيع أن يغمض عينه، قد يبست عينه، ثم يغمضها حتى تغمض وصلاة الفجر الله المستعان لا حول ولا قوة إلا بالله! فلا بد -يا إخوة- من مجاهدة النفس. الأنفس كما قلت ثلاثة: أولاًَ: أمّارة بالسوء: وهي نفس الإنسان في بداية الطريق، وبعد ذلك إذا رأت أنه رباها، اعتدلت وصارت تأمر بالخير، لكنها أحياناً تسقط وتأمر بالشر، لكن تلومك على فعل الشر، ثم بعد ذلك إذا ربيتها أكثر ترفعت، وصارت نفساً مطمئنة، وإذا أصبحت مطمئنة لم يكن لها مكان في الدنيا إلا الجنة، يقول الله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠].

стр. 819

أسباب تزكية النفوس وموضوع الدرس هو (أسباب تزكية النفس) كيف تزكي هذه النفس؟ خذوا الأسباب:

стр. 820

تلاوة كتاب الله السبب الأول: تلاوة كتاب الله الكريم: أعظم علاج لهذه النفوس، وأعظم دواء لهذه القلوب، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٧ - ٥٨]. هذا هو العلاج الرباني والدواء الإلهي لأمراض النفوس، كتاب الله، ويوم أعرضت الأمة عن كتاب الله مرضت وتدهورت، بل ماتت إلا من رحم الله، تصور أنك إذا قرأت القرآن شافى الله قلبك ونفسك، أجل علينا أيها الإخوة بالعودة الصادقة إلى كتاب الله. أولاً: قراءة القرآن بالتجويد والترتيل؛ لأن الله أنزل القرآن هكذا، لا يقرأ كما تقرأ الصحيفة لا. لا بد أن تقرأ القرآن بالترتيل، يقول الله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [المزمل:٤] لا بد من الترتيل، ويقول ابن الجزري في منظومته: والأخذ بالتجويد حتم لازم من لم يجود القرآن آثم لأنه به الإله أنزلا وهكذا منه إلينا وصلا وهو أيضاً حلية التلاوة وزينة الأداء والقراءة الآن إذا قرأ رجل بتجويد، وقرأ آخر بدون تجويد، ما رأيكم بالقراءتين؟ ومعنى تجويد أي: تحسين وضبط. عندما تقول للعامل وهو يبني لك جداراً، تقول: جوِّد البناء، جوِّد المكان، أي: أتقن، كذلك القرآن هو أولى بالإتقان، وأولى بالتجويد، فأولاً: يجب أن تعود إلى القرآن عن طريق شيخ، والحمد لله لقد قامت الحجة على العباد، ما من مسجد إلا وفيه عالم يدرس القرآن للأطفال والكبار، قالوا: الكبار مشغولون، نقول: القرآن ما أنزل لمخاطبة الصغار -يا إخواني- القرآن هذا للأمة كلها كبيرها وصغيرها، يجب أن يجلس الكبير والصغير والشيخ والطفل كلهم عند ركب العلماء لتعلم القرآن، وهل لك عمل غير كلام الله؟ أي: ما تتجرد أن تكون مشغولاً بالقرآن، مشغول بالجلوس في الدكاكين وفي مكاتب العقار، وفي الشوارع، وعلى رءوس الطرقات، مشغول بمتابعة الأخبار والمباريات، هل هذا شغل؟ أشغل نفسك بكلام الله، إنها والله مصيبة على الأمة، أن تعزف عن القرآن. فمرضت النفوس بأسباب عدم التداوي بالقرآن الكريم، ولذا نقول لكل مسلم من الآن: برمج أيامك ووقتك، بين المغرب والعشاء، لا تشتغل بعمل، ولا تذهب إلى وليمة ولا تذهب إلى سوق ولا إلى مكان إلا في المسجد، ابدأ بالحفظ؛ لأن الله أثنى على الذين يحفظون القرآن، قال الله : ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩] اللهم اجعلنا وإياكم منهم. وأشراف الأمة هم حفظة القرآن الكريم، ومن حفظ القرآن فقد استدرج النبوة غير أنه لا يوحى إليه، والله أثنى على القراء في قوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩] كل تجارة معرضة للربح والخسارة إلا التجارة مع الله لن تبور، ما هي التجارة؟ قال : ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٣٠] قراءةً وحفظاً وعملاً وتطبيقاً ودعوةً. يقول لي أحد المسئولين في أحد السجون: كان عندهم سجين محكوم عليه بعشرات السنين في قضية مخدرات، يقول: وفشلت كل وسائل التوجيه والضرب والتعزير له عن السلوك السيئ في السجن فهو شرير، ويضاف -أيضاً- فله سنوات على ما هو فيه ولا يبالي، يقول: ويأتي أحد الدعاة، ويتكلم مع السجناء، ويدل الناس على القرآن الكريم، ثم يأتي هذا المسجون بنفسه ويسأل قال: أنا أسمع أن هناك مكرمة للذي يحفظ القرآن أنه يسقط عليه من سنوات السجن، هل هذا ينطبق عليَّ؟ قال: لا أدري نسأل لك، وسأل آمن السجن، قال: نعم. ينطبق عليه. قال: إذاً أنا بدأت أحفظ، يقول: ويحفظ القرآن كاملاً عن ظهر قلب، وهو صاحب مخدرات، يقول: وتستقيم أخلاقه وتتغير حياته، ولم يعد ذلك الشرير، ولا ذلك السيئ، وإنما ذلك الرجل الهادئ، لا نراه إلا والمصحف في يده، لا نراه إلا قواماً في الليل، ويتغير كل الذين كانوا معه في غرفته إلى طيبين، فقد أثر فيهم، ويقول: أيام وليال وتأتي المكرمة ويخرج من السجن، وكان قد دخل في السجن في قضية أخرى، وكلما أخرجوه عاد، يقول: في آخر مرة عندما خرج وهو حافظ القرآن، خرج داعية إلى الله، واستقامت أموره، وصلحت أحواله، وهو الآن من أحسن الناس ديناً في المنطقة الغربية، بسبب القرآن. أول شيء وأول سبب وأعظم سبب لتزكية النفس القرآن، وستبقى النفس هينة وستبقى النفس مريضة كلما ابتعدت عن القرآن الكريم، ولذا نقول قولاً -أيها الإخوة-: اعمروا حياتكم بكتاب الله، ولا يمر عليكم يوم إلا بتلاوة من القرآن، واقرأوا في مجالسكم ومع أولادكم شيئاً من القرآن، واسمعوا إذاعة القرآن، واسمعوا أشرطة القرآن، واجعلوا أنفسكم دائماً مع القرآن، هذا السبب الأول.

стр. 821

دراسة سنة النبي ﷺ السبب الثاني: من أسباب تزكية النفس، دراسة سنة النبي ﷺ : فإنها المكملة للقرآن والموضحة له، وهي أحد الوحيين، وهي التي فصلت لنا كتاب الله، وما جاء ﷺ بشيء منها من عنده، وإنما هو من عند الله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٤]. وما ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه عليه، فاجعل لك موعد مع السنة، اختر كتاباً من كتب السنة، وليكن بلوغ المرام، أو رياض الصالحين، واقرأ يومياً حديثاً واحداً، ثم أتبعه على زوجتك، وعلى أولادك، ثم بالتليفون كلم به زميلك، ثم احفظ في كل يوم حديثاً، كم يكون لديك بعد سنة؟ تكون عالماً من العلماء، إذا عندك ثلاثمائة وستون حديثاً، خلال سنة واحدة، هذا علاج للنفس، لكن القرآن مرفوض والسنة مرفوضة، والنفوس مريضة ومتى تتعالج، أردنا أن نعالجها فوضعنا (الستلايتات) فماتت، كان فيها بصيص، فجاء هذا وقضى على البقية الباقية، إن علاج النفوس في كتاب الله، وفي سنة رسول الله ﷺ .

стр. 822

كثرة ذكر الله الدواء الثالث من الأدوية، التي تعالج النفس وتزكيها: كثرة ذكر الله: وهذا كالإجماع عليه بين الأمة، يقول ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى في الجزء العاشر في السلوك، وقد سئل عن أفضل عمل قال: أما أفضل عمل فهو كالإجماع بين الأمة أنه ذكر الله، ويستشهدون بحديث النبي ﷺ في السنن: (ألا أدلكم على أفضل الأعمال عند ربكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم، قلنا: بلى يا رسول الله! قال: ذكر الله . ويروي الترمذي عن عبد الله بن بشر وذكره صاحب جامع العلوم والحكم وأضافه إلى الأربعين النووية، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ . وقال: (يا رسول الله! كثرت عليّ شرائع الدين، فأخبرني بعمل أتشبث به وأوجز -يقول: لا تكثر عليّ، ولكني سأمسك العمل هذا، فقال له ﷺ في جواب يدل على نبوته، بل من دلائل نبوته أنه أوتي جوامع الكلم- قال له: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله) لأن اللسان الرطب من ذكر الله لا يمكن أن يعمل المعاصي، هل الزاني يزني ويذكر الله؟! هل شارب الخمر إذا شرب الخمر يذكر الله؟! الذي يشرب الدخان ويقول: بسم الله الرحمن الرحيم! الذين ينظر إلى الأفلام هل يمكن أن يذكر الله؟ لا. من الذي يعمل هذه الجرائم والمعاصي؟ الغافل عن الله، لكن من يذكر الله، ورطب لسانه بذكر الله، وعينه تدمع من خشية الله، وقلبه منور بخوف الله، هذا ينجح بإذن الله، ويفوز في الدنيا والآخرة. فكيف أذكر الله؟ يقول الله ﵎: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] والله يمتدح الذاكرين فيقول: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٣٥] ويقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] ما هو الذكر؟ قال العلماء: الذكر خمسة أنواع: النوع الأول: ذكر الله عند ورود أمره، إذا ورد عليك أمر الله وقمت بتنفيذ أمره فأنت ذاكر حقيقي، لأن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] لكن عندما تنام وهو يؤذن وتقول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر وأنت نائم، فأنت ذاكر صوري، لا. إذا سمعت أمر الله فانهض، هذا الذكر الحقيقي، ذكر الله عند ورود أمره. النوع الثاني: ذكر الله عند ورود نهيه، إذا كنت في الشارع ورأيت امرأة متبرجة فاتنة، وذكرت الله وخوفك من الله، وذكرت أن الله مطلع عليك، وغضيت بصرك، هذا الذكر الحقيقي، أنت ذاكر لله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦]. هذا أهم شيء، أن تذكر الله عند الأمر فتقوم به، وأن تذكر الله عند النهي فتتركه. النوع الثالث: ذكر الله في الأحوال والمناسبات: فإنه ما من حالة إلا ولها ذكر من حين أن تستيقظ حتى تنام، إذا استيقظت تفتح عينك وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور. وعندما تدخل الحمام، قبل أن تدخل، تقدم اليسار وتقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا أكملت الوضوء وقضاء الحاجة وخرجت، تقدم اليمنى وتقول: غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني. وكذلك عند دخول المسجد والخروج منه، وأذكار النوم وأذكار اليقظة، وأذكار الأكل، وأذكار النكاح، وأذكار لبس الثوب، وأذكار نزول المطر، وكل شيء له ذكر. وحالة الذكر يجب عليك أن تعرفها، وتحفظها وتقولها وهذا معنى حديث عائشة ﵂ أنه ﷺ : (كان يذكر الله في سائر أحواله) أي: في كل أحواله، وفي ملابساته، التي كانت تلابسه خلال حياته. النوع الرابع: الذكر العددي الذي شرعه الشارع وحدد فيه عدداً معيناً، مثل قوله ﷺ والحديث في البخاري: (من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كتب الله له مائة حسنة وحط عنه مائة خطيئة، وكانت حرزاً له من الشيطان، وكان كمن أعتق عشر رقاب، ولم يأت أحد بأحسن أو أفضل مما جاء به إلا رجل قال مثلما قال أو زاد). لا بد أن تأتي بالمائة بالضبط؛ لأن العدد هنا مقصود، ما دام حدد العدد في الشرع، فإن العدد مراد، وإذا زدت فلا بأس، لماذا؟ لأنه في الحديث قال: (أو زاد) لكن إذا لم تأت زيادة فحدد مثل حديث مسلم: (ومن قال عقب الصلاة: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، ثم قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفر الله له ذنوبه ولو كانت كزبد البحر). انظروا الجزاء -يا إخواني- والعمل بسيط، العمل لا يتجاوز دقيقتين، لكن الجزاء أن يغفر الله ذنبك ولو كان كزبد البحر، لكن الشيطان يحرص على ألا تقولها، فيذكرك بشيء حيث تخرج قبل أن تقولها، أو تقولها بغير عدد، ما إن ينصرف الإنسان من الصلاة حتى يبدأ يقول: كذا، وهذا ليس تسبيحاً، هذه بسبسة، التسبيح: سبحان الله والحمد لله والله أكبر، سبحان الله والحمد لله والله أكبر، سبحان الله والحمد لله والله أكبر، وإذا قاطعك أحد وشغلك لا تنشغل به، تعد هذا كالذهب، والله أعظم من الذهب، والله لسبحان الله هذه أعظم من الدنيا وما عليها، إذا كانت تملأ ما بين السماء والأرض كيف تضيعها؟ لكن بعضهم يسبح ولا يعد، ولا يعلم أنهن مستنطقات، فعليك أن تعد وتحصر حتى تأتي بتسعة وتسعين، ثم تقول: لا إله إلا الله، وترجو الله أن يقبل منك، الآن إذا استلمت الراتب، تعده أولا تعده؟ تعده وقلبك مفتح وعيونك مركزة، وتفركها، لئلا يكون هناك نقص وإذا أتى شخص وحياك، أو سلم عليك وأنت تعد تقول: السلام عليكم، واحد اثنين ثلاثة أربعة خمسة عشر ستة عشر ثمانية عشر، لماذا؟ لأن هذه فلوس، لا يمكن أن تعدها وأنت لاهٍ عنها، لأنها حلت في قلبك. تذكر كتب العلم: أن سليمان بن داود كان على البساط، والله قد سخر له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب، غدوها شهر ورواحها شهر، أي: مسافة شهر تأخذها في غدوة، ومسافة شهر تأخذها في روحة، فكان في رحلة ومعه أهله وحاشيته، فمر على قرية وحجب البساط الشمس عن الأرض، فنظر فلاح في مزرعته، يرى الشمس فلا يراها، وإذا بالريح تحمل البساط وعليه أسرة سليمان، فقال: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً كبيراً، فسمعه سليمان من فوق فأمر الريح أن تنزل وأتى إليه، وقال: ماذا قلت يا أخي؟ قال: ما قلت شيئاً، خاف، قال: بل قلت كلمة، قال: لقد قلت: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً، قال: والذي نفسي بيده، إن الكلمة التي قلتها أعظم مما أوتي آل داود. سبحان الله: تنزيه لله، تعظيم لله، وما تأتي سبحان الله إلا بعد شيء يوصف به الله، وهو لا يليق به، فيقول: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً﴾ [الإسراء:٩٣] أجل ذكر الله العددي مطلوب بعدده. الخامس: ذكر الله في كل وقت وهو الذكر المطلق: أن تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، وما شاء الله، لا إله إلا الله، سبحان الله، فإذا قلت ذلك لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله، يقول الله في الحديث القدسي: (أنا مع عبدي ما ذكرني أو تحركت بي شفتاه) كلما ذكرت الله، الله معك. (أنا مع عبدي ما ذكرني، أو تحركت بي شفتاه، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم، وإن تقرب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إليَّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة، وكنت إليه بكل خير أسرع). هذا معنى ذكر الله الذي هو شفاء للقلوب والنفوس، وانظروا واستقرءوا دائماً الذي نفسه مريضة لا يحب ذكر الله، بعضهم يمر عليه شهر أو شهران، ما قال: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، والذي نفسه حية، وقلبه حي وصحيح، لا يفتر عن ذكر الله، وقد جاء في الحديث: (مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله، كمثل الحي والميت)، الحي يذكر الله، والميت لا يذكر الله، فهذا هو سبب رئيسي مثل السببين الأولين. الأول: تلاوة القرآن وتعلمه وحفظه، وتطبيقه، والاستشفاء به. الثاني: تعلم السنة، والانصياع لها والتمسك بها. الثالث: ذكر الله .

стр. 823

المحافظة على الطاعات والابتعاد عن المعاصي وقرناء السوء الرابع: من وسائل وأسباب تزكية النفس، المحافظة على الطاعات كلها، وفي مقدمتها الصلوات الخمس. الخامس: البعد عن المعاصي والذنوب، صغيرها ودقيقها، وجليلها؛ لأن هذه حماية للنفس من المرض. السادس: الابتعاد عن قرناء السوء؛ لأن قرناء السوء، يدنسون النفس. السابع: الحرص على الرفقة الصالحة والزملاء الصالحين، الذين يعينونك على طاعة الله، ويذكرونك إذا غفلت، هؤلاء من أسباب علاج نفسك وتزكيتها. أعتذر أنني أوجزت في النهاية؛ لأن الوقت ضاق عليّ، ولعل فيما حصل كفاية وأسأل الله ﵎ أن يزكي نفوسنا، وأن يؤتيها تقواها. اللهم آتي نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، وقبل الإجابة على الأسئلة وردني تصحيح من بعض الإخوة، يقول فيه: أنت قلت: إنه لم يرد في القرآن ثناء على الجسد، والله يقول: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧] وهذا الأخ الكريم معه حق ولكن ما فاتتني هذه، وقد اطلعت في التفسير على أن الثناء على الجسم في هذه الآية لطالوت كان تبعاً لنعمة العلم والنبوة والرسالة، فالجسم هنا مثنى عليه بالتبعية لا بالأصالة، وهذا ليس فيه شيء حتى في السنة، الرسول ﷺ يقول: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير) لكن الذي لم يرد عليه ثناء في القرآن ولا في السنة هو: الجسد المجرد من الدين ومن العلم، أما هنا الجسد جاء الثناء عليه بعد الثناء عليه بالعلم، فإذا آتاه الله العلم والنبوة وأعطاه جسداً قوياً يستعمله في طاعة الله، ويستعمله بالجهاد في سبيل الله، فهذا نعم الجسد، الذي يصرف في طاعة الله .

стр. 824

الأسئلة .

стр. 825

حكم الخطرات غير الشرعية التي تخطر في النفس السؤال النفس لها خطرات وأماني غير شرعية، فهل هي محاسبة على هذه الخطرات أم لا؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً؟ الجواب جزاك الله خيراً، وأيضاً أنا أحبكم في الله، وأسأل الله أن يجمعني وإياكم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله؛ لأن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، ومن ضمن من يظلهم الله في ظل عرشه: المتحابون في الله، نسأل الله أن يظلنا في ظل عرشه، ببركة الحب فيه. أما الخطرات التي تأتي في النفس الإنسانية، ولا تترجم إلى عمل، فإن الله لا يؤاخذ عليها، يقول ﵊: (إن الله عفا عن أمتي الخطأ والنسيان وما حدثت به نفسها مالم تعمل أو تتكلم) ولما نزل قول الله : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله﴾ [البقرة:٢٨٤] شق ذلك على الصحابة، فنزل الفرج بعدها بقوله : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]. فإذا خطرت في نفسك خواطر أو نزعات، ولم تترجم إلى عمل فإن الله لا يؤاخذك عليها، لكن ابن القيم ﵀ يقول: إن في هذه الخطرات خطورة على الإنسان لا تسجل، لكنها قد تجره إلى أن يعمل بعد هذه الخطرات، فإن الأعمال لا يمكن أن تأتي إلا بعد الخطرات، هي تبدأ خطرة ثم نظرة وهكذا، فهي أول خطوة في طريق الانحدار وهي التفكير، ولذا لا ينبغي أن يجول فكرك إلا في الخير، ولا ينبغي أن تفكر إلا في طاعة الله، أما إذا بدأت تحوم حول الحمى بالتفكير، تفكر في الأغاني، تفكر في النساء، تفكر في شيء من الحرام، فهذه الخطوة الأولى الله لا يؤاخذك عليها الآن، لكنك إذا عملتها آخذك، فالأحسن قطعها، لا تفكر ولا تعبث، وأسأل الله أن يعيننا وإياكم.

стр. 826

حكم كتابة قوله تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة) في الصحف عند التعزية السؤال إذا مات إنسان كتب في الصحف قول الله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠] هل هذا صحيح أم لا؟ الجواب لا شك أنه غير صحيح، ما يدريهم أن هذه النفس مطمئنة، وهذا نوع من التألي على الله، ومن التزكية للنفس بغير حق، وإنما نرجو للمحسن الثواب، ونخاف على المسيء العقاب، ونسأل الله الرحمة والمغفرة لكل مسلم. أما أن نخاطبه ونقول: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر:٢٧] هذا قطع، ولا يقطع لأحد من أهل القبلة بجنة أو نار، لا يجوز لنا أبداً هذا، إذا كان الرسول ﷺ ، لما وقع السهم في صدر أحد الصحابة وهو مجاهد، وسقط قال أحدهم (هنيئاً له الجنة، أي: هذا شهيد، قال: كلا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي غلها من المغانم ولم تصبها المقاسم لتشتعل على ظهره في النار). هذا الأمر ليس بالسهل -أيها الإخوة- فلا يجوز أن نتألى على الله، ولا أن نقطع بجنة أو نار لأحد من أهل القبلة، وإنما نرجو الله ونسأل الله ، حتى كلمة المغفور له، يقول العلماء: إن كانت على سبيل الدعاء، فلا بأس، أي: الذي أسأل الله أن يغفر له، فلا بأس، وإن كانت على سبيل القطع، أي: أنه عمل صالحاً، وعمل خيراً، فهو مغفور له، فهذا تألي ولا يجوز؛ لأن علمنا محدود بما يجري على الناس بعد الموت، ولا نعلم شيئاً إلا إذا قابلنا الله ونحمد الله عندها، سيقول الإنسان: الحمد لله الذي هدانا لهذا، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم فمن يحمد الله عند اللقاء.

стр. 827

الرد على من يستدل بحديث: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم) على جواز حلق اللحية السؤال بعض الناس يستدل على حلق اللحية بالحديث: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم الحديث) يقول: نرجو التوضيح؟ الجواب الحديث دليل على أن اللحية مطلوبة؛ لأن الحديث قال: (ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) واللحية عمل من أعمال الدين؛ لأن عليها أمر من الرسول ﷺ ، قال ﷺ : (قصوا الشوارب وأعفوا اللحى) (أكرموا اللحى) (أرخوا اللحى) (أسدلوا اللحى). كل هذه أوامر، وأوامر الرسول يجب أن تترجم إلى عمل، فلحيتك عمل، والله ينظر إلى لحيتك، ويقيمك على ضوء وجود لحيتك، إذا كانت معك لحية أنت مؤمن إن شاء الله مع بقية أوامر الدين، وإذا لم تكن معك لحية فلديك مخالفة، وليست اللحية هي كل الدين، لكنها جزء من الدين، وليست من القشور إذ لا قشور في الدين، بعض الناس يقول: هذه من القشور لا. كل ما جاء من الله ورسوله فهو لباب، هل يأمر الرسول بقشور؟ لا. عليك أن تعظم أمر الله، وأمر رسوله ﷺ .

стр. 828

حكم التأخر عن صلاة الفجر السؤال ما حكم من لم يقم لصلاة الفجر، ولكن قام بعد ما يقارب عشر دقائق؟ الجواب إن كان مرة في عمره، أو بسبب مرض أو بسبب نوم غلبه، أو بغفلة وليس هذا دأبه، فيقوم ويتوضأ ويستغفر الله، ويشعر بالانكسار والمراجعة للنفس، وبالحساب وبالندم وبالألم ويفكر ماذا فعل في الليل؟ وماذا فعل في الأمس؟ لأنه لا يمكن أن يضيع صلاة الفجر إلا بسبب ذنب؛ لأن الذنب يعاقب عليه الإنسان بالحرمان من الطاعة أو بالوقوع في معصية ثانية، وبعد ذلك يقوم ويتوضأ ويصلي ركعتي الفجر قبل الصلاة ثم يصلي، أما إذا كان هذا دأبه دائماً، لا يصلي إلا بعد أن يصلي الناس، فهذا -والعياذ بالله- فيه خطورة عليه أن يكون منافقاً؛ لأن الحديث في الصحيحين يقول ﵊: (أثقل الصلوات على المنافقين صلاتي العشاء والفجر). ولذا إذا أردت أن تعرف هل أنت مؤمن أو منافق؟ فاسأل نفسك عن صلاة العشاء والفجر، فإن كنت من أهلها بانتظام، فاعلم أنك مؤمن، وعليك أن تكمل الباقي، وإن كنت لا تصلي الفجر ولا العشاء في المسجد، فاعلم أنك منافق أصلي، وعليك أن تتوب إلى الله وأن تراجع نفسك، وإلا فالمصير سيئ والعاقبة وخيمة والعياذ بالله.

стр. 829

حكم من يترك الرواتب والنوافل السؤال ما رأيك فيمن لا يحافظ على السنن سواء الرواتب أو غيرها، وما نصيحتك له؟ وقبل ذلك ما رأيك بمن يترك صلاة الفجر أو صلاة الجماعة، على إطلاقها؟ الجواب أولاً: قضية: ما رأيك هذه لا ينبغي أن يسأل ويقال: ما رأيك؟ لأننا ليس لنا رأي، ولا لأحد من أهل الأرض رأي في دين الله، وإنما السائل يجب أن يقول: ما حكم الشرع؟ ما حكم الله في المسألة هذه؟ لأن الدين ليس آراء، الدين دليل وحُكْم حَكَم الله به، ما حكم الشرع فيمن يترك السنن والنوافل والرواتب؟ يقول العلماء ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد سئل عن رجل لا يصلي النوافل ولا الرواتب، قال: ذاك فاسق ترد شهادته، لماذا؟ قالوا: لأن ترك النوافل والرواتب سيؤدي إلى ترك الفرائض، وانظر إلى من لا يصلي النافلة، بعد سنوات أو شهور تجده لا يصلي الفريضة؛ لأن خط الدفاع الأول في مواجهة الشيطان النوافل، فإذا هزمك الشيطان، بقي معك خط الدفاع الثاني وهو الرواتب، فإذا هزمك الشيطان في المرة الثالثة، بقي معك الخط الدفاعي العظيم وهو الفرائض، لكن إذا كنت تواجه الشيطان بخط واحد فقط، وهو الفريضة فإذا هزمك أين تذهب؟ تخرج إلى الكفر، وهو ترك الصلاة -والعياذ بالله- لابد أن تحافظ على النوافل والرواتب، ثم هل تضمن -يا أخي- أن فريضتك كلها كاملة، حتى لا تصلي الراتبة؟ أما تعلم أنه يوم القيامة. إذا حُوسِبت على صلاتك يكون فيها نقص، ونحن إذا صلينا العشاء من الذي يصلي من حين أن يكبر حتى يسلم لا يوسوس لحظة واحدة؟ لا يوجد أحد، الشيطان موجود، لا بد أن يجعلك توسوس، بعض الناس يجعلهم يوسوسون الصلاة (١٠٠%)، من حين أن يكبر حتى يسلم، والله ما معه منها شيء، وبعضهم (٩٠%)، وبعضهم (٨٠%)، وبعضهم (٥٠%)، وبعضهم (٤٠%)، وهكذا بحسب قوة المجاهدة والمضادة للشيطان، فإذا ضيعت من الصلاة هذه (١٠%) وضيعت من المغرب مثلها، يؤتى يوم القيامة، فيبقى الذي لله، وهو الذي حضر فيها قلبك، والذي فيها خلل يقول الله: (انظروا هل لعبدي من نوافل؟ فإن كان هناك نوافل، قال الله: أكملوا بها فريضته) رحمة منه ﵎، وإن كان لا توجد معك نوافل، من أين تكمل ذلك اليوم؟ تقول: دعوني أصلي، ما معك إلا هي، فعليك أن تحافظ على الراتبة والنافلة ولا تتركها، وإن هذا من الفقه الأعوج، أن بعض طلبة العلم تجده لا يصلي الراتبة ولا النافلة، لماذا؟ قال: هذه يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، الله أكبر يا هذا الفقيه! بينما تجد العامي من المسلمين لا يتركها أبداً، ذاك الفقيه، الفقه ليس ترديد أحكام، ومعرفة حروف وعبارات، الفقه عمل، بعض العوام لا يمكن أن يترك السنة أبداً، وبعض طلبة العلم يترك السنة بحجة أنها لا يعاقب تاركها. واعلم أنك إذا أصررت على ترك سنة الرسول ﷺ ، وقد أمرك باتباع سنته والمحافظة عليها، فإنك على خطر. أما الذي لا يصلي صلاة الفجر، فقد قلنا: أنه -والعياذ بالله- في خطر النفاق.

стр. 830

كيفية التخلص من الهموم والغموم السؤال كيف يمكن القضاء على الهموم والغموم التي تأتينا، وأنا أحاول دفعها بأي شكل ولكنني لا أستطيع دفعها؟ الجواب الغموم والهموم هي داء العصر في هذا الزمن، والدواء والشفاء لما في الصدور هو القرآن، من جعل الهموم هماً واحداً وقاه الله شر كل هم، ومن تشعبت به الهموم لم يبال الله به في أي واد هلك، إن كان همّ الرزق فالرزق على الله، يقول الله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ [الطلاق:٢] ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٣]. إن كان همّ المرض، فالذي كتب المرض هو الذي يرفعه. إن كان همّ الدراسة فالذي ينجح ويسقط هو الله ، اجعل همّك همّاً واحداً وهو كيف ترضي الله عنك؟ فإذا جعلت همّك هذا، قضى الله كل همّك، أما إذا اهتميت بالذي في الأرض وتركت الهم الذي يأتيك من الله، ضعت وتضاعفت همومك وكثرت، وأنا أدل الإخوة على شريط محاضره قلتها في الرياض بعنوان: القلق -أي: الهم داء العصر- أسبابه وعلاجه، ذكرنا عشرة أسباب وعشرة أدوية لهذا، اسمع الشريط يا صاحب الهمّ، وأسأل الله أن يزيل همي وهمك، وأن يجعل همنا وهمك مرضاته ﵎، والله أعلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 831

الحقائق الثلاث بدأ الشيخ بالحديث عن حتمية نفاذ سنن الله في الكون، مبيناً في إطار ذلك أن الخلق والموت والبعث من سنن الله الكونية، وفصل في كل منها على حدة، مبيناً أساليب القرآن في تقرير حقيقة البعث. ثم تطرق الشيخ إلى مشكلة الزواج عند الشباب، وأورد حلولاً لهذه المشكلة.

стр. 832

سنن الله الكونية حتمية النفاذ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أيها الأحبة في الله! هناك حقائق ثلاث مترابطة، يلزم من وقوع أولاها وقوع الثانية، ومن وقوع الثانية وقوع الثالثة لا تنفك عن بعضها، وهي سنن كونية ربانية يجريها الله على أهل هذه الحياة، ولا يستطيع أي إنسان مهما كان أن يخرج على هذه الحقائق الثلاث، ومن يعرفها ويعتقدها ويعمل بمقتضياتها هو من عرف حقيقة الحياة، ومن يجهلها ولا يتأملها ولا يعمل بمقتضاها فهذا ما عرف حقيقة الحياة، ولا حقيقة نفسه، ولا سر وجوده، فهو يعيش عيشة البهائم، ويموت كما تموت الأنعام، ولكن يبعث يوم القيامة ويسأل ويحاسب، فيخف في الموازين، ويتمنى أن لو صار تراباً، ويتحسر ويتألم على أنه ضيع هذه الحياة من غير أن يعرف تلك الحقائق الثلاث، وهي عنوان المحاضرة: "الحقائق الثلاث". وقد جاءت هذه الحقائق الثلاث كلها في آية واحدة في كتاب الله ، هذه الحقائق هي: أولاً: حقيقة الخلق: خلق الله لك أيها الإنسان. ثانياً: حقيقة الموت. ثالثاً: حقيقة البعث. هذه السنن تجري على الناس من غير اختيار، هل هناك أحد أُخذ رأيه حينما خلق فقيل له: أتريد أن تخلق أم لا؟ لا. تخلق من غير أن يؤخذ برأيك، وهل من أحد يؤخذ برأيه عند الموت: أتريد أن تموت أم لا؟ لا. وهل من أحد سيؤخذ رأيه عند البعث: أتريد أن تبعث أم لا؟ لا. فهي سنن كونية جارية. كنت أتحدث قبل فترة مع تاجر، فدعوته إلى الله، فكأنه استيقظ من النوم، وكنت قد دعوته إلى الله عن طريق الحديث عن البعث والآخرة والجنة والنار، فقال لي عبارة ساذجة، لكن لها معنى في قلبه، قال لي: حسناً! والذي لا يريد أن يبعث؟ أي: إذا جاءه الموت والشخص لا يريد أن يبعث؟ قلت: من لا يريد أن يبعث كمن لا يريد أن يموت، ما رأيك أنت تريد أن تموت؟ قال: لا. لكني سوف أموت رغماً عني، قلت: وتبعث رغماً عنك، مثلما أنك خلقت رغماً عنك، وتموت رغماً عنك، فإنك تبعث رغماً عنك. ولو أن شخصاً استطاع أن يخرج عن هذه السنن، وأراد الله له الخلق، فقال: أنا لا أريد أن أخلق، أو أراد الله له خلقاً فخلقه، ولما أراد الله له أن يموت قال: أنا لا أريد أن أموت، كيف أموت وأنا ملك، وكل شيء عندي؟ هل صنع أحد هذا من نبي أو قوي، أو تاجر وثري؟ لا. كل الناس يموتون، لا يوجد شخص يستطيع أن يشذ عن هذه القاعدة. ومادام أن قاعدة الخلق جرت على الناس كلهم، وقاعدة الموت جرت على الموتى كلهم، إذن تبقى الثالثة، وهي قاعدة البعث، ستجري على الناس كلهم، ولهذا قال ﵊: (والذي نفسي بيده! لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتسألن عما كنتم تعملون).

стр. 833

بداية خلق الإنسان من طين هذه الحقائق الثلاث -كما قلت لكم- جاءت في آية من كتاب الله ، وهي قول الله : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢] هذه الحقيقة الأولى. لست أنت من خلق نفسه، يقول الله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦] فما خلقت من غير شيء، وما أنت الخالق، وما من أحد خلقك إلا الله. يقول الله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة:٥٨ - ٥٩] الأم نفسها تحمل الجنين في أحشائها ولا تعرف عنه شيئاً، يقول الله : ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم:٣٢] فالذي خلقك هو الله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢] هذا الأصل، أصل الإنسان طيني السلالة، التكوين، التركيبة الأولى للإنسان طين، لكن عبر مراحل انتقل من الطين وصار نطفة. هل تصدق أن هناك من يقول: كيف كنت طيناً؟ أيعقل أني كنت طيناً؟ نقول: نعم كنت طيناً، كيف؟ نقول: انظر حين تمني وتضع المني في سروالك أو ثوبك، هل تصدق أنك كنت هذا؟ نعم. يا صاحب العضلات! يا صاحب العقل! كنت يوماً من الأيام هذه النطفة. ولهذا لما مر المهلب بن أبي صفرة على الحسن البصري، وكان يمشي متبختراً متكبراً، وهو قائد من قواد الجيوش، فقال له الحسن: [إن هذه مشية يبغضها الله، قال: أما تدري من أنا؟ -تقول لي هذا الكلام وما تدري من أنا؟ - قال: بلى أعرفك، أنت الطين، أنت الماء المهين، أنت من خرجت من موضع البول مرتين، الأولى من ذكر أبيك، والثانية من رحم أمك، أولك نطفة مذرة، ونهايتك جيفة قذرة، وفي بطنك وثناياك تحمل العذرة!]. من أنت أيها الإنسان؟!

стр. 834

أطوار خلق الإنسان في الرحم بعض الناس متكبر متغطرس يقول: أنا أتيت من السماء في صندوق، بل أنت في مرحلة من مراحل خلقك كنت طيناً، ثم مرحلة ثانية كنت نطفة، الرجل يضع في الدفقة الواحدة أربعمائة مليون حيوان منوي -واحد منها هو أنت- تموت جميعها ولا يبقى إلا واحد، البقاء للأقوى الذي يصل إلى البويضة في أعلى قناة فالوب، والبقية تموت في الطريق ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢]. ثم المرحلة الثانية والطور الثاني من أطوار الخلق؛ لأن الله يقول: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ [نوح:١٤] أي: طوراً من بعد طور، ومراحل وتركيبات، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون:١٣] جعل الله هذا الإنسان نطفة في قرار مكين، أين القرار المكين؟ قناة فالوب في أعلى رحم المرأة، قال : ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات:٢٠ - ٢٣] ولهذا بعض النساء حينما تمرض يؤدي مرضها إلى الإجهاض، ما هو الإجهاض؟ إن البويضة والنطفة إذا حصل بينهما امتزاج تخلق حينها المولود، وإذا كان الرحم والقناة فيهما مرض فلا يسمح ببقاء هذا المولود فتحمل شهراً أو شهرين ثم تسقط، فهذا مرض يعالج الآن، لكن غالبية النساء يحملن ويبقى الولد أو البنت في هذا المكان؛ لأنه قرار مكين، المرأة تتعرض لصدمات، ولآلام، ولشبع، وتنام على بطنها، وجنبها، وظهرها، والولد في مكانه في قرارٍ مكين، قال : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٣]. ثم المرحلة الثالثة من مراحل الخلق، وهي: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ [المؤمنون:١٤] أربعون يوماً نطفة كما هي، ثم بعد أربعين يوماً يحول الله النطفة إلى علقة. والعلقة أنا رأيتها بعيني في المجهر عبارة عن قطعة من اللحم طويلة مثل الإصبع، أشبه بدودة صغيرة تعيش في المياه يسمونها علقة، يعرفها أهل البادية، فهي تأتي في الماء وتنفرد وتمشي وتعلق في ألسنة البهائم، تأتي البهيمة أو البقرة أو الجمل -مثلاً- فيشرب، فيمتصها مع الماء فتعلق في فمه وبالتالي لا يستطيع أن يأكل حتى يخرجها، وإلا ماتت البهيمة. فأصلي وأصلك مثل هذه التي سماها الله علقة: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ [المؤمنون:١٤] بعد ذلك ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ [المؤمنون:١٤]. ثم جاءت المرحلة الرابعة: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً﴾ [المؤمنون:١٤] بعد أن تكون فترة أربعين يوماً علقة، تتحول بعد أربعين يوماً أخرى إلى مضغة، ما هي المضغة؟ قطعة لحم، كانت علقة دماً، ثم صارت دماً متماسكاً يعني: فيها نوع من التماسك، كأنها لقمة شخص مضغها على أضراسه وأخرجها، ولو دققت النظر في المضغة البشرية للإنسان لوجدت، هذه الآثار، ويقولون: إنها تأسيسات للعمود الفقري للإنسان، وتنظره متعرجاً، وآثار التضاريس طالعة ونازلة مثل آثار الأضراس إذا مضغت قطعة لحم ثم أخرجتها، فالإنسان في يوم من الأيام كان مضغة على هذا النحو. قال : ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً﴾ [المؤمنون:١٤] فالمضغة هذه تصبح هيكلاً عظمياً كاملاً، وبعد ذلك: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً﴾ [المؤمنون:١٤] هذه العظام تكون هيكلاً عظمياً كاملاً يشمل الجمجمة والعمود الفقري والأضلاع والذراعين والكتفين والساقين والفخذين والأقدام، وقد رأيت الأضلاع في مرحلة من مراحل الخلق كمثل الدبابيس منحنية ومتشابكة مع العمود الفقري من الوراء، ومتقابلة عند الصدر هيكل كامل! هذه المضغة تحولت إلى عظام، وهذه العظام يكسوها الله لحماً وعضلات مترابطة لكي تتماسك هذه الخلقة في أصل تكوين الإنسان، قال : ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً﴾ [المؤمنون:١٤].

стр. 835

اختلاف الصور رغم اتحاد الأطوار ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ [المؤمنون:١٤] هل هناك نسبة بينك وبين النطفة؟ لا. خلقاً آخر يختلف كل الاختلاف عن أصلك الطيني، ولكن ليس فيك طين، هل أنت طوبة نبني بك؟ لا. أصلك نطفة لكنك لست نطفة الآن، أصلك علقة لكنك لست علقة، بل خلق آخر: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] لا إله إلا الله ما أعظم الله في هذه الصنعة!! فهو أحسن الخالقين! وبعد ذلك خلق خلقاً آخر في كل واحد. الآن المطبعة تطبع كتاباً واحداً ملايين النسخ، والمصنع يصنع قطعة غيار وينتج منها مائة أو ألفاً أو عشرة آلاف، السيارة ينتجون من نوع واحد عشرات الآلاف. لكن ليس هناك إنسان مثل الإنسان الثاني أبداً، لو أتيت الآن بمن على وجه الأرض، وتعدادهم الآن خمسة مليارات إنسان، وأدخلتهم في فناء وأخرجتهم واحداً تلو الآخر فلن تجد اثنين متطابقين مائة في المائة، لابد من وجود اختلاف بينهم، ولن تجد شبيهاً لإصبعي الإبهام، هذه المنطقة الصغيرة (٢سم×١سم) لا يوجد في الأرض الآن اثنين سواء، ولا يوجد في الأرض ممن ماتوا سواء، ولا يوجد ممن سيأتون إلى يوم القيامة اثنين سواء، ما هذا الخلق العجيب؟! لا إله إلا الله! كنت أتصور أن (الكوريين) سواء؛ لأنهم على صورة رجل واحد، أشاهدهم دائماً سواء في شكلهم وطولهم، وجوههم مستديرة، وعيونهم دائرية، وأنوفهم صغيرة، فقلت: إنهم كلهم سواء، ولهذا أقول: كيف يتعارفون؟ كيف يعرف الشخص أخاه وأباه وجده؟ وقدر لي أن عملت في شركة (كهرباء) الجنوب وأن أكون متعاملاً مع الكوريين، وحين اقتربت منهم وإذا بكل واحد منهم له خلقة ثانية، ليس هناك اثنان متشابهان أبداً بأي حال من الأحوال، الأفارقة ليس فيهم اثنان متشابهان، والأوروبيون كذلك، والعرب والهنود والباكستانيون والفلبينيون والأندنوسيون، جميع فئات الأرض لا تجد فيهم اثنين متشابهين، بل حتى التوأم لابد من وجود اختلاف بينهم، أنا مرة قدر الله لي أن أرى توأمين فيهما وجه شبه كبير، وكانا يعملان في إدارة حكومية في أبها، فهما في الطول والوجه سواء، لكن حين تكلما إذا بهذا صوته منخفض وهذا صوته غليظ، لابد من وجود فارق، من الذي يستطيع أن يوجد هذه الفوارق كلها؟ إنها قدرة الله ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]. هذه هي الحقيقة الأولى: حقيقة الخلق، وليس فيها مراء، هل من أحد عنده مراء أو جدال في هذه الحقيقة أيها الإخوة؟ لا. والذي عنده مراء ينظر حين يتزوج كيف يأتيه الولد، ثم يراقب مراحل النمو، يكون جنيناً أولاً، ثم يبلغ يومين وثلاثة وأربعة ثم سنة وإذا به يمشي ثم يذهب إلى المدرسة في السادسة، ثم صار بعدها في المتوسطة والثانوية، وإذا به يصبح رجلاً، ولم يعلم وهو يعيش هذه المراحل من النمو من الذي ينميه ويراعيه ويربيه. إنه الله ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] هذه هي الحقيقة الأولى.

стр. 836

المصير المنتظر بعد الخلق هو الموت جاءت بعدها الحقيقة الثانية، قال : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون:١٥] بعد حقيقة الخلق جاءت مباشرة حقيقة الموت، وهذه لا مراء فيها ولا جدالاً، ولا يوجد أحد يماري فيها؛ لأن الذي يماري نقول له: إذاً اصبر قليلاً، فأنت الآن لا تصدق بالموت، ولكن اصبر وستموت كما مات أبوك، وجدك، والبشر من قبلك، مذ آدم ﵇، يقول الشاعر: سر إن استطعت في السماء رويداً لا اختيالاً على رفات العباد خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد صاح هذي قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد؟ يقول: إذا أردت أن تمشي متبختراً فطر أو امش لا مختالاً على رفات العباد، وعظام الناس، يقول: فما أظن أصل هذا الطين الموجود الآن إلا من رفات الذين قد ماتوا، كم عاش على وجه الأرض من البشر؟ ملايين بل مليارات من البشر عاشوا وماتوا كلهم وأكلهم الطين، خلقوا من الطين، وعادوا إلى أصلهم الطين، وهم الآن ينتظرون الحقيقة الثالثة. الحقيقة الأولى نحن الآن نعيشها وهي الخلق. والحقيقة الثانية وهي: الموت، نحن الآن قد حجزنا لها، وأكدنا الحجز؛ لأن الناس ثلاثة أصناف: - صنف سافروا. - وصنف حجزوا. - وصنف في الانتظار. فالذين سافروا هم الذين ماتوا، والذين حجزوا هم الأحياء، وكل شخص رحلته معلومة، والذين في الانتظار هم الذين لم يأتوا بعد، فإذا وصلوا حجز لهم. فمنذ أن كان الإنسان في بطن أمه حجز له متى يسافر إلى الآخرة. فهنا الحقيقة الثانية وهي حقيقة الموت، قال : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون:١٥] والضمير هنا عائد على الخلق، أي: بعد ذلك الخلق لميتون. سبحان الله! لماذا يخلقك الله هذا الخلق العجيب ثم تموت؟ لابد من وجود حكمة، هل يعقل أن الله يخلقك هذا الخلق، وتتعب أمك في حملك ووضعك وتربيتك، ثم أنت تتعب في معاناة الحياة ومصارعة الدنيا لكسب العيش، ومقابلة المشاكل، والصبر على الأمراض والمصائب من أجل أن تموت؟! لا. لاشك أن هناك حكمة، لا بد أن الله خلقك لشيء، ما هو هذا الشيء؟ هو الذي أخبر الله به في كتابه، وهو العبادة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. ثم جاءت بعد ذلك في هذه الآية نفسها الحقيقة الثالثة، وهي الأخيرة من حقائق هذه الحياة، والتي بعدها ينقسم الناس إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير، قال : ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٦] الخلق تم، ثم حصل الموت، ثم جاء البعث، وبعد البعث يأتي الحساب، حساب ونقاش ومؤاخذات وسؤال، ومن ينجح فاز، ومن يسقط خسر، والمنهج واضح، وهو الكتاب والسنة، والمصدق له الجنة، والمكذب والمتساهل والكافر والفاجر -والعياذ بالله- له النار قال تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧]. هذه هي حقائق الحياة الثلاث، وسوف نتكلم عن كل واحدة بالتفصيل.

стр. 837

الحقيقة الأولى: حقيقة الخلق وما فيها من إعجاز يتم الخلق -أيها الإخوة- بقدرة الله ، وبعناية ودقة وإحكام متناهٍ.

стр. 838

اعتدال خلقة الإنسان وتسويتها الحيوان المنوي الذي هو أصل الإنسان يتكون من ثلاثة أجزاء: رأس، وجسم، وذنب. الرأس والذنب للتوجيه، والجسم يحتفظ بكامل خصائص الإنسان، يعني: أنت -أيها الإنسان- موجود في الحيوان المنوي بكامل خصائصك، طولك وعرضك ولونك وذكاؤك، وبعد ذلك أعضاؤك، وبعد ذلك صورتك العامة، خلايا العين في مكان خلايا العين، خلايا القدمين في مكان خلايا القدمين، فلو جاءت خلية العين مكان خلية الأذن، وجاءت خلية الرجل مكان خلية العين، لخُلِقَ لنا ولد مشوه عينه في رجله، له رجل وعين تحت وله عين ورجل فوق، ما رأيكم، كيف تكون الحياة؟ بعد ذلك يكون له أذنان سواء، هل رأيتم في الدنيا شخصاً له أذن كبيرة وأذن صغيرة؟ بل أذنان متساويتان وعينان ويدان ورجلان، بعد ذلك تتأمل في مفاصل العظام، مفصل العظم الناتئ يدخل في العظم الذي يتجوفه، لو زاد هذا قليلاً لما صلح، ولو نقص لما صلح، من ركبه هذا التركيب؟ كم هي من عظام؟ وكم هي من عروق؟ ثلاثمائة وستون عرقاً، ثلاثمائة وستون عضلة، ثلاثمائة وستون مفصلاً، ثلاثمائة وستون عظمة، كل هذه مركبة فيك من أولك إلى آخرك. يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨] خلقك فسواك فعدلك، ليس هناك أجمل من خلقة الإنسان، جميع الحيوانات تمشي وظهورها أفقية، إلا أنت فمستو على رجلين، وجرب أن تمشي يوماً من الأيام على أربع، كيف تمشي؟ لكن الله سواك فعدلك، وبعد ذلك في أي صورة -في أي شكل جمالي- ما شاء ركبك، ثم قال: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الانفطار:٩] فخالقك هذا الخلق العجيب، وبهذا الإبداع والتركيب هو الله ﵎، يقول الله : ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٤] الذي خلقك هو الله ﵎، ويقول : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:١ - ٢] ويقول : ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان:١ - ٢] من نطفة أمشاج يعني: أخلاط، تختلط النطفة مع بويضة المرأة، نبتليه: نختبره ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٢ - ٣]. ثم يتم هذا الخلق عبر المراحل التي ذكرناها، يقول نوح لقومه: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ [نوح:١٣ - ١٤] من هي المرأة التي تستطيع أن تحملك لو أن الله خلقك بصورتك هذه في بطن أمك؟ لكن الله خلقك في بطن الأم نطفة، وبعد ذلك تتدرج في النمو وهي تعاني أياماً إلى أن تكتمل، وإذا جاء الشهر التاسع، والذي يسمونه شهر الكرب، يقولون: فلانة أكربت يعني: بلغ بها الضيق والكرب مبلغه؛ لأنك اكتملت وأصبحت جاهزاً للخروج فتصبر عليك شهراً واحداً فقط، ثم تخرج ويقولون: فرّج الله كربها؛ لأن الله خلصها منك، لكن لو أن الله خلقك هكذا كاملاً في بطن أمك، ترفس وتركل في بطنها من يوم أن خلقت، كيف تكون حال أمك؟ لا تستطيع أن تتحملك يوماً واحداً. أنت الآن إذا أكلت وشبعت، وأتيت لتنام لا يأتيك النوم فبطنك تؤلمك! لماذا؟ لأنك أكلت كيلو أو نصف كيلو لحم، وتبحث عن مهضمات أو عن شيء يخرج منك هذا الطعام، فكيف لو أنك مكتمل في بطن أمك. لكن الله خلقك أطواراً، تتدرج من نطفة إلى علقة إلى مضغة، إلى أن صرت إنساناً وأخرجك الله إلى هذه الحياة.

стр. 839

الإعجاز في تركيب الرأس جملة هذا الخلق يتم بدقة وإعجاز لا يعلمه إلا الله، وسوف أذكر لكم شيئاً من الإعجاز في خلق الإنسان: الرأس: هذا الرأس يحمي الجواهر التي تتحكم في حياة الإنسان: العينين، الأذنين، الأنف، اللسان، الفم، الأضراس، هذه كلها في الرأس، ولو فقد الإنسان يده أو رجله يمكن أن يعيش، لكن لو قطعت رأسه مات؟ ولهذا الذي يحكم عليه بالإعدام ماذا يقطعون منه؟ رأسه، لكن لو قطعوا يده أو رجله فيمكن أن يعيش، لكن لو قطعوا رأسه لا يعيش. إن الرأس فيه أسرار من الخلق لا يعلمها إلا الله، فيها ثمانية أنهار، عينان تفرزان ماءً مالحاً، وأذنان تفرزان مادة صمغية، وأنف فيه فتحتان تفرزان مادة مخاطية لزجة، والفم يفرز مواد لعابية حلوة، ثمانية أصناف تصب من هذه الرأس، فإذن من الذي جعل العين تفرز ماءً مالحاً؟ لو كان هذا الذي في العين ليس مالحاً لفسدت العين من أول يوم؛ لأن العين شحمة، والشحم يتعفن، إذا لم تضع عليه ملحاً، فجعل الله في عينك مادة ملحية من أجل أن تبقى عينك سليمة، وتعمل على مدار اليوم. وجعل الله في أذنيك مادة صمغية، فحين تغسل أو تحك أذنك بقطعة من القطن حاول أن تضعها في فمك أو على لسانك، فتجد لها طعماً مراً أمر من العلقم، لماذا؟ من أجل الحشرات، فحين تنام وأذنك مفتوحة لا يدخل في أذنك شيء، فحين يشم الرائحة يمتنع عن الدخول، والله جعل هذه المادة في أذن الإنسان من أجل أن تحميه وهو نائم. وجعل الله في أنفك مادة مخاطية من أجل أن تمسك الأتربة والغبار الذي تستنشقه أثناء تعاملك مع الحياة، هذا الجو الذي نحن الآن نعيش فيه جو ملطخ، مملوء بالأتربة، وبالميكروبات وبالجراثيم، ولو أننا نستنشق كل شيء كما هو لكانت رئة كل منا ممتلئة أتربة وغباراً، لكن جعل الله في هذا الأنف شعيرات، ومادة مخاطية تمسك الأتربة، ولهذا حين تشتغل بعمل مهني في تراب، ثم تأتي تتوضأ وتستنثر، تجد أن التراب يخرج مع الاستنثار، ولولا هذه الشعيرات لدخل هذا التراب في رأسك، وبعد يوم ويومين وثلاثة أيام يصير في رأسك طين فلا تقدر أن تعيش. بعد ذلك يكيف الجو هنا، فدرجة حرارة الجو غير درجة حرارة الجسم، فحرارة الجسم في الغالب سبع وثلاثون درجة، لكن في المناطق الباردة تجدها درجتين مئويتين أو خمساً أو عشراً فتجد الإنسان إذا برد يحصل عنده ظاهرة، وهي أن أنفه تصير حمراء، إذا برد الشخص احمّرت أنفه، لماذا تحمرُّ أنفه؟ قال العلماء: لأن أنفه تحتوي على خلايا دموية تستنشق الهواء البارد وتقوم بتدفئته وتكييفه من أجل أن يدخل الجسم وهو على درجة حرارة الجسم، وهي سبعة وثلاثون درجة، فهذا المكيف يكيف الجو، لكن بعض الناس إذا خرج من جو رطب إلى جو بارد مباشرة، فيدخل الهواء البارد الذي حرارته عشر درجات إلى الجسم الذي حرارته سبع وثلاثون درجة دون أن يكون لدى الأنف فرصة للتكييف، فيدخل الهواء البارد بسرعة، فماذا يحصل للإنسان؟ زكام، نزلة برد؛ لأنه دخل هواء أقل حرارة من حرارة الجسم. أهل المناطق الباردة إذا بردوا ترى الواحد منهم وجهه عادياً، وأنفه أحمر كالجمرة لماذا؟ لأن الدم يتدفق في الشعيرات الدموية والدماء تتدفق فيها أكثر فتحمر لكثرة حمرة الدماء في الأنف من أجل أن تقوم بتكييف الهواء الداخل حتى يتناسب مع درجة حرارة الجسم الداخلية، هذا خلق عجيب! ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]. الفم يفرز مادة لعابية، هذا اللعاب حين تتذوقه تحس أن طعمه مستساغ، لو خرج هذا اللعاب من عينك لفسدت، ولو خرجت المادة الصمغية من فمك لما استطعت أن تأكل، فكلما أردت أن تأكل وإذا بهذا الصديد في فمك أو المادة الصمغية المرة تأكلها مع طعامك إذن تفسد حياتك، من علم الأذن أن تفرز هذه المادة؟ ومن علم العين أن تفرز تلك المادة؟ ومن علم الغدد اللعابية أن تفرز هذه المادة؟ إنه الله ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠].

стр. 840

الإعجاز في خلق الفم ووظائفه هذا الفم عبارة عن مصنع صغير لتجهيز الطعام، عندما تأكل الطعام عن طريق هذا الفم، وهذا الفم يقوم مباشرة بعملية التقطيع والطحن والتمزيق والتقليب، جعل الله فيه أداة اسمها: اللسان، هذه الأداة تقوم بخلط الطعام، وجعل الله فيه مجموعة من الأضراس تتقاسم الأدوار، فهنا اثنان للتقطيع، فإذا أردت أن تقطع شيئاً تضعه عند القواطع، واثنان للتمزيق وهي الأنياب، والبقية للطحن من أجل أن تطحن بها، فإذا كنت تريد أن تقطع تمرة فتضعها في موضع معين وإذا أردت أن تقطع قطعة خبز فتضعها بكيفية أخرى، ولكن تريد أن تطحن فتحول على الأسنان الداخلية من أجل أن تطحن، كما أن الله جعل لك خلايا يسمونها غدداً لعابية تقوم بإفراز اللعاب، فاللسان يعمل، والأسنان تعمل، وتلك الغدد تقطر اللعاب كي تهضم الطعام، فإذا أصبح الطعام جاهزاً قذف به عبر البلعوم، وهناك قناة تليها اسمها المريء، فالمريء للطعام والبلعوم ينظم دخول الطعام والهواء. وهناك قصبة هوائية غضروفية تنتهي بالحنجرة، وهي مفتوحة دائماً لدخول الهواء. أما البلعوم والمريء فقد جعلها الله من أجل أن تسمح بدخول الطعام وعدم خروجه، ولذا حين تأخذ الطعام وتبتلع اللقمة فالمريء فيه عضلات لا تسمح بعودة شيء إلى الأعلى، لكن يسمح بمرور الشيء، وبمجرد دخولها فإن العضلات تعصرها حتى تنزل، ولولا هذه العضلات لكنت تحتاج كلما ابتلعت لقمة أن تأتي بعصا وتدفعها في فمك حتى تنزل، ولكن اللقمة تنزل بسهولة، وإذا أردت أن ترجع اللقمة لا ترجع، فبعض الرياضيين ينتكس على رأسه وبطنه ممتلئ فهل يخرج من فمه شيء؟ لا. لماذا؟ لأن العضلة لا تسمح بذلك، متى تسمح؟ في حالة واحدة يسمونها الاستفراغ، إذا كان في الإنسان مرض، أو إذا ملأ إنسان معدته فوق طاقتها، فيقوم المخ بإرسال إشارة إلى تلك العضلة لإخراج الزائد. كما أن الأسنان مركبة ومرتبة ترتيباً خاصاً، فتجد الثنايا في الأعلى وتقابلها ثنايا مثلها في الأسفل، وناباً تحته ناب، وضرساً تحته ضرس حتى تتم الاستفادة منها، إذ لو ركب الله ناباً في الأعلى وركب ضرساً في الأسفل يقابله لما أدت عملها بشكل صحيح، كذلك لو ركب الله ثنية يقابلها ضرس. بعد ذلك أسنان الفك العلوي تنمو إلى أسفل، وأسنان الفك السفلي تنمو إلى أعلى، ثم تلتقي في مستوى معين وتتوقف عنده، من الذي أوقف نمو أسنانك عند هذا الحد؟ لماذا لم يستمر نمو الأسنان إلى أن وصل سنك إلى رأسك؟ ونزل السن الآخر إلى أن وصل إلى بطنك؟ فكيف تعمل بها؟ لا إله إلا الله! الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى!

стр. 841

الإعجاز في خلق الشعر ووظيفته نأتي إلى الشعر الموجود في الجسم، فقد ركب الله شعراً في الحواجب، هذا الشعر له مهمة في الرؤية لماذا؟ لأنه يجمع الأشعة الشمسية ويكيفها بحيث لا تصل العين إلا بقدر مناسب، وبعد ذلك جعل الله هنا جفوناً، هذه الجفون وسائل حماية، ولهذا ترى شعر الجفن ينمو بشكل مستقيم، وتكون مثل الرماح المركوزة للدفاع عن العين؛ لأنها جوهرة، وبعد ذلك شعر الجفون ينمو إلى حد معين، وشعر الحواجب ينمو إلى حد معين، ما رأينا شعر جفن نما إلى أن صار شبراً، ما ظنكم لو نما شعر الجفون وصار طويلاً جداً؟ الناس يتغنون الآن بالجفون الطويلة، والرمش الطويل، لكن الطويل المعقول، أما إذا صار رمشك أو جفنك شبراً، هل يتغنى بك أحد حينذاك؟ لو زاد طول شعر الحاجب عن الحد المعقول لغطى على العين ولما تيسر لك النظر، بينما شعر الرأس ينمو وتقصه وشعر اللحية ينمو إلى مستوى معين وتبقيه أو تحلقه إن كنت من الذين يحلقون لحاهم، لكن شعر العين لا. ينمو إلى مستو معين ويقف، من الذي أوقف نمو هذا الشعر ولم يوقف نمو الشعر ذاك؟ إنه الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.

стр. 842

الإعجاز في خلق المعدة ووظيفتها ينزل الطعام إلى المعدة، والمعدة جهاز يستقبل الطعام ويقوم بإفراز مواد قلوية وحمضيات أشبه بالأسيد، ولهذا الذي يمرض ثم يتقيأ يصعد مع القيء سائل أصفر مر وحامض جداً، هذه هي الأحماض والعصارات القلوية الموجودة داخل المعدة، مهمة هذه الأحماض أنها تهضم الطعام، كيف تهضمه وهو ممضوغ داخل الفم؟ لكن إذا وصل إلى البطن فإنه يحتاج إلى هضم، أي: تتحلل أجزاؤه بعضها عن بعض، من يقوم بهذا الدور؟ المعدة، تهضم الطعام وهي لا تهضم نفسها، تهضم اللحم وهي لحم ولكنه لا ينهضم، فالمعدة عبارة عن لحمة تفرز مادة عصارية تهضم اللحوم لكنها لا تهضم نفسها، وبعد ذلك ينتقل هذا الطعام بعد الهضم إلى مراحل أخرى، وهي الأمعاء الدقيقة والغليظة، ثم يبدأ الناتج بالتوزع والمرور على أجهزة أخرى عن طريق الدم، ومن ثم تخرج المواد الزائدة عن طريق الجهاز البولي على شكل بول، والجهاز الإخراجي على شكل فضلات، وأنت لا تعلم كل ذلك، أنت تدخل الطعام وهناك معامل ربانية، وأجهزة صنعها الله لك لا تعلم عنها، ولكن الله يجريها لك.

стр. 843

الإعجاز في خلق الكلية ووظيفتها هناك جهاز واحد فقط أتكلم عنه باختصار؛ لأن أمراضه شائعة في هذا الزمان، وهو الفشل الكلوي. الكلية ركبها الله في ظهر كل إنسان، والكلية الواحدة أصغر من قبضة الكف، وتحتوي كل كلية على ثلاثة ملايين وحدة تنقية، أي: مركب لك أنت الآن ستة ملايين وحدة تنقية، وتستطيع أن تعيش بكلية واحدة، ولكن الله ركب لك اثنتين من أجل إذا مرضت واحدة عملت بالثانية، أو إذا مرض أخوك أو أبوك أو زوجتك وتريد أن تسعفه تعطيه إحدى كليتيك، وتموت أنت ولديك كلية واحدة، هذه الكلية مهمتها استقبال الدم وتنقيته وتخليصه من السموم والشوائب والأملاح والأخلاط التي ترادفه ثم تحول هذه السموم والأخلاط إلى البول، والبقية من الدم يرجع إلى الجسم وقد تصفي مائة في المائة. وقد يحصل للإنسان مرض يسمونه مرض الفشل: وهو أن الكلية لا تستطيع أن تؤدي دورها كاملاً في تنقية الدم، فكان الناس في الماضي يعانون حتى الموت، لكن مع تقدم الطب استطاعوا أن يقوموا بإيجاد أجهزة يسمونها الكلية الصناعية، هذه الأجهزة تقوم بوظيفة الكلية، لكن ليس بكل وظائفها وإنما تقوم فقط بعشرة في المائة من وظيفة الكلى، وهي تخليص الدم من السموم، أما جميع الأشياء فلا، والكلية الصناعية كبيرة جداً، وفيها أجهزة معقدة وأشياء تبهر العقل، ومع هذا تحتوي كل كلية صناعية على خمسين ألف وحدة تنقية، بينما كليتك الصغيرة تحتوي على ثلاثة ملايين وحدة تنقية، والجهاز الكبير هذا يحتوي على خمسين ألفاً فقط، تصور إذا أردنا أجهزة على عدد وحدات كلية إنسان، كم نحتاج إلى أجهزة؟ نحتاج إلى عشرين كلية صناعية من أجل أن توفر مليون وحدة تنقية، أي: ستون كلية صناعية تقوم بدور واحدة فقط من كليتيك، أي: مائة وعشرون كلية صناعية تقوم مقام كليتين معلقتين في ظهرك وزن الواحدة منها ثلاثمائة جرام، أو مائتان وخمسون جراماً، هذه الكلى التي معك لا تعلم بنعمة الله عليك فيها، فأنت تأكل الطعام وتخرج منك هذه الفضلات، ولو حبس الله فيك البلاء لمت. أحد الإخوة أصيب بفشلٍ كلوي، فأصبح يغسل الدم مرتين كل أسبوع، يأتي يوم الأحد والأربعاء من كل أسبوع، ويجلس ساعتين تحت الكلية الصناعية، يسحبون دمه كله ويذهب في الكلية الصناعية ويرجع من هناك ويخرج وهو متعب يحتاج إلى ساعات من الراحة بعد هذه العملية الشاقة، وبعد ذلك تبرع له أحد أقاربه بكلية بشرية، وعملت له عملية، ونجحت العملية والحمد لله، يقول هذا الأخ: بعد انتهاء العملية كانت أول مرة أذهب فيها إلى دورة المياه منذ أكثر من خمس سنوات، فالبول من أين يأتي؟ عن طريق الكلية، فالذي عنده غسيل صناعي لا يبول أبداً، يقول: لما دخلت دورة المياه وخرج مني هذا البول حمدت الله حمداً لا أشعر بأن في الدنيا أعظم مني حمداً لله ، لماذا؟ يقول: لأنه خرج مني هذا الشيء بسهولة، كان يخرج مني بعد تعب عن طريق الكلية الصناعية، وأنت -يا أخي- الآن تعيش هذه النعمة ولا تقدر نعمة الله عليك. كان أحد العلماء عند أحد الخلفاء، وكان يوماً شديد الحر، فعطش الملك فقال لخادمه: عليَّ بالماء، فجاءوا له بالماء، فلما أراد أن يشرب، قال له العالم الذي بجانبه: يا أمير المؤمنين! لو حبست عنك هذه الشربة إلا بنصف ملكك أكنت تفتديها؟ قال: نعم. لأنه سوف يموت عطشاً، ماذا يعمل بملكه وليس معه ماء، قال: تفضل اشرب فشربها، فلما شرب وارتوى أراد أن يقوم، قال: إلى أين؟ قال: إلى الحمام، يريد أن يخرج هذه الشربة، قال: لو حبست فيك تلك الشربة إلا بالنصف الثاني من الملك أكنت تفتديها؟ قال: نعم. أفتديها، قال: والله لا أحزن على ملكٍ لا يساوي شربة ماء ولا دفقة بول. فخلقك عجيب -أيها الإنسان- وهو آية من آيات الله ﵎ الذي خلقك على هذه الهيئة، يقول الله : ﴿فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:٥ - ٦] المني ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق:٧ - ٨] ويقول : ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس:١٧ - ١٩] ويقول: ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج:٣٩] يتنزه الله أن يذكر ذلك، كأنه يقول لنا: إنه يعلم من أي شيء خلقنا؟ من أي شيء؟ مما يعلمون ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [المعارج:٤٠ - ٤١] يقول الله: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس:١٧ - ٢٣] ويقول : ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات:٢٠] لماذا تتعالون على الله وتتكبرون؟ لماذا التغطرس؟ أبالمال؟ المال مال الله. أبالخلق؟ الخلق من الله. أبالعز والجاه؟ الجاه من الله، يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، إذاً لا مبرر لأن تتكبر -أيها الإنسان- لا مبرر لأن تتعالى -أيها الإنسان- إنما تتعالى بشيءٍ يحصل منك، وليس يحصل منك شيء قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] يقول : ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر:٦] ظلمة الرحم، وظلمة البطن، وظلمة المشيمة: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر:٦] نطفة، ثم علقة، ثم مضغة: ﴿خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر:٦] وهذه العملية تتم أمامنا في كل يوم، ونشهد كل يوم مولوداً يولد، ويبشر بقدومه إلى هذه الحياة، مَنْ خَلَقَه؟ إنه الله الذي لا إله إلا هو. هذه الحقيقة الأولى: حقيقة الخلق والإيجاد.

стр. 844

الحقيقة الثانية: حقيقة الموت تأتي الحقيقة الثانية، الحقيقة المرة التي لا يودها أحد ألا وهي: الموت. الموت مفرق الجماعات، مبدد الشعوب والأمم، قاهر الظلمة، لا يستأذن على أحد، ولا يخاف من أحد، يقول الله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَاز﴾ [آل عمران:١٨٥] هذا هو الفوز، وليس الفوز أن تبني عمارة، أو تنكح زوجة، أو تحتل وظيفة، أو يكون لك أي شيء في هذه الدنيا، فإن هذا فوز مؤقت محدد يزول بانتهاء الحياة، لكن الفوز يوم أن تزحزح عن النار وتدخل الجنة ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] ويقول : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥] ويقول : ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] ويقول : ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] تحيد أي: تفر. هل هناك شخص يريد الموت؟ كل شخص يرى أن الموت آتٍ فهو يهرب منه لا يريده، لكن الله يقول: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة:٨] كل شيء إذا فررت منه تبتعد عنه إلا الموت، إذا فررت منه اقتربت إليه، أي شيء تفر منه من ثعبان أو أسد فإن المسافة تزداد بينك وبينه، إلا الموت إذا فررت منه تقرب المسافة بينكما، إذاً لا تفر منه، واقترب منه، فإذا اقتربت فإنك تصل وأنت سالم، لكن إذا فررت كأنك تستعجل الموت أيها الإنسان، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُم﴾ [الجمعة:٨] وهل سمعنا أن أحداً استطاع أن يمتنع من الموت؟ قال : ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عليهمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤]. والموت سنة كونية لا تأتي بالحوادث ولا بالحروب ولا بأي شيء، وإنما وفق تقدير الله، تجد حادثاً مرورياً يموت فيه عشرة أشخاص إلا طفلاً رضيعاً، أصحاب العضلات ماتوا والطفل الرضيع وجدوه في مهده معافى. في الزلزال الذي حصل في مصر وجدوا شخصاً بعد ثمانين ساعة تحت الأنقاض، وأتوا عليه وهو سالم، لا هواء ولا ماء ولا غذاء والله كتب له النجاة، لماذا؟ لم يأذن الله بموته، ليس الذي يميت هو الزلزال أو البحر، أو الطائرات هذه أسباب لكن الذي يحيي ويميت هو الله، فإذا أراد الله أن تحيا حييت ولو كنت في البحر، أو الحريق أو الطائرة أو السيارة، وإذا أراد الله أن تموت فإنك تموت ولو كنت على فراشك. امرأة كان لها ولد يدرس في أمريكا، وجاء يقضي إجازته عندها، وبعد ذلك انتهت الإجازة وأراد أن يرجع إلى دراسته التي يريد أن يكملها في أمريكا، وأمه تريد أن يطيل الإجازة ولا تريده أن يسافر، فأخبرها بأنه حجز على الرحلة الفلانية، وطلب منها أن توقظه قبل الرحلة بحوالي ساعتين أو ثلاث من أجل أن يدرك الطائرة، فتركته ينام ولم توقظه من أجل أن يستيقظ وقد فاتت الرحلة، فيذهب ليحجز من جديد فيطيل المكث معها، الأم تطمع في ولدها، وهو مسكين يريد أن يسافر، فلما نام وانتهت الرحلة وهو نائم قامت تسمع الأخبار وإذا بها تسمع خبر أن الرحلة التي كان مقرراً أن يركب فيها هذا الولد قد أقلعت من المطار، وعند نهاية المدرج حصل في الطائرة خلل فاحترقت، وهلك جميع الركاب الموجودين في الطائرة، والطائرة لا زالت في بداية الإقلاع، وأذاعوا البيان والتعازي -وكان ذلك في بلد عربي قبل سنوات- فالأم فرحت أن ولدها لم يسافر، وأنها كانت السبب في أنه موجود، فجاءت تبشره أن الله نجاه، فلما جاءته وجدته ميتاً في فراشه، فكان متوقعاً أن يموت في الطائرة فمات في فراشه. آخر كان يعمل في عمارة في الدور السابع، وأثناء عمله فقد توازنه وسقط من أعلى، وأخذ يسقط على الألواح الخشبية الواحد إثر الآخر حتى سقط على كومة رمل أسفل العمارة، وإذا به واقف ولم يصبه شيء، فنظر فيمن حوله وضحك من الفرحة، والناس الذي رأوه يسقط من السماء يضحكون ويتعجبون من سلامته، وزملاؤه الذين معه في عجب، ففرح الرجل ومن فرحته قال لمن حوله: والله لأسقينكم شراباً، أي: بمناسبة السلامة، من أين يسقيهم شراباً؟ الشراب في بقالة مقابلة للعمارة، فقطع الشارع يريد أن يأتي بالشراب وكان ذلك مع مجيء سيارة مسرعة قطعته قطعة قطعة. الله قد قدر عليه أن يموت في تلك اللحظة وهو في الدور السابع على الألواح، ولو نزل بواسطة الدرج فسوف يتأخر، فالله أنزله بقوة، أنزله بسقطة من أجل أن يموت في تلك اللحظة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨]. فحقيقة الموت مرة نعيشها ونستقبلها، ولكن ليس الموت هو المهم، يقول خبيب بن عدي: وما بي حذار الموت إني لميتٌ ولكن حذاري جحم نار تلفع والآخر يقول: ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شيء والآخر يقول: لهوت وغرتك الأماني وعندما أتمت لك الأفراح فوجئت بالقبر الإنسان يتعب طيلة حياته ويجمع ويبني، فإذا تزينت له من كل جانب، فكثرت الأموال، وزادت العمارات، وكثر الأولاد، وأصبح منعماً، جاءه الموت فأفسد عليه تلك الحال. زرت رجلاً من الأثرياء جاءته تعويضات بالملايين عن أراضٍ له ومزارع وبيوت اخترقها مشروع حكومي، ولما صار عنده الملايين زرته، وإذا بالرجل مسكين في السبعين من عمره، وإذا به يكاد يتقطع قلبه من الحسرات والندامات، قلت: ما بك؟ قال: مصيبة يا ولدي، قلت: ما الأمر؟ قال: الملايين ما أتتني إلا وأنا كهل، يقول: ملايين وأنا كهل! ماذا أفعل بها؟ قلت: مم تشكو؟ قال: أشكو من السكري ولا أذوق شيئاً لا اللحم ولا الشحم ولا الرز لا آكل إلا خبزة يابسة مع فنجان حليب بدون سكر، والملايين موجودة في البنك، يقول: والمرأة لا أقدر على ضربها؛ لأنه كهل، يقول: والنوم لا يأتيني، يقول: أتمنى أن الملايين أتتني وأنا شاب، كنت استفدت منها، إذاً، قلت له: أتريد أن تستفيد منها؟ قال: نعم. قلت: أرسلها إلى الآخرة حتى تستفيد منها، قال: هل تريدني أن أضيع مالي، قلت: أنت مضيع مالك لا محالة ولكن قدمه لك فلا تضيعه، ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت، يقول: إنك تريدني أن أضيع مالي، قلت: الذي يضيع ماله هو الذي يتركه، أما الذي يقدمه إلى الله فإنه لم يضيّع نفسه ولا ماله، بل هو والله العاقل.

стр. 845

الحقيقة الثالثة: حقيقة البعث وأساليب القرآن في إثباتها فالموت -أيها الإخوة- يأتي على الناس وينقلهم من هذه الدنيا إلى الحقيقة الثالثة وهي: حقيقة الآخرة، حقيقة البعث، وهذه الحقيقة هي التي نحتاج أن نتوسع فيها إن شاء الله. قضية البعث من أبرز قضايا العقائد، وهي ركن من أركان الإيمان في حديث جبريل لما سأل عن الإيمان قال: (وأن تؤمن بالبعث بعد الموت) وكادت تكون القضية الكبرى بعد قضية التوحيد في كتاب الله، خصوصاً في القرآن الذي نزل على النبي ﷺ في مكة لتثبيت العقيدة، فكانت قضية التوحيد ومحاربة الشرك، والتركيز على البعث هما أهم قضيتين تناولهما القرآن: القضية الأولى: لإفراد العبودية لله. والقضية الثانية: للإيمان بالبعث. لأنه إذا آمن الإنسان بالبعث انضبط سلوكه، واستقام في منهجه؛ لأنه يعرف أنه سيبعث، فجاء التركيز عليها بشكل قوي، وعالجها القرآن بوسائل وأساليب كثيرة. ومن هذه الأساليب:
следующие страницы →