← Джавами‘

Джавами‘ · id 7736

دروس للشيخ سعيد بن مسفر

سعيد بن مسفر

Полный текст (2 982 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الإعجاز في خلق الشعر ووظيفته نأتي إلى الشعر الموجود في الجسم، فقد ركب الله شعراً في الحواجب، هذا الشعر له مهمة في الرؤية لماذا؟ لأنه يجمع الأشعة الشمسية ويكيفها بحيث لا تصل العين إلا بقدر مناسب، وبعد ذلك جعل الله هنا جفوناً، هذه الجفون وسائل حماية، ولهذا ترى شعر الجفن ينمو بشكل مستقيم، وتكون مثل الرماح المركوزة للدفاع عن العين؛ لأنها جوهرة، وبعد ذلك شعر الجفون ينمو إلى حد معين، وشعر الحواجب ينمو إلى حد معين، ما رأينا شعر جفن نما إلى أن صار شبراً، ما ظنكم لو نما شعر الجفون وصار طويلاً جداً؟ الناس يتغنون الآن بالجفون الطويلة، والرمش الطويل، لكن الطويل المعقول، أما إذا صار رمشك أو جفنك شبراً، هل يتغنى بك أحد حينذاك؟ لو زاد طول شعر الحاجب عن الحد المعقول لغطى على العين ولما تيسر لك النظر، بينما شعر الرأس ينمو وتقصه وشعر اللحية ينمو إلى مستوى معين وتبقيه أو تحلقه إن كنت من الذين يحلقون لحاهم، لكن شعر العين لا. ينمو إلى مستو معين ويقف، من الذي أوقف نمو هذا الشعر ولم يوقف نمو الشعر ذاك؟ إنه الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.

стр. 842

الإعجاز في خلق المعدة ووظيفتها ينزل الطعام إلى المعدة، والمعدة جهاز يستقبل الطعام ويقوم بإفراز مواد قلوية وحمضيات أشبه بالأسيد، ولهذا الذي يمرض ثم يتقيأ يصعد مع القيء سائل أصفر مر وحامض جداً، هذه هي الأحماض والعصارات القلوية الموجودة داخل المعدة، مهمة هذه الأحماض أنها تهضم الطعام، كيف تهضمه وهو ممضوغ داخل الفم؟ لكن إذا وصل إلى البطن فإنه يحتاج إلى هضم، أي: تتحلل أجزاؤه بعضها عن بعض، من يقوم بهذا الدور؟ المعدة، تهضم الطعام وهي لا تهضم نفسها، تهضم اللحم وهي لحم ولكنه لا ينهضم، فالمعدة عبارة عن لحمة تفرز مادة عصارية تهضم اللحوم لكنها لا تهضم نفسها، وبعد ذلك ينتقل هذا الطعام بعد الهضم إلى مراحل أخرى، وهي الأمعاء الدقيقة والغليظة، ثم يبدأ الناتج بالتوزع والمرور على أجهزة أخرى عن طريق الدم، ومن ثم تخرج المواد الزائدة عن طريق الجهاز البولي على شكل بول، والجهاز الإخراجي على شكل فضلات، وأنت لا تعلم كل ذلك، أنت تدخل الطعام وهناك معامل ربانية، وأجهزة صنعها الله لك لا تعلم عنها، ولكن الله يجريها لك.

стр. 843

الإعجاز في خلق الكلية ووظيفتها هناك جهاز واحد فقط أتكلم عنه باختصار؛ لأن أمراضه شائعة في هذا الزمان، وهو الفشل الكلوي. الكلية ركبها الله في ظهر كل إنسان، والكلية الواحدة أصغر من قبضة الكف، وتحتوي كل كلية على ثلاثة ملايين وحدة تنقية، أي: مركب لك أنت الآن ستة ملايين وحدة تنقية، وتستطيع أن تعيش بكلية واحدة، ولكن الله ركب لك اثنتين من أجل إذا مرضت واحدة عملت بالثانية، أو إذا مرض أخوك أو أبوك أو زوجتك وتريد أن تسعفه تعطيه إحدى كليتيك، وتموت أنت ولديك كلية واحدة، هذه الكلية مهمتها استقبال الدم وتنقيته وتخليصه من السموم والشوائب والأملاح والأخلاط التي ترادفه ثم تحول هذه السموم والأخلاط إلى البول، والبقية من الدم يرجع إلى الجسم وقد تصفي مائة في المائة. وقد يحصل للإنسان مرض يسمونه مرض الفشل: وهو أن الكلية لا تستطيع أن تؤدي دورها كاملاً في تنقية الدم، فكان الناس في الماضي يعانون حتى الموت، لكن مع تقدم الطب استطاعوا أن يقوموا بإيجاد أجهزة يسمونها الكلية الصناعية، هذه الأجهزة تقوم بوظيفة الكلية، لكن ليس بكل وظائفها وإنما تقوم فقط بعشرة في المائة من وظيفة الكلى، وهي تخليص الدم من السموم، أما جميع الأشياء فلا، والكلية الصناعية كبيرة جداً، وفيها أجهزة معقدة وأشياء تبهر العقل، ومع هذا تحتوي كل كلية صناعية على خمسين ألف وحدة تنقية، بينما كليتك الصغيرة تحتوي على ثلاثة ملايين وحدة تنقية، والجهاز الكبير هذا يحتوي على خمسين ألفاً فقط، تصور إذا أردنا أجهزة على عدد وحدات كلية إنسان، كم نحتاج إلى أجهزة؟ نحتاج إلى عشرين كلية صناعية من أجل أن توفر مليون وحدة تنقية، أي: ستون كلية صناعية تقوم بدور واحدة فقط من كليتيك، أي: مائة وعشرون كلية صناعية تقوم مقام كليتين معلقتين في ظهرك وزن الواحدة منها ثلاثمائة جرام، أو مائتان وخمسون جراماً، هذه الكلى التي معك لا تعلم بنعمة الله عليك فيها، فأنت تأكل الطعام وتخرج منك هذه الفضلات، ولو حبس الله فيك البلاء لمت. أحد الإخوة أصيب بفشلٍ كلوي، فأصبح يغسل الدم مرتين كل أسبوع، يأتي يوم الأحد والأربعاء من كل أسبوع، ويجلس ساعتين تحت الكلية الصناعية، يسحبون دمه كله ويذهب في الكلية الصناعية ويرجع من هناك ويخرج وهو متعب يحتاج إلى ساعات من الراحة بعد هذه العملية الشاقة، وبعد ذلك تبرع له أحد أقاربه بكلية بشرية، وعملت له عملية، ونجحت العملية والحمد لله، يقول هذا الأخ: بعد انتهاء العملية كانت أول مرة أذهب فيها إلى دورة المياه منذ أكثر من خمس سنوات، فالبول من أين يأتي؟ عن طريق الكلية، فالذي عنده غسيل صناعي لا يبول أبداً، يقول: لما دخلت دورة المياه وخرج مني هذا البول حمدت الله حمداً لا أشعر بأن في الدنيا أعظم مني حمداً لله ، لماذا؟ يقول: لأنه خرج مني هذا الشيء بسهولة، كان يخرج مني بعد تعب عن طريق الكلية الصناعية، وأنت -يا أخي- الآن تعيش هذه النعمة ولا تقدر نعمة الله عليك. كان أحد العلماء عند أحد الخلفاء، وكان يوماً شديد الحر، فعطش الملك فقال لخادمه: عليَّ بالماء، فجاءوا له بالماء، فلما أراد أن يشرب، قال له العالم الذي بجانبه: يا أمير المؤمنين! لو حبست عنك هذه الشربة إلا بنصف ملكك أكنت تفتديها؟ قال: نعم. لأنه سوف يموت عطشاً، ماذا يعمل بملكه وليس معه ماء، قال: تفضل اشرب فشربها، فلما شرب وارتوى أراد أن يقوم، قال: إلى أين؟ قال: إلى الحمام، يريد أن يخرج هذه الشربة، قال: لو حبست فيك تلك الشربة إلا بالنصف الثاني من الملك أكنت تفتديها؟ قال: نعم. أفتديها، قال: والله لا أحزن على ملكٍ لا يساوي شربة ماء ولا دفقة بول. فخلقك عجيب -أيها الإنسان- وهو آية من آيات الله ﵎ الذي خلقك على هذه الهيئة، يقول الله : ﴿فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:٥ - ٦] المني ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق:٧ - ٨] ويقول : ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس:١٧ - ١٩] ويقول: ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج:٣٩] يتنزه الله أن يذكر ذلك، كأنه يقول لنا: إنه يعلم من أي شيء خلقنا؟ من أي شيء؟ مما يعلمون ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [المعارج:٤٠ - ٤١] يقول الله: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس:١٧ - ٢٣] ويقول : ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات:٢٠] لماذا تتعالون على الله وتتكبرون؟ لماذا التغطرس؟ أبالمال؟ المال مال الله. أبالخلق؟ الخلق من الله. أبالعز والجاه؟ الجاه من الله، يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، إذاً لا مبرر لأن تتكبر -أيها الإنسان- لا مبرر لأن تتعالى -أيها الإنسان- إنما تتعالى بشيءٍ يحصل منك، وليس يحصل منك شيء قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] يقول : ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر:٦] ظلمة الرحم، وظلمة البطن، وظلمة المشيمة: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر:٦] نطفة، ثم علقة، ثم مضغة: ﴿خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر:٦] وهذه العملية تتم أمامنا في كل يوم، ونشهد كل يوم مولوداً يولد، ويبشر بقدومه إلى هذه الحياة، مَنْ خَلَقَه؟ إنه الله الذي لا إله إلا هو. هذه الحقيقة الأولى: حقيقة الخلق والإيجاد.

стр. 844

الحقيقة الثانية: حقيقة الموت تأتي الحقيقة الثانية، الحقيقة المرة التي لا يودها أحد ألا وهي: الموت. الموت مفرق الجماعات، مبدد الشعوب والأمم، قاهر الظلمة، لا يستأذن على أحد، ولا يخاف من أحد، يقول الله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَاز﴾ [آل عمران:١٨٥] هذا هو الفوز، وليس الفوز أن تبني عمارة، أو تنكح زوجة، أو تحتل وظيفة، أو يكون لك أي شيء في هذه الدنيا، فإن هذا فوز مؤقت محدد يزول بانتهاء الحياة، لكن الفوز يوم أن تزحزح عن النار وتدخل الجنة ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] ويقول : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥] ويقول : ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] ويقول : ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] تحيد أي: تفر. هل هناك شخص يريد الموت؟ كل شخص يرى أن الموت آتٍ فهو يهرب منه لا يريده، لكن الله يقول: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة:٨] كل شيء إذا فررت منه تبتعد عنه إلا الموت، إذا فررت منه اقتربت إليه، أي شيء تفر منه من ثعبان أو أسد فإن المسافة تزداد بينك وبينه، إلا الموت إذا فررت منه تقرب المسافة بينكما، إذاً لا تفر منه، واقترب منه، فإذا اقتربت فإنك تصل وأنت سالم، لكن إذا فررت كأنك تستعجل الموت أيها الإنسان، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُم﴾ [الجمعة:٨] وهل سمعنا أن أحداً استطاع أن يمتنع من الموت؟ قال : ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عليهمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤]. والموت سنة كونية لا تأتي بالحوادث ولا بالحروب ولا بأي شيء، وإنما وفق تقدير الله، تجد حادثاً مرورياً يموت فيه عشرة أشخاص إلا طفلاً رضيعاً، أصحاب العضلات ماتوا والطفل الرضيع وجدوه في مهده معافى. في الزلزال الذي حصل في مصر وجدوا شخصاً بعد ثمانين ساعة تحت الأنقاض، وأتوا عليه وهو سالم، لا هواء ولا ماء ولا غذاء والله كتب له النجاة، لماذا؟ لم يأذن الله بموته، ليس الذي يميت هو الزلزال أو البحر، أو الطائرات هذه أسباب لكن الذي يحيي ويميت هو الله، فإذا أراد الله أن تحيا حييت ولو كنت في البحر، أو الحريق أو الطائرة أو السيارة، وإذا أراد الله أن تموت فإنك تموت ولو كنت على فراشك. امرأة كان لها ولد يدرس في أمريكا، وجاء يقضي إجازته عندها، وبعد ذلك انتهت الإجازة وأراد أن يرجع إلى دراسته التي يريد أن يكملها في أمريكا، وأمه تريد أن يطيل الإجازة ولا تريده أن يسافر، فأخبرها بأنه حجز على الرحلة الفلانية، وطلب منها أن توقظه قبل الرحلة بحوالي ساعتين أو ثلاث من أجل أن يدرك الطائرة، فتركته ينام ولم توقظه من أجل أن يستيقظ وقد فاتت الرحلة، فيذهب ليحجز من جديد فيطيل المكث معها، الأم تطمع في ولدها، وهو مسكين يريد أن يسافر، فلما نام وانتهت الرحلة وهو نائم قامت تسمع الأخبار وإذا بها تسمع خبر أن الرحلة التي كان مقرراً أن يركب فيها هذا الولد قد أقلعت من المطار، وعند نهاية المدرج حصل في الطائرة خلل فاحترقت، وهلك جميع الركاب الموجودين في الطائرة، والطائرة لا زالت في بداية الإقلاع، وأذاعوا البيان والتعازي -وكان ذلك في بلد عربي قبل سنوات- فالأم فرحت أن ولدها لم يسافر، وأنها كانت السبب في أنه موجود، فجاءت تبشره أن الله نجاه، فلما جاءته وجدته ميتاً في فراشه، فكان متوقعاً أن يموت في الطائرة فمات في فراشه. آخر كان يعمل في عمارة في الدور السابع، وأثناء عمله فقد توازنه وسقط من أعلى، وأخذ يسقط على الألواح الخشبية الواحد إثر الآخر حتى سقط على كومة رمل أسفل العمارة، وإذا به واقف ولم يصبه شيء، فنظر فيمن حوله وضحك من الفرحة، والناس الذي رأوه يسقط من السماء يضحكون ويتعجبون من سلامته، وزملاؤه الذين معه في عجب، ففرح الرجل ومن فرحته قال لمن حوله: والله لأسقينكم شراباً، أي: بمناسبة السلامة، من أين يسقيهم شراباً؟ الشراب في بقالة مقابلة للعمارة، فقطع الشارع يريد أن يأتي بالشراب وكان ذلك مع مجيء سيارة مسرعة قطعته قطعة قطعة. الله قد قدر عليه أن يموت في تلك اللحظة وهو في الدور السابع على الألواح، ولو نزل بواسطة الدرج فسوف يتأخر، فالله أنزله بقوة، أنزله بسقطة من أجل أن يموت في تلك اللحظة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨]. فحقيقة الموت مرة نعيشها ونستقبلها، ولكن ليس الموت هو المهم، يقول خبيب بن عدي: وما بي حذار الموت إني لميتٌ ولكن حذاري جحم نار تلفع والآخر يقول: ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شيء والآخر يقول: لهوت وغرتك الأماني وعندما أتمت لك الأفراح فوجئت بالقبر الإنسان يتعب طيلة حياته ويجمع ويبني، فإذا تزينت له من كل جانب، فكثرت الأموال، وزادت العمارات، وكثر الأولاد، وأصبح منعماً، جاءه الموت فأفسد عليه تلك الحال. زرت رجلاً من الأثرياء جاءته تعويضات بالملايين عن أراضٍ له ومزارع وبيوت اخترقها مشروع حكومي، ولما صار عنده الملايين زرته، وإذا بالرجل مسكين في السبعين من عمره، وإذا به يكاد يتقطع قلبه من الحسرات والندامات، قلت: ما بك؟ قال: مصيبة يا ولدي، قلت: ما الأمر؟ قال: الملايين ما أتتني إلا وأنا كهل، يقول: ملايين وأنا كهل! ماذا أفعل بها؟ قلت: مم تشكو؟ قال: أشكو من السكري ولا أذوق شيئاً لا اللحم ولا الشحم ولا الرز لا آكل إلا خبزة يابسة مع فنجان حليب بدون سكر، والملايين موجودة في البنك، يقول: والمرأة لا أقدر على ضربها؛ لأنه كهل، يقول: والنوم لا يأتيني، يقول: أتمنى أن الملايين أتتني وأنا شاب، كنت استفدت منها، إذاً، قلت له: أتريد أن تستفيد منها؟ قال: نعم. قلت: أرسلها إلى الآخرة حتى تستفيد منها، قال: هل تريدني أن أضيع مالي، قلت: أنت مضيع مالك لا محالة ولكن قدمه لك فلا تضيعه، ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت، يقول: إنك تريدني أن أضيع مالي، قلت: الذي يضيع ماله هو الذي يتركه، أما الذي يقدمه إلى الله فإنه لم يضيّع نفسه ولا ماله، بل هو والله العاقل.

стр. 845

الحقيقة الثالثة: حقيقة البعث وأساليب القرآن في إثباتها فالموت -أيها الإخوة- يأتي على الناس وينقلهم من هذه الدنيا إلى الحقيقة الثالثة وهي: حقيقة الآخرة، حقيقة البعث، وهذه الحقيقة هي التي نحتاج أن نتوسع فيها إن شاء الله. قضية البعث من أبرز قضايا العقائد، وهي ركن من أركان الإيمان في حديث جبريل لما سأل عن الإيمان قال: (وأن تؤمن بالبعث بعد الموت) وكادت تكون القضية الكبرى بعد قضية التوحيد في كتاب الله، خصوصاً في القرآن الذي نزل على النبي ﷺ في مكة لتثبيت العقيدة، فكانت قضية التوحيد ومحاربة الشرك، والتركيز على البعث هما أهم قضيتين تناولهما القرآن: القضية الأولى: لإفراد العبودية لله. والقضية الثانية: للإيمان بالبعث. لأنه إذا آمن الإنسان بالبعث انضبط سلوكه، واستقام في منهجه؛ لأنه يعرف أنه سيبعث، فجاء التركيز عليها بشكل قوي، وعالجها القرآن بوسائل وأساليب كثيرة. ومن هذه الأساليب:

стр. 846

أسلوب القسم أقسم الله في القرآن الكريم أن البعث كائن، والله لا يقسم بذاته ولا يأمر نبيه أن يقسم بذاته إلا على أمرٍ هام، يقول : ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧] الذين أنكروا البعث يصعب عليهم تصديق أن الله يرد هذا الطين آدمياً بعدما يصير طيناً، قال الله لهم: ﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧] إذا كان صعباً عليكم لأنكم بشر ضعفاء، فليس بصعب على الله، ولما سألوا قالوا: كيف يخلقنا ربنا ويعيدنا كلنا وقد مات الأولون؟ قال الله : ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨] قال: خلقكم ومن قبلكم ومن بعدكم إلى يوم القيامة وبعثكم مثل خلق وبعث نفس واحدة، وقال : ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧] ويقول: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات:٢٧] أنت -يا إنسان- خلقك أشد أم خلق السماء؟ فكيف تستغرب أن الله يخلقك مرة ثانية وقد خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن؟ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق:٣٨ - ٣٩] ويقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِليه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق:١٦ - ١٧] فيقسم الله، ويأمر رسوله أن يقسم ويقول: قل يا محمد، قل يا أيها النبي: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧] بعد أن قال: زعم، والزعم هو الكذب ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن:٧] قال الله: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧] ويقول له: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ [يونس:٥٣] يقول: الكفار يسألونك: أحق البعث؟ قال الله: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس:٥٣] ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس:٥٣] هناك: وذلك على الله يسير، وهنا: وما أنتم بمعجزين. وقال : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ:٣] الذين كفروا قالوا: ليس هناك ساعة، قال الله: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ:٣] ويقول : ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣] أمر البعث حقٌ مثلما أنك تنطق، ألست الآن تنطق؟ والله إن أمر البعث حق مثلما أنك تنطق، وبعد ذلك من الذي قال هذا؟ الله، يقول: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات:٢٣] وبعد ذلك هذا الأسلوب الأول، أسلوب التأكيد عن طريق القسم.

стр. 847

أسلوب المعالجة العقلية وعالج القرآن قضية البعث علاجاً عقلياً، عن طريق رد الإنسان إلى أصله، وتذكير الإنسان بأصل خلقته، فالقادر على البدء قادر على الإعادة، من صنع سيارة من أولها ثم تفككت بعد ذلك ألا يستطيع أن يركبها مرة ثانية؟ من صنعها من لا شيء قادر على إصلاحها وهي شيء، هذا بالنسبة للإنسان فكيف لا يكون الله قادراً على إعادة الإنسان وهو خلقه من غير شيء؟!! وإن الله ليس عنده شيء أصعب ولا شيء أسهل، كل شيء عنده سهل، قال : ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت:٣٩] ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠] ليس هناك صعب ولا سهل عند الله. يقول الله : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] انظر كيف يكون الرد، قال الله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٩] ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً﴾ [يس:٧٨] هذا العاص بن وائل أخذ عظماً من المقبرة وأتى به وفته في يد الرسول ﷺ وقال: أتزعم يا محمد أن ربك يعيدنا بعد أن نكون عظاماً رميماً؟ ثم نثر الطين بيد الرسول ﷺ ، فقال: (نعم. ويدخلك الله النار!) وفعلاً مات العاص بن وائل -أبو عمرو بن العاص - مشركاً ولم يسلم، ويدخله الله النار، ونزل القرآن مباشرة: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٧٧] خصيم أي: مجادل، يجادل النبي ﷺ ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً﴾ [يس:٧٨] أي: بالعظم الذي قد رم ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨] أي: نسي العظم الذي يحمل العظم، هو الآن جاء بعظم مفتت على عظم مركب، مَنْ خلق الأول حتى تنكر العظم الثاني؟ ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] قال الله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩] الذي خلقها أول مرة، أليس قادراً على إعادتها ثانية؟ بلى إنه قادر ﵎، فهذا رد عقلي. والرد الثاني: يقول الله : ﴿وَيَقُولُ الْأِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً﴾ [مريم:٦٦] قال الله: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ [مريم:٦٧] الإنسان يقول: أئذا ما مت لسوف أخرج حيا مرة ثانية؟ قال الله: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ﴾ [مريم:٦٧] أي: لا تذكر أنك كنت ميتاً فخلقناك ولم تك شيئاً، فالذي خلقك ولم تكن شيئاً فإنه قادر على أن يعيدك بعد أن تكون شيئاً، هذه ردود عقلية منطقية من أجل إيقاف الناس على حقيقتهم، ويقول : ﴿فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق:٥] إذا كان عندك شك في البعث فانظر من أين خلقت، ويقول في سورة الحج ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ [الحج:٥] إن كان عندكم شك من البعث ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ [الحج:٥] هذا المثال ﴿ً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٥ - ٧] هذه خمس نتائج تقريرية للآية، إن كنتم في ريب من البعث فهذا الخلق يتم أمامكم، فالذي خلق وأمات يبعث، وهو الله ﵎.

стр. 848

أسلوب نقل صور الآخرة ومشاهدها ثم جاء الأسلوب الأخير في القرآن الكريم لتقرير قضية البعث، ينقل صور ومشاهد مما سيحدث يوم القيامة بين المصدقين والمكذبين بالبعث، أناس آمنوا -نسأل الله أن يجعلنا منهم- بالبعث وعبروا عن إيمانهم بالعمل؛ لأن الذي يؤمن بالبعث لابد أن يعمل الصالحات ويترك السيئات، أما الذي لا يعمل الصالحات ويقع في المعاصي والسيئات -والعياذ بالله- هذا إيمانه بالبعث قليل أو معدوم. علامة الإيمان بالبعث انضباطك، الآن الناس لماذا ينضبطون عند إشارات المرور؟ آمنوا بجندي المرور، علموا أن هناك جندياً أو سيارة تختفي في بعض الزوايا تضبط المخالفين، ولهذا يأتي الشخص فيقف عند الإشارة الحمراء ولو كان مستعجلاً، ولو كان معه مريض، آمنوا بالجزاء وأن هناك قسيمة بثلاثمائة ريال على قطع الإشارة، كل واحد يقف، لكن لو أن هناك إشارات لكن الدولة ألغت جهاز المرور، ,أعطت للناس حرية السير كيفما شاءوا فهل يقف أحد عند الإشارة؟ والله ما ترى شخصاً يقف عند الإشارة، لماذا؟ لا يوجد أحد عنده يقين أنه سوف يجازى! وكذلك الذي يعرف أنه سيجازى يوم القيامة ينضبط سلوكه، لا يزني؛ لأنه يعرف أن الزنا حرام، لا يلوط؛ لأنه يعرف أن اللواط محرم، لا يأكل حراماً، لا يغني، لا ينظر إلى حرام، لا يتكلم في حرام، لا يسمع حراماً، لماذا؟ انضبط سلوكه، لكن لو لم يكن مؤمناً فإنه يخبط خبط عشواء ذات اليمين وذات الشمال؛ لأنه ما آمن بالله، فالله نقل لنا في القرآن الكريم صوراً من أحداث يوم القيامة، تبين حالة أهل الإيمان بالبعث، وحالة أهل الكفر الذين كذبوا بالبعث، في مشاهد كثيرة أذكر لكم بعضها: ومنها قوله في سورة الصافات، بين رجل مكذب ورجل مصدق، قال : ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٥٠] وهم في الجنة، أهل الجنة على الأرائك والسرر يتحادثون، ويتنادمون، ويتكلم بعضهم مع بعض، غاية النعيم أنهم يتحادثون في الجنة ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ [الصافات:٥١] واحد من أهل الجنة ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات:٥١] يقول: كان لي رفيق وصديق ﴿يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات:٥٢ - ٥٣] هذا الكافر يقول: أأنت مصدق أنا إذا متنا يبعثنا الله ونحاسب وندان بأعمالنا؟ يقول المؤمن: كان لي صديق بهذا الوضع، إذاً فأين هو الصديق هذا؟ وإذا بربك الرحمن يقول في القرآن: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات:٥٤] يعني: هل تريدون أن تنظروا حال هذا الرفيق؟ فهو موجود، لم يفلت من قبضة الله، وهو موجود في الدار الثانية، في النار ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٤ - ٥٥] نظر إليه من الجنة، وإذا به يراه في سواء النار أي: وسطها، مثل الفحمة السوداء يتعذب في النار، فلما نظر إليه قال له: ﴿قَالَ تَاللَّهِ﴾ [الصافات:٥٦] حلف بالله ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ [الصافات:٥٧ - ٥٨] أي: بثباتي على الإيمان والدين ﴿لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧] ثم قال لإخوانه: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٥٨ - ٦١]. ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧ - ٥٧] ثم التفت إلى من حوله من إخوانه في الجنة وقال مغتبطاً ممتناً بنعمة الله بأن أدخله الله الجنة ونجاه من النار ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات:٥٨] يعني: انتهى الموت الذي كنا نخاف منه، من أن ينغص علينا نعيمنا في الدنيا، ويهددنا في أولادنا وأزواجنا، الآن توجد زوجات خالدات، وقصور عاليات، وأنهار جاريات، ونعيم -نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا من أهله وإخواننا في الله في جميع بلاد المسلمين وآبائنا وأمهاتنا- يقول: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٥٧ - ٦١]. يذكر ابن كثير قصة في سبب نزول هذه الآية: أن رجلين من بني إسرائيل، رجلٌ مؤمن بالبعث وآخر كافر بالبعث، وكانا شريكين في تجارة، وكان صاحب الإيمان يعمل للتجارة، ولكنه يعمل لتجارة الآخرة أكثر، أما الكافر فكان يشتغل ليلاً ونهاراً على تجارة الدنيا، فكأنه ضجر من رفيقه المؤمن وطلب منه أن يفترقا، فاجتمعا وجمعا المال، فوجداه ثمانية آلاف دينار، فقسماه وأخذ كل واحد أربعة آلاف دينار، وقام التاجر الكافر واشترى بألف دينار أرضاً واسعة، واشترى فيها عبيداً بألف دينار أخرى، وبنى فيها قصراً بألف دينار، وتزوج زوجة كلفته في جهازها وتجهيزها ألف دينار، وعاش في هذه المزرعة الكبيرة، يخدمه العبيد، ومعه الزوجة الجميلة في القصر العالي. أما ذلك المؤمن فأخذ الأربعة الآلاف دينار، وكلما سمع بأن صاحبه عمل شيئاً للدنيا، عمل شيئاً للآخرة، فحين اشترى أرضاً، قال: اللهم إن رفيقي فلاناً اشترى أرضاً سيموت ويتركها، اللهم إني أشتري عندك أرضاً في الجنة بألف دينار، ووزعها على الفقراء، وبعد ذلك علم أنه اشترى عبيداً قال: اللهم إني أشتري عبيداً عندك في الجنة بألف دينار، وعلم أنه بنى قصراً قال: اللهم إن رفيقي بنى قصراً في الدنيا سيموت ويتركه، اللهم إني أشتري عندك قصراً في الجنة بألف دينار، ووزعها على الفقراء، علم أنه تزوج قال: اللهم إن رفيقي تزوج امرأة سيموت ويتركها أو تموت هي وتتركه، اللهم إني أخطب عندك حوراء عيناء في الجنة بألف دينار ودفعها، ولم يبق معه شيء من المال، فقد قدمه كله في سبيل الله، فأراد الله أن يمتحنه، ويجري عليه اختباراً، فضاقت عليه سبل المعيشة، حتى أصبح يسأل الناس، وصدته الحياة ولم يجد من يعطيه لقمة عيش، فتذكر صاحبه وشريكه الأول فذهب إليه يدق عليه الباب، ويطلب منه أن يعطيه شيئاً، ولما قرب من القصر طرده العبيد؛ لأن عليه أسمالاً بالية وثياباً مقطعة رثَّة، قال له العبيد: اخرج ولا تأتنا ولا تقترب، حتى لا يأتي سيدنا فيراك ويعاقبنا؛ لأنك تشوه منظر القصر، فقال: قولوا لسيدكم: فلانٌ يريدك، قالوا: نقول له أنت تريده؟ ومن أنت؟ قال: قولوا له هذا الكلام فقط، فصعد شخص إليه وقال له: بالباب شخص فقير مقطع الثياب يقول: إنه يريدك واسمه فلان بن فلان، فتذكر فنزل إليه ولما رآه صافحه وسلم عليه، وقبل أن يتكلم معه قال له: قبل كل شيء أين أموالك؟ قال: أقرضتها، قال: من أقرضتها، ومن الذي يقرض ماله؟ قال: أقرضتها المليء الوفي، وأشار إلى الله، المليء الذي لا يأخذ حقك، والوفي الذي سوف يعطيك ويوفي لك، فنزع يده منه وضربه في صدره، وقال: اذهب إليه، فرجع الرجل بحسرة وندامة ما بعدها حسرة، وعاش بقية عمره إلى أن مات، ولما مات ودخل الجنة أعطاه الله القصر والأرض والعبيد والزوجة، وذاك مات وترك كل شيء ودخل النار. ولما دخل المؤمن الجنة أخبر الله بما سيكون يوم القيامة فقال: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات:٥١] هذا الرفيق يقول: ﴿يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٢ - ٥٥] هذا يحصل بين من كذب بالبعث وبين من آمن به. مشهد ثانٍ من مشاهد القيامة ذكره الله في سورة الأعراف وهي قوله : ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٥٠] أصحاب النار وهم في النار يعانون من لهيبها وحرها، وسمومها وسلاسلها، وأغلالها وأنكالها، وحياتها وعقاربها، وظلماتها -والعياذ بالله- نعوذ بالله من لظى جهنم، وهم في هذا العذاب الأليم يسمعون أهل الجنة وهم يتنادمون ويتحدثون فينادونهم كما قال الله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠] من هم؟ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف:٥١] هؤلاء الذين غرتهم الحياة الدنيا، واتخذوا آيات الله ودينهم هزواً ولعباً، وكانوا يجحدون بآيات الله، وبلقاء الله ، كانت نتيجتهم النار، وأولئك المؤمنون كانت نتيجتهم الجنة. فيا أخي في الله! يجب أن تعمق هذه القضية والعقيدة في قلبك، وأن تشعر بأنك مؤاخذ ومسئول عن كل عمل تعمله، والله ﵎ يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] والله ما من حركة تتحركها، ولا لفظةٍ تتلفظها، ولا خطوة تخطوها، إلا مسجلة عليك، وسوف يخرج الله لك كتاباً تقرأه يقول الله : ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩]. اسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يرزقنا وإياكم الإيمان، وأن يوفقنا جميعاً للعمل الصالح، وأن يثبتنا على ذلك حتى نلقى الله، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. كما نسأله تعالى أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته،

стр. 849

الأسئلة

стр. 850

حلول عملية لمشكلة الزواج عند الشباب السؤال نرجو من الشيخ أن يذكر لنا حلولاً لمشكلة العنوسة وكثرة العزاب؟ الجواب أولاً: من الحلول العملية لمشاكل الأمة ومعضلاتها ما حصل في مدينة جدة، كانت أزمة ولكنها كبرت حتى صارت مشكلة، ثم نمت حتى أصبحت معضلة تهدد بانهيار مجتمعنا، ألا وهي: عضل النساء، وعدم تزويجهن، بيوت مملوءة ومكدسة بالنساء، وبيوت مملوءة ومكدسة بالرجال، وعراقيل وعقبات توضع في سبيل هذا اللقاء الشرعي وهو الزواج، مما اضطر الناس يوم أقفلت الأبواب الشرعية، أن يفتح لهم الشيطان أبواباً غير شرعية، لا سيما مع وفرة الإمكانيات التي توصل إليها، كان الناس في الماضي لا يستطيع أحد أن يصل إلى أحد، كل بنت في بيت أبيها ودونها جبال، الآن لا، أصبح الواحد يستطيع أن يقتحم البيت وأنت نائم لا تعلم عن شيء يقتحم البيت عن طريق رقم يرمي به الشاب عند الباب، وحصل ما حصل من الفساد. ولكن قيض الله لكم في هذه المدينة وغيرها من المدن بعض الرجال الصالحين الذي نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحداً، يتمتعون بشجاعة وجرأة في الحق، وأيضاً عندهم عقل استعملوه في تقديم حلول عملية، ليست الحلول كلاماً، مهما قلنا للناس ومهما حدثنا سيبقى الكلام توجيهياً فقط، لكن عملياً في حياة الناس لا بد من أن يقوم واحد بالمبادرات، ولديكم مبادرتان: المبادرة الأولى: مبادرة اللجنة الخيرية لمساعدة المتزوجين هذه تمثل جسراً بين الأغنياء القادرين، وبين الفقراء غير القادرين، تجمع التبرعات من المحسنين، وتتعرف على الشباب الذين لا يستطيعون أن يتزوجوا، ثم تهيئ لهم معونة مالية وأثاثاً، وتستأجر لهم شقة، وجائزة على أول مولود، وجائزة على ثاني مولود، من أجل تشجيعهم على النسل، هذا خير كبير، بعض الأثرياء عنده مال يريد أن يتصدق، لكن لا يعرف من يعطي، فلا يتصدق، لكن حين يجد من فيه خير ويقول له: هاتها وأنا أضعها في محلها، ويكون ثقة مثل هؤلاء المشايخ والعلماء، فهذه الجمعية المباركة تقوم بنشاط كبير، وقد حصل منها خير كبير، وتزوج منها آلاف البنات وآلاف الفتيان، وأنشئت منها آلاف الأسر، وحصل منها النسل الكثير، وما حصل إلا خير إن شاء الله، فنريد منكم إن شاء الله استمرار الدعم لهذه الجمعية. هذه الجمعية الخيرية ليس عملها عملاً منقطعاً، بحيث تهب لها مرة واحدة ثم تكف يدك، بل لابد أن تستمر في الخير ليكون لك مساهمة في بناء أسرة ولو بلبنة واحدة، ولو بعشرة ريالات من راتبك الشهري، في السنة مائة وعشرون تضعها في الصندوق من أجل المساهمة في القضاء على هذه المعضلة، وتزويج النساء والرجال، هذا شيء عظيم تحتسبه عند الله. ولذا يقف على الأبواب إخوانكم الذين يجمعون التبرعات لهذا المشروع، وأنا أحثكم وأسأل الله أن يعينكم عليه، وأيضاً يوجد صندوق عند النساء. المشروع الثاني: وهو عملي لا يقل عن الأول بل يمكن أن يكون أهم منه؛ لأنها الخطوة التي تسبق الزواج وهو قضية الدلالة والوساطة بين من يريد أن يتزوج ومن يريد أن يزوج، كثير من الناس عنده بنات يريد أن يزوجهن، لكن لم يأته أحد، فماذا يصنع؟ لا يستطيع أن يذهب إلى الحراج ويقول: والله عندي أربع بنات أو ثلاث أو اثنتان، فإن جاء أحد كان بها، وإلا قعدن في البيت، بعضهن بلغت من العمر أربعين سنة، وهي تريد الزواج ولكن لم يتزوجها أحد، لا يستطيع هو أن يخبر الناس، رغم أنه لو دعا أحداً من أهل الدين فليس عليه حرج، لكن بعض الناس رأسه جاهلي، يقول: أأذهب أعرض بابنتي؟ لا. لا تحرج عليها، لكن اختر لبنتك كما فعل من هو أكرم منك القرشي الهاشمي عمر بن الخطاب ﵁ الذي كان يدفن ابنته حية من العار، لكن لما هداه الله إلى الإيمان ما دفنها وهي حية في البيت، وإنما بحث لها عن زوج، عرضها على عثمان وأبي بكر فأعرضا عنها، لأنهما سمعا النبي ﷺ يذكرها، وخطبها النبي ﷺ ففرح عمر بذلك، وأصبحت أماً للمؤمنين وهي حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵂ وأرضاها. ليس عيباً إذا رأيت شاباً ملتزماً متديناً يصلي في المسجد، وتعرفت على أخلاقه عن طريق سؤالك عنه، لا يكفي فقط أن تأخذ من الصلاة دليلاً، الصلاة أكبر دليل لكن ابحث عن الأمور الأخرى عن تعامله وخلقه وحياته، فإذا تأكدت فادعه وقل: يا فلان، أنا عندي بنت أحبها مثل عيني، قطعة من كبدي، ومن حبي لها اخترتك لها، فما أريد أنك يوم من الأيام تقول: والله أنت الذي عرضتها علي ثم تنتقصني، تعال انظر إليها، فإن ناسبتك وأعجبتك قرنت بينكما وعقدت لك، فإن لم تناسبك فالسر عليه الله، لا تذهب وتقول: فلان دعاني ورأيت بنته، وهي ليست جميلة، تكشف عرضي، لم ينظر إليها أحد إلا أنت، أنا أغار عليها من الشمس تنظر إليها، ولكن بأمر الشرع؛ لأن الرسول ﷺ هو الذي أمر أن تراها، فتأتي به إلى ابنتك ويراها وتراه، فإذا ناسبها وناسبته تعقد لهما على مائة ريال أو عشرة ريالات أو ألف ريال، هذا هو الزواج الشرعي، أما أن تنام كل ليلة عند زوجتك، وبيتك ممتلئ بالبنات أو الشباب ولا تزوجهم فهذه مصيبة، كثير من الناس يريد أن يزوج، ولكن لا يعرف ولا يستطيع. وقد قام أحد الإخوة في الله وهو الشيخ: عبد العزيز الغامدي حفظه الله، بهذا الجهد مشكوراً، وهذا الجهد متعب ومضنٍ جداً؛ لأنه تعامل مع شيء حساس في حياة الناس وهو العرض، صعب أنك تدخل في هذه الأشياء، لكن يحتاج إلى نوع من الصبر، ويحتاج أيضاً إلى نوع من السيطرة على النفس، وعلى الاستمرارية وعدم الضجر، فقام بهذا العمل جزاه الله خيراً ورتب إدارة وشكل جمعية، تقوم هذه الجمعية بتعريف الشباب، فالذي يريد أن يتزوج يذهب إليه ويقول: يا شيخ! أنا أريد أن أتزوج، وهذه مواصفاتي: أنا شاب جامعي، راتبي كذا وكذا، أسكن في كذا وكذا، الجنسية كذا، وهذا وضعي، وهذه مواصفاتي، وأنا أريد بنتاً مواصفاتها كذا، ويأتي الرجل من أهل الخير الذي عنده بنات، يقول: يا شيخ! أنا رجل عندي بنات وأريد تزويجهن، الكبيرة عمرها كذا، والثانية عمرها كذا، والثالثة عمرها كذا، وأنا أريد أن أزوج من صفته كذا ووضعه كذا، فيقوم الشيخ يقابل بين الشروط، فإذا رأى أن هذا يصلح لهذا دعاه وقال: تعال يا أخي! اذهب إلى فلان، وقل: دلني عليك فلان، ومن فضل الله يذهب ويتزوج وتقوم الأسر، وحصل خير كثير، والآن عنده كما يقول لي: أكثر من خمسين ألف من الشباب يريدون أن يتزوجوا، وعنده مثلها بنات، وهو الآن من فضل الله كل يوم وهو يزوج، لكن هذا الجهد يحتاج أيضاً إلى دعم منكم؛ لأنه يحتاج إلى إدارة، ومبنى مستأجر، وعاملين، ومكالمات هاتفية. ثم إن هذا الخير لم يكن محصوراً على مدينة جدة، بل تجاوزها إلى معظم مدن المملكة، بل نقرأ الآن في جريدة المسلمون أن هذا الخير وصل إلى البلدان الإسلامية الأخرى، نسمع عن فتاة من الجزائر، أو المغرب، أو سوريا، أو مصر تبحث عن زوج، وشاب من الكويت يريد زوجة، فحصل خير كبير، وتعارف الناس وحصل منهم خير كثير، بدلاً من بقاء البنت معزولة والرجل معزولاً، أو يلتقون عن طريق الشر، فهيأ لهم هذا الشيخ اللقاء الشرعي فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً. ونرجو من كل من يقدر على مساعدته أن يدعمه بالتبرع الذي يستطيع به مواجهة تكاليف هذا العمل الخيري الإيجابي، الذي نسأل الله أن يجعله في موازين حسناته.

стр. 851

الوسواس وحديث النفس السؤال تحدث لي بعض الأفكار التي لا أستطيع ذكرها وهي تقلقني كثيراً فكيف التخلص منها؟ وهل أنا محاسب على هذه الأفكار؟ الجواب هذه الأفكار والوساوس التي لا تزال في الذهن دون أن تخرج إلى الواقع لا تحاسب عليها، وهي من كيد الشيطان، وقد سئل النبي ﷺ عنها؟ فقال: (الحمد لله الذي رد كيد عدو الله إلى الوسوسة) وقالوا: (يا رسول الله! إنا نجد في قلوبنا شيئاً لا نقدر أن نسألك عنه -أي: كأنه عن الله - فقال: ذاك صريح الإيمان) وقال ﵊: (إن الله عفا عن أمتي الخطأ والنسيان، وما حدثت به نفسها ما لم تعمل أو تتكلم) فشيء يدور في ذهنك لم يخرج إلى الواقع ليس عليك مؤاخذة، وهذا من الشيطان. أما كيف تصنع؟ فتستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، قال ﵊: (يأتي الشيطان إلى أحدكم فيقول: من خلقك؟ فتقول: الله، فيقول الشيطان: ومن خلق الله؟) هذا من الشيطان؛ لأن الشيطان يريد أن يكون الله مخلوقاً، وإذا قلنا هناك من خلق الله، فسيأتي ويقول: من خلق الذي خلق الله؟ وستستمر السلسلة إلى ما لا نهاية، إذاً فلابد من خالق لا يُخلق، من هو؟ الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] فالله له صفة أنه خالق وليس بمخلوق، لكن حين نقول: أنت مخلوق، من خلقك؟ الله ، من خلق الله؟ كأننا نريد أن يكون الله مثل الإنسان، الآن هل الباب مثل النجار؟ من صنع الباب؟ النجار، أليست صفة الباب غير صفة النجار؟ إذا تزوج الرجل نقول: يا باب تزوج! ما رأيكم؟! وإذا تحرك الباب نقول: قم يا نجار تحرك، لا. صفة الباب غير صفة النجار، وصفة الخالق غير صفة المخلوق. من صفات الله أنه الخالق قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:٢٤] ومن صفتك أنك مخلوق، فكيف تريد صفتك مثل صفة الله ؟! فإذا جاءك الشيطان بهذا قال: (فإذا جاء أحدَكم الشيطانُ فليقل: أعوذ بالله، آمنت بالله).

стр. 852

نصيحة لأصحاب الدشوش السؤال يوجد حي يسمى حي (الدشوش) فهل من نصيحة لهم أيها الشيخ!؟ الجواب والله ليس بفخر أن يسمى هذا الحي (حي الدشوش) هي في الحقيقة مسبة أن يتصف الإنسان بأنه ركب فوق بيته دشاً، هذا الدش يصب عليه حمم العذاب، ويجمع عليه -والعياذ بالله- الشر من كل حدب وصوب في العالم، المؤمن يحتاج إلى رحمة الله، المؤمن يحتاج أن يتنزل عليه رضوان الله، ليس بحاجة إلى شرور، كفى ما نحن فيه من الشرور -يا إخوان- شرور تغزونا من كل جانب ومن كل اتجاه، لم يبق إلا أن نركب شيئاً يزيد من الشر الموجود حتى في بلاد الكفار من أجل أن نصبه على نسائنا وأزواجنا وأولادنا وبناتنا، ونخرب بها بيوتنا، ونقضي على ما بقي عندنا من دين، ونخرب ما نحن فيه من أمن وطمأنينة. أما تعلمون أن هذا الفساد إذا حصل فهو سبب لزوال النعم التي نحن فيها؟ يقول الله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم:٤١] هذه مصيبة، أنك ترضى بهذا المنكر -يا أخي- فكون حي كامل يسمى (حي الدشوش) فيعني ذلك: أنهم تعارفوا على تركيب هذا. فأنا أقول لهم: اتقوا الله في أنفسكم، اتقوا الله في أولادكم وأزواجكم وأمتكم، سوف تموتون، فبم تعتذرون إذا وقفتم بين يدي الله؟ ماذا تقولون وقد قال الله لكم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦]؟ ماذا تقولون وقد قال الله لكم: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عليها لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه:١٣٢]؟ بأي وجه تقابل ربك وقد خنت الرسالة والأمانة وضيعت المسئولية؟ والرسول ﷺ يقول في الحديث في الصحيحين: (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، الرجل راعٍ في أهل بيته ومسئول عن رعيته). ومن الرعاية لهذه الأسرة: أن ترعى دينها، أما أن تضيع دينها بتركيب هذه الأجهزة التي تجمع الموجات المنتشرة في الفضاء من كل أجهزة الفساد في العالم ثم تصب هذا الشر على بيتك وتراه امرأتك، وبنتك، وولدك، ثم تفرط في هذا كله من أجل متعتك، تتمتع بذلك وأنت مؤمن بلقاء الله؟! تفرح وتمرح وأنت مؤمن بأنك ستموت؟! ألا تذكر القبر وما فيه؟ ألا تذكر الجنة وما أعد الله لأهلها المؤمنين؟ ألا تذكر النار وما أعد الله لأهلها الذين ينحرفون عن منهج الله؟ أنا أقول لهم محبة لهم ونصحاً: توبوا إلى الله، وأخرجوا إلى هذه (الدشوش) وحطموها إلى غير رجعة، وضع في بيتك الخير، الشريط الإسلامي، والكتاب الإسلامي، وجه بنتك، وولدك، وزوجك إلى الخير، اربط صلتك بالله تسعد في الدنيا، ويرضى الله عنك في الدنيا، ويبارك الله في عمرك وزوجتك وأولادك، وتعيش محبوباً عند الله، وعند خلق الله، ثم إذا مت لقيت الله ووجهك أبيض، وصحائفك بيضاء، وقبرك روضة من رياض الجنة، ثم إذا بعثت تبعث وأنت مكرم معزز، تمر على الصراط كالبرق الخاطف، وتأخذ كتابك بيمينك، وتوزن فترجح موازينك، وتشرب من حوض النبي ﷺ شربة لا تظمأ بعدها أبداً، هذا إذا كنت -أيها المسلم- تريد النجاة. أما الذي لا يريد، بل يريد أن يستمر على الدشوش تمطره بوابل من الشرور والمعاصي والمنكرات والأفلام النجسة الرجسة، والبوليسية، والإذاعات التنصيرية، ليسمعها ويتثقف عليها، أي ثقافة هذه أيها الإخوة؟ ثقافة الجنس، هل هي ثقافة؟! أن يشاهد الإنسان رجلاً عارياً ينزو على امرأة عارية؟ أن تراه ابنته، أهذه ثقافة -يا إخواني-؟ هذه الحيوانات تعرفها بدون دشوش، الحمار ليس محتاجاً إلى دش حتى يرى هذه الأشياء، فكيف نحتاج نحن البشر إلى مثل هذه الأشياء؟ والله إنها مصيبة، ولكن إنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 853

ظاهرة الجنس الثالث السؤال انتشرت ظاهرة الجنس الثالث وخاصة في بعض المدن، والكثير منهم يجتمع في بعض الأماكن ليرقصوا رقصة (الراب) فما توجيهكم لهؤلاء؟ الجواب أين هم الآن حتى نوجههم؟ أنا أتمنى أن أذهب إليهم في مطعم حتى نوجههم ونقول لهم: اتقوا الله، ولا يوجد جنس ثالث أصلاً، الله خلق جنسين، خلق رجالاً ونساء، ولكن هذا الذي يريد أن يصير نصف رجل ونصف امرأة، هذا يريد أن يخلق جنساً لم يخلقه الله أصلاً، ولهذا يعطل سنة الله في الخلق، وهو اعتداء على الله ﵎، وتنازل عن رجولته، كأنه يقول: أنا لا أريد أن أكون رجلاً فهو أمر يصعب علي، ولا يستطيع أن يكون امرأة كاملة، فقال: آخذ من المرأة نصفها ومن الرجل نصفه، يأخذ من الرجل الشكل العام، ويأخذ من المرأة التخنث والتأنث، وبعضهم يلبس خواتم الذهب، ويقتني سلسلة، ما بقي إلا أن يضع حمالات للصدر وكعباً عالياً، والبعض يضع الشعر المستعار (الباروكة) ويضع حمرة على شفتيه، وبودرة على خديه، ويجلس أمام المرآة ساعة، هذا ما بقي إلا أن يعلن في الجريدة: (أنا راغبة في الزواج) ويريد له بعلاً والعياذ بالله. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 854

الصبر والإيمان بالقدر إن الإيمان بالقدر من أركان الإيمان التي لا يقوم إلا بها، ومتى ما تحقق هذا الإيمان؛ فإنه يؤدي إلى تمثل صفة الصبر في واقع حياة المؤمن، والتي تعتبر من أعز الصفات التي يؤتاها المؤمن، والتي يعد أجرها في الآخرة من أعظم الأجر، فالصابرون يؤتون أجرهم يوم القيامة بغير حساب.

стр. 855

الصبر خلق الأنبياء الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن الصبر يعتبر من أشرف مقامات السائرين إلى الله ، ومن أعظم منازلهم، وقد أخبر ﵎ أن كل عامل يوفى حقه يوم القيامة وفق عمله إلا الصابرين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠] وهل هناك أعظم من أن تعطى أجرك بغير قيد ولا شرط، يعني: أن تعطى حتى تكتفي، وتسعد. لكن بالحساب والعدل يمكن ألا تكتفي، أو يمكن ألا تبلغ الدرجة التي تضمن لك الفوز العظيم، ولكن بالصبر تعطى أجراً بغير حساب. وبعض الناس لا يفهم من الصبر إلا المفهوم الجزئي المتعلق بأنه الصبر على البلاء، بمعنى: أنه لو مرض شخصٌ أو حلت به مصيبة وصبر عليها فهو الصابر، هذا جزء من الصبر، ولكنه جزءٌ بسيط من المفاهيم الكبيرة للصبر؛ لأن الصبر يتعلق بثلاثة أمور تقسم وفقها، وكل قسم له ثلاثة أقسام، بمعنى: أن المجموع يصبح تسعة أنواع: فمن حيث تعلق الصبر بذات الصبر ينقسم إلى الأقسام الثلاثة التي ذكرتها في الندوة الماضية، وهي: التصبر، والصبر، والاصطبار. ومن حيث تعلق الصبر بالموضوع الممارس عليه، فالصبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام وهو: الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصية الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة، وهذا هو المفهوم الذي يظن الناس أن الصبر يقتصر عليه، فهذه ستة أنواع للصبر. والتعلق الثالث يتعلق بما يريده الإنسان المؤمن بالصبر، أي: ما هي نيتك من الصبر؟ قالوا: وهو أيضاً ثلاثة أقسام: صبرٌ لله، وصبر بالله، وصبر عن الله؛ وهو أسوأ أنواع الصبر -أعاذنا الله وإياكم من ذلك- فالصبر الذي لله يقول فيه ابن القيم ﵀: هو صبرك عن معصية الله. فأنت تصبر لله. والصبر الذي هو بالله: صبرك للطاعة، فأنت تعبده بقوة منه وباستعانة وتأييدٍ وتوفيق منه ﵎. والصبر الذي هو أسوأ أنواعه: وهو الصبر عن الله، وهو صبر الكافر والفاجر؛ لأنه يريد أن يصبر عن ربه؛ فيورد على نفسه من الأشياء التي تصرفه عن أن يذكر الله أو أن يستجيب لأمر الله بالملهيات والمشاغل، ولهذا فهو يحاول أن يصبر، لكن عمَّن يصبر؟ عن ربه وخالقه. والصبر مدحه الله وأثنى عليه في القرآن العظيم، وبين ﵎ قيمته وأثنى عليه في أكثر من تسعين موضعاً، فمرةً أمر به تعالى، فقال: ((وَاصْبِرْ)) [النحل:١٢٧]، ومرةً أثنى على أهله، ومرةً أمر نبيه ﷺ أن يبشر أهل الصبر، فقال جل وعلا: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٥]، ومرةً جعله شرطاً في حصول النصر والتأييد والعناية والرعاية من الله، ومرةً أخبر أنه مع أهله فقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣]، وأثنى به على صفوته من خلقه وهم الأنبياء والرسل.

стр. 856

صبر أيوب ﵇ على أقدار الله قال الله عن نبيه أيوب ﵇: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]، وقد تحققت في أيوب ﵇ جميع أنواع الصبر؛ فكان صابراً لله على طاعته، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، فقد ابتلاه الله في ماله وولده، وجسده بالمرض فصبر. وتذكر كتب التاريخ أنه عانى من المرض الشديد والبلاء العظيم في جسده ولم يشك ويتضجر ويتسخط، بل صابر على كل الأحوال، حتى إنه ما سأل الله أن يشفيه، وإنما كان يعلم أن قضاء الله خيرٌ له في كل الأحوال؛ فكان صابراً. ومرت به السنون والأيام حتى انتشر الدود في جسده، وأكل اللحم والعصب، ولم يبق إلا الهيكل العظمي، ولكن الله حمى له قلبه ولسانه، فكان قلبه شاكراً، ولسانه ذاكراً. ومرت السنون بعد ذلك فدخل الدود في اللسان الذاكر والقلب الشاكر، ورأى أيوب ﵇ أنه سوف يتعطل عن الذكر والشكر بهذا الأمر؛ فابتهل إلى الله وقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣] يقول المفسرون: إن الضر الذي مسه ويشكو منه ليس ضر المرض، ولكن ضر التعطيل عن الذكر والشكر، فيقول: أما المرض فصابر عليه، ولكني لا أصبر عن ذكرك وشكرك، فاستجاب الله له، وقد قالت له زوجته رحمة بنت يوسف ﵇: أنت نبي مستجاب الدعوة، فسل ربك أن يرحمك ويشفيك، فقال لها: كم بلغت مدة مرضي؟ قالت: (١٨) سنة، قال: وكم بلغت مدة عافيتي قبل ذلك؟ قالت: ثمانون عاماً، قال: فإني أستحي أن أسأل ربي حتى تبلغ مدة مرضي مدة عافيتي. يقول: إذا أنهيت ثمانين سنة فأخبريني لكي أدعو الله أن يعافيني، يعني: سواء بسواء. أما نحن فيعافينا الله سنين طوالاً، فإذا أصاب الإنسان مرض ضجر، وقال: ما بالي أنا من بين الناس، كل الناس في عافية إلا أنا؟!! وليته يصبر ويسلك السبل الشرعية في التداوي؛ لأن التداوي لا ينافي التوكل، بل هو مأمور به، يقول رسول الله ﷺ : (عباد الله! تداووا ولا تداووا بحرام، فإن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها)، ولكنه يتداوى بالحرام، فيذهب إلى الكهنة والمشعوذين ويشكو ربه إليهم، ويبيع دينه -والعياذ بالله- ويخرج من الإسلام؛ لأن رسول الله ﷺ يقول: (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد، ومن أتاه ولم يصدقه لم تقبل له صلاة أربعين نهاراً). من الناس من يأتيه المس من الجن، وعلاج المس من الجن معروف وواضح في الدين والقرآن، فالرقية الشرعية للمس ليس هناك أنجع منها، لكن هناك علاج شيطاني عن طريق الكهنة والمشعوذين، بأن يذهب هذا المريض الذي عنده المس أو الصرع إلى هذا الكاهن، فيقوم هذا الكاهن بدعوة ذلك الجني الذي قد مس هذا الإنسي فيقول له: لا تقربه؛ لأن الرجل أتانا وهو من الجماعة -فمنذ أن أتى هذا الكاهن أصبح كافراً، يعني: خرج من الإسلام- فلو لم ننفعه لما اعتقد بنا، فلا تقربه. وحتى يضمن الكاهن تصديق هذا المسكين يأتي إليه فيكتب له عبارات مبهمة على أوراق ويقول له: انقعها واشرب ماءها، ويعطيه حرزاً طالباً منه أن يدفنه في غرفة مظلمة ليس فيها نور ولا صوت، وأحياناً يقول له: خذ تيساً أسود أو أبيض ليس عليه علامة وادخل به على هذا المريض، واذبحه ولا تسم. فيخرج بهذا الفعل من الدين والعياذ بالله. ولو كان صاحب عقيدة ودين وجاءه هذا المرض ولجأ إلى الله، فالله يختبره، فأحياناً يذهب إلى العالم أو إلى القارئ فيقرأ عليه القرآن مرة ومرتين وثلاث فلا ينتفع؛ لأن ابن القيم ﵀ ذكر في كتابه زاد المعاد في علاج صرعى الجن قال: إن العلاج لا يقع إلا إذا توفر أمران: الأمر الأول: يأتي من القارئ، وهو مقدار يقينه وصدقه وصلته بالله. والأمر الثاني: يأتي من المريض المقروء عليه على مقدار يقينه وصدقه وصلاحه، فإن كان القارئ مخلصاً والمقروء عليه موقناً بالله؛ فإن العلاج ينجح بإذن الله، أما إن تخلف أحدهما بأن كان القارئ فاسقاً، أو جباناً، أو لم يكن عنده قوة عقيدة، أو تخلف المقروء عليه؛ بأن كان قليل دين -والعياذ بالله- ولولا أنه مرض لما عرف القرآن، فلا بد من توفر الشرطين. فصبر أيوب ﵇ مضرب المثل، فقد تحقق له جميع أنواع الصبر، فقال : ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]. وقال لخاتم أنبيائه ورسله محمد ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف:٣٥] وقال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧].

стр. 857

صبر يوسف ﵇ عن معصية الله قال يوسف الصديق لما دخل عليه إخوته وقالوا: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ [يوسف:٩٠] فقال بنيامين ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف:٩٠] سبحان الله! ما أعظم صبر يوسف، قصته مشرقة في جميع البيوت الربانية التي يتلا فيها القرآن، فقد مكث في السجن بضع سنين، وبعد ذلك أرسلوا له: أن احضر إلى ربك فيقول للرسول: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف:٥٠] يقول الرسول ﷺ : (يرحم الله أخي يوسف لو كنت أنا لخرجت) أي: بمجرد أن يقولوا: اخرج من السجن فلن أطلب براءة، فالمهم الخروج من السجن. لكن يوسف يقول: لا أخرج من السجن حتى تثبت البراءة. وتثبت البراءة له عن طريق إحضار امرأة العزيز والنساء حين يقال لهن: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف:٥١] ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ [يوسف:٥١ - ٥٢] هذه براءة تثبتها له صاحبة الشأن التي تسببت في اتهامه وسجنه. ويخطئ كثير من الناس في مقام الأنبياء المعصومين فيفسرون قول الله : ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف:٢٤] تفسيراً خاطئاً لا يليق بمقام الأنبياء، فيقولون: إنها همت به، يعني: بالفاحشة وهو هم بها، أي: أرادها، وهذا خطأ، لماذا؟ لأنه لو هم بها فما الذي يمنعه؟ الاستثناء الذي بعدها في قوله تعالى: ﴿لوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] له تفسير في القرآن الكريم، وهو: أن معنى الهم في اللغة أي: العزم على مباشرة الشيء، هممت أن آكل، يعني: أردت أن آكل، هممت أن أقوم، يعني: أريد أن أقوم، هممت أن أنام، هممت بالسفر، وقد ذكر الله كلمة الهم في القرآن في أكثر من موضع: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ [آل عمران:١٢٢]، ما معنى همت أن تفشلا؟ هل معناه همّت أنها تزني؟ لا. كلمة الهم تفسر من الحال الملابس لها، فالذي يقول: هممت أن أقوم يعني: همّ بالقيام، هممت أن أنام يعني: همّ بالنوم، والذي يقول: هممت أن آكل، يعني: همّ أن يأكل. فالهم يعني: العزم وإرادة الشيء، وتفسر بالمعنى الملابس لها، فالذي كان يلابس امرأة العزيز رغبتها في يوسف، فهمت به، يعني: لتباشر الزنا معه، والذي كان يلابس يوسف الرفض لأمرها، فهمّ بها، ما معنى: هم بها؟ قال المفسرون: همَّ ليضربها، همت به ليزني بها فهم بها ليضربها، واستبقا الباب، قال الله : ﴿لوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] ذكر المفسرون في هذا كلاماً، لكن أصح الأقوال في هذا الموضوع: أن الله قذف في قلبه برهاناً وبصيرة في أن ضربك يا يوسف لهذه المرأة سيزيد من إدانتك، ويثبت عليك الحجة، يعني: لو جاء زوجها ووجد يوسف يضربها فستقول: هو يراودني عن نفسي وأنا أرفض فيضربني. فالله قذف في قلب يوسف ألا يضربها حتى لا يدين نفسه؛ لأن ضربه لها -رغم أنه يضربها حتى لا يزني بها- سيمكنها من قلب المسألة، وفعلاً قلبت المسألة، فلما استبقا الباب كان هو فاراً منها وهي في أثره، وأرادت أن تمسك بأي جزء منه، فقطعت ثوبه من الخلف: ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف:٢٥] أي: وجدا زوجها عند الباب، فعلى الفور قلبت المسألة رأساً على عقب: ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف:٢٥] قال يوسف: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف:٢٦] يقول: هي التي تراودني، فكيف به لو دخل عليه الملك وهو يضربها لكانت الحجة قائمة عليه، وهذا معنى ما سبق، وإلا فهو ﵊ نبي، وبعض الناس من غير الأنبياء يتنزهون عن الزنا فكيف بنبي يقع في الزنا، أو يهم به؟! معاذ الله! والذي يرى هذا القول إنما ينال من جانب النبوة. فيقول يوسف: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف:٩٠] يقول المفسرون: إن صبر يوسف كان من أعظم المقامات في الصبر: الصبر الأول: أنه صبر في الجب. والصبر الثاني: أنه صبر في السجن. والصبر الثالث: أنه صبر على ممارسة الضغط عليه من قبل امرأة العزيز قبل ذلك، فإنه كان في بيت الملك وكان شاباً، جميلاً، وسيماً، غريباً، والغريب لو فعل شيئاً فلن يدري به أحد على الأغلب؛ لأن سمعته في بلده، كما أنه كان آمناً في بيت الملك؛ فلا يستطيع أحد أن يخبر به، وكانت امرأة العزيز من أجمل نساء العالمين، وهو مطلوب لها؛ لأن بعض الناس يتعفف حين لا يطلب منه، ولو طلب منه لما تعفف، وكانت الأبواب مغلقة عليه، قال الله: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ [يوسف:٢٣] وهذه تسمى صيغة مبالغة، يعني: ما أغلقت، بل غلَّقت، يعني: ما ردت الباب، بل أغلقته بإحكام، وهو ليس باباً واحداً بل أبواب، باب أول وثانٍ وثالث من أجل أن يأمن، وبالرغم من هذا كله صبر يوسف وقال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣] ولم يزنِ. قال: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠] وهذا يدل على أن الصبر من أجلِّ مقامات الإيمان والدين، وأخص الناس بالصبر هم أخص الناس بالله ، وأولاهم بالله أشدهم على الصبر تحققاً وقياماً به، والخاصة أحوج إليه من العامة.

стр. 858

المفهوم الصحيح لمعنى الصبر بعض الناس كما قلت لكم: يفهم أن الصبر لا يكون إلا على مرض أو مصيبة، وهو فهم خاطئ، فالصبر أولاً هو صبرك على طاعة الله، فإنك وأنت تمارس الطاعة تحتاج إلى قدر كبير من الصبر، فحينما تدعى لصلاة الفجر وأنت نائم، هناك دوافع كثيرة تمنعك من الصلاة، لكنك ترفضها كلها وتصبر، أليس هناك معاناة في تلك الساعة؟ بلى. هناك معاناة، فيكون النوم كثيراً، والجو بارداً، والفراش دافئاً، والمسجد بعيداً والطريق مظلماً، ولكن كل هذه لا تمنعك من أن تقوم إلى طاعة الله، وهذه تحتاج إلى صبر. صبرك على طاعة الله في ممارسة الصلاة في المسجد؛ لأن بعض الناس لا يصلي إلا المغرب، أو يوم الجمعة في المسجد. وباقي الصلوات أين يصليها؟ يصليها في البيت، وهذا أمر لا ينبغي، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] أي: مع المسلمين، ويقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]. وأذكر مرةً أن رجلاً سكن في شارعنا هذا ولم يأتِ ليصلي في المسجد منذ أن سكن، فأخبرني جاره وقال لي: إنه يوجد لنا جار لا يصلي. قلت: إذن نزوره، فذهبنا إليه في بيته بعد صلاة العشاء، وطلبنا منه أن يصلي بنوع من اللطف في بداية الأمر، ولو رفض لأخذنا على يده. فقال: حسناً: جزاكم الله خيراً وسأصلي إن شاء الله. وجاء وصلى مرة -أظنها صلاة مغرب أو عشاء- ثم انقطع، فجاءني جاره وقال: إن الرجل صلى مرة ولم نره بعدها. قلت: إن شاء الله ما دام أنه صلى مرة فأبشر بخير، وسأذهب إليه. وذهبت إليه مرة ثانية، وقلت: السلام عليكم، يا أخي زرناك ونريدك أن تصلي وأنت مسلم ومؤمن. قال: صليت يا شيخ! قلت: متى؟ قال: صليت ذاك اليوم الذي أتيتموني فيه. قلت: وبعدها؟ قال: يكفي، وماذا تريدون بعدها؟ قلت: ليست الصلاة مرة، فالصلاة هي أن تصلي كل يوم خمس مرات. قال: كل يوم خمس مرات ذهاباً، وخمس مرات إياباً! يعني: في الأسبوع كم مرة؟!! خمس مرات في سبعة أيام أي: خمساً وثلاثين مرة، يعني: في الشهر كم مرة؟ مائة وخمسين مرة ذهاباً، ومائة وخمسين مرة إياباً، يا شيخ! كيف تفعلون ذلك؟ قلت: سبحان الله! ألا تعرف أنت، أأنت مسلم؟ قال: أنا مسلم والحمد لله، لكن أنا أصلي هنا في البيت. قلت: صلاتك لا تكتمل هنا، زوجتك لها أن تصلي في البيت، أما أنت فلا بد أن تصلي في بيت الله. قال: حسناً إن شاء الله، وفي اليوم الثاني جاءني الجار الأول وقال: أبشر يا شيخ الرجل انتقل من المكان، فقد رأى أنه يصعب عليه أن يصلي كل يوم خمس مرات، فذهب إلى مكان حيث لا يقول له أحد: صل. فصبر الإنسان على الصلاة باستمرار علامة على إيمانه، فأنت الآن تذهب وتصلي المغرب، وبعض التجار لا يريد أن يغلق متجره، وأصعب شيء عليه أن يسمع: الله أكبر! فهذا مسكين؛ لأنك حين تغلق متجرك فإنك تقفل التجارة مع الدنيا وتفتح التجارة مع الله، وربنا لم يكلفنا كثيراً، بل كلفنا بخمس صلوات، كل صلاة تستغرق عشر دقائق في خمس مرات، فتقتطع خمسين دقيقة من أربع وعشرين ساعة لله ، والله يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فلو نظرنا كم طلب الله منا وكم أعطانا، لكان ما طلب ﵎ قليلاً بالنسبة لما أعطى، فحين تصلي المغرب ثم تذهب إلى البيت، قد تجد في البيت شاغلاً، إما مباراة كما يتلهى الناس في هذه الأيام، ولا يأتون ليصلوا، لماذا؟ لأنه لا يريد أن تفوته الكرة؛ لأنه وازن بين الكرة وبين الله فوجد أن الكرة في قلبه أحب من الله، حقيقةً! لو قلت له: الله أحب إليك أم الكرة؟ سيقول: الله. الله أكبر! كيف؟! لكن؛ دعتك الكرة ودعاك الله، فلمن استجبت؟ إن كنت قمت إلى الله فأنت تحب الله، وإن كنت قعدت وأنت تعلم أن الله يدعوك في المسجد ولم تخرج لتصلي حتى لا تفوتك المباراة، أو الشوط، أو الهدف، الله يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، لكن هؤلاء يحبونهم أعظم من حب الله، والله قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]. بل إن واحداً من الناس يقول: إنه جلس يصلي في البيت وما ذهب إلى المسجد؛ لأنه خاف أن تفوته المبارة، وبينما هو يصلي والمباراة في التلفاز كان يتلفت فلا يريد أن يفوته شيء، وأخيراً دخل هدف للفريق الذي كان يشجعه، فصاح الجمهور معبراً أنه دخل (جول). انظروا إلى هذا النصر، إن لم تدخل الكرة فهزيمة، وإن دخلت فهو النصر، فهل هذا هو النصر؟! هذا نصر الأطفال، هل نصر الأمة في هذه المفاهيم الصبيانية؟ إن دخلت الكرة إلى المرمى فما شاء الله! وإن لم تدخل فيحزن لذلك حزناً شديداً، وبعضهم لا يتعشى تلك الليلة ولا يرقد، لماذا؟ لأن الكرة لم تدخل المرمى، ويقول: ليتها دخلت، الله المستعان! إنا لله وإنا إليه راجعون! فأخص أنواع الصبر -أيها الإخوة- صبرك على طاعة الله، تخرج الزكاة وأنت تصبر؛ لأنك تحب المال، وترى الناس أهل الأموال يضعون أموالهم في البنوك ويتقاضون عليها فوائد وأرباحاً، وأنت لا يمكنك أن تأخذ ريالاً حراماً فتصبر، وتحج وتصبر، وتبر والدتك وتصبر، فهذا صبر على طاعة الله. الصبر الثاني: وهو مهم جداً، ألا وهو صبرك عن معصية الله، فحين ترى الناس يغنون وفي قلبك شوق إلى الغناء، فلا يمنعك إلا أنك تخاف الله، فتحتاج إلى قناطير وأطنان من الصبر حتى تحجزك عن معصية الله، وحين تسير في الشارع فترى المرأة المتبرجة، والشباب يتابعونها وأنت عندك مثل ما عند الشباب الذين يتابعونها، لكنك عندك نور من الله، وخوف ومراقبة لله تعالى؛ فتغض بصرك خوفاً من الله، فهل تستطيع أن تمارس هذا بغير الصبر؟ فهذا هو معنى الصبر، صبرت عن النظر إلى الحرام، وعن أن تسمع الأغاني الحرام، وعن أن تغتاب. وإن أحداً استثارك وسبك وشتمك وفي إمكانك أن تكيل له الصاع صاعين، وأن ترد عليه بأكثر مما قال، لكنك قلت: خوفي من الله يمنعني من هذا، لا تثريب عليكم اليوم. فهذا هو الصبر. يقول الشافعي وقد عوتب في رجل، دخل عليه وسبه في مجلس العلم وأقذع في سبه، فما رد عليه بكلمة واحدة ﵀ -فهو يمثل العلم- ولما خرج الذي سبه، قيل له: يا إمام! ألا دافعت عن نفسك؟ كيف لا ترد على الأقل دفاعاً عن نفسك؟ فرد عليهم بأبيات من الشعر قائلاً: قالوا سكت وقد عوتبت قلت لهم إن الجواب لباب الشر مفتاح والصمت عن جاهل أو أحمق شرفٌ وفيه أيضاً لصون العرض إصلاح أما ترى الأسد تخشى وهي صامتة والكلب يُخسأ لعمري وهو نباح يقول أما الكلام فأنا أقدر عليه، ولكن لا أريد أن أنزل إلى مستوى خصمي، ولهذا يقول رب العالمين إن أهل الإيمان يقولون: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥] ويقول: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢] يعني: لا يحضرون مجالس الفجور ولا الزور: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان:٧٢] فمن يحملهم على هذه الأخلاق؟ إنه الصبر، فالصبر عندهم قيم ومبادئ ومفاهيم وعقائد. بعض الناس حين يستثار يقول: يا شيخ! ما استطعت أن أصبر، إذن فمتى تكون صابراً؟ أفي الحالات الطبيعية؟ أصلاً لا يبرز دورك في الصبر وضبط النفس إلا عند الاستثارة، أما في الحالة الطبيعية فكلنا صابرون، وحين يكون مزاجنا هادئاً فكلنا حلماء، وعلماء، وكرماء. لكن متى يبرز الحليم؟ عندما يستثار المرء، فيحجم عن الرد فهذا هو الصابر، يقول ﵊: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى)، لما مرَّ على امرأة تبكي على ولد لها مات، قال لها: (اصبري واحتسبيه عند الله، قالت: إليك عني -ما عرفت أنه رسول الله ﷺ إنه ولدي وليس ولدك -وهي تبكي بحرارة- فتركها وذهب، فجاء الناس إليها وقالوا: هذا رسول الله -كيف تكلمينه هكذا- فلحقته وقالت: يا رسول الله! ما عرفت أنك أنت، فقال لها: إنما الصبر عند الصدمة الأولى). فالصبر مع أول الصدمة، أما بعدها فستصبرين رغماً عنك. لكن متى يكون الصبر؟ عندما يصاب الإنسان في أول الأمر، فهنا الصبر عظيم ومفاهيمه كثيرة.

стр. 859

الإيمان بالقضاء والقدر ننتقل الآن إلى مجمل ما سبق أن ذكرناه في الإيمان بالقضاء والقدر على سبيل الاختصار، وهو أن من أركان الإيمان الهامة ومن أسسه ومبانيه: أن المؤمن يؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى، وهو تقدير الله للكائنات حسب ما سبق به علمه ﵎.

стр. 860

مراتب الإيمان بالقدر مراتب الإيمان بالقدر أربع مرات: المرتبة الأولى: العلم. فنؤمن بأن الله تعالى بكل شيءٍ عليم، علم ما كان وما سيكون، وكيف يكون بعلمه الأزلي الأبدي، فلا يتجدد له علم بعد جهل، ولا يلحقه نسيان بعد علم. المرتبة الثانية: الكتابة. فنؤمن أنَّ الله كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]. ونؤمن أيضاً بالمرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقضاء والقدر وهي: المشيئة، فنؤمن أن الله تعالى قد شاء كل ما في السماوات وما في الأرض، إذ لا يكون شيءٌ إلا بمشيئته، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وتنقسم المشيئة إلى قسمين: مشيئة كونية قدرية، ومشيئة دينية شرعية، فالكونية القدرية تشمل كل شيء، والدينية الشرعية تشمل استجابة المكلفين بما أمر الله به، وأحبه. المرتبة الرابعة وهي: مرتبة الخلق. فنؤمن أن الله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر:٦٢ - ٦٣].

стр. 861

الأدلة على أن للعبد قصد وإرادة هنا بيت القصيد، وأرجو التركيز عليه، مع كل ما سبق نؤمن بأن الله تعالى جعل للعبد اختياراً وقدرةً يفعل ما يختاره، والأدلة على أن فعل العبد باختياره وقدرته كثيرة منها: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] أي: كيفما أردتم، ولكن في موطن الحرث: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] يعني: يجوز للرجل أن يباشر زوجته كيفما يريد، ولكن في موطن الحرث، في القبل، أما إن باشر في الدبر فقد وقع في لعنة الله، وقوله : ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة:٤٦] فأثبت للعبد إتياناً بمشيئةٍ وإعداداً بإرادة. الدليل الثاني: من الأمور التي نستدل بها على أن للعبد إرادة ومشيئة أنه موجهٌ إليه أمرٌ ونهي من الله ، ولو لم يكن له اختيار وقدرة لكان توجيه ذلك من التكليف بما لا يطاق، وهو أمر تأباه حكمة الله ، ورحمته، وخبره الصادق إذ قال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] فما دام أن العبد مأمور ومنهي، فهذا يقتضي أن يكون عنده قدرة على أن يأتي بالمأمور به وأن يترك المنهي عنه، ولو لم يكن له قدرة على أن يأتي بالمأمور به ويترك المنهي عنه لكان الأمر والنهي في حقه تكليفاً، والله قد قدّر التكاليف. الدليل الثالث: مدح الله المحسن على إحسانه، وذم المسيء على إساءته، وأثابه بما يستحق، ولولا أن الفعل يقع بإرادة العبد واختياره لكان مدح المحسن عبثاً، فكيف تمدحه على شيء لم يعمله باختيار وإرادة؛ ولكانت عقوبة المسيء ظلم، والله منزه عن العبث والظلم. الآن لو جاءت الشرطة والمرور وأقفلت الشارع في مكان معين -فالشارع فيه اتجاه للذهاب واتجاه للإياب- فإن جاءت الشرطة، وقالوا: يمنع السير إلا في اتجاه واحد، والاتجاه الآخر مغلق، فسيضطر السائقون إلى السير في اتجاه واحد؛ لأن الأمر بيد المرور، لكن إذا جاءت الشرطة ومنعوا السيارات من العبور وقالوا: إن هذا يخالف قوانين السير، ومن يفعل ذلك يعاقب، فسيقول السائقون: إن المرور هو الذي أجبرنا على ذلك، فكيف نعاقب! ولو صدر هذا الأمر من مدير المرور فماذا يسميه الناس؟ يقولون: إن مدير المرور مجنون، ثم يأتي كبار المسئولين يقولون لمدير المرور: كيف تكلف الناس بأمر وتجبرهم عليه ثم تجازيهم؟ فهذا لا يليق بالإنسان، فكيف يليق بالله أن يخلق الإنسان مجبولاً على المعاصي ويجازيه ويدخله النار؟! فمدح الله للمحسنين وذمه للمسيئين يدل على أن الفعل يقع باختيارهم وإرادتهم. الدليل الرابع: أن الله تعالى أرسل الرسل: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] فلم تعد هناك حجة على الله، ولولا أن فعل العبد يقع بإرادته واختياره لما بطلت الحجة في إرسال الرسل؛ لأنك لو أرسلت رسولاً والإنسان ليس له اختيار، فبماذا ينفع الرسول وهذا العبد ليس له اختيار؟ فلا تقوم الحجة ولا تبطل المعذرة إلا بالاختيار من جانب العبد. الدليل الخامس: إننا نحن المكلفون العقلاء نشعر أننا قادرون على أن نفعل الشيء أو أن نتركه بغير إكراه من أحد. فالآن حين أذن المؤذن وكنتم في بيوتكم فخرجتم تصلون، فهل أخرجكم أحد رغماً عنكم لتصلوا؟ لا. وإنما خرجتم باختياركم. وهل كل من في المنطقة يصلون في المسجد؟ لا، فلو فتشنا البيوت لوجدنا مثل هذا العدد مرتين، فهل جلس أولئك باختيارهم وصليتم أنتم باختياركم؟ هل أجلسهم أحد في البيوت بالقوة كي لا يصلوا؟ وهل ساقكم أحد بالعصا إلى المسجد لتصلوا؟ لا. ففعلكم للصلاة باختياركم، وفعلهم لترك الصلاة باختيارهم. كما أن الإنسان يقوم ويقعد، وينام ويرقد، ويدخل ويخرج، ويسافر ويقيم بمحض إرادته، ولا يشعر بأن أحداً أكرهه، بل يفرق تفريقاً واقعياً بين أن يفعل الشيء باختياره وبين أن يكره على فعله. كذلك الدين فرق بين أن يفعل الإنسان شيئاً باختياره أو بين أن يفعل شيئاً مكرهاً عليه، فإذا أكره على شيء من أعمال السوء حتى ولو كان كفراً لم يكفر، ولهذا يقول الله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] وقد نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر ﵁ عندما أمسكه كفار قريش، وقالوا: (لا نتركك حتى تسب محمداً ﷺ -وهو يعرف أن سب الرسول كفر- فسب الرسول ﷺ فتركوه، فجاء إلى الرسول وهو خائف -الإيمان في قلبه ولكنهم أرغموه على شيء لا يعتقده- فقال: يا رسول الله! والله ما تركوني حتى نلت منك، قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان، قال: فإن عادوا فعد) قال: إذا أمسكوك ثانية وقالوا: عد لما فعلت، فعد. فالمهم ما سكن في القلب. فانظروا إلى سماحة الدين، إذا عملت الكفر وأنت مكره عليه فليس عليك شيء، لماذا؟ لأنه ما كان لك اختيار في هذا، لكن إذا كنت تملك الاختيار وتعمل الكفر، فإنك قد عملته دون إكراه واضطرار، فتجازى على ذلك.

стр. 862

دحض شبهة الاحتجاج بالقدر على المعصية نرى أنه لا حجة للعاصي حين يعصي بقدرة الله ، كما يفعل بعض الزناة أو العصاة، فيقول: أنا أعصي لأن الله قدر عليَّ. فالعاصي يقدم على المعصية باختياره من غير أن يعلم أن الله قدرها عليه، فلا يعلم أحد قدر الله إلا بعد وقوعه، فكيف يصح الاحتجاج بحجة لا يعلمها المحتج. فالذي يعصي ويزني هل عرف واطلع على الغيب، ونظر في اللوح المحفوظ، وعرف أن الله قدر عليه هذه المعصية فعملها؟ لا. وقد رد الله على من قال هذا الكلام وسماه مشركاً في سورة الأنعام، يقول الله : ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام:١٤٨] سماهم الله مشركين، ولهذا أنا أحذر كل مسلم أن يخطر في باله أو يدور على لسانه مثل هذه الكلمة، فيعمل شيئاً من المعاصي ويقول: قدر الله عليَّ، مثل شارب الخمر الذي جيء به إلى عمر فقال له: [لماذا تشرب الخمر؟ قال: قدر الله عليَّ، قال: اجلدوه ثمانين سوطاً، فلما جلدوه قال: وأنا قدر الله عليَّ أن أجلدك ثمانين سوطاً]. يقول أحدهم: إنه كان في الشام، فوقع في الزنا، فلقيه زميله، فقال له: لماذا تزني؟ قال: مقدر علي أن أزني، فهل ترد قضاء الله وقدره، فإذا بصاحبه يصفعه، فقال له متسائلاً: لم صفعتني؟ قال: قدر الله عليَّ أن أصفعك. قال: وإذا بالرجل انتبه، قال: كيف ترضى بقضاء الله وقدره في الزنا ولا ترضى بقضاء الله وقدره في الصفعة؟ فأنت زنيت باختيارك وأنا صفعتك باختياري. فالعاصي يقول كما يحكي الله عنه: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨] أي: هذا كلام الكفار السابقين، يقولون: لو شاء الله ما فعلنا، وما زنينا، وما أشركنا، فسماهم الله مشركين، ثم قال الله : ﴿كَذَلِكَ﴾ [الأنعام:١٤٨] يعني: هذه المقالة وهذا الزعم: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام:١٤٨] أي: أجدادهم القدريون المحتجون بالقدر: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] يعني: عذابنا في النار ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] أي: هل اطلعتم على اللوح المحفوظ ورأيتم القضاء والقدر، وما كتب لكم فعملتموه بناءً على رؤيتكم: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام:١٤٨ - ١٤٩] أي: الحجة البالغة الدامغة لله على خلقه حيث أعطاهم القدرة على الاختيار، وأمرهم بالطاعة ونهاهم عن المعصية، وأنزل عليهم الكتب، وأرسل إليهم الرسل، وفطرهم على الدين، وأبان لهم الطريق مثل الشمس في رابعة النهار: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ﴾ [الأنعام:١٤٩] أي: لو شاء لسلبكم الإرادة والاختيار، ولجعلكم مسيرين في أداء العبادة، ولكن الله كرمكم وشرفكم فأعطاكم القدرة ولم يسلبكم الإرادة، فاستعملتم هذه القدرة وهذا التكريم في معصية الله : ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩] * ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٠] ثم قال الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه، قل يا محمد: تعالوا أبين لكم وظيفتكم وعملكم ورسالتكم، أما غير ذلك فليس أمره إليكم، بل أمره إلى الله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام:١٥١]، ثم ذكر هذه الوصايا العشر. فهنا لا حجة للعاصي، فكيف يصح الاحتجاج بحجةٍ لا يعلمها؟ ونقول للعاصي المحتج بالقدر: لماذا لم تقدم على الطاعة مقدراً أن الله كتبها لك؟ لأن المعصية والطاعة في الجهل بتقديرها سواء. فأنت لا تدري أكتب الله عليك خيراً أم شراً، فلماذا افترضت أن الله كتب عليك الشر؟ لماذا لم تقدر أن الله كتب عليك الخير، وصرت مصلياً وطائعاً وباراً ومجاهداً؟ لماذا احتملت الاحتمال الأسوأ وقلت: إن الله قد قدر ذلك عليَّ؟ ما فعلت ذلك إلا لانهزامك أمام شهواتك، ولأنك عبدٌ لشهواتك ونزواتك. ولهذا لما أخبر النبي ﷺ بأن كل واحد قد كتب مقعده من الجنة أو النار، قالوا: (أفلا نتكل؟ -قالوا: إذاً نتكل ما دام أنها محددة مسبقاً- قال: لا. اعملوا -هذه وظيفتكم- فكل ميسر لما خلق له). ونقول للعاصي المحتج بالقدر: لو كنت تريد السفر إلى مكة، وقال لك أحدهم: هناك طريقان: طريق سهل موصل، وطريق صعب ينطوي على مخاطر؛ فإنك دون شك ستسلك الطريق السهل، ولن تسلك الآخر، وتقول: إنه مقدر عليَّ. وكذلك لو عرض عليك وظيفتان: إحداها ذات مرتب كبير، فإنك سوف تعمل فيها، ولن تختار ذات المرتب القليل. فكيف تختار لنفسك في عمل الآخرة ما هو أدنى وتترك ما هو أفضل؟! ونقول: إذا أصبت بمرض جسمي؛ فإنك بعقلك تطرق أبواب الأطباء، وتصبر على ما ينالك من آلام الجراحة والعمليات والدواء، فلماذا لا تفعل ذلك في مرض قلبك بالمعاصي؟ هذه أدلة على أن العبد يملك اختياراً وإرادة، وعلى أساسها كلفه الله، وعلى أساس التكليف توعده الله بالنار إن عصى، ووعده بالجنة إن أطاع. نقف عند هذا القدر، ونسأل الله ﵎ أن يزيدنا وإياكم إيماناً ويقيناً. وطلب بعض الإخوة أن يغير موعد هذا الدرس إلى وسط الأسبوع، وقالوا: إن معظم الطلاب في الجامعات يذهبون إلى أهاليهم في جيزان، والباحة، ونجران، وظهران الجنوب؛ يومي الخميس والجمعة ويجدون صعوبة في الاستمرار طوال الأسبوع، ولكن حين يكون الدرس خلال الأسبوع فهو أفضل. ولذا إن شاء الله سيكون الدرس في الأسبوع القادم بعد أذان المغرب من يوم الإثنين، بدلاً من يوم الخميس. نسأل الله التوفيق لنا ولكم، والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 863

توجيهات للمرأة المسلمة هذه رسالة جمع فيها الشيخ حفظه الله ما من شأنه الذب عن حياض الدين، وما شرعه للمرأة من أحكام تنظم حياتها، وتتوافق مع طبيعتها، وتسعد بها في مجتمعها، فرد شبهات الأعداء، ووجهها ولفت نظرها إلى دورها ومكانتها في المجتمع، كما كان سلفها من الصالحات، وختم حديثه بتوجيهات قيمة تحيا بها على درب الإسلام؛ لتصل إلى جنات عدن عند رب كريم.

стр. 864

رد دعوى تحرير المرأة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وحيا الله هذه الجموع المباركة، وهذه الوجوه الطيبة التي أقبلت على الله، أقبلت تريد طاعة الله حين أقبل الناس على الدنيا، وأقبلت على ذكر الله حين أدبر الناس عن هذا المنهل العذب، وأقبلوا على الغفلة واللعب، وأسأل الله الذي لا إله إلا هو كما جمعنا في هذا المكان الطاهر أن يجمعنا في دار كرامته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وبعد: أيها الإخوة في الله: المصلحون في هذه الأمة والعلماء والدعاة يهتمون كثيراً بأمر المرأة، ويأتي هذا الاهتمام رداً على الحملات الشيطانية المكثفة التي يقوم بها دعاة الفساد والشر والضلال لطعن الأمة عن طريق المرأة، ولابد في مواجهة هذه الحملات من حملاتٍ وحملاتٍ؛ يبين فيها أهل العلم ما يريده أهل الفساد من شعاراتهم الزائفة، ودعواتهم المضللة التي يخدعون بها المرأة ينادون بتحريرها! والتحرير لا يكون إلا لمن هو مستعبد، لإنسان يعيش في ظل العبودية والقهر فينادى له بالتحرير. وحينما يقولون: تحرير المرأة، مِمَّ يحررونها؟ إنهم يحررونها من عبادة ربها وخالقها لتتمرد على الله يحررونها من أعظم منزلة أنزلها الله إياها وهي منزلة العبودية؛ لأن أشرف المنازل وأعلى الدرجات هي أن تكون عبداً لله، وأن تكون المسلمة أمةً لله، لا للهوى، ولا للنزوات، ولا للشهوات، ولا للدنيا، ولا للأزياء والموديلات (تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش) المرأة في ظل الإيمان بالله تعبد الله، فينادون بشعار تحريرها مم؟! إنهم إنما يريدون بذلك تحريرها من أمرين: من عرشها ومكان عزتها وهو البيت؛ لتخرج حتى تصل إليها أعينهم الآثمة، وتمتد إليها أيديهم الملوثة، ويمسحوا بها قذاراتهم ونجاساتهم، فيقولون: نحررها من البيت. والله قد أمرها في القرآن أن تستقر في البيت، فقال: ﴿وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] هذا كلام الله، فيريدون من المرأة ألا تبقى في البيت. ويحررونها من شيء آخر -حتى ولو خرجت- وهو: الحجاب؛ لأنها إذا جلست في البيت لم يروها، وإذا اضطرت إلى الخروج محجبةً لم يروها، فهم يريدونها أن تخرج، ويريدون مع خروجها أن تكشف حجابها. من أجل ماذا؟ من أجل إرضاء وإرواء نزواتهم وشهواتهم. قالوا: تحرير المرأة. والإنسان ينخدع بهذا الشعار، ما قالوا: نحررها من عبادة الله لا، بل قالوا: نحررها من التقاليد! يسمون الإيمان والدين والقرآن تقاليد بالية عفا عليها الزمن، ويريدون أن يطوروها ويحمروها؛ من أجل أن تكون دابة يمتطوها، وتكون لعبة في أيديهم يشبعون بها رغباتهم ويمسحون بها وساخاتهم، من أجل ذلك يقوم العلماء دائماً بالتركيز على هذا الجانب، ويختارون مواضيع محاضراتهم وتأليف كتبهم للرد على كيد الضالين. ومن هذا المنطلق -أيها الإخوة- جاء اختياري لموضوع هذه المحاضرة وهو: (توجيهات للمرأة المسلمة). وهذه التوجيهات وإن كنا نخاطب بها المرأة إلا أن المخاطب بها الزوج؛ لأنها لا تستطيع هي بنفسها أن تنفذ هذه التوجيهات إلا بمعونة الزوج، لأنهما شريكان في المسئولية أمام الله ، والله قد بين أن المرأة مخلوقة من نفس الرجل، يقول : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١] فالمرأة مخلوقة من نفس الرجل؛ ولذا لا يمكن أن تستقل هي بتوجيهات الله وأوامره والسير على صراطه إلا بمعونة من الرجل.

стр. 865

أهمية المرأة في المجتمع أيها الإخوة في الله: لقد أخذت الأرض زخرفها وازينت، وظن أهلها أنهم قادرون عليها، وانصرف معظم الناس عن دينهم إليها، وانقاد السواد الأعظم لغرورها، وافتتنوا بحضارتها الجوفاء في الشرق والغرب، وخُدع بعض المسلمين بلمعان وبريق هذه الحضارة الزائفة، وقام أعداء الله بشن حملاتهم وحروبهم ضد الإسلام، فحملوا على الدين بخيلهم ورجلهم، وطعنوا فيه بسهامهم وسمومهم، وتعرفوا على مواطن القوة ومراكزها فاجتهدوا في إضعافها وتوهينها، وعلموا بعد ممارسة وخبرة أن المرأة من أعظم أسباب القوة في المجتمع المسلم، وأنها سلاحٌ ذو حدين، وأن لديها القابلية لأن تكون أعظم وسيلة للبناء أو أخطر وسيلة للهدم والتدمير؛ لأنها تملك مواهب ضخمة، فهي جديرة بأن تبني أو أن تهدم، وصدق رسول الله ﷺ ، ففي الحديث الصحيح في مسلم يقول ﵊: (إن الدنيا حلوة خَضِرَة) حلوة المذاق وخَضِرَة اللون، ودائماً الأخضر الذي له طعم كل إنسان يحبه (حلوة) في طعمها (خضرة) في لونها (وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون) أنتم تحت النظر الإلهي، لا يغيب عن الله من أمركم شيئاً (ألا فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) رواه مسلم. وفي البخاري يقول ﵊: (ما تركت بعدي فتنةً أضر على الرجال من النساء) وصدق رسول الله ﷺ . يقول أحد السلف: [والله لو أمنتموني على ملء الأرض ذهباً لوجدتموني أميناً، ووالله لا آمن نفسي على أمة سوداء أعلمها القرآن] لِمَ؟ لأن قضية المرأة تصادف غريزة في النفس، الله ركب في الإنسان ميلاً إلى المرأة من أجل بقاء الجنس البشري، إذ لو أن الرجل لا يميل إلى المرأة وهي لا تميل إلى الرجل لبقي الرجل في جانب وبقيت المرأة في جانب، وانقرض الجنس البشري، وخلت الحياة من الناس، وتعطلت الوظيفة التي من أجلها خلق الله الأرض وهي: العبادة، فجعل الله مَيلاً عند الرجل، ومَيلاً عند المرأة، ونظَّم هذا الميل ليلتقيا في نقطة شريفة اسمها "الزواج" نقطة مسئولية، لكن عمل أعداء الإسلام على أن يلتقي الرجل بالمرأة في غير النقاط الشريفة في نقاط الضلال، فتدمرت الأخلاق والعياذ بالله! لقد كان للمرأة في بناء الأمة المسلمة دورٌ رائع؛ لما انتفعت الأمة بالحد النافع من سلاح المرأة في القرون المفضلة، حيث كانت نسيبة بنت كعب مجاهدة، وكانت عائشة ﵂ معلمة، روت آلاف الأحاديث، وكانت أي: المرأة مربية، وقانتة، وعابدة، وصائمة، وقائمة؛ ومربية وداعية تصنع الرجال وتخرج الأبطال. ثم لم يلبث الحال أن تدهورت شيئاً فشيئاً، وجُرحت الأمة من الحد المهلك -من سلاح المرأة- حين سارت في الطريق الذي رسمه أعداء الإسلام لها، لتعطيل المرأة عن وظيفتها الأساسية، والزج بها إلى مواطن الفتنة، وتدمير الأخلاق تحت الشعارات البراقة: كالتحرير، والتجديد، والتقدم، والمساواة حتى قال أحد أقطاب الكفار والمستعمرين: "كأس خمرٍ وغانية -يعني: زانية- تفعلان في تحطيم الأمة المسلمة أكثر مما يفعله ألف مدفع". المدفع إذا حمل وقابلته القلوب القوية والإيمان القوي يُدمَّر؛ لأن الله مع المؤمنين، لكن إذا جاءت تلك القوى وقد دمرت القلوب من الداخل، ونسفت العقائد، ودهورت الأخلاق. هنا يسهل القضاء على الأمة المسلمة! لقد عز على أعداء الإسلام أن تجود المرأة المسلمة على أمتها -كما جادت من قبل- بالأبطال والعلماء والمجاهدين، فاجتهدوا ليجعلوها عقيماً لا تلد مثلَ عمر، ولا خالد، ولا صلاح الدين، ولا عائشة ولا سمية، اجتهدوا حتى لا تلد إلا الحيات والعقارب والحشرات من المغنيين والمغنيات، والتافهين والتافهات، المنسلخين عن القيم والمبادئ والمنسلخات، أصبحت لا تلد إلا كذاباً، ولعاناً، وسباباً، وشتاماً؛ لأنها كذابة، وسبابة، ولعانة، وشتامة أصبحت لا تلد إلا تاركاً للصلاة؛ لأنها لا تصلي، ولا تلد إلا قاطعاً للرحم؛ لأنها لا تصل رحمها أصبحت لا تلد إلا هاجراً للقرآن؛ لأنها لا تعرف القرآن أصبحت لا تلد إلا سارقاً؛ لأنها سارقة، ولا تلد إلا زانياً؛ لأنها عاهرة منحرفة والعياذ بالله ففاقد الشيء لا يعطيه! وأخرجوها من عرشها الذي تربعت عليه ردحاً من الزمن داخل مصنع رهبان الليل وفرسان النهار، لقد كانت تهز المهد بيمينها، ولكنها تزلزل عروش الكفر بيقينها؛ لأنها أم المجاهدين، وبنت المجاهدين، وأخت المجاهدين، وزوجة المجاهدين، بصماتها واضحة في حركات المجاهدين. الخنساء يخرج أربعة من أبنائها ويموتون في سبيل الله، ثم لما يعودون في آخر النهار يأتيها الخبر بأنهم قد استشهدوا كلهم في سبيل الله فتقول: [الحمد لله الذي شرفني بقتلهم في سبيل الله].

стр. 866

المرأة وخطاب الشريعة لقد رغبتُ -أيها الإخوة- في إعطاء المرأة المسلمة جرعة من الحماس والوقاية ضد تلك الأفكار؛ لتعرف دورها الريادي الذي يجب أن تقوم به في المجتمع، نتوجه بهذه المجموعة القيمة من التوجيهات التي تخص المرأة علَّها أن تجد إلى قلبها طريقاً، ونحن نخاطب -أيها الإخوة- ونتوقع أن النساء أحد صنفين: الصنف الأول: صنفٌ مؤمن مصدق بالله راضٍ بشريعة الله، فواجبهن الانقياد والخضوع والاستسلام لأمر الله، شعارهن قول الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٣٦] لا يسع المؤمن ولا المؤمنة إلا أن يقولوا: آمنا بالله طاعةً لله، إذعاناً له واستسلاماً هذا هو موقف المؤمن والمؤمنة. أما الصنف الثاني: صنف من النساء مكذب منحرف، تربى على الكفر، وتغذى بغذائه، فهؤلاء نتوجه لهن بالدعوة إلى العودة إلى الله، والتصديق بدينه، والرضوخ لشريعته قبل أن يحال بينهن وبين ذلك بالموت، وقبل أن يواجهن المصير المحتوم، والعذاب الأليم، واللعنة والدمار في دار الخزي والبوار ندعوهن بدعاية الإسلام إلى إعلان العبودية لله وحده؛ لأن ذلك في مصلحتهن في الدنيا والآخرة. وقبل كل شيء نؤكد -أيها الإخوة- أن الشريعة وأن دين الله منزه عن الظلم؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس:٤٤] ولئن ساء وضع المرأة في فترات الزمن فإن السبب ليس التزامها بالإسلام، بل السبب الحقيقي هو: انحرافها وانحراف الناس عن الإسلام، انحراف الأجيال عن منهج الإسلام في التعامل مع المرأة. فنحن نعلم ما حاق بالمرأة من ظلم وإهانة؛ فهناك من يكلفها ما لا تطيق، وهناك من لا يرحم ضعفها، وهناك من يقسو عليها، ويهدر كرامتها، ويضيع حقوقها، ولكن ما علاقة الإسلام بأخطاء الآخرين؟ نحن لا نريد أن نعالج الخطأ بارتكاب خطأ أفدح منه، ونحن لا ننكر أن الهوة سحيقة والبون شاسع بين ما نحن عليه وبين ما يجب أن نكون عليه، ولكننا نقول لكل مسلمٍِ ولكل مسلمة ترجو الله واليوم الآخر: إنها مسئولة غداً بين يدي الله. إن ما يسمى بالاستسلام للأمر الواقع سوف يظل في ميزان الإسلام مرفوضاً ومردوداً ومنقوضاً، فالحق واحد لا يتعدد، والباطل مهما تقادم سيظل باطلاً، ولن ينتفع الناس إلا بالحق ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧]. هذا موقف الدفاع لرد تلك الحملات التي يستدلون فيها بالشبهات -مثلاً- يقولون: الإسلام ظلم المرأة! لم؟ قالوا: أعطاها نصف ما أعطى الرجل. قاتلكن الله وقاتلكم الله يا من تصفون الله بأنه ظالم حينما أعطاها النصف. أعطاها الله النصف وأعطى الرجل ضعف ما أعطى المرأة، لكنه كلف الرجل بكل شيء ولم يكلف المرأة بأي شيء، فهل أنصفها الإسلام أو لا؟! هذا هو الإنصاف، المهر والنفقة على الرجل، وله ضعف نصيبها من الإرث، مثلاً لو مات رجلٌ وترك ذرية ومواريثاً، ثم قُسمت المواريث فأخذ الذكر ثلاثة آلاف، والبنت ألفاً ونصفاً، ثم جاء الرجل ليتزوج فإنه سينفق من الثلاثة آلاف للمهر، والبيت، والنفقة، والبنت تأتي عندما تتزوج لا تدفع من الألف والخمسمائة ريالاً واحداً، إذن من الرابح في المسألة، الرجل أم المرأة؟! لاشك أن الرابح: المرأة. راعى الإسلام ضعفها. أما لو نظرنا إلى الميراث بمنطق الحسابات، فما دام أن الرجل عليه كل شيء فيكون الميراث للرجل؛ لأن عليه كل شيء، هذا بمنطق الحساب، لكن بمنطق الشرع والدين لا، الرجل عليه كل شيء لأنه يتحمل، والمرأة ليس عليها شيء لأنها ضعيفة، ومع ذلك فلها نصف ما للرجل، فهل هذا ظلم للمرأة أم أعظم عدل ورحمة؟! قاتل الله من يدعي أن الله ظلم المرأة.

стр. 867

المرأة في الإسلام لا بد في البداية من إعطاء لمحة قصيرة عن المرأة عند الآخرين أولاً، ثم نعرف كيف أكرمها الإسلام.

стр. 868

المرأة ومنزلتها عند غير المسلمين لقد كانت المرأة عند الإغريق محتقرةً ومهانةً حتى إنهم كانوا يسمونها رجساً، وكانت عندهم تباع وتشترى، مسلوبة الحقوق، محرومة الميراث. أما عند الرومان فكان شعارهم أن المرأة ليس لها روح، ولهذا اختلفوا هل هي من الإنس أم من الجن؟! ولذا كانت تعذب بسكب الزيت المغلي عليها، وكانوا يربطونها ويجرونها خلف حميرهم وبغالهم ويسحبونها حتى تموت. وقبل الإسلام -أي: عند العرب- لم يكن للمرأة قيمة عند الجاهليين، فلم تكن ترث، ولكن تُوْرَث، توضع مع المتاع (مع الثلاجة والغسالة)، وكأنها قطعة أثاث في البيت، لم تكن ترث شيئاً في الجاهلية بل تُورث ولا ترث. وكان العرب يخصون الرجال بطعام غير طعام النساء، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام:١٣٩] يأكل الرجل ولا تأكل المرأة، بل كانوا يدفنونها وهي حية، هل هناك أعظم من هذا الظلم؟! ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩] وهذه نزعة لا تزال فينا إلى اليوم، نزعة البشرى بالولد أو البنت، إذا بشروه قالوا: جاء لك ولد. قال: الحمد لله. وفرح، وإذا جاءت له بنت سكت، ويقولون: جاءت له راعية غنم! فيحزن ويقول: لو يرزقني الله برجل! من الذي يخلق الرجل ومن الذي يخلق البنت؟ من الذي يهبهم؟ ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً﴾ [الشورى:٤٩ - ٥٠] لا تدري ما الخير فيه يا أخي! لعل الخير في هذه البنت، ولعل البركة والدين في هذه البنت، كم من بنت أدخلت على أهلها النور والإيمان والدين! وكم من ولد أدخل على أهله الشر والظلم والفساد ودمر حياة أهله كلها وهو ولد! لا تفرح إلا بما آتاك الله، فإن جاء ولد فاسأل الله أن يكون صالحاً، وإن جاءت بنت فافرح ولا تحزن، ولا تفعل كفعل الجاهليين: ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٩].

стр. 869

المرأة عند أهل الإسلام استمر الناس على هذا الوضع حتى إذا شرقت شمس الإسلام نعمت المرأة -كغيرها من مخلوقات الله في الأرض- تحت ظله بكامل حقوقها، لم تنعم البشرية ولا الإنسانية فحسب ولكن العالم كله نعِم بظل الدين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] هذا الدين كان النجاة للعالم كله، حتى سعدت الوحوش في البراري والقفار، وسعدت الأسماك في البحار، وصفت الأجواء، وطابت الثمار؛ لأن الأرض تصفو بطاعة الله وتشقى بمعصية الله، والله يقول: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم:٤١] بماذا؟ ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١] بمعنى: أنها إذا كسبت شراً ظهر الفساد، وإذا كسبت خيراً ظهر الصلاح، فنعِمت المرأة كغيرها تحت مظلة الإسلام، وأعيد لها كامل حقوقها وكرامتها، وقرر الإسلام أنها شقيقة الرجل لها ما له وعليها ما عليه، مع اختصاص الرجل بالقيادة والذود والحماية والإنفاق والولاية، يقول الله : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨] وهذه الدرجة ليست درجة أفضلية، ولكنها درجة مسئولية، مثلاً: المدرسون في المدرسة الآن كلهم خريجون جامعيون، ولكن إدارة التعليم تختار واحداً منهم مديراً، فهل معنى ذلك: أن المدير أفضل من المدرسين؟ لا. لعل المدرسين أفضل منه، لكن وقع عليه الاختيار لأنه قديم، وهو مسئول فقط. لكن ما ظنكم لو قلنا: كلكم يا مدرسون مدراء؟ هل تصلح المدرسة؟ لا تصلح الحياة إلا بمدير، فالحياة الزوجية لابد فيها من مسئول، من الذي يصلح للقيادة الرجل أو المرأة؟ في تصورنا نحن لا يصلح طبعاً إلا الرجل، فالشرع قرر أن الرجل هو الذي يصلح وذلك لميزات عنده، هو الذي يصلح لأن يكون مسئولاً لا لأنه أفضل فقد تكون المرأة أفضل عند الله من ألف رجل! مثلاً: امرأة فرعون، الله أخبر أنها قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم:١١] فهي أفضل من فرعون الذي ملك مصر وكان عظيمها الذي كان يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] وزوجته آسية بنت مزاحم كانت مؤمنة، ومع هذا كانت أفضل منه، فليست القضية قضية أفضلية، حتى لا يأتي أحد ويقول: لا، أنا رجل، أنا أفضل. لا، لست أفضل، أنت مسئول فقط، يعني: أن الدرجة التي عندك هي درجة أن الله جعلك مسئولاً عن الريادة والقيادة والقوامة في الأسرة؛ لأن عندك ميزات: قوة، وشجاعة، وقدرة، ومواجهة. أما المرأة فلا تستطيع، فهي مشغولة بوظائف أخرى لا تقدر لها أنت: المرأة تحمل، هل تقدر أنت أن تحمل؟ أنت إذا تعشيت وامتلأت بطنك قمت تصيح طوال الليل، تقول: أعطوني دواءً مهدئاً للهضم، أو مشروباً غازياً؛ هذا كله لأن في بطنك نصف كيلو من اللحم أو الأرز، كيف لو كان في بطنك طفلاً كبيراً وزنه أربعة كيلو جرام؟! وما يكون بعده؟؟! لكن الله جعل المرأة تستطيع أن تقوم بهذا العمل ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً﴾ [الأحقاف:١٥] فلها وظيفة ولك وظيفة، يريدون أن يغيروا سنة الله في الأرض، يجعلون الرجل يأخذ وظيفة المرأة وهي تأخذ وظيفة الرجل، هذا تغيير: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٦٢] ومن يغير سنة الله هو الذي يتغير ويخسر وتبقى سنة الله جارية لماذا؟ لأن الله هو الخالق لهذه السنة، وهو الموجد لهذه السنن الكونية.

стр. 870

حق المرأة في الاستشارة ليست مسئوليتك مسئولية قهر، ولا استعباد، ولا استبداد، ولا تسلط كما يتصور بعض الناس، يقول: أنا الرجل. نعم، أنت رجل، لكن مسئوليتك مسئولية إشراف ورعاية وحماية، فإذا اتخذت قراراً فشاور، ليس عاراً عليك إذا أردت أن تتخذ قراراً فقل: حسناً، نرى، نتشاور. من الذي تتشاور معه؟ مع زوجتك، النبي ﷺ شاور زوجته ﵂ أم سلمة في قضية ليست سهلة، قضية إذا عصت الأمة الرسول ﷺ عذبها الله! في صلح الحديبية لما كاتب الرسول ﷺ كفار قريش على أن يرجع وأن إلى آخر صلح الحديبية، أمر الصحابة فقال: احلقوا رءوسكم. فالصحابة ترددوا فما حلقوا، فخشي عليهم الرسول ﷺ أن ينزل عليهم عذابٌ من الله؛ لأنه يأمرهم ولا يطيعونه، كيف لا يطاع الرسول؟ وإذا لم يُطَعِ الرسول فماذا يحصل؟ سيحصل تدمير. فدخل على أم سلمة وهو متغير، قالت: (ما بك يا رسول الله؟ قال: آمُر فلا أطاع. قالت: ابدأ يا رسول الله أنت احلق. فبدأ يحلق فقام الناس كلهم يحلقون) انظروا الرأي السديد عند هذه المرأة العظيمة، ما قالت: ادع عليهم، أو دمرهم لا. فأنت إذا أردت أن تعمل شيئاً شاور زوجتك، لو أردت أن تستأجر شقة فشاور زوجتك، أنت وهي سوف تسكنون، أنت سوف تقعد فيها ساعات وتخرج وهي تقعد فيها طوال الليل والنهار، قل لها: تعالي نرى الشقة هل هي مناسبة أو لا. بعض الناس يقول: والله ما آخذ رأيها، أنا الرجل! (ما دخلها) لماذا آخذ رأي امرأة؟! وإذا جاءت وقالت: ليست الشقة جيدة. قال: جيدة أو غير جيدة، اقعدي على رأسك. ويتصور أن هذا هو الدين، وأن هذه هي الرجولة، هذا قهر، واستبداد، وتسلط، ينبغي عليك أن تكون مرناً، وأن تكون رجلاً ذو عشرة حسنة؛ لأن الله أمر بهذا في القرآن الكريم فقال : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].

стр. 871

إكرام الله للمرأة في الخطاب الشرعي يقول : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] حتى ولو كانت امرأة فهي أكرم إذا كانت عند الله أتقى، يقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء:١] ويقول : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٧] ويقول : ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥] ويقول : ﴿الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٧١] ويقول : ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الحديد:١٢]. هل هناك أعظم من هذا التكريم للمرأة في ظل القرآن الكريم! يخاطبها الله ويقول : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] إلى آخر الآيات، يذكر الرجال ويذكر النساء، لماذا؟ لأنهم سواء، لا يوجد تفضيل هنا، لماذا؟ لأن الله خلق المرأة لوظيفة وخلق الرجل لوظيفة، إلا أن الإسلام يتعامل مع الأمور بمنطق الواقعية لا بمنطق العاطفة والسطحية.

стр. 872

إسقاط التكاليف عن المرأة مراعاة لطبيعتها الخَلْقِيَّة أعلن الإسلام موقفه الصريح من إنسانية المرأة وكرامتها، وأيضاً نظر إلى طبيعتها وما تصلح له من أعمال، فأبعدها عن كل ما يتعارض مع طبيعتها فخصها ببعض الأحكام، وأسقط عنها بعض الواجبات: أسقط عنها الجمعة، لماذا؟ لأنه يترتب على خروجها للجمعة مفسدة، الناس كلهم مأمورون للخروج للجمعة، فإذا خرجت المرأة للجمعة -أيضاً- احتك الرجال بالنساء، فأسقط الله عنها الجمعة فلا تجب عليها ولها أن تصلي في بيتها. وأسقط عنها الإحرام، فالرجل إذا أحرم يكشف رأسه وجسمه ولا يلبس إلا رداءً وإزاراً، أما المرأة فلا تفعل مثله؛ وإنما تغطي كل شيء في جسمها إلا وجهها وكفيها، فإذا رأت الرجال تغطي حتى هذا الشيء، تقول عائشة: [كنا إذا قابلنا الركبان أسدلنا، وإذا جاوزونا كشفنا]. وأسقط عنها الجهاد، عليها جهاد لا دم فيه وهو الحج، المرأة ليست بمسئولة عن الجهاد؛ لأنه لا ينسجم مع تكوينها ولا يتلاءم مع ضعفها وطبيعتها. كما عفاها الإسلام من الصلاة والصوم في فترة الحيض، وهذه رحمة من الله بالمرأة، بعض الناس يقول: إن الإسلام عفاها من هذا الشيء من أجل النجاسة التي تخرج منها وهي: الدم. وليس هذا هو السبب، فإن المرأة أثناء الطهر يخرج منها شيء نجس وهو البول والغائط ومع هذا تتطهر وتصلي وهكذا الرجل، فالدم نجاسته ليست أشد من نجاسة البول والغائط، لكن الله عفاها من الصلاة والصوم أثناء فترة الحيض؛ لأن فترة الحيض تؤثر عليها صحياً، ونزيف الدم الذي يخرج منها يؤثر عليها، وقد أقر الأطباء في دراسات علمية حديثة: أن المرأة تتغير طبيعتها وتكوينها الصحي أثناء الحيض، فترتفع درجة حرارتها، وتصاب بمغص، وتعتريها آلام، وتشعر بتعب، فالله من رحمته بها أسقط عنها الصلاة والصيام. وبعد ذلك الصلاة لا تقضيها في وقت آخر، ولكنها تقضي الصوم؛ لأن لديها أحد عشر شهراً تستطيع أن تقضي فيه، ولكن لا تقضي الصلاة، وهذه رحمة من الله بالمرأة. لا إله إلا الله! ما أعظم رحمة الله بالعباد ﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس:٤٤]. عفاها الإسلام من الصلاة والصوم لماذا؟ مراعاةً لوضعها الصحي ولعدم ملاءمته لها، وما يجب أن تكون عليه من الراحة النفسية.

стр. 873

تقسيم الواجبات والأعمال بين الرجل والمرأة قرر الإسلام تقسيم الواجبات والأعمال بين الرجل والمرأة، فالحياة ذات تكاليف، والدنيا ذات أعباء ومشاق؛ فلابد من توزيع الاختصاصات، وهذا تقتضيه هندسة البناء الاجتماعي، الآن كل إدارة فيها وظائف متعددة واختصاصات، لو أتينا بالموظفين وقلنا: كل موظف يشتغل على الكيفية التي يريدها ماذا يحصل؟ تصير فوضى، لكن كل واحد له عمل، ووظيفة، كذلك الشركية الزوجية هذه لابد فيها من توزيع الاختصاصات بحيث يقوم الرجل بنوعٍ من العمل لا تقوم به المرأة ولا تقدر عليه، وتقوم المرأة بنوعٍ من العمل لا يقوم به الرجل ولا يقدر عليه، ومن الذي قسم هذا؟ إنه الله، وقسم الله هذه الواجبات بين الرجل والمرأة على ما يتلاءم مع الوظيفة التي خلقه من أجلها، قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] الله يقول: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦]. ومن ضمن الأشياء التي جعل الله فيها فارقاً بين الرجل والمرأة: أنك تجد الطفل الصغير أو الطفلة الصغيرة عند الولادة أن لديهما شعراً في أجزاء من الجسم سواء بسواء، شعر في الرأس عند الولد والبنت سواء، وشعر في الحواجب والجفون، فإذا ما اكتملت أنوثة الأنثى ورجولة الرجل كان لهما شعر في الإبط والعانة سواء بسواء، ثم يتميز الرجل بأربعة أشياء عن المرأة: يظهر للرجل شعر في وجهه -أي: لحية- ويظهر للمرأة أثداء في صدرها، ويغلظ صوت الرجل ويرق صوت المرأة، وتعظم أكتاف الرجل وتعظم أرداف المرأة. هذه ميزات جعلها الله للمرأة وللرجل لما يتلاءم معها، لماذا؟ لأن المرأة لا تصلح إلا بهذا، ما رأيك لو أن المرأة صوتها ثخين -مثل صوت السيارة الكبيرة- إذا كلمتك؟ تقول: الله أكبر على هذا الصوت! لن تحبها، كذلك لو ذهبت البيت الآن من هذا المجلس المبارك ودخلت على زوجتك وإذا بها لديها لحية، هل تقبل زوجتك بلحية؟ لا تقبلها بلحية ولو كنت تحبها، ولو كان لك منها ذرية، ستقول لها: اذهبي إلى أهلك، لقد صرتِ رجلاً، لماذا أقعد مع رجل؟ لا يمكن أن تستمتع بها إلا إذا كانت بدون لحية. وكذلك أنت -أيها الرجل- لا يمكن أن تكون ممتعاً لزوجتك إلا بلحية، كما لا تريدها أنت إلا ملساء هي لا تريدك إلا بلحية، فإذا ما وجدتْ لديك لحية تصبح مسكينة؛ لأن ما عندها ورقة طلاق تقدر تطلقك، وقد أجري استفتاء لأربعمائة امرأة كلهن قررن أنهن يفضلن الرجل الملتحي؛ لأن المرأة تشعر أمام الرجل الملتحي بالأنوثة، ترى شيئاً ليس فيها، ترى فيه علامات مميزة عنها، لكن إذا رأته مثلها يحدث العجب، فأحياناً تضطر إلى أنها تصير هي الرجل، حتى في الطريق وهم يمشون تمشي أمامه، وتجعله يأخذ الولد، ويعلق الشنطة في كتفه، إذن ماذا بقي؟ لا حول ولا قوة إلا بالله!! فالإسلام خصص لهما بعض الأعمال والواجبات بمقتضى إمكانيات كل منهما، فالرجل يتميز بالقدرة والقوة الجسمية، والقدرة على الدفاع عن الأسرة، فحددت مسئوليته بالأعمال الخارجية، المرأة لا تقدر أن تدافع أبداً، ضعيفة هكذا، لكن الرجل يقدر، إذا حدث شيء مزعج يخرج ليتثبت من الأمر، وإذا سمع صوتاً في خارج البيت يخرج هو يستكشفه، ولا يقول: اخرجي يا امرأة! وأنا سوف أقعد، انظري ماذا بالخارج! لا، هو الذي يخرج ليكتشف الأمر، المرأة إذا سمعت صوتاً تذهب لتوقظ زوجها وتقول: هناك شيء، هناك حركة، سمعت شيئاً. مسكينة المرأة! لا تستطيع. فالله جعل الرجل يقوم بتلك الواجبات الخارجية، والمرأة اختصها الله بأشياء أخرى: بالحمل، والإرضاع، والحضانة، والتربية، وتدبير أمور المنزل. فحددت مسئوليتها بالأعمال الداخلية، وهذا تنظيم تقتضيه طبيعة الحياة وهو أن الرجل عليه المسئولية خارج البيت، والمرأة عليها المسئولية داخل البيت، وقد تكون أعباء الداخل أكثر من أعباء الخارج ولكن يتعاون الرجل والمرأة في الحياة الزوجية بهذا الوضع فتستقيم الحياة.

стр. 874

حال المرأة بعد انتكاس الفطرة الآن دُمرت الحياة، أخرجت المرأة من البيت لتعمل في الخارج فضاعت بيوت المسلمين، يقول أحد الذين هداهم الله: إن بيوتنا غدت شبيهةً بالفنادق، لا نجد فيها الأنس ولا الروحانية ولا المتعة، وأبدت المرأة -وهي تمارس عملها خارج البيت- النشاط والحيوية والعطاء والبذل للعمل، وأبدت للبيت الكلل والملل والنوم، فلا تجد المرأة في بيتها نوعاً من القدرة على الإبداع والإنتاج وإنما تدخل وهي محطمة فترمي نفسها، ومن يقوم بأعباء الأسرة؟ الخادمة! وهل الخادمة تستطيع أن تقوم بهذا الدور؟ هل الخادمة تستطيع أن تقوم بدور عمارة البيت، والأسرة من الداخل، وتربية الأولاد؟ لا تستطيع، لأن هذا هو دور المرأة وليس دورها يتم خارج المنزل. ولما غير الناس هذه الطبيعة تغيرت حالتهم، ولا ينازع في قضية الاختصاصات إلا جاهل.

стр. 875

تعرية دعوى مساواة المرأة بالرجل والذي يدعو إلى مساواة المرأة بالرجل في العمل والوظيفة والخروج جاهل أو مخطئ، لأن هناك أعمالاً تقتضيها الظروف مثل تدريس النساء؛ لأن تعليم النساء خير، وأحسن من بقائهن جاهلات، لكننا نحارب قضية الدعوة التي نسمعها الآن والتي نراها تبث وتظهر رأسها وهي: أنه يجب علينا أن نستفيد من نصف المجتمع، ومن آلاف الخريجات، وعشرات الآلاف من البنات، لماذا يقعدن في البيوت ونحن بحاجة إليهن في السكرتارية، و (السنترالات)، وكاتبات ومراجعات ومضيفات؟؟ أخرجوا النساء، استفيدوا منهن!! هذه دعوة ماسونية علمانية، هدفها تدمير البنات والنساء؛ من أجل تدمير الإسلام، يريدون تدمير الحياة الاجتماعية النظيفة الطاهرة التي نعيشها: الأسرة طاهرة، والبيت والمكتب والشارع طاهر عندما كانت المرأة طاهرة والرجل طاهراً، لكن إذا أضرمت النار، ووضع عليها البارود، ساءت الحياة وفسدت وأسنت، وحصل ما حصل في المجتمعات الأخرى التي سبقتنا -نسأل الله أن لا يجعلنا نسير فيما سارت فيه- فقد وصلت إلى حدٍ لا تحسد عليه. والذين يقولون: نريد المساواة بين الرجل والمرأة: في العمل، والوظيفة، والخروج وغيره، نطلب منهم أيضاً المساواة معها في وظائفها، فنريد أن يحيض الرجل شهراً وتحيض هي شهراً آخر هذه المساواة! وأن يحمل بطناً وأن تحمل بطناً آخر، أما الحمل دائماً عليها وفي بطنها وأنت قاعد هناك وتقول: نريد المساواة! هذه ليست مساواة!! ونريد أن ترضع أنت ولداً وهي ترضع ولداً آخر، وهذا أمرٌ بطبيعة الحال غير وارد أصلاً؛ لأنه يتعارض مع فطرة الله التي فطر الناس عليها.

стр. 876

إكرام الإسلام للمرأة لقد ساوى الله بين الرجل والمرأة في الجزاء في الآخرة قال : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] وساوى الله في التوجيه في سورة الحجرات لما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١] وكرَّم الله المرأة وخصها بنصيب عظيم من العناية من ذلك في جميع مراحل حياتها، فالله أكرمها أُماً في حين أن الجاهليين الآن في الشرق والغرب يرمون بالأمهات في الملاجئ؛ فإذا بلغت الأم خمسين سنة انتهى الانتفاع بها، وردةً مُصت واستنشقت فذبلت، فلما ذبلت ركلت يركلونها ويذهبون بها إلى دور العجزة، ولا يعرفها ولدها ولا بنتها ولا أخوها ولا زوجها ولا تبقى لتموت ببطء حتى تنتهي. أكرمها أماً: الإسلام كرَّمها أماً، فقال : ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [البقرة:٨٣] وقال : ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء:٢٣] ويروي البخاري ومسلم في الصحيحين حديث الرجل لما سأل الرسولَ ﷺ وقال: (يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟) يعني: من هو أولى الناس لأن أكون له أطوع، وأحسن الناس إليه، وأرفق الناس به؟ من هو؟ من هو؟ فقال ﷺ : (أمك) الله أكبر! فهذا الرجل أخذها على أنها في أعلى منزلة، قال: (ثم من؟) يريد أن يضع الثاني (قال: أمك) ضع أمك في المرتبة الثانية أيضاً (قال: ثم من يا رسول الله؟) يريد أن يضع أخرى (قال: أمك) ثلاث مرات: أمك. في الدرجة الأولى، والثانية، والثالثة (قال الرجل: ثم من؟ قال: ثم أبوك. ثم أدناك فأدناك) الآن أكثر الناس لا يتقي الله في أمه بل يجعل امرأته في القائمة الأولى، المرأة هي الأولى في القائمة والأم في آخر القائمة، البسمة للمرأة، والثوب الجيد، والتمشية، والسهرة، والراتب في يد المرأة، وأمه إن لم تكن في بيته فيأتيها في الشهر مرة وهو مستعجل، حتى إنه لا يتفرغ لكي يشرب عندها ماءً، يأتي ولا يطفئ حتى السيارة، يقول: مستعجل ذاهب للدوام عندي شغل عندي موعد بينما الجلسات كلها لامرأته، الله أكبر! لا إله إلا الله! وأكرمها الإسلام بنتاً، فقد كانت توأد في الجاهلية، والله حرم هذه العادة وأبطلها، وجعل تربية اثنتين من البنات سبباً لدخول الجنة، ففي الحديث الصحيح من رواية مسلم يقول ﵊: (من عال -أي من ربى- جاريتين -يعني: ابنتين- حتى تبلغا؛ جاء يوم القيامة أنا وهو معاً، وضم إصبعيه الاثنتين) من عنده اثنتان من البنات يربيهن على الإسلام ويعلمهن الإيمان إلى أن يزوجهن هذا رفيق النبي ﷺ في الجنة. والمرأة أكرمها الإسلام زوجةً، يقول ﵊: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) وامتدح الله رسله فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨] وجعلها نعمة وآية من آياته قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم:٢١]. وأكرمها أيضاً مؤمنة، فكان أول قلبٍ مؤمن تألق بنور الإيمان هو قلب خديجة ﵂، فأول من آمن من النساء خديجة ﵂، وكانت أول شهيدة في الإسلام امرأة وهي سمية أم عمار بن ياسر وزوجة ياسر ﵃. قتلها أبو جهل، وكانت الأسرة كلها مؤمنة: سمية وولدها عمار وزوجها ياسر. الأسرة كلها مؤمنة، وهم كانوا عبيداً وموالي، وكان أبو جهل يعذبهم تعذيباً لا يعلمه إلا الله، ويمر النبي ﷺ عليهم ويقول: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة) ويمر الخبيث عليها فيطعنها بالرمح حتى ماتت ويسيل دمها على الأرض فكانت أول قطرة دم تقع على الأرض في سبيل الله، أي شرف أعظم للمرأة من هذا الشرف أيها الإخوة؟!! وامتدحها الله صابرةً، هذه أم سليم بنت ملحان -في قصة طريفة جداً- مرض ولدها ثم مات، ودخل عليها أبو طلحة -زوجها- من المسجد وقد تطيبت وتصنعت وقالت لمن في البيت: لا تخبروه. وغطت الولد بعدما مات بلحاف، وقامت تتجمل، وتتزين، وتتعطر، ولما دخل أبو طلحة قالت لمن في البيت: لا تعلموه. فلما سألها عنه قالت: هو أسكن ما يكون. وصدقت لأنه في سكون تام، لكنه فهم أنه قد شُفي. قالت: هو أسكن ما يكون. ثم قدمت له العشاء، ثم أتما ليلتهما على أتم حال، فلما كان آخر الليل -طبعاً قد هدأت الدنيا، لم يعد هناك سخط ولا غضب، وإنما الأنس والوفاق- جاءت تعرض الخبر عرضاً أدبياً جميلاً، قالت له: يا أبا طلحة ألم ترَ آل فلان -ضربت مثلاً- استعاروا عارية ثم تمتعوا بها، ثم طُلبت العارية منهم فشق عليهم ردها -أبوا ردها وقالوا: لا نرد العارية- قال: ما أنصفوا، هذا ظلم، كيف يرفضون رد العارية؟! قالت: فإن ابنك كان عاريةً من الله فقبضه. الله أكبر ما أعظم صبر هذه المرأة! ما أعظم هذه العقلية! فالرجل قد ضربت له مثالاً، لم يعد بوسعه أن يعمل شيئاً فاسترجع وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. وحمد الله وقال: الحمد لله. وقال: والله لا أدعك تغلبيني على الصبر، أي: لا أجعلك تسبقيني إلى الصبر، سأصبر اقتداءً بك. فلما أصبحا من الغد ذهبا إلى النبي ﷺ ، وكان قد نزل عليه الوحي من السماء وأخبره الله بخبرهما في الليل فقال: (بارك الله لكما في ليلتكما) فحملت تلك الليلة ببركة دعوة النبي ﷺ ، وولدت ولداً سماه أبوه عبد الله لم يكن في الأنصار شابٌ أفضل منه، ولم يمت حتى رزق عشرة من الأولاد كلهم حفظوا القرآن؛ ببركة هذا السلوك العظيم من هذه المرأة الطاهرة. لكن لو أنها من نسائنا ومات ولدها لصعقت وصاحت، وإذا دخل بعلها قالت: ما ذهبت به إلى المستشفى، أنت الذي أمَتَّ ولدي، وأنا أطلب منك أن تأخذه إلى الطبيب كل يوم، أنت راضٍ وقامت تضع المسئولية عليه بدلاً من أن تقول مثل هذا الكلام العظيم الذي قالته هذه المرأة الفاضلة، هذه المرأة الصابرة من أين اكتسبت هذا الصبر؟ ومن أين تحلت بهذه الأخلاق؟ لقد -والله- تحلت به من الإيمان الذي عمر قلبها، ومن النور الذي أنار باطنها، وهذا غيض من فيض، وقليل من كثير من حديث اهتمام الإسلام بالمرأة وإكرامها، يقول الشاعر: فلو كان النساء كمن ذكرن لفضلت النساء على الرجال وما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ وما التذكير فخر للهلال

стр. 877

هدف الأعداء من الدعوة إلى المساواة بين الرجل والمرأة ولكن أيها الإخوة! -وما أصعب (لكن) - صعُب على أعداء الإسلام أن تبقى المرأة المسلمة في عرشها وعزتها وعليائها، صعُب عليهم هذا التكريم فعملوا في سبيل إنزالها لتكون منشفةً يتمسحون بها، ولعبة يتلهون بها ويحققون عن طريقها الاستمتاع بمآربهم متسترين بالشعارات الخادعة والهتافات الكاذبة حين نادوا إلى تحريرها، ولكن مم يحررونها؟ من الشرف، والفضيلة، والحياء! وهتفوا بالعطف عليها، ولكنهم قسوا عليها أشد من قسوة الجاهلية الأولى، كلفوها ما لا تطيق، ادَّعوا إكرامها فأوردوها موارد الذل والحقارة، أرادوا تحريرها فاستعبدوها، عطفوا عليها فأهلكوها، وهم حولها وحوش مفترسة، وكلاب شرسة، ولصوص مختلسة، همهم في الحياة إشباع النزوات، وغايتهم إرواء الشهوات، ومقصودهم التمرد على الأخلاق والعادات، ووقعت المسكينة في حبالهم في معظم بلاد المسلمين، وساقوها إلى أسواق الرقيق الأبيض، أسواق التبرج والاختلاط، وما أدراك ما التبرج والاختلاط؟!

стр. 878

أحكام التبرج والاختلاط ما هو التبرج؟ وما هو الاختلاط؟

стр. 879

النهي عن التبرج والاختلاط في كتاب الله التبرج: هو أن تُظهر المرأة للرجال الأجانب ما أوجب الله عليها ستره من زينتها الخَلقية أو الخُلقية، الزينة الطبيعية أو المكتسبة بقصد أن تلفت أنظارهم، وتضيف إلى هذا المساحيق والعطور والأصباغ والملابس لإقناع الناس بأنها جميلة. هذا اسمه تبرج، وهو مظهر من مظاهر الجاهلية، قال الله: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]. أما الاختلاط: فهو اجتماع الرجل غير المحرم بالمرأة اجتماعاً غير شرعي في خلوة أو في سفر، ويمكنه من النظر إليها أو الحديث والكلام معها، وهو محرَّم بالكتاب والسنة، يقول الله في التبرج: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الأحزاب:٥٩] ويقول : ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] ما ظهر منها يعني: شكلها العام بعد الحجاب وليس وجهها، ومن قال بهذا القول فقوله مردود ومنقوض ولا يدعمه دليل من كتاب ولا من سنة، والأدلة التي أوردوها على هذا كلها مردودة: إما منسوخة، أو ضعيفة، أو موضوعة؛ كما قرر ذلك أهل التحقيق من أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وكثير من علماء الأمة، ولم يقل بأن الوجه أو الكفين ليس بعورة أحد ممن يعتد بعلمه ويؤخذ بقوله، كيف يأمر الله المرأة بألا تضرب برجلها ثم يبيح لها أن تكشف وجهها؟!! إذاً: فما معنى الحجاب الذي يقول الله فيه: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣]؟! إنها دعوة تخدم أغراض الماسونيين، إذا نزع الحجاب فتح الباب وصار الشر وحصل الفساد والعياذ بالله! فالله يقول: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] إلى آخر الآيات.

стр. 880

حكم وضع الحجاب عن القواعد من النساء ويقول : ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠] القواعد من النساء، هل تدرون من القواعد؟ هي المرأة العجوز التي لصق ساقها بفخذها، ولصق فخذها ببطنها حتى قعدت، لم تعد تستطيع المشي على رجليها، حائرة مسكينة، أصبحت جالسة في مخدعها لم تعد تزحف إلا زحفاً، هذه هي التي أباح الله لها ذلك، وليس عليها جناح أن تضع الحجاب، لكن بشرط: وهي باقية في مخدعها، قال: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠] العجوز منعت من التبرج فكيف إذا تبرجت البنت؟!! وهب أن العجوز هذه تبرجت، هل هناك فتنة؟ نعم، يمكن أن هذا العجوز ما درى الناس أنها قاعدة فقامت واستعملت حُمرة أو حناءً أو تطيبت أو أخذت لها ملابس ودخل رجل مُسن ورأى العجوز، فقد يحصل ما يُعبر عنه المثل: (لكل ساقطة لاقطة!) قال الإسلام: هذه العجوز ليس عليها جناح أن تضع ثيابها لكن بشرط ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠] وقال الله: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ [النور:٦٠] لماذا؟ ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ [النور:٦٠] إذا تغطت العجوز ذات السبعين أو الثمانين سنة فهو أفضل لها، فكيف بالبنت التي عمرها عشرون سنة أو خمسة وعشرون أو ثلاثون تتبرج وتخرج في ثياب مزركشة، الآن هناك عباءات فاضحة، العباءة أصلاً وضعت للستر، أليس كذلك؟ فإذا أصبح الساتر فاضحاً؟ كما لو كانت العباءة منقوشة أو مطرزة أو ملمعة، بالإضافة إلى أنها مرفوعة من فوق الرجل، وأيضاً تلبسها على الكتف، وهو ما يسمونه (الكاب) هذا يُجسم صدرها ويكشف أكتافها، ثم تلبس الكعب العالي وتمشي عليه مع صغره كأنه حافر حمار، وكذلك تعلوها زينة وعطور ومشية مميلة و (باروكة) فوق الرأس! هذا كله حرام في دين الله، وتخرج أكثر البنات في هذا الوضع ولا ينكر عليها زوجها ولا أبوها ولا أخوها، وتمارس هذا الأمر وكأنه شيء طبيعي، هذا هو تبرج الجاهلية الأولى بل أشد. إذا خرجت المرأة فعليها أن تخرج في حذاء مستوٍ، فإن الله خلقها تمشي على رجلها، ولو أرادها أن تمشي بحافر حمار لجعل لها حافر حمار، وعلى المرأة المسلمة إن خرجت أن تمشي بعباءة ساترة من رأسها إلى قدمها فضفاضة واسعة تجر الأرض، وتمشي في ثياب مبتذلة، لا تأخذ ثياب الزينة ولا تتعطر، وكذا تخرج إذا خرجت للضرورة فقط، الخروج بالنسبة للمرأة أمر طارئ عارض؛ لأن الله يقول: ﴿وَقَرْنَ﴾ [الأحزاب:٣٣] ما قال: اجْلِسْنَ، ولا امْكُثْنَ. والقرار: هو الدوام. يقال: الجبل قار يعني: لا يتحرك. ولا يقال: الجبل ثابت أو الجبل جالس، الجالس سوف يقوم، والثابت سوف يتحرك، لكن قار يعني: لا يتحرك ولا يخرج، قال الله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] حتى المرأة العجوز يقول الله عنها: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور:٦٠]. ثم إذا كانت اللعنة قد وجبت على نساء بني إسرائيل لما خرجن إلى المساجد فكيف لا تجب على من تخرج إلى الأسواق والمجتمعات لنشر الفساد والمنكر وللدعوة إلى الجريمة؟!! روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: [رحم الله نساء الأنصار لما نزل قول الله : ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] شققن مروطهن واختمرن بها] وفي الترمذي قال ﵊: (إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان). من هذه الأدلة -أيها الإخوة- يتضح تحريم التبرج تحريماً قطعياً لتصان المرأة من التهتك والسقوط؛ لأن الرجال فيهم البر والفاجر، والطاهر والعاهر، والحجاب يمنع الفتنة ويدعو إلى الحياء والعفة، ويحفظ المرأة من تعرضها للفسقة والأذى، والاختلاط لإبقاء الثقة بين الزوجين، ولقطع دابر الريبة والجريمة والشكوك، والتهم التي تؤدي إلى هدم البيوت وتفكيك الأسر، والبيت للمرأة المسلمة كالصدَفة بالنسبة للؤلؤة تزداد به حسناً وجمالاً وبهاءً ودلالاً، وحين تتبرج وتخرج يذهب جلالها، ويتضاءل جمالها، وينطفئ نورها.
следующие страницы →