Полный текст (1 023 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الدعامة الثانية: التميز في العبادة وأداء الشعائر
أما الدعامة الثانية: فهي ما يخص التميز في العبادة من حيث شكلها، أو تطبيقها، فإن الشعائر الإسلامية متميزة عن طقوس الملل الأخرى، عبادات تزكي النفس، وتريح الضمير، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، يطبقها المسلم على ضوء سنة رسول الله ﷺ من غير زيادة ولا نقصان، لا يشغله عنها شاغل، ولا يصرفه عنها صارف من مشغلات الحياة وصوارفها.
стр. 107
الدعامة الثالثة: التميز في الفكر والتصوُّر
أما الاستقلال الفكري: فإن المسلم يسير في أفكاره وتصوراته على ما يوافق الشرع المطهر، ففكره سليم، وتصوره نزيه، متميزاً فيه عن الأفكار الدخيلة، والتصورات الملوثة، حذراً من كل فكر فاسد، ونظر مشوب، مما طفحت به المجتمعات من الأفكار الإلحادية المخالفة للكتاب والسنة.
стр. 108
الدعامة الرابعة: التميز في الأخلاق والسلوك
أما التميز الأخلاقي: فهو الميدان الخصب الذي جاء به الإسلام؛ لتكوين الأفراد، وتربية المجتمع، وهو متمثل بالقدوة الصالحة، في الأخلاق الفاضلة، والمعاملات الحسنة، والسجايا الكريمة.
تلك -يا إخوة الإسلام- أبرز معالم الشخصية المسلمة، عقيدة وفكراً، عبادة وأخلاقاً، فيها تبرز شخصية المسلم فيما قدمه تجاهها من عمل صالح، وفعل جليل، ومآثر حميدة، وليست شخصية المسلم في وفرة المال وربح التجارة، وعالي الشهادة، وفخر النسب، بل بقدر ما يسير المسلم على كتاب ربه، وسنة رسوله ﷺ ، ويبني نفسه وأسرته على ذلك، ويقدم لأمته الخير الذي تريده، والصلاح الذي تنشده، بقدر ما تتمثل فيه الشخصية المطلوبة.
أما الذي ينحرف عن تلك المعالم، وتنبثق في حياته تلك الملامح، فيترك مقوماته، ويتخلى عن مبادئه، فلا ريب أنه خطر على نفسه وعلى أمته، فمن لا تحركه العقيدة الصافية، والمثل العليا، والضوابط الشرعية؛ فإنه عضو أشل وعنصر فاسد، ومعول هدام، يجلب الانحراف لنفسه وأسرته، بل أمته بأسرها، ويوم أن كانت الأمة الإسلامية متميزة في شخصيتها، مستقلة في مقوماتها؛ ضمنت العزة والسعادة والنصر والكرامة.
واليوم هل تمثل المسلمون معالم هذه الشخصية؟! هل حققوا دعائمها، وساروا على مناهجها؟!
والجواب يبعث على الأسى والأسف، فقد تساهل كثير من المسلمين هداهم الله في تحقيق تميزهم، والسير على استقلال مبادئهم وأفكارهم، وانجرفوا -جهلاً وانخداعاً- في ركاب غيرهم من أعدائهم.
ولقد حاول أعداء الأمة الإسلامية طمس معالم شخصيتها، ومحو ملامح تميزها، وهدم دعائم استقلالها، بالنقصان منها، أو الزيادة عليها، فعملوا جاهدين على إماتة حقائق الإسلام في نفوس المسلمين، بالجهل تارة، وبث الفساد والانحراف تارات كثيرة، فشوهوا تكوين الأمة، وبثوا بذور الفساد حتى آتت أكلها في كثير من البقاع والجوانب، فنشأت أجيال مات فيها الشعور الإسلامي، والحس الإيماني، لا ترتبط بدين, ولا تتحلى بخلق، ولا تعترف بفضيلة، انتشرت بينها ولاءات لغير الله، وانتماءات لغير دين الله، وشعارات مخالفة لسنة رسول الله.
ومما يزيد الأسى، جهل المسلمين وانخداعهم بهذا الغزو ضد دينهم ومبادئهم.
إن على المسلمين وهم يرقبون النهضة الإسلامية، أن يتحرروا من التقليد والتبعية لأعداء هذه الأمة، وذلك بالأخذ بمعالم الشخصية الإسلامية، وتربية الأجيال والأسر عليها.
وإني لأرجو أن يكون هذا التذكير بمقومات شخصية المسلم وعناصرها الحقيقية ما يثبت الإيمان في نفوس المسلمين، ويقوي عزيمتهم في التمسك بشخصيتهم الإسلامية، التي جاء بها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 109
الدعامة الخامسة: التميز في المظهر والشكل العام
نحمدك اللهم ونستعينك ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك.
ونشهد أن لا إله إلا أنت، ونشهد أن محمداً عبدك ورسولك، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد:
فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
عباد الله: هناك جانب من جوانب إعداد الشخصية عَظُم التقصير والتساهل فيه، وهو من أميز الدلائل التي تدل على المسلم وتنبئ عن شخصيته، ألا وهو الجانب الهام المتعلق بمظهر المسلم.
ومن غاية الإسلام أن عُني بهذا الجانب، فحث على النظافة في الجسم والملبس، ونهى عن التشبه بغير المسلمين، وأكد على مخالفتهم في أقوالهم وأفعالهم، ونهى عن التخنث، وأمر بإعفاء اللحية وتوفيرها، وقص الشارب، وتحريم الإسبال في الثياب ونحوها، وما إلى ذلك من مظاهر شخصية المسلم المعتَبرة بالنصوص الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنة.
ومما ينبغي أن يُعلم أن معالم هذه الشخصية يستوي فيها المسلمون جميعاً، لكن يتأكد تحقيقها والتزامها على بعض الناس بحسب مكانتهم في المجتمع، وعلى الشاب المسلم أن يعتز بشخصيته؛ لأنه مستهدف من قِبل أعداء الإسلام.
أما المرأة المسلمة فإن شخصيتها ومكانتها في هذا الدين عظيمة، فعليها الاعتزاز بها، والحذر من مكائد أعداء الإسلام، ودعواتهم الباطلة، وعليها لزوم العفاف والحجاب والاحتشام، وبذلك يحصل التكامل المبتغى في تحقيق الشخصية الإسلامية.
هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على نبي الرحمة والهدى، كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد بن عبد الله.
وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك، يا أرحم الراحمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين, واحمِ حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا.
اللهم وفقهم لهداك، واجعل عملهم في رضاك، وهيئ لهم البطانة الصالحة، يا رب العالمين!
اللهم وفقنا جميعاً إلى ما تحب وترضى.
اللهم وفق المسلمين قاطبة إلى العودة الصادقة إلى دينك القويم، يا رب العالمين، اللهم اجمع قلوبهم على الحق والهدى يا رب العالمين!
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يُعَز فيه أهل طاعتك، ويُذَل فيه أهل معصيتك، ويُؤمَر فيه بالمعروف، ويُنهَى فيه عن المنكر، يا سميع الدعاء!
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 110
مكانة الأخلاق في الإسلام
إن للأخلاق مكانة عظيمة في ديننا، حتى إن رسول الله ﷺ يقول: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) والأخلاق سبب عظيم في محبة الرسول ﷺ لصاحبها وقربه منه يوم القيامة.
وإن أعظم الناس خلقاً هو رسول الله ﷺ .
стр. 111
أهمية الأخلاق في الأمم
الحمد لله الهادي لأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا هو، ولا يصرف سيئها إلا هو، أحمده تعالى وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، المبعوث بالخلق القويم، والداعي إلى الصراط المستقيم.
اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، الذين تخلقوا بأخلاق القرآن، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، ونفذوا أوامره، واجتنبوا زواجره، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله ﵎ واشكروا نعمة الله عليكم بهذا الدين.
عباد الله: لقد جاء دين الإسلام منهج هداية للبشرية؛ لتصحيح عقائدها، وتهذيب نفوسها، وتقويم أخلاقها، وإصلاح مجتمعاتها، وتنظيم علاقاتها، ونشر الخير والفضيلة بين أفرادها، ومحاربة الشر والرذيلة، وإقصائها عن بيئاتها، وسد منافذ الفساد أن يتسلل إلى صفوفها؛ لذا فقد كانت مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، ومعالي القيم، وفضائل الشيم، وكريم الصفات والسجايا؛ من أسمى ما دعا إليه الإسلام، وقد تميز بنظام أخلاقي فريد، لم ولن يصل إليه نظام بشري أبداً.
وقد سبق الإسلام بذلك نظم البشر كلها؛ ذلك لأن الروح الأخلاقية في هذا الدين منبثقة من جوهر العقيدة الصافية؛ لرفع الإنسان الذي كرمه الله، وكلفه بحمل الرسالة، وتحقيق العبادة من درك الشر والانحراف، وبؤر الرذائل والفساد إلى قمم الخير والصلاح، وأوج الاستقامة والفلاح؛ ليسود المجتمعَ السلامُ والمحبةُ والوئام، رائده نشر الخير والمعروف، ودرء الشر والمنكر والفساد.
أمة الإسلام: الأخلاق في كل أمة عنوان مجدها، ورمز سعادتها، وتاج كرامتها، وشعار عزها وسيادتها، وسر نصرها وقوتها.
فصلاح الأفراد والأمم؛ مرده إلى الإيمان والأخلاق، وضعف الخلق؛ أمارةٌ على ضعف الإيمان، وإذا أصيبت الأمة في أخلاقها فقل: ﵍، فقد آذنت بتصدع أركانها، وزعزعة أمورها، وخراب شئونها، وفساد أبنائها، وإذا حصل ذلك فبطن الأرض خير من ظهرها.
стр. 112
عِظم مكانة الأخلاق في الإسلام
أمة الإيمان والأخلاق: لقد بلغ من عِظَم مكانة الأخلاق في الإسلام أن حصر رسول الإسلام ﷺ مهمة بعثته، وغاية دعوته، بكلمة عظيمة جامعة، فقال فيما رواه البخاري في التاريخ وغيره: ﴿إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق﴾.
وفي هذا أكبر دليل وأنصع حُجة على أن رسالة الإسلام حققت ذروة الكمال، وقمة الخير والفضيلة والأخلاق، كما أن قدوة هذه الأمة ﵊ كان المثل الأعلى والنموذج الأسمى للخلق الكريم.
وحسبنا في ذلك ثناء ربه عليه في قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] فكان ﵊ أحسن الناس خلقاً، وقد وصفت أمُّ المؤمنين عائشة ﵂ خُلُقَه بوصف جامع، فقالت فيما رواه مسلم وغيره: [[كان خُلُقه القرآن]].
أفلا يجدر بأمته وقد عصفت بها موجات الفساد من كل جانب، وأعاصير الشر والإلحاد من كل وسيلة وطريق أن تسلك سبيله, وتترسم خطاه، وتتمسك بسنته إن أرادت الخير والأمن والنصر والسلام؟
وكما كانت سيرته العملية، وسنته الفعلية نبراساً في الأخلاق، فقد زخرت سنته القولية بالإشادة بمكارم الأخلاق، ومكانة أهلها، وعظيم ثوابها، وهي مبثوثة في الصحاح والسنن وغيرها، منها:
قوله ﷺ : ﴿البر حُسن الخلق﴾، ﴿إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً﴾، ﴿ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق﴾، ﴿إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم﴾، ﴿أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه﴾، ﴿إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً﴾، ﴿وخالق الناس بخلق حسن﴾.
ولما سئل ﷺ عن أكثر ما يُدخل الناس الجنة، قال: ﴿تقوى الله، وحسن الخلق﴾.
وقد كانت الأخلاق السمة البارزة في سيرة الرعيل الأول من سلف هذه الأمة، فأولوها اهتمامهم قولاً وعملاً وسلوكاً.
يقول الحسن ﵀: [[حسن الخلق بش الوجه، وبذل الندى، وكف الأذى]].
ويقول عبد الله بن المبارك ﵀: [[حسن الخلق في ثلاث خصال: اجتناب المحارم، وطلب الحلال، والتوسعة على العيال]].
حتى قال بعضهم: لأن يصحبني عاصٍِ حسن الخلق، أحب إلي من عابد سيء الخلق.
وقالوا في علامة ذي الخلق الحسن: أن يكون كثير الحياء، قليل الأذى، كثير الصلاح، صدوق اللسان، قليل الكلام، كثير العمل، قليل الزلل، قليل الفضول، براً، وَصولاً، وقوراً، صبوراً، شكوراً، رضياً، حليماً، وفياً، عفيفاً، مؤْثِراً، لا لعاناً، ولا طعاناً، لا مناناً، ولا مغتاباً، لا كذاباً، ولا غاشاً، ولا خائناً، ولا عجولاً، ولا حقوداً، ولا حسوداً، ولا بخيلاًً، ولا متكبراً، هاشاً، باشاً، يحب في الله، ويبغض في الله، حكيماً في الأمور، قوياً في الحق.
وهذا غيظ من فيض ما زخر به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من ذكر صفات وأخلاق أهل الإيمان.
стр. 113
فساد الأخلاق في واقع الأمة
أيها الإخوة في الله: بعد هذا كله، لنتأمل في واقع أخلاقنا، وسلوكنا مع أنفسنا، وأهلينا، وإخواننا المسلمين.
إن الواقع في هذا الشأن مرير، يبعث على الأسى، فقد زهد كثير من الناس رجالاً ونساء، شباباً وشيباً، بأخلاق القرآن في الوقت الذي نشط فيه أعداء الإسلام بنشر الغزو الأخلاقي المركز والمختلف الوسائل، والمتعدد القوالب، في مجتمعات المسلمين وأسرهم، فعمَّ الفساد والفِسق، وانتشرت المخالفات والمنكرات، وساد سوء الأخلاق، وقلة الحياء في سلوك كثيرٍ من الناس ومعاملاتهم.
فهل من عودة يا أمة الأخلاق لأخلاق القرآن والسنة؟
هل من يقظة يا شباب الإسلام! ترشد إلى المثُل العليا، وتُبعد عن سفاسف الأخلاق ومساوئ الأعمال؟
هل من رجعة يا أخوات الإسلام! إلى التزام أخلاق الدين القويم، بالمحافظة على الحجاب والعفاف والستر والحِشمة، والبُعد عن الاختلاط والتبرج والسفور وقلة الحياء؟
هل من عودة صادقة يا أمة الإسلام! إلى خلق الإسلام في حياتنا بكل جوانبها؟
هذا الرجاء والأمل، وعلينا الصدق والعمل.
والله المستعان.
اللهم اهدنا لأحسن الأعمال والأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
اللهم أعذنا من منكرات الأخلاق، والأقوال والأعمال والأهواء، إنك سميع عليم مجيب الدعاء.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 114
الحث على التخلق بالأخلاق الفاضلة
حمداً لله على نعمائه، والشكر له على فضله وآلائه.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي عبد ربه في سرائه وضرائه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه.
أما بعد:
فاتقوا الله -عباد الله- وتخلقوا بأخلاق الإسلام الفاضلة، واحذروا التأثر بأخلاق غير المسلمين، وروِّضوا أنفسكم على الأخذ بمكارم الأخلاق، فالنفس مصدرها، فعنها تصدر الفضائل بتوفيق الله، ومنها تقع الرذائل، وبالتزامها نهج العقيدة والإيمان, واتباعها سبيل التقوى والرشاد، تتحلى بالأخلاق المثلى، والصفات العليا، وبانحرافها عن طريق الحق ونأيها عن سبيله تتردى في المهالك، وتغرق في المفاسد والآثام، ومن هنا يأتي دور الآباء والمدرسين والموجهين في تربية أجيال المسلمين على الأخلاق الفاضلة، وإبعادهم عن الأخلاق السافلة لينفعوا أنفسهم وبلادهم وأمتهم.
هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة؛ نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين, واحمِ حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفقهم لهداك، واجعل عملهم في رضاك، وهيئ لهم البطانة الصالحة.
اللهم وفق إمامنا خادم الحرمين الشريفين إلى ما تحب وترضى، اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك، يا رب العالمين.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعَز فيه أهل طاعتك، ويذَل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر.
اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك، اللهم وفقهم في كل مكان، وانصرهم يا أرحم الراحمين.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون.
فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 115
من عبر الحج وحكمه
لقد جعل الله تعالى لعباده مناسبات إسلامية تحرك الشعور الإسلامي في المسلمين وتصقل قلوبهم، وتنمي إقبالهم على ربهم، وتزيد في إيمانهم، ومن تلك المناسبات مناسبة حج بيت الله الحرام؛ فقد شرع الله فيها من الحكم الجليلة والمرامي السامية، فعلى المسلم -الحاج- الذي وفق لذلك أن يستشعر تلك الحكم وتلك المرامي السامية ليعود بمنافع الحج كما أراد الله.
стр. 116
كيفية الاستفادة من مواسم الخيرات
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، نشكره ولا نكفره، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفوته من خلقه، خاتم أنبيائه ورسله، الذي بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حقَّ جهاده، فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه ودعا بدعوته إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى وراقبوه في جميع أحوالكم، وفي كل أوقاتكم، قال تعالى: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]
حجاج بيت الله الحرام: اشكروا الله على نعمه؛ حيث منَّ عليكم بالوصول إلى بيته العتيق، وقضاء معظم مناسككم بيسر وسهولة، وأمن وراحة واطمئنان.
إخوة الإسلام: إن من نعم الله علينا أن شرع لنا عبادات ومناسبات إسلامية؛ تحرك الشعور الإسلامي في المسلمين، وتزيد في طاعتهم، وتقوي إيمانهم، وتصقل قلوبهم وجوارحهم، وتنمي إقبالهم على ربهم، وتنبههم من غفلتهم، وتكون سبباً بإذن الله، لإصلاح حالهم وسعادتهم في مآلهم؛ متى ما أُدِّيَتْ على وجهها الشرعي.
وهذه المناسبات تتكرر كثيراً؛ فيعظِّمها من عمرت التقوى قلبه، ولا يبالي بها من قسا قلبه وضعف إيمانه ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] وتلكم المناسبات كثيرة وعزيزة في الإسلام كالصلاة -مثلا- والزكاة والصوم، والحج وغيرها من شعائر الإسلام؛ مما يمر في السنة مرة أو مرتين، أو في الأسبوع مرة، أو في اليوم والليلة خمس مرات.
وإنه ليجدر بالمسلم الذي أنعم الله عليه بالإسلام وإدراك شيء من مناسباته الفاضلة أن يستشعر أنها شُرعت لمصالح، وشُرعت لحكم عظيمة، وأن عليه أن يستفيد منها في حياته كلها، في عقيدته وإيمانه، في عباداته ومعاملاته، في أخلاقه وسلوكه.
جموع حجاج بيت الله الحرام: تعيشون في هذه الأيام المباركة مناسبة الحج إلى بيت الله العتيق، وقد منَّ الله عليكم بقضاء أغلب مناسككم ولم يبق إلا القليل، وقد مررتم بحالات ومواقف، وكلها عبر، وكلها مدكر، لمن كان له قلب حي، فياض بالإيمان.
стр. 117
العبر والعظات من فريضة الحج
يا عباد الله: الحج من بدايته بالتجرد من المخيط للإحرام، إلى نهاية مناسكه بطواف الوداع، مليء بالمواقف والعظات التي ينبغي ألا تفوت على الحاج، والتي ينبغي أن تؤثر في حياته المستقبلية.
أيها الإخوة في الله: إن الخير كل الخير، والغنيمة كل الغنيمة، أن يستفيد المسلم من العبادات والمناسبات الإسلامية، وأن تؤثر على مجرى حياته؛ ليكون زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة، فإذا صلى رئيت آثار الصلاة عليه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] وإذا زكى رئيت آثار الزكاة عليه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] وإذا صام رئيت آثار الصيام عليه كما قال تعالى في آخر آية وجوب الصيام: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]
وكذلك الحج -يا عباد الله- ينبغي أن يؤثر على حواس الحاج؛ بأن يسلك المنهج السليم، والطريق القويم، ويلزم العهد الكريم، والصراط المستقيم، الذي كان عليه في الحج.
حجاج بيت الله الحرام: لقد أديتم والحمد لله معظم المناسك، فهل وجدت هذه المناسك لقلوبكم مدخلاً؟ ولأرواحكم مسلكاً؟ أم أنكم أديتموها جسداً بلا روح؟
هل رأيتم وأدركتم ما ترددون من أذكار وأدعية، وصدقتم مع الله فيها، أم أنكم ترددون ألفاظاً جوفاء، لا روح فيها، لا تعقلون لها معنى، ولا تحضرون عندها قلباً؟ هل تذكرتم مواقف الأنبياء والمرسلين من قبلكم؛ موقف إبراهيم، وإسماعيل، ومحمد صلى الله عليهم وسلم؟
هل تذكرتم جهادهم ودعوتهم إلى الله، وما لاقوه من أذىً ومتاعب.
؟
هل أديتم مناسك حجكم على هدي رسولكم ﷺ ، أم قصَّرتم في ذلك وتساهلتم فيه؟
هل وهل وهل؟ أسئلة كثيرة ينبغي أن تراود ذهن كل حاج، ويبين موقفه منها ويحاسب نفسه فيها.
أيها الحجاج الكرام: بعد أيام أو أقل ستعودون إلى بلادكم، بعد أن أنهيتم مناسك حجكم، وبعد أن سكب بعضكم العبرات، وعاهد ربه على التوبة النصوح! فتعودون بعد أن أعلنتم التوحيد (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)، فتعودون بعد كل هذا فماذا أنتم فاعلون بعد ذلك؟
стр. 118
أحوال الناس بعد الحج
إن الحجاج بعد أدائهم مناسك حجهم قسمان:
قسمٌ: موفقٌ بتوفيق الله له، أدَّى مناسكه على الصفة الشرعية، جدَّ واجتهد في ذكر الله ودعائه، وصدق في التوبة إليه من جميع الذنوب، وعاهد ربه على الاستمرار على الطاعة، وجانب اللغو والرفث والفسوق والجدال، فهذا يرجى أن يكون من المبرورين، الذين رجعوا كيوم ولدتهم أمهاتهم.
وقسمٌ: لم يزده حجه من الله قرباً والعياذ بالله! لا ينفك من الفسوق واللغو والجدال، ولا يفتأ يزاحم عباد الله ويؤذيهم، وبعد الحج يرجع بحالةٍ كحالته قبل الحج؛ فهذا في الحقيقة لم يحج حجاً يتمثل فيه قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢].
стр. 119
الحج يغير حياة الفرد والأمة
حجاج بيت الله الحرام! إخوة الإسلام في كل مكان: أعلنوها دائماً وأبداً (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك) في الحج وفي غيره من أعمال الطاعات، استجيبوا لربكم في كل أوامره، من قبل أن يأتي يومٌ لا مرد له من الله، واصدقوا مع ربكم، واصقلوا قلوبكم بطاعته، واغتنموا ما يمر بكم من مناسبات فاضلة، وسارعوا فيها إلى مغفرة من ربكم، وإذا خرجتم منها فاخرجوا خروج الغانم الكاسب، المغتبط بما أوتيه من توفيق لطاعة الله، ولزوم العهد الذي كان عليه فيها، من فعل الفضائل برغبةٍ فيما عند الله، واجتناب الرذائل برهبةٍ وخوفٍ من الله.
واعلموا أن المناسبات الإسلامية كالحج وغيره؛ ليست تغيراً مؤقتاً في حياة الناس، وإنما هي تغيرٌ مستمر، تغيرٌ شامل لكل الجوانب، تغيرٌ بعد الحج من حياتكم اللاهية العابثة، حياة اللهو والهزل؛ إلى حياة الجد والمثابرة، ومن حياة التسويف إلى حياة العزم الصادق والتوبة النصوح، ولو أن المسلمين اليوم، استفادوا من مناسبة الحج الذي يعطيهم دروساً في الوحدة، ودروساً في التضامن، والاعتصام والمساواة والتعاون؛ لتغيرت حواسهم، ولهابهم أعداؤهم، ولبدل الله ذلهم عزاً، وخوفهم أمناً، وجهلهم علماً.
إخوة العقيدة: فما أحوجنا إلى الاستفادة الدائمة في حياتنا كلها من موسم الحج المبارك، بل وما أحوج العالم الإسلامي بأسره الذي يعيش التفكك والاختلاف، وحياة الذل والهوان، أن يستفيد منها، ويكون يداً واحدة على أعداء الدين، أسأل الله أن يوفقنا للعمل الصالح، وأن يرزقنا القبول والمغفرة، والعتق من النار بمنه وكرمه، وأن يقبل من حجاج بيته الحرام حجهم وسعيهم، وأن يعيدهم إلى بلادهم سالمين غانمين؛ كيوم ولدتهم أمهاتهم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 120
الأعمال في ثاني أيام التشريق وما بعدها
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وإنعامه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله ، واشكروه على نعمه.
أيها الحجاج: أنتم اليوم في ثاني أيام التشريق؛ فيجب عليكم أن ترموا الجمرات الثلاث بعد الزوال من هذا اليوم، وتخرجوا من منى قبل غروب الشمس إن تعجلتم، وإن تأخرتم -وهو أفضل لكم وأتقى- فتبيتون بها هذه الليلة وترمون الجمرات الثلاث من الغد بعد الزوال، ويطوف بالبيت من لم يطف طواف الإفاضة، ويسعى بعده إن كان متمتعاً، أو قارناً أو مفرداً ولم يكن سعى بعد طواف القدوم، ثم إذا أردتم الخروج من مكة؛ فعليكم أن تطوفوا طواف الوداع.
فاتقوا الله عباد الله! اتقوا الله يا حجاج بيت الله! أتموا مناسككم، واستغفروا ربكم من تقصيركم، فالاستغفار ختام الأعمال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة:١٩٩ - ٢٠٠] إلى قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة:٢٠٣]
وأتبعوا حجكم -يا عباد الله- بالعمل الصالح في جميع أحوالكم وأزمانكم، وما بقي من أعماركم، فعلامة الحج المبرور أن يرجع الحاج أحسن حالاً مما كان عليه قبل الحج، فيرجع مطيعاً لله بعد أن كان عاصياً، وذاكراً لله بعد أن كان غافلاً، وتائباً إلى الله توبةً صادقة بعد أن كانت مشوشة، ومقلعاً عن الذنوب بعد أن كان مصراً، وبذلك يصبح الحج مبروراً، والسعي مشكوراً، والذنب مغفوراً بإذن الله.
سُئل الحسن البصري ﵀: ما الحج المبرور؟ فقال: [[أن يعود زاهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة]].
فهل أحوال الحجيج اليوم تمثل الحج المبرور، الله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله!
عباد الله: واعمروا أيامكم هذه -أيام التشريق- بذكر الله ، وتكبيره وتحميده وتهليله، والأكل من نعمه وشكره عليها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢] ويقول تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣] ويقول ﷺ : ﴿أيام التشريق أيام أكلٍ وشربٍ وذكرٍ لله ﴾.
واحذروا اللهو واللغو والغفلة، والترف والسرف في هذه الأيام المباركة، وتوبوا إلى الله توبةً نصوحاً؛ بالإقلاع عن الذنوب، والعزم على عدم العودة إليها، والندم على فعلها، وجدوا في محو ما سلف من ذنوبكم، لعل الله أن يتوب عليكم ويعيدكم من ذنوبكم كما ولدتكم أمهاتكم، وصلوا وسلموا على نبيكم محمد بن عبد الله كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، اللهم ارضَ عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الرحمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واحم حوزة الدين يا رب العالمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم اهد المسلمين سبل السلام، اللهم جنبهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، اللهم وفق إمامنا لما تحب وترضى، اللهم وفقه لما تحب وترضى يا رب العالمين! اللهم اجزه خير الجزاء وأوفره؛ نتيجة ما قدم لحجاج بيتك الحرام، اللهم اجعل ذلك في صحائف أعماله، وفي موازينه يا رب العالمين! اللهم وفقنا لما تحب وترضى، اللهم منَّ على المسلمين بصلاح أحوالهم، وقادتهم وعلمائهم، وشبابهم ونسائهم يا رب العالمين!
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكون من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم التواب الرحيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 121
مواعظ الزمان
يغفل الإنسان، ويتمكن الشيطان، وتزداد الحاجة إلى موعظة الزمان، تبصرة للعميان، وهدايةً للحيران.
وفي هذه المواعظ تزكية للنفوس، وأخذ للدروس، وجلاء لصدأ القلوب، وإزالةٌ للآثام والذنوب.
وكفى بالموت واعظاً، وإنما الأعمال بالخواتيم، فمن حسن ختامه فقد طاب مقامه، ومن ساء ختامه فقد حل ظلامه.
стр. 122
الاتعاظ بالموت وبحسن الخاتمة وسوئها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونتوب إليه ونستغفره، ونشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، الملك العزيز الجبار، الذي قضى بزوال هذه الدار، وهدم بالموت مشيد الأعمار، وجعل في تعاقب الليل والنهار عبرة لأولي الأبصار، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، المصطفى المختار، القدوة المثلى في العمل لحسن الخاتمة وعدم الركون إلى هذه الدار، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الأطهار، وصحبه الأبرار، وتابعيه الأخيار، إلى يوم البعث لدر القرار.
أما بعد:
أيها الناس! ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
عباد الله، إن مقام عبودية الإنسان لله جل وعلا وسام عز لا ينتهي، وزاد شرف لا ينقضي، فلا تحده الليالي والأيام، بل ولا الشهور والأعوام، إنه يبقي ما بقي الإنسان في كل زمان ومكان.
وإن شر ما بليت به النفوس يا عباد الله! الغفلة عن هذا المقام العظيم، والتفريط في جنب الإله الكريم، والرب الرحيم، وما يسببه ذلك من انشغال وانغماس في الدنيا، ونسيان للموت والدار الآخرة، فيقع المفرط في مغبة تفريطه، وقد يصاب بسوء الخاتمة والعياذ بالله.
وإن في مرور الليالي والأيام لعبراً، وفي تصرم الشهور والأعوام لمزدجراً، وإن مواعظ الزمان أبلغ من مواعظ فصيح اللسان، ومن أُعطي البلاغة والإبداع والبيان؛ ولكن ما يحس بذلك إلا الكيس الحازم العاقل العازم الذي ينشد حسن الخاتمة، ويعمل لساعة الاحتضار الحاسمة.
стр. 123
أهمية التذكير بحسن الخاتمة وسوئها
إخوة الإيمان! ما دمنا جميعاً نوقن بأن الموت نهاية كل حي في هذه الدنيا، وأن بابه سيلجه كل أحد، وكأسه تتحساها كل نفس، وأنه خاتمة المطاف ونهاية التطواف في عالم الدنيا، فإنه يجدر بنا ونحن نودع في هذه الأيام عاماً هجرياً كاملاً، ونختتم سنة من أعمارنا، أن نقف وقفة حازمة مع النفوس، نذكرها بهذه الخاتمة، وأهميتها في حياة الإنسان، والإشارة إلى الوسائل والعلامات والصفات لحسن الخاتمة، والتحذير من أسباب سوئها عياذاً بالله.
وتأتي أهمية هذا الموضوع، من أن كل إنسان يطلب حسن الخاتمة، وينشد الميتة الحسنة؛ ليفوز بما بعدها، ويخشى من سوء الخاتمة، وميتة السوء؛ لشدة ما بعدها وهوله، إضافة إلى داء الغفلة، وقسوة القلوب الذي بُلي به كثير من الناس.
وأيضاً: فإن مناسبة الزمان، واختتام العام يتطلب ذلك، والله المسئول أن ينفعنا جميعاً بِما نسمع، إنه جواد كريم.
أيها الإخوة في الله! لقد جاء في كتاب الله سبحانه التأكيد على أهمية حسن الخاتمة.
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
ويقول سبحانه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩].
فالأمر بتقوى الله وعبادته مستمر حتى الموت؛ لتحصل الخاتمة الحسنة، وقد ورد أن الأعمال بالخواتيم، وإذا كان الإنسان لا يدري متى يفجؤه الأجل، ولا متى يباغته الموت، فإن عليه أن يستعد لهذه اللحظة المفاجئة بالعمل الصالح، لا فرق في ذلك بين الكبير والصغير، والغني والفقير، والشريف والحقير، والمأمور والأمير، والشاب والشيخ، والذكر والأنثى، الكل متجرع مرارة الموت لا محالة.
فالخوف كل الخوف أن تفاجئ الإنسان هذه اللحظات القاسية، وهو على حال سيئة، ولذلك كان السلف الصالح ﵏ يخافون من سوء الخاتمة خوفاً شديداً مع كثرة أعمالهم الصالحة ﵃، قال بعضهم: خوف الصديقين من سوء الخاتمة عند كل خطْرة، وعند كل حركة، وهم الذين وصفهم الله بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠].
وينبغي أن يكون الخوف من سوء الخاتمة ماثلاً في كل لحظة أمام عين الإنسان؛ لأن الخوف باعث على العمل.
وقد قال ﷺ فيما رواه الترمذي وغيره: ﴿من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة﴾.
لكن إذا أحس العبد بدنو أجله، فينبغي أن يغلب جانب الرجاء لقوله ﷺ فيما رواه مسلم في صحيحه: ﴿لا يموتن أحدكم إلا وهو يُحسن الظن بالله ﴾
وبهذا يُعْلَم يا عباد الله أنه من الخطأ والإفلاس أن يعتمد بعض الناس على سعة رحمة الله، وعفوه ومغفرته، فيدفعهم ذلك إلى الاسترسال في المعاصي، والاستمرار على المحرمات، فيندمون عند مفاجأة الأجل ولات ساعة مندم.
стр. 124
أسباب حسن الخاتمة وعلاماتها
معاشر المسلمين! إن من أعظم الوسائل لحسن الخاتمة:
صفاء العقيدة، وقوة الإيمان، والحرص على السنة، والمحافظة على الصلوات، والإقبال على القرآن، والمداومة على ذكر الله سبحانه ويجمعها: المحافظة على الطاعات والبُعد عن المحرمات، وكثرة الاستغفار، وملازمة التوبة، والإلحاح على الله بالدعاء بحسن الخاتمة.
كان عامر بن ثابت بن عبد الله بن الزبير إذا صلى رفع يديه قائلاً: اللهم إني أسألك الميتة الحسنة قال أبناؤه: وما هي الميتة الحسنة؟ قال: أن يتوفاني وأنا ساجد فقام وصلى، فقبض الله روحه وهو ساجد.
ألا ما أحسن هذه الخاتمة!
هذا وإن لحسن الخاتمة يا عباد الله! بشائر وعلامات، أفصحت عنها السنة المطهره، منها: النطق بكلمة التوحيد عند الموت، فقد روى أبو داود والحاكم عن معاذ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة﴾.
ويا لها من بشارة طيبة وفعل حسن، أن يموت الإنسان على التوحيد والشهادة، ولكن هذا لا يتأتى إلا لأهل هذه الكلمة العظيمة، العاملين بمقتضاها، والعالمين بمعناها.
وأما غيرهم فإنهم قد يُحال بينهم وبين نطقها عياذاً بالله، فيصاب بسوء الخاتمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال بعض السلف: أحذركم (سوف)؛ فإنها أكبر جنود إبليس.
стр. 125
نماذج من سوء الخاتمة
أيها الإخوة في الله، إن من أسباب الخاتمة السيئة: استمراء طول الأمل، وهو سبب شقاء كثير من الناس، فيزين الشيطان لهم أن أمامهم أعماراً طويلة، يبنون فيها آمالاً شامخة، وحظوظاً كثيرة، فينسون الآخرة، ولا يتذكرون الموت.
وقد أورد العلامة ابن القيم ﵀ أن من عقوبات الذنوب والمعاصي: أن قلب الإنسان ولسانه يخونانه عند الاحتضار والانتقال إلى الله جل وعلا، فربما تعذر عليه النطق بالشهادة.
وأورد ﵀ نماذج من ذلك، منها:
أنه قيل لبعضهم عند الموت: قل: (لا إله إلا الله)، فجعل يهذي بالغناء والعياذ بالله، إلى أن مات.
وقيل لآخر: قل: (لا إله إلا الله)، فقال:
يا رُبَّ قائلة يوماً وقد تَعِبَتْ أين الطريق إلى حمام منجابِ؟
وأخذ يرددها حتى مات عليها والعياذ بالله.
وأورد عن بعض التجار أنه احتُضِر، فجعلوا يلقنونه (لا إله إلا الله)، فلا يزيد على قوله: هذه القطعة رخيصة، هذا مُشْتَرَىً جيدٌ، هذا، وهذا، إلى آخره.
ثم قال ﵀: سبحان الله! كم شاهد الناس من هذا عِبَراً؟! وكيف يوفق لحسن الخاتمة من أغفل الله سبحانه قلبه عن ذكره وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً.
فبعيدٌ مَنْ قلبه بعيدٌ عن الله تعالى، غافل عنه، متعبد لهواه، مدلل لشهواته، ولسانه يابس عن ذكره، وجوارحه معطلة من طاعته، مشتغلة بمعصيته، بعيد عن هذا أن يوفق لحسن الخاتمة.
стр. 126
بشائر حسن الخاتمة
ومن بشائر حسن الخاتمة: الشهادة في سبيل الله، والموت دفاعاً عن ضرورة من الضرورات الخمس التي حفظتها الشريعة، وهي: الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وأن يموت الإنسان على عمل طاعة، أو يموت صابراً محتسباً بسبب مرض قدر عليه، كالطاعون ونحوه، أو بسبب ابتلاء من هدم، أو غرق، أو حرق، أو نحوها.
стр. 127
أسباب سوء الخاتمة
أيها الإخوة في الله، أما الأسباب التي تنشأ عنها سوء الخاتمة والعياذ بالله، فهي كثيرة جداً، فمن أهمها:
مواقعة الذنوب والمعاصي.
التسويف في التوبة، فتمر الأيام تلو الأيام، بل الشهور والأعوام، والإنسان على حاله، يُمَنِّي نفسه بالتوبة كل عام، أو كلما تقدم به العمر، فيا سبحان الله! من يضمن له أن يعيش ولو لحظة واحدة؟!
ألا نعتبر بالحوادث والمفاجئات؟! ألا نصور أنفسنا محل من يباغتهم هادم اللذات، ومفرق الجماعات؛ ولكن نجح الشيطان أعاذنا الله منه في تزيين التسويف عند كثير من الناس، فالشاب سيتوب في الشيخوخة، والصغير في الكبر، وهكذا والعياذ بالله.
فاتقوا الله عباد الله، واعملوا على حسن الخاتمة، وخذوا بأسبابها ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣].
روى البخاري والترمذي من حديث ابن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي، فقال: ﴿كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل﴾.
وكان ابن عمر ﵄ يقول: [[إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك]].
لقد كان مكحول ﵀ إذا رأى جنازة قال: اغدوا، فإنا رائحون.
موعظة بليغة، وغفلة سريعة، يذهب الأول، والآخر لا عقل له.
فلنتق الله يا عباد الله، ولنحرص على حسن الخاتمة، ولنسأل الله ذلك دائماً وأبداً.
اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أعمارنا أواخرها، وخير أيامنا يوم نلقاك.
اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وارزقنا اللهم حسن الخاتمة، وأعذنا من سوئها، يا حي! يا قيوم! وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، واختم لنا عامنا هذا بالتوبة، والتوفيق لما تحبه وترضاه، يا رب العالمين!
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 128
محاسبة النفس فيما مضى وما بقي
الحمد لله، هو الأول؛ فليس قبله شيء، والآخر؛ فليس بعده شيء، أحمده تعالى وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله! ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١].
اعملوا لهذا اليوم العصيب، وتذكروا ما فيه من الأهوال والشدائد.
خطب علي بن أبي طالب ﵁ فقال: [[ألا إن الدنيا قد ولت مدبرة، والآخرة قد أسرعت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عملٌ ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل]].
فتذكروا رحمكم الله حلول ساعة الاحتضار بكم، وحاسبوا أنفسكم: ماذا عملتم فيما مضى؟! وماذا عساكم أن تعملوا فيما بقي؟!
وتذكروا: كم ودعتم في هذا العام المنصرم من إخوة وأحبة وأقربين؟! وكم واريتم في الثرى من أصدقاء وأعزة ومجاورين؟! واعلموا أن الموت الذي تخطاكم إليهم سيتخطى غيركم إليكم، فإلى متى الغفلة يا عباد الله؟!
والله إن مرور عام كامل مضى وانقضى بما أودعناه من خير وشر جدير بأن ينبه الغافل، ويعلم الجاهل.
فلا تنخدعوا بهذه الحياة الدنيا، فما هي والله إلا سراب خادع، وبريق لامع، صفوها كدرٌ، ومَعينها مشوبٌ، كم أذاقت بؤساً؟! وجَرَّعت غُصَصا، وأذاقت نغصا.
فالعاقل من فتح صفحة جديدة من الأعمال الصالحة قال رسول الله ﷺ : ﴿والكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني﴾.
هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة نبينا محمد بن عبد الله، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وسيدنا وقدوتنا محمد بن عبد الله.
وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين وعن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين, واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمامنا إلى ما تحب وترضى، اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك، وارزقه البطانة الصالحة، يا حي يا قيوم، اللهم وفق جميع ولاة المسلمين للعمل بشريعتك، واتباع سنة نبيك ﷺ ، اللهم إنا نسألك أن تختم لنا عامنا بخير، وأن تجعل كل أعمارنا وأعمالنا إلى خير، يا رب العالمين.
اللهم اجعل في هذا العام الجديد عام عز ونصر وقوة للمسلمين، في مشارق الأرض ومغاربها، يا قوي، يا عزيز.
اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان.
اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، يا رب العالمين.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 129
نتائج الإعراض عن الإسلام وآثاره السيئة [١]
المسلمون اليوم قد قصروا في دين الله، وتركوا تحكيمه والتحاكم إليه، وتركوا تعاليمه، وابتعدوا عن سنة المصطفى ﷺ ، رغم أن دين الإسلام له مميزات لا يمكن أن تحصر، ولا يمكن أن يقارن به دين أبداً؛ لأنه منزل من عند الله.
ولذلك عندما تركه المسلمون سلط الله عليهم الأعداء، وأزال النعم وجعلها نقماً، فالأمة الآن تعيش ذلاً لا يعلمه إلا الله، كل ذلك بسبب ترك تعاليم شرع الله.
стр. 130
سبب الفوز والفلاح هو دين الإسلام
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله، نشكره ولا نكفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلَّى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على هديه واتبع سنته، ودعا بدعوته إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله ، فإن تقوى الله سبحانه جماع كل خير، وسياج من كل شر، واذكروا نعمة الله عليكم بهذا الدين، الذي اختاره الله ورضيه لكم، وفضَّله على جميع الأديان، ولأجله خلق خلقه، وأنزل كتبه، وأرسل رسله ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥].
ومن تمام نعمته تعالى: أن جعله دين اليُسر والسماحة، لا حرج فيه ولا مشقة ولا عنت، لم يأمر أهله بما لا يستطيعون، ولم يكلفهم ما لا يطيقون، رفع عنهم الآثار والأغلال ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:٦]، أحلَّ الله فيه كل طيب نافع، وحرَّم كل خبيث ضار، رعى مصالح العباد في عاجل أمرهم وآجله، وقصد إلى حماية دينهم وأموالهم ونسائهم وأعراضهم وعقولهم، ودرأ المفاسد والشرور عنهم، جاء بما يحتاج إليه البشر في دينهم ودنياهم في شتى مجالاتهم، ومختلف نواحي حياتهم.
فهو منهج للحياة البشرية بكل مقوماتها، وقد اشتمل على العقيدة الصافية، والعبادة الخالصة، والمبادئ السامية، والأخلاق العالية، والنظم العادلة، والأسس الكاملة؛ ولذلك فالعالم البشري بأجمعه مفتقر إلى أن يأوي إلى حماه، ويتفيء وارف ظلاله، ويفيء إلى نهجه وعدله بعد أن سامتهم القوانين الوضعية والنظم البشرية سوء العذاب، وأذاقتهم من الويلات والنكبات ما يشهد به التاريخ في قديم الزمان وحديثه.
فالضلال والشقاء، والخوف والقلق والاضطراب وعدم الأمن على الأنفس والأموال والأعراض، كل ذلك وغيره من إفرازات البُعد عن شريعة الله والإعراض عنها.
إخوة العقيدة: لقد جاء الإسلام مواتياً بمتطلبات الأفراد والمجتمعات والدول، راعياً وحافظاً لحقوق الإنسان ومصالحه، ولم تعرف البشرية مطلقاً نظاماً ولا مبدأً أولى هذا الأمر عناية واهتماماً كما أولاه الإسلام، بل وما بلغت معشار ما جاء به، ولا يتأتى حفظ مصالح الإنسان ورعاية حقوقه، وجلب الخير له، ودرء الخطر عنه إلا في ظل الإسلام الحق، الذي جاء به رب العزة، وهو خالق الخلق وأدرى بمصالحهم، وأعلم بمنافعهم ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
أمة الإسلام: لقد جاء هذا الدين صالحاً لكل زمان ومكان، مسايراً لفِطَر البشر، مراعياً لتغيرات الحياة، مواكباً للتقدم والحضارة، متكفلاً بعلاج مشكلات الأمم الحربية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها؛ ولكن -ويا للأسف- زهد كثير من أهل الإسلام وأبنائه بتعاليمه وأحكامه وأخلاقه، وتلمسوا مناهجهم من غيره، وابتغوا الخير فيما سواه، وايم الله لقد قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ، وقد ضمن الله لمن تبع هديه ولزم شرعه سعادة الدارين، وكتب الشقاء والذل والصغار على من أعرض وتكبر عنه.
стр. 131
عقوبات ترك دين الله
وإن المتأمل لأوضاع البشرية اليوم عامة، وواقع الأمة الإسلامية خاصة، يدرك أن ما أصابها من ذل وانقسام وفتن وفُرقة وخصام إنما مرده إلى إهمال أمر الله، والتقصير في تحكيم شريعة الله، وإن أعظم ما ابتُلي به المسلمون اليوم من تسلُّطِ أعدائهم عليهم من كل حدب وصوب، وتداعي الأمم على دينهم وأخلاقهم وأوطانهم، كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها.
стр. 132
تسليط الكافرين على المسلمين بسبب الذنوب
فهذه اليهودية الماكرة تعيث فساداً في مقدسات المسلمين، وتقتل أبناءهم وتنتهك حرماتهم، وتتوسع في الاستيلاء على بلادهم.
وهذه الصليبية الحاقدة تشن حملاتها على أوطان المسلمين، وتسعى جاهدة في الكيد للإسلام ورسوله وكتابه وأهله، وتستغل أوضاع المسلمين السيئة للترويج لمنهجها المنحرف، ولا سيما في البلاد الفقيرة، والمجتمعات النائية المتضررة من القحط والجفاف والمجاعة أمام تقصير المسلمين وغفلتهم.
وهذه الشيوعية الملحدة تنشب مخالبها في أرض الإسلام، وتمعن في الكيد للإسلام وأهله، وإن ما تشهده أرض أفغانستان المسلمة من حرب ضروس، قُتِل فيها الأبرياء، ورُمِّلت النساء، ويُتِّم الأطفال، وهُدِّمت المساجد والبيوت، وشُرِّد الملايين من بلادهم بغير حق، لأكبر دليل على تمادي هذا المذهب الهدام في حرب الإسلام، والكيد لأهله، والطمع في استغلال أرضه، ومن هذا اليوم الجمعة يدخل الجهاد الإسلامي الأفغاني عامه السابع، بعد أن دارت رحى الحرب ست سنوات متوالية، بُلي فيها المسلمون بفوادح لا يعلمها إلا الله، في غفلة المسلمين وتقصيرهم، وإن واجب الأخوة الإسلامية والوحدة والتضامن بين المسلمين، أن يهب الجميع في كل مكان لنصرة إخوانهم، وشد عزمهم، وتقديم المساعدات المعنوية والمادية والمنهجية لهم.
وهذه الوثنية تزحف إلى بلاد الإسلام بطرق مغلفة، ووسائل منطوية، وهذا التحلل والانحراف والفساد الأخلاقي المركز يضرب أطنابه في أرض الإسلام، وينشر زخمه وقيحه بين المسلمين، ولا سيما في صفوف شبابهم ونسائهم.
стр. 133
قد تصبح النعم نقماً
فاتقوا الله -يا إخوة الإسلام- واعلموا أن الله غيور على دينه ومحارمه، شديد الانتقام ممن تكبر على شرعه، واستمرأ معصيته، وقد يحول النعم التي يُنعمها على عباده نقماً عليهم، كالأمطار -مثلاً- ليعتبر الغافل، ويتعظ المعرض ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] وأفيقوا من رقدتكم، ولا ريب أن على علماء الإسلام وأهل الحل والعقد فيهم والدعاة إلى الله مسئولية تصحيح مسار الأمة، وتحقيق الوجهة السليمة لسفينتها.
نسأل الله أن يوفقهم لذلك ويعينهم عليه، حقق الله للأمة الإسلامية ما تصبو إليه من عزة ورفعة ونصر وكرامة، ووفقها للأخذ بطريق الخير والعدل والسلام، وهيأ لها من أمرها رشداً.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 134
الأمر بتقوى الله
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١].
واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
وصلوا وسلموا على نبي الرحمة والهدى، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على إمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله.
اللهم ارضَ عن صحابته الكرام، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وارضَ عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين, ودمر أعداءك أعداء الدين يا رب العالمين.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعَز فيه أهل طاعتك، ويُذَل فيه أهل معصيتك، ويُؤْمر فيه بالمعروف، ويُنْهى فيه عن المنكر.
اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم مُنَّ عليهم بصلاح قادتهم وعلمائهم وشبابهم ونسائهم يا رب العالمين.
اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، الذين يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذي كفروا السفلى.
اللهم عليك بأعدائك أعداء الدين، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك يا حي يا قيوم.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] اللهم وفق إمامنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، واعلِ به دينك، اللهم ارزقه البطانة الصالحة المخلصة، اللهم وفقه وإخوانه وأعوانه إلى ما فيه عز الإسلام وصلاح المسلمين.
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣].
عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠].
فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 135
نتائج الإعراض عن الإسلام وآثاره السيئة [٢]
تشريعات الإسلام تحقق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، ومن استقرأ نصوص الشريعة في الكتاب والسنة وجدها تهدف إلى هذا الهدف الأسمى، ومن هنا رعى الإسلام الضرورات الخمس وهي: حفظ الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال، وجعل عقوبات وحدوداً لمن يحاول أن يتعدى عليها.
стр. 136
الإسلام يرعى الضرورات الخمس
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فأتقن، وشرع فيسر، وحكم فأحسن ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله رحمة للعالمين، وقدوة للناس أجمعين، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله ﵎، فمن اتقى الله سلَّمه ورزقه ووقاه، وكفَّر عنه سيئاته وتاب عليه وهداه.
فحققوا -رحمكم الله- تقوى الله سبحانه بامتثال أوامره، واجتناب زواجره, وتعظيم حرماته وشعائره، والوقوف عند حدوده، والتزام سنة رسوله ﷺ ، واشكروا نعمة الله عليكم أن هداكم للإسلام الذي قصد إلى حماية الدين، والنفس، والعرض، والمال، والعقل؛ لأن الغرض من تشريعات الإسلام تحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، بجلب المنافع لهم، ودرء المفاسد عنهم، وإخلاء المجتمع من المضار والأسقام، ومن استقرأ نصوص الشريعة في الكتاب والسنة وجدها تهدف إلى هذا الهدف الأسمى، ومن هنا رعى الإسلام الضرورات الخمس وهي: حفظ الدين، والنفس، والعرض، والمال، والعقل.
стр. 137
حفظ الدين
وهذه الأمور لا بد منها لقيام حياة الناس، بحيث لو اختلت كلها أو بعضها لاختل نظام الحياة، وعمت الفوضى والجرائم، وساد القلق والخوف والاضطراب، ولهذا جاءت الشرائع كلها برعايتها وصيانتها؛ لأنه يتوقف عليها نظام العالم، ولا يبقى النوع البشري مستقيم الحال مطمئن البال إلا بها، فعليها يقوم أمر الدين والدنيا، وبالمحافظة عليها تستقيم الحياة، وينتظم المجتمع، وتصلح الأمة.
لذا فقد حفظها الإسلام بالآتي:
أولاً: بتشريع ما يوجدها.
ثانياً: بتشريع ما يكفل بقاءها وصيانتها؛ حتى لا تنعدم بعد وجودها، أو يضيع خيرها المرتجى منها.
فحفظ الدين يكون بما يأتي:
بالاعتقاد السليم.
وبالإيمان المستقيم.
وبالقيام بأركانه وواجباته.
وبالبعد عن دروب الشرك بالله وطرق الضلالة والغواية.
كما يكون أيضاً بالجهاد في سبيل الله، وإقامة الحكم لله على الخارجين عليه، والمرتدين عنه، والمستهزئين به.
стр. 138
حفظ النفس في الإسلام
أما النفوس -يا عباد الله- فلقد حماها الإسلام أيما حماية، وصانها بسياج متين، وحصن حصين، وأكد حرمتها في الكتاب والسنة، وحرم الاعتداء عليها، والتعرض لها بسوء، وجعله من أكبر المحرمات، وأعظم الموبقات، وقرن قتل النفس بالشرك بالله، فقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام:١٥١].
وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان:٦٨].
وفي الحديث المتفق عليه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ﴿اجتنبوا السبع الموبقات -وذَكَر منها-: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾.
ومن أجل ذلك: جعل الله في القتل العمد عقوبات مغلظة، وتوعد عليه وعيداً شديداً ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء:٩٣].
ولما كانت النفوس الخبيثة، والذمم الفاسدة، والنزعات الباطلة بحاجة ملحة إلى ما يكبح جماحها، ويخفف حدتها، ويحول بينها وبين ما يُسَوَّلُ لها، فرض رب العالمين -وهو أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين- حدوداً وعقوبات متنوعة، بحسب الجرائم؛ لتردع المعتدي، وتصلح الفاسد، وتقيم المعوَج، وتستأصل العضو الأشل من المجتمع، حتى لا تسري سمومه في جسد الأمة، فقد شرع الله القصاص من القاتل المتعمد جزاء ما اقترفت يداه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨] وما ذاك إلا توطيداً للأمن، وحماية للمجتمع، وقطعاً لدابر الجريمة، واستئصالاً لكل ما يؤدي إلى انتشار الفوضى.
وقد ذكر الله سبحانه حكمة مشروعية القصاص بأسلوب موجز شامل، لا يرقى إلى مستواه أي تعبير بشري، مهما بلغت فصاحة قائله وبلاغته، قال جل وعلا: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٩]، فقد بين ﵎ أن حكمة مشروعية القصاص المحافظة على حياة الناس، فإذا علم مُريد القتل أنه سيُقتل إذا قَتَل دفعه ذلك إلى الكف عن القتل خوفاً من العقوبة، فيكون ذلك صوناً لحياته وحياة من يريد قتله وحياة الناس جميعاً.
стр. 139
حفظ الأعراض
أما حفظ الأعراض -يا أمة الإسلام- فقد رعاها الإسلام من عدة نواحٍ:
من الناحية الاجتماعية: حيث حرم السخرية والهمز، واللمز، والتنابز بالألقاب السيئة، والغيبة، والنميمة، وقول الزور.
ومن الناحية الخلقية: حيث حرم الزنا، واللواط، والقذف، ورتب على ذلك العقوبات الرادعة ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢].
وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤].
стр. 140
حفظ الأموال
وحفظ الأموال -يا إخوة الإسلام- يكمن في اتباع الطرق المشروعة في اكتسابه، والبُعد عن الطرق المحرمة، والحيَل الممنوعة في تحصيله.
لذا فقد حرم الإسلام الربا، والرشوة، والغصب، والسرقة، وجحد العارية، والتزوير، وأوجب قطع يد السارق حمايةً للأموال ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:٣٨].
فلما كانت اليد أمينة، كانت غالية ثمينة، ولما خانت رخصت وهانت.
стр. 141
حفظ العقول
أما حفظ العقول: فبتحريرها من الأوهام والخيالات، وصيانتها من المسكرات والمخدرات، وإيقاع الجزاء الرادع على المتعاطين والمروجين لها والمتاجرين بها ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٢٩] ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء:١٤].
стр. 142
عاقبة ترك حكم الله
ومما يؤسف له أشد الأسف أن كثيراً من المجتمعات اليوم قد عطلت حدود الله، وقصرت في تنفيذ حكم الله على المجرمين المعتدين، رغم الضرورة الملحة لتنفيذها، ورغم ثبوت الجرائم واستشرائها.
وتطالعنا الإحصاءات عن الجرائم في المجتمعات التي لا تنفذ حكم الله في المجرمين بما معدله: وقوع جريمة قتل، أو زنا، أو خطف، أو سرقة أو غيرها في كل دقيقة، حتى غلب على أهلها الخوف والذعر، وسادهم القلق والفوضى والاضطراب والحَيرة، وبحثوا عن طريق يخلصهم مما يقعون فيه، ولم يجدوا أبداً إلا تحكيم شريعة الله، وتنفيذ حدود الله، والبعد عن حكم الطاغوت والجاهلية قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠].
وحينما تثار هذه القضية، ويُبحث هذا الموضوع، أعني: تنفيذ حدود الله، فإنه يُسجل لهذه البلاد المباركة، بلاد الحرمين، بكل فخر واعتزاز، وكل تقدير وإجلال وإكبار، ما تقوم به من حزم في إقامة حكم الله، وتنفيذ حدود الله على المجرمين المعتدين، حتى أصبحت -ولله الحمد والمنة- مثالاً يُحتذى به في استتباب الأمن وندرة الجرائم، في زمان بلغت فيه الجرائم ذروتها، والاعتداءات أوجَّ عظمتها وكثرتها.
نسأل الله أن يثبت قادتها على الإسلام.
وقد حاول أعداء الإسلام والمفتونون بهم من المنتسبين إلى الإسلام بتعييب الإسلام بهذه الحدود، وعدوها -حمقاً وجهلاً منهم- وحشية وهمجية، ولا ريب أنهم هم المعيبون؛ لدفاعهم عن المجرمين وإهمالهم أمراً مبنياً عليه, ستتحول المجتمعات الآمنة -بقصدهم- إلى مجتمعات ذئاب مسعورة، يعدو بعضها على بعض بلا حدود ولا رادع، والواقع أكبر شاهد على ذلك إن سلباً أو إيجاباً.
وإننا لنرجو الله أن يهيئ للأمة رجالاً مخلصين، لا يخافون في الله لومة لائم، مع ارتفاع الأصوات الغيورة المنادية بتنفيذ حكم الله أمام زحف الجرائم، وسيل الفساد من: القتل، والزنا، والخطف، والسرقة، والرشوة، والتزوير، والخمور، والمخدرات، وغيرها، ولا يخلص من ذلك كله، إلا تطبيق شرع الله، صوناً للدماء والأعراض والأموال، وصلاحاً للمجتمع، ورحمة بالخلق، وقطعاً لدابر المفسدين في الأرض.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ورزقنا السير على سنة سيد المرسلين، وثبتنا على الصراط المستقيم، وأجارنا بمنه وكرمه من العذاب الأليم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 143
شكر الله على نعمة الإسلام
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤاً أحد، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١] واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
أيها المسلمون: إن الحدود في الإسلام صفحة ناصعة من صفحات الرحمة والحكمة في هذا الدين القويم، فاشكروا الله على نعمة الإسلام، وحققوه في واقعكم قولاً وفعلاً، والتزموا حدوده تفلحوا وتسعدوا.
وصلوا وسلموا على خير البرية، وهادي البشرية، محمد بن عبد الله، كما أمركم الله ﵎ بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله.
اللهم ارضَ عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وارضَ عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين, واحمِ حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولاية المسلمين فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللهم وفق إمامنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، وأعلِ به دينك، يا رب العالمين، اللهم هيء له البطانة الصالحة، اللهم واجعله للمسلمين قدوة على ما تحب وترضى يا عظيم.
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 144
نداء إلى المرأة المسلمة
المرأة اليوم هي هدف أعداء الله؛ لكي يضلوا الأمة الإسلامية بهذه المرأة، ولذلك تكثر في هذه الأيام الدعوات إلى تحرير المرأة.
وقد تكلم الشيخ حفظه الله عن المرأة ومكانة المرأة المسلمة في ميزان الإسلام، فلقد كرمها الإسلام خير تكريم، كما حذر من دعاة السفور والفجور، ونادى المرأة بالتمسك بحجابها ودينها، فذلك سر فلاحها ونجاحها في دنياها وأخراها.
стр. 145
المرأة في الإسلام
اللهم إنا نحمدك ونستعينك ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك ونثني عليك الخير كله، نحمدك اللهم كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد كالذي نقول، وخيراً مما نقول، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله ربكم، فبتقواه تزكو النفوس وتصلح الأعمال.
أيها الإخوة والأخوات: هل هناك قضية بعد قضية اعتقادنا وتوحيدنا لربنا أهم من قضية الاهتمام بقيمنا ومثلنا، والتمسك بحيائنا وعفتنا وإبائنا، والثبات على أصالتنا وأخلاقنا وسلوكنا والغيرة على حرماتنا وأعراضنا، وإحاطتها بسياج منيع من الفضيلة، وصونها عن مستنقعات الرذيلة؟! لا والله، يستوي في ذلك الرجال ذو القوامة والرعاية ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] والنساء ذوات التوجيه والتربية والعناية ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤] كل في مجال اختصاصه وحدود مسئولياته.
أيها المسلمون والمسلمات: أرأيتم إلى الجوهر المكنون، والدر المصون إذا حفظ من العبث والضياع، ولم تنله يد الهمج الرعاع، وحرص عليه فلم يعد من سقط المتاع، كيف تبقى لها نظارته وبهاؤه وسلامته وصفاؤه وتلألؤه ونقاؤه؟
أرأيتم إلى الزهرة المتفتحة، والوردة المتضخمة والريحانة الفواحة في الروضة الغناء، كيف يبقى لها شذاها وأريجها وطيبها ونسيمها في سلامة من الفساد والذبول والخراب والأفول؛ إذا صينت من عبث العابثين وكيد الكائدين؟
فذلكم مثل تقريبي لوضع المرأة في هذه الحياة، مع أن المرأة أرفع من ذلك قدراً وأعلى شأناً، فهي مخلوق أكرمه الله بالعقل والإنسانية، وشرَّفه بحمل الرسالة الإسلامية بعد أن كانت المرأة في ظل الجاهلية والديانات الوثنية مهيضة الجناح، مهضومة الحقوق، مسلوبة الكرامة، معدودة من سقط المتاع، تباع وتشترى، وتوهب وتكترى، ولا حق لها في الإرث والتملك، بل إنها تقتل وتوأد دون ذنب أو جريرة، فجاء الإسلام بحكمته وعدله فأعزَّ شأنها، وأعلى مكانها، ورفع قدرها، وحفظ حقوقها، وصانها من الابتذال والضياع، وجعلها شريكة للرجل في الحياة، شقيقة له في تحمل الأعباء والمسئوليات.
следующие страницы →