Полный текст (1 023 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
حفظ العقول
أما حفظ العقول: فبتحريرها من الأوهام والخيالات، وصيانتها من المسكرات والمخدرات، وإيقاع الجزاء الرادع على المتعاطين والمروجين لها والمتاجرين بها ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٢٩] ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء:١٤].
стр. 142
عاقبة ترك حكم الله
ومما يؤسف له أشد الأسف أن كثيراً من المجتمعات اليوم قد عطلت حدود الله، وقصرت في تنفيذ حكم الله على المجرمين المعتدين، رغم الضرورة الملحة لتنفيذها، ورغم ثبوت الجرائم واستشرائها.
وتطالعنا الإحصاءات عن الجرائم في المجتمعات التي لا تنفذ حكم الله في المجرمين بما معدله: وقوع جريمة قتل، أو زنا، أو خطف، أو سرقة أو غيرها في كل دقيقة، حتى غلب على أهلها الخوف والذعر، وسادهم القلق والفوضى والاضطراب والحَيرة، وبحثوا عن طريق يخلصهم مما يقعون فيه، ولم يجدوا أبداً إلا تحكيم شريعة الله، وتنفيذ حدود الله، والبعد عن حكم الطاغوت والجاهلية قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠].
وحينما تثار هذه القضية، ويُبحث هذا الموضوع، أعني: تنفيذ حدود الله، فإنه يُسجل لهذه البلاد المباركة، بلاد الحرمين، بكل فخر واعتزاز، وكل تقدير وإجلال وإكبار، ما تقوم به من حزم في إقامة حكم الله، وتنفيذ حدود الله على المجرمين المعتدين، حتى أصبحت -ولله الحمد والمنة- مثالاً يُحتذى به في استتباب الأمن وندرة الجرائم، في زمان بلغت فيه الجرائم ذروتها، والاعتداءات أوجَّ عظمتها وكثرتها.
نسأل الله أن يثبت قادتها على الإسلام.
وقد حاول أعداء الإسلام والمفتونون بهم من المنتسبين إلى الإسلام بتعييب الإسلام بهذه الحدود، وعدوها -حمقاً وجهلاً منهم- وحشية وهمجية، ولا ريب أنهم هم المعيبون؛ لدفاعهم عن المجرمين وإهمالهم أمراً مبنياً عليه, ستتحول المجتمعات الآمنة -بقصدهم- إلى مجتمعات ذئاب مسعورة، يعدو بعضها على بعض بلا حدود ولا رادع، والواقع أكبر شاهد على ذلك إن سلباً أو إيجاباً.
وإننا لنرجو الله أن يهيئ للأمة رجالاً مخلصين، لا يخافون في الله لومة لائم، مع ارتفاع الأصوات الغيورة المنادية بتنفيذ حكم الله أمام زحف الجرائم، وسيل الفساد من: القتل، والزنا، والخطف، والسرقة، والرشوة، والتزوير، والخمور، والمخدرات، وغيرها، ولا يخلص من ذلك كله، إلا تطبيق شرع الله، صوناً للدماء والأعراض والأموال، وصلاحاً للمجتمع، ورحمة بالخلق، وقطعاً لدابر المفسدين في الأرض.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ورزقنا السير على سنة سيد المرسلين، وثبتنا على الصراط المستقيم، وأجارنا بمنه وكرمه من العذاب الأليم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 143
شكر الله على نعمة الإسلام
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤاً أحد، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١] واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
أيها المسلمون: إن الحدود في الإسلام صفحة ناصعة من صفحات الرحمة والحكمة في هذا الدين القويم، فاشكروا الله على نعمة الإسلام، وحققوه في واقعكم قولاً وفعلاً، والتزموا حدوده تفلحوا وتسعدوا.
وصلوا وسلموا على خير البرية، وهادي البشرية، محمد بن عبد الله، كما أمركم الله ﵎ بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله.
اللهم ارضَ عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وارضَ عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين, واحمِ حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولاية المسلمين فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللهم وفق إمامنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، وأعلِ به دينك، يا رب العالمين، اللهم هيء له البطانة الصالحة، اللهم واجعله للمسلمين قدوة على ما تحب وترضى يا عظيم.
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 144
نداء إلى المرأة المسلمة
المرأة اليوم هي هدف أعداء الله؛ لكي يضلوا الأمة الإسلامية بهذه المرأة، ولذلك تكثر في هذه الأيام الدعوات إلى تحرير المرأة.
وقد تكلم الشيخ حفظه الله عن المرأة ومكانة المرأة المسلمة في ميزان الإسلام، فلقد كرمها الإسلام خير تكريم، كما حذر من دعاة السفور والفجور، ونادى المرأة بالتمسك بحجابها ودينها، فذلك سر فلاحها ونجاحها في دنياها وأخراها.
стр. 145
المرأة في الإسلام
اللهم إنا نحمدك ونستعينك ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك ونثني عليك الخير كله، نحمدك اللهم كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد كالذي نقول، وخيراً مما نقول، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله ربكم، فبتقواه تزكو النفوس وتصلح الأعمال.
أيها الإخوة والأخوات: هل هناك قضية بعد قضية اعتقادنا وتوحيدنا لربنا أهم من قضية الاهتمام بقيمنا ومثلنا، والتمسك بحيائنا وعفتنا وإبائنا، والثبات على أصالتنا وأخلاقنا وسلوكنا والغيرة على حرماتنا وأعراضنا، وإحاطتها بسياج منيع من الفضيلة، وصونها عن مستنقعات الرذيلة؟! لا والله، يستوي في ذلك الرجال ذو القوامة والرعاية ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] والنساء ذوات التوجيه والتربية والعناية ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤] كل في مجال اختصاصه وحدود مسئولياته.
أيها المسلمون والمسلمات: أرأيتم إلى الجوهر المكنون، والدر المصون إذا حفظ من العبث والضياع، ولم تنله يد الهمج الرعاع، وحرص عليه فلم يعد من سقط المتاع، كيف تبقى لها نظارته وبهاؤه وسلامته وصفاؤه وتلألؤه ونقاؤه؟
أرأيتم إلى الزهرة المتفتحة، والوردة المتضخمة والريحانة الفواحة في الروضة الغناء، كيف يبقى لها شذاها وأريجها وطيبها ونسيمها في سلامة من الفساد والذبول والخراب والأفول؛ إذا صينت من عبث العابثين وكيد الكائدين؟
فذلكم مثل تقريبي لوضع المرأة في هذه الحياة، مع أن المرأة أرفع من ذلك قدراً وأعلى شأناً، فهي مخلوق أكرمه الله بالعقل والإنسانية، وشرَّفه بحمل الرسالة الإسلامية بعد أن كانت المرأة في ظل الجاهلية والديانات الوثنية مهيضة الجناح، مهضومة الحقوق، مسلوبة الكرامة، معدودة من سقط المتاع، تباع وتشترى، وتوهب وتكترى، ولا حق لها في الإرث والتملك، بل إنها تقتل وتوأد دون ذنب أو جريرة، فجاء الإسلام بحكمته وعدله فأعزَّ شأنها، وأعلى مكانها، ورفع قدرها، وحفظ حقوقها، وصانها من الابتذال والضياع، وجعلها شريكة للرجل في الحياة، شقيقة له في تحمل الأعباء والمسئوليات.
стр. 146
ذكر المرأة في القرآن والسنة
ولقد ذكر الله المرأة في كتابه مع الرجل في مواضع كثيرة فقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٩٥] وقال جلَّ شأنه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] وقال جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٣٥]
стр. 147
مصيبة المرأة في ترك حجابها
أخي المسلم، أختي المسلمة: وإذا كان الاهتمام بالمرأة المسلمة واجباً في كل زمان ومكان، فإنه في زمن المغريات وعصر الانفتاح والشهوات والشبهات أعظم وألزم، كيف وقد حذر المصطفى ﷺ من فتنة النساء! ففي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء﴾ وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ ﴿فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء﴾.
الله المستعان -يا عباد الله ويا إماء الله-! فتنة عظمى ومصيبة كبرى أن تترك المرأة شرع ربها وأحكام دينها، وتتساهل بعفافها وحجابها، وتهمل التأسي بسلفها الخيرات، وتعجب بالتقليد والتشبه بالفاجرات، وتصغي إلى الجديد من الأفكار والشعارات، وتنساق وراء العفن والدعايات، وتلهث خلف سراب الأزياء والموضات، بدعوى التقدمية الزائفة، والتحضر والحرية والمدنية المعاصرة.
مدنية لكنها جوفاء وحضارة لكنها أفياء
مرجت عقول الناس حيث استحسنت من صنعها ما استهجن العقلاء
تدعو التهتك والسفور فضيلة ونتاج ذاك الشر والفحشاء
لا وازع يزع الفتاة كمثلما تزع الفتاة صيانة وحياء
وإذا الحياء تهتكت أستاره فعلى العفاف من الفتاة عفاء
ولا ينكر عاقل أن من الحياء المطلوب شرعاً وعرفاً احتشام المرأة وبعدها عن مواقع الفتن ومواطن الريب، وأن حجابها بتغطية وجهها محل الحسن والجمال ومواضع الزينة منها لهو من أكبر احتشام تفعله وتتحلى به، وقد اتفق أهل العلم على أنه إذا لم تؤمن الفتنة فيجب على المرأة بإجماع أن تغطي وجهها ومحاسنها، وهل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر ويغار على عرضه ومحارمه أن هذا العصر -بفتنه ومغرياته وشهواته وشبهاته- لا تؤمن فيه الفتنة؟ نعوذ بالله من الهوى وانتكاس الفطرة.
стр. 148
الإسلام يأمر بالحجاب
أيها المسلمات: ليس بعد نصوص الكتاب والسنة وأدلة الشرع المطهر مستمسك لأحد في التساهل بالحجاب، يقول الله : ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] قال ابن مسعود ﵁ في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور:٣١] أي: ما ظهر منها من الملابس الظاهرة، وأما ما روي عن ابن عباس ﵄: أنه فسره بالوجه والكفين فإنه محمول على حالة النساء قبل نزول آية الحجاب؛ لما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس نفسه ﵄ أنه قال: [[أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب]]، وقد نبه على ذلك جمع من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب:٥٩].
وقد أمر الله نساء نبيه ﵊ ورضي عنهن فقال سبحانه: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٢ - ٣٣] وإذا كان هذا في حق أمهات المؤمنين الطاهرات، فغيرهن من باب أولى، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] الله أكبر! هذا هو السر والحكمة في مشروعية الحجاب ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣].
стр. 149
أدلة وجوب الحجاب
وأما ما يستدل به دعاة السفور من حديث أسماء ﵂ أنها دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال: ﴿يا أسماء! إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجه وكفيه﴾ فإنه حديث ضعيف الإسناد لا يحتج به، وقد رواه أبو داود وأعلَّه في الإرسال، كما أعلَّه أبو حاتم الرازي، والحديث سنده منقطع؛ لأنه من رواية خالد بن دريك عن عائشة وهو لم يسمع منها، كما أن في سنده سعيد بن بشير وهو ضعيف لا يحتج بروايته، وقد ضعفه الإمام أحمد ﵀ ويحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهم.
وروى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: ﴿كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله ﷺ ، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه﴾.
كل هذه الأدلة والنصوص كافية لطالب الحق وطالبة الحق في هذه المسألة، مع ما في الحجاب من سد ذرائع الفواحش، وحسم وسائل الزنا والفساد، وإقرار المصالح في المجتمع ودرء المفاسد عنه.
فيا أيتها الحرة الشريفة والأخت العفيفة: يا حفيدة عائشة وخديجة وفاطمة وسمية ونسيبة وعاتكة! التزمي بالحجاب، تمسكي بالجلباب، ولا تصغي إلى ما تقوله الذئاب، احذري الذئاب البشرية، والوحوش الإنسية، الذين يهدرون عفتك وكرامتك ثم يلفظونك لفظ النواة، ويرمونك رمي القذاة.
إخواتي في الله: إنكن لن تبلغن كمالكن المنشود، وتعدن مجدكن المفقود إلا في ظل الإسلام وتعاليمه، فتمسكي بدينك تحمدي وتستريحي، وبحجابك تسعَدي وتسعِدي، وبالعفاف تصلُحي وتُصلِحي، وإذا غاض في المرأة الماء، وهش منها البناء، وقلَّ الحياء؛ ذهب البهاء؛ وحل البلاء.
فيا أيتها الأخت المسلمة: يا من أعزك الله بالإسلام وشرفك بالإيمان! نخاطب فيك دينك وإيمانك، نخاطب فيك غيرتك وعفافك، احذري الأبواق الناعقة، والأصوات الماكرة، والأعين الحاسدة، والكلمات المعسولة، والأيدي الخبيثة، التي تريد إنزالك من علياء كرامتك وتهبط بك من سماء مجدك وتخرجك من دائرة سعادتك، وإياك ثم إياك من الخديعة والانهزامية أمام موجات التبرج والسفور والإباحية، التي بليت بها كثير من المجتمعات، احذري دعايات التبرج والتغريب التي تدعو إلى التهتك والسفور.
стр. 150
ماذا يريد أعداء الله من المرأة
لقد سلط الأعداء على المرأة المسلمة السهام، ونصبوا لها الشباك، وأعدوا لها الشراك، فماذا يريدون؟ ماذا يريدون لها؟ وماذا يريدون بها؟ إنهم يريدون تحررها من دينها وأخلاقها وعفافها، يريدونها ألعوبة في أيديهم، ودمية وسلعة بين ظهرانيهم، لطالما وصفوا المجتمعات المحافظة بالتخلف والرجعية، يقولون: إن نصف المجتمع معطل، المجتمع المحافظ لا يتنفس إلا برئة واحدة ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف:٢٨].
يريدون لأخواتنا أن يكن عارضات للأزياء، وصوراً تزين بها الأغلفة، قولوا لي بربكم: ماذا جنت المجتمعات لما أهملت أمر المرأة وتركت لها الحبل على الغارب خرَّاجة ولاَّجة، تعمر الأسواق ذاهبة آيبة، تتفنن في مشيتها، وتتكسر في هيئتها، وتتغنج في كلامها؟ أما يكفي زاجراً ويشفي واعظاً ما حل بالمجتمعات التي خالفت تعاليم الإسلام حتى انطلقت الصيحات من بلاد الإباحية من نساء منصفات يطالبن بعودة المرأة إلى بيتها وعنايتها بزوجها وأولادها؟
إننا لا نخاطب في المرأة نفسها فقط، بل أين الرجال؟! أين الأزواج؟! أين الآباء؟! أين الإخوة؟! أين أهل الغيرة والمروءة والشرف والشهامة والمجد والكرامة؟! كيف يرضون لبناتهم وزوجاتهم وأخوانهم أن يكن مرتعاً للنظرات المريبة، والأعين الخائنة؟! كيف يسمحون لبناتهم أن يكنَّ موائد مكشوفة، ولقماً سائغة، أمام ضعاف النفوس وعديمي المروءة؟!
إنه ما نكبت المجتمعات نكبة أشد من نكبتها في أخلاقها، وإذا أصيبت الأمة في أخلاقها فقل ﵍، لمَّا أهملت شأن المرأة، فاتقوا الله أيها المسلمون! واتقين الله أيتها المسلمات! ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١] قوموا جميعاً بما يجب عليكم تجاه زوجاتكم وبناتكم وأخواتكم وأسركم تصلح أحوالكم، وتسعد مجتمعاتكم وتفلحوا في دنياكم وأخراكم ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨].
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، وبسنة نبيه ﷺ .
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين والمسلمات، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 151
حث المرأة على التمسك بدينها
الحمد لله العلي الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة فما ضل وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إنه إلا وحي يوحى، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجهم واقتفى من الرجال والنساء، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، اتقين الله إماء الله!
أيها الإخوة! أيتها الأخوات: لعلكم سمعتم جميعاً ما يكفي في هذا الموضوع الهام، فحق على كل من سمع أن يبادر إلى الاستجابة والامتثال، تقول عائشة ﵂: [[يرحم الله نساء الأنصار لما نزلت آية الحجاب عمدن إلى مروطهن فاعتجرن بها]]، فهل تفعل نساؤنا اللاتي يسمعن هذا الكلام فعل نساء الأنصار فهن خير خلف لخير سلف.
هذا هو الأمل فعليهن أن يبادرن إلى تطبيق ما سمعن قبل خروجهن من هذا المكان الطاهر، وإن ثقتنا بنسائنا ذوات الدين والعفاف والمنبت الحسن والمعدن الطيب، أن يتمسكن بدينهن ولا تغرهن الدعايات المضللة.
وهنيئاً لامرأة أرضت الرحمن وأغضبت الشيطان، وتمسكت بالحجاب ودعت إليه في صفوف بنات جنسها.
وإلى الشاردات الغافلات أقبلن أقبلن قبل فوات الأوان وحلول الهوان، فرب لذة ساعة تعقبها حسرة إلى قيام الساعة، وإن من التحدث بنعم الله ما تتمتع به بنت الجزيرة وفتاة الحرمين في هذه البلاد المباركة بتمسكها بشريعة الله، فهذه البلاد بحمد الله تتمتع بها المرأة بوضع لا نظير له في العالم، غير أننا محسودون يا عباد الله، فلنكن على حذر وفطنة.
ومما ينبغي التنبيه إليه -يا عباد الله- أن المرأة إذا شهدت مواطن اجتماع الرجال كالمساجد ولاسيما المسجد الحرام فإن عليها أن تكون على هيئة شرعية فتتمسك بالحجاب والعفاف، وتأتي إلى المسجد متحشمة متحجبة غير متعطرة ولا متطيبة ولا متبرجة ولا متزينه، وتصلي في موضع صلاة النساء في آخر الصفوف، وتحذر من الاختلاط بالرجال في المطاف وعند الأبواب.
ولتحذر المرأة المسلمة من الظواهر الغريبة التي وجدت عند بعض من ضعف دينهم كإبداء الأعين بشكل مريب، ولا ينبغي للمرأة إذا أتت إلى المسجد أن تصطحب معها أبناءها لما يسببونه من الإزعاج، وألا تصطحب أطفالها لما يحدثونه من التشويش على المصلين فتقع في إيذاء عباد الله، وإلا فبيتها خير لها.
تقول عائشة ﵂: [[لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدثه النساء بعده لمنعهن من المصلَّى]].
هذا في القرون المفضلة فكيف بزماننا هذا يا عباد الله؟! فالله المستعان!
ومن الخسارة الفادحة أن تأتي المرأة تريد الأجر فترجع بالإثم والوزر، فاتقوا الله عباد الله، وخذوا على أيدي سفهائكم، واسعوا جميعاً لإصلاح أنفسكم وبناتكم ونسائكم وأسركم؛ تصلح مجتمعاتكم وأمتكم.
هذا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد بن عبد الله، كما أمركم ربكم جلَّ في علاه فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 152
نداءات للحجاج [١]
الحج عبادة من أعظم العبادات، وإن له من الشروط والأركان والواجبات ما يجب على كل من أمَّ بيت الله الحرام أن يعلمها؛ ليعمل بها؛ فيقبل حجه عند الله، كما له من المقاصد والمنافع والحكم والآداب ما ينبغي لكل حاج أن يستشعره، ليحصل له برُّ الحج، ويعود بشيء من منافعه وآثاره.
стр. 153
مقاصد الحج العظيمة
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، فرض على عباده حج بيته الحرام، ورتب عليه جزيل الأجر والإنعام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد الأنام، وخير من صَلَّى وزكى وحج وصام، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه البررة الكرام ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا أمة الإسلام! ويا حجاج بيت الله الحرام! اتقوا الله جل وعلا، واشكروه على ما هداكم للإسلام، وشرع لكم من مواسم الرحمة والغفران.
عباد الله! في هذه الأيام المباركة تشرئب الأعناق، وترنو الأبصار، وتنجذب القلوب، وتتجه الأنظار، وتهوى الأفئدة، وتتطلع النفوس المسلمة إلى هذه البقعة الشريفة التي هيأها الله لعباده، واختارها لتكون عرصاتها محلاً للمناسك، فهذه قوافل الحجيج وطلائع وفود الله أتت من كل فجٍ عميق ليشهدوا منافع لهم يدفعهم الإيمان، وتقودهم الرغبة، ويحدوهم الشوق، ويحفزهم الأمل فيما عند الله مصداقاً لقوله ﷺ : ﴿من حج فلم يرفث، ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه﴾ أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، وفيهما عنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿والحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة﴾.
إخوة الإسلام! حجاج بيت الله الحرام الحج عبادةٌ من أعظم العبادات، له من الشروط والأركان والواجبات ما يجب على كل من أمَّ هذا البيت أن يعلمها؛ ليعمل بها؛ فيقبل حجه عند الله، كما له من المقاصد والمنافع والحكم والآداب ما ينبغي لكل حاجٍ أن يستشعره؛ ليحصل له برُّ الحج، ويعود بشيءٍ من منافعه وآثاره.
стр. 154
الحج منطلق لإعلان التوحيد الخالص لله
فأهم المقاصد والغايات، وأعظم الحكم والواجبات، أن يكون الحج منطلقاً لإعلان التوحيد الخالص لله، فلا أنداد ولا شركاء، ولا شفعاء ولا نظراء، وأن يكون مرتكزاً لتجديد دعوة إبراهيم ﵇، وسنة محمد ﷺ ، ودعوةً إلى الحنيفية السمحة التي لا تعلق لها إلا بالله وحده، استسلاماً لله، وانقياداً لعقيدة التوحيد، وإذعاناً لطاعة الله ورسوله، وبراءةً من كل مبدأ يخالف نهج الكتاب والسنة، ومن كل عقيدةٍ لم يكن عليها سلف هذه الأمة.
أمة الإسلام! ضيوف الرحمن، وفود الملك العلام إن القاعدة التي تبنى عليها العبادات والأصل الذي ترتكز عليه الأعمال، وبدونه تكون هباءً منثوراً هو أساس هذا الدين، تحقيق التوحيد لله رب العالمين، وإنه محادة الله بإشراك غيره معه، لهو أظلم الظلم، وأصل الضلال.
فيجب على كل مسلم يرجو ثواب الله، ويخاف عقابه، ويحب نجاته يوم العرض على الله أن يعلق آماله بالله وحده، وينبذ كل ما سواه كائناً ما كان، وإنه لمما يبعث على الأسى، ويدعو للأسف أن يغبن كثيرٌ من الناس، فيجهلوا هذا الأساس، يتعبون أبدانهم، ويتركون أوطانهم، ويتجشمون المصاعب، ويتكبدون المشاق، ولكن على غير النهج السليم المستقى من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، هل استشعر كل من أراد شد الرحال إلى هذه البقاع الطاهرة هذا الأصل العظيم؟ وهل حقق هذا الأساس المتين؟
لا بد من وقفةٍ حازمةٍ مع النفوس أيها الحجاج، ألم تقرءوا آيات الحج الواردة في كتاب الله ، وتتأملوا أعمال الحج من الطواف والسعي والتلبية، والرمي، وما إلى ذلك؟ إنها تؤصل في النفوس المسلمة هذا الأساس العظيم، كلها تدور حول إفراد الله بهذه العبادة، والتحذير من الشرك، اقرءوا إن شئتم قوله : ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ [الحج:٢٦] وقوله : ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج:٣٠ - ٣١] وقوله جل وعلا: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ [الحج:٣٤].
فهي دعوةٌ من الله سبحانه، ودعوة رسله عليهم الصلاة والسلام، ثم دعوة كل مؤمنٍ موحدٍ أن تُسْتَلْهم صحة العقيدة وسلامة التوحيد وإخلاص الدين لله من هذه الآيات الكريمة، وهذه العبادة العظيمة، وإنَّ تَوَجُّه العبد الضعيف إلى غير الله في سؤالٍ، أو دعاءٍ، أو ذبحٍ، أو توسلٍ واستغاثة، أو ادعاء أن أحداً من دون الله يشفع عند الله، لهو من مصادمة الفطرة، ومخالفةٍ للملة، ومجانبة العقيدة والسنة: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٤٤].
إن في الحج يا عباد الله ولاءً خالصاً لله، وانقياداً تاماً لدين الله، لا مجال فيه لدعوة غير الله، وإعلان ولاءات لغير الله، ورفع هُتافاتٍ وشعاراتٍ مخالفةٍ لشرع الله، وعمل تجمعاتٍ وتظاهرات تخرج بالحج عما شرع الله وسن رسول الله ﷺ .
стр. 155
الحج منطلق للوحدة والتضامن
إن على الأمة الإسلامية وهي على أبواب هذا الموسم العظيم، أن تعمل بجدٍ وصدق للخروج من المحن والمصائب التي ابتليت بها، فطالما بكى الباكون، وتحدث الغيورون عن الأحوال المزرية التي يمر بها العالم الإسلامي.
أما آن لنا معشر المسلمين أن نأخذ من هذا التجمع الإسلامي العظيم الدروس والعبر في الوحدة والتضامن، والبعد عن الفرقة والتشاحن، وهو يجمع المسلمين، وإن بعدت الديار، ونأت الأقطار، وتباينت الألسن والألوان على عقيدة واحدة، وسنة واحدة في مكان واحد، وهدف واحد؛ لتكون الانطلاقة لحل مشكلات الأمة المتأزمة ضعفاً ومهانةً، واختلافاً وفرقةً، من هذا المكان المبارك، مهبط الوحي ومنبع الرسالة، الذي انطلقت منه عقيدة التوحيد ودعوة الإسلام، ورسالة الخير والسلام؛ لتعم الأصقاع والأنام.
وبذلك يتحقق أكبر منافع الحج، وإنها والله لرسالة عظيمة، وأمانة جسيمة في عنق كل حاج يمثل لبنة في هذا المجتمع الإسلامي الكبير، فيشاطره آماله وآلامه، ويشاركه أفراحه وأتراحه، ويسعى جهده، ليكون جندياً يحمل رسالة الإسلام، ويدافع عن عقيدة التوحيد، ويدعو إليها، وبذلك يتحقق الأمل المنشود، والعز المفقود وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 156
ما ينبغي على حجاج بيت الله الحرام
الحمد لله الحكيم الخبير، العليم القدير، العلي الكبير، خلق فأتقن، وشرع فأحكم، وهو أحكم الحاكمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله! اتقوا الله يا حجاج بيت الله! واشكروه على ما تعيشونه هذه الأيام من الأشهر العظيمة والمواسم الكريمة، أخلصوا حجكم لله، ارعوا لهذا البلد الحرام مكانته وقدسيته ونظامه، وإياكم وإساءة الأدب في جواره، بارتكاب شيءٍ من المعاصي، واعلموا رحمكم الله أن عليكم أن تتعلموا وتتفقهوا في أحكام المناسك لتكونوا على وعيٍ وبصيرة، وبعدٍ عن الخطأ والزلل، واسألوا أهل الذكر عما أشكل عليكم، عاملوا إخوانكم الحجاج المعاملة الحسنة، احذروا إيذاءهم ومزاحمتهم في الحرم والطرقات والمشاعر، وسوء الخلق معهم قولاً وفعلاً.
اجتنبوا اللغو واللهو والرفث والفسوق والجدال بالباطل، ليكون حجكم مبروراً، وسعيكم مشكوراً، وذنبكم مغفوراً، وعملكم مقبولاً، تأسوا بنبيكم ﷺ ، فلا زيادة، ولا نقصان، قال ﷺ : ﴿خذوا عني مناسككم﴾ ثم صلوا وسلموا عليه، فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين والأئمة المهديين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واحمِ حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق حجاج بيتك الحرام، اللهم وفقهم على أداء نسكهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم تقبل منهم، واجعلهم متبعين لشرعك، مقتدين بنبيك ﷺ .
اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى يا حي يا قيوم، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك، اللهم انصرهم في كل مكان يا قوي يا عزيز.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 157
نداءات للحجاج [٢]
إن حج بيت الله الحرام مع تلك الجموع الزاخرة ليذكر المرء موقفاً آخر، وهو الوقوف بين يدي الله ، على صعيد واحد، وفي مكان واحد، ولذلك فإن حج بيت الله يستغل في العبرة والذكرى، والإكثار من الدعاء والتوبة إلى الله، وأداء مناسك الحج على وفق سنة الله ورسوله ﷺ .
стр. 158
وصية للحجاج
الحمد لله الذي فرض على عباده حج بيته الحرام، وجعله مكفراً للذنوب والآثام، ورتب عليه جزيل الأجر والإنعام، أحمده تعالى وأشكره على نعمه العظام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله خير البرية وسيد الأنام، وأفضل من صلى وزكى وحج وصام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.
أما بعد:
فيا إخوة الإسلام! ويا جموع حجاج بيت الله الحرام! أوصيكم ونفسي في هذا الجمع المبارك، وفي هذا المكان والزمان المبارك بتقوى الله ، حجاج بيت الله الحرام اشكروا الله سبحانه على ما يسر لكم من الوصول إلى بيته الحرام؛ لأداء فريضة عظيمة من فرائض الإسلام، واستغلوا -رحمكم الله- وجودكم في هذه البقاع الشريفة بالاجتهاد في الأعمال الصالحة، والإخلاص لله وحده في الأقوال والأفعال، والإلحاح على الله بالدعاء في الطواف والصلاة والوقوف بـ عرفة، والتنقل في المشاعر المقدسة، واستشعار عظمة هذه المواقف، وأهمية هذه الفرائض وأدائها كما شرع الله وسن رسول الله ﷺ ، فقد قال ﵊: ﴿خذوا عني مناسككم﴾.
стр. 159
منافع الحج وآدابه
أيها الإخوة في الله: حجاج بيت الله! يا من اتجهتم بقلوبكم إلى الله، ووليتم وجوهكم قبل بيت الله، وتركتم في سبيل ذلك أوطانكم وأموالكم وأولادكم.
اعلموا أن للحج منافع عظيمة، وآداباً عالية، وحكماً سامية، أهمها إعلان التوحيد الخالص لله، والإقرار بوحدانيته وألوهيته، وأنه المستحق للعبادة بجميع أنواعها دون ما سواه.
ومنها وحدة المسلمين وتلاحمهم، والمساواة بينهم، وإن تباعدت أقطارهم، وتباينت ديارهم، واختلفت لغاتهم وأجناسهم وألوانهم، وتوثيق عرى المودة والإخاء فيما بينهم، فيحس المسلم إحساس إخوانه المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ويشعر شعورهم، ويشاطرهم آمالهم وآلامهم، وما أحوج المسلمين اليوم إلى استشعار هذه الحكم العظيمة، ما أحوجهم وقد جمعهم صعيد واحد، ومقصد واحد، ومظهر واحد إلى الاجتماع على قلب رجل واحد، على صراط واحد، صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، والاعتصام بحبل الله جميعاً، والسير على وفق سنة رسول الله ﷺ عقيدةً وشريعةً، سلوكاً ومعاملةً، والبعد عن الفرقة والاختلاف واتباع الأهواء، ليكونوا يداً واحدة على أعداء الإسلام الذين أجمعوا أمرهم على حرب الإسلام، والنيل من أهله وأرضه، لا سيما ونحن نعيش في هذه الأيام ذكرى مؤلمة على النفوس المؤمنة ألا وهي ذكرى اعتداء أعداء الله ورسوله والمؤمنين على المسجد الأقصى، أولى القبلتين، ومسرى رسول الله ﷺ .
стр. 160
الموفق في الحج
أمة الإسلام: إن في مناسك حج بيت الله الحرام دروساً نيرة، وآثاراً خيرة على الأفراد والمجتمعات، ومنها تستقى العبر العبقة، والذكريات العطرة، فالموفق من عباد الله وحجاج بيته من اصطبغت هذه الآثار في نفسه، وهيمنت على قلبه، فغيرت مجرى حياته، ليصبح مطيعاً لله ذاكراً له تائباً إليه، طاوياً صفحات التقصير والتفريط عازماً على عدم العودة إلى معصية الله في مستقبل أيامه.
فاتقوا الله عباد الله! اتقوا الله يا حجاج بيت الله! وأدوا هذه الفريضة على وجهها الشرعي، وتذكروا أنكم تؤدون عبادةً من أجل العبادات، وشعيرةً من أعظم الشعائر قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢].
فتخلقوا بأخلاق الإسلام، وعاملوا إخوانكم الحجاج معاملة الرفق والسماحة والإيثار، وإياكم واللغو والرفث والفسوق والجدال والإيذاء قولاً وفعلاً، وتجردوا من هوى نفوسكم، وأسر شياطينكم، واستعينوا بالله على إتمام مناسككم فإنه نعم المعين.
نسأل الله تعالى أن يتقبل من حجاج بيته الحرام، وأن يوفقهم لأداء مناسكهم على الوجه المشروع، وييسر لهم أمورهم، ويجعل حجهم مبروراً، وسعيهم مشكوراً، وذنبهم مغفوراً.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 161
واجبات وسنن الحج
الحمد لله الذي جعل لكل أمة منسكاً، وهيأ لهم إلى الخير طريقاً ومسلكاً، فأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فيا حجاج بيت الله! اتقوا الله تعالى واشكروه، وعظموا أمره ولا تعصوه.
أيها الإخوة حجاج بيت الله الحرام: إن من السنة أن تتجهوا غداً إلى منى، فتصلوا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر كل صلاةٍ في وقتها، وتقصر الرباعية ركعتين، وفي اليوم التاسع تتوجهون إلى عرفات وتبقون فيها إلى غروب الشمس وجوباً، وتجتهدون في هذا اليوم العظيم، الذي يجود الله فيه على عباده، ويباهي بهم ملائكته، وتكثرون من الذكر والتهليل والاستغفار، وتلحون على الله بالدعاء لكم ولإخوانكم المسلمين مع إظهار التضرع له والافتقار إليه.
ثم بعد غروب الشمس تفيضون إلى مزدلفة وتبيتون بها وجوباً، وفي اليوم العاشر تتوجهون إلى منى لرمي جمرة العقبة والحلق والنحر لمن عليه هدي، ثم تذهبون إلى البيت لطواف الإفاضة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] ويسعى من عليه سعي، ثم ترجعون إلى منى للمبيت بها ليالي وأيام التشريق، ورمي الجمار، ثم تنتهون من مناسككم بطواف الوداع عند عزمكم على السفر إلى بلادكم، فهذه سنة رسولكم ﷺ ، فاتبعوها، ولا تتساهلوا في أدائها، فإن ذلك مما يعرض حجكم للنقص وأعمالكم للخلل.
ألا وصلوا وسلموا على نبي الرحمة والهدى، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، اللهم صلِّ وسلم وبارك على إمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، اللهم ارض عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وارض عنَّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم سلم الحجاج والمعتمرين، اللهم تقبل منهم مناسكهم، اللهم أعنهم على أدائها بيسرٍ وسهولةٍ، اللهم اجعلهم متبعين لسنة نبيك ﷺ .
اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق، وانصرهم على أعدائهم يا أرحم الراحمين!
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 162
نعمة العقيدة الإسلامية
نعمة العقيدة نعمة عظيمة لا تعادلها نعمة أخرى، لأنها تسمو بالروح في طريق ربها.
ولقد تمسك المسلمون بعقيدتهم وبذلوا في سبيلها كل غال ونفيس.
ولقد حارب أعداء الإسلام هذه العقيدة بكل الوسائل فتمسك بها أهلها لإيمانهم بوجوب الدفاع عنها في كل زمان ومكان.
стр. 163
العقيدة الإسلامية أعظم النعم
الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، أحمده تعالى وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، وصبر على ما أصابه في سبيل ذلك، صَلَّى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سلك سبيله، وترسم خطاه إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى واذكروا نعمة الله عليكم، واشكروه عليها؛ فبالشكر تدوم النعم.
عباد الله: إن أجل نعمة أنعم الله بها على الناس عامة، وعلى المؤمنين خاصة؛ نعمة الإسلام، فقد كان الناس قبله في ضلالٍ وجاهلية، وخرافة ووثنية، فقد سيطر عليهم الفساد في عقائدهم، وأفكارهم، وأخلاقهم، ومعاملاتهم، إلى أن أذن الله بانبثاق فجر الإسلام برسالة محمد بن عبد الله ﷺ ، فأشرقت به الأرض بعد ظلماتها، واجتمعت الأمة بعد شتاتها، وجاء هذا الدين العظيم يحمل للبشرية كل خير، ويبعد عنها كل شر، وحمل لواء الإسلام بعد رسول الله ﷺ صحابته الكرام رضوان الله عليهم، الذين جمعتهم عقيدة التوحيد الصحيحة، ولم تفرق بينهم الأهواء والشبهات، فنشروا الإسلام في أدنى الأرض وأقصاها، حتى أظهره الله على الدين كله، فأخمد به نار الفتن، ودحر به كيد الأعداء، وحطم به أصنام الوثنية، وملأ الأرض رحمة وعدلاً، والقلوب خشية وإيماناً.
стр. 164
موقف أعداء الدين من العقيدة الإسلامية
ولكن ما الذي حدث بعد ذلك؟ وماذا كان موقف الشيطان وحزبه؟ أعداء الإسلام على اختلاف مللهم، وتمايل مذاهبهم، لقد وقفوا من هذا الدين وهذه العقيدة، ولا زالوا يقفون موقف العدو اللدود، واستخدموا كل ما يملكون ويستطيعون من الوسائل للقضاء على هذه العقيدة، أو فج الناس عنها، أو تشويهها بالنقص منها أو الإحداث فيها، والدس عليها وإلقاء الشبه ضدها، ومع هذا كله فقد انكشف وارتدت سهامهم على نحورهم، وشاهت وجوههم، وماتوا بغيظهم، وبقي هذا الدين -وسيبقى بإذن الله- وبقيت العقيدة الصحيحة، وستبقى بعون الله غضة طرية كما ارتضاها الله، وجاء بها رسول الله ﷺ .
إخوة الإسلام! وأكبر نعمة أنعمها الله على هذه البلاد المباركة وأهلها، وينبغي أن يحدثوا بها ويشكروها حق شكرها ولا يعرضوها للزوال ما منَّ الله عليهم بتطبيق هذا الدين الحنيف، واتباع العقيدة الصحيحة ولزوم منهج السلف الصالح ﵏، حتى أصبحت هذه البلاد ولله الحمد والمنة مضرب المثل في صفاء العقيدة، وتوفر الأمن والاستقرار، وامتدت آثار هذه النعمة إلى بقاع كثيرة من العالم، كل ذلك بفضل الله، ثم بفضل أئمة الحكم الأماجد وأئمة الدعوة الأفاضل جزاهم الله عن هذه البلاد وأهلها خير الجزاء وأجزله.
لقد عاشت هذه البلاد المباركة، أحقاباً من الزمن آمنة مطمئنة، يحكم فيها بكتاب الله وسنة رسوله، تقام فيها الحدود الشرعية، يؤمر فيها بالمعروف وينهى عن المنكر، سليمة في دينها، صافية في عقيدتها، عريقة في أصالتها، نزيهة في معاملاتها، ولا تزال بحمد الله على ذلك، ونسأل الله لها الثبات على الحق، والمزيد من الفضل، ولكن هذه النعم أثارت كوامن الحاسدين، وشماتة الشامتين، وأقضت مضاجعهم، فلم يكفوا عن حقدهم وزيغهم وضلالهم فحملوا على عقيدة هذه البلاد وأحكامها، وتشريعاتها، وحاولوا تشويهها، والدس فيها وإلقاء الشبه عليها ولكن:
لا يضر البحر أمسى زاخراً إن رمى فيه غلامٌ بحجر
فلا مجال في هذه البلاد لمغيرٍ ومبدلٍ ومحدث، فهي -ولله الحمد- أمة واحدة، دستورها كتاب الله وسنة نبيه، وعقيدتها عقيدة سلف هذه الأمة، لا ترضى بها بديلاً، وقدوتها محمد بن عبد الله ﷺ ، وصحابته الكرام، وأتباعهم من القرون المفضلة، فعلى هذا الطريق المستقيم، والحق القويم، سارت وستظل سائرة -إن شاء الله- مهما حاول الأوباش الوقوف في طريقها، والتعرض لأهلها، ويبقى هذا الدين وأهله طوداً شامخاً وحصناً منيعاً لا تصل إليه سهام الأعداء، بل تعود هذه السهام إلى صدور أصحابها خاسئة ذليلة، وتلك سنة الله : ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٦٢].
فاتقوا الله يا أمة الإسلام! حافظوا على دينكم، وتمسكوا بعقيدتكم، والزموا نهج أسلافكم.
فكل خيرٍ في اتباع من سلف وكل شرٍ في ابتداع من خلف
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠] * ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ورزقني الله وإياكم السير على هدي سيد المرسلين، وجنبني وإياكم طرق الضالين، وتاب علي وعليكم إنه هو التواب الرحيم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 165
وجوب الارتباط بالإسلام والدفاع عنه
الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من خالف أمره وعصاه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفوته من رسله، وخيرته من خلقه، صَلَّى عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد:
أيها المسلمون! أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، عباد الله اشكروا الله تعالى أن جعلكم مسلمين وحققوا إسلامكم بمحبته والارتباط به، والدعوة إليه والدفاع عنه؛ فإن دينكم وعقيدتكم يلقيان في هذا الزمن حرباً لا هوادة فيها من أعداء الإسلام على اختلاف مبادئهم ومواقعهم، فيجب على كل مسلم أن يثأر لدينه، ويغار على عقيدته، ويدافع عنها مهما كلفه ذلك من جهد، ومهما أصابه في سبيل ذلك من أذىً حسيٍ ومعنوي، وكل مسلم بحسب قدرته وطاقته، ولا يتساهل في ذلك إلا من هانت عنده العقيدة وغره الشيطان فأقعده عن هذا الواجب العظيم ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]، ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].
ألا وصلوا على الهادي البشير، والسراج المنير كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صل وسلم وبارك على قدوتنا وإمامنا محمد بن عبد الله، اللهم ارض عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين يا رب العالمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا فيمن يخافك ويتقيك، ويتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم مُنَّ على المسلمين جميعاً بصلاح قادتهم وعلمائهم وشبابهم ونسائهم يا رب العالمين، اللهم وفق إمام المسلمين بتوفيقك، وأيده بتأييدك، وأعلِ به دينَك يا رب العالمين، اللهم ارزقه البطانة الصالحة.
اللهم حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، واجعلهم من الراشدين يا رب العالمين.
اللهم وفق المسلمين جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها إلى ما تحب وترضى يا رب العالمين.
اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، والمستضعفين في أرضك، تحت كل سماء وفوق كل أرض، يا رب العالمين.
اللهم احفظ على المسلمين عقيدتهم، اللهم احفظ على المسلمين عقيدتهم، واحفظ عليهم دينهم وأمنهم وإيمانهم يا رب العالمين.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
عباد الله! ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
стр. 166
واقع المسلمين آلام وآمال
إن الناظر إلى واقع المسلمين اليوم، وواقع المسلمين بالأمس يرى الفرق الشاسع بين الفريقين، ففي الأمس فتوحات وانتصارات، وتمكين في الأرض، وإعلاء لكلمة الله في مشارق الأرض ومغاربها، واليوم تهراق دماء المسلمين في كل مكان، وتنتهك أعراضهم، وتٌدنس مقدساتهم ولكن كما يقول الشاعر:
لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي
стр. 167
حال الناس قبل البعثة وبعدها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، ومصطفاه من خلقه، ومجتباه من رسله، ﷺ وبارك عليه وعلى آله وصحبه، الذين كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً.
فالموفق من عرف لهم فضلهم، واتبعهم في آثارهم، وتمسك بأخلاقهم وآدابهم فرضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها المسلمون في بلد الله الحرام! إخوة العقيدة والإيمان في كل مكان: أوصيكم ونفسي بتقوى الله ؛ فإن تقواه جل وعلا أفضل عدة وأربح بضاعة، وخير زادٍ في المعاش والمعاد.
أمة الإسلام: ما أكرم الله أمة من الأمم، بمثل ما أكرم به هذه الأمة، أمة محمدٍ ﷺ ، وقد منَّ عليها بأعظم منة، وأنعم بأكبر نعمة، ألا وهي نعمة الإسلام وبعثة محمدٍ ﷺ ، خير الأنام، وقد كان الناس قبله في جاهلية وضلال، عقائدهم شركٌ ووثنية، أفكارهم زيفٌ وجهلٌ وسطحية، أخلاقهم ظلمٌ وبغيٌ وجور وتسلطٌ وانتقام، حياتهم قلقٌ وخوفٌ واضطراب، وفوضى وإرهاب، الدماء تسفك لأتفه الأسباب، الأعراض منتهكة، الفرقة سائدة، الأخلاق متردية إلى أن أذن الله جل في علاه بانبثاق فجر الإسلام وبزوغ شمسه، ببعثة محمد ﷺ ، بهذا الدين القويم، فأخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، بصر به بعد العمى، وهدى به بعد الضلالة، وأرشد به بعد الغواية، وعلم به بعد الجهالة، وجمع به بعد الشتات والفرقة، بعثه بالهدى ودين الحق، دين السعادة والسيادة والرفعة والنصر والقوة، لا خير إلا دل عليه وأمر به، ولا شر إلا حذر منه ونهى عنه، تكفل الله لمن تمسك به وسار على نهجه؛ ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.
стр. 168
حال الأمة الإسلامية في صدر الإسلام
إخوة الإسلام: وبالرجوع إلى الوراء قليلاً والتأمل في أمجاد هذه الأمة، والنظر في حال الأمة الإسلامية في صدر الإسلام، وعصر القرون المفضلة، وما سطره التاريخ الإسلامي المجيد بأحرف الذهب على الصفحات المشرقة، يوم أن كانت الأمة الإسلامية متمسكة بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
شعارها العز والمجد، وسلاحها الإيمان والصدق، نصرت كتاب الله فنصرها الله، صدقت مع الله فصدقها الله وعده، فتحت البلاد وأصلحت العباد، وأرهبت الأعداء، ودانت لها الأمم والشعوب، ودكت عروش الباطل وصروح الكفر، فدخل الناس في دين الله أفواجاً، ورفرفت راية التوحيد على أقطار المعمورة.
اسألوا التاريخ ماذا قدم المسلمون في بدر والأحزاب وفتح مكة؟! وفي اليرموك والقادسية، وفي حطين وعين جالوت وغيرها من معارك المسلمين؟!
بأي سلاح انتصروا! وبأي قلوبٍ خاضوا المعارك! ثم انظروا بعين البصيرة أوضاعكم، وارقبوا أحوالكم، وقارنوا بين ماضيكم العريق وواقعكم الغريق.
стр. 169
حال الأمة الإسلامية الآن
أمة الإسلام: ويدور الزمان وتمر القرون، وتنصرم الأعوام، والأمة الإسلامية بين مدٍ وجزر، بين صحوة وكبوة، بين يقظة وغفلة، تتمسك بدينها، وتعلي كتاب ربها وسنة نبيها ﷺ فينصرها ربها، ويعزها ويذل أعداءها، وتغرق في الشهوات وتنغمس في الضلالات، وتنسى شرع ربها فينساها مولاها، ويتخلى عنها، ويكلها إلى نفسها، ويسلط عليها أعداءها إلى أن تراجع دينها.
وتمر الأيام وتخلف الخلوف، وتبحر سفينة الحياة إلى أن ترسو على شاطئ عالمنا المعاصر، وزماننا الحاضر وواقعنا المشاهد، بأحداثه وآلامه، بأحواله المبكية ووقائعه المؤلمة، وأوضاعه المتردية، فتنٌ كقطع الليل المظلم متعاقبة، ومحنٌ متتابعة، عقائد خاطئة، وأفكارٌ زائفة، وأخلاقٌ ساكنة، وحروبٌ طاحنة، وأحزابٌ متناحرة، وفرقة متأصلة، بلادٌ مغصوبة، وحقوقٌ مسلوبة، ودماء مسفوكة، الأعداء متطاولون، والمسلمون مستضعفون، والأشقاء متناحرون، والألداء يتفرجون.
حتى أصبح العالم الإسلامي في وضعٍ لا يحسد عليه، أصبح مسرحاً لكل مشكلة، ومأوى لكل معضلة، فكل يومٍ نسمع أحداثاً ضد المسلمين وضد بلادهم، ضد مبادئهم وقيمهم ومقدساتهم، مما تتفطر منه الأكباد، وتدمى له القلوب، وتبكي له العيون، ومما يزيد في هم المسلم المتابع لأحداث أمته، المتألم لآلامها.
أن هذه المشكلات، أصبحت أمراً مألوفاً عند كثيرٍ من الناس، فلا يسعون لتغيير، ولا يجدون في إصلاح، ولا يأخذون بتأمل حاضر العالم الإسلامي وواقعه المؤلم الذي لا تترجم عنه الكلمات، وهو معلومٌ لكل مهتمٍ بقضايا أمته، ومتابعٍ لأخبارها، وحينما يقلب المسلم صفحات هذا الواقع، يجد جوانب متعددة، تطلب العلاج الناجع بإلحاح، ولا سيما الجوانب المتعلقة بأصول هذا الدين وأسسه، ونواحي الحياة الأخرى، على مختلف الأصعدة، خاصة ما يتعلق بالجوانب التربوية والأخلاقية والتعليمية والإعلامية، كذلك ما يتعلق بأوضاع المسلمين في بقاع كثيرة من العالم الإسلامي، ولا سيما في فلسطين المسلمة، وأفغانستان المجاهدة وغيرها من البلاد التي يقطنها المسلمون وهم أقلية مستضعفة، ومن ناحية أخرى الزحف الهائل من الأفكار الهدامة، والمبادئ المنحرفة، والقوى المتآمرة على ديننا، من الملحدين الشيوعيين، ومن إخوان القردة والخنازير اليهود، ومن المنصريين وغيرهم.
ومما يتعلق أيضاً بأوضاع عدة هذه الأمة، وعماد نهضتها، وهم شبابها وما يعيش فيه أكثرهم اليوم من حياة اللهو والمجون والفراغ، وكذلك وضع المرأة المسلمة، المستهدفة في أخلاقها وآدابها، وما يخص تربيتها على كتاب ربها وسنة نبيها على الخير والفضيلة، والعفاف والستر والحياء والحشمة، ولا سيما مع السيل الجرار من حركات السفور والتبرج والاختلاط، التي اجتاحت العالم الإسلامي حتى أصبحت المرأة المسلمة سلعة للعابثين وسوقاً للمغرضين.
стр. 170
العلاج الناجع لواقع الأمة الإسلامية المؤلم
تلك -يا إخوة العقيدة- جولة سريعة في أوضاع أمتنا، وقد تشخص الداء، وعرفت أسبابه، التي يجمعها الإعراض عن ديننا وإسلامنا وعن كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ ، ولكن من المسئول عما حدث للمسلمين؟ على من تقع مسئولية النهوض بالأمة من كبوتها؟
من المسئول عن إصلاح سفينة الأمة التي تتقاذفها الأمواج من هنا وهناك؟!
ما العلاج الناجع لكل ما حدث ويحدث؟
إن المسئولية -يا إخوة الإسلام- تقع على عاتق كل منتسبٍ لهذا الدين، الكل طبيبٌ في أمراض أمته، ما دمنا شعرنا بفساد الوضع، وتدهور الموقف وخطورته، يجب علينا أن نتحرك جميعاً في سبيل الإصلاح، لا نلقي بالتبعة على غيرنا، ولا نتخلى عن المسئولية، كلٌ في مجال اختصاصه، وما أتيح له من إمكانات، كلٌ على حسب قدرته واستطاعته، القائد والمعلم، العالم والداعية، والموظف والتاجر، الشاب والمرأة، كلهم على ثغراتٍ من ثغور الإسلام، إسلامكم -أيها المسلمون- رأس مالكم، كلٌ يربي نفسه وأسرته وأولاده، يؤثر في محيطه ويتفاعل مع مجتمعه، إنني أناشد في المسلمين غيرتهم وشهامتهم وكرامتهم.
أملنا في الله كبير، وفألنا عظيم أن تعود الأمة من ذلٍ إلى عزة، ومن هزيمة إلى نصر، ثم أملنا بعد الله معقودٌ على قادة الأمة الإسلامية، الذين تتطلع آمال الأمة الإسلامية، وتتجه أنظارهم صوب اجتماعهم القريب وتشرئب أعماق الشعوب الإسلامية، إلى مؤتمرهم العظيم، فهم معه ملء السمع والبصر، ينتظرون بفارغ الصبر نتائجه الخيرة، وثماره المباركة، التي سيكون فيها بإذن الله جمع الكلمة ووحدة الصف وتحرير المقدسات، وحقن الدماء وإعزاز مواقف المسلمين.
يا قادة الأمة! يا زعماء المسلمين! دعواتنا من بيت الله الحرام، من أطهر بقعة على وجه الأرض، من هذه البقعة المباركة باسم كل مسلمٍ غيورٍ على دينه وبلاده، بملئ أفواهنا ومن أعماق قلوبنا ندعو الله أن يكلل مساعيكم بالنجاح، وما فيه خير الإسلام والمسلمين، وأن يرزقكم الصدق في الأقوال والأفعال، وأن يدلكم على الخير، ويجعلكم من أنصار الحق والعدل والسلام؛ لتنقذوا أمتكم، وشعوبكم من الظلم والبغي، والذل والهوان، ولتعيدوا لهذه الأمة مجدها التليد، وعزها الغابر وكرامتها المفقودة، فوصيتنا تقوى الله ، ونصرة دينه وتحكيم شريعته، والصدق معه، وتأييد جنده وحزبه، والمجاهدين في سبيله، وجمع الكلمة وتوحيد الصفوف، ولينصرن الله من ينصره: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠].
اللهم بارك لنا في القرآن العظيم، وانفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 171
جهل بعض الناس بآداب الحرم
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.
أما بعد:-
أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى، واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله.
أيها الإخوة في الله: يقضي كثيرٌ من المسلمين في هذه الأيام ولا سيما الطلاب وأسرهم، فترةً من الإجازة والراحة بعد شطر عامٍ دراسي، وإن مما يبهج النفس ويسر الخاطر، أن كثيراً منهم يقضون هذه الأيام في رحاب بيت الله الحرام؛ لأداء العمرة، ولكن مما يؤسف له أن بعضهم يجهل آداب هذا الحرم، وينتهك قدسية هذا المكان، شعر أو لم يشعر.
فمن ذلك أن بعض الناس -هداهم الله- يرتكب ألواناً من المعاصي والمنكرات حوله، ويقع في كثيرٍ من المخالفات فيه، ومن ذلك أن بعض الناس يؤذي المسلمين ويزاحمهم بالقول والفعل ويكدر عليهم صفو عبادتهم وخشوعهم بإزعاج أطفاله وما إلى ذلك.
وأعظم من ذلك ما تقع فيه بعض النساء -هداهن الله- من التبرج بالزينة، وعدم الحجاب وأخذ كامل الزينة والتعطر بألوان الروائح والطيب، والتحلي بالحلي واللباس الفاتن، إذا أتت للحرم وهذا منافٍ لما عليه المرأة المسلمة.
أيتها المسلمات: يجب على المرأة إذا أتت إلى هذا المكان، ورأت الرجال أن تحتجب حجاباً شرعياً كاملاً بتغطية وجهها وكفيها، وإلا فقد عرضت نفسها لسخط الله، ومن الغبن أن تأتي المرأة للأجر فتعود بالإثم والوزر.
فاتقين الله -أيتها النساء- واتقوا الله يا أولياء أمور النساء، خذوا على أيدهن، ومروهن بالحق والواجب عليهن، واتقوا الله يا أمة الإسلام، وتوبوا إليه؛ لعلكم تفلحون.
وصلوا وسلموا رحمكم الله على نبي الرحمة والهدى كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واحمِ حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمامنا خادم الحرمين الشريفين إلى ما تحب وترضى، اللهم هيئ له البطانة الصالحة التي تدله على الخير إذا ذكر، وتذكره إذا نسي يا رب العالمين.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكانٍ يا رب العالمين، اللهم خذ بأيديهم، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم اجمع كلمتهم، ووحد صفوفهم يا رب العالمين.
اللهم وفق قادة الأمة الإسلامية إلى الاجتماع على الإسلام الحق، إلى تحكيم كتابك واتباع سنة نبيك ﷺ ، اللهم وفق المسلمين قاطبة إلى ما تحب وترضى يا ذا الجلال والإكرام.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فاذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 172
وداعاً رمضان
إن شهر رمضان المبارك يعود الإنسان على القيام بعبادة ربه والاستمرار على طاعته ، ويغرس الرحمة في نفوس المؤمنين، ويدر الصدقة على الفقراء والمساكين، ولوداع رمضان كيفية وصفة، وينبغي علينا بعده المداومة على الطاعة والقربة.
стр. 173
الاستمرار على العبادة حتى الموت
الحمد لله الذي أتم إحسانه على عباده المؤمنين، وأفاض من رحماته على المذنبين، أحمده سبحانه وأشكره على جوده وفضله العظيم، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أشرف الأنبياء والمرسلين، وسيد الأولين والآخِرين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا لله ربكم، وأطيعوه في سركم وعلنكم، وراقبوه في جميع زمنكم، واشكروه أن وفقكم لإكمال شهر الصيام، فلقد مضى وانقضى، وهو شاهد للمحسنين بإحسانهم، وعلى العاصين بعصيانهم، اللهم اجعله شاهداً لنا وشفيعاً، ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين!
عباد الله: ودَّع المسلمون شهر رمضان المبارك، بعد أن صاموا نهاره، وقاموا ما تيسر من ليله، وأقبلوا على تلاوة كتاب الله، ولازموا فعل الخيرات، وعمل الصالحات قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف:٣٠].
إنه إنْ ودَّع المسلمون أيامَ هذا الشهر الكريم، فينبغي ألا يودِّعوا ما أودَعوا فيه من الأعمال الصالحة؛ وذلك يكون باستشعار آثار الصيام على الفرد وعلى الأمة.
فالتقوى! تلكم الكلمة الجامعة التي ختم الله بها آية الأمر بالصيام، يجب ألا يُغفَل عنها بعد انقضاء شهر الصيام، وأن تبقى شعاراً لأعمال الأفراد والأمم، إن ما يعطيه الصيام من دروس في الصبر والتضحية والوحدة والمواساة، والتضامن والإخاء والألفة والمودة، والعطف وغيرها، يجب أن يستمر عليها المسلمون، وأن تُرى متمثلةً في حياة الأمة الإسلامية، وما تدنَّى واقعُ الأمة إلا لَمَّا جعلت للطاعة وقتاً وللمعصية أوقاتاً، وللخير والفضيلة زمناً، وللشر والرذيلة أزماناً، عند ذاك -يا عباد الله- لم تعمل مناسبات الخير ومواسم الرحمة والبر عملها في قلوب الناس، ولم تُجْدِ في حل مشكلات الأمة، والإصلاح من حالها، والرفع من مستواها.
إخوة الإسلام: إن استقامة المسلم على عبادة الله ليس لها غاية إلا الموت، فلا تخصَّص بزمان ولا مكان، ولا مرحلة من العُمُر، قال الحسن البصري ﵀: لا يكون لعمل المؤمن أجلٌ دون الموت، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩].
فاحذروا -إخوة الإسلام- الرجوع إلى المعاصي بعد رمضان، فالإله الذي يُصام له ويُعبَد في رمضان هو الإله في جميع الأزمان، وبئس القوم الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان، فإذا انسلخ هجروا المساجد، واعتزلوا المصاحف، وأعرضوا عن طاعة الله ، وأقبلوا على معاصيه.
أيها المسلمون: اتقوا الله ولا تهدموا ما بنيتم في شهر رمضان من الأعمال الصالحة، فإن من علامة قبول الحسنة: إتباعها بالحسنة، ومن أمارات ردها: إتباعها بالسيئة.
стр. 174
عداوة الشيطان
واعلموا -عباد الله- أن عدوكم الشيطان كان مصفداً مهاناً في شهر رمضان، لا يخلُص إلى ما كان يخلُص إليه من قبل، واليوم وقد رحل رمضان، وأُطْلِق سراح هذا العدو، فإنه يصدُّكم عن طاعة ربكم، ويفتنُكم عن دينكم، ويفسدُ ما صلح من أحوالكم، ولقد أخذ بثأره -أعاذنا الله منه- فأغوى أقواماً وأضلهم عن الصراط المستقيم، فأضاعوا بعد رمضان الجُمَع والجماعات، وهجروا كتاب الله، وشغلوا أوقاتهم بالشر والرذيلة في تجمعات فاتنة، وسهرات ماجنة، وأسفار مريبة إلى بقاع لا تؤمن بالله رباً، وبالإسلام ديناً، ومحمد ﷺ نبياً ورسولاً.
فاحذروا -عباد الله- عدوَّكم وأعوانَه من شياطين الجن والإنس، وجاهدوه وقاوموه في السَّنَة كلها، بل في العُمُر كله.
стр. 175
صيام ست من شوال
أيها المسلمون: إن من نعم الله على عباده أن والى عليهم العبادات، وتابعَ عليهم الطاعات من الفرائض والنوافل، فإن انتهى صوم الفريضة بشهر رمضان فصوم التطوع بابه مفتوح ومجاله واسع.
ومما يخص هذا الشهر: صيام ستة أيام بعده، فقد جاء في السنة بترغيب الناس في ذلك، وبيان الثواب العظيم فيه، قال ﷺ : ﴿من صام رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر﴾ أخرجه الإمام مسلم وغيره عن أبي أيوب ﵁.
وذلك لأن صيام شهر رمضان عن صيام عشرة شهور في الأجر، وصيام ستة أيام من شوال عن صيام شهرين، فبذلك يحصل لمن صامها أجر صيام الدهر كله، ولا فرق بين أن يتابعها أو يفرقها في الشهر، ولا بأس أن يصوم سنة ويترك أخرى، فالأمر لا يعدو كونه سُنَّة.
أيها المسلمون: لا تفوتوا على أنفسكم هذه الفضيلة، فلا يدري أحدُنا هل يدركه عام آخر أو لا، وكلنا بحاجة ماسة إلى سد ما نقص من صيامنا بصيام التطوع.
اللهم وفقنا لفعل الخيرات، وترك المنكرات، وبارك لنا في القرآن العظيم، وانفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وقنا برحمتك عذاب الجحيم، وثبتنا على الصراط المستقيم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 176
دعوة إلى ترك المعاصي
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً.
أما بعد:
أيها المسلمون: اتقوا الله ، وتوبوا إليه واستغفروه، واشكروه على آلائه، واستقيموا على طاعته في جميع الأزمان، وتذكروا -رحمكم الله- بانقضاءِ شهرِ رمضان، ومرورِ الليالي والأيامِ بلوغَ آجالِكم، وتصرُّمَ أعمارِكم، وقدومَكم على ربِّكم ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر:٣٩ - ٤٠].
فاتقوا الله أيها المسلمون! واتقوا الله يا من عزمتم على المعاصي بعد رمضان، فربُّ الشهور واحد، وهو على أعمالكم رقيب ولها مشاهد، وإن العودة إلى ارتكاب المحرمات وترك الواجبات بعد رمضان جحود بنعمة الله سبحانه؛ حيث وفق للطاعة، وإكمال عدة الصيام، ومَن عَزَمَ على العودة إلى المعاصي فذلك دليل على ضعف الإيمان، وأمارة على رد عمله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣].
واعلموا -عباد الله- أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.
وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على نبي الرحمة والهدى كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على إمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وارضَ عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين!
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واستعمل على المسلمين في كل زمان ومكان خيارهم، يا أرحم الراحمين!
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، وألِّف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، واهدِهِم سبل الرشاد، يا أرحم الراحمين!
اللهم جنبهم الفواحش والفتن، ما ظهر منها وما بطن.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يُعَز فيه أهل طاعتك، ويُذَل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر، يا رب العالمين!
اللهم أيد بالحق إمامنا، اللهم أعزه بالإسلام، اللهم اجعل عمله في رضاك يا أرحم الراحمين!
اللهم هيئ له البطانة الصالحة التي تدله على الخير إذا ذكر وتعينه عليه، وتحذره من الشر، يا أرحم الراحمين!
اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم.
اللهم وفق المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى العودة السابقة إلى دينك القويم، يا رب العالمين!
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 177
وقفة مع نهاية العام
ديننا الإسلامي يحذرنا من الدنيا، لأنها متعة تفوت متعة أكبر منها وأعظم وأجل.
فعلى المسلم أن يقف من الدنيا على حذر، وأن يتعظ بحوادثها، وأن يحاسب نفسه فيها كما يحاسب التاجر شريكه، فالمؤمن تاجر وعمره رأس ماله.
ولنا في كل عام يمر علينا أحداث، يجب أن نتفكر بها، ونتعظ منها.
стр. 178
حال الدنيا
الحمد لله جعل في تعاقب الليالي والأيام عبرا، وفي تصرم الشهور والأعمار نذرا، أحمده تعالى وأشكره على نعم تترى، وعلى منن لا نطيق لها حصرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تكون لنا يوم المعاد ذخرا، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله المخصوص بالفضائل الكبرى، والمبعوث إلى الخليقة طُرا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أطيب الخليقة ذكرا، وأرفعهم قدرا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله ؛ فإن تقواه سبحانه وصيته جل وعلا للأولين والآخرين من عباده، يقول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١].
عباد الله: وقفات تساؤل تتبعها لحظات تأمل، تعقبها وقفات محاسبة، ونحن نعيش في ختام هذا العام.
عباد الله! أرأيتم إلى الشمس كل يوم تطلع من المشرق وتجري إلى أن تغرب، أرأيتم عباد الله إلى القمر يهل صغيراً ثم ينمو رويداً رويداً حتى يكون بدراً متكاملاً ثم يأخذ نموه بالنقص والاضمحلال، ألم تروا عباد الله إلى المطر ينزل على الأرض الهامدة فتزهو وتخضر ثم ما تلبث أن تكون هشيماً يابساً، ترى الزهرة متفتحة فواحة الشذى فما تلبث أن تذبل وتعبث بها عوامل الردى، ترى الشاب يمتلئ حيوية ونضارة، فما يلبث أن يشيب ويهرم، وتلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
هذه حال الدنيا يا عباد الله! التي يستغرق فيها بعض الناس ويضيعون الآخرة، لينالوا بعض متاع هذه الحياة الدنيا، مع غرور طول الأمل ونشوة الفرح والانشغال بالأموال والأولاد، هذه هي الدنيا لا راحة فيها ولا اطمئنان، ولا ثبات ولا استقرار، حوادثها كثيرة، والناس عنها في شغال، عبرها غفيرة والناس عنها غافلون: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء:١ - ٣] طلوع وأفول، ودول تبنى وأخرى تزول، وممالك تشاد وأخرى تباد، ومدن تعمر وأخرى تدمر، وسبحان من يغير ولا يتغير! فواعجباً لهذه الدنيا كيف خدع بها الناس وهي كغمضة عين أو لمحة بصر أو ومضة برق! كيف غرهم طول الأمل فيها! وهي كما أخبر الله سبحانه لعب ولهو وزينة وتكاثر وتفاخر، سراب خادع، وبريق لامع، لكنها سيف قاطع، كم أذاقت بؤسا، وكم جرعت غصصا، وكم أذاقت نغصا، كم أحزنت فرحا، وأبكت مرحا، وكدرت صفوا، وشابت معينا.
سرورها مشوب بالحزن، وفقرها مشوب بالكدر، ساحرة غرارة، خادعة مكارة، كم هرم فيها من صغير، وذلَّ فيها من عزيز، وتلف فيها من وزير، وفقر فيها من غني، أحوالها متبدلة، وشئونها متغيرة، فلا ترى فيها إلا راحلاً إثر راحل، وهالكاً خلف هالك، ما هي إلا أيام معدودة، وأنفاس محدودة، وآجال مضروبة، وأعمال محسوبة، وإن طالت في نظر المخدوعين بزخرفها، المفتونين بشهواتها، الراكنين إلى لهوها وغرورها.
стр. 179
نظرة الإسلام إلى الحياة الدنيا
أمة الإسلام: إن منهج ديننا الحنيف وموقفه من هذه الحياة الدنيا ونظرته إليها لا تكاد تخفى على كل من قرأ كتاب الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر:٥] ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ﴾ [الحديد:٢٠] ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر:٣٩] ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤].
إخوة الإيمان: وأما سنة الحبيب المصطفى والرسول المجتبى عليه صلوات الله وسلامه، ففيها المنهج العملي الذي ينبغي أن يسلكه المسلم في هذه الحياة، روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ قال: ﴿أخذ النبي ﷺ بمنكبي وقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل﴾ وكان ابن عمر ﵁ يقول: [[إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء]] وهذا الحديث العظيم أصل في قصر الأمل في هذه الحياة، حتى لكأن الإنسان فيها على جناح سفر يتهيأ للرحيل، الله أكبر! ويقول ﷺ فيما رواه الترمذي وغيره: ﴿ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها﴾ ومن وصايا عيسى ﵇ لأصحابه قوله: [[الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها]] وقال ﵇: [[من ذا الذي يبني على موج البحر داراً، تلكم الدنيا فلا تتخذوها قراراً]] وقيل لنوح ﵇: يا أطول الأنبياء عمراً كيف رأيت الدنيا؟ قال ﵇: [[كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر]].
وعلى هذا النهج سار سلف هذه الأمة ﵏، يقول علي بن أبي طالب ﵁: [[إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل بلا حساب وغداً حساب ولا عمل]] وخطب عمر بن عبد العزيز ﵀ فقال: [[إن الدنيا ليست بدار قرار، كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها فيها الضعن، فكم من عامر عما قريب يخرب، وكم من مقيم مغتبط عما قليل يضعن، كأن الموت فيها على غير ما كتب، وكأن الفناء فيها على غير ما وجد، وكأن الذي نودع إلى القبور سُفُرٌ عما قليلٍ إلينا راجعون]] وقال بعض السلف لأصحابه: انطلقوا معي حتى أريكم الدنيا، فذهب بهم إلى المزبلة، فقال: انظروا إلى الدنيا وما فيها.
стр. 180
ذهاب عام شاهد لنا أو علينا
أيها الإخوة المسلمون: إنني أذكر بهذا الموضوع المهم، وتلك القضية المهمة، ونحن في هذه الأيام نعيش في وداع العام الذي تصرمت أيامه، وقوضت خيامه، وبالأمس القريب كنا نستقبله، واليوم وبهذه السرعة الخاطفة نودعه، وهو شاهد لنا أو علينا بما أودعناه من أعمال، عام مضى وانقضى من أعمارنا ولن يعود إلى يوم القيامة، فهل يكون ذلك مذكراً لنا بسرعة زوال هذه الدنيا، يقول الحسن البصري ﵀: [[ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم، أنا يوم جديد وعلى عملك شهيد، فتزود فيَّ بعمل صالح فإني لا أعود إلى يوم القيامة]] أيام تمر وتنقضي، وسنوات تفر وتنتهي، ونحن غافلون وفي ثوب السنة سادرون، والإنسان -كما تعلمون- بين مخافتين: بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وبين آجل قد بقي لا يدري ما الله قاضٍ فيه.
إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل أيامنا يدني من الأجل
كل امرئٍ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
النفس تبكي على الدنيا وقد علمت أن السلامة فيها ترك ما فيها
فلا الإقامة تنجي النفس من تلفٍ ولا الفرار من الأحداث ينجيها
وكل نفس لها دور يصبحها من المنية يوماً أو يمسيها
следующие страницы →