← Джавами‘

Джавами‘ · id 7738

دروس للشيخ عبد الرحمن السديس

عبد الرحمن السديس

Полный текст (1 023 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

دعوة إلى ترك المعاصي الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله ، وتوبوا إليه واستغفروه، واشكروه على آلائه، واستقيموا على طاعته في جميع الأزمان، وتذكروا -رحمكم الله- بانقضاءِ شهرِ رمضان، ومرورِ الليالي والأيامِ بلوغَ آجالِكم، وتصرُّمَ أعمارِكم، وقدومَكم على ربِّكم ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر:٣٩ - ٤٠]. فاتقوا الله أيها المسلمون! واتقوا الله يا من عزمتم على المعاصي بعد رمضان، فربُّ الشهور واحد، وهو على أعمالكم رقيب ولها مشاهد، وإن العودة إلى ارتكاب المحرمات وترك الواجبات بعد رمضان جحود بنعمة الله سبحانه؛ حيث وفق للطاعة، وإكمال عدة الصيام، ومَن عَزَمَ على العودة إلى المعاصي فذلك دليل على ضعف الإيمان، وأمارة على رد عمله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣]. واعلموا -عباد الله- أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على نبي الرحمة والهدى كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على إمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وارضَ عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واستعمل على المسلمين في كل زمان ومكان خيارهم، يا أرحم الراحمين! اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، وألِّف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، واهدِهِم سبل الرشاد، يا أرحم الراحمين! اللهم جنبهم الفواحش والفتن، ما ظهر منها وما بطن. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يُعَز فيه أهل طاعتك، ويُذَل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر، يا رب العالمين! اللهم أيد بالحق إمامنا، اللهم أعزه بالإسلام، اللهم اجعل عمله في رضاك يا أرحم الراحمين! اللهم هيئ له البطانة الصالحة التي تدله على الخير إذا ذكر وتعينه عليه، وتحذره من الشر، يا أرحم الراحمين! اللهم انصر المجاهدين في سبيلك، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم. اللهم وفق المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى العودة السابقة إلى دينك القويم، يا رب العالمين! رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 177

وقفة مع نهاية العام ديننا الإسلامي يحذرنا من الدنيا، لأنها متعة تفوت متعة أكبر منها وأعظم وأجل. فعلى المسلم أن يقف من الدنيا على حذر، وأن يتعظ بحوادثها، وأن يحاسب نفسه فيها كما يحاسب التاجر شريكه، فالمؤمن تاجر وعمره رأس ماله. ولنا في كل عام يمر علينا أحداث، يجب أن نتفكر بها، ونتعظ منها.

стр. 178

حال الدنيا الحمد لله جعل في تعاقب الليالي والأيام عبرا، وفي تصرم الشهور والأعمار نذرا، أحمده تعالى وأشكره على نعم تترى، وعلى منن لا نطيق لها حصرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تكون لنا يوم المعاد ذخرا، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله المخصوص بالفضائل الكبرى، والمبعوث إلى الخليقة طُرا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أطيب الخليقة ذكرا، وأرفعهم قدرا، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله ؛ فإن تقواه سبحانه وصيته جل وعلا للأولين والآخرين من عباده، يقول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]. عباد الله: وقفات تساؤل تتبعها لحظات تأمل، تعقبها وقفات محاسبة، ونحن نعيش في ختام هذا العام. عباد الله! أرأيتم إلى الشمس كل يوم تطلع من المشرق وتجري إلى أن تغرب، أرأيتم عباد الله إلى القمر يهل صغيراً ثم ينمو رويداً رويداً حتى يكون بدراً متكاملاً ثم يأخذ نموه بالنقص والاضمحلال، ألم تروا عباد الله إلى المطر ينزل على الأرض الهامدة فتزهو وتخضر ثم ما تلبث أن تكون هشيماً يابساً، ترى الزهرة متفتحة فواحة الشذى فما تلبث أن تذبل وتعبث بها عوامل الردى، ترى الشاب يمتلئ حيوية ونضارة، فما يلبث أن يشيب ويهرم، وتلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً. هذه حال الدنيا يا عباد الله! التي يستغرق فيها بعض الناس ويضيعون الآخرة، لينالوا بعض متاع هذه الحياة الدنيا، مع غرور طول الأمل ونشوة الفرح والانشغال بالأموال والأولاد، هذه هي الدنيا لا راحة فيها ولا اطمئنان، ولا ثبات ولا استقرار، حوادثها كثيرة، والناس عنها في شغال، عبرها غفيرة والناس عنها غافلون: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء:١ - ٣] طلوع وأفول، ودول تبنى وأخرى تزول، وممالك تشاد وأخرى تباد، ومدن تعمر وأخرى تدمر، وسبحان من يغير ولا يتغير! فواعجباً لهذه الدنيا كيف خدع بها الناس وهي كغمضة عين أو لمحة بصر أو ومضة برق! كيف غرهم طول الأمل فيها! وهي كما أخبر الله سبحانه لعب ولهو وزينة وتكاثر وتفاخر، سراب خادع، وبريق لامع، لكنها سيف قاطع، كم أذاقت بؤسا، وكم جرعت غصصا، وكم أذاقت نغصا، كم أحزنت فرحا، وأبكت مرحا، وكدرت صفوا، وشابت معينا. سرورها مشوب بالحزن، وفقرها مشوب بالكدر، ساحرة غرارة، خادعة مكارة، كم هرم فيها من صغير، وذلَّ فيها من عزيز، وتلف فيها من وزير، وفقر فيها من غني، أحوالها متبدلة، وشئونها متغيرة، فلا ترى فيها إلا راحلاً إثر راحل، وهالكاً خلف هالك، ما هي إلا أيام معدودة، وأنفاس محدودة، وآجال مضروبة، وأعمال محسوبة، وإن طالت في نظر المخدوعين بزخرفها، المفتونين بشهواتها، الراكنين إلى لهوها وغرورها.

стр. 179

نظرة الإسلام إلى الحياة الدنيا أمة الإسلام: إن منهج ديننا الحنيف وموقفه من هذه الحياة الدنيا ونظرته إليها لا تكاد تخفى على كل من قرأ كتاب الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر:٥] ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ﴾ [الحديد:٢٠] ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر:٣٩] ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤]. إخوة الإيمان: وأما سنة الحبيب المصطفى والرسول المجتبى عليه صلوات الله وسلامه، ففيها المنهج العملي الذي ينبغي أن يسلكه المسلم في هذه الحياة، روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵄ قال: ﴿أخذ النبي ﷺ بمنكبي وقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل﴾ وكان ابن عمر ﵁ يقول: [[إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء]] وهذا الحديث العظيم أصل في قصر الأمل في هذه الحياة، حتى لكأن الإنسان فيها على جناح سفر يتهيأ للرحيل، الله أكبر! ويقول ﷺ فيما رواه الترمذي وغيره: ﴿ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها﴾ ومن وصايا عيسى ﵇ لأصحابه قوله: [[الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها]] وقال ﵇: [[من ذا الذي يبني على موج البحر داراً، تلكم الدنيا فلا تتخذوها قراراً]] وقيل لنوح ﵇: يا أطول الأنبياء عمراً كيف رأيت الدنيا؟ قال ﵇: [[كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر]]. وعلى هذا النهج سار سلف هذه الأمة ﵏، يقول علي بن أبي طالب ﵁: [[إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل بلا حساب وغداً حساب ولا عمل]] وخطب عمر بن عبد العزيز ﵀ فقال: [[إن الدنيا ليست بدار قرار، كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها فيها الضعن، فكم من عامر عما قريب يخرب، وكم من مقيم مغتبط عما قليل يضعن، كأن الموت فيها على غير ما كتب، وكأن الفناء فيها على غير ما وجد، وكأن الذي نودع إلى القبور سُفُرٌ عما قليلٍ إلينا راجعون]] وقال بعض السلف لأصحابه: انطلقوا معي حتى أريكم الدنيا، فذهب بهم إلى المزبلة، فقال: انظروا إلى الدنيا وما فيها.

стр. 180

ذهاب عام شاهد لنا أو علينا أيها الإخوة المسلمون: إنني أذكر بهذا الموضوع المهم، وتلك القضية المهمة، ونحن في هذه الأيام نعيش في وداع العام الذي تصرمت أيامه، وقوضت خيامه، وبالأمس القريب كنا نستقبله، واليوم وبهذه السرعة الخاطفة نودعه، وهو شاهد لنا أو علينا بما أودعناه من أعمال، عام مضى وانقضى من أعمارنا ولن يعود إلى يوم القيامة، فهل يكون ذلك مذكراً لنا بسرعة زوال هذه الدنيا، يقول الحسن البصري ﵀: [[ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم، أنا يوم جديد وعلى عملك شهيد، فتزود فيَّ بعمل صالح فإني لا أعود إلى يوم القيامة]] أيام تمر وتنقضي، وسنوات تفر وتنتهي، ونحن غافلون وفي ثوب السنة سادرون، والإنسان -كما تعلمون- بين مخافتين: بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وبين آجل قد بقي لا يدري ما الله قاضٍ فيه. إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل أيامنا يدني من الأجل كل امرئٍ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله النفس تبكي على الدنيا وقد علمت أن السلامة فيها ترك ما فيها فلا الإقامة تنجي النفس من تلفٍ ولا الفرار من الأحداث ينجيها وكل نفس لها دور يصبحها من المنية يوماً أو يمسيها

стр. 181

الاتعاظ بحوادث الدنيا أمة الإسلام: إنه ليجدر بالعاقل الذي يرى ويسمع حلول حوادث الموت، وأخبار الانتقال من هذه الدار، من القصور إلى القبور، حيث ضيق اللحود، ومراتع الدود، أن يفيق من سباته، وأن يستيقظ من رقاده، وأن يتذكر الموت وشدته، وأن يتدارك لحظاته؛ فإن الموت الذي تخطانا إلى غيرنا سيتخطى غيرنا إلينا، فلنأخذ حذرنا ولن يؤخر الله نفساً إذا أجلها. ثم لنتذكر أننا مسئولون -والله- عن أعمارنا وعن أوقاتنا، هلموا بنا عباد الله لنحاسب أنفسنا ونستلهم الدروس والعبر في ختام عامنا، ماذا قدمنا فيه من أعمال صالحة؟ دعونا لنتساءل عن عامنا كيف أمضيناه؟ وعن وقتنا كيف قضيناه؟ ولننظر في كتاب أعمالنا كيف طويناه؟ وفيه نبصر ما أسلفناه ونبين ما قدمناه، فإن كان خيراً حمدنا الله وشكرناه، وإن كان شراً تبنا إلى الله واستغفرناه. يا إخوة الإسلام: والله ليست الغبطة بالتمتع بالملذات، وليست السعادة في تناول المشتهيات، إن الخير كل الخير أن يوفق المسلم في ختام عامه إلى التوبة النصوح، وفتح صفحة جديدة من الأعمال الصالحة قبل أن تقول نفس: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦]. فاتقوا الله عباد الله! وحاسبوا أنفسكم، وتوبوا إلى ربكم من ذنوبكم، واحذروا التسويف فإن الموت يأتي بغتة، وهذا نداء إلى المفتونين في هذه الدنيا المضيعين لأوقاتهم في معصية الله أن يتقوا الله سبحانه، وأن يتداركوا أنفسهم قبل أن يعضوا أصابع الندم، وهمسة إلى المخدوعين بالبريق اللامع، والسراب الخادع، أن يعملوا لما أمامهم، فكفى غفلة يا عباد الله! وكفى إعراضاً والنذر تقرع القلوب وتأخذ بالألباب، ولكن الموفق من وفقه الله، فتدارك بقية عمره في طاعة الله.

стр. 182

حوادث العام والمآسي في الأمة أمة الإسلام: تعالوا بنا نتساءل عن أحوال أمتنا خلال عام، فلا تزال مآسي المسلمين مستمرة في كثير من بقاع العالم، ما هي أخبار أولى القبلتين وثالث المسجدين الشريفين؟ ما هي آخر أخبار إخواننا في جمهورية البوسة والهرسك؟ وما هي أنباؤهم في الشيشان؟ وما أخبارهم في كشمير؟ وفي كثير من البقاع، إن أحوالهم تشكى إلى الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل! مذابح رهيبة، ومجاعة مخيفة، وتشرد وتهجير، آلاف الرجال قتِّلوا، وآلاف النساء رمِّلن، وآلاف الأطفال يتموا، دماء جارية، وأعارض منتهكة، مساجد مهدمة، وبيوت مخربة، وأموال مغتصبة، ولا حول ولا قوة إلا بالله! إن كثيراً من إخواننا المسلمين يعيشون بلا مأوى ولا غذاء ولا كساء ولا ماء ولا دواء، يتحرك غير المسلمين، وتتحرك منظمات مشبوهة لكفالة أبناء المسلمين ونقلهم إلى خارج بلادهم، والمسلمون لا بواكي لهم، وإلى الله المشتكى ولا حول ولا قوة إلا بالله! إن إخوانكم المسلمين في بقاع كثيرة من العالم يشكون إلى الله ضعف قوتهم وقلة حيلتهم وهوانهم على الناس، وينتظرون تحرك مشاعركم واستنهاض عزائمكم، ودعمكم لهم بالمال والدعاء، وينادون (وا إسلاماه) لعل نخوة تتحرك وعقيدة تتفاعل؛ لتكون نوازل المسلمين سحابة صيف تنقشع عما قريب بإذن الله، لأن النصر للإسلام وأهله ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]. أمة الإسلام: لقد شهد هذا العام حدثين خطيرين جديرين بالتوقف، يجب ألا يمرا دون أخذ الدروس والعبر منهما، أما أحدهما فهو: المذبحة البشعة والمجزرة الرهيبة التي قام بها يهود على أرض لبنان، وهي مأساة تؤكد مدى عداوة أعداء الله ورسوله والمؤمنين للإسلام وأهله وأرضه، وتبرهن للحالمين بدعوى السلام أنهم يعيشون أحلام يقظة ويرومون جني العنب من الشوك، وهيهات! إنه لا سلام مع إخوان القردة والخنازير، وإنما هو مهانة واستسلام، ولا مساومة على مقدسات المسلمين فهي إسلامية إسلامية إسلامية، ويجب أن تبقى كذلك إلى الأبد، بل لأبد الأبد، ولكن يا ليت قومنا يعلمون. أما الحدث الآخر فهو: حادث التفجير الآثم الذي وقع في عاصمة بلاد الحرمين الشريفين حرسها الله بشرعه، وما تنطوي عليه هذه الجريمة من أبعاد خطيرة على شبابنا حين يفرط بالثوابت والأصول ويتخلى عن علمائه ويسلم قياده لأفكار خطيرة ومناهج دخيلة، ولقد يسر الله بفضله وتوفيقه القبض على المجرمين بفضل الله وحده، ثم بفضل الجهود الجبارة التي يقوم بها من يهمهم أمن هذه البلاد المحروسة، وساء كل مسلم أن يكونوا من أبناء جلدتنا فيقوموا ضدنا. أعلمه الرماية كل يومٍ فلما اشتد ساعده رماني ولكن يبقى الدرس والعبرة، وتكاتف البيت والأسرة والمدرسة ودور التربية والتعليم، ووسائل الإعلام أن تقوم بتربية شبابنا دون إفراط ولا تفريط، وليحذر من يريد الاصطياد في الماء العكر من مغبة فعله، حيث ينسب للدين وأهله ما ليس منه لخطأ آحاد من الناس، فليست كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء فحمة، ولله الأمر من قبل ومن بعد والله المستعان. يجب أن تعالج الأمور بالهدوء والرفقة والحكمة فالحكمة ضالة المؤمن. نسأل الله أن يختم لنا عامنا بخير، اللهم اجعل خير أعمارنا أواخرها وخير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، اللهم اختم بالصالحات أعمالنا وأعوامنا وأعمارنا يا ذا الجلال والإكرام، وبالسعادة آجالنا، واجعل حاضرنا خيراً من ماضينا، ومستقبلنا خيراً من حاضرنا يا حي يا قيوم. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 183

استغلال العمر في الطاعات الحمد لله مقدر المقدور، ومصرف الأيام والشهور، ومعاقب الأعوام والدهور، وأشهد أن لا إله إلا الله العزيز الغفور، الحليم الشكور، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله المبعوث بالهدى والنور، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١] واعلموا أن الأعمال بالخواتيم، فمن تاب وأصلح فيما بقي غفر له ما مضى وما بقي، ومن أساء فيما بقي أخذ بما مضى وما بقي، وسلوا الله حسن الختام، وتذكروا رحمكم الله بانقضاء العام انقضاء الأعمار وبالانتقال إلى العام الجديد النقلة إلى دار القرار، قال بعض السلف: ابن آدم: إنما أنت أيام كلما مضى منك يوم مضى بعضك، وقال بعض السلف: كيف يفرح بهذه الدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره، كيف يفرح من عمره يقوده إلى أجله، وحياته تقوده إلى موته، وفي الحديث عنه ﷺ : ﴿أعذر الله من أخر أجله حتى بلغه ستين سنة﴾. كم ودعنا في هذه العام من أخ وحبيب، وصديق وقريب، واراهم الثرى، وسرى بهم البلى، ونحن في الطريق سائرون، وعلى الدرب ماضون، وعلى ما قدموا إليه قادمون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. فهل من وقفة حازمة يا عباد الله! ولحظة حاسمة ينطلق منها كل فرد منا مقوماً مسيرته العلمية والعملية والدعوية على ضوء كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومراجعاً حساباته على نهج الشرع الحنيف؟ هذا هو المؤمل لكل من أراد نجاته وسعادته في الدنيا والآخرة. وإن واجب قادة المسلمين أن يجدوا في تطبيق شرع الله، وأن يبادروا إلى ذلك. وإن على علماء المسلمين والدعاة إلى الله أن يجمعوا قلوبهم على الحق، وأن ينزلوا إلى ميدان التوجيه والإرشاد، وهل تنتهي بنهاية هذا العام مشكلات أمة الإسلام فتجتمع الكلمة وتتوحد الصفوف، وتتوارى الحروب والقلاقل عن مجتمعات المسلمين، وتسلك الأمة طريق الإصلاح، وتجد في السير على دروب العز والفلاح، هذا ما يؤمله كل غيور على أوضاع أمته، مهتمٍ بشئونها، ولنختم عامنا بالتفاؤل بأن المستقبل للإسلام وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون. هذا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على خير الورى كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، وعن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمامنا إلى ما تحب وترضى، اللهم خذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم هيئ له البطانة الصالحة يا ذا الجلال والإكرام، اللهم وفق جميع ولاة المسلمين للحكم بشريعتك، واتباع سنة نبيك ﷺ ، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين يا حي يا قيوم. اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين. اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، وفك أسر المأسورين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين يا رب العالمين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. ربنا اختم لنا بخير واجعل عواقب أمورنا إلى خير يا ذا الجلال والإكرام. رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 184

ولا تفرقوا حث الله في كتابه على التآلف والاعتصام ونبذ الفرقة والاختلاف، والأحاديث أيضاً في هذا الباب كثيرة، فأول ما بدأ به ﷺ بعد دعوة الناس لعبادة الله هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وبين الأوس والخزرج، والفرقة من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى هزيمة الأمة أمام أعدائها.

стр. 185

الوحدة والتآلف أهم ما تتميز به أمة محمد ﷺ الحمد لله، وبحمده يستفتح الكلام، والحمد لله حمده من أفضل ما تحركت به الألسن وجرت الأقلام، أحمده تعالى على الدوام، وأشكره على ما هدانا للإسلام، وأبان لنا الحلال والحرام، وشرع لنا الشرائع وأحكم الأحكام، وأمرنا بالبر والاجتماع على الحق والاعتصام، ونهانا عن الجفاء وسائر الآثام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك القدوس السلام، ولي كل إنعام، ذو الآلاء الجسام، والمنن العظام، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، هو للأمة بدر التمام، وللأنبياء مسك الختام، المصطفى من الرسل والمجتبى من الأنام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله البررة الكرام، وصحبه الأئمة الأعلام، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان. أما بعد: فيا أيها المسلمون: اتقوا الله ﵎ حق التقوى، فتقوى الله عروة ليس لها انفصام، وقدوة يأتم بها الكرام، وجذوة تضيء القلوب والأفهام، من تمسك بها سلم من محذور العواقب، ومن تحقق بحملها وقي من شرور النوائب. فاتقوا الله عباد الله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:١]. أيها الإخوة المسلمون: من أهم ما يميز هذه الأمة أمة محمد ﷺ أنها أمة متوادة متراحمة متكاتفة متلائمة متحابة، تبني أفرادها، وتقيم مجتمعاتها على أسس التعاون المشترك والتقدير المشاع، وتؤسسها على قواعد الحب المتبادل، والتعامل الرفيق، والسلوك الرقيق، لا مكان في المجتمع الإسلامي للأثرة الممقوتة، والأنانية البغيضة، والفردية المتسلطة، قلوب أفراده مفعمة بالمحبة لإخوانهم، وألسنتهم ثرة بذكر محاسنهم، وعد فضائلهم، حذرة من الوقيعة في أعراضهم، والنيل من كرامتهم، لا يحملون الحقد الدفين، ولا ينشرون الكذب المبين، فهذا مسلك أهل اللؤم والوضاعة، والخسة وقلة المروءة. لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب ولا ينال العلا من طبعه الغضب ولقد أحاط الإسلام المجتمع المسلم بسياج منيع، وحصن حصين ينبع من الداخل يحول دون تصدع بنيانه وتزعزع أركانه، ويعلي أعلام المحبة خفاقة على أرجائه، ورايات الإخاء مخيمة على جنباته، وأقام الضمانات الواقية، والحصانات الكافية التي تحول دون معاول الهدم والتخريب أن تتسلل إلى جبهته الداخلية، فتعمل عملها فرقة وتأليباً، وهدماً وتخريباً. وعلى أهل الإسلام أن يعيشوا بالمحبة في الله، ورعاية إخاء الإسلام، ورباط الأخوة الإسلامية بعيداً عن النعرات والعرقيات، وفي منأى عن الحزبيات والحزازات، وأن يسعوا لإصلاح ذات البين، وحفظ الألسنة من الوقيعة في الأعراض، وسلامة القلوب من الغل والشحناء والحقد والبغضاء، وأن يقفوا سداً منيعاً أمام الجرائم الأخلاقية، والأمراض الاجتماعية، وغوائل الشرور، وبوائق القطيعة، وأدواء القلوب والصدور حتى يسلم المجتمع من التفكك الاجتماعي، والتمزق الأسري، بل والخلاف العقدي والسياسي والفكري، وغيرها مما يأتي على بنيان المجتمع من القواعد، ويحوله إلى مجتمع صراع دائم، وتفكك مستمر ومحن متكاثرة، وفئات متناحرة، فيصبح مجتمع الأخوة والوحدة مجتمع أشتات متناثرة وأفراد متناثرة وآحاد متناثرة وأحزاب متناكرة، وويل للمجتمع يومئذٍ من أعدائه المتربصين حيث سيكون لقمة سائغة لهم.

стр. 186

الإسلام يحث على الاجتماع والتآلف أيها الإخوة في الله: ولما للوحدة والتضامن والاجتماع والإخاء من منزلة عظيمة، وآثار فريدة، ولما للفرقة والخلاف والتنازع والشقاق من آفات وأمراض كثيرة، وشرور مستطيرة، فقد جاء ديننا الحنيف بالحث على التآلف والمودة واجتماع الكلمة ووحدة الصفوف، والتحذير الشديد من التنافر والفرقة والشقاق والتنازع، فكان من أهم ما جاء به الإسلام بعد عقيدة التوحيد، وكلمة التوحيد توحيد الكلمة ولم الشعث وجمع الشمل؛ لأن في ذلك سر بقاء أهل الإسلام، وضمانة انتصارهم على أعدائهم، وصلاح أمورهم في دينهم ودنياهم وأخراهم، يقول : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٣]. وعند مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن رسول الله ﷺ قال: ﴿إن الله يرضى لكم ثلاثاً: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم﴾ وقد ضُمنِت لهم العصمة من الخطأ عند اجتماعهم، وخيف عليهم الافتراق والاختلاف، وقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقت، وستفترق على ثلاث وسبعين فرقة منها فرقة ناجية إلى الجنة، ومسلمة من عذاب النار، وهم الذين كانوا على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. يقول الله أيضاً: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، ويقول : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١]، ويقول جل وعلا: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]، ويقول جل وعلا: ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩]، ويقول : ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦]، ويقول جل وعلا: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣١ - ٣٢]. أيها المسلمون: وما شرع الإسلام صلاة الجمعة والجماعة والعيدين، وما شرع الزكاة والحج ونحوها إلا لمواساة المسلمين بعضهم بعضاً، وليحصل الوئام والتآلف، وما آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وقضى على ما كان بين الأوس والخزرج إلا طلباً لمصلحة الاتحاد والإخاء، وما ظهر أمر المسلمين وقويت شوكتهم، وانتصروا على أعدائهم، وفتحوا البلاد، وقادوا العباد، وصاروا أئمة هدى، ومصابيح هدى ودجى، ودعاة خير وتقى إلا باتحادهم، وبقراءة التاريخ الإسلامي يتجلى ذلك بحمد الله، وما للضعاف المتفرقين الذين استحكمت فيهم الأثرة والبغضاء، وسرت فيهم الخلافات والتفكك إلا أن يدفعوا عن أنفسهم غوائل الأعداء، ومكر الألداء.

стр. 187

عاقبة التفكك والفرقة في الأمة أمة الإسلام: لقد مرت على هذه الأمة فترات من تاريخها اتحدت فيها صفوفها واجتمعت كلمتها، فعاشت عزيزة كريمة مرهوبة الجانب، ولما دب إليها داء الفرقة والخلاف، انقسمت الأمة الواحدة إلى أحزاب متناثرة، وأمم متناثرة، ولا يزال هذا الداء العضال والمصاب الجلل جاثماً في جسد هذه الأمة، ومستحوذاً على قلوب الشعوب، وأعظم محنة وأشد فتنة أصيبت بها هذه الأمة اليوم هي محنة الفرقة المستحكمة والخلاف المستمر على كل صعيد، وفي كل مستوى، حتى في أبناء الأسرة الواحدة يذكيه الشيطان ويُغليه الهوى، فغلب الشقاق على حياة كثير من الناس إلا من عصم الله، وسادت القطيعة، وعم الجفاء والشحناء، وتنافرت القلوب، وسادت الوحشة والظنون السيئة، وراجت سوق الغيبة والنميمة والبهتان وتناول أعراض الناس، والسعي في الفساد بينهم، فتعمقت الفجوة، واتسعت الهوة، فأصبحت حالة كثير من الناس محزنةً للصديق مفرحةً للعدو، والله المستعان. فيا أمة الإسلام: لماذا الاختلاف والدين واحد؟ لماذا الفرقة والأصل واحد، والقبلة واحدة، والأمة واحدة؟ إلى متى الفرقة وأنتم تدركون ما فيها من الضرر والفساد؟ وهل يختل نظام المجتمع، وتنتشر الفوضى والاضطرابات، وتتصدع أركان الأمة، وتتهدد عروشها، وتنهد حضاراتها إلا بتفرق أهلها وتنازعهم. وهل تتعطل مصالح البلاد ومنافع العباد إلا بالتفكك والاستبداد للآراء واتباع الأهواء. وهل يتسلط الأعداء ويتمكنون في رقاب الناس إلا بتضارب الآراء وتحكيم العقول والأهواء، وانتشار الأحقاد والحزازات الشخصية والنزعات الفردية، ففيمَ الاختلاف -يا عباد الله- والإسلام هو الجامع؟ وإلى متى التفرق يا أمة الوحدة والألفة والإخاء؟ إنه لعجيب أمر المسلمين! كيف يرضون لأنفسهم هذه الحالة مع أن الشرائع قد أجمعت والعقول قد أطبقت على ضرر الفرقة وسوء أثرها في الأمة، فما أصابت أمةً إلا أهلكتها، وقضت على وجودها. نعم أيها المسلمون: إن اختلاف الأفهام، وتباين الآراء ليس بمنكر، ولا مستغرب، بل هو من طبع البشر، ولكن الشأن كل الشأن ألا يكون ذلك سبباً للتقاطع والشقاق والتنافر والحسد والحقد والبغضاء، وإنه مما يؤسف له أن كثيراً من الناس قد ابتلوا بهذا الداء، ودأبوا على إحياء بذور الشقاق وغوائل الشرور بين المسلمين، فيتخاصمون ويتقاطعون ويتدابرون لأسباب شخصية وأمور مادية، وقد يكونون أقارب، أو جيران، وبعض الناس يجعلون من الخلاف فيما فيه سعة ومندوحة طريقاً للتناحر والتشاجر والقطيعة، وأخطر ذلك حينما يكون من يفعل ذلك من المنتسبين إلى العلم، أو الإصلاح، أو الدعوة.

стр. 188

نداء للتضامن والتآلف فيا قادة المسلمين! ويا أهل الرأي والفكر! ويا رجال العلم والدعوة والإصلاح! اتقوا الله في أنفسكم وأمتكم، احملوا رايات التضامن والتآلف بين المسلمين قادةً وشعوباً، رعاةً ورعيةً على عقيدة التوحيد ومنهج السلف الصالح ﵏، واحرصوا على رأب الصدع وجمع الكلمة ووحدة الصف وتضييق مجاري الخلاف، والقضاء على أسباب النزاع والخصومات. يا عباد الله! أعداؤكم يقيمون أحلافاً واتحادات وتكتلات للقضاء على الإسلام واحتلال دياره والكيد لأبنائه، والمسلمون أولى أن يقوموا بذلك، وإن لم يجمعهم الحق، فرقتهم الأهواء بالباطل، فوصيتي إلى المسلمين جميعاً من منبع الوحدة والإخاء أن يصلحوا ذات بينهم، ويبتعدوا عن التحريش والخصومات، وأن يعملوا على حب الخير والولاء للمسلمين جميعاً، ويحرصوا على سلامة الصدور وطهارة القلوب من الأحقاد، وسل الضغائن من النفوس، ليكونوا يداً واحدةً على أعدائهم، وإن بوادر التآلف وبذور الاجتماع والوحدة لتبشر بالخير في الأمة الإسلامية، فالأمة بخير، ولا زالت بخير بحمد الله، ونسأل الله أن يزيدها من الخير والتوفيق لتعود إلى سالف مجدها وغابر عزها وقوتها، وما ذلك على الله بعزيز.

стр. 189

بعض مظاهر الفرقة بين المسلمين أيها المسلمون: إن هناك مظاهر غريبة، وأحداثاً خطيرةً، ووقائع كثيرةً تبين مدى تقهقر وتوتر العلاقات الاجتماعية بين الناس حتى بين أبناء الأسرة الواحدة والرحم والقرابة، ولعلها من إفرازات ضعف الإخاء الإسلامي بين أهل الإسلام، بل بين ذوي القربى وأهل الأسرة الواحدة، فيؤلمك ما آل إليه أمر كثير من الناس من التفكك الاجتماعي الرهيب حتى حصلت النزاعات، ونشبت الخصومات، ورفعت الدعاوى، وكثرت الشكاوى من أجل خلافات يسيرة حول شيء حقير من حطام هذه الدنيا الفانية، ولربما تضخمت المشكلة، وتعقدت القضية، وتدخل أهل الإصلاح، فيأبى المتخاصمون إلا التشفي والانتقام والثأر وتحكيم حظوظ النفس والهوى، لماذا كل هذا أيها المسلمون؟ ويتملكك العجب من بيوت وأسر عصفت بها الخلافات، فتقاطع الأبناء والآباء، قاطع الأبناء آباءهم، وأهمل الآباء أبناءهم، وهجر الأخ أخاه، وطلق الرجل زوجته، وتقاطعا؛ بل وتقاتل أبناء العمومة والخئولة، عياذاً بالله! إن الأمر خطير جد خطيرٍ -أيها المسلمون- لا سيما إذا كان بين القرابة والأرحام، والله يقول: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣]. لقد وصل الحال ببعض الناس أن تمر الأشهر والسنوات وهو لا يعرف عن أقاربه شيئاً، بل ولا يسأل عنهم، ولا يكلف نفسه، ولو برفع سماعة الهاتف ليصلهم ويسلم عليهم ويتفقد أحوالهم. نعوذ بالله من قسوة القلوب وتبلد المشاعر، وضمور الضمائر، وموت الأحاسيس، واستحكام الدنيا في النفوس، فلأجل حفنة من المال، أو شبر من الأرض، أو مشادة كلامية، أو وشاية نقلها مغرٍ، أو شائعة، أو سوء فهم، تنقطع الأواصر، وتنحل الوشائج، وتنفصم عرى المحبة، وتتحول إلى ضغائن وأحقاد، وتشهير بالمجالس، وظنون سيئة، بل وإلى قطيعة مستديمة، وفرقة مستحكمة، والعياذ بالله. وكذلك حال الجيران بعضهم مع بعض، فالواقع أن هناك تقاطعاً كبيراً وتدابراً واضحاً بين كثير من الجيران -هداهم الله- جارك الذي تربطك به علاقة الجوار، وفرض له الإسلام حقوقاً كثيرةً، قد تمر على بعض الناس أشهر، بل أكثر وهو لا يعرف عن جاره شيئاً، قد يمرض ويعافى، ويسافر ويرجع، بل قد يموت ويدفن، وهو يهز كتفيه، وكأن الأمر لا يعنيه في قليل، ولا كثير، الله المستعان! وكذلك ما يحصل بين الأخوة في الله والأصدقاء والزملاء، يجب أن تراعى بينهم حقوق الأخوة في الله، وآداب الصحبة، فلا ولاء إلا لله، ولا بغض إلا في الله، في بعد عن الانتماءات الحزبية.

стр. 190

السبيل إلى الوحدة والتآلف يجب أن تتسع الصدور للخلاف في وجهات النظر والتباين في الفروع والوسائل ما دام أن الاعتقاد صحيح، وإنك لترى في ذلك عجباً لما أسيء مفهوم الولاء والبراء، وأخذ على الميل والهوى، فحصل البراء من أجل خلاف يسير، والجفاء من أجل أمر صغير، وذلك يتطلب فقهاً وخوفاً من الله. وإن أولى الناس بتحقيق الوحدة هم قادة المسلمين وولاة الأمر فيهم، فيجمعون قلوبهم على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله ﷺ ، وتحكيم شريعة الله في أرض الله على عباد الله، ويكونوا صفاً واحداً أمام أعداء الأمة الإسلامية، ولقد تطلعت أنظار الأمة في هذه الأيام إلى مؤتمر القمة الإسلامي الذي عقد خلال هذا الأسبوع، فأمِلَ الغيورون على أوضاع أمتهم وأحوال مجتمعاتهم أن يكون فيها تحقيق للآمال، وتخفيف للآلام، ووحدة للصف على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والدفاع عن قضايا المسلمين، لا سيما قضية القدس الشريف، والمسجد الأقصى المبارك، ليكون حراً طليقاً تقر به أعين المسلمين، وتنشنأ به نفوس الأعداء المتربصين والغاصبين الغاشمين المعتدين. وكذلك قضية البوسنة والهرسك، والضغط على الصرب الظالمين لرفع الحصار عن إخواننا هناك، وكذلك قضية كشمير وغيرها من قضايا الأمة الإسلامية، وإلى مزيد من دعم القضايا العادلة، ودعاء الأمة جميعاً مرفوع إلى الله بأن يكلأ قادة المسلمين وشعوبهم بالتوفيق إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يجمع قلوبهم على كتابه وسنة رسوله ﷺ إنه جواد كريم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 191

الحث على الترابط ونبذ الفرقة الحمد لله أولاً وآخراً، والشكر له باطناً وظاهراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واذكوا روابط الإخاء الإسلامي بينكم، وغذوا وشائج الصدق والمحبة في مجتمعاتكم، واعلموا أنه لا علاج لداء الفرقة والخلاف والتفكك الاجتماعي إلا بتتبع أسبابه وأعراضه، والجد في القضاء عليها يصحب ذلك نية صالحة، وعزيمة صادقة، ورغبة وقناعة واحتساب فيما عند الله من الأجر والثواب، وتذكر الله والدار الآخرة، وتحكيم للشرع الحق والعقل الفذ والاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وليكن كل واحد منكم -أيها المسلمون- جاداً في علاج هذا الداء العضال، ويكون مفتاحاً للخير والفضيلة مغلاقاً للشر والفتنة والقطيعة والرذيلة. وقد جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أنه نهى أن يهجر المسلم أخاه فوق ثلاث ليال، كما نهى عن التدابر والتقاطع، والتحاسد والتباغض، وأن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، فعمل على التحريش بينهم ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء:٥٣] وإنه حينما ترفع الأعمال إلى الله في كل يوم إثنين وخميس، يغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلاً كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: ﴿أنظروا هذين حتى يصطلحا﴾. إن حقاً على كل متشاحنين لا سيما من القرابة والأرحام والأخوة في الله أن يصطلحوا، وأن يجمعوا قلوبهم، وأن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يستعيذوا بالله من نزغات الشيطان الرجيم. فيا أيها المتشاحنون! اصطلحوا فيما بينكم، فإن متاع الدنيا قليل. ويا أيها المتخاصمون! سطروا على صفحات مجتمعاتكم أحرف الوفاء والإخاء والمحبة والوئام، أريحوا المحاكم ودور الشرطة عن الرفع بالخصومات والمشكلات، وعاهدوا ربكم أن تكونوا إخوة متحابين كما أراد الله لكم، وكما كان سلفكم الصالح ﵏، فحققوا الخير لأنفسكم ومجتمعاتكم. ألا وإن من أهم أوجه الوحدة والبعد عن الخلاف وحدة العلماء وطلبة العلم والدعاة إلى الله وائتلاف قلوبهم والتزامهم بالجماعة، وتفويت الفرص على الأعداء المتربصين، وفقه الخلاف، وضوابط الحوار، والتعقل والحكمة، وسلامة الصدور، ليتحقق لهم الخير الذي يريدون، والأمة جميعها مطالبة قادتها وشعوبها، علماؤها وعامتها، شبابها وشيبها، رجالها ونساؤها، صغارها وكبارها أن تجتمع على عقيدة التوحيد الصافية السليمة من لوثات الشرك والبدع، وتخصيص بعض الأزمنة، لا هذا الشهر ولا غيره بعبادات لم يشرعها الله ، ولم يأت بها رسول الهدى ﷺ ، ولم يسر عليها سلف هذه الأمة. جمع الله القلوب، ووحد الصفوف، وأغاض الأعداء بتضامن المسلمين بمنه وكرمه، ألا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على البشير النذير، والسراج المنير كما أمركم بذلك اللطيف الخبير، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صل وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم برحمتك ألف بين قلوب المسلمين، اللهم أصلح ذات بينهم، واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منا وما بطن عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامةً يا رب العالمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق ولي أمرنا وإمامنا إلى ما تحبه وترضاه، اللهم وأعنه على أمور دينه ودنياه، واجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدى يا رب العالمين، واجعله رائداً لتضامن المسلمين يا ذا الجلال والإكرام، وارزقه البطانة الصالحة يا حي يا قيوم. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان والاجتماع على الحق والاعتصام بكتابك وسنة نبيك ﷺ ، وأغث بلادنا بالخيرات والأمطار يا رب العالمين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءوفٌ رَحِيمٌ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 192

التمسك بالإسلام هو طريق الفطرة والنصر إن الناظر لتاريخ هذه الأمة قبل مبعث النبي ﷺ يجد أنها كانت لا تعرف من الدين الحنيف إلا اسمه، حتى امتن الله على العباد ببعثة النبي ﷺ فجاء بالإسلام الصافي، وبين الدين الحنيف الذي أراده الله من عباده. وفي هذا الدرس يبين الشيخ حفظه الله نعمة الإسلام، ووجوب التمسك به، لأن به عزة الأمة، ونصرتها على أعداء الدين.

стр. 193

نعمة بعثة نبينا محمد ﷺ الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعله مصدر عزتنا وقوتنا وصلاحنا وصلاح أمورنا في الدنيا والآخرة، وامتن علينا ببعثة محمد ﷺ خير الأنام، وأرسله رحمة للعالمين هادياً ومبشراً ونذيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤] أحمده تعالى وأشكره حيث أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام ديناً، وأستعينه وأستهديه وأتوب إليه وأستغفره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمرنا باتباع صراطه المستقيم، وحذرنا من طرق المغضوب عليهم، والضالين وغيرهم من المنحرفين عن الهدى المستقيم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفوته من خلقه، بلغ البلاغ المبين، وترك الناس على المنهج القويم، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين والسائرين على نهجهم إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا ربكم ﵎ واشكروه على نعمة الإسلام، تلكم النعمة العظيمة التي ضل عنها كثير من الناس ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣] ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٨] فتخبطوا في ضلالات المبادئ المنحرفة، ودياجير ظلمات النظم الفاسدة؛ التي تسوم الناس سوء العذاب والعياذ بالله. فمن تأمل حال الأمم في قديم الزمان وحديثه التي تخلت عن الإسلام أو لم تَدِن به أصلاً يجد حياة الضلال والشقاء والفساد، فقد كان الناس قبل مبعث محمد ﷺ في جهالة جهلاء وضلالة عمياء، في شرك ووثنية، وتناحر وجاهلية، وفساد وضلال مبين، حتى امتن الله فبعث نبيه محمداً ﷺ ، فأخرج به الناس من الظلمات إلى النور، هدى به بعد الضلالة، وبصَّر به بعد الغواية، وأصلح به بعد الفساد، وعلَّم به بعد الجهالة، صلوات الله وتسليماته وبركاته عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه. وحال الأمم اليوم في القرون المتأخرة والأزمنة المعاصرة ليس بأحقر من حال القرون السابقة، فهم يعيشون حالة الشقاء بأوسع معانيه، وحالة التعاسة بأفهم صورها، في معتقداتهم وأفكارهم ونفسياتهم وأمنهم وجميع أوضاعهم وأحوالهم؛ ذلك أنهم لم يدينوا بدين السعادة، وصدق الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٨].

стр. 194

لا يقبل الله ديناً غير الإسلام أيها المسلمون: إن دينكم الإسلامي دين عظيم اختاره الله لكم ومَنَّ به عليكم، فهو خلاصة أديان الأنبياء وخاتمتها، ولا يقبل الله من أحد غيره: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] وقد وصاكم ربكم باتباعه والتمسك به، وحذركم من سلوك السبل المعوجَّة قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]. يا عباد الله: والتاريخ الإسلامي أكبر شاهد عملي على أن عزة المسلمين ونصرتهم تكمن في تمسكهم بدينهم واستقامتهم على شريعة ربهم، فقد حوَّل الإسلامُ عبر القرون الأعراب رعاة الغنم إلى قادة شعوب وساسة أمم، حتى قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يوماً لـ أبي عبيدة ﵁ حين أشار عليه أن يركب البعير وألا يخوض في الوحل، عندما مشى على الأقدام في سفره إلى بيت المقدس وهو أمير المؤمنين فقال له عمر: [[لو غيرك قالها يا أبا عبيدة لأوجعته ضرباً]] ثم ذكر حالهم في الجاهلية وما بدلهم به الله بعد الإسلام، وكان مما قال ﵁: [[نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله]] وصدق الله : ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]. ثم ما الذي حدث اليوم؟! خلف من بعد هذه الأجيال والقرون الفاضلة خُلوفٌ متتابعة، أهملوا أمر الدين واستهانوا بحقوقه وعبثوا بواجباته، وتجرءوا على انتهاك حرمات الله، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وارتكبوا المحرمات والمنكرات، وتكاسلوا عن الطاعات والعبادات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 195

مفهوم الإسلام وحقيقته أيها المسلمون: إن الإسلام ليس بالتحلي ولا بالتمني، بل ولا بالتسمي، ولكن الإسلام ما وقر في القلب وصدقته الأعمال، إنه الاستسلام الكامل لله بالتوحيد، والانقياد التام له بالطاعة، والخلوص من الشرك والبراءة من أهله. إن الإسلام وحدة كاملة لا تتجزأ، لا بد من القيام بشعائره وحقوقه كلها، ولا بد من تجنب نواقضه ومنهياته. إن الإسلام دين ودولة، عبادة وحكم وعمل، دعوة وجهاد، فهو يحكم جميع التصرفات والتحركات الصادرة من معتنقيه. فما بال كثير من المسلمين اليوم! الذين تسمَّوا بالإسلام وانتسبوا إلى أهله وسكنوا دياره ما بالهم زهدوا بتعاليم دينهم وعقيدتهم فتركوها، أو تركوا بعضها واستبدلوا بها تعاليم أهل الكفر والضلال والعياذ بالله؟! ما بالهم تَرْخُص عندهم مبادئ الإسلام وأحكامه فأصبحوا لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه ولا من المصحف إلا رسمه؟! ما بالهم تركوا الطاعات وجدُّوا في ارتكاب المنكرات -والعياذ بالله- وهم محسوبون على الإسلام ويُعَدُّون من أبنائه؟! ما بال كثير من شباب المسلمين الذين نشئوا في بلاد التوحيد وبيئة العقيدة الصحيحة وتحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله يتنكرون لدينهم، ويتشبهون بالكفار في زِيهم وأشكالهم ولباسهم وكلامهم وأكلهم وسائر أعمالهم، بل وأفكارهم ومبادئهم والعياذ بالله؟! ما بال كثير من نساء المسلمين هجرن تعاليم الدين، وتشبهن بالكافرات فأصبحن كاسيات عاريات مائلات مميلات ضالات مضلات تخلط بينهن وبين غير المسلمات عياذاً بالله؟! ما بال بعض المسلمين والمنتسبين إليه يحقدون على بلاد التوحيد والعقيدة السلفية الصحيحة؛ فيدأبون في نشر البدع والخرافات والضلالات والأذكار المنحرفة بين أبناء المسلمين وفي ديارهم؟! أهذه حالة المسلمين؟! أين المسلمون المطبقون لتعاليم دينهم؟! وصدق الله حيث قال: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨]. فاتقوا الله عباد الله! وعضوا على دينكم بالنواجذ، إنها دعوة صادقة دعوة مخلصة أوجهها إلى كل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها مِن أطهر بقعة على وجه الأرض، مِن جوار الكعبة المشرفة، من مكة المكرمة وبلاد التوحيد والعقيدة، ليعودوا إلى دينهم ويتمسكوا به التمسك الصحيح، فوالله لنحن في هذا العصر عصر الفتن والمغريات أشد ضرورة منا للتمسك بديننا من أي زمان مضى، ووالله لن يصلح حال المسلمين اليوم مهما تقدموا مادياً وعلمياً إلا بما صلُح به أولُها بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأن يسيروا على ما سارت عليه هذه البلاد الموحِّدة التي تدين بدين التوحيد وتعتقد عقيدة المسلمين وتطبق شريعة الله، فأصبحت مثالاً يُحتذى في استتباب الأمن والطمأنينة، وفي جلب الخيرات لها من باطن الأرض ومن السماوات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٥٤] فارجعوا إلى دينكم: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]. اللهم أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين، وثبتنا على الدين، وألحقنا بالصالحين. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً. اللهم وفق المسلمين في جميع أقطار المعمورة إلى العودة إلى دينك القويم. اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.

стр. 196

دعوة إلى التمسك بالإسلام الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده تعالى أن رضي لنا الإسلام ديناً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٣] واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. عباد الله: تمسكوا بدينكم واحذروا نواقضه فإنها كثيرة جداًَ قد انتشرت في هذا الزمان وأعظمها: الشرك بالله الذي تعددت صوره وكثرت أسبابه وخفيت وسائله على كثير من أبناء المسلمين، وتنبهوا رحمكم الله لمحاولات أعدائكم أعداء الدين في سبيل صدكم عنه وتشويهه أمامكم، فالله في محكم كتابه قد أخبر أنهم جادون في إبعادنا عن ديننا فقال: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧] فهم يبذلون قصارى جهدهم في الحرب الحسية المدمرة تارة، وبالحروب الفكرية والمعنوية تارات أخرى، ويشهد لذلك واقع المسلمين في ديار الإسلام فهم يبذلون ما استطاعوا لإبعادنا عن ديننا، فاحذروهم رحمكم الله، وقفوا عند حدود الله وسلوه الثبات على دينه، ووجهوا أجيالكم التوجيه الصحيح الذي يُذْكي فيهم حب الإسلام وحب الدفاع عنه؛ ليَخرُجوا صالحين نافعين لدينهم وأمتهم التي هي بأمس الحاجة إليهم. وصلوا وسلموا رحمكم الله على نبينا محمد كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً﴾ اللهم صلِّ وسلم وزِد وبارك على نبينا محمد، اللهم ارضَ عن خلفائه الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، اللهم ارضَ عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم استعمل علينا خيارنا. اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم وفق المسلمين قادةً وشعوباً، علماءَ ومفكرين، شباباً ونساءً، اللهم وفق الجميع إلى التمسك الصحيح بكتابك وسنة نبيك يا رب العالمين. اللهم دمر اليهود وأعوانهم وسائر الكفرة والمرتدين والشيوعيين والمبتدعين وسائر المفسدين، اللهم عليك بهم يا رب العالمين. اللهم قنا شرورهم يا أرحم الراحمين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله يذكركم كما قال سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢].

стр. 197

الزكاة ومكانتها لقد شرع الله الزكاة لحكم عظيمة، وأسرار كثيرة، ومصالح جمة، تعود على الفرد والمجتمع، وحذر من تركها والتهاون في إخراجها، فشدد في ذلك تحذيراً وإنذاراً، وإبداءً وإعذاراً، بأسلوب ترتعد منه الفرائص، وتهتز له القلوب، وتذوب من هوله الأفئدة. وقد جعل الشارع الحكيم للزكاة مصارف معلومة، فلا تجزئ الزكاة إلا إذا صرفت فيها.

стр. 198

أهمية الزكاة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فرض الزكاة على عباده تزكية للنفوس، وتطهيراً للقلوب، وتنميةً للأموال، وسداً لعوز المحتاجين، وتحقيقاً لروح المودة والإخاء، والرأفة والرحمة والصفاء، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، ومصطفاه وخليله، ومجتباه وحبيبه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله جل وعلا، واعملوا أن دينكم الإسلامي الذي منَّ الله به عليكم ورضيه لكم، وأكرمكم بالانتساب إليه، قد بني على أسس متماسكة، وقواعد مترابطة، إذا اختل منها شيءٌ تصدع ما سواه. روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: ﴿بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان﴾. وإن من بين هذه الأركان العظيمة، ركناً عظيماً تساهل الناس فيه، وعمت الغفلة عنه؛ لضعف الإيمان في النفوس، وإيثار العاجلة بزينتها وأموالها ومتاعها؛ على الآجلة الباقية، ألا وهو الزكاة. فالزكاة يا إخوة الإسلام! ثالث أركان هذا الدين العظيم، من جحد وجوبها كفر، ومن منع أداءها قُوتل، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]. وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله﴾ وقد ذكر الله في كتابه الزكاة مقرونةٌ بالصلاة تعظيماً لشأنها، وتنويهاً بذكرها، وترغيباً في أدائها، وترهيباً من تركها والتساهل فيها. قال الله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] قال أبو بكر الصديق ﵁: [[والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة]] وقال ابن عباس ﵄: [[ثلاث آيات مقرونةٍ بثلاث، لا تقبل منها واحدة بغير قرينتها، وذكر منها قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] وقال: فمن صلى ولم يزكِ لم يقبل منه]].

стр. 199

الحكمة من مشروعية الزكاة أمة الإسلام: لقد شرعت الزكاة لحكم عظيمة، وأسرارٍ كثيرة، ومصالح جمة، تعود على الأفراد والمجتمعات بالخير العظيم، يقول تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]. فالزكاة تطهر النفس من درن الشح والبخل، وتزكيها بالجود والسخاء والكرم، وهي السبيل لحصول النماء والزيادة، والبركة والفلاح والطهارة، والخلف والمثوبة، وحفظ المال، ودفع الشرور والآفات عنه بإذن الله، وفيها تثبيت للمحبة والمودة، والتكافل والإخاء بين الأغنياء والفقراء، ويشعر الفقير في المجتمع المسلم أنه أمام تعاونٍ لا تطاحن، وأمام إيثارٍ لا أثرة، وأمام مساواة وعطفٍ وإخاء، لا طبقية وعنفٍ وجفاء، وأمام مشاعر رقيقة، وقلوبٍ رحيمة أبية، لا مخالب قوية، وأنيابٍ عتية. والزكاة ليست فريضةٍ تؤخذ من الجيوب فحسب، بل هي غرسٌ لمشاعر الحنان والرأفة، وتوطيد لعلاقات التعاون والألفة؛ ليسمو المجتمع إلى مستوى أفضل، ومقصدٍ أنبل، وهكذا أظهرت هذه الفريضة محاسن هذا الدين، وعنايته بشئون أبنائه، وتفوقه على النظم المخالفة له من شيوعية ورأسمالية وغيرها، التي يزعم أهلها زوراً وبهتاناً أنهم كفلوا الحقوق، وأشاعوا العدل والإنفاق بين الشعوب، وهل يسمى ظلم الناس عدلاً! وبخسهم وإلغاء ملكيتهم حقوقاً! وإشاعة الطبقية بينهم إنصافاً! وهل يطلق على ابتزاز ثروات الشعوب كفالة للحقوق! وقد أدى ذلك إلى شيوع الظلم والخوف، وانعدام الأمن، وانتشار السرقة والاختلاس والسطو، وتفاقم الجرائم، وارتكاب الفقير شتى الحيل للحصول على لقمة العيش؛ لما يقاسيه من آلام الفقر والمسكنة.

стр. 200

التحذير من التهاون في إخراج الزكاة إخوة العقيدة: لقد جاء الوعيد الشديد، والترهيب المرعب في حق تارك الزكاة، وفي حق من قصر فيها، وتساهل في أدائها، تحذيراً وإنذاراً، وإبداءً وإعذاراً، بأسلوبٍ ترتعد منه الفرائص، وتهتز له القلوب، وتذوب من هوله الأفئدة، بأسلوبٍ لو خوطبت به الجبال الصم؛ لخشعت وتصدعت. يقول فيه: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت:٦ - ٧] ويقول جل في علاه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤ - ٣٥] ويقول سبحانه: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٨٠]. قال النبي ﷺ في تفسير هذه الآية: ﴿من آتاه الله مالاً فلم يؤدِ زكاته، مُثِّلَ له يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، فيأخذ بلهزمتيه -يعني شدقيه- يقول: أنا مالك أنا كنزك﴾ أخرجه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿ما من صاحبٍ ذهبٍ ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، صفحت له صفائح من نار، فيحمى عليها في نار جهنم، فيصلى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، وما من صاحب إبل ولا بقرٍ ولا غنم، لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، بطح لها بقاعٍ قرقر أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلاً واحداً، تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها، وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ متفق عليه. فليسمع هذا الوعيد أرباب الآلاف والملايين، وأصحاب العقارات والتجارات، وأصحاب المزارع والمواشي، ليتصوروا هذا الموقف الرهيب بين يدي الله ﷻ ، فإنها والله لا يحمى عليها في نارٍ كنار الدنيا مع شدتها وحرها، إنما يحمى عليها في نار جهنم التي يعجز عن وصفها التصوير، ولا يقدر على ذكر أهوالها التعبير، وإذا ألقي فيها الجسد لا يقضى على طرف منه فقط، وإنما يكوى بها الجسم كله، من كل ناحية، من الأمام والخلف والجنب، في الجباه والجنوب والظهور، كلما بردت أعيدت، وليت هذا العذاب في يومٍ أو شهرٍ أو سنة! لكنه في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة، فقولوا لي بالله عليكم: من ذا الذي يطيق ذلك الهول العظيم؟! ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧] فاتقوا الله يا إخوة الإسلام! وأدوا زكاة أموالكم، طيبةٍ بها نفوسكم، فقد أعطاكم الله الكثير، وأغدق عليكم المال الوفير، وطلب منكم أقل القليل، ولو أن أثرياء المسلمين اليوم قاموا بهذه الفريضة حق القيام، وصرفوا الزكاة في مصارفها الشرعية، لم تجد على الأرض من يتسول لفاقة، ومن يلح في مسألة لحاجة، ولاختفت مظاهر الإجرام والسطو والاختلاس والسرقة، ولكن نسأل الله أن يفتح على قلوب المسلمين، ويجعلهم إخوة متعاونين متكافلين، يرحم كبيرهم صغيرهم، ويعطي غنيهم فقيرهم، ليكونوا صفاً واحداً ويداً واحدة في عمارة أرض الله، ورعاية حقوق عباد الله، وما ذلك على الله بعزيز. أقول قولي هذا. وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 201

مصارف الزكاة الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد: فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى، وأدوا ما أوجب الله عليكم من الزكاة، أدوها خالصةً لوجه الله طيبةً بها نفوسكم، واغتنموها قبل أن تغرموها، واحذروا الرياء والسمعة، والمن والأذى عند إخراجها لأصحابها، فالزكاة حق الله، لا تجوز المحاباة بها لمن لا يستحقها، ولا أن يجلب الإنسان بها لنفسه نفعاً، أو أن يدفع عنها ضرراً، ولا أن يقضي بها ماله، أو يدفع بها عنه مذمة، وليتق الله المعطي والآخذ، فلا يجوز لمن ليس من أهلها أن يأخذ منها شيئاً، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب، واعلموا أن الزكاة لا تنفع ولا تبرأ بها الذمة إلا إذا صرفت في أحد المصارف الثمانية، التي حددها الله بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠]. وليس المقام مقام بسط وتوضيحٍ لأحكام الزكاة، فهي مدونة في نظامها، ومن استطاع الرجوع إليها لينهل من نعيمها فليفعل، ومن لم يستطع، فقد قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧]. وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على نبي الرحمة والهدى، من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واحمِ حوزة المسلمين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أدم عليهم التوفيق والنعمة، وأصلح لهم السريرة والبطانة، يا أرحم الراحمين.

стр. 202

الله الله في أسركم إن الله خلق هذا العبد الضعيف، وجعل له أهلاً يسكن إليهم، لكن لا بد أن يعرف أنه مسئول أمام الله عنهم، فيجب عليه أن يربيهم التربية الصالحة، والقدوة الحسنة، وقد بين الشيخ حفظه الله في هذه الرسالة ما يجب على العبد نحو أسرته وأولاده من تربية وإصلاح ومتابعة.

стр. 203

ترغيب الإسلام في تكوين الأسرة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها المسلمون! اتقوا الله تعالى حق التقوى؛ فإن تقوى الله أقوى الذخائر، ونور البصائر، وأُنس السرائر، وحياة الضمائر. عباد الله! لقد جاءت شريعة الإسلام نظاماً كاملاً ومنهاجاً شاملاً، لم يترك جانباً من جوانب الحياة إلا تولاه بالعناية والرعاية، فنظم علاقة العبد بربه، وعلاقته بنفسه وأسرته، وبالآخرين من حوله، سعى لتحقيق المودة والإخاء بين أبناء المجتمع، وأزكى روابط العطف والتراحم بينهم، وقوّى أواصر الأخوة ووشائج المحبة بين المسلمين؛ لتتحقق الخيرية لهذه الأمة، ويعم الخير والصلاح جميع جوانب الحياة وأنظمة المجتمع. وإن من أهم الجوانب التي أولتها الشريعة اهتماماً بالغاً وعناية فائقة: الجانب المتعلق بالأسرة، وما ذاك إلا لأنها نواة المجتمع، والقاعدة الصلبة، والأرضية الخصبة؛ لتنشئة الأجيال وتربية الرجال، هي الخلية التي إذا صلحت صلحت الأمة كلها، وإذا تصدع بنيانها، وتزعزعت أركانها، وساد فيها الشقاق والنزاع؛ تحدَّرت الأمة إلى أودية سحيقة من الخراب والضياع، وأفرزت أجيالاً لا تعرف هدفاً، ولا تسمو لغاية، ولا تقدم لمجتمعها نفعاً وإصلاحاً. إخوة الإيمان! إن الأسرة أساس المجتمع، واللبنة الأولى في بناء كيان الأمة، والنواة الكبرى في تشييد حضارتها، بنجاحها تقاس سعادة المجتمع، وبفشلها وسيرها في مزالق الضياع ومهاوي الردى يقاس إخفاق المجتمع وتقهقر الأمة. ولقد رغَّب دين الإسلام في بناء كيان الأسرة المسلمة، وإقامة صرحها، وتكوين قواعدها، وإشادة أركانها، والحفاظ على جوها الصافي وظلها الوارف، أن تشوبه غوائل الشر والبغضاء، وبوائق النزاع والشقاق، والشقاء والخلاف والعناء، وعوامل الشقاق والشحناء، فكان أن عُني الإسلام أول ما عُني في تكوين الأسرة، بأن شرع الزواج وحث عليه، ورغب في اختيار الزوجة الصالحة ذات الدين والخلق والمنبت الحسن؛ لكونها دعامة الأسرة المؤمنة. وحث على إنكاح من تتحقق فيه الكفاءة في دينه وخلقه وأمانته، وما ذاك إلا لتنشأ الأسرة في كنف حياة رغيدة، وظل أسرة صالحة سعيدة، يقول الله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١]، ويقول سبحانه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل:٧٢].

стр. 204

أهمية التذكير بمكانة الأسرة في الإسلام معشر المسلمين! إن الأسرة الصالحة نعمة من نعم الله على عباده، يجد فيها المسلم راحة باله، وهدوء نفسه وقلبه، وأنس فكره وضميره، وطمأنينة خاطره وفؤاده. يجد فيها السكن والراحة والمودة والرحمة في خضم مشاغل الحياة وأعبائها، ولتتأملوا -يا رعاكم الله- قوله سبحانه: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم:٢١]، وقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً﴾ [النحل:٨٠] وإن التذكير بمكانة الأسرة في الإسلام وأهمية العناية بها يعد من الأمور الضرورية، لما تمثله الأسرة من منزلة سامية في هذا الدين، ولما تتمتع به من ثقل ومسئوليات، ولما للعناية بها من أثرٍ في صلاح المجتمعات، وتثبيت دعائمها، وتقوية بنائها، ولما للتفريط فيها من عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع إذا أهملت وأصبحت عرضة للسهام المسمومة والأعاصير المدمرة. كما تبدو أهمية التذكير بشأنها في كل الأوقات، لا سيما في أوقات الإجازات والتخفف من المشاغل والمسئوليات، لا سيما ونحن نعيش في عصر أصبحت فيه الأسرة المسلمة هدفاً لكيد أعداء الإسلام، وغاية لهجومهم الكاسح؛ لأنهم يدركون -عاملهم الله بما يستحقون- أنه إذا فسدت الأسر تحقق لهم ما يصبون إليه من القضاء على قلب الأمة النابض، ومحور تربية الأجيال، وبالتالي القضاء على الأمة بأسرها. ولكن مهما تتالت الطعنات وتتابعت الهجمات من كل حدب وصوب على النظام الأسري الإسلامي؛ فسيبقى -بإذن الله- نظاماً بالغ الدقة والإحكام، جدير بالعناية والاهتمام، فلم يعرف العالم بأسره نظاماً للأسر أسعد ولا أكمل ولا أفضل ولا أعدل من نظام الإسلام. وهل بقيت أمة الإسلام على مرِّ العصور، قوية الشوكة، مرهوبة الجانب، واستعصت على الاضمحلال رغم النوازل والمحن، وخلدت أمجاداً، وأنجبت أجيالاً يفخر بهم التاريخ إلا لما عنيت بهذا الجانب، فصلح أبناؤها واستقامت أجيالها؟!

стр. 205

آثار انهيار الأسرة المسلمة هل غُزِيَ المسلمون في عقر دورهم وكثرت بينهم الفتن والمشكلات، ودبت البغضاء والخلافات، وفسد كثير من الناشئة، وتمرد كثير من الأبناء والأجيال، وعمت الخلافات الزوجية، والمشكلات الأسرية، وارتفعت معدلات نسب الطلاق في كثير من المجتمعات، وبلغت مؤشرات خطيرة تنذر بأخطار داهمة، وكثرت المشكلات الزوجية، والخصومات الأسرية في المحاكم وغيرها، وأصبحت حياة كثير من الأسر جحيماً لا يطاق؛ إلا لما أهمل كثير من المسلمين أمر الأسرة، فانشغل الآباء عن تربية أسرهم والحفاظ على أبنائهم من قرناء السوء الذين يفسدون في الأرض ولا يُصلحون. فكم زجوا بأبناء المسلمين في مهاوي الرذيلة والفساد وأودية الضياع والدمار؟! فما الذي سبب انتشار الجرائم ورواج سوق المسكرات والمخدرات، وانحراف الأحداث؟ إلا إهمال أمر الأبناء والأسر، وترك الحبل لهم على الغارب، يفعلون ما يشاءون دون رقيب ولا حسيب. وإن انشغال من بأيديهم القوامة على الأسرة عن تسيير دفتها، وقيادة سفينتها، ومتابعة أعضائها، يقود إلى غرقها وتعرضها لأمواج الفساد وطوفان الضياع والدمار، خصوصاً في هذا الزمان الذي اشتدت فيه غربة الإسلام، وتطلاطمت فيه أمواج الفساد، وكثرت الفتن، حتى لكأن الولد فيه حمل وديع في أرض مسبعة، إن غفل عنه تخطفته السباع الضارية، والوحوش الكاسرة، والله المستعان. كيف ونحن نعيش اليوم في عصر تقذف فيه المطابع بغزو فكري وأخلاقي بهجمات محمومة عبر مجلات هابطة وكتب مسمومة؟ كيف والعصر عصر إعلام بما تحمله الكلمة من معنى؟ ونحن نعيش اليوم عصر الأقمار الصناعية والقنوات الفضائية، لكننا نحمد الله أن وفق ولي أمرنا للتوجيه بمنع ما يخالف ديننا وقيمنا وأخلاقنا.

стр. 206

الأبناء أمانة الآباء أمة الإسلام: ماذا جنى المسلمون لما انشغل أولياء أمور الأسر عن متابعة أبنائهم وبناتهم، والقوامة على أزواجهم ونسائهم؟ إن إفراز أجيال لا تحمل رسالة، ولا تعي هدفاً ولا غاية من الجنايات العظيمة التي مردَّها إهمال التربية، وغفلة الأبوين عن القيام بواجب الإصلاح والعناية والوقاية، وقد قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦]. قال أهل العلم: أي: علموهم وأدبوهم. وقال ﷺ : ﴿كلكم راعٍ وكلم مسئول عن رعيته﴾ أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄، وفي الصحيح أنه ﷺ قال: ﴿ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه﴾ وفي الترمذي وغيره: ﴿ما نحل والد ولده نحلة أفضل من أدب حسن﴾. وانظروا -رحمكم الله- إلى من تربوا على مشكاة النبوة من الرعيل الأول كيف نفع الله بهم البلاد والعباد؟ وكيف كتبوا التاريخ وحققوا الأمجاد؟ وعليكم أيها الآباء -وفقكم الله وأعانكم- بحسن التوجيه والتربية، ومتابعة أبنائكم، وجهوهم، وربوهم، وانظروا أثر الأسرة المصلية التالية الذاكرة المؤمنة، وتصوروا لو كان الطفل في بيت يعاقر الفساد ويواقع الشر والباطل ماذا ستكون حاله! وليس النبت ينبت في جنان كمثل النبت ينبت في فلاة وهل يُرجى لأطفال كمال إذا ارتضعوا ثدي الناقصات والأب الراعي هو القدوة لأبنائه، والطفل صورة عن بيئته وأسرته، وقديماً قيل: وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه وما دان الفتى بحجى ولكن يُعلمه التدين أقربوه عاتب بعضهم ابنه على العقوق وقد أهمل تربيته، فقال: يا أبتي! عققتني صغيراً فعققتك كبيراً، وأضعتني وليداً فأضعتك شيخاً، وإنك لا تجني من الشوك العنب. وأعظم من ذلك قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٢٧ - ٢٨].

стр. 207

إصلاح الأسر وتربيتها على الإيمان والقرآن أمة الإسلام! إن طريق الخير والصلاح والفلاح، وسبيل النجاة والعز والنجاح الموصل إلى بر الأمان وشاطئ السلام إنما يبدأ -أول ما يبدأ- بإصلاح الأسر وتربيتها على الإيمان والقرآن ومنهج الإسلام والسنة؛ لتكون صماماً للأمان في المجتمع، محبة للخير والهدى، دارئة للشر والفساد والردى، قائمة بحقوق الله وحقوق عباد الله، راعية لحق الكبير والقريب وولي الأمر والعالم ومن له حق عليها. وإذا كانت الأسر -لا قدر الله- أوكاراً للشياطين، وبؤراً للفساد والمفسدين، لا يسمع فيها ذكر الله، ولا يتلى فيها كتاب الله، وإنما يعمرها اللهو واللغو والباطل؛ فقل على الأمة: السلام. وإن المسئولية في تربية الأسر لتقع على كل فرد من أفراد المجتمع الإسلامي، فيجب على كل مسلم ومسلمة أن يعرف دوره، ويقوم بواجبه في الإسهام في صلاح الأسر والبيوت، وإبعاد وسائل الفساد عنهم. فيا أيها الآباء والأمهات! ويا أيها الأزواج والزوجات! ويا أيها الأبناء والبنات! اتقوا الله في أنفسكم وفي مسئولياتكم وفي تربية أولادكم، فأنتم محاسبون عن ذلك، مسئولون أمام الله، فعليكم بتحقيق التعاون والتكاتف في تحقيق الجو الأسري الرشيد، وتكوين العش الزوجي الرغيد، والبيت الإسلامي السعيد.

стр. 208

انشغال الآباء بالدنيا عن تربية الأولاد إن بعض الآباء لينشغلون بالدنيا عن أبنائهم، فيا أيها الآباء! كفى انشغالاً بالمادة عن أسركم وبيوتكم وتربية أبنائكم وبناتكم. إن مما يؤسف له -أشد الأسف- أن بعض الآباء -هداهم الله- لا يعرف أسرته إلا في مواعيد الطعام والنوم دون توجيه ولا تربيه، وبعضهم يحسب أن إسعاده لأسرته إنما هو بالمسكن والمطعم والمشرب والملبس، وإشباع رغباتها المادية، وتحقيق طلباتها الدنيوية وكأنها حظيرة أغنام، وهيهات أن تخرج هذه التربية المادية جيلاً صالحاً أو نشئاً مستقيماً في غياب التوجيه السديد والتربية السليمة! وإننا لنتساءل: لمن تترك تربية الأبناء إذا تخلى عنها المربون والآباء؟ لمن تترك فلذات الأكباد ومهج النفوس وثمرات الفؤاد إذا تخلى عنها البيت والأسرة؟ فاتقوا الله عباد الله! وليقم كلٌّ منكم بواجبه تجاه بيته وأسرته، وإنه بفهم كل واحد منا حقوقه وواجباته تجاه أسرته وبالعمل بها تصلح الأسر، ويتحقق للمسلمين ما يصبون إليها من استقرار أحوالهم، وسعادة مجتمعاتهم، وصلاح أبنائهم، وسلامة أديارهم بإذن الله ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم:٢٠]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدى سيد المرسلين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه من كل ذنب ومعصية، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 209

تربية الأبناء والدعاء لهم اقتداءً برسل الله الحمد لله الكبير المتعال، وأشهد أن لا إله إلا الله ذو الفضل والنوال، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله خير صحب وآل، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المآل. أما بعد: عباد الله! اتقوا الله في أنفسكم وفي أسركم، وفي أولادكم، وتفقدوا -رحمكم الله- أولادكم عند ترك الأوامر وفعل الزواجر، واعملوا -رحمكم الله- على حماية أسركم من آفات فسادها، وتهدم أركانها، وتداعي بنيانها، وأقيموا سداً منيعاً وحاجزاً كبيراً بينكم وبينها، وإن الآفات التي تهدد الأسرة منها ما يكون داخل أروقتها، ومنها ما يكون من تأثير خارج عنها، فكونوا على حذرٍ وفطنة. أيها المسلمون! التزموا في جميع أموركم الأسرية نهج الإسلام الحق، وطريق السنة المطهرة والسيرة العطرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وليقدم كل واحد في المجتمع -لا سيما المعنيون بشئون التربية، والقائمون على وسائل التوجيه في المجتمع، وكذلك أهل العلم والدعوة والإصلاح على الجميع أن يقوموا- بالتركيز على جوانب صلاح الأسر، فإنها المجتمع المصغر، وإذا صلحت صلحت المجتمعات كلها بإذن الله، ويومها لا نشكو من تمرد الأبناء، وكثرة الخلافات الأسرية، والمشكلات العائلية في المجتمعات. هذا وإن عليكم -رحمكم الله- أن تحرصوا على الدعاء لأولادكم بصلاحهم كما كان أنبياء الله ورسله، فهذا إبراهيم ﵇ يقول: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠]، ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥]، ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم:٤٠]، ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة:١٢٨]، ويقول زكريا ﵇: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٨]، ويقول سبحانه: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف:١٥] ويقول في صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان:٧٤]، فأكثروا من الدعاء لهم، واعلموا أن صلاحهم ينفعكم بعد موتكم ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [الرعد:٢٣]، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١]، وقال ﷺ في الحديث الصحيح عند مسلم وغيره: ﴿إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث -وذكر منها- ولد صالح يدعو له﴾ فخذوا -رحمكم الله- بأسباب صلاح ذرياتكم قولاً وعملاً ودعاءً وقدوة تصلح أنفسكم وأسركم ومجتمعاتكم بإذن الله. ألا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على النبي المصطفى، والحبيب المجتبى، كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق إمامنا إلى ما تحبه وترضاه، اللهم وأعنه على أمور دينه ودنياه.

стр. 210

جزيرة الإسلام بعث الرسول الخاتم ﷺ في عرب الجزيرة، فكانت هذه البقعة هي مهد الرسالة، وتأهل أولئك العرب ليكونوا حملتها إلى أرجاء المعمورة. وتشربت الأمة بمعاني العقيدة، فكان المجتمع المثالي الذي لا يتكرر، ولم تتمكن الفرقة بين أبناء الأمة؛ إذ أنه كلما طرأت عواملها، أرسل الله من يعيد الأمة إلى رشدها. ولقد تضمن الحديث هنا إضافة إلى ذلك بعض المميزات لهذه البلاد (الجزيرة العربية) والتحذير من الوشايات التي تبث ضدها.

стр. 211

نور الله يسطع في الجزيرة الحمد لله رب العالمين، يمن على عباده في كل زمان فترة من المرسلين، بوجود الدعاة المصلحين، والأئمة المهديين، أحمده تعالى وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأستعينه على أمور الدنيا والدين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله الصادق الأمين، الذي أنار الله به الطريق للسالكين، فأعلى منار الحق للقاصدين، وأبان السبيل بناصف الحجج وواضح البراهين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الغر الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فأوصيكم -عباد الله- ونفسي بتقوى الله ، فهي جماع الخيرات، وسبب البركات، ومصدر الرحمات، ونور الظلمات، وسبيل علو الدرجات، والأمانِ من الدركات، وتكفير الذنوب والسيئات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٢٨]. إخوة الإسلام: لقد اقتضت حكمة الحكيم الخبير سبحانه، وهو الرحيم اللطيف بعباده، ألا يخلو زمانٌ من الأزمنة من قائمٍ لله بحجته، مستمسكٍ بدينه وشرعتهِ منافحٍ عن منهاجه وسنتهِ، مدافعٍ عن عقيدته وملتهِ، فأنزل كتبه، وأرسل رسله: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء:١٥] وليس بخافٍ على كل ذي لب ما كان عليه أهل الجاهلية قبل البعثة المحمدية من شركٍ ووثنية، وشقاءٍ وانحطاطٍ ووحشية، وفرقة وشتاتٍ وظلمٍ وهمجية، فبعث الله فيهم خاتم أنبيائه وأفضل رسله، هادياً ومبشراً ونذيراً: ﴿وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ [الأحزاب:٤٦] ففتح الله على يديه الفتح المبين، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، ولم ينتقل ﵊ إلى الرفيق الأعلى حتى دانت الجزيرة بدين الحق، وخفقت راية التوحيد على كثيرٍ من أرجاء المعمورة.

стр. 212

فرقة الأمة بعد وحدتها ثم إنه بعد انقضاء القرون المفضلة دب في الأمة داء الفرقة والخلاف، وعصفت بها عواصف التشتت والنزاع، وعمها طوفان الإعراض عن منهج الله، فتفرق شملها وتبدد صفها، وتمزقت وحدتها، فذلت بعد عزة، وضعفت بعد قوة، وغرقت في أوحال الجهل والخرافة، ومستنقعات الشرك والوثنية إلا من رحم الله، لكن من رحمة الله سبحانه بأمة محمد ﷺ أن وقاها عذاب المحق والاستئصال، وقضى بوجود الطائفة المنصورة والفرقة الناجية إلى قيام الساعة، فراية التوحيد لا تسقط أبداً، وصوت الإسلام لا ينقطع سرمداً. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما أن رسول الله ﷺ قال: ﴿لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون﴾ فلم يخل قرنٌ من القرون مع كثرة الفتن وغلبة الإعراض والمحن من وجود أئمة مهديين، وعلماء ربانيين، ودعاة مصلحين، يجددون لهذه الأمة أمر دينها، إمامة ودعوة، تعليماً وإصلاحاً، قدوة وجهاداً ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ويذبون عن شريعة رب العالمين، وسنة سيد المرسلين ﵊، مصداقاً لقوله ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود وصححه الحاكم وسنده جيد ورجاله ثقات: ﴿إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها﴾ فلم يزل تفضلاً منه ومنة يوفق لإقامة عقيدة التوحيد، ويمكن لشريعة الإسلام، مع أن عوامل الضعف ما برحت، ونقم الكيد للإسلام وأهله ما فتئت تصيب الأمة بالوهن والأدواء، في عددٍ من أعضاء جسدها المثخن بالجراح.

стр. 213

الإيمان سلاح الماضي والمستقبل أمة الإسلام: والمستقرئ لتاريخ هذه الأمة في أطواره المختلفة، يجد أن دولة الإسلام لم ينقطع موكبها، ولم تنطفئ أنوارها بحمد الله، منذ أن أشاد المصطفى ﷺ صرح حضارة الإسلام الأولى، نعم. كانت هناك ولا تزال محاولات مستمرة ترمي إلى إقصاء الإسلام وتجريد أهله من إمكانياتهم المادية والمعنوية، وحرمانهم من حقوقهم وقوتهم في شتى المجالات، وغزوهم عقدياً وفكرياً وتربوياً وإعلامياً، لكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. وإذا كان العالم اليوم بساسته ومفكريه ومثقفيه ومنظريه، يرقب بحذر كيفية الدخول والتعامل مع القرن الحادي والعشرين، فإننا نقول بهاماتٍ مرتفعة، وأصواتٍ مدوية: إن سلاح العقيدة والإيمان هو السلاح الفاعل في كل العصور والأزمان معاشر المسلمين، لقد شهدت الجزيرة العربية أحقاباً عجافاً، وأتى عليها حينٌ من الدهر لم تكن شيئاً مذكوراً، إلا بالظلم والنهب، والجهل والسلب وشيوع القتل والفوضى، وكانت مسرحاً للجرائم، ومثلاً في إنعدام الأمن وكثرة المخاوف. ضج الحجيج وضج البيت والحرم واستصرخت ربها في مكة الأمم حين انفرط عقدها وذهبت ريحها وتسلط عليها أعداؤها، ولم تزل في هذا الوضع المتردي حتى قيظ الله لها أئمة الدعوة الإصلاحية المباركة، في زمنٍ كثر فيه الجهل والخوف وعم، وعظم فيه التخلف والإطراب وطم، ووهت صلة الناس بعقيدتهم، وانعدم توثقهم بشريعتهم، فأجرى الله على أيديهم من الخير للبلاد والعباد ما يشهد به العقلاء المنصفون، ويشكك بها المغرضون الحاقدون، وأعليت راية التوحيد ووئدت الخرافة، وأبطل التنديد، فتحاً من المجيد، وتيسيراً من العزيز الحميد، حتى قرت عيون الموحدين؛ بانتشار نور العلم، وتبددت سحب الجهالة، وتحقيق الوحدة والأخوة، وتأمين السبل وشيوع الأمن، واطمئنان ركاب السفينة إلى من يقودها بمهارة، وسط الأمواج الهائجة، إلى بر الأمان وشاطئ السلامة والنجاة، وهذا من مقتضيات الإمامة والولاية في هذا الدين. يقول أبو المعالي الجويني الشافعي: والإمامة متضمنها حفظ الحوزة والذب عن البيضة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الجنف والحيف، وتشييد مباني الرشاد، وحسم معاني الغي والفساد؛ فتنتظم أمور الدين والدنيا، والغرض الأعظم منها جمع شتات الرأي، فإن معظم الخبال والاختلال يتطرق إلى الأحوال من اضطراب الآراء، فلا ينتظم تدبير ولا يستتب من إيالة الملك قليلٌ ولا كثير.

стр. 214

مميزات الدعوة في الجزيرة إخوة العقيدة: لقد قامت في دنيا الناس حضاراتٌ شتى، وواجهت أزماتٍ متعددة سياسية واقتصادية واجتماعية، غير أن القضية المهمة في حياة الأفراد والأمم، على مدار التاريخ كله هي قضية الثوابت والمنهج.

стр. 215

صفاء المعتقد ومن فضل الله على هذه الجزيرة بعدما نعمت باليقظة الإصلاحية الكبرى، أنها تميزت بخصائص فريدة، وثوابت عتيدة، أهمها صفاء المعتقد في زمنٍ غشيته غاشية سوداء، فألبس التوحيد الخالص لله نسجاً من الخرافات الباطلة، فعظمت المشاهد والقبور، وأشيدت الأضرحة والمزارات، وعبثت الأوهام والخيالات، فبدل مسلمون غير المسلمين، وهبطوا في قوة سحيقة من الظُلْم والظُلَم، فعاش العالم في جوٍ ملبد، وظلمة مطبقة، وفيما العالم مستغرقٌ في هجعته، ومدلجٌ في ظلمته إذا بصوت الإمام المصلح الشهير، والمجدد الكبير طيب الله ثراه وأكرم في الجنة مثواه، يدوي في قلب الصحراء لإيقاظ الأمة من سباتها العميق، حتى تبدت تباشير فجر الإصلاح، وسطعت شمس الحق بعدما كانت في أفول، وتبددت ظلمات الجهالة بعدما كانت في امتدادٍ وشمول، ولقد كان من الثوابت المهمة في هذه الجزيرة: تحكيم الشريعة والتحاكم إلى الكتاب والسنة، فلا تعصب لأحدٍ من المذاهب، ولا جمود على شيء من المشارب.
следующие страницы →