← Джавами‘

Джавами‘ · id 7738

دروس للشيخ عبد الرحمن السديس

عبد الرحمن السديس

Полный текст (1 023 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

نور الله يسطع في الجزيرة الحمد لله رب العالمين، يمن على عباده في كل زمان فترة من المرسلين، بوجود الدعاة المصلحين، والأئمة المهديين، أحمده تعالى وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأستعينه على أمور الدنيا والدين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله الصادق الأمين، الذي أنار الله به الطريق للسالكين، فأعلى منار الحق للقاصدين، وأبان السبيل بناصف الحجج وواضح البراهين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الغر الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فأوصيكم -عباد الله- ونفسي بتقوى الله ، فهي جماع الخيرات، وسبب البركات، ومصدر الرحمات، ونور الظلمات، وسبيل علو الدرجات، والأمانِ من الدركات، وتكفير الذنوب والسيئات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٢٨]. إخوة الإسلام: لقد اقتضت حكمة الحكيم الخبير سبحانه، وهو الرحيم اللطيف بعباده، ألا يخلو زمانٌ من الأزمنة من قائمٍ لله بحجته، مستمسكٍ بدينه وشرعتهِ منافحٍ عن منهاجه وسنتهِ، مدافعٍ عن عقيدته وملتهِ، فأنزل كتبه، وأرسل رسله: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء:١٥] وليس بخافٍ على كل ذي لب ما كان عليه أهل الجاهلية قبل البعثة المحمدية من شركٍ ووثنية، وشقاءٍ وانحطاطٍ ووحشية، وفرقة وشتاتٍ وظلمٍ وهمجية، فبعث الله فيهم خاتم أنبيائه وأفضل رسله، هادياً ومبشراً ونذيراً: ﴿وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ [الأحزاب:٤٦] ففتح الله على يديه الفتح المبين، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، ولم ينتقل ﵊ إلى الرفيق الأعلى حتى دانت الجزيرة بدين الحق، وخفقت راية التوحيد على كثيرٍ من أرجاء المعمورة.

стр. 212

فرقة الأمة بعد وحدتها ثم إنه بعد انقضاء القرون المفضلة دب في الأمة داء الفرقة والخلاف، وعصفت بها عواصف التشتت والنزاع، وعمها طوفان الإعراض عن منهج الله، فتفرق شملها وتبدد صفها، وتمزقت وحدتها، فذلت بعد عزة، وضعفت بعد قوة، وغرقت في أوحال الجهل والخرافة، ومستنقعات الشرك والوثنية إلا من رحم الله، لكن من رحمة الله سبحانه بأمة محمد ﷺ أن وقاها عذاب المحق والاستئصال، وقضى بوجود الطائفة المنصورة والفرقة الناجية إلى قيام الساعة، فراية التوحيد لا تسقط أبداً، وصوت الإسلام لا ينقطع سرمداً. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما أن رسول الله ﷺ قال: ﴿لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون﴾ فلم يخل قرنٌ من القرون مع كثرة الفتن وغلبة الإعراض والمحن من وجود أئمة مهديين، وعلماء ربانيين، ودعاة مصلحين، يجددون لهذه الأمة أمر دينها، إمامة ودعوة، تعليماً وإصلاحاً، قدوة وجهاداً ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ويذبون عن شريعة رب العالمين، وسنة سيد المرسلين ﵊، مصداقاً لقوله ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود وصححه الحاكم وسنده جيد ورجاله ثقات: ﴿إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها﴾ فلم يزل تفضلاً منه ومنة يوفق لإقامة عقيدة التوحيد، ويمكن لشريعة الإسلام، مع أن عوامل الضعف ما برحت، ونقم الكيد للإسلام وأهله ما فتئت تصيب الأمة بالوهن والأدواء، في عددٍ من أعضاء جسدها المثخن بالجراح.

стр. 213

الإيمان سلاح الماضي والمستقبل أمة الإسلام: والمستقرئ لتاريخ هذه الأمة في أطواره المختلفة، يجد أن دولة الإسلام لم ينقطع موكبها، ولم تنطفئ أنوارها بحمد الله، منذ أن أشاد المصطفى ﷺ صرح حضارة الإسلام الأولى، نعم. كانت هناك ولا تزال محاولات مستمرة ترمي إلى إقصاء الإسلام وتجريد أهله من إمكانياتهم المادية والمعنوية، وحرمانهم من حقوقهم وقوتهم في شتى المجالات، وغزوهم عقدياً وفكرياً وتربوياً وإعلامياً، لكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. وإذا كان العالم اليوم بساسته ومفكريه ومثقفيه ومنظريه، يرقب بحذر كيفية الدخول والتعامل مع القرن الحادي والعشرين، فإننا نقول بهاماتٍ مرتفعة، وأصواتٍ مدوية: إن سلاح العقيدة والإيمان هو السلاح الفاعل في كل العصور والأزمان معاشر المسلمين، لقد شهدت الجزيرة العربية أحقاباً عجافاً، وأتى عليها حينٌ من الدهر لم تكن شيئاً مذكوراً، إلا بالظلم والنهب، والجهل والسلب وشيوع القتل والفوضى، وكانت مسرحاً للجرائم، ومثلاً في إنعدام الأمن وكثرة المخاوف. ضج الحجيج وضج البيت والحرم واستصرخت ربها في مكة الأمم حين انفرط عقدها وذهبت ريحها وتسلط عليها أعداؤها، ولم تزل في هذا الوضع المتردي حتى قيظ الله لها أئمة الدعوة الإصلاحية المباركة، في زمنٍ كثر فيه الجهل والخوف وعم، وعظم فيه التخلف والإطراب وطم، ووهت صلة الناس بعقيدتهم، وانعدم توثقهم بشريعتهم، فأجرى الله على أيديهم من الخير للبلاد والعباد ما يشهد به العقلاء المنصفون، ويشكك بها المغرضون الحاقدون، وأعليت راية التوحيد ووئدت الخرافة، وأبطل التنديد، فتحاً من المجيد، وتيسيراً من العزيز الحميد، حتى قرت عيون الموحدين؛ بانتشار نور العلم، وتبددت سحب الجهالة، وتحقيق الوحدة والأخوة، وتأمين السبل وشيوع الأمن، واطمئنان ركاب السفينة إلى من يقودها بمهارة، وسط الأمواج الهائجة، إلى بر الأمان وشاطئ السلامة والنجاة، وهذا من مقتضيات الإمامة والولاية في هذا الدين. يقول أبو المعالي الجويني الشافعي: والإمامة متضمنها حفظ الحوزة والذب عن البيضة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الجنف والحيف، وتشييد مباني الرشاد، وحسم معاني الغي والفساد؛ فتنتظم أمور الدين والدنيا، والغرض الأعظم منها جمع شتات الرأي، فإن معظم الخبال والاختلال يتطرق إلى الأحوال من اضطراب الآراء، فلا ينتظم تدبير ولا يستتب من إيالة الملك قليلٌ ولا كثير.

стр. 214

مميزات الدعوة في الجزيرة إخوة العقيدة: لقد قامت في دنيا الناس حضاراتٌ شتى، وواجهت أزماتٍ متعددة سياسية واقتصادية واجتماعية، غير أن القضية المهمة في حياة الأفراد والأمم، على مدار التاريخ كله هي قضية الثوابت والمنهج.

стр. 215

صفاء المعتقد ومن فضل الله على هذه الجزيرة بعدما نعمت باليقظة الإصلاحية الكبرى، أنها تميزت بخصائص فريدة، وثوابت عتيدة، أهمها صفاء المعتقد في زمنٍ غشيته غاشية سوداء، فألبس التوحيد الخالص لله نسجاً من الخرافات الباطلة، فعظمت المشاهد والقبور، وأشيدت الأضرحة والمزارات، وعبثت الأوهام والخيالات، فبدل مسلمون غير المسلمين، وهبطوا في قوة سحيقة من الظُلْم والظُلَم، فعاش العالم في جوٍ ملبد، وظلمة مطبقة، وفيما العالم مستغرقٌ في هجعته، ومدلجٌ في ظلمته إذا بصوت الإمام المصلح الشهير، والمجدد الكبير طيب الله ثراه وأكرم في الجنة مثواه، يدوي في قلب الصحراء لإيقاظ الأمة من سباتها العميق، حتى تبدت تباشير فجر الإصلاح، وسطعت شمس الحق بعدما كانت في أفول، وتبددت ظلمات الجهالة بعدما كانت في امتدادٍ وشمول، ولقد كان من الثوابت المهمة في هذه الجزيرة: تحكيم الشريعة والتحاكم إلى الكتاب والسنة، فلا تعصب لأحدٍ من المذاهب، ولا جمود على شيء من المشارب.

стр. 216

تبني قضايا المسلمين ومنها: تبني قضايا المسلمين الكبرى، ويأتي في مقدمتها قضية أولى القبلتين، وثالث المسجدين الشريفين، ومسرى سيد الثقلين ﵊، وقضايا الأقليات الإسلامية ومآسيها في كل مكان، جعله الله خالصاً لوجهه الكريم، ومنها إقامة الوحدة الإيمانية على هذا الأساس المتين. إخوة الإيمان: لقد شاء الله لهذه الجزيرة اصطفاءً واختياراً؛ فجعلها منطلقاً للرسالة الإسلامية الخالدة، ومتنزلاً لوحيه، ومهداً لدعوة نبيه ﷺ ، ومكاناً لحرمه ومسجد رسوله ﵊، وقبلة لعباده ومهوى لأفئدتهم، ومحلاً لأداء مناسكهم، ومأرزاً لإيمانهم، فأمنه أمن جميع البلاد، ونور إيمانها ساطعٌ بحمد الله في الأسطاع والوهاد، وهي مأوى كل مضطهدٍ في دينه من سائر العباد.

стр. 217

الأمن والوحدة وإن المسلم الحق لينشرح صدره بالتمكين لبقعة الإسلام الأولى، وانطلاقة دعوته الكبرى، ويفرح ويغتبط حينما يرى صفاء العقيدة وظهور السنة، ويغمره السرور ويكتنفه الاستبشار والحضور حين يجد الراحة والأمن، وهو يحج ويعتمر، بكل أمنٍ وأمانٍ واطمئنان، بعدما كانت رحلة الحج والعمرة رحلة مصيرية، تمثل حياة أو موتاً، فلله الحمد أولاً وآخراً، وباطناً وظاهراً: كانت جزيرتنا بالأمس عارية واليوم قد لبست أثوابها القشبا لقد كان فيها من الهرج ما يبكي العيون. كانت ممزقة الأطراف مرهقة فالخد منعفر والركن مهدودُ فأصبحت بعد ضم الشمل شامخة حين استتب لها بعثٌ وتجديدُ فتمثلت الجزيرة بعد الدعوة الإصلاحية نسيجاً وحدوياً يقل نظيره، نجدها وحجازها، جنوبها والشمال، في نظام متحد، بعدما أدى الشقاق في الأمة إلى ضمور معاني الوحدة فيها، فكانت كثير من الكيانات تعاني الفرقة في أقسى معانيها، في انقساماتٍ عصبية، ومشاحناتٍ إقليمية. إن كل أمة تعتنق عقيدة التوحيد، وتلتزم شريعة الله لا يحق لها أن تجعل لأسباب الفرقة طريقاً إلى وحدتها، لكي تنطلق إلى آفاق البناء، وتستشرف آمال المستقبل، على خطىً ثابتة توحداً وتوحيداً: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢] ولقد كانت نتيجة ذلك وآثاره أمناً وارف الظلال بحمد الله في عالمٍ ضرب الخوف فيه أطنابه، ولم يعد أحدٌ آمناً على نفسه وماله وعرضه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٦٧].

стр. 218

الحكمة من إيراد مميزات الدعوة في الجزيرة يقال ذلك -أيها المسلمون- تذكيراً بالنعم؛ ليشكر المنعم المتفضل سبحانه، وتأكيداً على الثوابت المتينة، حتى يتذكرها الجيل المعاصر اليوم، الذي يخشى أن ينخدع ببريق المدنية الزائفة، وإهابة بالأمة للتذكر والاتعاظ والاعتبار، وليس هذا القول لأحدٍ ثناءً ومدحاً، ولا لغيره ذماً وقدحاً؛ ولكنه للحقيقة والتأريخ، ألا فليعلم ذلك أهل الجزيرة، قادة وعلماء، شباباً وشيباً، رجالاً ونساءً؛ فيلتزموا نهج السلف، ليكونوا خير خلف تمسكاً بالأصالة، وحسن تعاملٍ مع المتغيرات، بعيداً عن الإفراط والتفريط، والانبهار والانهزامية في العقيدة والمنهج، والفكر والتربية والإعلام، وفي كل مجال من المجالات، ليضيعوا الفرصة على خفافيش الظلام، الذين يحاولون الاصطياد في الماء العكر، فيجروا شباب الجزيرة وفتياتها إلى ما يخالف ثوابتها وقيمها، ويخربوا سفينة الأمة وأمنها وأمانها: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤٠ - ٤١] نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبسنة سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفروا الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 219

الوشايات المغرضة ضد الجزيرة الحمد لله ذي المن والعطاء، والعز والعظمة والكبرياء، أحمده تعالى وأشكره على جزيل الآلاء وترادف النعماء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا أنداد ولا شركاء، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أفضل الرسل وخاتم الأنبياء، صلى الله عليه وعلى آله الشرفاء، وصحبه الحنفاء، ومن سار على منهجهم واقتفى، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فأوصيكم -عباد الله- بتقوى الله جل وعلا، فإنها العدة في الشدة والرخاء، والذخيرة في السراء والضراء. عباد الله: ومع كل ما حبى الله مهد الإسلام ومئرز الإيمان من المزايا والخصائص؛ فإن المتقرر لدى النصفة أن الكمال لله وحده، وأن العصمة ليست لأحدٍ من خلقه سوى أنبيائه ورسله فيما يبلغون من شرعه، ومن رام الكمال فقد رام مستحيلاً، والموفق الملهم من سخر في الخير مفتاحاً، وللشر مغلاقاً، بالمعروف أماراً، وعن المنكر نهاءً، على ضوء الكتاب والسنة، وفي ضوء الأساليب الشرعية. ولقد دأب الخصوم على رفع عقيرتهم عند تجدد كل نعمة، وتبدد كل نقمة، فبث الدعايات المغرضة، والوشايات الكاذبة، ضد هذه الجزيرة ودعوتها الإصلاحية، فدعوها مذهباً خامساً، وخروجاً عما كان عليه المسلمون الأوائل، بدعوى الوهابية أو غيرها، وتلك شنشنة يرددها من يهذي بما لا يدري، ويهرف بما لا يعرف، ممن أرخى لنفسه الزمام جهلاً أو إعراضا، دون روية وتثبت، واطلاعٍ ونظرٍ، وشأن المسلم الحصيف الواعي أن ينظر بميزانٍ النقل الصحيح والعقل الصريح، ولا يقيم وزناً للشائعات المغرضة، والوشايات الكاذبة. كما أن علينا جميعاً الحذر من كل دعوة تخالف ثوابتنا، ومنهجنا الصحيح، وإن تزينت ببهرج القول تطويراً، وتنميق الأساليب تنويراً، فالله الله في الثبات على عقيدتنا وديننا! لا إشادة بأمجاد الماضي فحسب، وإنما استمساكاً وعزمات، وعملٌ وجدٌ وثبات، ومثابرات للنهوض والشموخ لبناء صرحٍ لا كالصروح، وحضارة لا كالحضارات، في عالمٍ يموج بالمتغيرات والتحديات، فيبني الأحفاد كما بنى الأجداد، ويفعلون مثلما فعلوا، وكان الله للمخلصين لدينهم وأمتهم ومجتمعهم معيناً ونصيراً إنه نعم المولى ونعم النصير. هذا وصلوا وسلموا -رحمكم الله- على النبي المصطفى، والرسول المجتبى، خير الورى طرى، وأتقاهم لربه جهراً وسراً، كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا، فقال تعالى قولاً كريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين والصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم برحمتك وبكرمك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعلهم أنصاراً لدينك حماة لشرعك، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة يا ذا الجلال والإكرام. اللهم وفق إمامنا لما تحبه وترضاه، اللهم خذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم وفق جميع ولاة المسلمين للحكم بشريعتك واتباع سنة نبيك ﷺ ، واجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين يا رب العالمين. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم وعجل بنصرهم يا قوي يا عزيز، اللهم أقر أعيننا بإعادة المسجد الأقصى إلى بلاد المسلمين. اللهم عليك باليهود المعتدين، والصرب الظالمين، والوثنيين الحاقدين، وسائر الطغاة والملحدين والمفسدين يا رب العالمين. اللهم انصر إخواننا في فلسطين وفي كشمير وفي كوسوفا وفي كل مكانٍ يا رب العالمين، اللهم انصرهم يا قوي يا عزيز. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه المؤمنون المتقون، ويذل فيه المجرمون المنحرفون، يا ذا الجلال والإكرام: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم إنا خلقٌ من خلقك، فلا تمنع عنّا بذنوبنا فضلك، يا ذا الجلال والإكرام يا أرحم الراحمين، يا رب العالمين: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الرحمين. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

стр. 220

فضل رمضان رمضان محطة لتجديد الإيمان، وتغذية الروح، والتزود من معرفة الدين والعمل به، وحرام ما يفعله بعض الأشقياء من هتكٍ لحرمة هذا الشهر، بالسماع المحرم، والقول المحرم، والفعل الفاحش، وكلام الشيخ هنا يتضمن فضائل لصيام هذا الشهر، وآداباً حض على الالتزام بها، وبعض المميزات الهامة لهذا الشهر الكريم.

стр. 221

فضل صيام رمضان وآدابه الحمد لله الذي منَّ على عباده بمواسم الخيرات، وجعلها غنيمة لهم تغفر فيها الذنوب وتكفر فيها السيئات, ويضاعف الثواب وترفع الدرجات، أحمده تعالى على جميع الإقبال والإنعام، وأشكره أن بلغنا بلطفه وكرمه شهر رمضان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل من صلى وصام، وأتقى من تهجد وقام، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان. أما بعد: أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى واشكروه على ما شرع لكم من العبادات العظيمة، وهيء لكم من المناسبات الكريمة، مناسبات البر والإحسان والرحمة والغفران؛ لتكون منهلاً عذباً للطائعين ليزيدوا في طاعتهم وإقبالهم على ربهم، وفرصة للمقصرين والمفرطين ليجددوا التوبة من ذنوبهم، ويفتحوا صفحة جديدة من حياتهم.

стр. 222

فضل شهر رمضان عباد الله: تعيشون هذه الأيام شهراً كريماً، وموسماً عظيماً، تضاعف فيه الحسنات وتغفر فيه الخطايا والسيئات، وترفع فيه الدرجات وتقال العثرات، إنه ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]. شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، فيه ليلة خير من ألف شهر، أعطيت فيه هذه الأمة خمس خصال لم تعطهن أمة من الأمم قبلها: خلوف فم الصائم أطيب من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويزين الله كل يوم جنته، وتصفد فيه مردة الشياطين، ويغفر للصائمين في آخر ليلة منه، كما جاء في الحديث عنه ﷺ الذي أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁: ﴿من صام هذا الشهر إيماناً واحتسباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه﴾، كما صح في ذلك الحديث عن رسول الله ﷺ أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، وفي هذا الشهر الكريم تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران. وكم في رمضان من المحامد والفضائل والخيرات والبركات، فيجب على المسلمين اغتنام أيامه الغر، ولياليه المباركة بالأعمال الصالحة، وكثرة العبادة، والصلاة، وتلاوة القرآن وتدبره، والإحسان والصدقة، والدعاء والاستغفار، ونحو ذلك.

стр. 223

من آداب الصيام أيها المسلمون الصائمون: احفظوا صيامكم عن النواقض والنواقص، وأدركوا حقيقته وأسراره، وتعلموا آدابه وأحكامه، فبعض المسلمين هداهم الله يجهل هذه الأمور، فلا يؤدي هذه الفريضة على الوجه الشرعي، فمن الناس من يقصر صومه على الإمساك عن الطعام والشراب فحسب ويطلق لجوارحه العنان تصول وتجول في المحرمات، قولاً وفعلاً، ونظراً واستماعاً، وهؤلاء قد فرطوا وضيعوا حقيقة الصوم، يقول ﷺ : ﴿من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه﴾ أخرجه البخاري، وقال ﵊: ﴿فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب﴾ أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁. وقال جابر بن عبد الله ﵁: [[إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك سكينة ووقار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء، فطوبى لمن حفظ صيامه، وصانه عما يدنسه، وعمر شهره بالصيام والقيام وتلاوة الكتاب والإحسان إلى الفقراء والمساكين]].

стр. 224

رمضان شاهد لك أو عليك ويا سعادة من جعل من رمضان وقت تغير وتحول في حياته من المعصية إلى الطاعة، ومن البدعة إلى السنة، ومن الإصرار على الذنوب إلى التوبة النصوح. ويا فلاح أمة عرفت ما صدره التاريخ الإسلامي من أمجاد وانتصارات في رمضان، في معارك الإسلام الفاصلة بين المسلمين وأعدائهم في بدر، وفتح مكة، وعين جالوت وحطين وحذت حذو أسلافها ونصرت دين ربها ورفعت راية الجهاد في سبيل الله، ضد أعداء الإسلام الذين تربصوا بالمسلمين، وغزوا ديارهم، وعبثوا بمقدساتهم! ويا شقاوة من هتك حرمة هذا الشهر، ودنسه بالمعاصي! فنهاره نوم وخمول، وليله سهر على ما حرم الله، اجتماعات سيئة، ولقاءات فاسدة، الشهر عنده للموائد والتفنن بالمآكل والمشارب، يفطر في تناول أعراض المسلمين بالغيبة والنميمة واللمز والتنابز بالألقاب، لسانه لا يفتؤ يكذب ويظلم ويخاصم ويخوض في القيل والقال، يسمع ويبصر ما حرم الله، يستثقل الصيام، ويستطيل الأيام، فيا خسارة من حظه من صيامه الجوع والعطش، ومن قيامه السهر والتعب! فلنتقي الله يا عباد الله! ولنحافظ على صومنا ونستغل أوقات شهرنا بالعمل الصالح الذي ينفعنا، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥]. بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي سيد المرسلين، وثبتني وإياكم على الصراط المستقيم، وتقبل منا صيامنا وقيامنا وهو السميع العليم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه لعلكم تفلحون.

стр. 225

الحفاظ على الفرائض الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. أما بعد: فيا عباد الله! اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أنعم عليكم من إدراك مواسم الخيرات، وما حباكم من الفضائل والمكرمات، وعظموا هذه المناسبات، وقدروها حق قدرها بفعل الطاعات والقربات، واجتناب المعاصي والمحرمات، فمثل هذه الأوقات ما جعلت إلا لتكفير سيئاتكم، وزيادة حسناتكم، ورفعة درجاتكم. واعلموا أنكم كما استقبلتم شهركم ستودعونه عما قريب، وهو شاهد لكم أو عليكم، وشافع لكم أو حجة عليكم، فاستودعوه أعمالاً صالحة تكن نافعة لكم يوم دفنكم، ويوم عرضكم على ربكم، وحافظوا على فرائض دينكم، من الصلاة والزكاة، فبعض الصائمين هداهم الله يتساهل في أداء هذه الفرائض كما شرع الله وسن رسول الله ﷺ . وتأسوا برسولكم ﵊، فقد كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان، وأكثروا من الصلاة والسلام عليه كما أمركم الله بذلك في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] اللهم صلِّ وسلم على قدوتنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه. اللهم ارض عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واحم حوزة الدين يا رب العالمين. اللهم أمنا في أوطاننا وأصلح واحفظ أئمتنا وولاة أمورنا، واستعمل على المسلمين في كل مكان خيارهم يا رب العالمين! اللهم وفق المسلمين والمسلمات، واهدهم سبل السلام، وألف بين قلوبهم، وتجاوز عن سيئاتهم يا رب العالمين! اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا، اللهم اجعلنا ممن صام فحفظ صيامه، وممن قام فداوم على قيامه، وأخلص لك في جميع تلك الأعمال. اللهم اجعلنا في هذا الشهر الكريم من المرحومين، اللهم اغفر لنا في هذا الشهر الكريم، اللهم اجعلنا من عتقائك من النار يا رب العالمين! اللهم أعد هذا الشهر الكريم على الأمة الإسلامية وهي ترفل بثوب العزة والكرامة، والنصر على الأعداء يا رب العالمين. اللهم وفق إمامنا لهداك، واجعل عمله في رضاك يا رب العالمين، وهيء له البطانة الصالحة، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 226

في ظلال سورة ق سورة ق من السور التي ينبغي تدبر معانيها، فهي تعالج قضية مهمة، وهي قضية إنكار البعث، وتذكر الإنسان بمراقبة الله له، وتعرض له مشاهد من الموت والعرض والحساب. وقد ورد أن النبي ﷺ كان يقرأ سورة ق في كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس.

стр. 227

القرآن دستور المسلمين الحمد لله الذي أنزل كتابه الكريم هدى للمتقين، وعبرة للمعتبرين، ورحمة وموعظة للمؤمنين، ونبراساً للمهتدين، وشفاءً لما في صدور العالمين، أحمده تعالى على آلائه، وأشكره على نعمائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحيا بكتابه القلوب، وزكى به النفوس، هدى به من الضلالة، وذكر به من الغفلة، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، الذي كان خلقه القرآن فصلوات الله عليه وعلى آله وصحبه، الذين كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يعلموا ما فيها من القول والعمل، ورضي الله عن جنده وحزبه، ومن ترسم خطاه وسار على نهجه، ما تعاقب الجديدان، وتتابع النيران، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أيها المسلمون! اتقوا الله ﵎ واشكروه على أن هداكم للإسلام، وجعلكم من أمة القرآن المعجزة الباهرة، والآية الظاهرة، كتاب الهدى وسفر الشهادة، ولواء الريادة والسيادة، وإمام الخير والحق والفضيلة، ودستور العدل والأمان في كل زمان ومكان: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]. أمة القرآن! إن سعادة البشرية وصلاح البلاد والعباد، مرهون باتباع هذا الكتاب، فإن كان قائداً إماماً نصب الأعين وبين الأيدي؛ حصلت سعادة الدارين، ونجاة الحياتين، وإن كان خلف الظهور والعياذ بالله! عم الذل والشقاء في الأولى والأخرى، ولو وقفت الأمة تحت راية القرآن وتفيأت ظلال دوحة الفرقان؛ لنالت سلم المجد، وتبوأت مكانة العزة والشرف والقوة، ولو أنها حافظت عليه وعملت بما فيه؛ لضاءت لها المسالك، وتفتحت لها المدارك، ولو درس المسلمون كتاب الله ووقفوا عند آياته فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، لصاروا سعداء عاجلاً وآجلاً. إخوتي في الله: يقول الله : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩] وأنكر المولى على الذين أعرضوا عن كتابه، فلا يتعظون ولا يتدبرون، اسمعوا إلى قوله تقدست أسماؤه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤].

стр. 228

وقفات مع سورة ق كانت سنة رسول الله ﷺ كثرة وعظ الناس بهذا القرآن، بل كان عليه صلوات ربي وسلامه يخطب الناس به، كما أخرج الإمام أحمد ومسلم وأبو داود وغيرهم عن أم هشام بنت حارثة، قالت: [ما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١] إلا من فيِّ رسول الله ﷺ كان يقرأ بها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس]. يا إخوة الإسلام! ويا أهل القرآن: ما أجمل أن نعيش لحظات في ظلال هذه السورة نتدبر آياتها ونتأمل عضاتها، ونقف عند عجائبها؛ إحياءً لهذه السنة التي اندثرت أو كادت تندثر، فلم يكن ﵊ ليركز عليها في اجتماع الناس ويقرأها في الفجر والجمع والأعياد إلا لما لها من الشأن والمكانة، إنها سورة عظيمة رهيبة، شديدة الوقع بأسلوبها وحقائقها، تأخذ بمجامع القلوب، تهز النفوس هزاً، وتثير فيها الخوف من الله، وتوقظها من الغفلة. فعسى أن نلقي نظرات تسحبها عبرات، من قضايا هذه السورة العظيمة، وصورها المتعددة، في الحياة والاحتضار والممات والبعث والحشر وغيرها: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٨].

стр. 229

معالجة قضية إنكار البعث أيها المسلمون: لقد ابتدأ الله هذه السورة، بالإنكار على المكذبين المنكرين لرسالة محمد ﵊، الجاحدين بالبعث والحساب، بقولهم: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق:٣]. فبين الله سبحانه أنهم لما كذبوا بالحق التبس عليهم الأمر فهم في أمرٍ مريج، قد اختلفت عليهم الحقائق، وعميت بهم السبل وهكذا كل من حاد عن الحق، تتقاذفه الأهواء، وتمزقه الحيرة، وتقلقه الشكوك. لقد جاء صدر هذه السورة ليعالج قضية عقدية مهمة، ألا وهي قضية البعث، وإنكار الكفار له، بأسلوبٍ يذيب القلوب ويرققها، ويقيم الحجة على المعاندين، ويلفت أنظارهم إلى بديع خلق الله في الأرض والسماوات، والجبال والمطر والنبات، يقول تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦] إلى قوله سبحانه: ﴿رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق:١١].

стр. 230

التذكير بمصارع الغابرين ثم يأتي السياق في عرض صفحة أخرى، تذكر القلوب بمصارع الغابرين وأحوال المكذبين السابقين، الذين حق عليهم وعيد الله بعذابه ونكاله بهم: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ﴾ [ق:١٢] إلى قوله سبحانه: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق:١٤].

стр. 231

رقابة الله لخلقه وتمضي السورة مستطردة مع قضية البعث، مذكرة الإنسان بخلق الله له، وعلمه به، وقربه منه، وأنه سبحانه يعلم وساوس النفس وخلجات الضمير، فضلاً عن الظاهر البيِّن: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] وتلفت الأنظار إلى رقابة الله جل وعلا على خلقه وأنه مطلعٌ على أعمالهم، وقد أوكل بكل إنسان ملكين، يتلقيان أعماله فكل لفظة وكلمة مدونة عليه يقول تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨].

стр. 232

مشاهد من الموت والعرض والحساب ثم تأتي المشاهد المرعبة بأسلوبٍ رهيبٍ مخيف، يرج الأفئدة رجاً مبتدأً بمشهد الموت وسكراته، ثم مشهد الحساب وعرض الصحف، ثم مشهد جهنم -أعاذنا الله منها- فاغرة فاها تتلمظ كلما ألقي فيها وقودها من الناس، تقول هل من مزيد؟ وفي جانب ذلك مشهد الجنة ونعيمها -جعلنا الله وإياكم من أهلها-. يقول تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] إنها سكرة فراق المال والمناصب: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩] ذلك ما كنت منه تحيد وتهرب، ولكن لا مفر من الموت ولا مهرب، ومن سكرة الموت إلى وهلة الحشر وهول الحساب: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:٢٠ - ٢١] معها سائقٌ وشهيد، وفي هذا الموقف العصيب يقال له: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:٢٢]. ويكشف السياق عن جانبٍ أشد وأعظم: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] الله أكبر! يؤتى بكل كفار عنيد ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾ [ق:٢٥] فيقذفون مع كثرتهم في جهنم تباعاً وتتكدس ركاماً، ثم تنادى: يا جهنم! هل امتلأتي واكتفيتي؟ ولكنها تجيب جواباً يروع القلوب ويهز النفوس: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] فيا له من هولٍ شديد ورعبٍ أكيد يبعث على القلوب الحية على الأخذ بأسباب الوقاية منها! ويقابل هذا المشهد المرعب، مشهد الجنة وهي تقرب من المتقين: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق:٣١] إلى قوله : ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]. ثم تختم السورة بتأكيد القضايا السابقة، ولكن بأسلوب جديد ليكون أكثر وقعاً وأشد تركيزاً، فيه لمسات التاريخ ومصارع الهالكين، وفيه الإشارة لبعض الحقائق الكونية، وفيه التذكير بعقيدة البعث والنشور، كل ذلك ذكرى ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:٣٧].

стр. 233

تدبر القرآن والاتعاظ به وبعد يا أمة القرآن هذه وقفات سريعة ونظرات خاطفة في سورة من أعظم سور القرآن. فأين القلوب التي تعي كلام الله، وتتدبر آياته؟! أين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً؟! العجب كل العجب! أن تكون مضغٌ مكونة من لحمٍ ودم أقسى من الجبال الرواسي والحجارة القاسية! ألم يقل الله سبحانه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١] فما بال القلوب -يا عباد الله- لا تلين ولا تخشع عند سماع آيات كتاب الله؟! إنها دعوة إلى المسلمين جميعاً، ولا سيما حملة كتاب الله، أن يتدبروا كتاب الله، وأن يستلهموا ما فيه من العبر والعظات، وأن يقفوا عند عجائبه ويحركوا به القلوب. يجب أن تربى الأجيال وتنشأ الأسر على هذا المنهاج السليم، تأسياً بسلف هذه الأمة ﵃ بإخلاصٍ واحتساب دون تصنعٍ وتكلفٍ واحتراف، وليتق الله من هضم حق كتاب الله، فساواه بغيره، ولاكه بلسانه، هذراً وهرذمة، دون تدبرٍ وتفكر. يا إخوة الإسلام: أعيدوا لكتاب الله حقه، لقد كان بعض السلف يقوم الليل كله بآية واحدة من كتاب الله يكررها ويبكي من خشية الله حتى الصباح، فأين نحن من هذا المنهج السديد؟! أما الشاردون عن القرآن، الغافلون عنه فليتقوا الله وليعودوا إليه، ليرتووا من معينه، وينهلوا من نميره، فهو علاج أمراض القلوب، وجلاء صدئها بإذن الله، ولا بد من التذكير مع بداية العام الدراسي لما لهذا الكتاب من مكانة، وما يجب على الطلاب والمدرسين وأولياء الأمور من مسئولية تجاه كتاب الله تلاوة، وتدبراً، وتطبيقاً، وتربية؛ ليعمل الجميع قدر جهدهم على أن يكون لكتاب الله النصيب الأكبر والحظ الأوفر من الأوقات، وفي ذلك الخير العظيم في الدنيا والآخرة. اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، اللهم ذكرنا منه ما نسينا، وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا. اللهم بارك لنا في القرآن العظيم، وانفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 234

فوائد القرآن الحمد لله الخالق المقدر، الرازق المدبر، مالك النفع والضر عالم الغيب والشهادة، وهو الحكيم الخبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، ﷺ عليه وعلى آله وصحبه. أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- واعلموا أن أعظم ما استفيد من كتاب الله: صفاء العقيدة، وسلامة التوحيد، وتحقيق التوكل على الله وحده، والبعد عن كل ما يعكر ذلك من الأوهام والخزعبلات، فقد اعتنى كتاب الله بتقرير هذه القضية معلقاً آمال العباد برب العباد وحده، فلا تملك الشهور والأيام، والنجوم والطيور، والأشكال والألوان ضراً ولا نفعاً، فذلك بيد الله وحده. وقد طهر الإسلام النفوس من عقائد الجاهلية، كالتطير والتشاؤم ببعض المخلوقات، وعليه فيجب على من آثر سعادة الدارين، وصلاح أمره في الحياتين، أن يعلم أن ما يفعله بعض الجهلة من التشاؤم من شهر صفر أمرٌ منافٍ لعقيدة الإسلام، وإنه والله لمن الغريب حقاً أن تعبث الأوهام بأمة التوحيد، وتبعدها عن نقاء العقيدة، فماذا يملك الغراب والبوم؟! وما ذنب الأربعاء وصفر؟! وقد أبطل الإسلام عقائد الجاهلية، يقول ﷺ : ﴿لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر﴾ أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁. فاتقوا الله -عباد الله- وأفيقوا من سباتكم وفوضوا أموركم كلها إلى مولاكم جل وعلا، وحققوا إيمانكم بصدق التوكل على الله، وقوة اليقين به، واحذروا ممن استهواهم الشيطان، فضلوا عن الهدى، وسعوا في إضلال عباد الله، من كل زائغ عن منهج الكتاب والسنة، وكل وكرٍ من أوكار الشيطان أعاذنا الله منه. ألا وإن من أعظم ما يقربكم لمولاكم ويزكيكم عنده: كثرة صلاتكم وسلامكم على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفقهم لهداك، واجعل عملهم في رضاك، وهيئ لهم البطانة الصالحة، اللهم احفظ على المسلمين عقيدتهم، اللهم احفظ عليهم إيمانهم وأمنهم يا رب العالمين! اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 235

واعبد ربك حتى يأتيك اليقين استهلَّ الشيخ حديثه بأهمية التذكير، والجلوس إلى العلماء، وثنَّى بالكلام عن حاجة العباد إلى ربهم، وجعل كلامه اللاحق على ثلاثة محاور: العبودية - الربوبية - الموت. فالعبودية وصف تشريف جعله الله لرسوله في أشرف المواضع التي ذكره بها في كتابه. والربوبية من مبادئ العقيدة التي لا غنى لأحد عنها. والموت حقيقة قاسية مرة، لكن يجب ترويض النفس على التفكر فيها والتذكير بها.

стр. 236

التذكير والتواصي بين المسلمين إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات الله وسلامه وبركاته عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الغر الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة الكرام: أيها الأحبة في الله! أحييكم بتحية الإسلام: فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. بادئ ذي بدء أشكر الله على ما منَّ به عليَّ وعليكم من هذا اللقاء الطيب المبارك الذي نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يحقق النفع منه إنه جواد كريم، فلا يخفى عليكم أيها الإخوة الأحبة! أهمية أمثال هذه اللقاءات؛ لأنها منطلقة من قول الحق ﵎: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥] وقوله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] وقوله ﵎: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]. فالتعاون والتواصي بالحق والصبر عليه سمات عظيمة من أهم سمات أهل الإيمان، ينبغي على جميع المسلمين العناية بها، وما هذه المحاضرات القيمة التي يقوم عليها وبها طلاب العلم والعلماء والمشايخ إلا من باب التعاون على البر والتقوى، بل هي في الحقيقة من أهم الجوانب التي يطلق عليها هذا التعاون، فالتعاون ليس إسداء أمر مادي فقط، وإنما نصح إخوانك ونصح نفسك أولاً، وإرشادهم وتذكيرهم بالواجب عليهم، وهذه الجلسات الإيمانية التي هي تذكير للغافل، وتنبيه للعالم والجاهل علهم يحاسبون أنفسهم، ويراجعون ربهم، ويوثقون الصلة به سبحانه. أثني بالشكر للإخوة الأحبة في الخطوط السعودية، لا سيما المسئولون عنها نسأل الله تعالى لهم كل توفيق، ونسأله تعالى أن يعينهم على ما حُمِّلوا، ونسأله جل وعلا أن يجعلهم خير من يقوموا على هذا الثغر المهم الذي له أبعاده وآثاره وأهميته لهذه البلاد وخارج هذه البلاد؛ لأنه في الحقيقة ثغر مهم ينبغي أن يمثل واجهةً إسلاميةً جيدةً تنم عن تمسك أهل هذه البلاد بعقيدتهم، واعتزازهم بدينهم، فنسأل الله تعالى أن يجعل من هؤلاء المسئولين خير من يمثل هذه المسئولية العظيمة، وإنهم لفاعلون إن شاء الله، وأخص بالشكر في الخطوط السعودية إخوتنا الفضلاء في لجنة التوعية الإسلامية، نسأل الله تعالى أن يثيبهم على جهودهم، وأن يجزيهم على جهودهم، وأن يجزيهم خيراً على ما قدموا. والحق أني لا أكتمكم أني تأثرت بالغ التأثر بالحفاوة والإكرام والتقدير الذي لمسته منهم في خطواتي إلى هذا المكان، فقد لمست فيهم من يمثل الإسلام حقيقة نحسبهم كذلك، ولا نزكي على الله أحداً، استقامة في السلوك، وحسن أخلاقٍ في المعاشرة، وليس هذا بغريب على أبناء التوحيد، وعلى أهل العقيدة، وعلى أهل المعادن الأصيلة كرماً ورجولةً وقوة معدن، فنسأل الله تعالى أن يثيبهم على هذه المحاضرات، وهذه الندوات التي يحرصون عليها، وهي في الحقيقة أهلٌ لأن يحرص عليها. واسمحوا لي أن أقول لكم: إن الواجب على إخوتنا في التوعية الإسلامية أكبر مما يقومون به، وإن كانوا ولله الحمد والمنة يقومون بجهود موفقة في هذا، لكن المسئولية عظيمة، والواجب كبير؛ لأننا بحاجة إلى الخطوط المعنوية التي تصلنا بعقيدتنا، تصلنا بمثلنا وقيمنا، تربطنا دائماً بمبادئنا الإسلامية القويمة، وأي انحراف عن هذا الخط العظيم، فإنه في الحقيقة مدعاة إلى التعثر في الخُطا، ومدعاة إلى أن يحصل لمن وقع في الانحراف ما لا تحمد عقباه. فهذه المحاضرات والندوات هي في الحقيقة طبٌ يعالج كل مظهر من مظاهر المخالفات لدين الله، كما أنها غذاءٌ يشحن الإنسان بما يحتاجه في دينه ودنياه وأخراه، ونحن نعلم في زحمة الحياة المادية حاجتنا إلى مثل هذه المحاضرات، وإلى هذه الندوات التي فيها قال الله وقال رسوله، وتبين للناس ما يجب عليهم، وترشدهم إلى ما قصروا فيه، فالكمال لله وحده، والخطأ من طبع البشر، فجزى الله إخوتنا في التوعية الإسلامية خيراً، وإلى الأمام سيروا في الإكثار من هذه المحاضرات، وإنني بالأصالة عن نفسي والنيابة عن زملائي وإخواني ومشايخنا سواء في مكة، أو في غيرها من أرجاء هذه البلاد المباركة نشجعكم ونعينكم، ونجعل من استجابتنا التي هي في الحقيقة واجبٌ علينا، وليست تفضلاً منا، بل هي واجب؛ لأن الواجب علينا في البلاغ والدعوة والبيان والإرشاد عظيم جداً، وأنا أقول: إننا بحول الله وقوته، وبعونه وتوفيقه يجب علينا ألا نألو جهداً في تشجيعكم ودعمكم كل ذلك في محيط ما تمليه علينا شريعتنا الغراء، وما يوجهه لنا ولاة أمرنا وفقهم الله إلى ما فيه عز الإسلام وصلاح المسلمين.

стр. 237

الذكرى في ظلال القرآن أيها الإخوة الأحبة: الحديث في ظلال القرآن له مذاقٌ خاصٌ، وله طعمٌ معين، لأننا يجب علينا أن نكون أهلاً للقرآن، فأهل القرآن الذين يقرءونه ويتدبرونه، ويخشعون في تلاوته، ويعملون بما فيه ويؤمنون بمحكمه ويعملون به، ويؤمنون بمتشابهه، ويحلون حلاله، ويحرمون حرامه؛ هؤلاء هم أهل الإيمان في الحقيقة، فالأمة الإسلامية قد منَّ الله عليها بهذا القرآن الكريم الذي أنزله الله هدايةً لها في جميع شئونها وأمورها ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] فالقرآن الكريم كتاب هداية، في أمور العقائد، وفي أمور العبادات، وفي أمور المعاملات، وفي أمور الأخلاق والسلوك، وفي كل أمور الدين والدنيا والآخرة؛ الكتاب الكريم هداية لنا، ولا مصدر للهداية إلا عن طريق هذا القرآن، وهذه حقيقة ينبغي أن نعيها جيداً، وينبغي أن نعتز بها، وينبغي أن نرفعها لا سيما في هذه الآونة التي أخفقت فيها جميع الشعارات، وأصبحت لا تمثل الهداية، ولا تمثل السعادة لمعتنقيها، بل لا يمثل السعادة على الحقيقة والهداية لخيري الدنيا والآخرة إلا هذا الكتاب الكريم الذي نزل من عند رب العالمين الذي هو أعلم بمصالح الناس، وأعلم بما يصلح لهم في أمور المعاش والمعاد قال : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] فالله خلق خلقه، واعتنى بهم جل وعلا، خلقهم في أحسن تقويم، وكرمهم أحسن تكريم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:٧٠] ويقول : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤] ويقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٨] ويقول جل وعلا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:١٣]. فكل ما في الخليقة، وكل ما في الكون في الأرض، والبحر، والجو، والسماء؛ مسخر لخدمة بني آدم، فالله خلقنا ورزقنا، وأنعم علينا بالنعم ما ظهر منها وما بطن، وسخر لنا ما في السماوات وما في الأرض، كل ذلك منَّةٌ علينا، وكل ذلك نعمةٌ من الله جل وعلا علينا، فالواجب على العباد أن يشكروا الله، من الذي خلقنا ورزقنا وكلأنا ورعانا وحفظنا بالليل والنهار؟ قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢] من الذي فعل ذلك إلا الله ؟! من الذي أنعم على العباد بنعم الإيمان والأمن والاطمئنان؟! وغيرهم يخافون، وغيرهم يصابون بالاضطراب، وغيرهم يصابون بالفيضانات والأعاصير والكوارث والحوادث، من الذي حفظهم إلا الله؟! فوا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحدُ ولله في كل تحريكةٍ وتسكينةٍ أبداً شاهدُ وفي كل شيءٍ له أيةٌ تدل على أنه واحدُ سبحان الله ما أكرمه وأعظمه! ما أحلمه وألطفه! سبحانه ما عبدناه حق عبادته، ينعم علينا؛ فلا نشكر نعم الله على الحقيقة، ونخطئ ونذنب؛ فيسترنا ويغفر لنا ذنوبنا قال : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. فالحاصل أن حاجة العباد إلى الله، وضرورة التجائهم إلى الله أعظم من ضرورتهم للطعام والشراب والكساء والهواء والدواء، لأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، من الذي ينفع إذا حصل الضر، وحصلت الكروب والكوارث والحوادث؟! لا يستطيع الناس أن يدفعوا عنك ضرراً، أو يجلبوا لك نفعاً، وإنما يملك ذلك الله وحده جل وعلا. وأما غيره فيقول تعالى فيهم: ﴿وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً﴾ [الفرقان:٣] ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٣ - ١٤] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦] لقد ضل أقوامٌ ألحدوا، وضل أقوامٌ أشركوا، وضل أقوامٌ كفروا، وضل أقوامٌ انحرفوا عن دين الله ، لقد ذاقوا وتجرعوا تعاسة الدنيا قبل عذاب الآخرة عافانا الله وإياكم. فيا أيها الإخوة الكرام! إن الحديث في ظلال القرآن حديث له أهمية، ينبغي على أمة الإسلام أن ترتبط بكتاب الله دائماً وأبداً قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩].

стр. 238

ثلاث قضايا اشتملت عليها الآية ونحن في هذه الجلسة المباركة نتأمل في آية من آيات كتاب الله، وقد أحسن الإخوة الكرام حين اختاروا هذا العنوان الطيب المبارك، واختاروا الحديث ليكون منبثقاً من عبق كتاب الله، ومن نمير كتاب الله ، نرتوي من نميره، ونُشفى من عللنا وأدوائنا وأمراضنا وقسوة قلوبنا من كتاب ربنا ﵎، ولا غرو فقد قال الله : ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت:٤٤] وقال ﷻ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٧ - ٥٨] والله إن هذا اللقاء الطيب المبارك -الذي نسأل الله أن يكتبه في موازين الجميع- لهو خيرٌ من الدنيا وما عليها؛ لأن صلة الإنسان بالله وارتباطه بالله، وجلوسه في مجلس تحفه الملائكة، وتغشاه الرحمة، ويذكر الله الحاضرين في الملأ الأعلى فيمن عنده، لهو خيرٌ من الدنيا وما فيها، فنسأل الله الإخلاص في الحضور، وفي الاستماع، والانتفاع إنه جوادٌ كريم. يقول الله في الآية الأخيرة من سورة الحجر: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] هذه آية عظيمة من كتاب الله ، لها دلالاتها العظيمة، ولها أهميتها الكبيرة، لأنها تشتمل في نظري وتدور على ثلاث قضايا رئيسية: القضية الأولى: قضية العبودية. القضية الثانية: قضية الوحدانية والربوبية. القضية الثالثة: القضية المصيرية التي كلنا قادمون عليها ألا وهي الموت. فهذه الثلاث القضايا الجوهرية يدور عليها رحى هذه الحياة، وتدور عليها متطلبات الناس في هذه الحياة، وما ينبغي عليهم في هذه الدنيا، العبادة: (وَاعْبُدْ)، الربوبية: (رَبَّكَ) الغاية التي تنتهي من أجلها وأساسها هذه الرسالة، وهي تحقيق العبودية لله، وهي قضية الموت (حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).

стр. 239

قضية العبودية العبادة في لغة العرب: الذل والخضوع، يقال: طريق معبد، أي: مذللٌ قد وطأته الأقدام. والعبادة في الاصطلاح- كما نعلم جميعاً-: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، وقد عرف ذلك التعريف جمعٌ من أهل العلم منهم شيخ الإسلام/ أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية رحمة الله عليه في كتاب جيد نفيس أنصح بقراءته اسمه" العبودية " بين فيه ﵀ ما يجب على العباد تجاه خالقهم، لأن الله -كما نعلم- خلقنا في هذه الحياة لا ليستكثر بنا من قلة، ولا ليستقوي بنا من ضعف، ولا ليتعزز بنا من ذلة، حاشاه سبحانه فهو الغني عن خلقه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:٧]. فالعبادة أمرٌ أوجبه الله ، بل هي الغاية من خلقنا، لم نخلق لنأكل، ولم نخلق لنتمتع في هذه الحياة، لم نخلق لنشرب، ولنركب، ولنتمتع بالشهوات، كما يفهم الشهوانيون الماديون، وإنما خلقنا لأمر عظيم، خلقنا لرسالة سامية لواجب كبير ألا وهو تحقيق العبادة لله، ففي هذه الآية أمر من الله لرسوله وحبيبه محمد بن عبد الله بالعبادة ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾ [الحجر:٩٩] وهذا أمر، والأمر للوجوب، وهذا أمر للنبي ﷺ وتدخل فيه أمته؛ لأن الأمر للنبي ﷺ أمر لأمته ما لم يرد دليل على تخصيصه ﵊ كما هو مقررٌ عند الأصوليين.

стр. 240

مكانة العبادة العبادة أمر واجب، ليست أمراً اختياراً، وليست أمراً يعاد فيه إلى رغبة الإنسان، بل على الإنسان أن يقوم بتحقيق العبادة لله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، هذه الغاية التي خلقنا من أجلها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١] من هو؟ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١ - ٢٢] هذا هو الله! ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢] يخلقكم ويرزقكم ويسخر لكم هذه النعم، فتحادونه، وتعبدون معه غيره! ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]. فواجب العباد أن يقوموا بالعبودية لله ، والعبودية -أيها الإخوة الكرام- وسام عزِّ، وتاج شرف، هي في الحقيقة أغلى والله من كل متاع هذه الحياة، ولهذا لما كانت أشرف وسام، كان النبي ﵊ وهو أشرف الخلق ينادى بأشرف نداء وهو نداء العبودية لله قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ [الجن:١٩] وقال : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:١] نعم هذا هو الوسام العظيم الذي ينبغي أن نتشرف بحمله في عبوديتنا لله ، وفي ذلك العز لنا والسعادة، والخيرية لنا في الدنيا والآخرة، ولهذا الذين يدَّعون أنهم يرفعون شرف النبي ﷺ ومكانته بالتشييد وغيره هم في الحقيقة أخطئوا ما هو أهم من هذا، فالنبي ﷺ ناداه ربه بأشرف نداء وهو نداء العبودية لله. ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا

стр. 241

العبادة حياة للأرواح العبادة نعمةٌ لا يحس بها إلا من حرمها، اسألوا الماديين، واسألوا الذين ذاقوا من متع هذه الحياة وشهواتها ما ذاقوا، ركبوا ما ركبوا، ولبسوا ما لبسوا، وتمتعوا بكل أمور هذه الحياة؛ ولكن كما قال الله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] ثم ماذا؟ إن لم يتربع الإيمان في سويداء قلوب الناس، وإن لم يشرفوا بالإيمان والعبودية لله الواحد الأحد، وإن لم يصلوا له ، ويتصلوا به في كل يوم وليلة خمس مرات، فإن ذلك معناه قضاء على الحياة الحقيقية، قضاء على الحياة التي لا تكون إلا بحياة الروح، وحياة الفكر حياة الإيمان، وحياة العقيدة. من هم الناس بدون الإيمان؟! ومن هم الناس بدون العقيدة؟! ومن هم الناس بدون العبادة لله ؟! وحوش في غابة، أو بهائم في زريبة، بينما إذا كانوا مؤمنين موحدين حقاً يتحلون بحلية الإيمان، يلتزمون تعاليم الإسلام، يطبقون في أنفسهم أعظم نظام عرفته البشرية، ولن تعرف أحسن منه إلى قيام الساعة، ولهذا ينبغي أن نعلم أن المخدوعين المنهزمين الذين ابتلوا بعقدة التأثر بأعداء الإسلام، ويطالبون أمة الإسلام بالتخلي عن هذا الدين، إنما هم أعداءٌ لنا في عقيدتنا، وأعداءٌ لنا في ديننا، وأنهم في الحقيقة يريدون تعاستنا، وأنهم حسدونا على ما نحن فيه من إيمان، وعلى ما نحن فيه من إسلام، فلن يكون عزٌ لهذه الأمة، ولا نصرٌ، ولا توفيقٌ، ولا سعادةٌ، ولا هدايةٌ في أمور الدين والدنيا إلا بتحقيق الإسلام، وهذه حقيقة مثبتةٌ في كتاب الله وسنة رسوله ﵊، وليس في قلوبنا مثقال ذرة من الشك في هذا، بل كلنا يقين، وكلنا اعتقاد إلا أننا نخشى أن يتأثر بعض أبناء المسلمين بهذه الدعاوى الجوفاء التي يطلقها إما بأقلامٍ، أو بأصوات بين الفينة والأخرى أناسٌ حاقدون على الإسلام، وإن تسموا باسم الإسلام، وأناسٌ منبهرون بأعداء الإسلام، وأناسٌ أُشربت قلوبهم والعياذ بالله بالعاجلة، وآثروها على الآجلة. ثبتنا الله وإياكم على طاعته، وهداهم إلى الحق، فإن نعمة الهداية لهذا الدين لا يحس بها إلا من حرمها الذين ينادون اليوم بالرجوع إلى الإسلام، والذين جربوا كل شرٍ وفتنةٍ ورذيلةٍ، ذاقوا من متع هذه الحياة ما ذاقوا، وانغمسوا في الشهوات ما انغمسوا، ثم ماذا؟ يحسون بفراغ! يحسون بنقص! ما حصل الاكتئاب والقلق والاضطراب والتوتر وكثر الأطباء النفسيون إلا لما ضعف الإيمان في النفوس، ولما ضعفت العبادة وتحقيقها في نفوس أهل الإسلام وفي نفوس الناس جميعاً. ولهذا المجتمعات الإسلامية التي طبقت الإسلام هي من أقل الناس أمراضاً وأوبئةً، ومن أقلها جرائم، ومن أسعدها حياةً، ونحن ولله الحمد والمنة في هذه البلاد من باب التحدث بنعم الله ننعم بهذه النعمة، ونحس طعم الإيمان في الحقيقة، ونحس الحياة السعيدة التي هي حياة الكتاب والسنة، ولكننا مع كل ذلك على خطر، أعداءٌ حاقدون، وأمورٌ يريد أعداء الإسلام تحقيقها حسداً من عند أنفسهم، ولكن أملنا في الله ، ثم في يقظة أبنائنا وإخواننا أبناء العقيدة الذين تربوا عليها لا يمكن أن يتنازلوا عنها يوماً ما؛ لأنهم جربوها، وأصبحوا ولله الحمد والمنة دعاةً لله، وأصبحت وبفضل الله ترى في كل مكان، وفي كل ثغر من الثغور، وفي كل بقعة من البقاع من يصدع بهذه العقيدة، ومن يدعو بهذه الدعوة، ومن يتمثل هذا الإسلام تمثلاً حقيقياً، وهذا من بشائر دين الله، ومن بشائر نصرة دين الله. وهنا أطمئن الجميع أن الذين يأسون على مستقبل المسلمين، وعلى أوضاع المسلمين، ويطلقون الآهات تلو الآهات على ما وصل إليه واقع الأمة المتردي عليهم ألا ييأسوا من روح الله، وعليهم أن يبشروا ويتفاءلوا، فالله ناصرٌ دينه، والناظر في تاريخ المسلمين، وفي تاريخ الأمم يجد أن الأمم مهما بعدت عن دين الله ، فإن الله بلطفه وكرمه ومنته يخرج منها طائفة في كل مكان تصدع بهذا الدين، وتقوم به، وتمتثل أمره حتى في البلاد التي تقول: لا إله، أصبحت اليوم تسمع لا إله إلا الله، وينطلق الأذان مدوياً عبر مآذنها، لما سقطت جميع الشعارات التي أثبتت إفلاسها، ولم تقدم السعادة للبشرية، ولم تحقق الحياة الإنسانية كما يقولون، فالحياة الإنسانية الكريمة حياة الطهر والعفاف والمبادئ والقيم والأخلاق لا تتحقق إلا في ظل الإسلام، أما إذا قصد بالحياة الإنسانية حياة العهر والخنا والرذيلة، فهذه في الحقيقة حياة بهيمية أكرمنا الإسلام أن نقع في حضيضها وفي مستنقعاتها.

стр. 242

عدم اقتصار العبادة على الشعارات أو الشعائر أيها الإخوة: عبادتنا لله وسام شرف نحمله في أعناقنا وفي صدورنا ينبغي ألا نفرط فيه، ولا يفوتني أن أنبه أن العبادة التي يأمرنا الله بها في هذه الآية وفي غيرها من آيات كتاب الله العزيز ليست مقصورة على الشعارات أو الشعائر، إنها ليست مقصورة على الشعائر التعبدية التي جاء بها الإسلام، وإن كانت في الحقيقة هي جزٌ كبيرٌ في العبادة، ولكن ليست هي العبادة، وإنما هي جزءٌ منها، ولهذا عرف أهل الإسلام العبادة بأنها: اسمٌ جامعٌ -معناها: واسع- لكل ما يحبه الله ويرضاه من قول أو فعل فإنه داخلٌ ضمن هذه العبادة سواء كان ظاهراً من الأعمال التي يراها الناس وتفعل، أو من الأمور الباطنة الأمور القلبية التي لا يعلمها إلا الله جل وعلا. وبهذه المناسبة أنبه الإخوة العاملين في كل مجال من مجالات الحياة الذين يعملون الأعمال المادية، الذين يعملون في هذا الثغر مثلاً في الخطوط السعودية، أو غيرها من الأعمال في قيامهم بخدمة إخوانهم المسافرين، في قيامهم بأعمالهم هذه إعفافاً لأنفسهم، وبحثاً عن لقمة العيش، وسداداً لأسرهم ومن يعولون أنهم في عبادة إذا أخلصوا النية لله، المزارع في عبادة لله إذا غرس وبذر وحصد إخلاصاً لله وتقويةً على العبادة، وإقامةً لجسده، وسداً لحاجة أسرته وحاجته ﴿إنك إن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس﴾ فالإنسان في عبادة في أي عمل عمله، الموظف في وظيفته، والتاجر في متجره، وكل إنسان في عمله متى ما أخلص النية لله -وهذا شرط مهم- واحتسب الأجر عند الله، وأخذ من هذه الوظيفة عوناً له على عبادة الله، وسداداً له وقياماً له بحاجاته وحاجات أسرته، فإنه في عبادةٍ يؤجر عليها، لم أقل هذا أنا، وإنما قاله المعصوم ﵊ حبيبنا وقدوتنا وأسوتنا وسيدنا بأبي هو وأمي ﵊، يقول: ﴿وفي بضع أحدكم صدقة﴾ حتى معاشرة الرجل لأهله وزوجته يؤجر، وهي صدقة يتصدق بها على نفسه، وعلى زوجه، الصحابة ﵃ عجبوا من هذا، فقالوا: ﴿يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟!﴾ هذه الشهوة والغريزة التي ركبت في الإنسان لا غنى له من إخراجها في طريق الحلال، أو في طريق الحرام والعياذ بالله ولكن طريق الحرام مغلق، فتصرف في طريق الحلال لا غنى له عن ذلك يؤجر على ذلك قال: ﴿أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر﴾. فهذه العبادة التي قام بها النبي ﷺ ، وقامت بها أمته من بعده، ويجب على الأمة الإسلامية أن تقوم بها خير قيام في كل أمورها في أمور الأعمال، وفي أمورها الوظيفية، وفي أمورها الأسرية، وفي أمور البيت والأسرة، وفي غير ذلك من الأعمال التي يقوم بها كل إنسان عليه أن يعلم أنه في عبادة إذا أحسن النية وأخلصها لله جل وعلا، كذلك الأقوال التي يكون فيها دلالة على الخير، أو فيها كلام مباح، أو فيها سؤال عن الحال، أو فيها انشغال عن المحرمات كل ذلك يؤجر عليه الإنسان، لكن لا يفوتنا أن نستصحب إخلاص النية والاحتساب للأجر من الله جل وعلا، هذه هي القضية الأولى التي شملتها هذه الآية، وهي قضية العبادة.

стр. 243

تحقيق العبودية معيار للعزة العبادة أيها الإخوة الكرام! معناها -كما سمعنا وكما علمنا- واسع وجامع، يدخل فيها كل قول، وكل عمل، وكل فعل، وكل خلق، وكل سلوك، وكل أمر يعمله الإنسان، أو يقوله، أو يتلفظ به، أو يقوم به ابتغاء وجه الله فيما يحبه الله ويرضاه، وهذا أمر مهم من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، والكلام في هذا في الحقيقة يطول، ويستحق محاضرة كاملة، لكني أنبه على أهمية هذا الأمر، وأنبه أيضاً على أن شرف الإنسان ومكانته إنما هو في الحقيقة بقيامه بعبادة الله، بقيامه بطاعة الله جل وعلا في كل أمر شرعه الله ، فليست الكرامة، وليست العزة، وليست السعادة هي في أمور هذه الحياة، المناصب تزول، المراكب، المشتهيات، المطعومات، المشروبات، كلها عرضٌ زائلٌ، فلا يبقى إلا القيام بالعبادة لله جل وعلا، القيام بالأعمال الصالحة، فالله هو الذي خلقك، ربط جل وعلا بين الخلق والأمر كما قال : ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤] فينبغي على العبد أن يقوم بعبادة الله ، فالذي خلقك ورزقك وأنعم عليك بهذه النعم هو الذي أمرك بما في كتاب الله، وما في سنة رسول الله ﵊، عليك أن تقوم بتحقيق هذه الأوامر، وما تحقيق هذه الأوامر إلا لسعادتك، ولصلاحك، ولسعادتك في الدنيا وفي الآخرة.

стр. 244

العبادة والعقيدة أهم العبادات التي يقوم العبد بها في جانب العقائد: جانب الوحدانية لله، جانب الألوهية لله ، تأليه الله ، بمعنى أن كل أمر يجب أن يكون لله، العبادة لله، الذبح لله، الخوف من الله، النذر لله، التوكل على الله، والاستعانة والاستغاثة والرجاء والخوف كله بالله ومن الله جل وعلا، هكذا يجب أن يقوم العباد، فالمحقق للعبادة لا يخاف إلا الله؛ لأنه يعلم أن أجله وأن رزقه مقسوم، والله هو الذي كتبه، وهو الذي يملك له الحياة، وهو الذي يملك له الموت، فلا يستطيع أحد في هذه الدنيا كائناً من كان أن يقدم من أجلك دقيقة، أو يؤخر دقيقة، أو يعطيك رزقاً منعك الله إياه، أو يجلب لك رزقاً منعك الله إياه، أو يحرم رزقك الذي أعطاك الله إياه وساقه إليك. فهذه العقيدة ينبغي أن تصطبغ في حياتنا، وفي أمورنا العامة، وفي أمورنا العملية، فليست العقيدة قضايا نظرية فقط، وإنما هي في الحقيقة ينبغي أن تتفاعل وأن تتحول إلى سلوك في حياة الناس، وهذا أمر مهم ينبغي ألا نغيب عنه أبداً، وألا يغيب عن أمورنا. فليس من العبادة، وليس من العقيدة أيضاً أنك تجعل للعبادة موسماً، أو وقتاً، أو مكاناً، ثم بعد ذلك تترك العبادة، فكما يقول بعض الناس، أو يتصور أن العبادة في المساجد، وأن العبادة في رمضان، أو أن العبادة في أشهر الحج، أو في موسم الحج، أو ما إلى ذلك من المناسبات الشرعية كما يقولون، هذا في الحقيقة قصور، وهذا في الحقيقة من الغزو الذي بلينا به، والذي حصل عند كثير من أبناء المسلمين لما عطلوا فهمهم لشعائر دينهم كما ينبغي، ولهذا في الطائرة مثلاً، في البر، أو العمل، أو الوظيفة لا تطالبنا بعبادة، لا تطالبنا بحلال وحرام كما يقول بعض الناس، سبحان الله! أدين الله في أماكن، ثم نعصي الله في كثير من الأماكن، سبحان الله! هذا قصور في الفهم في أمور الدين، فأمور ديننا ينبغي أن تكون في كل أمورنا والإسلام نظام شامل لم يترك مجالاً من مجالات الحياة إلا كفله ونظمه وأصلحه ووضعه قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] ولهذا ينبغي أن نصطبغ بصبغة الإسلام، وصبغة العبودية لله أينما كنا ﴿اتق الله حيثما كنت﴾ في البر، في البحر، في الجو، في الوظيفة، في العمل، في البيت، في السوق، في الأسرة، في أمور الأموال، في أمور المعاملات، في البيع والشراء، في الأخلاق، في السلوك، في التعامل ينبغي أن نفهم الإسلام على أنه دين شامل، وعلى أن العبودية أمر واجب في كل مجال من المجالات التي جاء بها ديننا الإسلامي الحنيف. أيها الإخوة الكرام! هذا هو الجانب الأول، وتلك هي القضية الأولى التي هي قضية العبودية لله جل وعلا.

стр. 245

قضية الوحدانية قضية الربوبية ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾ [الحجر:٩٩] هذا فيه تجريد العبادة لله ، العبادة ذلك الشرف العظيم الذي أمرنا به، والذي خلقنا الله لتحقيقه ينبغي أن تكون لله ، فالله الخالق الرازق، المنعم المتفضل، المحيي المميت الذي بيده أزمة الأمور كلها، مالك النفع والضر ، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، هو الله الذي ينبغي أن يعبد، هو الذي ينبغي أن يوحد قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾ [الحجر:٩٩] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة:٢١] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء:١] فالعبادة محض حق الله ، فالربوبية مجالها عظيم، وهي إفراد الله بأفعاله هو بالخلق والرزق والإحياء والإماتة والنفع والضر، فلا يملك ذلك إلا الله ، وينبني على ذلك قضية الألوهية التي هي قضية أنه مادام أيقنا واعتقدنا وآمنا أن الله هو الخالق الرازق، فيجب علينا أن نوحده، ويجب علينا أن نعبده حق عبادته، ينبغي علينا أن نفوض الأمور كلها إليه. ولهذا لا يجوز للناس أن يلتفتوا إلى غير الله، لا ملجأ من الله إلا إليه، المخلوق الضعيف مشغولٌ بنفسه، عاجزٌ عن إدراك مصالحه حتى يحقق مصالح غيره، ينبغي أن نلتجئ إلى من بيده قلوب الناس جميعاً فلا نلتجئ ولا نستعين بمخلوق ضعيف مثلنا، بل نلتجئ إلى الله الخالق الرازق القادر جل وعلا، والإنس والجن يعجزون، الإنس والجن لا يستطيعون دفع ضرر، أو جلب نفع، ولا يملك ذلك إلا الله جل وعلا وحده، فينبغي أن تكون عقيدتنا وإيماننا مبدؤنا وثقتنا بالله فوق كل شيء، وهذا في الحقيقة هو ما يميز أهل الإسلام، لما جعلت الجاهليات المعاصرة والحديثة من الإنسان، إما حيواناً ناطقاً، أو حيواناً صامتاً كما في النظرية الداروينية الجاهلية الإلحادية، ولما وضعت الأديان المحرفة من الإنسان مكبلاً بالخطيئة الموروثة التي فعلها آدم لما كان سبباً في هبوطه من الجنة إلى الأرض، وكان الإنسان عندهم مكبلاً بالأحزان والأوهام والخيالات والضلالات، أعز الله الإنسان وشرفه، وأعلمه قدره ومكانته، ورزقه من الطيبات، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً. إذاً: فالله الذي خلقنا ورزقنا فلماذا نلتجئ إلى جمادات، أو إلى بشر ضعاف لا يستطيعون جلب نفع، أو دفع ضر، من الذي يملك الخير للناس ودفع الشر عنهم إلا الله، لما أصيبت الأمة بالحوادث والكوارث، لم يكن مخلصاً منها إلا الله وحده قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام:١٧] وقال : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [يونس:١٠٧] فالوحدانية لله والربوبية لله، فينبغي أن تكون هاتان القضيتان من القضايا المهمة في حياة المسلمين، وينبغي ألا تشغله قضايا المال، وقضايا الأعمال، وقضايا الوظيفة عن تحقيق هذا الأمر، فإيقاننا واعتقادنا ويقيننا بالله وإيماننا به يبعث فينا الضمير الذي يراقبه جل وعلا في كل لحظة، ولهذا أمر الإخلاص لله، وأمر أداء الأمانة، والقيام بالمسئوليات على الوجه الشرعي كما يريد الله، وكما أمر الله هذه قضية لا يقوم بها إلا من حققوا الإيمان، ولهذا لو علمت الجاهليات وعلمت النظم الأرضية اليوم ما يفعل الإسلام في تحقيق الرقابة الذاتية، وفي تكوين الشعور والإيمان الذي يجعله يراقب الله ، ويبعثه على مراقبة الله ، ويعتقد أن الله سيحاسبه، لو علمت ذلك، لربت شعوبها على الإيمان، فإذا أوجدنا الجيل المؤمن والفرد المؤمن، كسبنا القيام بأعمالنا على الوجه الصحيح؛ لأننا نطمئن أن صاحب الإيمان سيراقب الله. وإذا خلوت بريبةٍ في ظلمةٍ والنفس داعيةٌ إلى الطغيان فاستح من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليَّ رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعةً ولا أن ما تخفي عليه يغيب أفيظن أصحاب المعاصي، وأصحاب الانحرافات، والذين يخلون بما حرم الله من سماع محرم، ومن نظر محرم، ومن قراءة محرمة، ومن ممارسة محرمة في أفعال وأقوال أبعدت القلوب عن خالقها وبارئها ورازقها، أفيظنون أن الله لا يراهم، ولا يطلع عليهم، ولا يراقبهم؟! قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ينبغي أن نُكَون هذا الشعور في نفوسنا، وأن نعلم أن رقابة الله ينبغي أن تكون شعاراً لنا وديدناً لنا في كل عمل نقوم به، وفي كل لفظ نتلفظه، لو وجد الجيل المراقب لله، لما وجدت من يعصي الله، لما وجدت من يخل بالعمل، لما وجدت من يقع في الظلم والغش والتزوير والتدليس، لما رأيت من يواقع معصية، لما رأيت امرأة تخالف شرع الله وتقع فيما حرم الله ، لما رأيت رجلاً يقع في أي أمر حرمه الله عليه.

стр. 246

الموت ونهاية العبادة أمر الرقابة، وأمر العبادة، وأمر الوحدانية لله ينبغي علينا جميعاً أن نحققه، ولكن هل نحققه في يوم، أو في شهر، أو في لحظات معينة، أو في مواسم نأتي بها من عند أنفسنا؟ ما هي الغاية؟ لقد أفصحت عنها الآية الكريمة: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] وهذا يبين أن عبادة الإنسان لله، وقيامه بالواجب عليه ليس محدوداً بحد، ولا مغيئاً بغاية، لا يحول عن العبادة، ولا الطاعة، ولا القيام بأمر الله إلا الموت، إلا مغادرة هذه الحياة، والموت تلك الحقيقة المرة القاسية التي هي في الحقيقة ثقيلة على نفوس الناس، ولا يريدها الناس بفطرهم، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت:٥٧] حقيقة كتبها الله على الناس جميعاً، يموت الأغنياء، ويموت الفقراء، ويموت الأقوياء، ويموت الضعفاء، يموت الملوك وغير الملوك، يموت المسئول وغير المسئول، يموت الكبير والصغير والذكر والأنثى، إذاً هذه نهاية كل الناس داخلها. الموت كأس وكل الناس شاربه والقبر بابٌ وكل الناس داخله

стр. 247

معنى اليقين في الآية السؤال الذي نسأله: ثم ماذا بعد ذلك؟ أيقنا أن هذه حقيقة ينبغي ألا تغيب عنا ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] واليقين كما فسره أهل العلم وأهل التفسير: الموت، كما فسر ذلك فيما نقل البخاري عدد من الصحابة ﵃ وعدد من التابعين كـ قتادة والحسن وعكرمة ومجاهد وسالم وغيرهم أن اليقين هو الموت، وقد دل على ذلك في كتاب الله ، قال الله عن أهل النار عافانا الله وإياكم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٦] هذه حال أهل النار والعياذ بالله لا يصلون، لا يؤدون الزكاة، يقعون فيما حرم الله ، يكذبون بيوم الدين، لا يبالون بالبعث والنشور، لا يستعدون للقاء الله، ألهتهم هذه الحياة بمغرياتها ومادياتها وشهواتها. فينبغي علينا أيها الإخوة! أن ننتبه لهذه الأمور، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر:٤٧] فاليقين هنا الموت كما في آية الحجر التي معنا. وقد جاءت السنة أيضاً في بيان أن اليقين الموت، عندما دخل النبي ﵊ على عثمان بن مظعون وقد مات، قال: ﴿أما هو فقد أتاه اليقين، ولكني أرجو الله له الخير﴾ فنبه على أن اليقين هنا هو الموت، وهنا لطيفة: أن اليقين هنا هو الموت خلافاً لما عليه بعض أهل الإلحاد الذين يقولون: إن اليقين هو المعرفة، يقولون: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] ما هو اليقين عندكم؟ قالوا: المعرفة، تتدرج في سلم المعرفة حتى تعرف الله -كما يقولون- وحتى تصل إلى درجة تسقط عنك فيها التكاليف، وحتى تصل إلى درجة والعياذ بالله يكون العبد فيها معبوداً والمعبود عابداً والعياذ بالله كما قالوا: العبد ربٌ والرب عبدٌ يا ليت شعري من المكلف إن قلت عبدٌ فذاك ربٌ أو قلت ربٌ أنى يكلف حمقٌ وجهلٌ وسفسطةٌ وفلسفة خلاف دين الله ، وما على ذلك من غلاة المتصوفة الذين يرون أن اليقين هنا هو المعرفة، أو أن الإنسان يعبد الله يصلي حتى يصل إلى درجة معينة، ثم تسقط عنه التكاليف، فهذه الآية ردٌ عليهم، وهذه الآيات والأحاديث تدل على أن عبادة الإنسان وطاعته تجب عليه ما دام عقله معه، وما دام يعيش على هذه البسيطة يجب عليه أن يقوم بعبادة الله، وليس معنى ذلك -كما قلت يا إخوان- أن ندخل المسجد فلا نخرج منه، أو أن نمسك المصاحف فلا نتركها، لا. بل نفهم العبادة، ونفهم الدين على أنه مجالٌ واسعٌ في كل مجال من المجالات حتى الأعمال الوظيفية يخلص فيها العبد النية لله ، فتندرج ضمن العبادات، وهذا أمرٌ ينبغي أن نتنبه له.

стр. 248

الموت والاتعاظ به الموت تلك الحقيقة التي نغفل عنها لما كبلنا بالماديات والأعمال والشهوات والوظائف والمناصب والكراسي، فأصبح بعض الناس يغفل، أما يفكر أين أبوه؟ أين أجداده؟ أين الناس الذين قبله؟ أين الملوك ذوو التيجان من يمنٍ وأين منهم أكاليلٌ وتيجان وأين ما شاده شداد في إرم وأين ما ساسه في الفرس ساسان أتى على الكل أمرٌ لا مرد له حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا فإذاً علينا أن نستعد لهذه القضية ولهذه الحقيقة التي نحن قادمون عليها، ولكن ماذا بعد الموت أيها الإخوة؟ الموت باب وكل الناس داخله فليت شعري بعد الموت ما الدار؟! الدار دار نعيمٍ إن عملت بما يرضي الإله وإن خالفت فالنار فلو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت غاية كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شيء ﴿لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيمَ أفناه، وعن شبابه فيمَ أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه﴾ هذه أسئلةٌ ينبغي أن نعد لها جواباً، وينبغي علينا أيها الإخوة ألا نطيل الأمل [[إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك]] هذه الدنيا إن أسعدتنا قليلاً بهذه الشهوات فإنها لن تدوم، هذه الشهوات لن تدوم، هذه الماديات لن تدوم، إما تنتقل عنا، أو ننتقل عنها، فينبغي علينا أن نعتبر، وأن نعد العدة لما بعد هذه الحقيقة التي سنقدم عليها، وأن يكون عند الإنسان إحساسٌ بها، وقد غفلنا عنها، والله لما أهملنا الصلوات الخمس مع الجماعة، ولما أذن المؤذن ونحن سادرون وغافلون ومنهمكون في دنيانا، غفلنا عنها لما ضيعنا أبناءنا وأسرنا، كثير من أبناء المسلمين وقعوا فيما حرم الله، بدل أن يعرفوا طريق المساجد عرفوا طريق قرناء السوء، المسكرات، المخدرات، المشكلات، المصائب التي جرت عليهم وعلى مجتمعاتهم فساداً عريضاً.

стр. 249

الاستعداد للموت يجب علينا أن نستعد لهذه الحقيقة يا من قصرنا في معاملاتنا، أكلنا الربا، وتساهلنا في الرشوة، ووقع بعضنا في الخيانة، يجب علينا أن نستعد لهذه الحقيقة يا من بخلت بزكاة مالك، ويا من ضيعت عمرك ووقتك عبر محرم من المحرمات أغنيات ماجنة، أو منظر محرم، أو فيلم يذكي فيك الغريزة، ويبعدك عن ربك، ألم تعلم أن أوقاتك محسوبة عليك، وأن ساعاتك مدونة عليك، وأن الله سائلك عن كل دقيقة؟ الوقت يمر، الوقت يمضي، فعليك أن تتزود من محطة من المحطات التي ينبغي أن تتزود فيها من الأعمال الصالحة، لا يمر علينا العمر هكذا، لا تمر علينا هذه الأعمار نمسي ونصبح ونحن في عجلة من الزمن لا ندري إلى أين نحن صائرون، ألا نعتبر بما يقع من الحوادث والكوارث عند الناس، نسمع هكذا أن فلاناً مات، وأن فلاناً انتقل من هذه الحياة، ألا نصور أنفسنا مكانهم؟! ثم نعلم أننا محشورون، وقائمون أمام الله في موقف عظيم، وقبله موصدون وموضوعون في حفرة ضيقة لا أنيس فيها إلا العمل الصالح، هل سأل الإنسان نفسه هذه الأسئلة؟ فإن ذلك يدفعه إلى العمل الصالح أن يقول خيراً، أن يحب الخير للناس، أن يطهر قلبه من الأحقاد والضغائن والحسد والغيبة والنميمة، أن تتقي المرأة ربها، فتلتزم بحجابها وعفافها وحيائها وحشمتها، وبعدها عن الاختلاط بالرجال وإبداء الزينة أمامهم، كل هذه أمورٌ ينبغي أن نستعد بها وفيها أمام ربنا جل وعلا. هذه القضايا الثلاث أيها الإخوة الكرام: قضية العبادة، وقضية الوحدانية والربوبية، وقضية الموت والنهاية، كل تلك قضايا تضمنتها هذه الآية العظيمة، وهي آية كريمة ينبغي أن نقف عندها طويلاً، وأن نعرض أنفسنا وأعمالنا وأقوالنا عليها، وأن ننظر في أنفسنا، وأن نحاسبها: هل نحن حققنا هذه الأمور أم نحن قصرنا فيها؟ وحري بالعبد وعلى من علم عظمة الله، وعلم قدرة الله، وعلم واجبه تجاه ربه جل وعلا، وشكر نعمة الله عليه الذي خلقه ورزقه وحباه وكلأه وهيأ له النعم؛ أن يقوم في هذه الأيام بعبادة الله، فإن العمر قصير، آجالٌ محدودة، وأنفاس معدودة، أجل مقسوم، ووقت محسوم، ثم بعد ذلك سؤالٌ وحشرٌ ونشرٌ وجنةٌ أو نارٌ، عذاب ٌلا نعيم بعده، أو نعيمٌ لا عذاب بعده. نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا وإياكم ممن حقق هذه الأمور كلها بمنِّه وكرمه، كما نسأله تعالى بأسمائه الحسنى أن يرزقنا حسن عبادته، وأن يرزقنا القيام بها على الوجه المطلوب، كما نسأله تعالى أن يغفر لنا ذنوبنا وخطايانا وإسرافنا في أمرنا، وأن يتوب علينا إنه جوادٌ كريم، كما نسأله تعالى أن يوفقنا للاستعداد للقائه، وأن يحسن خاتمتنا وعاقبتنا، وأن يصلح فساد قلوبنا وأعمالنا إنه جوادٌ كريم، ونسأله تعالى أن يجمعنا بكم دائماً وأبداً على طريق الخير والحق والإرشاد والتذكير، والتعاون على البر والتقوى، ونسأله تعالى أن يجمعنا بكم في دار كرامته كما جمعنا بكم في هذا اللقاء الطيب المبارك. شكر الله لكم حضوركم وإنصاتكم، وبارك الله فيكم، وشكر الله لإخواننا المسئولين في الخطوط السعودية الذين أتاحوا لي هذا اللقاء الطيب المبارك، والذين ترك بعضهم أعماله، وأتى وشرفنا في هذا اللقاء الأخوي، شكر الله للجميع، وجعل ذلك في موازين الأعمال، وجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلقه نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

стр. 250

الأسئلة .
следующие страницы →